عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 04-25-2012, 02:30 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 25,422
افتراضي

الإنسان في عالم التكتلات الاحتكارية [9]



تأثير لا نظير له:


في الولايات المتحدة مؤسستان لهما تأثير خطير على الطبيب الأمريكي وعلى مهنة الطب والعلاج، وهما: الجمعية الطبية الأمريكية وإدارة (أو وكالة) الأغذية والأدوية.. وفي هذه المقالة أتناول بشيء من التفصيل تأثير الجمعية الطبية الأمريكية (AMA) لعلنا نتبيّن مداه وعمقه في التعليم الطبي وفي مهنة الطبيب وممارساته العلاجية:
1- لا يستطيع طالب الطب أن يحصل على الدرجة العلمية التي تؤهله لممارسة الطب إلا من كلية معترف بها من الجمعية الطبية الأمريكية..
2- ولا يستطيع أن يمارس تدريبه العملي إلا في مستشفى تخضع في مواصفاتها لمعايير الجمعية..
3- إذا اعتزم الطبيب أن يصبح أخصائياً في فرع من فروع الطب فلابد أن يكون ذلك طبقاً للمعايير التي تقررها الجمعية..
4- وعندما يتخرج فإنه لا يستطيع ممارسة المهنة إلا بترخيص يصدر من الجهة الحكومية المختصة.. ولكن طبقاً للقوانين التي صنعتها..

علاوة على ذلك كله تقوم الجمعية بدور الأم الحاضنة والمسيطرة على الطبيب خلال رحلة طويلة من التعليم المستمر لا تتوقف حتى يتخلى الطبيب عن المهنة أو يتوفاه الله، ونتبين ذلك خلال النشاطات التالية: نشر المقالات العلمية في مجلتها، التي تنشر أيضاً نتائج الأبحاث، وعروض الكتب الجديدة وملخصاتها، وباب سؤال وجواب في مناقشات حول المشاكل الإكلينيكية، وتقييم الأدوية الجديدة والمعدّات الطبية، وباب خطابات إلى رئيس التحرير.. وغير ذلك من مئات المسائل التي يرغب الطبيب في التعرف عليها وترضي فكره وتشبع حبه للاستطلاع في كل ما يتعلق بمهنته وممارساته الطبية.. يضاف إلى هذا كله: المؤتمر السنوي الذي تعقده الجمعية لأعضائها لمدة أسبوع كامل مليء بالمحاضرات والمعارض والعروض الوثائقية.. وأفلام يحصل عليها الطبيب ليشاهدها في بيته.. مع هدية مجانية عبارة عن حقيبة مليئة بعشرات النشرات والكتب وعينات أدوية.. كلها هدايا من شركات الأدوية..
في كتاب نقدي لريتشارد كارتر بعنوان "عمل الطبيب": Richard Carter. The Doctor"s Business, N, Y.: Doubleday, 1958. يقول فيه: "على المستوى القومي تمدّ الجمعية سلطانها أبعد كثيراً من كليات الطب كوصية وراعية للمقاييس المعيارية الطبية: فهي التي تقوم بتحديد صلاحية المستشفيات لتدريب الأطباء الجدد.. وتقدم نصائح واجبة التنفيذ في برامج تدريب الفنيين والممرضات، ولها تأثيرها الفعال في تمرير قوانين تتعلق بالأغذية والأدوية، وفضح العلاجات التي تعتبرها غير علمية، ومحاربة عمليات النصب والغش العلاجي".

وتنفق الجمعية الطبية ملايين الدولارات كل عام على برامج متلفزة للتأثير على الرأي العام لتظل واحدة من أغنى اللوبيات وأكثرها أثراً في واشنطون.. بل إنها تنفق ملايين الدولارات لدعم المرشحين السياسيين الذين تفضلهم ولها اليد الطولي في اختيار رئيس مجلس إدارة وكالة الأغذية والأدوية.. إنها باختصار أكبر قوة مؤثرة على الطبّ في الولايات المتحدة..

والسؤال الآن هو: من الذي يسيطر على جمعية الطب الأمريكية..؟!

