الرئيسية  الحكم والأمثال   مكتبة التصاميم تفسير الأحلام فوتوشوب أونلاين أذكار المسلم  القرآن الكريم  اتصل بنا

العودة   ملتقى شذرات > مكتبة شذرات الإلكترونية > كتب ومراجع إلكترونية

كتب ومراجع إلكترونية عرض وتحميل الكتب الإلكترونية ebooks


إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #5

إدارة الموقع

 
الصورة الرمزية Eng.Jordan

المستجيرة بحمى الرحمن

تاريخ التسجيل: Jan 2012

الدولة: الأردن

المشاركات: 15,141

   08-28-2012

 12:08 PM

الأوسمة

 عطاء متواصل ومثمر بإذن الله
My SMS اللهم إنك عفوّ تحب العفو فاعفُ عنا

  مزاجي

 

افتراضي


Ping your blog, website, or RSS feed for Free


8 ـ تأملات في النقد الأدبي
"اليساري" الأمريكي.




إن تاريخ الثقافة الأدبية الأمريكية لم يشهد بتاتاً من قبل بحث مسائل في النقد الأدبي مثل البحث الجاري في هذه الآونة على أوسع نطاق، مع العلم بأنه تقني في بعض الأحيان ومثار جدل عنيف في معظم الأحيان. فما من ناقد للأدب أو معلم له إلا وكان عرضة للتأثر بهذا البحث. ولكن ليس هنالك أي اتفاق أوتوماتيكي حول ماهية المسائل الأساسية أوحتى الهامة في كل هذا المعمان النقدي. وعلى الرغم من احتمال صحة القول، مثلاً، أن العديدات من المدارس النقدية(كالسيميائية والتأويلية والماركسية والتفكيكية من بين أخريات) لا يزال لها روادها، فإن المناخ النقدي مناخ خليط كل النقاد لهم فيه صلة طفيفة أوكبيرة بمعظم المناهج والمدارس والمعارف السائدة. ومع ذلك فمن المؤكد تقريباً أنه مامن ناقد بينهم يقلل من الأهمية السوسيولوجية والفكرية لذلك الانهدام الكبير القائم بين أشياع مايمكن دعوته (بالنقد الجديد) الحديث وبين أشياع النقد القديم أوا لتقليدي. ومن الجدير بالذكر أن هذا الانهدام الذي يعود غالباً بالمضرة لا يستقطب النقاد كلهم. بيد أن من الملفت للنظر، في المساجلات الدائرة بين الفريقين، وجود رغبةواضحة لاعتماد المواقف التي تقزم وتضخم لا الفريق المناوئ وحده وحسب، بل والفريق المشايع أيضاً إن جاز مثل هذا التعبير، فثمة ناقد تفكيكي وهو يلف ويدور للتحدث حديثاً عاماً (sub specie aeternitatis) دفاعاً عن النقد الطليعي يجعلنا نشعر بما ينم عن تحدي الفكر الغربي نفسه وهو يحلل، أو تحلل، بعض السطور من كتابة روسو أو فرويد أو باتر، في حين أن بعض النقاد الآخرين الذين يصدقون أنفسهم بأنهم يتحدثون باسم سلامة العقل والحشمة والعائلة في بحثهم ماهية كل ماتعنيه الفلسفة الإنسانية يلطخون، على نقيض الفريق السالف الذكر، سمعة حتى عملهم هم على غير دراية منهم حين يظهرون بمظهر من يبّسطون مجمل القواعد الهائلة التي يستند إليها البحث الأكاديمي، أي نفس القواعد التي تجلو ماهم فاعلونه كباحثين.
وبمعزل عن التفكير ملياً بكل مظاهر هذا التعارض الكبير لن يكون بمقدورنا أن نأمل بشكل مناسب معرفة تفاصيل مايدور الآن فعلياً في النقد الأدبي والنظرية الأدبية، علماً أن بوسعنا أن نتحدث وعلى وجه الدقة عن بعض النماذج الشائعة في كل من النقد وفيما أنتج هذا النقد أيضاً من تاريخ، ومجتمع وثقافة. إن إحدى النقاط التي أود الإشارة إليها هي ما إن كانت تلك المماحكات العنيفة الدائرة، مثلاً، بين م.ه.آبرامز وبين ج.هيليس ميللر، أو بين جيرالد غراف وبين ما تدعى بمدرسة ييل، أو بين "التخم2" و"الأخدود"، و"العلامات الفارقة"، وغير ذلك من المجلات الصغيرة، تطرح حدوداً نظرية واضحة بين المواقع القديمة أو اليمينية وبين المواقع الجديدة أو اليسارية، وذلك لأن التفاوت بين فصاحة النظرية وبين وقائع الممارسة لهو نفسه تقريباً تماماً على كلا جانبي الجدل. وما هذا الشيء إلا صحيح دائماً بالطبع في كل المماحكات العنيفة: فنحن نسوق الدليل نظرياً دفاعاً عن الشيء الذي لا تفعله البتة عملياً، ونفعل الشيء نفسه، بخصوص ما نعارض أيضاً. ومع ذلك فإننا واجدون نوعاً من النقد الجديد الذي يتبنى موقفاً معارضاً مما يراه بحثاً أكاديمياً راسخاً أو محافظاً، والذي يتقصد عامداً متعمداً أن يؤدي وظيفة الجناح اليساري في السياسة ويدلي بالبينات وكأنه يبتغي تثوير الفكر والممارسة، لا بل وحتى المجتمع ربما، لا من خلال الكثير مما يفعله وينتجه، بل من خلال ما يقوله عن نفسه وعن خصومه. ولكن في الواقع هنالك الكثير من تلك الإنجازات الفعلية التي يحق لهذا النقد أن يتباهى بها. ففيما يتعلق بالتنظير والتأويل النقديين هنالك أعمال أصيلة. بمنتهى البهاء، بل وثورية حتى، متجلببة كلها بدرع بلاغي كامل من الدفاع والهجوم والتحبيك المبرمج على نطاق واسع: ولسرعان ما يخطر هنا على البال عمل هارولد بلوم، والمساجلات المتواترة عنه. ولكن عمل بلوم وما أفضى إليه من غضب وتقريظ على شكل نقد يبقيان بالأساس وطيدي الأركان في صميم تراث النقد الأكاديمي. فالنصوص والكتّاب والعصور ظلوا ضمن إطار قانون ميسور تمييزه ومتفق عموماً عليه. حتى لو تباينت الكلمات والعبارات المتداولة لوصفهم ذلك التباين الكبير استناداً إلى موقفك من بلوم معه كنت أم عليه.

واعتراضاً على فرضية كهذه هنالك أولاً: رد فعلي أنا حيث أنني سائر بدوري في ركاب التجزيئيين، وثانياً: الواقع القاضي باقتصار النقد، بحكم الظروف، على الأكاديمية، وحظره عن الشارع لا بمقتضى تهذيبه ليس إلا. وعلى الرغم من وجود مايسوغ هذين الاعتراضين كليهما، فإن ما أحاول قوله (على شكل عمومية مربكة بعض الشيء)، هو أن طريقة المعارضة التي يعتمدها (النقد الجديد)الحديث لا تمثل تمثيلاً دقيقاً أفكاره وممارسته اللواتي تزيد، بعد كل الهياط والمياط قولاً وفعلاً، في ترسيخ وضمانة البنية الاجتماعية والثقافية اللتين جاءتا بتلك الأفكار والممارسة. فممارسة التفكيك تجري، مثلاً، وكأن الثقافة الغربية أسيرة التشظي، إذ ها هو التحليل السيميوطيقي يسوق الأدلة على أن عمله يرقى إلى مستوى ثورة علمية ومن ثم اجتماعية في علوم الإنسان. إن من الممكن الإتيان بفيض من الأمثلة بيد أن ما أقوله مفهوم لتوه كما أعتقد. فهنالك مناقشة تصادمية دون تصادم حقيقي، إذ حتى الماركسية كثيراً ما استسلمت، بهذا السياق، للمقتضيات المحمومة للفصاحة وتنازلت في الوقت نفسه عن امتيازاتها الراديكالية الحقة.
إنني أقول هذا كله دون توضيح السبب الذي دفعني لوضع كلمة يساري، في عنوان مقالتي هذه ضمن أقواس استشهاد تعبيراً عن الشك والريبة. وفضلاً عن ذلك أجد من العسير علي الانتقال من فكرة اليسار في السياسة إلى اليسار في النقد الأدبي. فبالطبع هنالك تعارض بين آبرامز وديريدا أو ميللر، ولكن هذا بمقدورنا أن نقول بملء الثقة أن الشيء الذي يقف على كف عفريت، والذي يبدو في أحسن الأحوال مجرد سؤال عمن تصوراته للبنى الفوقية تتجلى بالأفضلية، لشيء يتناسب مع العنف الواضح لذلك التعارض؟ إن كل النقاد الأقدمين والمحدثين، كانوا على أتم القناعة بتقييد أنفسهم بالشأن الأكاديمي للأدب، وبالمؤسسات الموجودة لتعليم الأدب واستخدام تلاميذه، وبتلك الفكرة المضحكة أحياناً والمتملقة ذاتياً دائماً بما مفاده أن مناظراتهم ذات تأثير هام وجليل على المصالح الحساسة التي تعود بالمضرة على الجنس البشري. ففي قبول اليسار الدعيّ لهذه التقييدات، بشكل لا يقل عن اليمين بشيء، يكون بعيداً جداً عن لعب أي دور سياسي حقيقي. إن مايدفع الوضع الراهن هو بالفعل، من ناحية أولى، مزيداً من الانعزال الذي لم يسبق له مثيل في التاريخ الثقافي الأمريكي الحديث، ذلك الانعزال الذي انعزله نقاد الأدب عما يدور اليوم في القضايا الكبيرة من فكرية وسياسية وخلقية وأخلاقية، وهو من ناحية ثانية فصاحة، وقفة، وضعية لا تظهر بمظهر مايمثل أي شيء (ولنكن صريحين في الختام)، مقدار ما تظهر على حقيقتها من أنها تلك البلايا الناجمة عن عداء سياسي سافر. فلو صادف وزارنا زائر من كوكب آخر لأصيب بالارتباك إن تقيض له أن يسترق السمع ممن يدعى، زوراً وبهتاناً، بناقد قديم وهو ينعت النقاد الجدد بأنهم خطرون، ولنتساءل أيضاً ولابد عن الشيء الذي يشكلون خطراً عليه، أهو الدولة؟ أم العقل؟ أم السلطة؟
إن نظرة خاطفة على التاريخ الفكري الحديث تجلو القصة على أحسن مايرام، فما من مرء يصادف أية مشكلة في محاولة العثور على نوع من أنواع اليسار في الثقافة الأمريكية بين عقودالعشرينات والخمسينات، كما يؤكد للتو كتاب دانيال آرون المعنون بـ "كتاب على اليسار". وإن من الصحيح بكل تأكيد أن المساجلات الفكرية إبان تلك العقود كانت تدار بأغلبيتها الساحقة في هذه البلاد بلغة سياسية على ارتباط مباشر بالسياسة الفعلية. فالسيرة المهنية لأناس من أمثال راندولف بورن وجوزيف فريمان، مثلاً، لا تنفصم عراها عن مشكلات الحرب أو سياسة عدم التدخل أو الصراع الطبقي أو الستالينية أو التروتسكية. ولئن كنا نشعر بأن ما كتبه هذان الكاتبان كان يفتقر إلى المستوى الثقافي الرفيع الذي كان عليه نقد معاصريهما - كإليوت وفاليري وريتشاردز وإمبسون - فإننا نشعر في الوقت نفسه أن إدراكهما للأدب كأدب (أي أن الأدب شيء أكثر من مبنى إيديولوجي)، كان عميق الجذور إلى حد الروعة. ففي عمل أفضل كاتب في تلك الزمرة ككتاب "هيا إلى محطة فيلندا"، لإدموند ويلسون، على سبيل المثال، هنالك مستوى رفيع من الفكر والبحث، وهنالك أيضاً تحبيك سياسي وانهماك تاريخي كبيران قلما يظهر أي منهما بمظهر الدعاية الرخيصة أو بمظهر ما تعودنا على دعوته مؤخراً بالماركسية المبتذلة. وحين يحاول ناقد مرموق في الأكاديمية أن يجد لنفسه، أو لنفسها، موقعاً مسؤولاً في هذا العالم، وفي هذه المرحلة المديدة والرجراجة إلى حد ما، ألا وهي تلك المرحلة التي أنعتها "بالتاريخ الثقافي الحديث". بمنتهى البساطة، يمكننا أن نقع على مثل تلك المحاولة في مقالة كمقالة ماثيسين المعنونة بـ "مسؤوليات الناقد"، المكتوبة أصلاً في عام 1949، فما ثيسين لا يدعي بأنه ماركسي، غير أنه يقول بكل وضوح أن ناقد الأدب يجب أن يولي اهتمامه للشأن المادي الذي تعالجه الماركسية علاوة على اهتمامه "بأعمال الفن الدارجة في زماننا هذا"، إن الاستعارة الأساسية في هذه المقالة إن هي إلا استعارة البستنة: فالنقد يمكن أن يتحول إلى "حديقة مسورة من نوع ما"، مالم يتوصل الناقد إلى التيقن من "أن الأرض الواقعة خلف أسوار الحديقة أكثر خصاباً، وأن مسؤوليات الناقد تكمن في تجديد احتكاكه بالتربة". فهذا القول لا يعني أن على النقاد أن يتعرفوا على "تلك الأسس الاقتصادية الكامنة خلف أية بنية فوقية ثقافية"، وحسب، لا بل ويعني أيضاً:
أننا نحن معشر الجامعيين لم يعد بوسعنا أن ندير ظهورنا... على العالم.... إذ إن المكان المناسب للمفكر، كما تصوره وليام جيمز، كان في صميم النقطة المركزية التي تدور عليها رحى معركة ضارية، ونحن من المستحيل بالنسبة لنا أن ننظر إلىتلك الاستعارة بالخفة التي تعامل بها الكاتب معها. فأينما نظرنا في هذه السنوات القليلة المشؤومة منذ إسقاط أول قنبلة ذرية على هيروشيما لوجدنا أننا مهددون بتلك القوى الهائلة إلى الحد الذي يجعلنا نشعر فيه بأننا سائرون في طريق محفوفة بالمخاطر. ولكننا نبقى عرضة حتى لتهديد أفدح إن ظل على تقاعسهم أولئك الناس، ممن تتجسد مسؤوليتهم الرئيسية كنقاد في استبقاء أبواب الاتصالات بين الفن والمجتمع مشرعة على مصاريعها حفاظاً على أسباب الحياة، في القيام بواجباتهم للإتيان الدائم بفكر جديد لصالح مجتمعنا هذا(1).
ففي هذه الملاحظات ثمة تلميح بمنتهى الوضوح مفاده أن قوى التهديد الذي يطفح بها التاريخ التالي لتاريخ هيروشيما من الممكن حشرها في زاوية ضيقة دفاعاً عن نفسها، ومن الممكن استيعابها من خلال "الفكر الجديد"، للناقد، وليس بوسعنا هنا إلا أن نتبسم بكل بساطة على سذاجة ماثيسين إذ ليس هنالك اليوم إلا حفنة قليلة من النقاد ممن يرون أن عملهم جدير بالشفقة عليه والدفاع عنه ضد هذه القوى التاريخية الغاشمة وبشكل مباشر، أو ضد أية قوى مثيلة أخرى. وعلاوة على ذلك فلغة الأزمة ملازمة للنقد، كما بمقدور أي قارئ لبول دي مان ان يقول لك، ولكن سيكون هنالك على أرجح الظن، مالم ترجع اللغة وتدور حول نفسها في أمثال هذه الحالات، كما ينبغي له أن يقول لك محذراً، تعمية وتضليل أكثر مما سيكون هنالك معرفة أو نقد حقيقي. فالنقد والأدب إذاً عند ماثيسين، يترعرعان على نفس تلك الخبرات التي ينجم من صميمها الاقتصاد والتاريخ المادي والصراع الاجتماعي. وإن مثل هذا الاقتراح، بكل بساطته الأنطولوجية غير المعضلة ظاهرياً، من المستبعد جداً أن يعاود الظهور في هذه الأيام، في الوقت الذي النظرة فيه إلى ما يدعوه دي مان" بتداعي واقعية عالمنا هذا"، تماثل نظرة السخرية إلى نوع من الأدب لغته"، هي الشكل الوحيد للغة متحررة من زيف التعبير المباشر". ومع ذلك كان إنجازماثيسين كناقد إنجازاً محترماً، إذ إن كتباً ككتابه المعنون بـ "الانبعاث الأمريكي"، لا تتكشف عن إنسان وديع "Achöne Seele" ضّليل ولا عن عالم ضحل من علماء سوسيولوجيا المعرفة. وأما المشكلة فتكمن في الكيفية التي تحدث بها حديثاً عاطفياً وسياسياً جداً عن مسؤوليات الناقد، وفي السبب الذي دفع نقاداً، بعد مرور عشرين سنةونيف، مثل دي مان (صاحب التأثير الراهن الجليل جداً)، لتكريس اهتمامهم على استحالة تحمل المسؤولية الاجتماعية والسياسية.
فبالنسبة لدي مان "لا يمكن للمعرفة الفلسفية أن تبرز إلى الوجود إلا حينما تلتف على نفسها عوداً على بدء". وما هذا القول إلا طريقة أخرى للقول بأن كل من يستخدم اللغة كوسيلة لتوصيل المعرفة معرّض للوقوع في شرك الاعتقاد بأن سلطته، أو سلطتها، كحائز معرفة وموصلها، ليست مقيدة باللغة التي هي في واقع الأمر مجرد لغة وماهي بالشيء الواقعي المباشر. وأما الأدب، من الناحية الأخرى، فما هو أساساً إلا مايدور عن فضح المعمّى كما أن لغة الشعر، بالنسبة لدي مان، ماهي إلا "تلك اللغة التي تسمّي هذا الفراغ [أي وجود الخواء الذي من المفروض أن تدل عليه كلمات تركيب لغوي تتمثل مهمته الأساسية بالإشارة إلى نفسه فقط وبالإشارة إلى كونه مدركاً بمنتهى السخرية لفعلته هذه]، بفهم متجدد دوماً وأبداً، دون كلل أوملل البتة من تسميته مراراً وتكراراً بتوقان يماثل توقان روسو:"إن مثل هذا التبصر يتيح لدي مان أن يجزم على أن الأدب، في تسميته ذلك الفراغ وإعادة تسميته إلى أبد الآبدين، يؤكد على أنه نفسه ليس أكثر من ذلك وبأقصى درجات التوكيد، وبشكل لا يقل قوة بتاتاً عن قوته حين يبدو الأدب بأنه مكبوت كي يتيح إمكانية ظهور المعرفة. وهكذا:
حين يعتقد النقاد المحدثون بأنهم يفضحون معميات الأدب، تكون معمياتهم هم موضع الافتضاح في الحقيقة بواسطة الأدب، ولكن بما أن هذا الأمر يحدث بالضرورة على شكل أزمة، يكون أولئك النقاد في وضعية مكفوفي البصر عما هو جار في صميم أنفسهم هم. وفي تلك اللحظة التي يزعمون فيها أنهم يفتكون بالأدب يتواجد الأدب في الأمكنة كافة، وذلك لأن ما يدعونه بالأنتروبولوجيا وعلم اللغة والتحليل النفسي ماهو إلا الأدب نفسه مطلاً برأسه من جديد، مثله مثل رأس هايدرا (الصدار)، في نفس تلك البقعة التي من المفروض أنه انقطع فيها، إن على العقل البشري أن يتعرض لأهوال تشوه مذهل حتى يتفادى مواجهة "خواء الأمور البشرية"(2).
إن دي مان، على نقيض ديريدا الذي كان عليه لاحقاً أن يبدي ألفة محترمة حيال عمله، أقل اهتماماً بقوة وإنتاجية التشوه البشري (الذي يدعوه ديريدا بالشيء الذي لا يخطر على بال l’impensé)، منه باستمرار وتكرار أداء ذلك التشوه، أي إصراره على الألحاح كإلحاح إن جاز مثل هذا التعبير. وهذا هو السبب الذي يجعل من السخرية اللاذعة الشغل الشاغل بالفعل لدى دي مان كناقد: إذ إنه مشغول دائماً في تبيان وضع النقاد أو الشعراء الذين يكشفون بالفعل -النقاد بلا دراية والشعراءعن دراية- المنطلقات المستحيلة لصياغة أي شيء بتاتاً. أي ما يدعى بارتباكات الفكر التي يتصور دي مان أن كل الأدب العظيم يعود إليها على الدوام، وذلك في الوقت الذي يظنون فيه أنفسهم بأنهم يصوغون شيئاً ما. ومع ذلك فإن هذه القيود الفكرية على إمكانية الصياغة لم تمنع دي مان من صياغتها وإعادة صياغتها، في تلك المناسبات العديدة التي يحلل فيها، بشكل أقدر من معظم النقاد الآخرين، مقطوعةأدبية. إنني أتردد كثيراً قبل نعتي دي مان بالمحجاج، لكن بمقدار ما يحض النقاد على فعل هذا الشيء دون ذاك، أود أن أقول بأنه ينبئهم بأن يكفوا عن الحديث وكأن من الممكن تجاوز الدراسة التاريخية، وبأن يتحدثوا عن الأدب حديثاً جاداً. فما السبب يا ترى؟ لأن الأدب العظيم إن كان قد تعرض من قبل لفضح المعمى، فلن يكون بوسع الدراسة بتاتاً أن تخبرنا بأي شيء جوهري عن الأدب لم يتنبأ به الأدب نفسه سابقاً.
وإن أعظم مايمكن أن يحدث هو أن الناقد يكون عرضة لفضح المعمى، مع العلم أن هذا القول يرقى إلى القول بأن الناقد يعترف بأن الأدب قد فضح بنفسه معمياته مسبقاً.
ليست لدي الرغبة في أن أستخدم دي مان كممثل عمومي للشيء الذي تجري ممارسته هذه الأيام في النقد الأدبي: فعمله فائق الأهمية، ومواهبه فائقة الاستثناء ولو لمجرد الارتقاء به إلى منزلة التمثيل. بيد أنني أظن أن من الممكن اعتباره القدوة في تيار فكري معارض، لا بطريقة واضحة جداً، للشيء الذي هو في العادة معيار في الدراسات الأدبية الأكاديمية. فالعمل الأدبي عنده يحتل موقعاً يسمو بلا قيد أو شرط تقريباً على الواقعية التاريخية لا بفضل قوته بل بفضل وهنه المسلّم به. علماً أن أصالته تكمن في منطلق مؤداه أنه ألقى سلاحه "منذ البدء"، وكأنه قال سلفاً بأنه لا يحمل أية أوهام عن نفسه وبأنه أسلم مباشرة تخيلاته لميدان الشكل المقبول. وإن هذه الأفكار لتعبر بالطبع عن ميل كبير في الفن الرمزي بأسره، ألا وهو الميل الذي حظي بتشويق محترم من خلال أية نسخة من تشكيلة الشكلية النقدية في القرن العشرين:
فإعادة سبك مقولة من مالا رمي، يكمن خلفها ذلك التصور الذي مفاده أن العالم إن كان له ثمة وجود على الإطلاق، فلابد من أن يكون قد خلص إلى كتاب أو على شكل كتاب، وما أن ينطوي العالم في كتاب حتى تدار له الظهور إلى أبد الآبدين. فالأدب، بوجيز العبارة، لا يعبر إلا عن نفسه فقط(وهذا موقف في أقصى درجات التطرف، في حين أن أدناها يتمثل بالقول أن الأدب يدور "عن" لاشيء): إذ أن عالمه شكلي، وعلاقته بالواقع العادي.
لا يمكن فهمها، كما يوحي دي مان إلا من خلال النقض أو من خلال نظرية ساخرة إلى حد بالغ، صارمة بمقدار ماهي متلاحمة معتمدة في جدواها على افتراضات متناقضة تقول بأن العالم إنْ لم يكن كتاباً يكون الكتاب عندئذٍ ليس هو العالم. ولربما أن هذه الافتراضات ليست ممنوعة من الاعتراض كما قد تبدو، ولاسيما إذا تذكرنا الحد الذي أقر فيه معظم النقد منذ أرسطو بوجود مقدار معين من الانحياز السري في غالب الأحيان والانحياز المصبوغ بصبغة التقليد والمحاكاة ولو أنه موضع الإنكار.
ولكن نقد دي مان يدخر لنفسه بعض سلطته المبررة لأن دي مان كان رائد "النقدالميتافيزيقي"، الأوربي، كما يحلو للبعض أن ينعت نقده. وهنا نخوض تواً غمار الواقع السوسيولوجي والتاريخي الذي مفاده أن النقد المعاصر "اليساري"، أو المناهض في أمريكا قد تعرض للتأثير العميق بالنقد الأوربي، ولاسيما الفرنسي منه، وإن بوسع المرء أن يدلي بعدد من الأسباب لذلك التغيير الدرامي في اللغة واللهجة الذي حل بالمشهد النقدي الأمريكي إبان عقد الستينات (1960)، المنصرم، بيد أنني لا أنوي هنا هدر وقت طويل في تعداد ذلك. غير أن الإنصاف يقضي أن نقول بأن الآثار التي تركها النقد الأوربي علىمفرداتنا ومواقفنا النقدية كانت عديدة ومن بينها تلاشي الشعور بريادة "الدراسات الإنكليزية"، في الميدان الأدبي. فمعظم النقد الأدبي الذي طغى على الأكاديمية، لا بل وحتى على عالم الصحافة في حقيقة الأمر، صار يعتمد على إنجازات الكتاب المحدثين من أمريكيين وبريطانيين، علاوة على تنامي الشعور القاضي بأن دعاوى السيادة الوطنية-بكل المعاني التي تنطوي عليها هذه العبارة -يجب أن تسود النقد. إن المؤمنين بهذا الجانب يتألفون من آرنولد في البداية، ومن تم لاحقاً من كل من ليغز وإمبسون وريتشاردز ومن معظم (النقاد الجدد)، الجنوبيين. والجدير بالذكر أنني لا أقصد القول بأن هؤلاء النقاد كانوا رجالاً إقليميين أوذوي تفكير محلي، بل القول بأنهم كانوا يرتأون أن كل ماهو خارج العالم الأنكلو/ ساكسوني يجب تجييره لصالح الغايات الأنكلو/ ساكسونية. فحتى ت.س. إليوت، الذي كان إلى حد كبير أعظم ناقد عالمي في تلك الآونة حتى مطلع عقد الستينات (1960)، كان يرى في شعراء أوربيين من أمثال دانتي وفيرجيل وغوته حماة القيم الأنكلو / ساكسونية كالملكية التي كانت بمثابة موروث متواصل لا ثوري، وكفكرة دين وطني. وهكذا فإن الهيمنة الفكرية لإليوت وليفز وريتشاردز و(النقاد الجدد)، تتزامن لامع عمل أقطاب كجويس وإليوت نفسه وستيفنز ولورانس وحسب، لا بل ومع تطور جاد و مستقل للدراسات الأدبية في الجامعة، تطور أضحى بمرور الزمن مرادفاً "للعنجهية الإنكليزية"، كموضوع ولغة وموقف.
وفي أحسن أحوالها وجدت "العنجهية الإنكليزية"، في لوينيل تريلينغ و.و.أ ويمات وروبن براور، وفي حفنة ضئيلة من الناس الآخرين، تشكيلة متباينة من المدافعين عنها، وتشكيلة بارزة على شيء عميق جداً من الذكاء والإنسانية، بيد أنها تعرضت للتحدي -قبل بروز الزهو الفرنسي بزمن طويل - جراء أمرين اثنين أولهما داخلي وثانيهما خارجي. "فالعنجهية الإنكليزية"، لم تفض داخلياً إلا إلى إيديولوجيا ضمنية، وإلى مناهج ليست قابلية توصيلها من السهولة بمكان، الأمر الذي كان مرده ثمة أسباب معقدة إلى الحد الذي يفرض على المرء، إن حاول وصف الموقف الذي كان سائداً وقتها، أن يخوض غمار أمور كالتقزز من الستالينية والحرب الباردة ومراوغة النظرية،واقتران القيم والالتزام، وحتى الأفكار، "بالأسلوب"، اقتراناً لا تاريخياً مباشراً ومنطوياً على مفارقة عجيبة. ولكن مايهمني هنا بهذا الخصوص هو ما نجم، على العموم، عن ذلك كله على الصعيد الفكري: أي ذلك النموذج من النقد المعتمد بالأساس على تنميق لا نهاية له. ففي ذلك المزاج النفسي المفاجئ الناجم عن المنافسة والتوسع والتالي لإطلاق سبوتنيك (Sputnik)، كان هنالك برامج لغوية شتى تستهدف صيانة الأمن القومي وتحظى بالتمويل من مؤسسة (NDEA)، كما كان هنالك "العنجهية الإنكليزية"، التي زينت لنا "قوتنا"، كأمة دون إضافة شيء جوهري عليها. فالأطروحة الجامعية النموذجية انكفأت من رسالة بحث تاريخي مدروس دراسة جيدة إلى مجرد مقالة بالغة الدقة، فضلاً عن أن تلاميذ اللغة الإنكليزية صاروا تبّعاً لنقطة بعيدة جداً عما كان هاماً، ناهيك عن شعورهم بذلك. وأما الدور الذي صارت تلعبه الإنكليزية فما كان ليعدو، في أحسن الأحوال، دور الأداة (وهذا بوضوح، ماكان يدأب على مناهضته ريتشارد أوهمان ولويس كامبف في أواخر عقد الستينات)، على الرغم من أن من مارسوا ذلك الدور، من أمثال تريلينغ وآبرامز ويمات، كانوا محط النظر إليهم بإعادة توكيدات لا إيديولوجية على أن الأسلوب والدراسات الإنسانية والقيم إن هي بالفعل إلا من ذوات الشأن. فالنتيجة الخالصة لهذا كله كانت استيطان الترهل في الدراسات الإنكليزية، إذ مابعد المسافة التي يستطيع المرء أن يجتازها في هذه الظروف على درب التنميق ليس إلاه؟
كمثل عن الشأو الرفيع الذي كان بمقدور التنميق الأدبي بلوغه بهاء وحنكة كان هنالك نورثروب فراي، الذي يمكن جزئياً تعليل سطوع نجمه النظري المتألق على كل ميدان الدراسات الإنكليزية في عقدي الخمسينات والستينات بمناخ التنميق (الذي بجّله وعمقه في كتابه المعنون "بتشريح النقد")، وبطغيان الفراغ النظري/ التاريخي. وأما كمثل عن مدى اتساع هذا كله فتور ووهناً، كان هنالك كدس مكدس من تلك الصناعات الأدبية المختلفة (جويس، كونراد، باوند، إليوت)، التي لما يكن وقتها بوسعها البتة حتى أن تتظاهر بأنها جزء لا يتجزأ من المسيرة العامة باتجاه المعرفة، وهكذا بطريقة عجيبة لا بل ومربكة ربما، صارت الحداثة الأدبية تقترن أولاً لا بالحاضر وإنما بالماضي القريب كما أنها طفقت تكتسب المشروعية مراراً وتكراراً بشكل لا نهاية له، وصارت تقترن ثانياً بإنتاج تحبيك ثانوي متعذر فهمه عملياً لكتلة من الكتابات المقبولة عالمياً ككتابات أصيلة. ومن الجدير بالذكر أن هذه الكتلة ذات التحبيكات الثانوية -من مثل الكتابات الأدبية لدي مان- كان عرضة لفضوح معمياتها بادئ ذي بدء، وما كانت تحمل في الوقت نفسه أية أوهام عن نفسها، وكل ما كانته كان لا يعدو كونها ثانوية وغير ضارة وحيادية إيديولوجيا إلا ضمن القيود الداخلية لحرفة مكسوة بأكداس مكدسة من أكسية الاحتراف.
وأما التحدي الثاني "للعنجهية الإنكليزية"، فقد كان خارجياً، وهنا وجدت من المفيد استخدام ذلك المفهوم الذي يدور حول المنشأ الأجنبي، والذي كان جورج شتاينر أول من أشار إليه. وهنا مرة ثانية هنالك العديد من الأشياء الجديرة بالذكر ضمن هذا السياق،ومرة ثانية أيضاً أجد لزاماً علي أن أكون مقلاً واصطفائياً. فلقد توسعت سوق الكتب ذوات الأغلفة الورقية توسعاً هائلاً وتزايد معها عدد الترجمات من اللغات الأجنبية تزايداً دراماتيكياً، فضلاً عن التأثير التدريجي الذي تأثرته "العنجهية الإنكليزية"، بميادين خارجية كالتحليل النفسي والسوسيولوجيا والأنتروبولوجيا، ناهيك عن الأثر السائب المفلوش (وتحت رعاية مؤسسة NDEA بالمناسبة)، للأدب المقارن مع ما لازمه من مقام رفيع شديد الوطأة لنقاد أجانب متألقين من أمثال أورباخ وكورتيوس وسبيتزر، علاوة في الختام، على مايبدو الآن بأنه كان تدخلاً عرضياً مفيداً وأصيلاً تدخله في مشهدنا الأدبي النقد الأوربي الذي كان سائداً وقتها أولاً من خلال نقاد مقيمين بين ظهرانينا كدي مان وجورجز باوليت، ومن ثم من خلال تزايد أعداد النقاد الزائرين القادمين من بلدان أجنبية. والجدير بالذكر عند هذا المفصل أن الماركسية احتازت لها على حضور فكري صار يؤخذ بعين الاعتبار في سياق التحدي الخارجي الذي ينطوي عليه الاستيراد من الخارج.
وإلى حد ما أعلم فإن ذلك الصنف من الماركسية الذي كان قيد الممارسة أو الإعلان في الأقسام الأدبية الجامعية لا يدين إلا بقسط ضئيل جداً للحركة الراديكالية الأمريكية التي لاقت حتفها في عصر ما كارثي. فالماركسية الجديدة جاءت إلى هذه البلاد جزئياً كنتيجة للاهتمام بالنقد الفرنسي ومن ثم بمدرسة فرانكفورت، وجزئياً من جراء الموجة العامة للهيجان المعادي للحرب في الحرم الجامعية. لقد فعلت الماركسية فعلها على شكل اكتشاف مفاجئ وعلى شكل تطبيق مفاجئ أيضاً على المشكلات الأدبية. وأما نقاط ضعفها الأساسية فقد كانت تتمثل بالغياب النسبي لثقافة أو لموروث نظري ماركسي محلي متواصل لمؤازرتها وبانعزالها النسبي عن أي نضال سياسي ملموس.
وبين هذين التيارين كانت حاسمة التحديات الداخلية والخارجية للدراسات الإنكليزية - ولكن بطرائق محدودة جداً وحسب، مع العلم أن هذا القول يجسد شيئاً عويصاً فهمه. فخلال الهيجانات الكبيرة في الستينات(1960) عمدت المؤسسات الأدبية الأكاديمية، التي اعتادت أن تكون طيلة سنوات مصنعاً لإنتاج العقول والمقالات المصقولة إلى الرد على تلك الأوقات بمطلب العلاقة المباشرة. ولقد كان هذا المطلب يعني، في حقيقة الأمر، أن تعليم ودراسة الأدب يجب أن يبينا لنا بين الحين والحين الكيفية التي ترتبط بها الروائع الأدبية بالواقع المعاصر، أي أننا بقراءة سويفت أو شيكسبير بمقدورنا أن "نفهم"، وحشية الإنسان أو مقدار الإثم الكبير الذي تنطوي عليه سياسة التفرقة العنصرية. وأما أنا افليس لدي من التردد إلا أقله حين أقول إن ذلك التبجح الثوري الفارغ الكبير الذي تبجحته (جمعية لغة الحداثة)، لم يجلب معه إلا تغييرات تجميلية وحسب، وبأن تلك التغييرات لم تكن أدلة دالة على وجود إرادة التغيير لدى مختلف فصائل الدارسين ممن عقدوا العزم على ذلك، بل كانت أدلة على عمق ومرونة إيديولوجيا التزيين التي امتصت بمنتهى الفاعلية حتى هذا التحدي الجديد الذي كان ينطوي ضمناً على التطرف. فلقد كان هنالك، والحق يقال، نزعة عجيبة، بل ومرعبة أيضاً، في اللغة الطنانة لكل من الفريقين المتعارضين لإجهاز هذا الفريق على ذاك، في مؤخر الستينات ومقدم السبعينات. فالمفردات جنحت فجأة إلى مزيد من "التقنية"، ومزيد من "الصعوبة"، الذاتية، كما أن مماحكة بارثيز/بيكارد أعيد إحياؤها وحتى استنساخها في العديد من المجلات والمؤتمرات والأقسام الأدبية، ناهيك عن أن الطموح لبلوغ منزلة "المنظر الأدبي"، صار ضربة لازب “de rigeur” مع العلم أنه كان المركز المربح للعديد منا، والأمر الذي لم يكن له عملياً ثمة وجود بتاتاً في لوائح الأقسام الأدبية قبل مضي عشر سنوات. ولقد كان هنالك سعي حثيث للعثور على مشروعات وبرامج و"عقول"، وأحابيل متشابكة المعارف، مما جعل هذا كله ينيخ بكلكله على المرء إلى الحد الذي جعله لا يستطيع فيه أن يبحث في قصيدة من قصائد دون (Donne) دون أن يشير في الوقت نفسه إلى جاكوبسون، لا بل وربما حتى إلى المصطلحات اللاتينية في اللغات الأوربية، وعلى الأقل إلى الاستعارات والكنايات. وهكذا صار أمام المرء، من ناحية أولى، فظهر ثقافة فرعية جديدة حقيقية معارضة نظرياً للموروثات الأدبية الوطنية القديمة المكسوة بكساء المؤسسة في الأكاديمية، وصار أمامه، من ناحية ثانية، تلك الموروثات القديمة وهي تدافع عن نفسها، استنجاداً بالدراسات الإنسانية، والذوق وسداد الرأي وما شابه ذلك، ويبقى السؤال في هذه الأمثلة ما إن كان (حمد وحمدو)([1]) يختلفان فعلاً عن بعضهما بعضاً كل ذلك الاختلاف الكبير، وما إن كان أي منهما قد أنتج العمل الذي يبرر، في آن واحد معاً، فصاحة الأول العدوانية أو دفاع الثاني دفاعه الأخلاق المستميت.
إن مدار اهتمامي الوحيد ينصب على الجانب "اليساري" من ذلك الجدل، ونقطة بدئي الحقيقية تتمثل بملاحظتين اثنتين عن الشيء الذي لم ينتجه اليسار. فلاحظوا أولاً أنه في الدراسات الأدبية الأمريكية، في الربع الماضي من هذا القرن، لم يقم ثمة عمل واف في مضمار الدراسة التاريخية الأساسية مما يمكن نعته "بالرجعي". وأنا أستخدم هذا النعت الأخير كي أشير إلى مقارنة من نوع ما مع ما جرى في ميدان الدراسات التاريخية الأمريكية، وذلك في عمل وليامز وألبيروفيتز وكولكو، وفي عمل الكثيرين غيرهم. فحتى يكون هنالك تفسير فعال فيما يدعى بالمعرفة التاريخية يجب أن يكون هنالك أيضاً، بعد كل ماجرى قوله وفعله، تاريخ فعال وعمل أرشيفي فعال وانهماك فعال في المادة الفعلية للتاريخ. إن العمل الفردي للأدب يوجد بالتأكيد إلى حد معقول بفضل بناه الشكلية، ويفصح عن نفسه بواسطة نشاط أو قصد أو طاقة أو إرادة شكلية. بيد أنه لا يوجد من خلال تلك الأشياء وحدها وحسب، ولا يمكن إدراكه وفهمه شكلياً ليس إلا. ومع ذلك فإن الدراسات الأدبية استسلمت في معظم الأحوال، حتى في نسختها الماركسية، لغياب نسبي للبعد التاريخي. فالبحث التاريخي عن اليسار خضع للتحييد جراء التصور القائل أن التفسير يعتمد إلى أقصى الحدود على المنهج أو الفصاحة، وكأن أياً من الشيئين هو الذي يدل بوضوح على الجدارة والعظمة المستقلتين للمنظر الأدبي، وعلاوة على ذلك فإن الاهتمام الشامل بالمعرفة الصدامية (أي تلك المعرفة الموجودة أساساً لتحدي وتغيير الأفكار المستوردة والمؤسسات الحصينة والقيم المشكوك فيها)، قد أذعن لسلبية الصقل اللا تاريخي الذي جرى على الأمور المسلم بها بداهة والمقبولة، والأمور المحددة سلفاً قبل أي شيء آخر. إن المرء ليفتش هنا وهناك وهنالك ولا يعثر إلا على بضعة بدائل للموقف الذي يحاول أن يبرهن على الكيفية التي ليس بوسعك فيها، مثلاً، أن تجيد فهم رواية "صديقنا المشترك" إلا إذا زدت من نظرتك إليها بأنها لا تعدو أن تكون بحد ذاتها رواية، الأمر الذي يعني تعميق دراستك لها كمثل ممتاز عن نظرية متشابكة. بمتهى الأحكام حول فن السرد الروائي الذي شروط إمكانية قراءته وقوته تعتمد على القواعد الشكلية للنحو والصرف، وعلى التجريدات النشوئية والبنى الفطرية، وهنالك عنصر معين من المحاكاة الساخرة في وصفي هذا، ولكن هنالك أيضاً شيء من الدقة فيه.
وأما الملاحظة الثانية فتكمن في الوجه الآخر للعملة، أي أن الدراسات الأدبية عن اليسار، بدلاً من أن تنتج عملاً يتحدى أو ينقح السائد من قيم ومؤسسات وتقييدات، تمادت أكثر من اللزوم في حقيقة الأمر في تعزيز تلك الأمور. وهذا الشيء أخطر من سابقه بكثير من عدة وجوه.

