عرض مشاركة واحدة
  #12  
قديم 05-02-2012, 11:26 PM
الصورة الرمزية يقيني بالله يقيني
يقيني بالله يقيني غير متواجد حالياً
متميز وأصيل
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: جمهورية مصر العربية
المشاركات: 4,854
افتراضي

صاحب أبي نواس( التوابع والزوابع )
فضرب زهير الأدهم بالسوط، فسار بنا في قننه، وسرنا حتى انتهينا إلى أصل جبل دير حنة، فشق سمعي قرع النواقيس، فصحت: من منازل أبي نواس، ورب الكعبة العلياء! وسرنا نجتاب أديارا وكنائس وحانات، حتى انتهينا إلى دير عظيم تعبق روائحه، وتصوك نوافحه. فوقف زهير ببابه وصاح: سلام على أهل دير حنة! فقلت لزهير: أوهل صرنا بذات الأكيراج؟ قال: نعم. وأقبلت نحونا الرهابين، مشددة بالزنانير، قد قبضت على العكاكيز، بيض الحواجب واللحى، إذا نظروا إلى المرء استحيا، مكثرين للتسبيح، عليهم هدي المسيح. فقالوا: أهلا بك يا زهير من زائر، وبصاحبك أبي عامر! ما بغيتك؟ قال: حسين الدنان. قالوا: إنه لفي شرب الخمرة، منذ أيام عشرة، وما نراكما منتفعين به. فقال: وعلى ذلك. ونزلنا وجاؤوا بنا إلى بيت قد اصطفت دنانه، وعكفت غزلانه، وفي فرجته شيخ طويل الوجه والسبلة، قد افترش أضغاث زهر، واتكأ على زق خمر، وبيده طرجهارة، وحواليه صبية كأظب تعطو إلى عرارة. فصاح به زهير: حياك الله أبا الإحسان! فجاوب بجواب لا يعقل لغلبة الخمر عليه. فقال لي زهير: اقرع أذن نشوته بإحدى خمرياتك، فإنه ربما تنبه لبعض ذلك. فصحت أنشد من كلمة لي طويلة:
ولرب حان قد أدرت بديره ... خمر الصبا مزجت بصفو خموره
في فتية جعلوا الزقاق تكاءهم، ... متصاغرين تخشعا لكبيره
والى علي بطرفه وبكفه، ... فأمال من رأسي لعب كبيره
وترنم الناقوس عند صلاتهم، ... ففتحت من عيني لرجع هديره
يهدي إلينا الراح كل معصفري، ... كالخشف خفره التماح خفيره
فصاح من حبائل نشوته: أأشجعي؟ قلت: أنا ذاك! فاستدعى ماء قراحا، فشرب منه وغسل وجهه، فأفاق واعتذر إلي من حال. فأدركتني مهابته، وأخذت في إجلاله لمكانه من العلم والشعر. فقال لي: أنشد، أو حتى أنشدك؟ فقلت: إن ذلك لأشد لتأنيسي، على أنه ما بعدك لمحسن إحسان. فأنشد:
يا دير حنة من ذات الأكيراح، ... من يصح عنك فأني لست بالصاحي
يعتاده كل محفوف مفارقه ... من الدهان، عليه سحق أمساح
لا يدلفون إلى ماء بآنية، ... إلا اغترافا من الغدران بالراح
فكدت والله أخرج من جلدي طربا، ثم أنشد:
طرحتم من الترحال أمرا فغمنا
وأنشد أيضا:
لمن دمن تزداد طيب نسيم، ... على طول ما أقوت، وحسن رسوم
تجافى البلى عنهم حتى كأنما ... لبسن، من الإقواء، ثوب نعيم
واستمر فيها حتى أكملها. ثم قال لي: أنشد. فقلت: وهل أبقيت للإنشاد موضعا؟ قال: لا بد لك، وأوعث بي ولا تنجد. فأنشدته:
أصباح شيم أم برق بدا، ... أم سنا المحبوب أورى أزندا
هب من مرقده منكسرا، ... مسبلا للكم، مرخ للردا
يمسح النعسة من عيني رشا، ... صائد في كل يوم أسدا
قلت: هب لي يا حبيبي قبلة، ... تشف من عمك تبريح الصدى
فانثنى يهتز من منكبه، ... قائلا: لا! ثم أعطاني اليدا
كلما كلمني قبلته، ... فهو إما قال قولا رددا
كان أن يرجع، من لثمي له ... وارتشافي الثغر منه، أدردا
قال لي يلعب: خذ لي طائرا، ... فتراني الدهر أجري بالكدى

(1/5)

__________________


رد مع اقتباس
 
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67