سوف يفترض كثير من الناس أنه من المنطقي والطبيعي أن يكون من يسيطر على هذه الجمعية هم أعضاؤها من الأطباء الذين يدفعون اشتراكاتهم السنوية للجمعية بانتظام.. ولكن ليس هناك أبعد عن الصحة من هذا الافتراض..!! فمن الذي يسيطر إذن على هذه الجمعية ..!؟ لكي نعرف الإجابة على هذا السؤال لا بد من الرجوع قليلاً إلى الوراء لنرى كيف نشأت هذه الجمعية وكيف تطورت..؟

لقد تأسست الجمعية الطبية سنة 1847 بجهد ثلاثة من الرجال هم: دكتور جورج سيمونز، ودكتور جي. إن. ماكورماك ودكتور ريد.. كان دكتور سيمونز هو القوة الدافعة وراء الجمعية في أيامها الأولى باعتباره المدير العام.. رغم أنه لم ينتظم في دراسة الطب بشكل أكاديمي في معهد رسمي وإنما استطاع أن يحصل على درجة طبية بالمراسلة وكان هذا ممكناً في ذلك الزمن.. كما أنه (بصفة عامة) ليس من الضروري أن يكون الإنسان طبيباً ليدير جمعية طبية أو غيرها.. والحقيقة أنه لا يوجد طبيب ناجح في مهنته يمكن أن يضحي بوقته ومهنته للتفرغ لإدارة جمعية.. فمثل هذا الطبيب سوف ينأى بنفسه عن هذا العمل ويتركه لمن يجيد اللعبة السياسية.. فرئيس الجمعية- في واقع الأمر- ليس له عمل حقيقي سوى السفر إلى الولايات المختلفة ليشرح سياسية الجمعية ووظائفها وإنجازاتها.. والحقيقة أنه رجل مستأجر يمكن أن يأتي من خارج الجمعية، وهو في هذه الحالة ليس مستأجراً من قبل الأطباء بل من جهة أخرى قد لا تخطر على بال أحد ولعلنا نتطرق إلى هذه النقطة في سياقها.. والمهم هنا أن نعلم أنه لا سلطان عليه من ناحية الجمعية (من حيث هي محصلة الإرادة الجامعة للأطباء).. بل هو الذي يسيطر على الجمعية، فهو الذي يعيّن أعضاء مجلس إدارتها.. في نظام ديكتاتوري مفروض على الأعضاء وإن احتفظ بمظهر ديمقراطي صوري يتمثل في اجتماعين سنويين للجمعية العمومية.. حيث يُدْعون لمناقشة مشكلات ثانوية لا تأثير لها على السياسة العامة للجمعية.. ولا تغيّر شيئاً من مهمتها الأساسية التي خُلقت من أجلها وهي خدمة المصالح المالية الاحتكارية لشركات الأدوية..

أبرز مصدر لتمويل الجمعية يأتي من ناحية مجلتها الشهرية.. كان الاشتراك السنوي فيها لا يزيد عن خمس دولارات في وقت من الأوقات" ولكن الأهم من الاشتراك السنوي هو الإعلانات التي تدرّ عليها ملايين الدولارات.. فمن الذي يعلن فيها..؟ إنها شركات الأدوية..! ورئيس تحرير المجلة هو في نفس الوقت رئيس الجمعية الطبية وهو الوسيط بين شركات الأدوية المموّلة وبين الجمعية.. إنه هو الذي يجمع الأموال وهو الذي يتصرف في وجوه إنفاقها وهو الذي يوظّف مدّخراتها ويأتي بالأرباح والمكاسب الطائلة والجميع سعيد وشاكر لجهوده وأفضاله..!

الجمعية الطبية الأمريكية إذن من هذا الموقع ذي الهيمنة الشاملة والنافذة على المهنة الطبية في الولايات المتحدة وبنفوذها في صميم السلطة السياسية" وبالدعم اللامحدود من جانب احتكارات صناعة الأدوية.. بهذه الأبعاد في الاعتبار نستطيع أن ندرك كيف كان نفوذها وتأثيرها على الرأي العام عندما انفجرت مشكلة استخدام فيتامين بي 17 في علاج السرطان (كعلاج منافس للعلاجات التقليدية).. إذ قامت المجلة بشن حملة مكثفة واسعة النطاق على هذا التوجّه ووصفته بالدجل والشعوذة، ووصمت الأطباء الذين يقومون به بأشنع الأوصاف، ولم يكن ذلك الموقف إلا خدمة لمصالح شركات الأدوية الكيماوية التي هي المصدر الأساسي لتمويل جمعية الأطباء وتمويل مجلتها الشهرية.. فهناك التحام مصالح بين الجمعية وبين قوة ومكاسب وثراء شركات الأدوية...!