مامن مجتمع من المجتمعات المعروفة للتاريخ البشري كان له أي وجود بتاتاً بمعزل عن تحكم القوة والسلطة به، ناهيك عن أن أي مجتمع يمكن تقسيمه، كما يدأب غرامشي على القول، إلى طبقتين متشابكتين من حكام ومحكومين. وليس هنالك شيء ثابت بخصوص هذه التصورات الأساسية، إذ إن كان بمقدورنا أن نعتبر المجتمع بأنه توزيع ديناميكي للقوة والمواقع يجب أن يكون بوسعنا أيضاً أن نعتبر فئتي الحكام والمحكومين فئتين بالغتي التعقيد وبالغتي التعرض لتبادل المواضع. وإذا اقتصرنا الآن على استخدام مصطلحات غرامشي، يمكننا تقسيم المجتمع إلى طبقتين ناشئة وتقليدية. وإلى قطاعين مدني وسياسي، وإلى تبّع وسادة، وإلى قوتين طاغية وتنفيذية رسمية. ومع ذلك فإن مايكمن خلف هذه الفاعلية بقضها وقضيضها هو على الأقل فكرة ما، أو زمرة من الأفكار، وعلى الأكثر مجموعة من الوكالات ذوات النفوذ التي تستمد قوتها من الدولة. فالحقيقة المركزية للقوة والسلطة في التاريخ الغربي هي، منذ نهاية عصر الإقطاع على الأقل، وجود الدولة، وعلينا أن نقول كما أتصور أننا كي نفهم لا القوة وحدها بل والسلطة أيضاً -التي هي بمثابة فكرة أكثر تشويقاً وتبايناً من فكرة القوة -علينا أن نفهم في الوقت نفسه تلك الطريقة التي تتأتى فيها أية سلطة في المجتمع الحديث من وجود الدولة إلى حد ما.
إن الثقافة والتشكيلات الثقافية والمفكرين يوجدون، إلى حد كبير، بفضل شبكة شيقة جداً من العلاقات مع قوة الدولة تلك القوة المطلقة تقريباً، وعن هذه المجموعة من العلاقات علي أن أقول تواً أن كل النقد اليساري المعاصر، من ذلك النوع الذي يدور بحثه عنه، أصم أبكم إلى حد مذهل في أغلب الأحيان. ولكن هنالك بعض الاستثناءات لهذه المقولة، إذ فوكو يمثل استثناءاً، وكذلك كل من أوهمان وباولنتزاس، مع العلم أن المرء ليتعذر عليه الإتيان بأسماء النقاد الآخرين ممن نقدهم يتناول هذا الأمر على نحو مباشر. بيد أن المقولة المناقضة للمقولة السابقة تماماً هي أن كل من ينتج دراسات أدبية أو فكرية لا يأخذ في حسبانه الحقيقة التي مفادها أن كل العمل الفكري أو الثقافي يحدث في مكان ما، وفي زمان ما، وعن ميدان ما مرسوم، ومرخص بمنتهى الدقة أسير احتواء الدولة له في خاتمة المطاف. ولقد بادرت الناقدات إلى افتتاح هذه المسألة إلى حد ما، غير أنهن لم يستكملن الشوط حتى نهايته. فلئن كان صحيحاً، بناء على نظرية الفن للفن، أن عالم الثقافة والإنتاج الفني له استقلاله الخاص به، بعيداً عن انتهاكات الدولة والسلطة، يجب علينا حينئذٍ أن نبقى على أهبة الاستعداد لتبيين كيفية الحصول على ذلك الاستقلال وتبيين كيفية الحفاظ عليه، وهذا أهم من سابقه، وبكلمات أخرى فإن العلاقة بين علم الجمال وسلطة الدولة تتوطد في كلتا الحالتين: في حالة الاعتماد المباشر، وفي حالة الاستقلال التام مع العلم أن هذه الحالة أقل احتمالاً من سابقتها بكثير.
وأما الإحساس الذي يخالجني الآن بأنني أضطلع بعبء نطاق واسع من الخبرة التاريخية، لا بل وأوسع مما ينبغي بكثير، لإحساس يعمقه التيقن أن الخطاب الثقافي أو النظري أو النقدي لا يوفر اليوم لي أية مفردة ولا أية لغة توثيقية أو مفهومية، ولا يوفر لي، وهذا أقل من السابق بكثير، أية كتلة ملموسة من التحليلات المخصصة، ابتغاء الإفصاح عن نفسي. إن عبقريتنا النقدية مصوغة، في أغلب الأحوال، بفعل التحليل الخبيث الذي يأتي به ذلك التخم الأصم الذي يعزل، مثلاً، الخيال عن الفكر والثقافة عن القوة والتاريخ عن الشكل، كما يعزل النصوص عن أي رسم إضافي (hors****e)، وهلم جرا، ومن الجدير بالذكر أننا نسيء استخدام فكرة كينونة المنهج، فضلاً عن وقوعنا في فخ الاعتقاد أن المنهج هو الرائد وأن من الممكن له أن يكون نظامياً دون الإقرار في الوقت نفسه بأن المنهج يشكل على الدوام جزءاً من طاقم معين من العلاقات برئاسة وتحريك السلطة والقوة. ولئن كانت كتلة الموضوعات التي ندرسها - الكتلة التي تشكلها أعمال الأدب- تنتمي إلى مفاهيم الأمة والقومية، وحتى العرق، وتكتسب تلاحمها منها وتنبثق عنها بمعنى من المعاني، فلن يكون في الخطاب النقدي المعاصر إلا النزر اليسير الذي يجعل من هذه الوقائع موضوعات بحثها أمر ممكن. وأنا لا أنوي هنا الدفاع عن نوع من اللغة النقدية الاختزالية التي يتمحور أساسها المنطقي على الفرضية المؤكدة إلى مالا نهاية من أن "الأمر كله سياسي"، كائناً ما كان يعنيه المرء بكلمة "الأمر، أو كله، أو سياسي"، ولكن مايخطر على بالي هو ذلك النوع من التعددية التحليلية كما اقترحه غرامشي للتعامل مع كتل ثقافية/ تاريخية، المتعمدة بالعالم الذي يعيشون فيه وبالقيم التي ينخرط عملهم من خلالها بالتاريخ، لا يرون بأنهم أنفسهم يشكلون تهديداً لأي شيء، إلا لبعضهم بعضاً في أرجح الظن. فهم بالتأكيد مطواعون كما كان ديدنهم مذ صارت عبادة الدولة بمثابة الزي الدارج، كما أن من المؤكد أن انصرافهم الخنوع للروائع الأدبية والثقافية والنصوص والهياكل المثبتة بمنتهى البساطة في "نصوصهم"، هم لأداء وظيفة المشروعات الناجزة أيضاً، لا يشكل تهديداً للسلطة أو لتلك القيم التي يعمل المدراء التكنوقراطيون على ديمومة رواجها وتداولها.
ولكن ماهوعملياً، بعبارات أدق، دور الوعي النقدي الحديث لدى النقد المعارض؟ إن الخلفية المرتبطة بصلب الموضوع، بوجيز العبارة، هي كما يلي: ثمة كلمات كالثقافة والمجتمع. كما بيّن ريموند وليامز، لم تحظ بمدلول واضح ملموس إلا في العهد الذي أعقب الثورة الفرنسية ليس إلا. فقبل ذلك العهد حددت الثقافة الأوربية هويتها بشكل قاطع ككل على أنها شيء مختلف عن المناطق والثقافات غير الأوربية من تلك التي أنيطت بها قيمة سلبية في أغلب الأحوال. ولكن إبان القرن التاسع عشر توشحت فكرة الثقافة بوشاح وطني وطيد الأركان، وأدت إلى نتيجة جعلت شخصيات كما ثيو آرنولد توحد بين الثقافة والدولة ذلك التوحيد الفعال. فواقع الحال بالنسبة للنشاط الجمالي أو الثقافي هو أن إمكانيات وظروف إنتاجه تحوز على سلطانها بفضل ما دعوته بالتقرب، أي بفضل تلك الشبكة المستترة من الترابطات الثقافية الفريدة بين الأشكال والمقولات وغيرها من المحبوكات الجمالية من ناحية أولى، وبين المؤسسات والوكالات والطبقات، والقوى الاجتماعية غير المتبلورة، من ناحية ثانية. إن التقرب كلمة فضفاضة إلى الحد الذي يتيح لها أن توحي بأنواع الطواقم الثقافية التي يبحثها غرامشي في المقطع الذي استشهدت به سابقاً. وإلى الحد الذي يسمح لنا فيه، في الوقت نفسه، أن نتذكر المفهوم الجوهري للهيمنة التي توجه النشاط الثقافي والفكري عموماً، أو التحبيك ككل.
هيا واسمحوا لي الآن أن أشير إلى الأهمية الكبيرة التي تنطوي عليها هذه الفكرة بالنسبة للنشاط النقدي المعاصر. إن التقرب ، كمبدأ تأويلي عام، يخفف بعض الشيء، في المقام الأول، من غلواء تلك النظريات السطحية التي تحدثت عن التشاكل والقرابة، والتي ابتكرت الميدان الطوباوي المتجانس التكوين للنصوص التي لا ترتبط إلا بنصوص أخرى ارتباطاً تسلسلياً ومحكماً وفورياً. والتقرب، بالمقابل، هو الشيء الذي يمكن نصاً من أن يحافظ على نفسه كنص، وما هذه الحقيقة إلا بالحقيقة المستورة بسلسلة من الملابسات: كمنزلة الكاتب واللحظة التاريخية وظروف النشر والانتشار والتلقي، والقيم المعتمدة، والقيم والأفكار المنحولة، وشبكة من أي لرؤية الثقافة والفن في انتمائها لا إلى نوع من الأثير السائب الذي تذروه الرياح في الفضاء أو إلى نوع من الميدان المحكوم بمنتهى الصرامة أو بحتمية حديدية، بل في انتمائها إلى مسعى فكري واسع -إلى منظومات وتيارات فكرية- مترابط بطرائق معقدة لفعل الأشياء، لإنجاز بعض الأشياء المعينة، للقوة، للطبقة الاجتماعية والإنتاج الاقتصادي لنشر الأفكار والقيم والصور الدنيوية، وإذا وافقنا مع غرامشي على أن المرء ليس بوسعه أن يقلص على هواه الدين أو الثقافة أو الفن إلى وحدة وتلاحم، لكان علينا عندئذٍ أن نستكمل الشوط مع الفرضيات التالية لصالح الدراسة والبحث الإنسانيين:
إن الشيء الذي يجب....شرحه هو الكيفية التي يتصادف بها في كل العصور تواجد عدة منظومات وتيارات للفكر الفلسفي، وكيفية توالد هذه التيارات، وكيفية انتشارها، والسبب الذي يجعلها تتبعثر في تلك العملية فوق خطوط معينة، وفي اتجاهات معينة. إن حقيقة هذه العملية تتواصل لكي تبين مدى ضرورة تنظيم المرء لحدسه عن الحياة والعالم بطريقة نقدية متلاحمة ونظامية، وضرورة تحديده الشيء الواجب فهمه بكلمة "نظامية" على وجه الدقة، كيلا تؤخذ بمعناها الأكاديمي المتحذلق. بيد أن هذا التحبيك يجب إنجازه في سياق تاريخ الفلسفة، ولا يمكن إنجازه إلا في ذلك السياق، وذلك لأن هذا التاريخ هو ما يبين الكيفية التي انحبك بها الفكر عبر القرون ويبين عمق الجهد الجماعي المبذول لتحقيق المنهج الراهن للفكر- ذلك المنهج الذي صنف واستوعب كل هذا التاريخ الماضي، بما فيه من حماقات وأخطاء. إن الواجب يقضي، في الوقت نفسه، عدم إهمال هذه الأخطاء ذاتها وذلك لأن المرء، مع أن تلك الأخطاء جرت في الماضي وتعرضت من ثم للتصحيح، لا يمكنه أن يكون متأكداً من أنها لن تجري مجدداً في الزمن الحاضر وتستدعي التصحيح مرة ثانية(3).
لقد أوردت الجملة الأخيرة لا لأنني موافق عليها، بل لأنها تعبر عن ذلك الجد التعليمي الذي كان يؤمن به غرامشي، والذي كان يرى فيه وجوب إجراء البحث التاريخي كله بمقتضاه. ولكن هذه النقطة الأساسية هي بالطبع ذلك التبصر الإيحائي، بما مفاده أن الفكر يكون قيد الإنتاج كي يكون من الممكن إنجاز ثمة أشياء، وبأنه يكون موضع الانتشار لكي يكون فعالاً ومقنعاً وقوياً، وأن مقداراً عظيماً من الفكر ينحبك حول ماهو نسبياً عدد قليل من الأفكار التوجيهية الأساسية. ولكن الجدير بالذكر هنا أن مفهوم التحبيك مفهوم عويص. فبالتحبيك يقصد غرامشي أمرين متناقضين ظاهرياً في حين أنهما متكاملان عملياً. أولاً: أن تحبك يعني أن تصقل، أن تستنبط (e-laborare) فكرة ما مسبقة أوفكرة أقوى، أن تؤيد وجهة نظر دنيوية. وثانياً: أن تحبك يعني شيئاً أكثر إيجابية نوعياً، أي الافتراض بأن الثقافة نفسها أو الفكر أو الفن لامتداد للواقع السياسي، وامتداد بالغ التعقيد وشبه مستقل وله، مع التسليم بداهة بالأهمية الاستثنائية التي يخلعها غرامشي على المفكرين والثقافة والفلسفة،عمق وتعقيد وقيمة دلالية/ تاريخية على قوة بالغة إلى الحد الذي يجعل السياسة أمراً ممكناً. فالتحبيك هومركب الأنماط التي تيسّر للمجتمع أن يحافظ على نفسه. إن غرامشي يجعل من التحبيك، بعيداً عن الانحدار بسمعته إلى منزلة الحلية، السبب نفسه لقوة ما يدعوه بالمجتمع المدني الذي يلعب في الغرب الصناعي دوراً لا يقل أهمية عن المجتمع السياسي. وهكذا فإن التحبيك هو المسعى الثقافي المركزي وهو، سيان نظر المرء إليه أم لم ينظر بأنه أكثر بقليل من الدعاية الفكرية لمصالح الطبقة الحاكمة. المادة التي تجعل من أي مجتمع مجتمعاً ما. فما التحبيك، بكلمات أخرى، إلا ذلك القسط العظيم من النسج الاجتماعي الذي تحدثت عنه جورج إليوت، في رواياتها الأخيرة، في حين أن التبصر الذي كان عليه غرامشي هو ما ساقه إلى التيقن بأن التبعية والتمزق والتبعثر والإنتاج مرة ثانية أمور كلها، شأنها شأن الإنتاج والخلق والإكراه والإرشاد، مظاهر ضرورية من مظاهر التحبيك.
إن بوسع المرء أن يشتط حتى إلى حد القول إن الثقافة -أي التحبيك- هي ما يعطي الدولة شيئاً تحكم من خلاله ومع ذلك فإن المسعى الثقافي،كما كان غرامشي حريصاً على القول في كل مكان، ماهو بالمتسق وماهو بالمتجانس التكوين خبط عشواء. فالعمق الحقيقي في قوة الدولة الغربية الحديثة هوقوة وعمق ثقافتها، وقوة الثقافة هي تنوعها، أي تعدد عناصرها التكوينية وتباينها. إن وجهة النظر هذه هي ما تميز غرامشي عن أي مفكرماركسي هام آخر تقريباً من مفكري عصره. وهو ذلك المفكر الذي لا تغيب عن بصره لا الحقائق المركزية العظيمة للقوة ولا كيفية تدفقها عبر شبكة كاملة من الوكالات العاملة بتوافق عقلاني، كما لا تغيب عن بصره تلك التفصيلات -المتناثرة والعادية واللا نظامية والمحتشدة- التي تستمد القوة منها ولابد بقاءها، والتي تعتمد عليها القوة ابتغاء قوتها اليومي. لقد فطن غرامشي. قبل فوكوبردح طويل من الزمن، لتلك الفكرة التي مفادها أن الثقافة تخدم السلطة وتخدم، في خاتمة المطاف، الدولة الوطنية، لا لأنها تمارس الكبت والإكراه بل لأنها توكيدية ويقينية ومقنعة. فالثقافة نتوج، كما يقول غرامشي، إلى حد أكبر بكثير من الإكراه الذي تحتكره الدولة، علاوة على أن هذه الحقيقة هي ما تجعل المجتمع الغربي الوطني مجتمعاً قوياً يتعذر فيه على الإنسان الثوري اختراقه والتغلب عليه. وبالنتيجة فإن المفكر ليس مماثلاً بالفعل لأحد أفراد قوة الشرطة، كما إن الفنان ليس مجرد داع لملاك المصانع الأثرياء. إن الثقافة مسعى مستقل ومتشح بوشاح الرأسمالية، الأمر الذي يعني بالفعل أن علاقتها بالسلطة والقوة شيء بعيد كل البعد عن الانتفاء.وهكذا يجب أن نكون قادرين على النظر إلى الثقافة كقوة تاريخية تمتلك الصور الخاصة بها، والصور التي تنجدل بتلك الصور الموجودة في الميدان الاقتصادي /الاجتماعي كي ترفع كلها عن أكتافها الدولة كدولة. فالتحبيك بلعبه دور المادة التي منها يجعل المجتمع من نفسه مشروعاً حياً متواصلاً، لا يعني إثبات وجوده على أنه هناك وحسب، بل يصبو لبلوغ منزلة الهيمنة التي يلعب فيها المفكرون ذلك الدور الذي يدعوه غرامشي بـ"خبراء إضفاء المشروعية".
وبما أنني أعتبر هذه الأفكار جوهرية فقد استمديتها من غرامشي لتكون موضع المقارنة مع الأفكار السياسية والتاريخية التي تروجها الآن النظرية الأدبية التصادمية أو الطليعية. إن ما دأبت على دعوته بالنقد "اليساري" المعاصر منهمك عملياً بمشكلات شتى ناجمة عن السلطة. من مثل إشكالية العودة إلى ماركس وفرويد وسوسور، ومسألة التأثر والتداخل النصي، ومسائل عدم الورود على البال (l’impensé) والأمور المعلقة في النقد التفكيكي، والإيديولوجي كعامل في الإبداع والانتشار الأدبيين. وفي كل هذه المعمعة قلما يصادف المرء دراسة جادة عن ماهية السلطة، لا فيما يتعلق بالطريقة التي تنتقل بها السلطة تاريخياً وآنياً من الدولة إلى مجتمع مستنقع بالسلطة ولا فيما يتعلق بالتحركات الفعلية للثقافة، ولا عن دور المفكرين والمؤسسات والمنشآت. وعلاوة على ذلك، فحتى لوكانت لغة بعض المجلات، من أمثال
Glyph, Critical InquiryDiacritics طافحة بآراء عن العمق والتطرف والتبصر، نادراً ما توجد فيها فقرةتتطرق للتحريض على ما يعوق الأفكار والقيم والانهماك، كما أن المرء لا يقع حتى بالمصادفة، فيما يتعلق بذلك الأمر، على القيام بمحاولة جادة لوسم الشيء الذي من المفروض بالنقاد التقدميين أن يقاوموه تاريخياً لا بلاغياً.وأما الانطباع الذي نحمله فهو أن الناقد الشاب لديه ولابدّ إحساس سياسي متطور جداً، ولكن أي فحص دقيق لهذا الإحساس يتكشف عن مضمون طريف اتفاقي لا يأتيه الإغناء لا من معرفة كبيرة عما تدور حوله السياسة والقضايا السياسية ولا من أية دراية متطورة جداً بأن السياسة شيء أكثر من حب أو بغض عقيدة فكرية تطغى في هذه الآونة على قسم من أقسام الأدب.

إن النقد اليساري المعارض،مع أخذ طاقته الكامنة بعين الاعتبار، لا يساهم إلا مساهمة طفيفة في المناقشة الفكرية الدائرة اليوم في مضمار الثقافة. فإفلاسنا فيما يتعلق بحقوق الإنسان، وقد كانت فيما مضى مسألة فتانة، كفيل وحده بتجريدنا من حق انتمائنا للإنسانية، وأما فيما يتعلق بذلك التمييز الدقيق بين الفاشية والديكاتورية فلا تتوفر لنا حتى الرغبة في أن نحلل هذين المصطلحين تحليلاً لغوياً، فما بالك بالتحليل السياسي الذي رغبتنا فيه أقل من الرغبة السابقة بكثير. ومع ذلك فلا أبتغي الانحدار بقيمة ذلك التألق الذي تألقه بعض الشيء ذلك العصر الذهبي الذي مرّ به النقد الفني في العقود القليلة الماضية.وليس بمقدورنا إلا أن نقر بذلك بمنتهى الامتنان وأن نضيف في الوقت نفسه أن ذلك العصر كان موسوماً برغبة قبول عزل الأدب والدراسات الأدبية عن العالم. ولقد كان ذلك العصر أيضاً هو العصر الذي قلة منا فيه تفحصت الأسباب الموجبة لهذا التقييد، والعصر الذي تقبلت ضمناً أكثريتنا فيه الدولة وهيمنتها الصامتة على الثقافة، لابل وهلّلت لذلك، بدون حتى همسة احتجاج مؤدبة في مرحلة حرب فيتنام وفي المرحلة التالية لذلك.
إن خيبة أملي في هذا الواقع تنبع من القناعة بأن قدرتنا الفنية كنقاد ومفكرين كانت الشيء الذي أرادت الثقافة تحييده، ولئن ساهمنا نحن بهذا المشروع، ولربما عن غير دراية منا، فقد كان السبب خشخشة النقود. وفي حماستنا البلاغية للكلمات الطنانة من أمثال الفضيحة والتفجير والانتهاك والانقطاع، ما خطر على بالنا الاهتمام بعلاقات تلك الكلمات بالقوة الفاعلة فعلها في التاريخ والمجتمع، وحتى حين ادعينا أن نصية النص أمر يجب استكشافه إلى ما لا نهاية، كان ذلك الادعاء يشير إشارة غامضة إلى المؤامرات، إلى السلالات الخداعة المؤلفة كلها من كتب عريانة من تاريخها وقوتها. فالزعم الكامن خلف ذلك هو أن النصوص متجانسة التكوين بشكل جذري، في حين أن نقيض ذلك كامن في تلك الفكرة الوهمية “Laputan” العجيبة التي مفادها أن من الممكن اعتبار أي شيء، إلى حد ما، نصاً من النصوص. وأما النتيجة حتى الآن، بمقدار مايدور الاهتمام حول الممارسة النقدية، فهي أن التنميق الفردي في النقد وفي النصوص المدروسة من لدن الناقد يتعرض للتشذيب كرمي للتنميق وحسب، هذا في حين أن النتيجة الإضافية هي أن الكتابة تكون محط النظر إليها بأنها تتقصد عمداً هدف الإبعاد -إبعاد النقاد عن النقاد الآخرين وعن القراء وعن العمل المدروس.
إن السخرية الأخاذة التي ينطوي عليها هذا الانعزال الكئيب، مع التسليم جدلاً بالطريقة التي يتصورنا بها قادتنا السياسيون وكأننا جزء من الكهنوت الدنيوي في العصر الذي نعته باكونين "بعصر الذكاء العلمي"، في سبيلها إلى الترسخ، فثمة منشور من قبل لجنة ثلاثية في عام 1975 بعنوان "أزمة الديمقراطية"، مسح الحقبة التالية للستينات (1960)، بشيء من الاهتمام بمشاعر الجماهير حيال مطالبها ومطامحها السياسية، وكان المنشور الذي أفضى إلى بروز مشكلة ما يدعوه الكتاب "بيسارة الانقياد للحكومة"(governability)، وذلك لأنه صار من الواضح أن الشعب في معظمه لم يعد سهل الانقياد كما كان من قبل.(4). إن طبقة المفكرين تساهم في هذا الوضع بأمرين اثنين ناجمين مباشرة عن ذينك الصنفين من المفكرين الذين تنتجهم المجتمعات الديمقراطية المعاصرة في هذه الآونة. فهنالك من ناحية أولى التكنوقراطيون والمفكرون ذوو المنزع السياسي ممن يدعون، زوراً وبهتاناً، بالمسؤولين، وهنالك من ناحية ثانية المفكرون "التقليديون"، المحافظون على القيم والخطيرون سياسياً. إن الفئة الثانية هي التي من المفروض بنا أن نكون ضمنها، بناء على أي معيار معقول، وذلك لأن أفراد هذه الفئة هم المفروض بهم "أن يكرسوا أنفسهم للاستهزاء بالقيادة وتحدي السلطة وإماطة اللثام عن المؤسسات الوطيدة الأركان وتجريدها من لبوس المشروعية". ولكن المهزأة تتمثل في أن النقاد الأدبيين، نظراً للامبالاتهم
المزاعم المقبولة ضمناً بتوافق الآراء، وخلفية مفروغ منها بداهة، وهكذا دواليك ودواليك. وإن دراسة التقرب تعني، في المقام الثاني، دراسة وإحياء الروابط بين النصوص والعالم، أي تلك الروابط التي طمس معالمها التخصص ومؤسسات الأدب طمساً كاملاً تقريباً. إن كل نص ماهو إلا فعل من أفعال الإرادة إلى حد ما، بيد أن الشيء الذي استبقي بعيداً عن الدراسة المعمقة هو تلك الدرجة التي بلغها تجويز النصوص. وهكذا فإن إحياء شبكة التقرب يعني استجلاء الوشائج التي تبقي النص على أوثق ارتباط بالمجتمع والكاتب والثقافة، فضلاً عن تبيان المعالم المادية لتلك الوشائج بغية توشيحها بها من جديد. وأما في المقام الثالث فإن التقرب يحرر النص من انعزاله ويفرض على الدارس أو الناقد مشكلة الإحياء التاريخي للإمكانيات التي انبثق عنها النص، أو إعادة بنائها مرة ثانية. وهنا يكون المكان الذي يتاح فيه للتحليل العقلي وللجهد أن يضعا النص في علاقات تشاكلية أو حوارية أو تصادمية مع غيره من نصوص وطبقات ومؤسسات أخريات.
لاشيء من هذا الاهتمام بالتقرب -كمبدأ من مبادئ البحث النقدي وكمظهر، في الوقت نفسه، من مظاهر السيرورة الثقافية ذاتها -يستحق وقفة طويلة مالم يكن أولاً: وليد بحث تاريخي أصيل (وأقصد أن على النقاد أن يشعروا بأنهم أنفسهم يقومون بالاكتشافات، ويحيلون الأشياء غير المعروفة إلى معروفة)، وثانياً: تثبيته كان في خاتمة المطاف بهدف فهم وتحليل وتوكيد إدارة القوة والسلطة ضمن الثقافة. واسمحوا لي الآن أن أعبر عن ذلك على النحو التالي: نحن إنسانيون لأن هنالك شيئاً يدعى بالحركة الإنسانية التي تستمد مشروعيتها من الثقافة، ومن الثقافة أيضاً تُحظى بقيمة إيجابية. والشيء الذي يجب أن يكون محط اهتمامنا للتو هو تلك السيرورة التاريخية التي عمد بواسطتها الصميم المركزي للأيديولوجيا الإنسانية لإنتاج الاختصاصيين الأدبيين، الذي أوّلوا أن ميدانهم مقصور على شيء يدعى الأدب الذي أنيطت بمكوناته (بما في ذلك استئدابه "literarity") أولوية معرفية وأخلاقية وأنطولوجية. وهكذا فإن الناقد الأدبي، بانصرافه انصرافاً كاملاً لهذا الميدان، يعزز الثقافة والمجتمع الذين يفرضان تلك القيود تعزيزاً فعالاً، في الوقت الذي يقوي فيه هذا التعزيز المجتمعات السياسية والمدنية التي يكمن نسيجها في الثقافة نفسها. وأما ماينجم عن ذلك كنتيجة فهو مايمكن أن يدعى بمنتهى المنطق بتوافق الآراء توافقاً واسعاً: فتحليل الأعمال الجمالية الأدبية تحليلاً شكلياً مقيداً يضفي الصفة الشرعية على الثقافة، والثقافة تضفي الصفة الشرعية على المفكر الإنساني، والمفكر الإنساني يضفي الصفة الشرعية على الناقد، وهذا المشروع برمته يضفي الصفة الشرعية على الدولة. وهكذا فإن السلطة تصان بفضل السيرورة الثقافية، كما أن كل مايتعدى تزيين القوة محظور على الناقد المزيّن. وعلى هذا المنوال نفسه، كان صحيحاً أن "الأدب" كوكالة ثقافية زاد من تعاميه مؤخراً عن تواطؤاته الفعلية مع القوة. وما ذاك الوضع إلا بالوضع الذي نحن بأمس الحاجة لإدراكه.
هيا وتأملوا الكيفية التي جرى بها تكوين هذا الوضع خلال القرن التاسع عشر بواسطة الخطاب الثقافي: وهنا سرعان مايخطر على البال أناس من أمثال آرنولد وميل ونيومان وكارلايل و راسكين. فنفس إمكانية الثقافة قائمة على فكرة التزيين. وإن فرضية آرنولد القائلة أن الثقافة ماهي إلا أفضل مايقال أوما يتمخض عنه الفكر هي الفرضية التي تعطي هذه الفكرة شكلها المرصوص. فالثقافة أداة لتحديد واصطفاء وتوكيد بعض "أفضل" الأشياء أو الأشكال أو الممارسات، أو لتفضيل بعض الأفكار على غيرها، وهي بفعلها ذلك فإنها تنقل وتنشر وتجزّئ وتعلم وتطرح وتبث وتغري، وفوق كل هذا وذاك فإنها تخلق نفسها وتعيد خلقها من جديد كجهاز مختص لفعل تلك الأشياء كافة. والأهم من ذلك كله هو أن الثقافة، كما أعتقد، تصبح بمثابة الفرصة السانحة لذلك المشروع الكلامي المنكسر الذي علاقته بالدولة مفهومة دائماً، ومفهومة دائماً سراً إن تكرمتم وجوزتم لنا لحن القول. فالرواية الواقعية تلعب دوراً أساسياً في هذا المشروع، وذلك لأن الرواية -ما أن تتحول إلى شيء "أعجب" من ذي قبل بكثير في عمل جيمز وهاردي وجويس- هي التي تنظم الواقع والمعرفة بتلك الطريقة التي تجعلهما عرضة لتناسخ كلامي نظامي. إن تلبيس الرواية لبوس الواقعية بعيداً عن أي عالم ما يعني الإتيان بمعايير تمثيلية أو تصويرية مصطفاة من بين احتمالات عديدة. وهكذا فإن الرواية تسعى جاهدة كي تضم وتقرر وتؤكد وتسوّي وتطبّع بعض الأشياء والقيم والأفكار، ولاسواها. ومع ذلك ليس من الممكن رؤية أو إدراك أي شيء من كل هذه الأشياء مباشرة في الرواية نفسها، علاوة على أن المهمة الوحيدة لمعظم النقاد الشكليين المعاصرين صارت تتجسد اليوم في التأكد من أن ذلك الإفصاح الدقيق الرائع الذي تفصحه الرواية عن اصطفائيتها يبدو بمنتهى البساطة إما كواقعية من وقائع الطبيعة وإما كشكلية أنطولوجية مسلّم بها، لا كنتيجة للسيرورة الثقافية السوسيولوجية. فرؤية الرواية على أنها متعاونة مع المجتمع لكي تلفظ المنبوذين من الناس كما نعتهم غاريث ستدمان جونز، تعني أيضاً رؤية الكيفية التي تنجم بها الإنجازات الجمالية العظيمة للرواية -في ديكنز وإليوت وهاردي- عن تقنية ماتستهدف تصوير واقتناص الأشياء والناس والبيئات والقيم في علاقة تقرب مع المعايير الاجتماعية والتاريخية الدقيقة للمعرفة والسلوك والجمال المادي.
فالرواية، من أوسع المنطلقات، ومعها التيارات السائدة في الثقافة الغربية الحديثة، ليست اصطفائية وتوكيدية وحسب، ولكنها تمركزية وقوية أيضاً. وإن المدافعين عن الرواية يثابرون على توكيد دقة الرواية وحرية التصوير وماشابه ذلك، الأمر الذي يوحي مضمونه أن الفرص المفتوحة للتعبير أمام الثقافة لاحدود لها. وأما الشيء المقنّع والمعمّى خلف أمثال هذه الأفكار فهو بالتحديد تلك الشبكة التي تشد وثاق الكتّاب مع الدولة ومع امبريالية "ميتروبوليتانية" على نطاق العالم زودت الكتاب، وقتما كانوا يكتبون، من خلال التقنيات الروائية للسرد والوصف بنماذج ضمنية للتكريس والانضباط والمجاراة. وإن السؤال الذي يجب علينا أن نسأله فهو: لماذا ليس هنالك إلا نفر قليل جداً من الروائيين "العظماء" يتعاملون مع وقائع وجودهم الخارجية الاقتصادية والاجتماعية الكبرى -أي الكولونيالية والامبريالية- ولماذا يدأب نقاد الرواية، في الوقت نفسه، على إجلال هذا الصمت المهيب؟ ترى، ماهو الشيء الذي ترتبط به الرواية، ومعظم الخطاب الثقافي المعاصر. بمقدار مايتعلق الأمر بالموضوع نفسه، بصلة التقرب سيان في لغة التوكيد أو في بنية التكريس والنبذ والكبت والاختراق كما هو عليه الحال في وسم الشكل الجمالي الأساسي؟ وماهي الكيفية التي جرى بها بناء المبنى الثقافي على هذا المنوال الذي يفضي إلى كبح جماح الخيال ببعض الطرائق، وإلى إطلاق العنان له بطرائق أخرى؟ وماهي الكيفية التي يرتبط بها الخيال بأحلام وبناءات ومطامح المعرفة الرسمية، والمعرفة التنفيذية والمعرفة الإدارية؟ وماهي، ياترى، كتلة المصالح المشتركة التي تنتج كونراد وكتباً مثل كتاب س.ل. تامبل المعنون بـ "الأعراق المحلية وحكامها"؟ وإلى أي مدى ساهمت الثقافة في أسوأ تجاوزات الدولة، بدءاً من حروبها الامبريالية ومستوطناتها الاستعمارية وانتهاء بمؤسساتها التي تبرر لنفسها ذاتياً ممارسة القمع اللاإنساني والبغضاء العرقية والاستغلال السلوكي والاقتصادي؟
مامن شيء كنت أحاول قوله في هذه العجالة هنا يوحي ضمناً باختراق العمق الخصوصي للتحف الثقافية الفردية، أو باختزاله وعزوه إلى القوى اللاشخصية التي من المفروض أن تكون هي المسؤولة عن إنتاج تلك التحف فدراسة التقرب الثقافي تستلزم فهماً دقيقاً لخصوصية الأشياء لابل، وهذا الأهم حتى، لأدوارها العقلية أيضاً، علماً أن أيهما لايمكن إيفاءه حقه المناسب لا بالاختزال ولا بالتزيين اليقيني. وإني لأظن بأن النزعة المادية الثقافية، وهي المصطلح الذي أطلقه ويليامز، تناسب الموقف الميثودولوجي الذي أحاول وصفه. إن النقد الأدبي الأمريكي بمقدوره أن يتستر على انعزاله المشروع اجتماعياً والمفروض ذاتياً ولو إلى حد ما، بخصوص التاريخ والمجتمع على الأقل. فهنالك عالم بأسره قيد الاستغلال لإجراء الأسباب الحكومية المزعومة وحدها وحسب بل وجراء مختلف صور النزعة الاستهلاكية اللاتاريخية التي يبشر تقوقع نزوعها العرقي واستفحال أكذوبتها بإفقار واضطهاد معظم أرجاء المعمورة. وإن مايفتقر إليه النقد المعارض المعاصر لايتمثل بذلك النوع من الأفق الموجود في المنهج التمديني للثقافة والمجتمع لدى جوزيف نيدام ليس إلا، بل ويتمثل أيضاً بغياب شيء من الإحساس بالاهتمام الجاد في عمليات التقرب الجارية من حولنا على قدم وساق، سواء أكنا نقرها أم لا. ولكن هذه الأمور، بالشكل الذي مافتئت أقوله مراراً وتكراراً، لأمور على علاقة، بالمعرفة لا بالتزيين. وختاماً يخامرني الشك في أن أكثر سؤال ملحاح يتوجب طرحه الآن هو ما إن كنا ننعم حتى اليوم بنعمة الخيار بين الاثنين%