دراسة كاشفة:

في سنة 1972 ظهرت دراسة تقييمية لمجلس بحوث الأدوية (التابع للجمعية) ، استغرقت وقتاً طويلاً بعيداً عن الأضواء.. فلما أُعلنت نتائجها أحدثت دوياً هائلاً يشبه انفجار قنبلة في الأوساط الطبية والدوائية.. فقد جاء بتقرير هذه الدراسة أن بعض أكثر الأدوية استخداماً على رفوف الصيدليات ليس له أي قيمة علاجية.. ولا يصحّ وصفها للمرضى بأي حال لأنه لا يصح وصف دواء للمريض تأثيره العلاجي معدوم.. بحيث يعيش على وهم بشفاء لن يتحقق، ويُحرم في نفس الوقت من العلاج الفعال.. ولما طُلب من رئيس اللجنة و****ها للمثول أمام اللجنة الطبية بالكونجرس للإدلاء بشهادتهما في الموضوع، أعلنا في هذه الشهادة أن الدخل المالي الكبير للجمعية الطبية الأمريكية يأتي إليها من شركات الأدوية مما جعل الجمعية أسيرة لهذه الشركات بل ذراعاً خادماً لمصالحها التجارية...!! فماذا كان رد فعل الجمعية المحترمة..؟

قامت بإلغاء مجلس الأدوية وإحالة الخبراء فيه إلى الاستيداع.. وكان السبب المعلن عن الاستغناء عن خدماتهم هو أنها مجرد عملية اقتصادية بحتة لتوفير نفقات الجمعية لخدمة أغراض أكثر أهمية..!

مزيد من إخضاع الأطباء:

لم يتوقف سلوك الجمعية عند هذا الحد بل سعت سعياً حثيثاً لإحكام قبضتها (وبالتبعية قبضة شركات الأدوية) على المهن الطبية فصمّمت مشروع قانون جديد عُرض على الكونجرس فوافق عليه وصدق عليه الرئيس ريتشارد نيكسون في 30 أكتوبر 1972.. يخوّل هذا القانون لوزارات الصحة والتعليم والشئون الاجتماعية إنشاء سلسلة من المجالس في الولايات الأمريكية بغرض مراجعة وتفتيش النشاطات المهنية لجميع الأطباء، أما الذين يقومون بالتفتيش فيتم تعيينهم من قبل الحكومة الفدرالية.. وعلى جميع الأطباء أن يطبّقوا في ممارساتهم المهنية والعلاجية التوجيهات والمعايير الحكومية التي هي معايير وتوجيهات الجمعية الطبية.. وعليهم أن يسمحوا للمفتشين بالاطلاع على العلاجات وتقارير المرضى والأدوية الموصوفة لهم.. ومن لا ينصاع من الأطباء لهذه الحملات التفتيشية تُلغى تصاريحهم لممارسة المهنة.. كل هذه الإجراءات والاحتياطات لم تكن لوجه الله ولا لمصلحة المرضى إنما كانت سيفاً مسلطاً على رقبة الأطباء لكي لا يخرجوا عن بروتوكولات العلاج التي صممتها شركات الأدوية.. ولا يجربوا في علاجاتهم أي أدوية أخرى بديلة.. فبحكم هذا القانون أصبح هذا جريمة يعاقب عليها القانون..!

الأعجب من كل ذلك أن هذا القانون الذي يمسّ مصير الأطباء ويدخل في صميم مهنتهم ويتحكم في حريتهم واجتهاداتهم العلاجية لم تتم مناقشته في جمعيتهم العمومية.. ولم يُطلب منهم حتى الإدلاء بآرائهم أو اقتراح تعديلاتهم عليه، وإنما فُرض عليهم فرضاً.. ولم يُسمح بعد ذلك للأطباء بنشر أي تعليق أو إبداء أي رأي مخالف في مجلتهم الطبية.. ذلك لأنه إذا كان الأمر متصلاً بمصالح الشركات الاحتكارية فعلى الديمقراطية الأمريكية أن تخرس وأن يدفن أصحاب الرأي الآخر آراءهم في التراب...!!
__________________
(اللهم {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} (البقرة:201)
رد مع اقتباس
 
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59