nnn



9- النقد بين الثقافة والمنظومة



بين نوع من أنواع التأويل، وليكن ذلك النوع الذي يأتي به عالم لغوي في إعادة بنائه قواعد لغة بائدة، وبين نوع آخر أكثر إبداعاً بمنتهى الوضوح، وليكن ذلك النوع الذي يتضمن تأملات عن شخصية ديكنز ككاتب من أبناء الطبقة الوسطى في العصر الفيكتوري، هنالك تشابهات أكثر مما هنالك اختلافات. وإن هذه التشابهات تنبثق عن التلوث المحتوم الذي يتلوثه ذلك الشيء الذي من المفروض به أن يكون معرفة إيجابية وطيدة الأركان -عن التلوث الناجم عن كل ماهو بشري من تأويل وتوهم وتعمد وتحيز، ألا وهي تلك الأمور المغروسة كلها في الجبلة البشرية، في الظرفية البشرية، في النزوع منزعاً دنيوياً. فلقد تكشف لنيتشه وماركس وفرويد، كل بطريقته الخاصة، أن أمثال تلك الخطوات المأمونة بتوضوح في إنتاج المعرفة كجمع الأدلة وترتيبها، أو قراءة نص ما وفهمه، تشتمل كلها ضمناً على درجة عالية جداً من الشطط التأويلي الذي لايخضع للعقلانية والانضباط العلمي بمقدار مايخضع لتوكيد الإرادة والتأمل العشوائي الظالم (والظليم). وهكذا لم يبق أمام النقاد حينئذ إلا خطوة قصيرة لسوق الدليل على أن السؤال عما كان يعني النص نفسه صار عويصاً بعد أن كان سابقاً سؤالاً بسيطاً. إن ميشيل فوكو ليطرح هذه الأسئلة عن الكيفية التي نستطيع بها عملياً أن ننظر إلى هذا العوص على شكل سلسلة من الخيارات المربكة التي يجب، بناء عليها، اتخاذ القرارات الإبيستبمولوجية:
وماهو أبسط، للوهلة الأولى، من محاولة الوصول إلى قرار عما تعنيه الأعمال الكاملة (oeuvre) لكاتب ما؟ ألا وهي مجموعة النصوص التي يمكن تحديدها باسم واحد من أسماء العلم. ولكن هذا التحديد (حتى لو تنحت جانباً مشكلات العزوة) ليس مهمة متجانسة التكوين: فهل اسم كاتب مايحدد بالطريقة نفسها نصاً نشره تحت اسمه، أونصاً نشره تحت اسم مستعار، أو نصاً آخر وجد بعد مماته على شكل مسودة ناقصة، أو نصاً آخر لايعدو
كونه مجرد مجموعة من المذكرات الوجيزة، أو مفكرة ليس إلا؟ إن تثبيت الأعمال الكاملة يفترض سلفاً عدداً من الخيارات التي يصعب تبريرها أو صياغتها حتى: فهل يكفي أن يضاف على النصوص المنشورة من لدن الكاتب نصوصاً غيرها كان ينتوي نشرها وظلت على نقصانها وقت مماته؟ وهل يجب على المرء أن يضيف كل مسوداته الأولية والتمهيدية بكل مافيها من تصحيحات وتشطيبات؟ وهل يجب على المرء أن يضيف تلك المسودات التي استغنى عنها هو نفسه؟ وماهي المنزلة التي يجب إناطتها بالرسائل والحواشي وبالمحادثات المنقولة عن لسانه، وبالمدونات الواردة عما قاله على ألسنة أناس كانوا حاضرين وقتما قاله، وباختصار ماهي المنزلة التي يجب أن تناط بتلك الكتلة الهائلة من الآثار الكلامية التي يخلفها امرئ بعد مماته، والتي تلغو وتهذر حتى اللانهاية بلغات مختلفة وعديدة جداً؟... ولئن تحدث المرء، في واقع الأمر، ضبط عشواء وعلى غير هدى عن الأعمال الكاملة لكاتب ما، فما ذلك إلا لأنه يتصور أن الواجب يقضي تحديدها من خلال وظيفة تعبيرية معينة ... بيد أن من الواضح للتو أن مثل هذه الوحدة، التي لايمكن خلعها مباشرة على الأعمال الكاملة، ماهي إلا نتيجة لعملية ما، وماهذه العملية أيضاً إلا تأويلية (باعتبارها تحل في النص لغز شيء مدون يخفيه النص ويكشفه في آن واحد معاً)(1).
بيد أن الأمر لايقف عند هذا الحد وحسب، إذ إن هنالك سلسلة من الأسئلة المسبقة التي يتساءلها فوكو والتي يعتقد بأنها يجب أن تؤرق ولابد كل من يصدق أن الأعمال الكاملة مؤلفة من "تجزيء الكتاب تجزئياً مادياً" أو معتمدة على ذلك التجزيء، إذ حتى الوحدة المادية للكتاب مسألة تأويلية:
فهل الأمر نفسه في حالة مختارات من القصائد، أو في حالة مجموعة من النتف المنشورة بعد ممات الكاتب، أو في كتاب وازارغ المعنون بـ "بحث في المخاريط"، أو في مجلد من مجلدات "تاريخ فرنسا" لميشيليه؟ وهل الأمر هو نفسه في حالة قصيدة "ضربة نرد" لمالارميه، أو في محاكمة "جيل دو ري"، أو في "سان ماركو" لبوتر، أو في كتاب قداس كاثوليكي؟ أوليست الوحدة المادية للكتاب، بكلمات أخرى، وحدة هزيلة وثانوية بالقياس إلى الوحدة المنطقية التي تجد لها التعزيز بالوحدة المادية؟ ولكن هل هذه الوحدة المنطقية نفسها شيء متجانس التكوين وقابل للتطبيق باطراد؟ فرواية لستاندال ورواية لديستويفسكي لاترتبطان بعضهما ببعض بنفس صلة الفردانية التي تربط بين روايتين من مجموعة بلزاك المعنونة بـ "الكوميديا البشرية"... إن حدود كتاب ماليست مرسومة البتة بتلك الدقة المتناهية، إذ خلف عنوانه وأسطره الأولى وآخر نقطة في منتهاه، وخلف هيئته الداخلية وشكله المستقل، يكون الكتاب أسير منظومة من الأسانيد لكتب أخرى ونصوص أخرى وجمل أخريات: إنه مفصل واحد ضمن شبكة كاملة. وإن هذه الشبكة من الأسانيد ليست هي نفسها فيما يتعلق بمقالة رياضية أو تعليق نصي أوتقرير تاريخي، كما أنها ليست هي نفسها فيما يتعلق بحدث من الأحداث في سلسلة روائية، وذلك لأن وحدة الكتاب، حتى وهي في حالة زمرة من الصلات، لايمكن اعتبارها أنها هي هي في كل حالة من الحالات. فالكتاب بتلك البساطة ذلك الشيء الذي يمسكه المرء بكلتا يديه، وليس من الممكن له أن يبقى حبيس تينك الدفتين المتوازيتين الصغيرتين اللتين تحتويانه: إذ وحدته متقلبة ونسبية. وما أن يضع المرء تلك الوحدة موضع التساؤل حتى تفتقد الدلالة على ذاتها بذاتها، وذلك لأنها لاتدل على نفسها، لاتبني نفسها إلا على أساس ميدان خطاب مركب(2).
إن قليلاً من الباحثين العاملين في ميدان العلوم البشرية يتعبون أنفسهم جدياً بهذه الأسئلة، لا لأنهم كسالى أو أغبياء بمقدار ما لأن عملهم -كما يستفيض عمل فوكو نفسه في التوضيح- يدار كفاعلية متواصلة ضمن ميدان خطاب كان قيد التأسيس من ذي قبل. فمعظم الباحثين الأدبيين في هذه الأيام، مثلاً، لايولون الاهتمام الكبير للمنزلة، الإيبستيمولوجية للنصوص ولا حتى للكتاب الذين يكتبون عنهم. ولربما أن ذلك ليس واجباً عليهم باعتبار أن المكتبات والمجلات ونسخ الكتب الميسورة المنال والمؤسسات والتلاميذ والممارسة البيداغوجية، وقبل كل هذا وذاك، الباحثين الآخرين يسلمون بداهة برسوخ وطيد الأركان لكتاب وأعمال كاملة من أمثال شيكسبير أو روايات ويفرلي* أو "الرباعيات الأربع". والجدير بالذكر أن هذه النقطة ماهي بالنقطة التافهة لأن الخطاب المركب، ومثل من أمثلته يكمن فيما دعوته بالبحث الأدبي، يسلم جدلاً بتوافق الآراء على بضع نقاط جوهرية كشيء اقتصادي ومريح في آن واحد معاً. ففي دراسة سويفت، كما قلت آنفاً في هذا الكتاب، لايمكن أن يكون من الضرورة بمكان، في كل مرة تتناوله الكتابة، إعادة تفحص مصدر كل ماهو معروف عن سيرته أو تعديل المفهوم الناظم لأعماله الكاملة. وإن من المفروض بداهة أن هناك كاتباً يدعى سويفت، وأن أعماله تتألف من (قصة حوض وأسفار غوليفر واقتراح متواضع)، وأنه عاش في مطلع القرن الثامن عشر، وهلم جرا. وماهذه الأشياء كلها إلا بما يمكن أن ندعوه بالأفكار العامة الأولية وبالتخوم التي لايشعر الخبراء بشؤون سويفت أنهم مضطرون لتجاوزها. فالتخم موضع الفهم ضمناً، مع أنه نادراً ما يصاغ إلا بتلك الطرق التي سأبحثها لاحقاً، وماهو إلا نتيجة لعوامل عديدة: كتوافق آراء الخبراء في ميدان ما، وكتلة الكتابات السابقة، وإدارة التعليم والبحث، والأعراف الرائجة عما هو عليه كاتب أو نص ما، وهكذا دواليك.
وبما أن أمثال هذه التخوم موجودة في العلوم البشرية (حتى لو كان ذلك التزايد الهائل الذي تزايدته الصحف والكتب يثبت على مايبدو غياب الحدود كلها)، فهذا لايعني أن تحديدها يمكن أن يكون يسير المنال. وأحد أسباب ذلك واضح جداً. فنحن عموماً نفترض بداهة أن المعرفة عن الكائنات البشرية شيء لاينضب وشيء تراكمي، ولذلك يجب أن يكون من الممكن دائماً قول أشياء جديدة. ولئن كان ذلك ممكناً، فإن التخوم أو الحدود التي ترسم الخطوط العريضة لاختصاص من الاختصاصات حدود فضفاضة جداً، إن لم تكن وهمية. وإن كل من يحمل هذا الافتراض على محمل الجد سيكتشف بأنه طوباوي، حتى لو كان السبب يتمثل بالقول أن مايحدد شيئاً بأنه جديد فإنه يحدد، في الوقت نفسه، كل الأشياء الأخرى بأنها غير جديدة، وفي كلتا هاتين الحالتين لن يكون بوسع امرئ واحد الإتيان بأمثال هذه الأحكام، الأمر الذي يجعل أي إنسان عامل في ميدان ما يتقبل، جراء عملية تثاقف وتشابك مهني، ثمة معايير نقابية معينة ليصبح بالإمكان، بناء عليها، إجراء التمييز بين ماهو جديد وماهو غير جديد. ولكن هذه المعايير ليست بالطبع مطلقة، وليست أيضاً موضع إدراك تام. ومع ذلك فمن الممكن تطبيق تلك المعايير بمنتهى الصرامة، ولاسيما حين يشعر الإحساس النقابي الجماعي أنه نفسه عرضة للهجوم.
وعلى غرار ما أسلفت قوله في بحثي فكرة الأصالة، فإن مصطلحي الجديد وغير الجديد مصطلحان نسبيان جداً. ففي سياق الدراسات الأدبية لايشير هذان المصطلحان لا للابتكارات المقرونة بأصالة أو جدة كاتب "خلاق" (كالقول أن ديكنز كان أول روائي فعل كذا أوكذا) ولا لتأويلات النقاد الذين يظهرون، بطريقة من طرائق عديدة، أنهم أصلاء أوجدد. ومع ذلك ففي بحث إنجازات كاتب خلاق أو إنجازات ناقد ما، يعتمد مفهوما الإبداع أو الاتباع، في نفاذهما، الاعتماد الكبير على مدى الإقناع -أي على مهارة بلاغية معينة لإقناع جمهرة من القراء بهذه الأصالة- وعلى الحس السليم في الوقت نفسه (3). وإن أي امرئ قد يظن أن مقولة "رونالد فيربانك كاتب أفضل من جين أوستن" لمقولة مثيرة للسخط، في حين قد يكون من الممكن التساهل مع التعليق القائل أن سكوت كاتب أكثر أصالة من أوستن.
ولكن أمثال هذه التعميمات السهلة أقل براءة مما تبدو عليه. فخلفها وحولها وفي صميمها أيضاً، إن جاز مثل هذا التعبير، يقوم مركب كامل من التقييدات التي بعضها واضح وبعضها أغبش، بحيث يفعل فعله لاعلى ماقلته آنفاً وحسب بل وعلى كل مايكتبه أويقوله أي باحث. وأما التقييد الأساسي من بين هذه التقييدات فهو تلك الحقيقة المطلقة التي مفادها أنه مامن إنسان قادر على الإتيان بقولات عن كتلة من النصوص التي تدور عن ميدان عذري، وذلك لوجود حيز مرسوم سلفاً ومفتوح للباحثين الذين كل مابوسعهم فعله لايعدو إدراج عملهم ضمن سلسلة من أمثاله (شأنهم بذلك شأن الروائي الذي يجد أمامه عدداً من روايات أخرى ذات علاقة ما مع مايفعله) في ميدان بعيد كل البعد عن العذرة. ولذلك حتى نتمكن من تحديد الاحتمالات لمعرفة حقيقة في أحد الميادين، يجب أن يكون بمقدورنا أولاً أن نحدد لا ماهية تلك المعرفة وحسب أو ماقد تكونه بل والمكان الذي قد تندرج فيه، وماذا قد تفعل بخصوص كل ماسبقها إلى ذلك المكان (هل ستنقحه أم تؤكده أم تعدله)، وماهو الشيء المعاصر لها، والشيء الذي يرتبط بها في ميادين أخرى، وماهي العلاقة التي ستكون لها مع ماسوف يأتي بعدها (هل ستيّسر اكتشافاً آخر، هل ستصده، هل ستسدّ أفق ذلك الميدان، هل ستخلق ميداناً جديداً؟)، وكيف سيكون نقلها أو حفظها، وكيف سيكون تعليمها، وكيف ستقبلها أو تنبذها المؤسسات: وماهذه الأسئلة إلا بعض تلك الأسئلة التي تطرح نفسها. بيد أن السؤال الملحاح فمختلف قليلاً عما سبقه. ترى، ما الدور الذي يلعبه في هذه الأمور ذلك الشيء الذي دأبت على دعوته بالوعي النقدي؟ فهل على الوعي النقدي أو النقد (وأنا سأستخدم هذين المصطلحين ليعني الواحد منهما الآخر) بالأساس أن يأتي بالتبصرات عن الكتاب والنصوص، أي أن يصف الكتاب والنصوص (متناولاً سيرهم الذاتية وأعمالهم من منطلق نقدي ومستفيضاً بالتعليقات والشروح والكتيبات المتبحرة المختصة)، وأن يعلّم وينشر المعلومات عن الروائع الثقافية؟ أوهل عليه -وهذه مهمته على ما أتصور- أن يجهد نفسه بالظروف الفعلية التي تصبح المعرفة بناء عليها شيئاً ممكناً؟ ونحن، كي نرى ماهو الشيء الذي نستطيع معرفته من دراستنا النصوص، يجب أن يكون بوسعنا فهم وحدات المعرفة على أنها من وظائف النصية، الأمر الذي يجب أن يكون نفسه قابلاً للوصف بعبارات تتناول لا وكالات الثقافة بالأشكال التي اتخذتها لنفسها من خلال التاريخ والمؤسسات والسياسة والأيديولوجيا وحسب، بل تتناول أيضاً مستلزمات المنهج الواضح والشكل المادي للمعرفة -ذلك الشكل الذي، إن لم يكن مصدره مقدساً أو من خوارق الطبيعة، يجري إنتاجه في هذا العالم الدينوي.
ولسوف يبدو هذا كله، كمشروع نقدي، ضخماً وطموحاً إلى حد الاستحالة، في حين أن ماهو أسوأ من ذلك فهو ظهوره أيضاً. بمظهر الشيء الذي لايمت بأية صلة لما فعله تقليدياً أي دارس أو ناقد أدبي. وأما نقطة انطلاقي أنا فتكمن في ذلك الشعور العام، لابل والشعور النموذجي في رأيي، الذي شعره بعض النقاد حيال ابتعادهم عن التقاليد الراسخة للعمل الأدبي وللعمل الفكري على العموم. فالأزمة في الثقافة الحديثة أزمة بديهية نظراً لأن النقد فن، وفي الوقت نفسه، موضوع أزمة أيضاً. ولكن في الشكل الحاد المعاصر الذي تتخذه الأزمة والرد على الأزمة والذي أتعمق بدراسته هنا، هو أن مشكلة المعرفة، أي كيفية معرفتنا مانعرف، تلعب دور المشكلة المركزية.
وهأنذا الآن بودي دراسة ما أرى فيه أقوى ردين متبادلين على الأزمة. وهاتان الصيغتان هما الصيغتان المقرونتان باسمي جاك ديريدا وميشيل فوكو. ولسوف أبحثهما بإسهاب نقدي وتحليلي كمثلين عن محاولة تحويل المشكلات النصية في العلوم البشرية إلى توصيفات لعمليات المعرفة النصية. وعلاوة على ذلك سأسوق الأدلة على أن ديريدا وفوكو ماكانا يعتزمان وصف المعرفة وحسب بل وإنتاجها أيضاً إنتاجاً من ذلك الصنف الذي لايدخل في القوالب الجاهزة المعدة من قبل الثقافة السائدة ولا في كل تلك الأشكال التي يتنبأ بها ويلفقها منهج شبه علمي. وفي كلتا الحالتين، مع أن الواحدة منهما قد تكون مختلفة اختلافاً صارخاً عن الأخرى، هنالك جهد مقصود بغية إطلاق ثمة نوع من الاكتشاف النصي، ونوع رفيع التخصص، من أكداس مكدسة من المواد والعادات والأعراف والمؤسسات التي تشكل ضغطاً تاريخياً مباشراً. بيد أن الشيء الذي ينطوي على أهمية خاصة بالنسبة لي هو الكيفية التي يضع بها كل من ديريدا وفوكو عمله ضمن الحدود التي يفرضها ذلك التاريخ. وهكذا فإن أصالتهما لاتتكشف على أنها تكمن في غرابة مفرداتهما أو تقنياتهما بل في إعادتهما النظر والتفكير بتلك التقنيات.
ومن الصحيح الآن أن نقول بأن المرء ليصاب بالذهول لدى قراءة نقد بأقلام أناس من أمثال فوكو وديريدا، وذلك لأن الحقيقة تدل على أن نقداً من هذا النوع لايمكن أن يكون فرعاً من فروع الأدب المحض، إذ أن من العسير جداً على هذا النوع أن يكون على تلك الشاكلة، أو حتى أن يكون شكلاً رفيعاً من أشكال الشرح. وتجدر الإشارة هنا إلى أن ر.ب. بلاكمور، وقد كان بلاكمور بالمناسبة ممثلاً عظيماً (للنقد الجديد) العتيد، لم يكن أيضاً على تلك الشاكلة حتى وهو في أفضل حالاته، مع أننا نميل إلى تناسي ذلك. فالغموض الذي يكتنف هذا النقد ومستلزماته التقنية ومحذوفاته لاتجعل منه فلسفة "مدرسة" جديدة، مع أن من الممكن له أن يتحول إلى معتقد رصين. ومع ذلك فيدعي هذا النقد بأنه، من حيث المبدأ، يقف على طرفي نفيض مع النقد التقليدي، على الرغم من تفريخه المؤسف ذلك العدد العديد من الأدعياء والأشياع الذين أعطوه أسوأ مظاهر المعتقد الرصين الذي لايمكن أن تحوم حوله الشبهات. وهكذا فإن النقد المعاصر جاء إلى الوجود لمجابهة مشكلات من النوع الذي تخلت عنه الفلسفة حينما استحال إلى ضرب من التقوقع والتحذلق الكلامي على غرار ماهو عليه في الموروث الإنكليزي الأمريكي. فالمشكلة التي تعتور اللغة ووجودها العويص والفريد لمشكلة مركزية بالنسبة لهذا النقد الذي تنطح للقيام بعبء إنتاج طراز من التفكير الذي يجب أن يكون، وهو في غمرة انهماكاته كما يقول فوكو: "معرفة وفي الوقت نفسه تعديلاً لما يعرفه، تأملاً وفي الوقت نفسه تحويلاً لنمط الوجود الذي يتأمل فيه"(4).
***
واسمحوا لنا الآن أن نبدأ بالإشارة إلى ذلك الاختلاف الكبير المدبّر على أوسع نطاق والمطبوع بطابع المبالغة من جراء النزاع الجدلي بين ديريدا وفوكو. إن موقفيهما النقديين متعارضان بناء على عدد من الأسس. ولكن الأساس الجدير بالاستفراد، على وجه التخصيص، في هجوم فوكو على ديريدا يبدو قميناً بالبحث أولاً ومفاده: أن ديريدا لا يولي اهتمامه إلا لقراءة النص وحسب، وأن النص ليس أكثر مما فيه بالنسبة للقارئ(5) فلئن كان ديريدا يرى أن أهمية النص تكمن في وضعه الحقيقي بما معناه بمنتهى البساطة أنه عنصر نصي دون أي أساس في أرض الواقع -وهذه هي وضعية الكتابة في مهب الريح "écriture en abîme" التي لما يتمكن النقد من معالجتها، والتي يتحدث عنها ديريدا في "الجلسة المشتركة- فإن فوكو يرى أن أهمية النص تستقر في عنصر قوة "pouvoir" مفاده استحقاق جازم للنص في أرض الواقع، حتى لو كانت تلك القوة خفية أو ضمنية. وهكذا فإن نقد ديريدا يدخلنا في قلب النص، في حين أن نقد فوكو يدخل بنا في النص ويخرجنا منه.
ومع ذلك لو تسنى سؤال فيكو وديريدا لما أنكرا أن مايوحد بينهما، أكثر حتى من ذلك الطابع التعديلي والثوري العلني الذي يطبع نقدهما، هو محاولتهما تبيين الشيء الذي يحجبه النص في العادة، ألا وهو مختلف الأسرار والقواعد والتلاعب الذي تتلاعبه نصية النص. فباستثناء كلمة واحدة ماكان فوكو، على ما أظن، ليبدي اعتراضه على تعريف النصية بشكل اعتباطي بعض الشيء كما ساقه ديريدا في مستهل مقالته المعنونة بـ "عقاقير أفلاطون" إذ قال: "لايمكن للنص أن يكون نصاً مالم يحجب عن أول متصفح له، ومنذ النظرة الأولى، قانون تأليفه وقواعد تلاعبه. وفضلاً عن ذلك يبقى النص عصياً على الإدراك بالعقل إلى أبد الآبدين. فقانونه وقواعده ليست حبيسة صندوق أسرار محال المنال، إذ إن واقع الأمر لايعدو ببساطة تعذر اقترانها بتاتاً، في الزمن الحاضر، بأي شيء مما يمكن القول عنه بدقة متناهية أنه مدرك بالعقل"(6)، ولربما أن الكلمة المعضلة هي "بتاتاً" الموصوفة من قبل ديريدا بمنتهى التحايل بشكل تفقد فيه شيئاً من قدرتها على التصدي، الأمر الذي سيفرض علي تجاهل توصيفات العبارة والحفاظ على جزمها القاطع. فالقول بأن مغزى النص وتكامله أمران محجوبان عن الأنظار يعني القول بأن النص يتستر على شيء ما، وهذا يعني بدوره أن النص يلمح، ولربما يعرض أيضاً، ويجسد ويمثل، بيد أنه لايفصح تواً عن شيء ما. وماهذا المذهب أساساً إلا مذهب المعرفة الروحية للنص، والمذهب الذي يوافق عليه فوكو وديريدا كل بطريقته الخاصة.
ولكن مشروع فوكو برمته، كما ساق فوكو لاحقاً حججه، اعتبر الأمر حقيقة واقعة، أي إن كان النص يتستر على شيء أو إن كان هنالك شيء حول النص محجوباً عن الأنظار، فإن من الممكن كشف هذين الشيئين وعرضهما ولو بشكل مغاير، وذلك لأن النص أصلاً جزء من شبكة القوة التي يتعمد شكلها النصي التعتيم على القوة تحت ستار النصية والمعرفة (savoir). وهكذا فقوة النقد الموازية تتمثل بإعادة النص إلى شيء معين من الوضوح. وعلاوة على ذلك: إذا كانت بعض النصوص تلبس لبوس نصيتها، ولاسيما تلك النصوص التي تبلغ آخر أطوار التطور المنطقي، لأن مصادرها في القوة كانت إما مدموجة في صلب سلطة النص كنص أو مطموسة، تكون مهمة الناقد المجتهد لعب دور الذاكرة الموازية للنص، بوضعه الشبكة حول النص، وأمامه في النهاية ليصبح بالإمكان رؤيته. إن ديريدا يعمل بروح على مزيد من نوع من أنواع اللاهوت السلبي(7). فكلما زاد من تشبثه بتلابيب النصية من أجل النصية ذاتها، تعاظمت تفاصيل الشيء غير الموجود هناك لفائدته - وذلك لأنني أعتبر أن مصطلحاته الأساسية من أمثال "انتشار، استكمال، عقاقير، ترخيصات، آثار" وماشابه ذلك، ليست مصطلحات لوصف "قناع البنية" وحسب، بل ومصطلحات شبه لاهوتية أيضاً تتحكم وتفعّل الميدان النصي الذي افتتحه عمله.
وعلى الرغم من ذلك فإن الناقد يتحدى، في كلتا الحالين، والثقافة وقواها المهيمنة بمنتهى الوضوح في النشاط الفكري، ألا وهو ذلك الشيء الذي يمكن أن ندعوه بـ "المنهج"، والذي يتنطح في تعامله مع النصوص إلى بلوغ منزلة العلم. إن التحدي مطروح بإيماءات ضخمة تشير إلى المفاضلة على نحو متميز، إذ في الوقت الذي يشير فيه ديريدا أينما كان إلى الميتافيزيك والفكر الغربيين، يشير فوكو في باكورة عمله إلى عصور وعهود ومعارف "epistemes" شتى، أي إلى تلك الكتل الكاملة التي تبني الثقافة السائدة على شكل مؤسسات طاغية. فكل طريقة من الطريقتين، طريقة فوكو وطريقة ديريدا، لاتحاول فقط تحديد هذه الكينونات المستهدفة بالتحدي، بل وتحاول أيضاً وبشيء من الإصرار نقض تحديداتها تلك، بالهجوم على رسوخ سلطان قانونها وتبديدها إن لاحت في الأفق أية بارقة أمل لذلك. وإن المقصود بعمل هذين الكاتبين كليهما هو استبدال استبداد وتوهم الإسناد المباشر -أي مايدعوه ديريدا بالحضور presence، أو بالمبهم مُحدّداً- بعطالة وحنكة النصية الموطودة الأركان فوق أساسها الخاص البالغ الشذوذ، وفي إصرارها المتطاول عند فوكو إلى حد بالغ. فنقض التحديد ونقيض المرجعية هما الرد المشترك على تلك العبقرية الوضعية positivist التي كان يمقتها ديريدا وفوكو كلاهما معاً. ومع ذلك كان في عملهما استنجاد دائم بالتجريبية، وبالمنظورية بكل مافيها من دقيق الفروق، مع الإشارة إلى أن هذين الأمرين مستقيان معاً على مايبدو من نيتشه.
ومن سخرية الأقدار أن يكون ديريدا وفوكو معاً موضع الاستجداء في هذه الأيام طلباً للنقد الأدبي، في الوقت الذي يدل الواقع فيه على أن أياً منهما لم يكن ناقداً أدبياً. فأحدهما فيلسوف، والآخر مؤرخ فلسفي. ومادتهما، من الناحية الأخرى، مادة هجينة على العموم: فهي شبه فلسفية وشبه أدبية وشبه علمية وشبه تاريخية، علاوة على أن وضعهما في العالم الأكاديمي أو الجامعي، على نحو مماثل، وضع متشابه. وإن ما أحاول جذب الانتباه إليه، على ما أظن، هو الشك الأساسي في عملهما حيال مايحاول فعله: فهل هو يحاول التنظير فيما يتعلق بمشكلة النصية أم أنه -وهذا شيء صارخ الوضوح في حالة ديريدا، ولاسيما منذ نشره مقالة "Glas"، غير أنه ملحوظ أيضاً في حالة فوكو- يأتي بنصية بديلة من عنديات كل منهما؟. وأما لاحقاً فأنوي أن أبحث المظهر التعليمي والمذهبي لعملهما، بيد أنني الآن أريد أن أقول ببساطة أن ديريدا قد حاول الإتيان، عند كتابه المعنون بـ "غراما تولوجيا" على الأقل، بذلك النوع الذي دعاه بالكتابة المزدوجة "écriture double" الذي يحرض نصفه الأول على قلب الهيمنة الثقافية التي يطابق ديريدا بينها وبين الميتافيزيك وسلاسله الهرمية، في حين أن نصفه الثاني "يتيح تفجر الكتابة في صميم الكلمة بحيث يؤدي هذا التفجر إلى تمزيق النسق المعهود برمته وإلى احتلاله مركز الصدارة"(8). فهذه الكتابة غير المتوازنة وغير الموازنة (decalée et decalante) يتقصد بها ديريدا أن تدفع الطية (pil) غير المنتظمة وغير المحسومة باعتراف الجميع والقائمة في عمله بين وصف النص الذي يفككه، وبين فرض النص الجديد الذي يجب الآن على قارئه أخذه بالحسبان. والأمر على الشاكلة نفسها في حالة فوكو، إذ إن هنالك "كتابة مزدوجة" (ولكنه ما هو بالنعت الذي يطلقه عليها) مقصود بها أولاً أن تصف (بالتمثيل) تلك النصوص التي يدرسها بأنها خطاب وأرشيف وقولات وهكذا دواليك، ومن ثم أن تطرح لاحقاً نصاً جديداً، نصه هو، يفعل ويقول ماطمسته النصوص الأخرى غير المرئية، كما أن فوكو يفعل ويقول ذلك الشيء الذي لن يفعله ويقوله أي إنسان غيره.
إن هذا التداخل النصي في كتابة كل من ديريدا وفوكو، والجاري قبل الكتابة وبعدها في أن واحد معاً، كان من تصميمهما لكي يبالغ في الفروق بين مايفعلانه ومايصفانه، بين عالم التمركز الكلامي وعالم الاستطراد من ناحية أولى، وبين المقالة النقدية التي يسوقها كل من ديريدا وفوكو من ناحية أخرى. وفي كلتا الحالتين هنالك ثقافة مسلم بها ومحط البرهان عليها مراراً وتكراراً، وإليها يصوبان سهام التجريد من التحديدات. إن تصويرهما لخصائص هذه الثقافة فياض بالطبع، ولكن بمقدار مايعنيني الأمر بهذا السياق فإن مظهراً واحداً لتلك الخصائص هو المعضل إلى أقصى الحدود.
ولنبدأ أولاً بفوكو. فكما يوجز لنا في كتاب "علم آثار المعرفة" وفي "مقالة عن اللغة" يقول بأن من المفروض بمنهج التنقيب الأثري أن يكشف عن الكيفية التي يهيمن بها الخطاب -الموضوعي والنظامي والأسير للتنظيم الرفيع بالصيغ اللفظية- على المجتمع والتي يتحكم بها بإنتاج الثقافة. ففرضية فوكو هي أن التعابير الفردية، أو أن الفرص التي تتاح لكتاب فرديين وتمكنهم من الإتيان بتعابير فردية، ليست محتملة في واقع الأمر. ففوق وتحت أية فرصة لقول شيء ما، هنالك جماعية ناظمة من تلك التي دعاها فوكو بالخطاب، وهذا الخطاب نفسه محكوم بالأرشيف. وهكذا فإن دراساته عن انتهاك القانون ونظام العقوبات والكبت الجنسي لدراسات ذات غفلية معينة، غفلية خلالها ومن جرائها كان الجسد البشري، كما يقول فوكو في "النظام والعقاب": "داخلاً في آلية القوة التي تستكشفه وتحطمه وتعيد تنظيمه من جديد". إن المسؤولية عن هذه الآلية "machinerie" تقع على عاتق نظام، على انعطاف يتخذه الخطاب حالما يدخل صفوف العدالة الإدارية، ولكن فوكو حتى هنا يلغي المسؤولية الفردية لا لمصلحة المسؤولية الجماعية بمقدار ما هي لمصلحة الإرادة المؤسساتية. "فهذه المناهج التي يسرّت الضبط المحكم لتشغيل الجسد، ذلك الضبط الذي ضمن الخضوع الدائم لقوى الجسد وفرض عليها علاقة الخنوع/ والمنفعة، يمكن دعوتها بالأنظمة" (9).
وهكذا فإن فوكو بطرائق شتى مشغول بإخضاع "assujetissement" الأفراد في المجتمع لأنظمة أو سلطة أسمى منهم بكثير. وعلى الرغم من أن فوكو تواق بوضوح لتفادي الحتمية المبتذلة في توضيح أعمال النظام الاجتماعي، فإنه يتجاهل تماماً مقولة القصد برمتها. وإن فوكو على دراية بهذه الصعوبة، على ما أظن، ولذلك فإن وصفه لما يدعى بإرادة المعرفة -la volonté de savoir- يحاول بطريقة ما تقويم اعوجاج التناسق في عمله بين الشيء الغفل بكل تهور وبين الشيء المقصود. ومع ذلك فمشكلة العلاقة بين موضوع فارد قوة جماعية (وهو الأمر الذي يعكس أيضاً مشكلة الجدل بين التصميم الإرادي والحركة المحتومة) لاتزال صعوبة واضحة يقر بها فوكو على الشكل التالي:-
هل يستطيع المرء أن يتحدث عن العلم وتاريخ (ومن ثم عن شروط وجوده وتغيراته، وعن الأخطاء التي ارتكبها، وعن التطورات المفاجئة التي دفعته على مسار جديد) بدون الإشارة إلى العالم نفسه- وأنا لا أتحدث هنا فقط عن فرد معين يمثله اسم علم ما، بل عن عمله والشكل الخصوصي لفكره؟ وهل من الممكن الإقدام على محاولة ذلك التاريخ الصحيح الذي يتتبع من البداية حتى النهاية مجمل الحركة التلقائية لكتلة غفل من المعرفة؟ وهل من المشروع، بله والمفيد، الاستعاضة عن "الفكرة التقليدية س القائلة أن..." والإتيان بدلاً عنها بالقول "كان من المعروف أن..."؟ بيد أن هذا هو بالضبط الشيء الذي تنطحت لفعله. فأنا لا أريد أن أنكر صحة السير الذاتية الفكرية، أو إمكانية تاريخ عن النظريات أو المفاهيم أو الموضوعات. إن الأمر لايعدو بمنتهى البساطة أنني أتساءل عما إن كانت أمثال هذه التوصيفات كافية بحد ذاتها، وعما إن كانت توفر الإنصاف للكثافة الهائلة للخطاب العلمي، وعما إن لم يكن هنالك وجود، خارج إطار حدودها المألوفة، لشبكات من النواظم التي تلعب دوراً حاسماً في تاريخ العلوم. ولكم أحب أن أعرف ما إن كانت الموضوعات المسؤولة عن الخطاب العلمي ليست، في وضعها ووظيفتها وانطلاقاً من استعدادها وإمكانياتها العملية، أسيرة تحديد الظروف التي تتحكم بها، لابل حتى وتطغى عليها(10).
وهذا نقد ذاتي لاذع، وفيه شيء من الاستعطاف على الأرجح -بيد أن الأسئلة لاتزال تستوجب الإجابة. وإن من المؤكد أن عمل فوكو، منذ صدور كتابه "علم آثار المعرفة" ومنذ المقابلتين الطويلتين في عام 1968 مع (Esprit و Cahiers pour L’analyse)، تطور في تلك الاتجاهات التي أوحت بها ملاحظته عن الأفراد، وهي: "أتساءل عما إن كانت أمثال هذه التوصيفات كافية بحد ذاتها". أي أنه جاء بمجموعة تفصيلية هائلة من التوصيفات الممكنة التي هدفها الأساسي هو، من جديد، أن تطغى على الموضوع أو التصميم الفارد والاستعاضة عنه بقوانين صياغة منطقية سريعة الاستجابة مفصلاً، ألا وهي تلك القوانين التي لايستطيع أي فرد بأم عينه أن يغيرها أو يتحايل عليها. فهذه القوانين موجودة، كما يناقش الأمر، ويجب الامتثال لها وذلك لأن الخطاب بالأساس ليس مجرد توشيح المعرفة بالوشاح الرسمي وحسب، لا بل وهدفه التحكم بالمعرفة والتلاعب به، من لدن الهيئة السياسية، أي الدولة في خاتمة المطاف (مع العلم أن فوكو كان مراوغاً فيما يتعلق بهذه النقطة). ولربما كان اهتمامه بالقوانين يشكل جزءاً من السبب الذي منعه من معالجة التغير التاريخي، أومن تقديم وصف له.
إن تأفف فوكو من كون الموضوع سبباً كافياً للنص، ولجوءه إلى الغفلية الخفية التي تتسم بها القوة المنطقية والأرشيفية (الحكومية)، لعلى انسجام عجيب مع تلك النسخة الخاصة التي طرحها ديريدا عن الإكراه. فهذا الجانب من عمله جانب معقد جداً وجانب، بالنسبة لي، عسير جداً أيضاً. وإن هنالك، من ناحية أولى، إشارات متكررة يشير بها فوكو إلى الميتافيزيك الغربي، وإلى فلسفة حضور بكل ماتستدعيه وتوضحه فيما يتعلق بتشكيلة واسعة من النصوص بدءاً بأفلاطون مروراً بديكارت وهيغل وكانط وروسو وهايدغر وانتهاء بليفي شتراوس. وهنالك، من ناحية أخرى، تنبه ديريدا للتفصيلات والمحذوفات سهواً والتشوشات، والاحتياطات حيال بعض النقاط الأساسية الموجودة في عدد من النصوص الهامة. وإن الشيء الذي تتقصد الكشف عنه قراءاته للنص هو ذلك التواطؤ الصامت بين الضغوط التي تمارسها البنية الفوقية للميتافيزيك وبين البراءة الملتبسة لكاتب ما بخصوص تفصيل من التفاصيل على مستوى القاعدة -كذلك التمييز اللفظي المحض الذي ميزه إدموند هوسرل بين الإشارتين الدلالية والتعبيرية أو التذبب (المبحوث في Ousia et Grammé) بين ama وnun*لأرسطو(12). ومع ذلك فإن العميل الوسيط بين القاعدة والبنية الفوقية لاهو موضع الذكر ولاهو، في الوقت نفسه، موضع الأخذ بعين الاعتبار. ففي بعض الحالات، بما فيها الحالتين اللتين جئت على ذكرهما، مايشير إليه ديريدا هو أن الكاتب قد تملص عامداً متعمداً من المشكلات التي فاجأته من جراء سلوكه اللفظي، وهو الحدث الذي يجب علينا فيه أن نفترض أن الكاتب ربما كان، رغم أنفه، رهين ضغوط من البنية الفوقية ومن التحيزات الغائبة "للميتافيزيك". ولكن في أمثلة أخرى، فإن الممارسة النصية التي يمارسها الكاتب نفسه تكون منقسمة على نفسها، إذ إن القلقلة التي ينطوي عليها مصطلح ما -من أمثال pharmakos أو supplément أو hymn - مبنية في صميم النص وتحركاته. بيد أن السؤال عما إن كان الكاتب مدركاً لهذه القلقلة أم لا فسؤال مطروح من قبل ديريدا مرة واحدة ليس إلا ومن ثم يحال إلى غياهب النسيان. وهاكم الآن معالجته لهذه المشكلة معالجة فيها شيء من المواربة في كتابه المعنون بـ "of Grammatoloy":
بعد أن بينت بالحدس وعلى سبيل الاستهلاك- وظيفة الدلالة "تكملة" في نص روسو، فإنني أعد نفسي الآن لإعطاء امتياز خاص، بطريقة قد يعتبرها بعضهم مفرطة، لنصوص معينة مثل " مقالة عن أصل اللغات" ولبعض النتف الأخرى عن نظرية اللغة و الكتابة. ولكن بأي حق؟ ولم هذه النصوص القصيرة، المنشورة في أغلب الأحوال بعد وفاة الكاتب والصعبة التصنيف،
بلا أي تاريخ وإيحاء معينيين؟ فعلى هذه الأسئلة كلها، وضمن منطق الترتيب الذي هي عليه، ليس هنالك إجابة مقنعة. وإلى حد ما، وعلى الرغم من الاحتياطات النظرية التي أصيغها، يكون اختياري مفرطاً في حقيقة الأمر.
إن السؤال الذي يطرحه ديريدا فعلاً على نفسه هو ما إن كان الشيء الذي يفعله وما إن كانت النصوص التي اختارها لهذا التحليل لروسو على أية علاقة بروسو، أي بما يفعله روسو أو بما كان ينوي فعله. ترى، هل أضفى روسو القيمة والتوكيد على "مقالة عن أصل اللغات" أم لا؟ وبالإضافة إلى ذلك ألا يزال ديريدا نفسه، في طرحه تلك الأسئلة ومن ثم قوله بعدئذ ما من إجابة مقنعة عليها، معتمداً على نفس فكرة التصميم التي حاول جعلها "مفرطة" بالنسبة لمنهجه؟ إذ على الرغم من إصرار نقده على الإتيان بأفكار جازمة وقاطعة كالمصدر أو الأصل، فإن كتابته مفعمة بها. وإن كلمة "الامتياز" التي يستخدمها لوصف مايفعله هو لا تقلل، شأنها شأن هروبه في نهاية الصفحة إلى كلمة "الإفراط"، من اعتماده على تصور روسو ككاتب ذي عمر زمني ميسور تحديده، وذي معيار واضح للنصوص، وذي أعمال ومراحل ميسور تصنيفها والإدلاء بمعطيات عنها، وهلم جرا. وعلاوة على ذلك هنالك قرن معروف بالقرن الثامن عشر، وعصر معروف بعصر روسو، ومدى أوسع نطاقاً بكثير معروف بالفكر الغربي -فهذه الأمور كما يبدو تمارس شيئاً من التأثير على ماتعنيه النصوص، على إرادتها في القول "vouloir- dire". وإن مايدل عليه اسم "روسو" في هذا كله لشيء أكبر بكثير مما يستطيع ديريدا تجاهله بمنتهى الوضوح، حتى حين يطوق الاسم بالأقواس. فإلى أي حد يجب فهم عبارة "اختياري أنا" كدليل عن المشيئة الفكرية المحض، وإلى أي حد يجدر فهمها كفعل منهجي من أفعال الانعتاق الفلسفي من "عتو عصر تمركز الكلمات"؟ وهل أنيط التوكيد بكلمة "تكملة" قبل إناطته بكلمة "إفراط" التي جاء بها ديريدا، وهل هي، نظر لذلك، معبره الذي أعده له جزئياً روسو نفسه للخروج من عالم تمركز الكلمات، أو هل أن الخيار جاء على نحو مفرط ولذلك كان مجيئه من الخارج، وعندها تفرض علينا تلك الحالة أن نسأل عن الكيفية (باعتبار أن المنهج هو القضية) التي يتمكن بها من أن يضع نفسه منهجياً خارج عالم تمركز الكلمات في الوقت الذي لم يتمكن فيه أي كاتب آخر من تحقيق ذلك؟ وماهو سياق تلك المشيئة التي تيسر مثل هذا التحول الذي يتحوله فيلسوف رهين شرك الألفاظ إلى قارئ جديد وكفء؟
إن خطورة هذه الأسئلة مثبتة من قبل ديريدا نفسه الذي رقش مقالته النقدية عن كتاب "تاريخ الحماقة" لفوكو باعتراضات على تقصدها، بمنتهى الترفع، تجاهل تواطؤاتها المنطقية. فديريدا، في اتهامه فوكو بأنه لم يعالج كما ينبغي المشكلات الميثودولوجية والفلسفية المتعلقة ببحث صمت اللاعقلانية بلغة عقلانية إلى حد ما، يستهل مسألة الدقة المتناهية عند فوكو. إذ حتى لو كان فوكو يدعي بأنه نفسه يستعمل لغة محفوظة في نسبية محضة دون اللجوء للاستعانة بشيء آخر"، فلديريدا ملء الحق في أن يتساءل "وماهو ذلك الشيء الذي يعزز، في خاتمة المطاف، هذه اللغة دونما إعانة أو مساندة: من ذا الذي يعبر بالدقة عن إمكانية انعدام الإعانة؟ من ذا الذي كتب ومن ذا الذي سيفهم، بأية لغة ومن أي وضع تاريخي للكلمات، ومن ذا الذي كتب تاريخ الجنون هذا ومن ذا الذي سيفهمه؟"(14). فهنا تكمن المسألة في الادعاء الذي يدعيه فوكو من أنه يحرر الحماقة من حبسها القسري في صميم الثقافة الغربية. ورداً على هذا الادعاء يجيب ديريدا قائلاً: "يستميلني الإغراء لاعتبار كتاب فوكو بمثابة تلميح قوي للحماية والاحتواء، تلميح ديكارتي لصالح القرن العشرين، تجيير للسلبية من جديد. فالعقل، حسب ظواهر الأمور، هو الشيء الذي يحتبسه فوكو، بيد أنه يختار كديكارت عقل البارحة هدفاً له لا إمكانية المعنى على العموم"(15). إن الشيء الذي فعله فوكو، والشيء الذي ادعى ديريدا اكتشافه في فوكو، هو أنه قرأ ديكارت قراءة سطحية ساقته إلى إساءة فهمه وغلى تكييف أفكار الشك إلى الحد الذي جعل ديكارت يبدو وكأنه قد فصل الحماقة عن العقل، في حين أن قراءة دقيقة لنصوص ديكارت تدل، كما يقول ديريدا، على النقيض من ذلك تماماً، أي على مامفاده أن نظرية المغالاة في الشك لدى ديكارت تتضمن فكرة "العبقرية الشيطانية" التي لم تكن وظيفتها استبعاد الحماقة بل احتواءها كجزء لايتجزأ من ذلك التصدع البدئي والمبدئ الذي ينخر نظام العقلانية نفسه. وإن هذا التدبير المربك فيما بين العقل والجنون والصمت واللغة هو الشيء الذي يتهم ديريدا فوكو بتجاهله في الوقت الذي يبدو فيه بأنه يلمح إلى خارجية المنهج الأثري بالنسبة لبنى الاحتباس والتسييج بالشكل الذي يصفها فيه.
وبما أنني قد عملت على تبسيط مماحكة بالغة التعقيد فلن أكرر هنا إجابة فوكو على النقد الذي وجهه إليه ديريدا وذلك لأن اهتمامي يدور حالياً حول الافتراض الذي يفترض به ديريدا وجوداً فعلياً لعالم ميتافيزيكي متمركز الكلمات، كما يدور عن التساؤل عن الكيفية التي يصبح بها الكتاب الذين يفحصهم كشواهد عن ذلك العالم جزءاً منه: وإنني لأنظر إلى هذه المسألة نظرة طافحة بمنتهى الجد إذ ليس من الواضح بتاتاً كيف أن مغالطة تمركز الكلمات -التي تتخذ لها أشكالاً عديدة شتى: كالتعارض الثنائي الذي تتعارضه أحكام القيم الأخلاقية إذ يطغى الواحد منها على الآخر في الوقت الذي من الواضح فيه أنهما مصطلحان متكافئان، والسلاسل الهرمية المنظمة تنظيماً أبوياً متوارثاً، وتمتين التعصب العرقي، والخصاب الجنسي- أي كيف أن هوى تمركز الكلمات يدس نفسه خلسة لاستهلاك الميتافيزيك الغربي، أوكي يصبح القسط الأعظم فيه. وليس من الواضح في الوقت نفسه كيف أن الأهواء الميتافيزيكية، بما في ذلك إهمال العلامة والتوقان المرضي للحضور، يمكن أن تعزى، من الناحية الأولى، إلى سقطات الكاتب ومحذوفاته وانسلاله من مصطلح إلى آخر (dérapage)، ويمكن أن تعزى، من الناحية الثانية، إلى المخططات المحبوكة عامداً متعمداً بمنتهى الوضوح من قبل الميتافيزيك الغربي على أشياعه. فهنالك حرص ديريدا على عرض الأخطاء الصغيرة والزلات الهامة التي تزل بها أقدام الكتاب وهم ينتقلون من شيء إلى آخر انتقالاً طائشاً، وهنالك من ثم ديريدا في استغاثته بتأثير فلسفة الحضور التي تعمل -كما يبدو عليها- عمل وسيط لشيء آخر أكبر وأشد عتواً يدعى بالميتافيزيك الغربي.
ولئن كنا لانريد أن نقول أن بيت القصيد في فلسفة الحضور هو إنجاز بعض الأشياء لا في النص وحده بل وفيما هو خلف النص أيضاً، أي في مؤسسات المجتمع على سبيل المثال، نكون عندئذ مضطرين أن نقول أن إنجازات الميتافيزيك الغربي هي (أ) إفساد النثر الفلسفي ببعض عيوب منطق زائف و(ب) تفكيك النصوص الغربية من قبل ديريدا. إن إرادة ديريدا، كقارئ لهذه النصوص، تحقق إذاً ذاتها، ألا وهو الإجراء الذي لانهاية له نظرياً باعتبار أن عدد النصوص التي يجب تفكيكها كبير كبر الثقافة الغربية، ولذلك فهو من ثم عملياً لانهائي. فهل نبتعد عن الدقة تماماً حين نقول بأن استبعاد ديريدا الإرادة والتصميم لمصلحة مايدعوه بالبديل اللامحدود استبعاد يخفي، أو ربما يهرب، فعلاً من أفعال ديريدا الإرادية، وفعلاً تنطوي فيه استراتيجية التفكيك، المعتمدة على نظرية من نظريات انتفاء إمكانية التردد واستبعاد التحليل السيمانتي، على الإتيان بأفق سيمانتي جديد، والإتيان من ثم بفرصة تأويلية جديدة مقرونة باسم يدعى بديريدا؟ وإلى الحد الذي اغتنم فيه تلاميذ ديريدا فرصة الإفادة من هذه الاستراتيجية، ومن "مفاهيمها" أيضاً، برز إلى الوجود نوع من معتقد رصين تقوم أركانه على الإيمان بتعاليم وأفكار معينة بشكل لايقل عن الإيمان "بالميتافيزيك الغربي"، الأمر الذي لايتحمل مسؤوليته ديريدا طبعاً.
ولكنني لست على قناعة بأن أمثال هذه المعتقدات توجد بأية طريقة بسيطة جداً وسلبية نوعاً ما، أي أن الأكثر احتمالاً بكثير على مايبدو هو أن أية فلسفة أو نظرية نقدية تبرز إلى الوجود وتكون موضع الرعاية لا لتكون هناك وحسب، ولتتحدث حديثاً سلبياً عن أي إنسان وعن أي شيء، بل لكي تكون موضع التعليم والانتشار، لكي تستنقع بها مؤسسات المجتمع بشكل قاطع، لكي تكون الأداة لحفظ أوتبديل أو زعزعة أركان هذه المؤسسات وذلك المجتمع. وحيال هذه المقاصد الأخيرة كانت مختلفة استجابة كل من ديريدا وفوكو -علماً أن هذا الأمر هوما يستقطب انتباهنا لهما. فكل منهما حاول بطريقته الخاصة أن يفصّل شكلاً من أشكال الانفتاح النقدي والحنكة النظرية المتواصلة التجدد، أي ذلك الشكل الذي يستهدف تصميمه أولاً توفير معرفة ذات نوعية خاصة جداً، وثانياً إتاحة فرصة للمزيد من العمل النقدي، وثالثاً تفادي -إن أمكن- كلاً من العمليات التي تؤكد بها الثقافة ذاتها، ورتابة نظام نقدي سائب مفتوح كله للتنبؤ.
إن ديريدا، منذ باكورة تأملاته في مختلف البرامج المطروحة في المناهج الفلسفية والنقدية، تلمّس سمة الخدمة الذاتية في هذه المناهج. فالاستعارة العسكرية والصيودة استعارة ملائمة، على ما أظن، نظراً لأن ديريدا تحدث بأمثال هذه المصطلحات عما كان يفعل. وأما أنا فلا أشير هنا إلى المقابلات المنشورة في مجلة "مواقف" وحسب بل وأشير أيضاً إلى مقالته المعنونة بـ "كيف تبدأ وكيف تنتهي الهيئة التعليمية المنشورة في مجموعة "سياسات الفلسفة"(16). إن ماحرض واستقطب نواياه العدوانية هو الجانب البصري تقريباً لهذه المناهج، أي ذلك الجانب الذي يبدو فيه النص كله، أوالمشكلة التي يبحثها النص، ثنائياً أو مزدوجاً في نص الناقد أو الفيلسوف -الأمر الذي يجعل الحل من ثم مضللاً. ولكن لايمكن أن يحدث هذا إلا إذا كان النص الأصلي، أو المشكلة الأصلية ، موضع تصوير الناقد تصويراً تخطيطياً وذلك كي يتمكن النص النقدي من احتواء المشكلة على نحو كامل وكي يبدو النص النقدي واقفاً جنباً إلى جنب مع النص الأصلي وكأنه يحتاط لكل ما فيه أيضاً.
إن مجمل إجراء ديريدا يتقصد أن يبين، إما في الألفة المزعومة بين النصين الأصلي والنقدي وإما في تصوير المشكلة من قبل النص، أن هنالك شيئاً يملص دائماً لأن النقد عاجز عن الاحتياط لكل شيء من خلال التصوير المزدوج أو الثنائي. وبما أن الكتابة نفسها شكل من أشكال التملص من أية خطة يستهدف تخطيطها سد الطريق على الكتابة وكبح جماحها وتأطيرها ومطابقتها تماماً، فإن أية محاولة لإظهار الكتابة بأنها عرضة بشكل أو بآخر لأن تكون ثانوية ماهي إلا محاولة أيضاً للبرهان على أن الكتابة ليست أصيلة. ولذلك فإن العملية العسكرية التي ينطوي عليها التفكيك ماهي جزئياً إلا هجوم على المستعمرين الذين حاولوا تجيير الأرض وسكانها لتحقيق مخططاتهم، وماهي جزئياً أيضاً إلا هجوم بالمقابل لإطلاق سراح السجناء وجزئياً لتحرير الأرض المغتصبة بالقوة. وإن الشيء الذي يبينه ديريدا مراراً وتكراراً هو أن الكتابة "écriture"- وهنا علينا أن نلاحظ أن ديريدا يطرح فعلاً، سواء أقر بذلك صراحة أم لا، تعارضات وموضوعات وتعريفات وتسلسلات بين مختلف أصناف الكتابة- ليست مجرد عملية إنتاج وطمس، واقتفاء أثر شيء ما ومعاودة اقتفائه من جديد، بل وإنها بالأساس عملية إفراط زائد، عملية فيض واقتحام، شأنها شأن عمله نفسه في محاولاته اقتحام حدود مختلف ضروب قمع المفاهيم.
وهنا أود الإشارة، قبل أن أضرب الأمثلة عن التمزيق التنقيحي الذي يمارسه ديريدا فيما يتعلق بالاستنساخ والاحتواء النقديين، إلى شيء واحد هام بخصوص اختياره النصوص. فمعظم تلك النصوص هي النصوص التي ليس فيها من السرد إلا أقله، أو النصوص التي تستخدم السرد لتوضيح أو تصوير نقطة ما. وإن مثل هذا الاختيار للنصوص يماثل الاختيار الوارد في عمل أتباع ديريدا وحلفائه. فالسرد التوضيحي هو بالدقة وفي حقيقة الأمر -كما يستخدمه مثلاً أفلاطون أو روسو أو ليفي شتراوس- مايجتذب الاهتمام الشكاك لديريدا (في حالة ليفي شتراوس) إلى محذوفات الكاتب وتواطؤاته، أو إلى مايحاول الكاتب، في غموض ذلك السرد، إظهاره واستبطانه في آن واحد معاً (كالسرد الذي يسرد به روسو اللغة على نحو متفجر وكأنها تكملة لانفعال الإنسان البدائي). وبمقدار ما كان ديريدا ينهمك بنصوص ذات طابع تاريخي بمنتهى الوضوح (والمثل الوحيد كتاب "تاريخ الحماقة" لفوكو)، كتلك النصوص الملتزمة بفرضية عن التسليم ببداهة النتيجة في صميم بنيتها الداخلية، كان الشيء الذي يستقطب اهتمامه، على نحو مماثل، هو مايبدو على شكل انقطاع مؤقت في الوصف (نظرية ديكارت عن الأحلام والجنون).
فماذا يعني هذا التجنب للسرد؟ لقد كان ديريدا، باعتباره كان يركز على البعد النظري للوصف في تحليلاته يؤكد على أهمية الخلط الاحتيالي للتسلسلات الهرمية والتعاليم والتغرضات المدسوسة من باب تجاهل العارف، وينتقدها في الوقت نفسه. والآن فإن الرواية الواقعية، على نقيض غيرها من النصوص الأخرى، محكومة بنمط تصوير مختلف ولا متكلف. وعلى الرغم من صحة القول أن روايات عديدة تستخدم نفس تلك الحيلة المتمثلة بسرد الراوي لقصته على جمهور من المستمعين، فإن تلك الحيلة مندمجة في الرواية ولذلك فإنها تخيل موضع الإقرار به سلفاً -أي إنها، في مصطلحات ديريدا، محاكاة ساخرة أو تكملة أو صورة. وعلاوة على ذلك فإن الكثير من الروايات الحديثة -ماهي في حد ذواتها إلا، كما حاولت أن أبين فيما يتعلق بكونراد، تناوب فيما بين الكتابة والتحدث -والتناوب فيما بين الحضور والغياب. فحتى إشكالية النصية نفسها لا هي موضع التجاهل ولا هي موضع التملص في الوقت نفسه، بل يصار إلى تحويلها إلى مظهر متعمد وتكويني واضح من مظاهر السرد. ولسرعان ما يخطر هنا على البال ستيرن، لا بل وكذلك سرفانتس وبروست وكونراد، والكثيرون غيرهم. فبيت القصيد هو أن هذه الموضوعات، التي هي بمعنى مانفس الموضوعات التي يشكلها نقد ديريدا، توجد مسبقاً في السرد لا كعنصر خبيء (ومن ثم غير مقصود) بل كعنصر أساسي. ولذلك فإن أمثال هذه النصوص لايمكن تفكيكها، باعتبار أن تفكيكها كان موضوع الاستهلال من قبل وعن دراية ذاتية من لدن الروائي والرواية أيضاً. وهكذا فإن هذا الجانب من السرد يطرح التحدي، غير المطروح حتى حينه، فيما يتعلق بالشيء الذي يجب فعله بعد أن يكون التفكيك قد قطع لتوه شوطاً لابأس به، أي بعد أن تصبح فكرة التفكيك غير قادرة على تمثيل جسارة فكرية محبوكة.
وعلاوة على ذلك فتاريخ الرواية، أو تاريخ حبكة الرواية في قلب الرواية، قد خضع بطريقة هامة واحدة إلى تطور حاسم: فالرواية تتخطى وتتجاوز سيرة الفرد كبنية تنظيمية لها. فلئن تقارن روبنسون كروزو أو توم جونز بمارلو أو كيرتز أوجود يعني أن ترى للتو لا الاهتمام المطلق تقريباً في الفن الروائي بالدور المؤسس لسيرة الفرد وحسب، بل ويعني أن تلاحظ أيضاً بروز الكتابة نفسها في الفن الروائي بروزاً رائعاً متزايداً كبديل لسيرة الفرد، أو كتكملة لها. إن موضوع الأبوة وبرفقته كل صرح البنوة بما له من دور مركزي في إدارة الفن الروائي، فضلاً عن الأفكار الرئيسية للانتماء الذاتي وسلالة النسب والأبوة والزواج: كل هذه القضايا تتعرض لتبدلات عميقة خلال مسيرة الروايات في مؤخر القرن التاسع عشر ومقدم القرن العشرين. والقول الفصل فيما يتعلق بهذه التبدلات هو أنها لم تنجم بأية طريقة مبتذلة عن عوامل /اقتصادية/ سوسيولوجية عرضية، وإنما تبرز إلى الوجود إبان نزوع الفن الروائي منزعاً دنيوياً مطرداً. ففي الوقت الذي كان فيه الروائي يعزو إلى نفسه وإلى خلفه قوى إنجابية وشبه إلهية جازمة، كانت هذه القوى تتعرض، في مسيرة أدائها أداء معززاً في الزمن التاريخي الفعلي، للإقرار بظروفها الدنيوية أو الأرضية. وإن هذه الظروف لتكشف الروائي وهو يمارس الكتابة، لا على صورة إله صغير يمارس الخلق ولا على صورة امرأة أو رجل يعرض شيئاً ما. فالروائي، سواء أكان فلوبير أو بروست أو كونراد أو هاردي أو جويس، مدرك لذلك الخطاب الذي يشكل هو نفسه طوعاً جزءاً منه. وفي هذا كله نجد شيئين يعجز التفكيك، كاستراتيجية تأويلية عامة معتمدة زوراً وبهتاناً على السمات العامة للفكر الغربي، عن معالجتهما أولهما: الكتابة كفعالية سطحية بالغة التعقيد وعنصر شكلي في الفن الروائي، وثانيهما: الكتابة التي تبدو متميزة سلفاً عن أية فعاليات أخرى لا لأنها قرار من قرارات القضاء والقدر، بل لأنها ثمرة نشوء تاريخي فريد من نوعه بالنسبة للشكل الروائي نفسه، على الرغم من أنه نشوء عويص بشكل مطلق.
ـــــــــــ
إن ديريدا يتحدث في كتابه "Grammatology" عن "مضاعفة التعليق المطموس والمحترم"(17)، أي عن تلك الفكرة التي مفادها أن الناقد يقرأ تقليدياً نصاً معيناً في الوقت الذي يحترم فيه رسوخه المفترض ويستنسخ ذلك الرسوخ بمنتهى الأمانة في تعليق نقدي يقف جنباً إلى جنب مع النص الأصلي. وإن قراءة نص شعري تطرح، بشكل مماثل، الشكل على أنه بالأساس هناك لتلقي معنى النص. فالمكافئ النظري لمثل هذا الإجراء موصوف وصفاً رائعاً من قبل ديريدا على أنه هندسي (مربع أو دائري أو ذو محيط مخالف للمألوف) موضع الاستنساخ في نص آخر يتطابق في شكله تمام التطابق مع النص الأول. وإن من المفروض بهذين النصين أن يتيحا فيما بينهما مجازاً للناقد يدخل منه إلى "الثقة الآمنة التي تقفز فوق النص باتجاه مضمونه المفترض، نحو محض الدلالة" (18). فغائية هذا العمل بأسره هي الشيء الذي يتساءل عنه ديريدا بكل مشروعية كما حين يصف "البنيوية الغائبة" لدى جان روزيه إذ يقول: "لايبدو على روزيه أنه يفترض أن أي شكل جميل... بل أن الشكل الوحيد الجميل هو الشكل الذي يتسق مع المعنى، أي الشكل الذي من الممكن فهمه لأنه، قبل أي شيء آخر، متوحد مع المعنى. فلماذا إذاً، مرة أخرى، يتمتع بالامتياز هذا الاختصاصي بعلم الهندسة؟"(19). إن دقة كدقة روزيه لايمكنها أن تفعل شيئاً حيال تلك الصدمة الأساسية التي يستحيل تخفيفها والتي تطرحها الكتابة كلها، إذ إنها بمثابة التحريف الشائع لكل أنواع الكتابة "écriture". فالدقة عامل كبت سواء أكان الناقد يثنّي نصاً ما أو كان يقول بأن شكله يتطابق تماماً مع مضمونه، مع العلم أن الخطة العظيمة لديريدا كانت ترمي فتح اللغة أينما كان على الثراء الخاص بها بغية تحريرها بتلك الوسيلة من القيود التي تفرضها عليها المخططات المعينة.
ولكن ديريدا كان أقل حذاقة في رفع الحجب عن العديد من التوكيدات العظيمة التي دعاها، ولا سيما في أحدث أعماله، بالموضوعات أو الفئات (thémes- catégorémes)- وهي الكلمات التي تدعي الإشارة إلى شيء محدد وراسخ رسوخ الجبال خارج أنفسها، ألا وهو ذلك الشيء الذي من المفروض بها أن تكون نسخاً دقيقة طبق الأصل عنه. وإن هذه الكلمات لتنطوي ضمناً على مقدار كبير من المناورة اللغوية المحضة والمستورة خلف مظهرها المتناسق الهادئ. وليس من العبث في شيء أن يكون أول عمل موسع لديريدا قد تناول بالدراسة كتاب هوسرل المعنون بـ "التحليل المنطقي" الصادر في بحر عام 1900-1901 (علماً بأنه التاريخ الذي يدل دلالة تقريبية على صيرورة الفينومينولوجيا علم "المنشأ النظري" أو الأصلي)، إذ كانت بمثابة مجموعة من التحريات التي كان جهدها البين ينكب على فهم المعنى ووسائطه على نحو جوهري لم يسبق له مثيل. ففي كل تعريف من تعريفات هوسرل يلمح ديريدا إلى تقنية مجهوده، مبيناً على العموم أن انتقاص هوسرل من قيمة الرمز، أي إخضاعه الرمز لمعنى موجود باقتضاب للتعبير عنه كان محاولة فاشلة "لإقصاء الرموز من خلال جعلها ثانوية"(20)، مع العلم أن الأهم من هذا هو أن مثل هذا الموقف من الرموز واللغة كان يتظاهر بأن الرموز ماهي إلا مجرد تعديلات "لوجود بسيط"، وكأن الحضور، باستعمال اللغة، لايمكن أن يكون موجوداً البتة إلا كحضور ثان (أو تمثيل)، كاستنساخ، كتكرار -ألا وهي تلك الأمور التي لاتستدعي كلها وجود الرموز معها كضربة لازب وحسب، بل وتستدعي وجودها أيضاً، ويا للمفارقة، على أنها الحضور الوحيد، حضور ثان معلناً عن غياب الشيء الذي مثّله. وإن موقف ديريدا هو موقف المخبر الاستقصائي "اليقظان لعدم استقرار كل هذه التحركات التي يتحركها الفيلسوف واختلاط حابلها بنابلها، وذلك لأنها تروح وتجيء فيما بين بعضها بعضاً بشكل عاجل وسري". وهكذا فإن كل علم هوسرل عن الأصول يتكشف على أنه، بدلاً من أن يكون مجموعة من التمييزات الجوهرية بين شيء وآخر، "بناء غائي خالص مقصود بتخطيطه أساساً استبعاد الرموز وصغائر الأشياء الأخرى واستعادة "الحضور". وماهو الحضور إن لم يكن "إرادة المرء المطلقة لسماع نفسه وهي تتحدث؟ (21). فالتوكيد الذاتي لا للفلسفة وحدها وحسب بل ولنوع أيضاً من حضور المرء أمام نفسه حضوراً خبط عشواء نقياً وأخرق (أنانية وجودية)، وحضوراً ببساطة يتجاهل اللغة التي، في الوقت الذي هي فيه قيد الاستعمال، للإتيان "بالحضور"، تصبح موضع الإنكار في الوقت نفسه أيضاً. فاللغة، على الرغم من الدأب اليائس الذي يدأبه هوسرل لاستبقائها ثانوية وبديلاً مفيداً عن الحضور، تختلق نفس تلك المعاني التي تتمنى الفلسفة كبتها باعتبارها مربكة وهامشية وإضافية. وهكذا فلكل كلمة كبيرة من مثل "إله أو واقع" هنالك كلمات صغيرة من أمثال "واو العطف أو حرف الجر أو حتى الفعل يكون: is"، وإن الموقف الفلسفي لديريدا هو أن الكلمات الكبيرة لاتعني أي شيء خارج أنفسها: فهي دلالات مرتبطة، للحصول على معناها الكامل، بكل الكلمات الصغيرة (chevilles syntaxiques كما يدعوها) التي بدورها تدل على أكثر مما يمكن فهمه الفهم الكافي بأنها تعبر عنه.
إن الشيء الذي يسميه ديريدا تسمية طنانة بالميتافيزيك الغربي لهو موقف شعوذة نال ترخيصه السخري بواسطة اللغة وهو، إلى حد ما أعلم، ليس موقفاً غربياً بالضرورة. غير أن من المحتمل أن تكون هذه النقطة شيئاً صغيراً. فمماحكة ديريدا تؤكد مرة ثانية على الفرضية البصرية القائلة أن تثبيت الصوت والحضور والوجود لهو طريقة لصرف النظر عن الكتابة، وطريقة للادعاء بأن التعبير شيء فوري وما من حاجة تدعو لاعتماده على سلسلة بصرية دالة، أي على الكتابة "écriture". وهكذا فإن الموقف الغراماتولوجي ومعه استراتيجية التفكيك لموقف بصري ومسرحي، كما إن نتائجه بالنسبة للإنتاج الفكري (ولاسيما إنتاج ديريدا على وجه التخصيص) نتائج محددة جداً وخاصة جداً.
ـــــــــــ
إنني أود أن أبدأ هذا القسم بما قد يبدو شاهداً ليس على علاقة كبيرة بالموضوع، ألا وهو الفقرة الواردة أدناه اقتباساً من رواية "آمال عظيمة". فبيب وهربرت يسافران لمشاهدة عرض لمسرحية "هامليت" حيث يقوم بالدور الرئيسي فيه السيد وبسلي الذي هو مواطن من بلدة بيب. ويجري العرض قبل أن يكتشف بيب من هو المحسن إليه، ولذلك فإن المهزلة المباشرة لما يراه وهربرت على مصطبة العرض مقصود به أن يكون تلميحاً ساخراً للمزاعم الفارغة التي يعيشها بيب ومفادها أنه رجل من علية القوم.
حين وصلنا إلى الدانيمارك وجدنا ملك وملكة ذلك البلد وقد ارتفع بهما المقام على أريكتين فوق طاولة من طاولات المطبخ وهما يعقدان جلسة رسمية. لقد كان يحضر تلك الجلسة كل النبلاء الداينماركيين ومن بينهم غلام نبيل ينتعل جزمة جلدية لجده البدين، وأمير مهيب بوجه قذر كان يبدو عليه بأنه قد برز من بين صفوف العامة في مؤخر حياته، ورمز الفروسية الدانيماركية بساقيه الحريريين الأبيضين وشعره المشبوك بمشط مما يوحي بمظهر أنثوي على العموم لقد وقف ابن بلدتي الموهوب منفرداً وعليه مسحة من الكآبة وهو يطوي ذراعيه، ولكم كنت وقتها أتمنى لو كانت تجاعيد شعره وجبينه أكثر بروزا.عدة أمور صغيرة وعجيبة بدأت تتكشف في الوقت الذي كان فيه العمل المسرحي يسير قدماً إلى الأمام. فالملك المرحوم لذلك البلد لم يظهر بأنه كان يعاني الأمرين من السعال وقت مماته وحسب، لابل وأخذه معه إلى قبره وعاد به إلى الحياة الدنيا مجدد أيضاً. وأما الشبح الملكي فقد كان يحمل مايشبه المخطوط حول صولجانه للرجوع إليه على مايبدو بين الحين والحين، رجوعاً مصحوباً بمسحة من القلق وميل لتضييع مكان الإسناد -أمور كلها توحي بمناخ الموت. ولقد كان هذا المناخ، على ما أتصور، هو مادفع الشبح للعمل بنصيحة النظارة حين طلبوا منه أن "ينقلب"، وكانت نصيحة فهمها فهماً مغلوطاً إلى أقصى الحدود....إن ملكة الدانيمارك، وقد كانت سيدة بدينة جداً، كان يراها الجمهور، مع أنها كانت تاريخياً نحاسية البشرة، بأنها ترهق كاهلها بفيض كبير من النحاس. فبما أن ذقنها كان مربوطاً بتاجها بطوق عريض من ذلك المعدن (وكأنها كانت تحس بوجع شديد في أسنانها)، وبما أن خصرها كان مطوقاً يطوق آخر، وطوق آخر حول كل ساعد من ساعديها، كان يشار إليها صراحة بنعت "الطبل"... وأخيراً كانت أوفيليا ضحية لمثل هذا الجنون الموسيقي حتى إنها حين خلعت وشاحها المصنوع من الموسلين الأبيض، في الوقت المناسب، وطوته وطمرته، قام رجل عبوس من الصف الأمامي في القاعة، وقد عيل صبره بعد أن كان قد كظم غيظه لوقت طويل، وهدر قائلاً: "والآن، وقد أغفى الرضيع، هيا بنا لتناول العشاء"- سرّ كان فضحه، بأقل مايمكن أن يقال عنه، بعيداً عن الحشمة.فكل هذه الأحداث تكدس بعضها فوق بعض وعادت بالبهجة على ابن بلدتي التعيس، وكلما كان على ذلك الأمير المتردد أن يطرح تساؤلاً أو أن يتكشف عن شك ما، كان الجمهور يساعده في ذلك، كما كان عليه الأمر مثلاً حول التساؤل عما إن كان من الأسمى له أن يشعر بالمعاناة في ذهنه، بعض الجمهور زأر قائلاً نعم وبعضه لا، في حين أن قسماً ثالثاً ممن كان بين بين قال "أنت وحظك"، وللتو تشكلت لجنة لمناقشة الموضوع. وحين سأل ماذا يجب على أناس مثله أن يفعلوا وهم معلقون بين الأرض والسماء، وجد تشجيعاً له بصيحات صاخبة تقول "كلنا موافقون"... وبعد الاقتراع عليه... نودي عليه بالإجماع ملكاً لحكم بريطانيا. وحين نصح الممثل بألا يرجم بالغيب قال الرجل العبوس: "أولست تود ذلك أنت أيضاً، لأنت أسوأ منه بكثير"(22).
إن العنصر الهزلي الذي ينطوي عليه هذا الأمر واضح للتو. فديكنز يتناول مسرحية ذائعة الصيت، ولايذكرها بالاسم بتاتاً، ويسير قدماً إلى الأمام لوصف تلك التنافرات التي تضفي مسحة طفيفة من الانتقاص على المسرحية، والتي تحدث حين يمثلها فريق مضحك وعديم الكفاءة. ولكن تقنية الوصف التي يعتمدها ديكنز تقدم مزيداً من التحليل ولو كان طفيفاً. ففي المقام الأول هنالك عدة مستويات من العمل المسرحي تتجمع كي تشكل، نظراً لأن ديكنز يصف عرضاً مسرحياً في أحد المسارح، مشهداً واحداً من المأمول منه استبقاء كل تلك المستويات متميز بعضها عن بعض. فهنالك بيب وهربرت، وهنالك جمهور من المتفرجين، وهنالك عدة أفراد صخابين يبرزون وقوفاً على أقدامهم من بين صفوف الجمهور، وهنالك ممثلون سيئون، وهنالك إطار مسرحي مفروض به أن يكون الدانيمارك، وفي الختام، من المفروض أن تكون هناك مسرحية، ولو أنها نائية جداً على مايبدو، بقلم شكسبير ومهيمنة على مجريات الأحداث برمتها (مع أن الممثل الذي يلعب دور الشبح -يحمل النص معه).
والآن، في المقام الثاني، فإن هذه المستويات قلما تظهر بمظهر المتميز بعضها عن بعض خلال الأداء المسرحي، الأمر الذي يشكل السبب الذي يجعل العمل بأسره طريفاً جداً. وبما أنه ما من شيء وما من امرئ -ممثلين ومتفرجين وإطار مسرحي وبيب وهربرت- يؤدي الشيء المرتقب منه، فإننا نخلص إلى التيقن دون عناء كبير بأنه ما من فرد وما من شيء يتناسب مع الدور المخصص له. فالتناسب بين الممثل والدور، وبين المتفرجين والممثلين، وبين المتكلم والكلمات، وبين الإطار المسرحي المفترض والمشهد الواقعي: هذه كلها أشياء متنافرة بعضها مع بعض وتجري على نحو مغاير لما كان يجب أن تكون عليه لو أن الممثل والدور، مثلاً، كانا على تطابق تام فيما بينهما. وقصارى القول فما من شيء خلال هذا العرض المسرحي الأخرق العربيد يمثل تماماً الشيء الذي نتوقع تمثيله. فثمة صورة مطبوعة في أذهاننا توحي لنا أن هامليت يجب أن يكون نبيلاً، وأن المتفرجين يجب أن يكونوا هادئين، وأن الشبح يجب أن يكون شبه شبح. ولكن الأثر الذي تتركه هذه التوقعات المخيبة للآمال هو مسخ تلك المسرحية العظيمة التي تتمكن، على الرغم من مثالبها، من شق طريقها بهذا الشكل أو ذاك إلى صميم كل مايصفه ديكنز بقصد الإيحاء بكل مجريات الأحداث. ولسوف نصيب كبد الحقيقة والدقة حين نقول بأن مسرحية شيكسبير، أي نصها، لاتمت بأية صلة في الواقع لما يجري هنا على المسرح لأن مايجري ليس إلا نتيجة لنقص في قوة النص، أو عجزه، عن السيطرة على هذا العرض الخاص. فما يدور على نحو مغلوط لايعود، إلى حد ما، إلى قصور الفريق الممثل والفريق المتفرج وحسب، لابل ويعود أيضاً إلى قصور سلطان النص في تصويره أو تمثيله نفسه وهي تعمل "كما ينبغي لها أن تعمل".
وثمة شيء إضافي جدير بالذكر هو أن الأمر لايقتصر على خلط المستويات بعضها ببعض، ولا على عدم وجود أي تطابق بين النص الأصلي وبين ظهوره بالمظهر الواقعي ليس إلا، لا بل ويتعدى ذلك إلى الحقيقة التي مفادها أن مسرحية هامليت موجودة في كل مكان من الوصف الذي يصف فيه ديكنز هذه الأمسية المشؤومة. فما يقدمه لنا ديكنز ماهو في حقيقة الأمر إلا مشهد مزدوج أو، إن استعملنا استعارة موسيقية، لحن رئيسي وتنويعات طفيفة عنه، بحيث أن نثره يشتمل في آن واحداً معاً على نص أو لحن بأم عينه وعلى نسخة جديدة مشوشة عنه. إن السرد الذي يسرده ديكنز يتمكن، إلى حد ما، من أن يصور مسرحية هامليت الحقيقية ونسختها المزيفة الممسوخة بعضهما مع بعض، لا على شكل صور مركبة (مونتاج) وحسب، بل وعلى شكل انتقاد أيضاً بحيث يفتح مأثرة مهيبة على الضعضعة الكامنة فيها ويتيح لرائعة أدبية أن تتقبل وأن تتسع عملياً لاحتواء حقيقة كونها مكتوبة فعلاًن ومن ثم احتواء النتيجة المكشوفة، بما مفاده أنها في كل مرة تتعرض فيه للتمثيل يكون التمثيل بديلاً عن الأصل، وهكذا دواليك إلى أبد الآبدين وإلى الحد الذي يتحول فيه الأصل بشكل متزايد إلى "أصل" من باب الافتراض. وهكذا فإن ديكنز يسرد، في آن واحد معاً، نصاً مسرحياً إبان سيرورة تمثيله على النحو الذي أريد له فيه أن يكون موضع التمثيل، ويسرد أيضاً نفس النص في صورته الجديدة التي استحال إليها جراء التمثيل والمسخ الفادحين. وإن النصيين، القديم والجديد، ليس بوسعهما أن يتعايشا على هذا النحو بالنسبة لنا إلا لأن ديكنز يضع الاثنين جنباً إلى جنب ويتيح لهما أن يحدثا في آن واحد معاً في نصه وفقاً لطريقة دقيقة نسبياً من طرائق التقشّر الهزلي. ولئن قلنا أن مسرحية هامليت بالشكل الذي كتبها فيه شكسبير هي في مركز الحدث بأسره أو في أصله، يكون الشيء الذي يقدمه لنا ديكنز هو عبارة عن وصف حرفي ساخر لا للمركز الذي لايستطيع التشبث بتفكيرنا وحسب، بل وللمركز الذي أحيل إلى العجز عن مثل ذلك التشبث والذي يفضي، بدلاً من ذلك، إلى أعداد جديدة وفيرة من المسرحية، وأعداد مختلفة المراكز إلى حد التدمير. وهكذا فإن قوة النص تستحيل إلى النقيض الحقيقي لما قلته عنها آنفاً، لأن النص يسيطر، ويتيح ويختلق كل التفسيرات المغلوطة وكل القراءات المغلوطة، التي ماهي إلا بمثابة وظائف النص.
لقد كان ديريدا مفتوناً، منذ بداية حياته المسلكية، بإمكانات هذا الصنف من الأشياء. فبعض أفكاره الفلسفية عن الحضور، وعن الامتياز المنوط بالصوت على الكتابة، وعن وتلاشي فكرة المركز أو الأصل في الفكر الحديث، أمور يراها ديكنز من المسلمات بأكثر الطرق بعداً عن الطريقة الفلسفية، وماذلك إلا لأن تلك الحقيقة البسيطة التي لايرقى إليها الشك بما مفاده أن شكسبير قد يكون كاتب مسرحية عظيمة بعنوان هامليت، بيد أنه ليس في متناول اليد كي يمنع المسرحية من الاقتناص والاستنتساخ ببساطة من قبل أي إنسان يعن على باله أن يفعل ذلك، لهي حقيقة تشكل افتراضاً يماثل الانطباع الشخصي لدى ديريدا من أن أفكار الصوت والحضور و "الأصول" الميتافيزيقية ماهي ببساطة إلا أفكار قاصرة بخصوص الوقائع الوظيفية للغة. وأما الجانب الآخر لوجهة النظر هذه فهو ذلك الجانب الذي ينطوي على مغالطة عجيبة مؤداها أن نص شكسبير يدور بالطبع حول استنساخاته الممسوخة والمقيدة بحالة النص الكتابية وبمقتضات التمثيل، أو الأداء، لا بحضور شكسبير ككائن حي كان ذات مرة على قيد الحياة.
إن تقنية إظهار الكيفية التي تصر بها هذه الأساطير عن الصوت والحضور على البقاء في تفكيرنا وفي الكثير من الكتابة (إذ إن كل منزلة تلك الأساطير ملغومة بالفكرة القائلة أن الكتابة ماهي بمنتهى البساطة إلا انعكاس لشيء آخر، كالفكر أو الصوت الذي من المتوقع لها أن تمثله)، لهي تقنية ديريدا بمقدار ماهي تقنية ديكنز في هذا المشهد وتقنية مارك توين -إن جئنا على ذكر مثل آخر- في روايته المعنونة بـ "أمريكي من كونكتيكات في بلاط الملك آرثر". فديريدا نفسه هو من أصر على أن فضح الزيف، كما عمد إلى فضحه، يعيد تثبيت الأساطير القديمة بمعنى ما، الأمر الذي يماثل القول بأن المحاكاة الساخرة التي جاء بها ديكنز لمسرحية هامليت إن هي إلا فعل من أفعال الإجلال لشيكسبير. وهذا الشيء هو ما يعنيه ديريدا حين يتحدث عن فلسفته بأنها شكل من أشكال "التسمية القديمة". وأما السبب الذي يجعل الأفكار القديمة "تتشبث" بنا وبه مثل هذا التشبث (إذ إن prise هي الكلمة التي يستعملها في "الصوت والظاهرة") فهو أنها احتلت بحق الشفعة حيزاً كبيراً في تفكيرنا وإن لم يكن كله تماماً، ودفعت ببعض الانطباعات الشخصية المعينة (lmpensés) أن تكون مقبولة خبط عشواء، علاوة على أن ديريدا كفيلسوف- وهذا أهم مما سبق- لم يكن قادراً على اكتشاف طريقة تفكير جديدة تحررنا تحريراً كاملاً من الأفكار القديمة. لقد كان ديريدا في غاية الحرص على القول بأنه لايحاول الاستعاضة عن الأفكار القديمة بأفكار جديدة، باعتبار أن من الواضح أنه لم تكن لديه النية في أن يصبح مروّج عقيدة جديدة كي تحل محل عقيدة قديمة. ولئن برزت هذه العقيدة الجديدة في عمله أم لا فسؤال هام، وسؤال أتصور أن ديريدا وتلاميذه قد تجاهلوه على نحو متعمد مقصود.
ولكن ماهي استراتيجية ديريدا حيال التفكيك، كما يسميه، ولماذا يسلط أسطع الأضواء الكشافة على تقنيات التفكيك ذلك المشهد من رواية "آمال عظيمة"؟ فهيا بنا نبدأ بالتمثيل الذي هو بمثابة مشكلة من المشكلات الأساسية في كل النقد والفلسفة. إن معظم التوصيفات التي تتناول التمثيل، بما في ذلك التمثيل الذي جاء به أفلاطون، تعني ضمناً وجود شيء أصيل ونسخة عنه أو تمثيل، الأمر الذي يعني أن الأول سابق في الزمن وأعلى في المنزلة والثاني لاحق في الزمن وأدنى في المنزلة، بحيث أن الأول منهما يحدد الثاني. ومن حيث المبدأ فإن المقصود بالتمثيل التمثيلي هو أن يكون شيئاً لامناص منه في بعض الأحيان، وفي بعضها الآخر مجرد بديل مريح عن الشيء الأصيل الذي ليس بوسعه لأي عدد من الأسباب أن يكون حاضراً كي يكون نفسه ويفعّل نفسه. وهكذا فإن الشيء التمثيلي أو البديل مختلف نوعياً عن الأصيل لأن الأصيل جزئياً هو نفسه وليس ملوثاً باختلافه عن شيء آخر. وإنني لأبسط الأمور إلى حد كبير بالطبع، ولكن الموقف الفلسفي لديريدا هو أن الاختلاف -كما بين الأصيل والتمثيلي- ليس مجرد صفة مضافة إلى تمثيل أو إلى شيء ثانوي، بتلك الطريقة التي ينظر بها إلى الكتابة على أنها بديل عن الشيء الحقيقي (باعتبار أن من المفروض، مثلاً، أن اللغة تمثل فكرة أو شخصاً ليس حاضراً للتو). وعلاوة على ذلك يقول ديريدا أن الاختلاف يضاف، من ناحية أولى، إلى الأشياء حين تكون مصنفة بأنها تمثيلية ولكن الاختلاف، من ناحية ثانية أي على المستوى الكلامي الدقيق للتصنيف نفسه، مختلف مسبقاً ولذلك لايمكن التفكير فيه كصفة أو كفكرة أو كمفهوم له أصوله ونسخه. فالاختلاف شيء جوهري تماماً بالنسبة للغة، الأمر الذي يعني أنه علامة فارقة وأنه نفس فعالية اللغة نفسها حين تكون النظرة إليها كتابية لا لفظية. ولهذه الفعالية اللغوية الصرفة يستنبط ديريدا الكلمة "différance"، بمعنى الاسم الذي تتعذر تسميته (أو يتعذر لفظه). "إن الشيء الذي تتعذر تسميته هنا ليس نوعاً من الوجود المكنون الذي يتعذر الاقتراب منه باسم ما، كالإله مثلاً. فالشيء الذي تتعذر تسميته هو تلاعب الألفاظ إلى الحد الذي يفضي إلى الإتيان بالتسميات، بالبنى الذرية أوالتوحيدية، نسبياً، التي ندعوها بالأسماء، أو بسلاسل أو بدائل الأسماء" (23).
فلئن نسمي شيئاً يعني أن نحدد فكرة أو موضوعاً أو مفهوماً يتحلى بشيء من الأسبقية على نفس فعالية التسمية وعلى الاسم. إن ديريدا يريدنا أن نرى -إن لم يكن يريدنا أن نفهم- أننا مادمنا نعتقد أن اللغة ليست بالأساس إلا تمثيلاً لشيء آخر، فلن يكون بمقدورنا أن نرى ماتفعله اللغة، ومادمنا نتوقع أن نفهم اللغة في ضوء ثمة جوهر بدائي تلعب اللغة بالنسبة إليه دور الإضافة الوظيفية فلن يكون بمقدورنا عندئذ أن نرى أن أي استخدام للغة لايعني التمثيل وحسب، بل ويعني، ويا للمفارقة العجيبة، نهاية التمثيل أو تأجيله الدائم وبداية شيء آخر، ألا وهو الشيء الذي يدعوه ديريدا بالكتابة. ومادمنا لانرى أن الكتابة أكثر دقة ومادية من التكلم لأمر يدل على أن اللغة يجري استخدامها لاببساطة كبديل عن شيء أفضل منها بل كفاعلية بحد ذاتها هي، فلن يكون بوسعنا أن ندرك أن "الشيء الأفضل" لتوهم جوهري (إذ إن كان بمقدوره أن يكون هناك، فلسوف يوجد هناك). وهكذا فسنبقى، بوجيز العبارة، في قبضة الميتافيزيك.
إن اللغة المكتوبة تعني ضمناً التمثيل، شأنها بذلك شأن كون المسرحية التي يراها بيب تمثيلاً، ومع ذلك فإن القول بأن اللغة -أو بالأحرى الكتابة لأنها هي الشيء الذي يتحدث عنه ديريدا على الدوام- والأداء تمثيلان لايعني القول أن بوسعهما أن يكونا شيئاً آخر. فهما لايمكن أن يكونا شيئاً آخر لأن المسرحية المدعوة بهامليت بقلم شكسبير ماهي أيضاً إلى مثل عن الكتابة، كما أن الكتابة كلها ليست بديلاً عن أي شيء جاءت لتحل محله، بل إقرار مفاده أنه ما من وسيلة أخرى سوى الكتابة حين يقضي الواجب باستعمال اللغة، وعلى الأقل مادام الأمر يتعلق بإمكانية التمثيل المعزّز الصالح للتكرار. وعلى حين غرة نكتشف أن نفس فكرة التمثيل تحوز على شك جديد، كما هي عليه الحال تماماً في أن أي عرض لمسرحية هامليت -مهما كان مقدار تهريجه- يؤكد تضعضع كلمات المسرحية وحتى فكرتها الأساسية نفسها. وإن مانجد ديريدا فاعله هو الشيء نفسه الذي رأينا ديكنز فاعله تماماً، ألا وهو السماح لنفس فكرة التمثيل أن تمثل نفسها على مسرح (وهو المكان المناسب جداً بمنتهى الوضوح) حيث على الأقل نسختان من نص مألوف تعترض الواحدة منهما سبيل الأخرى وتعلو هذه على تلك وتلك على هذه، وتعكس الواحدة منهما اتجاه الأخرى، وحيث تكمل النسخة الجديدة منهما النسخة القديمة، والأمر برمته يجري في صميم نفس نثر ديكنز -ذلك النثر الذي يشكل المكان، والمكان الوحيد، لإمكانية حدوث الأمر المشار إليه. وهكذا فإن الهم المتواصل لدى ديريدا بخصوص التمثيل يورطه في نوع من الحشو الدائم ولو أنه في غاية الاقتضاب. فهو يستخدم نثره الخاص لتمثيل أفكار معينة عن الحضور، علاوة على تمثيلاتها، وهي تفعل فعلها في سلسلة كاملة من النصوص من أفلاطون إلى هيداغر، ويعمد من ثم لتبيين ماتمثله هذه النصوص بإعادة قراءتها وإعادة كتابتها إلى أن نتمكن من رؤيتها لا كتمثيلات لشيء ما، لا كتلميحات لأي مغزى غامض موجود خارجها، بل كنصوص تمثل أنفسها بطرائق تمثيلية كاملة كما هي عليه.
إن هذا الموجز يمثل الخلاصة المتناهية لماهو بدون أدنى شك نظرية من أكثر النظريات تعقيداً وتحبيكاً، ورواجاً أيضاً هذا اليوم، عن المعنى والنصية. وأما السبب الرئيسي لإتياني بهذا التلخيص فهو التوكيد على عدد قليل من أفكار ديريدا (لا على نهجه، إن كان هنالك مثل هذا الشيء) لكي أتحدث عنها بمزيد من التفصيل طفيف. فهذه الأفكار تنطوي اليوم على أهمية خاصة بالنسبة للنقاد الذين قد يرغبون بوضع أنفسهم، الفياضة بالشكوك، بين الثقافة ككتلة متراصة من الأفكار التي تهنئ ذواتها بذواتها وبين الطريقة أو المنهج الذي هو بمثابة أي شيء يماثل التقنية المستقلة التي تدعي التحرر من التاريخ أو الموضوعية أو الظرف. وعلاوة على ذلك، فإن عمل ديريدا يفرض علي، بمنتهى الإلحاح، المبادرة لمعالجته معالجة آنية نظراً لما أحمل من انطباع شخصي عن النقد الذي يجب، إذا أريد له ألا يتحول إلى مجرد شكل من أشكال توكيد الذات، أن يستهدف المعرفة كما يجب أن يحاول، وهذا أهم، التعامل مع المعرفة وتحديد هويتها وإنتاجها كشيء له علاقة معينة مع الإرادة ومع العقل.
إن العديدات من مقالات ديريدا تستخدم لا الاستعارات المكانية وحدها وحسب، بل وتستخدم الاستعارات المسرحية أيضاً بشكل أكثر تحديداً. فالنظرة إلى الكتابة "écriture" في عمل فرويد، مثلاً، هي أن لها نوعاً من النصية التي تحاول محاكاة الإطار المسرحي. فالمقالتان العظيمتان لديريدا في "LÉcriture et la différence" تستغلان اهتمام آرتو* بذلك التمثيل القابل للتكرار إلى مالا نهاية بغية تفسير فكرة ديريدا عن كون الكتابة بديلاً لا نهائياً لشكل يمثل شكلاً آخر، وبغية تحديد مدى النص على أنه عرضة للتفعيل جراء التورية "jeu". وعلى نحو مماثل يبين ديريدا ذلك الغموض الذي يتعذر تقليصه والذي تنطوي عليه أفكار آرتو عن المسرح، إذ أن آرتو كان يصر -إصرار ديريدا- على رؤية أي شيء من منطلق المسرح على الرغم من أنه "كان يتمنى استحالة وجود المسرح، وكان يريد طمس معالم المصطبة، علاوة على أنه بات لا يطيق رؤية كل مايرشح عن ذلك المكان المسكون على الدوام بشبح الأب والموبوء بتكرار جرائم القتل" (24). فتقنية شبه المونتاج التي جئت على وصفها سابقاً تحظى بوسم ديريدا لها بأنها على نوع من العلاقة الاستثنائية بكل الكتابة، حيث تدأب العملية الغرافولوجية* على تكرار اقتفاء آثار نفسها وعلى تكرار طمس تلك الآثار بشكل متواصل، الأمر الذي يفضي إلى اتحاد القديم والجديد فيما يدعوه بالمشهد المزدوج "la double scéne". وأما لاحقاً، وبعد استخدامه سلسلة من سلاسل التورية التي يلح على استغلالها، فيدعو ما يفعله بها بالعلم المزدوج "science double" الذي يعيد إلى أذهاننا محاضرته المزدوجة عن كتابة مالارميه "la double séance".
وهذا كله يوطد في عمل ديريدا تبادل المواضع فيما بين الصفحة وبين مصطبة المسرح. ولكن مكان ذلك التبادل -الذي هو بحد ذاته صفحة ومسرح- يقوم في نثر ديريدا، ذلك النثر الذي يحاول، في العمل الحديث لديريدا، التقليل من تحركه وفق التعاقب الزمني والترتيب المنطقي والحركة المستقيمة، والاستكثار من الحركة المفاجئة المتممة والجانبية التي تتعذر مواكبتها(25). وإن تلك الحركة تتقصد تحويل الصفحة عند ديريدا إلى موضع كاف بحد ذاته، وبكل وضوح، لقراءة نقدية، وصفحة مطروحة فيها النصوص والكتاب والمشكلات والموضوعات التقليدية بغية تجريدها من التحديد واختزال موضوعاتها على نحو مستديم إلى حد ما. وهكذا فإن النظرة إلى النصية هي أنها المكافئ المكتوب للمسرح الذي لاتقوم من حوله الحدود، وياللعجب، إلا ابتغاء القفز من فوقها، ولا يعمل فيه الممثلون إلا ابتغاء تفكيكهم إلى أقسام عديدة، ولا يعج بالمتفرجين إلا لكي يدخلوه ويخرجوا منه كما يشاؤون، فضلاً عن احتوائه على ذلك الكاتب الذي لايستطيع أن يقرر فيما إن كان يكتب أو يكتب من جديد أن يقرأ على هذا الجانب من الصفحة/ المسرح أو على ذاك. (وهنا يجدر الانتباه إلى التماثلات مع بيرانديللو وباكيت).
إن العبء الجدلي الذي تنطوي عليه المعروضات اللفظية لديريدا يتمثل عملياً بإعادة التفكير فيما يعتبره بمثابة الدعائم الأساسية للفكر الفلسفي (وحتى للفكر الشعبي)، إذ إنه يعتقد أن الفكرة التي تدور، من بين هذه الدعائم، حول حضور يتحلى بقوة الإقناع مثل "المادة /الوجود/ الجوهر (ousia)"(26)، وبصحبتها الخيال الآسر لتصورات توجيهية كالأفكار الأفلاطونية والتركيبات الهيغيلية ومجمل النقد الأدبي مما عفى عليه الزمن الآن ومما يجب النظر إليه على أنه كان هدفاً للتثبيت لإجراء قوة "خارجية" ما بل جراء قراءة النصوص قراءة مغلوطة. وإن قراءة النصوص قراءة مغلوطة تصبح شيئاً ممكناً بفعل النصوص أنفسها التي توجد أية إمكانية للمعنى بالنسبة لها -حتى في أحسن النصوص- في حالة فجة من حالات انعدام التوكيد. وإن هذا التصور ليمثل الفكرة الفلسفية الأساسية لديريدا، تلك الفكرة التي انبثق عنها ما أعلن عنه بأنه علم "grammatology" مع أنه لم يضعه موضع التطبيق، وماصار شيئاً ممكناً بشكل أولي. ومع ذلك فإن عمل ديريدا يتجاهل في الوقت نفسه إمكانية تقرير ما في النص، وما إن كان بمقدور المرء أن يقرر إمكانية فصل النص النقدي بتلك البساطة عن نصه الأبوي كما كان يعتقد النقاد، وما إن كان بالإمكان احتواء معنى النص في فكرة معناه نفسه، وما إن كان بالإمكان قراءة النصوص دون الارتياب الطاغي الذي مفاده أن كل النصوص تحاول -إذ كلما زادت عظمة النص، وربما عظمة الناقد، زادت براعته في المحاولة -إخفاء أسلوبها الخنثوي تقريباً في هيكل كامل من التوجيهات المضللة للقارئ، على شكل موضوعات خيالية، واحتكامات إلى الواقع سريعة الزوال وماشابه ذلك(27). ولما كان ما في حوزتنا لا يعدو الكتابة التي تتعامل مع الكتابة، فإن الواجب يقضي بتبديل أنماط فهمنا التقليدي تبديلاً أساسياً.
وثمة مثل هام عن الأسلوب الذي يعتمده ديريدا للتشويش على الفكر التقليدي خلف حدود إمكانية جدواه، موجود في هذا المقطع الذي يدور حول سلالة النص:
نحن نعرف أن الاستعارة التي يمكنها وصف سلالة النص وصفاً صحيحاً لا تزال ممنوعة (أي إذا حاولنا أن نفكر من أين يأتي النص، سنكون عرضة للبقاء مع فكرة خارجية ما "كالكاتب" على سبيل المثال، وهذا ما يمنعنا من محاولة وضع أيدينا على الأصول النصية الخاصة للنص- علماً أن هذا الأمر شيء مختلف تماماً). فالملحق التاريخي لنص من النصوص، في بناء جملته وفي معجمه وفي تباعد سطوره، ومن جراء تنقيطه وفراغاته وهوامشه، ليس بتاتاً في وضعية خط مستقيم. وعلاوة على ذلك فما هو بالوسيط السببي جراء العدوى، وماهو بتراكم الفئات تراكماً بسيطاً، وماهو حتى بوضع المقطوعات المستعارة إزاء بعضها بعضاً. ولئن كان النص يمنح نفسه دائماً تمثيلاً معيناً لجذوره هو، فإن تلك الجذور لا تعيش إلا بفضل ذلك التمثيل، بعدم ملامسة الواقع البتة إن جاز مثل هذا التعبير
(ألا وهو الأمر الذي من الممكن معارضته تماماً لأن ديريدا يمر مرور الكرام على تلك الطريقة التي ترتبط بها النصوص بغيرها من النصوص الأخرى، وبالظروف وبالواقع)، مع العلم أن هذا الشيء يقوض جوهرها الأساسي، بيد أنه لايقوض ضرورة وظيفتها التواشجية
Racination .(18).
وما نتيجة مثل هذا المنطق (the mise-en- abime) إلا تقليص كل مانظن أن له في صميم النص فعالية من خارج النص إلى وظيفة نصية. فالشيء الهام في النص هو أن نصيته تتخطى حتى حدود مقولاته عن أشياء من أمثال جذوره في الواقع أو وشائجه معه. وبدلاً من أن يصاب ديريدا بالإرباك جراء التشابه الواضح بين إنتاج الكتابة وإنتاج الحياة العضوية (بالشكل الذي من المسموح فيه قيام التشابه في المقارنة مثلاً بين semé [منقط] و semen [السائل المنوي])، فإنه يهشم التشابه، يشقلب الأمور رأساً على عقب. إن فكرة الكتاب المسموح بها ثقافياً هي فكرة وحدة متراصة -وخير مثال على ذلك هو الموسوعة- علماً أن تلك الوحدة تفسح المجال لإنتاج زمرة من الأفكار التي هي محط تصور ثمة شيء متفرد أصيل يشبه المعلّم أو الأب الذي يسلي نفسه بجعل المعنى حلقياً أي مستمداً من المصدر الوحيد وأسيراً له ، فكل مفهوم يقوم مقام الدليل على الاخصاب الذاتي حيث يعمل مفهوم على توكيد مفهوم آخر وعلى توكيده مراراً وتكراراً(29). وكشيء مضاد لهذه المفاهيم يطرح ديريدا ويستن من جديد- مع التذكير بأن اللغة الجنسية التي يستخدمها ديريدا في العادة لبحث المعاني والنصوص تكمن تماماً في صميم أكثر كتبه اتساقاً ومتعة ألا وهو كتابه الذي يحمل عنوان la dissémination -حركة معاكسة (تماماً بنفس ذلك الشكل الذي ينطرح فيه ممثلو هامليت لووبسلي في مسرحية هامليت لشكسبير). فهذه الحركة هي مايدعوها ديريدا بـ dissémination "الانتشار" التي ماهي بالمفهوم البتة بل ذلك الشيء الذي يصفه أينما كان بقوة النصية على اختراق آفاق السيمانتية (علم دلالات الألفاظ).
فالإخصاب لايفيد ضمناً أي شيء، ولايستدعي فكرة العودة إلى مصدر أو أصل أو أب، بيد أنه يسلتزم، على النقيض مما سبق، إخصاء مجازياً معيناً، مبيناً أن النص في كتابته قادر على إخصاء تلك الفكرة الأفلاطونية التي توحي لنا بآرائنا عن المعنى والتمثيل، وعلى إخصاء المثلث الهيغلي الوطيد الأركان في التركيب. إن الإخصاب يحافظ على التمزق الأبدي للكتابة، يحافظ على الترجرج الجوهري للنصوص التي لاتكمن قوتها الحقيقية في تعدد معانيها (والتي من الممكن جمعها تأويلياً، في خاتمة المطاف، تحت عناوين موضوعات شتى، أي بنفس تلك الطريقة التي يستجمع بها جان بيير ريتشارد كل عمل مالارميه ويصفه بعنوان أكثر ترجرجاً بكثير هو "عالم خيالي"(30)، بل لتلك النصوص التي تكمن قوتها في عموميتها وكثرتها اللامتناهيتين.
إن الإخصاب ليوطد، جنباً إلى جنب مع تمديده مفهوم النص تمديداً منظماً، أركان قانون مغاير يتحكم بمظاهر المعنى أو الفحوى (بداخلية "الشيء"، بواقعيته، بموضوعيته...)، أي بعلاقة مختلفة بين الكتابة، بالمعنى الميتافيزيقي لهذه الكلمة، وبين "مظهرها الخارجي"... علاوة على أن الإخصاب يفصح عن نفسه أيضاً... بأنه تعددية البذرة وخارجيتها المطلقة، إذ أن التشعب الرشيمي يحيل نفسه بالفعل إلى برنامج، بيد أنه ذلك البرنامج الذي يستحيل إضفاء السمة الشكلية عليه لأسباب يمكن إضفاء السمة الشكلية عليها. وهكذا فإن لانهائية رموزه، أي تصدعاته، لا تتخذ لها شكلاً مستنفعاً بالحضور الذاتي في الدائرة الموسوعية(31).
إن كل قراءة من قراءات ديريدا الرائعة روعة استثنائية تنطلق إذاً، منذ كتابته كتاب "De la grammatologie" الذي تتضمنه تلك القراءات أيضاً، من نقطة في النص تنتظم حولها نصيته المغايرة والمتميزة عن رسالته أو معانيه - ألا وهي تلك النقطة التي تتحرك باتجاهها نصية النص إبان تفجر الإخصاب الناجم عن النشاط الفوضوي للنص. وماهذه النقاط إلا تلك الكلمات التي تقف على طرفي نقيض مع المفاهيم، ألا وهي تلك النتف من النص التي يعتقد ديريدا بأنها مكمن نصية النص المناعة على التقليص: والتي يكشف من خلالها على ذلك. فهذه الكلمات التي تقف على طرفي نقيض مع المفاهيم والأسماء والأفكار تتملص من أي تصنيف محدد، الأمر الذي يشكل السبب الذي يجعل منها مجرد كلمات نصية، والسبب الذي يجعل منها نشازاً أيضاً. إن طريقة ديريدا في التفكيك تقوم بوظيفة إعتاق تلك الكلمات، شأنها بذلك شأن اللحظة المناخية في كون كل نص من نصوصه هو مجرد أداء بفعل هذه الكلمات المضادة للمفاهيم، أي تلك الكلمات المحضة ليس إلا. وهكذا فإن مايشير إليه ديريدا هو "مشهد كتابة في صميم مشهد كتابة وهكذا دواليك إلى اللانهاية، من خلال ضرورة بنيوية واضحة المعالم في النص"(32). فما من شيء بمقدوره إظهار النصية في مناخها الملائم إلا تلك الكلمات الفاذة syncatégoremes- ألا وهي تلك الكلمات التي لها، كصلات الوصل، وظيفة إعرابية في الوقت الذي تستطيع فيه الإتيان بوظائف دلالة أيضاً (33). وإن هذه الكلمات ذات مرونة لامحدودة مما يجعل منها كلمات منشّرة أيضاً، إذ إنها تعني هذا الشيء وذاك (مثلها تقريباً مثل كلمات الطباق الأساسية لدى فرويد)، ولكن السبب الذي يدفع ديريدا للاهتمام بها هو أنها هي، لا الأفكار الكبيرة، مايجعل من النص تلك الظاهرة المكتوبة الفذة التي هو عليها، أي شكلاً من أشكال التكملة لذلك المعنى القابل للتصييغ. وماهذه التكملة إلا سمة لذلك النص الذي يستطيع أن يكرر نفسه دون استنزاف نفسه ودون تكتمه على شيء (على فيض من المعاني السرية مثلاً).
وهكذا فقراءة ديريدا للشاعر فيدروس "phaedrus" ماهي إلا تفسير لكلمة "pharmakos" التي يستخدمها أفلاطون لكي تمكنه من الكتابة بطريقة تتيح إنتاج النص الذي تتعايش فيه الحقيقة واللاحقيقة جنباً إلى جنب كمثلين لا عن فكرتين بل عن تكرار نصي (34).
فديريدا يقول مايلي عما هو أثير على نفسه من هذه الكلمات، من هذه السلاسل النصية:
إن مايصح في رمز "hymen: غشاء البكارة" يصح أيضاً في كل الرموز الأخرى، من أمثال différence و supplément و pharmakon، التي لها قيمة رجراجة ومتناقضة ومزدوجة تنبثق دائماً من استعمال الرموز في الجملة، سواء أكان ذلك الاستعمال "داخلياً" بمعنى ما عاملاً على وصل وجمع معنيين متضاربين بصلة وصل واحدة "huph Pren"، أو كان "خارجياً" معتمداً على الرموز المشفرة التي تلقى فيها الكلمة لتؤدي وظيفتها. ولكن التركيب والتفكيك النحويين لرمز من الرموز يجعل مثل هذا التناوب بين الداخلي والخارجي شيئاً واهياً. فالمرء يتعامل بمنتهى البساطة بوحدات نحوية إلى حد ما إبان قيامها بعملها، وبفروق دقيقة جراء التعبير عن الأفكار بمنتهى الإيجاز. ودون
إيجاز هذه الأمور كلها إلى ماقيل آنفاً فإن بالإمكان التعرف، على النقيض من ذلك تماماً، على قانون تسلسلي معين في هذه النقاط ذوات المحاور اللامحدودة: فهي تسم مواضع ذلك الشيء الذي يستحيل البتة توسطه أو قهره أو حذفه أو إفراغه في صيغة ديالكتيكية من خلال أي تذكر أو نقل ×××××××.
فهل بمحض الصدفة أن كل هذه التلاعبات اللفظية، أي هذه الكلمات" التي تتملص من السيطرة الفلسفية عليها، يجب أن يكون لها، في قرائن تاريخية متباينة تبايناً واسعاً، علاقة فريدة جداً بالكتابة؟ إن هذه "الكلمات" تقر في تلاعباتها بوجود كل من التناقض وعدم التناقض (وبوجود التناقض وعدم التناقض فيما بين التناقض وعدم التناقض). وبمقدار مايعتمد النص عليها، أي بمقدار مايتقيد بها (s’y plie)، فإنه نظراً لذلك يمثل مشهداً مزدوجاً على مسرح مزدوج، فهو يعمل في مكانين مختلفين اختلافاً صارخاً في آن واحد معاً، حتى لو كانا مفصولين بحجاب
يسير اختراقه وعسير اختراقه في الوقت نفسه، أي متشابك (entrouvert).ولو أن أفلاطون كان حياً لخلع على العلم المزدوج المنبثق عن هذين المسرحين، بالنظر لهذا التقلقل والترجرج، نعت النزوة "doxa" لا نعت المعرفة "epistémé"(35).
إن الكلمات كلها لا تتشاطر فيما بينها معنى مشتركاً بمقدار ما تتشاطر بنية مشتركة من مثل كلمة hymen التي يستخدمها ديريدا لإرشاده في قراءة مالارميه، أومن مثل كلمة tympan: الطبلة المستخدمة لاستهلال مقالة "هوامش الفلسفة"(36). فالمعنى المتقلقل للكلمة -لاحظوا كيف أن بالإمكان تفكيك كلمة hymen وتحويلها بضربة ريشة إلى كلمة hymne: ترنيمة دينية - ماهو إلا كغشاء ذي نخاريب بالغ الحساسية يسم مراميه المختلفة ومواقعه المختلفة وجوانبه المختلفة (مثله مثل الورقة المطوية)، بيد أن اختراقه في غاية اليسر بالنسبة لذلك النشاط الذي يستهله ويجذبه وأخيراً يضطر للانعتاق من خلاله. وعلاوة على ذلك فإن الكلمات الأساس لدى ديريدا ماهي إلا رموز حروف: إذ إنه يقول عنها بأن من المحال جعلها دالة أكثر مماهي عليه الدلائل. فهنالك إذاً، وبشكل فيه كثير من الإلحاح، ثمة شيء سخيف عنها لأنها عقيمة وبلا جدوى، مثلها بذلك مثل كل الكلمات التي تستعصي على التكيف مع فلسفة الحاجة، أو المنفعة، الماسة.
فبعد أن وطد ديريدا عزمه على اقتراح في كوندياك، ومن ثم على تناوب دائب في كتابة نيتشه فيما بين الفلسفة التنويرية وبين مايبدو ظاهرياً تافهاً من أغنية أو خرافة أو قول مأثور أو لفظة نبوية، انطلق لاستهلال أسلوب في النقد والتحليل الفلسفيين: ذلك الأسلوب الذي يجوب بمنتهى البساطة والتعمد (علماً أن كلمة ديريدا ليجوب هي errance، في حين أن مشتقاتها تقوم في كلمة erreur) تلك الزوايا التي أهملها ما المفروض به أن يكون نقداً وفلسفة جادين. إن شكل عمله، المطروح على شكل عمل لوكاش بصورة مقالات عرضة للتهمة عمداً أنها مقالات وحسب، شكل نشور أي أن تلك المقالات تتقصد استكثار المعنى لاتقييده. وأما كياسات العرض المعهودة فشيء مطروح جانباً، كما أن الانزلاق من التلميح إلى التورية إلى غريب الألفاظ فأمر تتعذر مواكبته في بعض الأحيان. ولكن التقنية التفكيكية لديريدا ماهي، بأدق المعاني، إلا شكل من ذلك الاكتشاف الذي (وهأنذا أستخدم متعمداً العبارة الشهيرة لمارك شورر) مادته ليست مجرد نصية النصوص، وليست اختلاف المراكز اللفظية الخاصة التي تنأى بأنفسها عن التصنيفات، وليست حتى تلك النصوص التي يوجد في بنيتها شك لا حل له قائم بين كتابتها ومعناها المؤكد، وإنما تتجسد مادته في التعارض بين الأسلوب والنص المكتوب، بين الكلمة الحاضرة/ الغائبة وتكرارها اللامحدود في الكتابة. فالشيء الذي يريد ديريدا تحفيز فعاليته هو "الاقتراح المكتوب عن وسطية الكلمة، أي التوكيد على كون الخارجي خارجياً والتوكيد، في آن واحد معاً، على تغلغله البريء في صميم الداخل"(38). ولسوف يجد المرء، بشكل لا مناص منه، أن هذا اللغز يكمن لا في الخطاب الحقيقي الثابت بل في، وهنا يتحدث ديريدا بلغة نيتشه بشكل إيجابي، ذلك الخطاب الذي تتمثل أدواته ووسائطه الخبيئة في الطاقات المجازية للأدب. وإن هذه النقطة الأخيرة هي مايحاول ديريدا توكيدها في مقالته المعنونة بـ"La Mythologie blanche"* (39). وإن مايحاول فعله أي عمل من أعمال ديريدا هو تبيان entame -الشق، الثلم- في كل بنية من البنى التي تنطوي عليها الفلسفة، ألا وهو ذلك الثلم المنقوش في اللغة المكتوبة نفسها جراء إلحاح رغبته على الكشف عن نفسه للعيان، على الإفصاح عن نفسه بأنه ناقص وعديم الجدوى بلا حضور وصوت. وهكذا فإن الصوت يبدو ثانوياً بالنسبة للكتابة، وذلك لأن براعة الكتابة ماهي بالتحديد إلا براعة كل الأدب القصصي -أي تلك البراعة التي توثق نقيضها، لابل وتخلقه، كي تعمل من ثم كشيء ثانوي بالنسبة إليه وكي تصبح محجوبة عنه.
إن سلسلة النصوص التي وقع عليها اختيار ديريدا ابتغاء التحليل والاكتشاف لسلسة -على نقيض السلسلة الضيقة التي وقع عليها اختيار أتباعه بغية تحليلها- واسعة نسبياً إذ تبدأ بأفلاطون وتنتهي بهيداغر مروراً بكل من سولرز وبلانشو وباتيل. وبمقدار ماتسعى قراءاته لزعزعة الأفكار السائدة في الثقافة الغربية، فإن نصوصه تبدو محط الاختيار لأنها تجسد الأفكار تمام التجسيد. وهكذا فإن روسو وأفلاطون وهيغل يتكشفون على أنهم أمثلة لا مفر منها للفكر المتمركز حول الكلام -أي لذلك الفكر الأسير لتناقضاته اللامتناقضة والتي يجسدها في الوقت نفسه. وأما كتاب ذوو عهد أحدث- من أمثال ليفي شتراوس وفوكو- فقد وقع الاختيار عليهم كما يبدو بهدف قيام مماحكة فكرية شاقة في الذهن. وحتى قراءة سطحية لعمل ديريدا ستفضي إلى الكشف عن سلسلة هرمية ضمنية مصبوغة بصبغة تقليدية أعتى لا لكونها معروضة على ذلك النحو بل لكونها ثمرة الكشف الرائع الذي يكشفه ديريدا عن المغزى الجديد في نصوصه. وهكذا فإن أفلاطون وهيغل وروسو، بالنسبة لديريدا، إما أن يستهلوا حقباً تاريخية أو أنهم يعززونها، فمالارميه مثلاً يستهل تطبيقاً عملياً شعرياً ثورياً، في حين أن هيداغر وباتيل يتصارعان صراحة مع تلك المشكلات التي هما نفساهما وضعا لها القوانين وأعادا طرحها من جديد. وإن الطريقة التي تحظى بها هذه الشخصيات بوسمها التاريخي تعزز أية سلسلة يعمل على جمعها أستاذ في الدراسات الثقافية أو في مآثر الفكر الغربي. ومع ذلك فما من جواب على التساؤل عن السبب الذي يحول دون تسمية عصر روسو بعصر كوندياك أيضاً، أو عن السبب الذي يرتقي بنظرية روسو عن اللغة إلى مركز الصدارة، لا بنظرية فيكو أو نظرية سير وليام جونز، ولا حتى نظرية كولردج. ولكن ديريدا لا يخوض غمار هذه المسائل، على الرغم من أنني أتصور أنها ليست مشكلات تأويل تاريخي ثانوية بالنسبة لما يفعله ديريدا وإنما، على النقيض من ذلك، تبدو لي بأنها تقود إلى الأسئلة الكبيرة التي يثيرها عمل ديريدا.
لقد أدليت بملاحظاتي عن ديريدا وفوكو بالقول أنهما كلاهما، على الرغم من أنهما يمثلان وجهتي نظر مختلفتين بخصوص النقد، يحاولان بكل دراية اتخاذ مواقف رجعية حيال هيمنة ثقافية طاغية- ونظراً لموقف كهذا فإن نقدهما يزودنا بوصف عما هو عليه واقع الهيمنة الثقافية -وأنهما كلاهما أيضاً مدركين، من ناحية أخرى، للخطر المتمثل في أن مايفعلانه قد يتحول نفسه إلى عقيدة نقدية، إلى منظومة فكرية طائشة عصية على التبديل ومستهترة بمشكلاتها هي. والآن فإن موقف ديريدا وكل إنتاجه كانا مكرسين لاستكشاف كل من التصورات المغلوطة والأفكار المكرورة عشوائياً بالشكل الذي تلعب فيه دوراً مركزياً في الثقافة الغربية. ولقد أوضح ديريدا، في مناسبة واحدة على الأقل، أن أستاذ الفلسفة العامل في مؤسسة تحت إدارة الدولة يتحمل مسؤولية خاصة فيما يتعلق بالطريقة التي تنتقل بها الأفكار من المعلم إلى التلميذ ومن هذا إلى ذاك من جديد. وهذا يحدد الموقع التعليمي الذي صادف وكان يحتله رسمياً، ويشير إلى التهكمات التي ينطوي عليها مجرد اسم الموقع -agrégé- répétiteur- الذي يثير في نفس ديريدا التقزز الساخر. وعلاوة على ذلك فديريدا ينتمي إلى الهيئة التعليمية (enseignant corps) التي معنى منزلتها الوسطى يثير لدى ديريدا نفس ذلك التقزز أيضاً:
إن جسدي متألق. كل النور منصب عليه. ففي البداية يتساقط عليه من عل نور المصباح الكهربائي الذي يشع من ثم ويجتذب إليه تحديق المتفرجين. بيد أن جسدي يبقى متألقاً طالما تنتفي عنه صفة الجسد بمنتهى البساطة، انه يتسامى بنفسه لكونه يمثل هيئة واحدة على الأقل، (La corps enseipnant)- تلك الهيئة التي تفرض عليه أن يكون جزءاً منها وأن يكون هي كلها أيضاً في آن واحد معاً، أي ذلك العضو الذي بمقدوره رؤية الكل، وهذا الكل الذي ينتج نفسه من جراء طمس نفسه تحت ستار الممثل الشفاف المنظور الأوحد الذي يمثل الهيئة الفلسفية والذي يمثل في الوقت نفسه الجماعة السياسية /السوسيولوجية، مع العلم أن العقد فيما بين هاتين الهيئتين غير مكشوف لأعين الملأ جهاراً البتة(40).
إن الاستعارة المسرحية موظفة هنا وفي أي مكان آخر على أحسن مايكون التوظيف في التحليل السافر الوحيد الذي يحلل فيه ديريدا الآثار الناجمة عن ظروف السياسة والتاريخ والمؤسسة، والذي يحلل فيه وقائع كينونته هو كفيلسوف ومعلم ذي مشروع خاص به من عندياته. ولكنه قصّر بعض الشيء توصيف هذا الموقع الخاص الفياض بالامتياز. فهل يكفي القول أن المنهج التفكيكي يجب ألا يحاول التمييز بين سلسلتي الأفكار الفلسفية الطويلة منهما والقصيرة، ويجب عليه أن ينهمك بطريقة عامة جداً بالكيفية التي "من الممكن دائماً فيها للعدد العديد من قوى جهاز من أعتق الأجهزة [ويشير في هذه الحالة إلى مجمل البنية الفعالة للفكر الغربي كما يمثلها الموروث الفلسفي] أن يكون موضع تجديد الاستثمار والاستغلال في وضع غير مطبوع"؟(41) وأما شعوري حيال الفكر الغربي فهو أنه سيبقى، طالما هو محط الإسناد على العموم أوحتى طالما هو موجود بشكل حقيقي في نصوص بأم عينها، شيئاً نظرياً وكما هو عليه في حقيقة الأمر، لا لأن ديريدا لا يقاومه -إذ إنه يقاومه ولا يقاومه في آن واحد معاً ببعض الطرق البارعة التي حاولت وصفها- بل لأن الفكر الغربي أكثر تميزاً واندماجاً وأكثر تمثيلاً للمؤسسة، وهذا أهم مافي الأمر، مما يبدو على ديريدا الاستعداد للإقرار به.
بيد أن المشكلة لاتتوقف عند هذا الحد وحسب. فإلى الحد الذي كان فيه ديريدا حريصاً غاية الحرص على القول بأن تقنيته التفكيكية الإيجابية لم تكن لتطمح حتى أن تكون برنامجاً مناسباً للحلول محل المنظومة الفلسفية العتيقة الطراز، إلا أنه اشتط في الوقت نفسه إلى حد تزوير قرائه (وتلاميذه في فرنسا وفي كل مكان آخر) بمجموعة من المفاهيم المضادة. وإن الشيء الأساسي الذي ادعاه مريدو ديريدا بخصوص تلك الكلمات، وبخصوص منهجه التفكيكي بالفعل، هو أنها عصية على الاختزال في معجم سيمانتي محدود. وفضلاً عن ذلك ليس من المفروض بها أن تكون تلك المرايا التي تعكس تلك العقائد والأفكار المضادة والمستوطنة في الميتافيزيك الغربي التي تتحداها. فكلمة Différance، على سبيل المثال، تعرضت للتحديد لأول مرة في عام 1968 على أنها ذات معنيين جذريين أو ربما ثلاثة وكلها مختلفة عن معاني كلمة différance(42). وفي عام 1972 قال عن هذه الكلمة نفسها أنها تماثل "زمرة المفاهيم التي أراها على شكل منظومة عصية على الاختزال حيث يطل كل فرع منها برأسه على حين غرة، لا بل ويتخذ له شكلاً، في اللحظة الحاسمة إبان غمرة العمل" (43). وأنا أتصور أنه يقول أن هذه الكلمة، أو أي مظهر منها، تعتمد في معناها الدقيق على استخدامها بلحظة معينة في قراءة نص ما. وعلى الرغم من ذلك فإننا نبقى حيارى حيال الكيفية التي يتمكن بها ثمة شيء من أن يكون عملياً ونصياً ونظامياً وميسور التمييز ومعسور الاختزال، وألا يكون في الوقت نفسه بالفعل لا فكرة ولا مذهباً ولا مفهوماً ثابتاً، بالمعنى القديم لهذه الكلمات. فهل بوسعنا أن نبقى نحن معلقين في الفراغ إلى أبد الآبدين بين معنى قديم ومعنى جديد؟ أولن تبدأ هذه الكلمة الرجراجة الوسطى بتجميع المزيد والمزيد من المعاني لنفسها هي، شأنها بذلك شأن الكلمات القديمة؟ وعلى نحو مماثل، إن كانت تلك النصوص التي قرأها ونظمها حول الكلمات الرئيسة نصوص لا ترتقي بالضرورة بتلك الكلمات إلى مستوى الكلمات الرئيسة الشاملة (بالمعنى الذي يقصده ريموند وليامز)، فإنها لن تكون مجرد كلمات حيادية بتلك البساطة. وخير مثال على ذلك يتجسد في كلمة supplément التي وجدها ديريدا في روسو والتي نحت منها مخزوناً صغيراً من الكلمات في ذلك suppléntarité (التكميل) وكلمة supplément أي تكملة شيء بشيء آخر، مع العلم أن كل تلك الكلمات كان لها استخدامات جلية في قراءة نصوص أخرى. فكلمة مثل supplément تحوز على مزيد ومزيد من الاعتبار والتاريخ، علاوة على أن تركها دون شيء من الاهتمام باستخدامها في مكانها الصحيح الجوهري في عمله لهو، بالنسبة لديريدا، تجاهل غريب.
إن عمل ديريدا يواصل، كما أرى، تأثيره التجميعي على ديريدا نفسه، ناهيك عن تأثيره البين على تلاميذه وقرائه. وتساورني بعض الشكوك في أنه كان ناجحاً، في محاولته الحكيمة تجنب شبهة السقوط في منهج نظامي كان سيزعن له على أرجح الظن كأستاذ فلسفي ذي شأن كبير، في تفادي النتيجة الطبيعية لتجميع مقدار واف مما يشبه المنهج أو الرسالة أو السلسلة الكاملة من الكلمات والمفاهيم الخاصة. وبما أن من الخطل (والإهانة حتى) أن نقول أن التجميع الذي جمع فيه ديريدا المعرفة من خلال سيرورة عمله الفلسفي ليس بأكثر من مزاج أو مناخ، يتوجب علينا قبوله بأنه يشكل موقفاً -ألا وهو تلك الكلمة التي استخدمها بنفسه بمنتهى الارتياح. ولما كان ذلك الموقف موقفاً فإن من الممكن تحديده بالطبع لا بل وتصديره حتى، بيد أن التردد الذي تردده ديريدا حيال تحويل موقفه التاريخي إلى برنامج، وحيال ارتباط عمله بأنواع خاصة من الأعمال دون سواها: أمور كلها تحرم عمله، وبشكل مبرمج أيضاً، من موقفه ونفوذه الكبيرين. وعلاوة على ذلك فإن النصوص التي جرى تطبيق هذا الموقف عليها من لدن ديريدا انحرمت بدورها أيضاً من كثافتها وخصوصيتها ووطأتها التاريخية. فالصورة التي يأتي بها ديريدا لكل من أفلاطون وروسو ومالاريه وسوسور تدفعنا إلى التساؤل: هل كل هؤلاء المفكرين مجرد نصوص، أم هل هم حالة سائبة من حالات المعرفة من وجهة نظر مؤمن ليبرالي بالثقافة الغربية؟ وماهي الأهمية المهنية التي يتحلون بها بالنسبة إلى فيلسوف وعالم لغوي وناقد أدبي، وكيف هم مجرد أحداث بالنسبة لمؤرخ فكري؟ إن سلسلة هذه الكياسات عرضة لأوسع مايكون من التمديد، شأنها شأن ذلك الجهاز المعقد الذي ينشر أفلاطون وروسو والآخرين، في الجامعات وفي اللغة التقنية لاحترافات شتى في العالم الغربي وفي غيره من العوالم الأخرى، وفي فصاحة الأقليات المهووسة، وفي وضع السلطة موضع التطبيق العملي، وفي خلق أو تفجير الموروثات والمعارف والبيروقراطيات، والجهاز الذي يتمتع بالسلطة وبالدمغة التاريخية الفعلية الأبدية على الحياة البشرية. ولكن الجدير بالذكر أن ذلك الجهاز بحاجة لدرجة كبيرة من التحديد، لابل وأكبر مما استفاض بد ديريدا.
ليس في نيتي أن أشتط إلى حد القول أن موقف ديريدا يرقى إلى مستوى العقيدة الجديدة. بيد أن بمقدوري أن أقول أن ذلك الموقف لم يوضح بما يكفي من التفاصيل، على الرغم من رفعته وتميزه، ذلك الشيء الذي يشير إليه ديريدا في وصفه الهيئة التعليمية "corpo enseignant"، ألا وهو "التعاقد فيما بين كل هذه الهيئات" (أي هئات المعرفة والمؤسسات والسلطة)، تعاقداً ضمنياً وذلك لأنه "لايظهر البتة على الواجهة". فالكثير الكثبر من عمل ديريدا دلل على أن مثل هذا التعاقد موجود، فضلاً عن أن النصوص التي تبين انحيازات تمركز الكلمات ماهي إلا دلائل على وجود التعاقد وعلى ديمومة وجوده من فترة إلى أخرى في الثقافة والتاريخ الغربيين. ولكن يحق لنا شرعاً أن نتساءل، على ماأظن، عن الشيء الذي يحافظ على تماسك ذلك التعاقد، عن الشيء الذي يجعل من الممكن لمنظومة معينة من الأفكار الميتافيزيكية، علاوة على بنية كاملة من المفاهيم والتطبيقات العملية، والأيديولوجيات المستمدة منها، أن تحافظ على نفسها من غابر الأزمان الإغريقية حتى الزمن الحاضر. فما هي تلك القوى التي تستبقي كل هذه الأفكار ملتحمة بالغراء بعضها ببعض؟ وماهي القوى التي تحشرها في النصوص؟ وكيف يتسمّم ذهن الفرد بهذه الأفكار التي تطغى لاحقاً عليه؟ فهل كل هذه الأشياء من باب المصادفة المحض، أم أن الواجب يقضي في حقيقة الأمر إقامة صلة حميمة، ومشاهدة تلك الصلة بأم العين، بين الشواهد الدالة على هذا التمركز الكلامي وبين الهيئات العاملة على تأييده ضمن سيرورة الزمن؟ وحين يقول بورجز: "لكم كنت أصاب بالعجب كيف أن الحروف الموجودة في كتاب مغلق لايختلط عاليها بسافلها وتتلاشى بين عشية وضحاها"، فإننا نحن بدورنا نقول، لدى قراءتنا عمل ديريدا، ياللعجب من ذلك الشيء الذي يحفظ ديمومة أفكار الميتافيزيك الغربي هناك في كل النصوص ليلاً نهاراً، ولردح من الزمن على ذاك الطول. فما هو ذلك الشيء الذي يجعل من هذه المنظومة منظومة غربية؟ وقبل أي شيء آخر، ماهو الشيء الذي يستبقي التعاقد خبيئاً والذي يسمح، وهذا أهم من سابقه، لآثاره بالظهور في طريقة بالغة الإحكام والترتيب المنهجي؟
إن الإجابات على هذه الأسئلة لايمكن العثور عليها بقراءة نصوص الفكر الغربي نصاً إثر نص آخر مهما بلغ تعقيد منهج القراءة ومهما بلغت أمانة تسلسل النصوص المقروءة. وإن من المؤكد أن أي منهج للقراءة كمنهج ديريدا الذي يطمح أساساً لتبيان هذا العنصر الرجراج أو ذاك في النص بدلاً من تبيان رسالة اختزالية بسيطة من المفروض أن يتضمنها النص، ويطمح في الوقت نفسه أيضاً، من الناحية الأخرى، للتراجع عن جعل أية قراءة للنص جزءاً من تلك الفرضية الصريحة المرصوصة البنيان عن إصرار الفكر الميتافيزيكي الغربي على وجوده التاريخي، سوف يعجز بالتأكيد في خاتمة المطاف عن وضع يده على العمق والسلطان الماديين والموضعيين للأفكار كواقع تاريخي. وأما السبب لذلك فيعود لا لأن تلك الأفكار ستكون عديمة الذكر وحسب، بل لأن تسميتها ستكون حتى من المستحيلات -وهذا شيء متفق تماماً مع النزعة المطلقة لدى ديريدا المضادة للفلسفة الإسمية، ومع فلسفته المناهضة للتعريف، ومع تجريده اللغة من كسائها السيمانتي. وقصارى القول فإن البحث في صميم النص عن شروط النصية سوف يتعثر عند نفس تلك النقطة التي يصبح فيها الطرح التاريخي للنص موضع شك بالنسبة للقارئ، ومعضلة بالنسبة للناقد.
وهنا يصبح الاختلاف بين ديريدا وفوكو اختلافاً صارخاً جداً. فليس من الوافي بالغرض أن نقول أن ديريدا، كما أشرت ضمناً، يخرج بالنص من محطة تأمل النصية الداخلية إلى العراء ليشق طريقه إلى واقع خارج النص بغية إقامته فيه والبقاء هناك. ولسوف يكون أكثر إفادة أن نقول أن اهتمام فوكو بالنصية يتجسد في تقديم النص عارياً من عناصره الغامضة أو من طلاسمه، وفي الإتيان بهذا من خلال جعل النص متشحاً وشاح علاقاته الحميمة مع المؤسسات والدوائر والوكالات والطبقات والأكاديميات والهيئات والجماعات والنقابات، ومع المهن والأحزاب المحلية أيديولوجياً. وإن أوصاف فوكو لنص أو خطاب ما تحاول من خلال التفصيل وفخامة الوصف أن تعيد إضفاء الصفة السيمانتية "resemanticise" على المصالح الخاصة وأن تعيد، بالقوة، تحديدها ورصدها -أي تلك المصالح التي تخدمها النصوص كلياً. وثمة حالة تامة في صميم الموضوع هي النقد الذي يسوقه لديريدا. ففوكو ليس قادراً فقط على أن يبين بشكل مقنع أن ديريدا قد أساء، في نقطة عويصة واحدة، قراءة ديكارت جراء استخدامه ترجمة فرنسية تضيف كلمات ليس لها وجود في الأصل اللاتيني لديكارت، لابل وإنه قادر أيضاً بمنتهى الوضوح على أن يبرهن أن كل مناقشة ديريدا عن ديكارت مناقشة مغلوطة، لابل ومصبوغة بالنزق. فما سبب ذلك ياترى؟ والجواب هو أن ديريدا يصر -مع الإشارة إلى أن القول التالي يصح فيما يتعلق بمنهجه لافيما يتعلق بالرواسب السيمانتية للنص- على محاولة البرهان أن فرضية فوكو عن ديكارت، وهي الفرضية التي عزل فيها ديكارت الحماقة عن الاحتلام، لم تكن بالفعل عن ذلك الأمر البتة بل كانت مناقشة عن الكيفية التي كانت بها الأحلام أكثر غلواً حتى من الحماقة، كون الحماقة مجرد شاهد هزيل عن الاحتلام. وإن تلك المناقشة لاتتعدى قراءة النص، تاركة آراء القارئ (أي آراء ديريدا) وشكوكه وجهله تطغى على منظومة من الأفكار الخفية، ولو أنها موجودة وفاعلة، مما يجعل النص يقول تحديداً إن الجنون يجب بالإكراه تمييزه واستثناءه عن الفعالية البشرية السوية التي تتضمن الاحتلام.
إن مشكلة هذا الطغيان الواضح على النص، هذا الطغيان الذي يعاني فوكو الأمرّين لتبيانه، هي أن قراءة ديريدا لديكارت لايمكنها أن تقرأ تلك الأمور التي تتمتع، بمنتهى البساطة، بالقوة المقصودة التي تنطوي عليها سلطة طبية وقضائية نافذة، ومصالح مهنية محددة فاعلة. وعلاوة على ذلك فإن صيغة نص ديكارت تحذو بدقة متناهية حذو نمط خطابين اثنين هما الممارسة التأملية والدليل المنطقي، حيث تعمل في كليهما معاً المنزلة الافتراضية للموضوعين المبحوثين -أي الحلم والحماقة- والدور الافتراضي للفاعل (أي الفيلسوف الذي يضبط ويوجه كلا الخطابين في نصه) على تشكيل النص وحتى على تحديده أيضاً. إن التنصيص الذي يأتي به ديريدا له تأثير "اختصار الممارسة المنطقية إلى فتات نصي" اختصاراً أفضى إلى قيام بيداغوجيا مقترنة بديريدا.
ما أود قوله بهذا السياق هو أن بيداغوجيا صغيرة تكشف عن نفسها هنا بعد أن عقدت عزمها جيداً على ذلك. [إن عبارة une petite pedagogie عبارة مهينة عن عمد].وإنها تلك البيداغولوجيا التي تعلم التلميذ أن ليس هنالك ثمة شيء خلف النص، وأن في صميمه، في فراغاته البيضاء وفي أصواته غير المنطوقة، يجثم الأصل على شكل احتياط -الأمر الذي لايستدعي أية حاجة للتفتيش في أي مكان آخر غير هذا المكان الذي يتمحور هنا، إذ لافي واقعية الكلمات بل في الكلمات الممحوّة، في الشباكة التي تشكلها تلك الكلمات يجاهر "الإحساس بالوجود" بالتعبير عن نفسه. وهذه هي البيداغوجيا التي تمنح صوت المعلمين نوعاً من السيادة المضادة واللامحدودة التي تتيح لهم أن يعيدوا كتابة النص [يعيدوا قوله] إلى اللانهاية(44).
إن هذه الذروة المريرة كل المرارة لجواب فوكو على ديريدا ماهي إلى حد ما إلا طريقة للتعبير عن الغضب من أن بيداغوجيا ديريدا تبدو بمنتهى البساطة، مع العلم أن منهجه ليس على تلك الشاكلة إلى هذا الحد، أنها عرضة للتعليم والانتشار ولربما أكبر شأناً حتى، في الوقت الراهن، من عمل فوكو. وإن الحقد الشخصي الذي يقف وراء الحكم الذي يطلقه فوكو يزود ذلك الحكم بفصاحة مشحونة بشجب غاضب. ولكن أوليس الرأي الفكري لفوكو القائل أن قراءة ديريدا النص مالا تفسح المجال لدور يؤديه الإيحاء البتة، وأن ديريدا لايبدو، لدى قراءته نصاً ما ووضعه "en abime" (في مهب الريح)، في مناخ أثيري نصي كامل، راغباً في معاملة النص على أنه سلسلة من الأحداث المنطقية المحكومة لامن قبل كاتب ذي شأن بل من قبل مجموعة من القيود المفروضة على الكاتب جراء نوعية النص الذي يكتبه، وجراء الظروف التاريخية وماشابه ذلك؟ فلئن كان المرء يعتقد أن ديكارت كتب نصه وانتهى الأمر، وأن نصه لايتضمن المشكلات التي تثيرها حقيقة نصيته، يكون المرء عندئذ يروغ ويتجاهل تلك السمات التي تسم نص ديكارت وتربطه طواعية بكتلة كاملة من النصوص الأخرى (نصوص طبية وقضائية وفلسفية) وتفرض على ديكارت سيرورة معينة لإنتاج المعنى الذي هو نصه والذي من جرائه يتحمل المسؤولية القانونية ككاتب. وهكذا فإن ديريدا وفوكو يصطدمان حول كيفية وجوب وصف النص: أيوصف كتطبيق عملي تطفو على سطحه وتغور في ثناياه إشكالية غراماتولوجية شاملة، أم يوصف كتطبيق عملي لوجوده الواقعي سلطان تاريخي في غاية السمو والتمييز، ومقرون لا بالنفوذ البين للكاتب بل بخطاب يشكل الكاتب والنص والموضوع ويضفي عليهم جميعاً وضوحاً وفاعلية بمنتهى الدقة؟ فهذا التصادم كان له، على ما أظن، أكبر الأثر على النقد المعاصر.
إن أهمية موقف ديريدا تتمثل في أنه حاول في عمله إثارة أسئلة ذات صلة وثيقة وفريدة بصلب موضوع الكتابة والنصية، بما مفاده الميل لاحتلال مركز الصدارة أو التجاهل فيما خلف التعليق على النصوص. فمراوغة النصوص نفسها، أي الميل للنظر إليها، كونها متجانسة التكوين، إما كوظائف لفلسفة أو منظومة تخطيطية، وإما كطفيليات عليها نظراً لاعتماد النصوص عليها (كتوضيحات وأمثلة وتعبيرات) هي ماتتوجه إليها، أو بالأحرى لكل هذه الأشياء، طاقات ديريدا الهامة ابتغاء تجريدها من تحديداتها. ولقد طور ديريدا، فضلاً عن ذلك، طريقة للقراءة على مقدار استثنائي من السلاسة والشأن. ومع ذلك فإن عمله يجسّد تحديداً ذاتياً صارماً جداً، انضباطاً ذاتياً من نوعية معوقة وشلاء تماماً. ففي طريقته تلك فضل ديريدا سلاسة العنصر الرجراج في النص، إن جاز مثل هذا التعبير، على قوة النص الواضحة المعالم، إذ أن اختيار المرء للسلاسة العقيمة التي ينطوي عليها المشهد المزدوج التقريري في النصوص كان يعني، كما قال ذات مرة، إهمال القوة الفعالة والمتكاملة لمقولات النص (45). وهكذا فإن عمل ديريدا لم يكن في موقف يتيح له احتواء المعلومة النصية التي هي من ذلك النوع الذي يضفي على الميتافيزيك الغربي والثقافة الغربية أكثر من معنى تلميحي على نحو كرار. لا ولم يكن ذلك العمل مهتماً بتبديد نزعة التشرنق العرقي التي كان يتحدث عنها بين الحين والحين بوضوح نبيل، علاوة على أنه لم يطالب أشياعه بأي انهماك ملزم بأمور تتعلق بالاكتشاف والمعرفة، أو بالحرية أو القمع أو الظلم. فلئن كان أي شيء في نص ما مفتوحاً دائماً للتشكيك وللتوكيد عل قدم المساواة، تكون الفوارق وقتها بين مصلحة طبقة وأخرى، وبين غالب ومغلوب، وبين خطاب وأخر، وبين أيديولوجيا وأخرى، فوارق واقعية -ولو أن اتخاذ القرارات فيها ليس من الأمور العويصة- في عنصر التسويه الحاسم والكامن في النصية.
فلئن كان ذلك الشيء الذي لايمكن أن يخطر على بال "impensé" يعني بالنسبة لديريدا، الذي هاجمه مراراً وتكراراً، تفهماً كسولاً للإشارات واللغة والنصية، فإنه بالنسبة لفوكو يعني ذلك الشيء الذي لايمكن أن يرد على البال في وقت محدد وبطريقة محددة وذلك لأن هنالك أشياء معينة أخرى انفرضت على الذهن بدلاً منه. وفي ذينك المعنيين لـ "impensé"، اللذين أولهما سلبي وثانيهما فعلي، يمكننا رؤية التعارض بين ديريدا وفوكو -ويمكننا من ثم اتخاذ موقفنا كنقاد يفعلون شيئاً قد يكون من الممكن وصفه والدفاع عنه.
إن النصية، بالنسبة لفوكو وديريدا سواء بسواء، هي ذلك المفهوم الأكثر تقلباً وأهمية من المفهوم الميت بعض الشيء والمفروض عليها جراء تمجيد طقوس النقد الأدبي التقليدي. فلقد كان فوكو، منذ بداية حياته المسلكية، يولي اهتمامه للنصوص باعتبارها قسطاً جوهرياً، لا مجرد قسط ثانوي، من العمليات الاجتماعية الطافحة بالتمييز والاستبعاد والاحتواء والحكم. وقال ذات مرة عن النص، عن أي نص بما في ذلك نصه هو، بأنه "ذلك الحدث المستهدف الذي يستنسخ نفسه ويكررها ويحاكيها ويثنيها كي يتلاشى في خاتمة المطاف دون أن يتيح للإنسان الذي أنتجه فرصة الادعاء بالهيمنة عليه". وقال بشكل أكثر تحديداً: "إنني لا أحب لأي كتاب أن يخلع على نفسه منزلة النص الذي من الممكن معاملته معاملة الوجيز كثمرة من ثمار البيداغوجيا أو النقد. وأفضل بدلاً من ذلك أن يتحلى من الكتاب بصفه اللامبالاة في طرح نفسه كخطاب، كمعركة وأسلحة في آن واحد معاً، كاستراتيجية وصدمة، كنضال وتذكار (أو جرح)، كأزمة وآثار، كمجابهة غير نظامية ومشهد قابل للتكرار (46)". إن الصراع في كل نص بين كاتبه وبين الخطاب الذي يشكل الكاتب جزءاً منه، لأسباب اجتماعية وأبيستيمولوجية وسياسية، لهو صراع مركزي بالنسبة للنظرية النصية لدى فوكو. فمشروع فوكو، على نقيض وجهة نظر ديريدا القائلة أن الثقافة الغربية قد وطدت أركان الكلام على حساب الكتابة، يريد أن يبين عكس ذلك بمنتهى التحديد، منذ زمن الانبعاث الحضاري على الأقل، كما يريد أن يبين أيضاً أن الكتابة ليست بتلك الممارسة الخاصة التي تمارسها إرادة كتابية حرة، وإنما على الأرجح هي التفعيل الناجم عن شبكة من القوى ذات تعقيد هائل، ألا وهي تلك الشبكة التي تعتبر النص مكان ضمن أمكنة أخرى (بما فيها الجسد) حيث تدور فيه معارك استراتيجيات الهيمنة في المجتمع. وإن مجمل الحياة المسلكية لفوكو بدءاً من "تاريخ الحماقة" ومروراً بـ "إرادة المعرفة" كانت محاولة لوصف هذه الاستراتيجيات بمزيد من التفصيلات وبمقدار أوفى من عتاد الوصف النظري العام والفعال. إن من الممكن الإتيان بالأدلة، كما أظن، على أنه كان في الشق الأول أنجح منه في الشق الثاني، وأن كتباً من مثل "المراقبة والمعاقبة" ذات أهمية وقوة حقيقيتين أكثر مما في كتاب "علم آثار المعرفة". ولكن الشيء الذي تتعذر البرهنة عليه هو المقدرة الجزئية لدى فوكو على أن ينحي جانباً عتاده النظري البالغ التعقيد وعلى أن يتيح للمادة التي نبشها أن تخلق ترتيبها الخاص بها ودروسها النظرية الخاصة بها أيضاً. وإن هناك بعض المفاهيم والافتراضات النظرية الأساسية وبعض مبادئ التشغيل ظلت كلها بجوار مركز ماكان يفعله، الأمر الذي يحثني الآن على رسم خطوطها العريضة بمنتهى الإيجاز.
إن من الواضح أن بعض تلك الأمور مستمد من الفطرة. ففوكو هو ذلك المتبحر الذي لايقنع باستحالة التنقيب في أية زاوية مهما كان ظلامها دامساً، ولاسيما حين يستقصي آلية الهيمنة الفكرية والجسدية في طول التاريخ الغربي وعرضه. وعلى الرغم من صحة القول بأنه كان أساساً يولي اهتمامه لوجهين في عملة واحدة -أي عملية الاستبعاد التي تحدد بها الثقافات خصومها وتعز لها، ونقيضتها أي تلك العملية التي تحدد بها الثقافات وتعزز سلطة الاحتواء فيها- فقد صار من المؤكد الآن أن أعظم مساهمة فكرية ساهمها فوكو هي فهم الكيفية التي تمكنت بها إرادة ممارسة الهيمنة الطاغية في المجتمع والتاريخ من اكتشاف طريقة لإكساء نفسها وإخفائها وصقلها وتدثيرها منهجياً بدثار الحقيقة والنظام والعقلانية، وبقيمة المنفعة والمعرفة. وهذه اللغة، أي ذلك الدثار، في بساطتها وسطوتها واحترافها وجزمها، وفي صراحتها اللانظرية، هي مادعاها فوكو بالخطاب "discourse". وإن الفرق بين الخطاب وبين غيره من ضروب النزاع الاجتماعي من مثل الصراع الطبقي الذي ينطوي على جلافة أكبر في الوقت الذي لاينطوي فيه على أهمية أقل هو أن الخطاب يجهد لتفعيل محصلاته وتحيزاته ورقابته وتحريماته وتوهيناته على العقلاء من الناس، وفي مستوى القاعدة لافي مستوى الهيكل العلوي. فقوة الخطاب تكمن في أنه موضوع الصراع وأداته الذي يدار بها الصراع في آن واحد معاً، إذ في علم البانولوجيا، مثلاً، تكون اللغة القضائية، التي تحدد مخططاً للجانحين وللأسوياء من الناس متجسداً في بنية السجن المادية، بمثابة الأدوات لضبط الجانحين وبمثابة القوى (الممنوعة على الجانحين بالطبع) بين أيدي هذا الفريق ضد ذاك. إن هدف الخطاب هو الحفاظ على نفسه وصنع مادته، وهذا أهم من سابقه، على الدوام، فلا عجب أن يكون فوكو قد قال، بشكل استفزازي، أن السجون ماهي إلا مصنع لخلق المجرمين. فانطلاقاً من فطرته، ونظراً بلاشك لكونه ذلك المفكر الموهوب إلى حد فريد مكنه من أن يرى أن المفكرين جزء من منظومة القوة المنطقية، كتب كتبه تضامناً مع الضحايا الصامتين في المجتمع لكي يجعل واقعية الخطاب شيئاً منظوراً ولكي يجعل الصوت المكبوت لضحايا الخطاب مسموعاً.
إن الخطاب الرئيس للمجتمع هو مادعاه فوكو بـ "الخطاب الحقيقي أو خطاب الحقيقة"(47) في "نظام الخطاب". وعلى الرغم من أنه لم يصف هذا حتى في كتابه المعنون بـ "علم آثار المعرفة"، فإنني أتصور بأنه يشير إلى ذلك العنصر الذي ينطوي على أكبر مقدار من الغموض والعمومية من بين كل العناصر الأخرى في الخطاب، والذي يجعل ألفاظه الخاصة تبدو متحدثة دفاعاً عن الحقيقة وحولها وفيها. ومع ذلك فكل فرع من فروع الخطاب، كل نص، كل قول، له معاييره الخاصة به عن الحقيقة، مع العلم أن هذه المعايير هي ماتحدد أموراً من أمثال الصلة بصلب الموضوع والملاءمة والاتساق والقناعة وهلم جرا. إن فوكو على صواب حين يشير إلى أن المرء حين يكتب كفيلولوجي مثلاً، أومن منطلق الفيلولوجيا، فإن مايكتبه، في شكله وهيئته وقولته، يساق إلى أن يكون ملائماً بمنتهى الدقة من خلال مجموعة من الاحتمالات اللفظية الموقوفة حصراً على الفيلولوجيا في ذلك الزمان وفي ذلك المكان. فهذه التقييدات الميدانية على الكتابة، ولو أنها وفيرة التفريخ، هي ماتجعل قراءة فوكو للنصوص، فضلاً عن تأويل النصوص لاحقاً، عملية مختلفة جداً عن قراءة ديريدا، غير أنها نظرياً تضع أو تموضع النصوص وماتمثله على نحو أكثر فاعلية بكثير مما هو ممكن في مسرح التصويرات لدى ديريدا.
إن أكثر الفرضيات الفلسفية التاريخية إشكالاً وتشويقاً لدى فوكو هي الفرضية التي مفادها أن الخطاب، والنص أيضاً، قد صار محجوباً عن الأنظار، وأن الخطاب بدأ يتقنع ليظهر مجرد كتابة أو نصوص، وأن الخطاب أخفى القوانين المنهجية المتعلقة بتشكيله وبعلاقاته الحميمة الملموسة بالسلطة، لافي وقت محدد من الزمن بل كحدث في عموم تاريخ الثقافة وفي تاريخ المعرفة على وجه التخصيص. ففوكو يبذل جهداً جهيداً هنا وفي كل مكان من عمله كي يكون في غاية الدقة حتى لو لم نكن على ثقة تامة عما إن كان الشيء الذي يحاول وصفه هو حدث بالمعنى العادي لتلك الكلمة، أو حدث بمعنى أكثر تحديداً بقليل، أو حدث بالمعنيين معاً. وأما أنا فأميل إلى الاعتقاد بأن فوكو يحدد حقبة زمنية مرت بها الثقافة بشكل لابد منه، أي مرحلة زمنية قابلة للتحديد ولو بشكل تقريبي. وبما أن هذه الحقبة دامت لردع طويل من الزمن على أرجح الظن، فإن من الممكن إذاً وسم الحدث بأنه تغيير تدريجي في العلاقة المكانية أساساً بين اللغة والتمثيل. وهانحن نجد أنفسنا من جديد في الحيز المسرحي، على الرغم من أنه ينطوي على بعد تاريخي أوفى بكثير مما هو عليه لدى ديريدا. ففي كتاب "نظام الأشياء" يبني فوكو توصيفاته للحدث حول تباين من نوع بسيط ومفيد تماماً. فلقد كان من المعتقد، حتى نهاية القرن الثامن عشر على الأقل، كما يقول، أن الخطاب (أي اللغة كممثل لنظام من أنظمة الوجود Being) "تكفل بحشد التمثيل العشوائي العفوي الأولي ضمن طاولة" أو ضمن، كما يحسن بنا أن نضيف، حيز شبه مسرحي. والآن يبدو أن الوضع كان هكذا على الأقل قبل الحدث الذي يوشك فوكو أن يصفه، إذ إن ذلك الحدث غيّر نوع العلاقة التي قامت بين اللغة والواقع تغييراً هائلاً وتاماً جداً مما جعل من العسير تبينها حتى.
لقد حدث التغيير حين "كفّت الكلمات عن التشابك مع التصويرات وعن توفير شباكة عفوية لمعرفة الأشياء"(48)، وعندها صار الخطاب إشكالياً وبدا عليه بأنه يطمس نفسه وذلك لأنه لم يعد مضطراً أن يمثل لتوه أي شيء إلا نفسه- فهذه اللحظة هي اللحظة التي يدعوها فوكو "باكتشاف اللغة" ولو أنها لغة شتيتة. وإن مايصفه لشيء نستطيع فهمه على نحو أفضل بقليل في ضوء مشهد من رواية "الآمال العظيمة". فديكنز لايقول في أي مكان بأن مايصوره هو مسرح من المساراح، كما أن مسرحية "هامليت" لاتحظى بشرف التسمية (أي مسرحية هامليت لشكسبير، التي يعتمد التصوير كله على نصها). فمهزأة الموقف هي أننا نعرف إلى حد ما أن الشخصيات التي تحاول تمثيل المسرحية لاتستوعبها إلا بشكل ناقص. ولكننا لانعرف هذا إلا لأن لغة ديكنز توجه المشهد كله مواربة، وتصور المسرح وممثليه، وتضفر لنا ردود أفعالنا كقراء. وهذا كله لايصبح ممكناً إلا جراء العرف الروائي الذي من المسموح فيه وجود مقدار معين من المرجعية واستعمال اللغة استعمالاً شبه واقعي، والذي يستجلب القراء إليه توقعات وردود أفعال متخصصة. وبكلمات أخرى فإن المسرح الذي يصفه ديكنز لاوجود له إلا في لغة الرواية، أي في تلك اللغة التي تشربت الواقع وتبنّته إلى ذلك الحد الهائل الذي جعلها مسؤولة عنه مسؤولية مطلقة. ولكن العرف الروائي هو اللغة العتيقة من عبء تمثيل الواقع حصراً في طاولة أو شباكة، إذ ليست الطاولة على الأرجح، أو المسرح في هذه الحالة، إلا استخدام واحد من استخدامات العرف الروائي حيث يتوجب عليه أن يؤدي ماتؤديه الروايات، أي الإشارة إلى الأشياء روائياً، ولاشيء سوى ذلك. وأما فيما يتعلق بالعرف الفيلولوجي فإنه يتصور الكلمات على نحو مختلف تماماً. ولذلك فالجدير بالذكر أن هنالك أنواعاً عديدة للغة، وكل نوع منها ينجز الأشياء بطريقته الخاصة، وكل منها بحاجة لمعرفة مختلفة كي ينتجها أو ينقلها أو يدونها، وكل منها له وجوده وفقاً لقوانين ليست في متناول اليد إلا بعد بحث مستفيض.
إن هذه اللغات الخاصة هي الشكل الحديث للخطاب: في بداية القرن التاسع عشر اكتشفت الكلمات من جديد عمقها الملغز القديم، لا لكي تعيد انعطاف الكلمة الذي عشش في الكلمات خلال عصر الانبعاث الحضاري، ولا لكي تخلط الأشياء في منظومة دائرية من الإشارات أيضاً... فما أن انفصلت اللغة عن التصوير حتى احتازت لها على وجود، وصولاً إلى يومنا هذا، بطريقة شتيتة ليس إلا(49).
فالشاهدان على هذا التشتت الذي تتشتته اللغة- واللذان ينتظم بينهما ذلك المجال الذي من الممكن للغة أن تنشط فيه- هما نيتشه ومالارميه: ففي الوقت الذي يرى فيه أولهما أن اللغة بقضها وقضيضها موضع تقرير التاريخ وتقرير الظرف، وموضع تقرير الاستخدام الفردي للغة في أية لحظة معينة وموضع تقرير مصطلحات المتحدث، يرى ثانيهما أن اللغة هي كلمة الله النقية التي "في وحدانيتها وفي اهتزازها الرقيق وفي خوائها تجسد الكلمة نفسها- لامعنى الكلمة، بل وجود الكلمة الملغز والمشكوك فيه". وهكذا فإن كل تحير فكرنا الآن يكمن في التساؤل التالي: ماهي اللغة، وكيف بوسعنا أن نعثر على طريقة من حولها لكي نجعلها تظهر على حقيقتها في حد ذاتها، في كل فيضانها؟" وبما أن اللغة قابعة بين ذينك القطبين اللذين أوضحهما نيتشه ومالارميه، فإن فوكو يضع عمله بينهما أيضاً، هناك "لاكتشاف التلاعب الهائل الذي تتلاعبه اللغة بعد احتوائها مجدداً في صميم مجال وحيد". فالواجب يقضي جعل اللغة تظهر من جديد، والخطاب إن أمكن، في ساحة ذلك التشتت غير المنظور الذي آلت إليه اللغة منذ نهاية العصر الكلاسيكي.
إن الفقرات التي جئت بها على سبيل الاستشهاد من كتاب "نظام الأشياء" تجسد، على ما أظن، آراء فوكو في مطلع شبابه. فجعل اللغة والخطاب يظهران من جديد لهو مهمة، كما نلاحظ، من مهمات المؤرخ الفكري، إذ حتى اختفاء الخطاب ليس موصوفاً على أنه أكثر من حدث أثري ومهمة من مهمات التنقيب عن الآثار إن جاز لنا استخدام مثل هذا التعبير. إن كل عمل فوكو كان، منذ كتاب "نظام الأشياء"، إعادة توضيح الإجابة على السؤال التالي: "كيف ومتى ولماذا اختفت اللغة والخطاب"، محيلاً إياه إلى مسألة أثرية وسياسية ذات أهمية قصوى. فبالإجابة أن الخطاب لم يختف بكل تلك البساطة بل صار محجوباً عن الأبصار، يستهل فوكو جوابه على السؤال السالف الذكر، مضيفاً قوله أنه إن اختفى فقد اختفى لأسباب سياسية، متيحاً بذلك فرصة أفضل لاستخدامه على نحو أخبث للإتيان بهيمنته على مادته وموضوعاته. وهكذا فمجرد فعالية الخطاب الحديث مربوطة باحتجابه عن الأنظار وبندرته أيضاً. وماكل خطاب، أي كل لغة -خطاب الطب النفسي والبانولوجيا والنقد والتاريخ- إلا جعجعة إلى حد ما، ولكنه في الوقت نفسه لغة الهيمنة وزمرة مؤسسات في صميم الثقافة التي يشكل فيها ميدانها الخاص.
فالانقلاب الكبير الذي طرأ على فكر فوكو في عام 1968- بعد كتاب "الكلمات" وقبل كتال "... الآثار..."- هو إعادة تصور مشكلة اللغة لافي إطار أنطولوجي بل في إطار سياسي أو أخلاقي، أي في الإطار النيتشوي. وهكذا فنحن نستطيع فهم اللغة على أحس مايكون بجعل الخطاب ظاهراً للعيان لا كمهمة تاريخية بل كمهمة سياسية، وحينئذ يجب أن يكون النموذج استراتيجياً لا لغوياً في خاتمة المطاف:
كلما زدت تعمقاً تبدى لي على نحو أفضل أن تكوين الخطابات وسلالة المعرفة أمران بأمس الحاجة للتحليل، لا بلغة نماذج الوعي وأنماط الإدراك وأشكال الأيديولوجيا، بل بلغة تكتيكات السلطة واستراتيجياتها. لقد احتشدت التكتيكات والاستراتيجيات من خلال المغروسات والتوزيعات وتحديد التخوم، والسيطرة على البقاع والميادين المنظمة التي بمقدورها أن تشكل على أحسن مايرام نوعاً من علم السياسة الطبيعية حيث تتشبث انهماكاتي بتلابيب مناهجكم. فالموضوع الذي أود دراسته في السنوات القليلة القادمة هو موضوع الجيش كمنبت للتنظيم والمعرفة، إذ إن المرء بأمس الحاجة لدراسة تاريخ القلعة والحملة والتحرك والمستعمرة والإقليم.ولذلك فإن الجغرافيا ستكون بالضرورة فعلاً في صميم
([1]) كنايةعن توأمين متماثلين تماماً إلى حد يتعذر فيه التمييز بينهما - المترجم.

* أول رواية للسير والترسكوت منشورة في عام 1814-المترجم

*nun: راهبة و ama: ممرضة باللغة البرتغالية -المترجم.

* أرتو: كاتب مسرحي فرنسي ومدير مسرح، 1896-1948. المترجم.

* -غرافولوجيا: دراسة خط الكاتب بهدف تحليل شخصيته- المترجم.

* الأساطير الخاوية -المترجم.




Eng.Jordan متواجد حالياً   رد مع اقتباس
  #6

إدارة الموقع

 
الصورة الرمزية Eng.Jordan

المستجيرة بحمى الرحمن

تاريخ التسجيل: Jan 2012

الدولة: الأردن

المشاركات: 15,141

   08-28-2012

 12:11 PM

الأوسمة

 عطاء متواصل ومثمر بإذن الله
My SMS اللهم إنك عفوّ تحب العفو فاعفُ عنا

  مزاجي

 

افتراضي


Ping your blog, website, or RSS feed for Free

اهتماماتي(50).
فبين سطوة الثقافة المهيمنة، من ناحية أولى، وبين منظومة المعارف والمناهج (savoir) غير المجسمة، من ناحية ثانية، يقف الناقد. وهانحن الآن نعود إلى صيغتي الأولى وإلى مزيد من الإدراك، كما آمل، لما قد يعنيه الموقف الجيوبوليتيكي [علم السياسة الطبيعية] الذي وقفه فوكو. ففي الوقت الذي تتعمد فيه نظرية ديريدا عن النصية إلى استجلاب النقد للاعتماد على دلالة متحررة من أي التزام حيال أي شيء مبهم مدلول عليه، تتعمد نظريات فوكو نقل النقد من تأمل الدلالة إلى وصف مكان الدلالة، ألا وهو ذلك المكان الذي قلما يكون بريئاً أو بلا أي بعد، أو بدون القوة الجازمة للنظام المنطقي. وبكلمات أخرى فإن فوكو مهتم بوصف القوة التي تحتل بها الدلالة مكاناً بها، وهكذا فإنه قادر في كتاب "النظام والعقاب" على تبيين الكيفية التي كان بها الخطاب الجنائي قادراً بدوره على أن يخصص أمكنة الجانحين في التنظيم البنائي والإداري والنفسي والأخلاقي الذي ينطوي عليه مبنى السجن الشمولي النظرة. ولكن على الرغم من ذلك فلا يبدو على فوكو أنه مهتم باستقصاء السبب الذي أدى إلى هذا التطور.
والآن فقيمة مثل هذه النظرة التاريخية البحتة، وحتى الجبرية، ربما، للدلالة في النص لايتأتى من كونها تاريخية ليس إلا. فقيمتها العظمى هي أنها توقظ النقد إلى الإقرار بأن دلالة تحتل لها مكاناً، تقوم بفعل التدليل في مكان ما هي فعل إرادي- أي أكثر من كونها تجسيداً للفعل الإرادي- له نتائجه الفكرية والسياسية التي يمكن التحقق منها، وفعل ينفذ رغبة استراتيجية لإدارة وتفهم ميدان مادي شاسع وتفصيلي. فعدم الإقرار بهذا الفعل الإرادي هو الشيء الذي يجد المرء أن المفكك لايحسن تمييزه إلى الحد الذي يدفعه إلى رفضه أو تجاهله. وهكذا بفضل النقد الذي جاء به فوكو تمكنا من أن نفهم الثقافة على أنها كتلة من المعارف التي تتحلى بالقوة الفعالة للمعرفة المرتبطة منهجياً بالسلطة ذلك الارتباط الذي ليس، بحال من الأحوال، مباشراً أو حتى مقصوداً.
فالعبرة التي نستفيدها من فوكو هي أنه في الوقت الذي يستكمل فيه عمل ديريدا بمعنى ما، فإنه بمعنى آخر يخطو خطوة في اتجاه جديد. إن الرؤيا التاريخية التي يطرحها تنطلق من ذلك التحول العظيم الذي تحولته المعرفة منذ نهاية القرن الثامن عشر، وقد كان بالمناسبة تحولاً لاتفسير له إلى حد كبير، من تلاحم السلطة والمعرفة تلاحماً استبدادياً إلى تلاحم استراتيجي. فسلسلة المعارف المتخصصة الذي برزت في القرن التاسع عشر كانت معارف ذوات تفاصيل تداعى من جرائها الموضوع البشري إلى فيض التفاصيل أولاً ليصار إلى تكديسه ثانياً واستيعابه في تلك العلوم التي كان مقصد تصميمها جعل التفاصيل وظيفية ومطواعة في آن واحد معاً. ومن ذلك الوضع نشأ جهاز إداري واسع الانتشار بغية الحفاظ على انتظام وفرص الدراسة. وهكذا فما يقترحه فوكو، على ما أظن، هو ذلك النوع من النقد الشامل ضمناً والمفصل في توصيفاته، مثله بذلك مثل المعرفة التي يبدو تفهمها عليه. فحيث توجد المعرفة والخطاب يجب أن يوجد النقد: كما يرى فوكو، لتبيين الأمكنة الحقيقية للنص -والتزحزحات- ولرؤية النص بتلك الوسيلة كسيرورة دالة على إرادة تاريخية فعالة على أن يكون له وجود، كرغبة فعالة من لدنه على أن يكون نصاً وعلى أن يكون موضعاً محتلاً.
إن هذا النوع من النقد لتلك الفاعلية التي تنطوي على مغزى هام في صميم الثقافة، على الرغم من أنه مفصول عمداً عن الهيمنة الثقافية. فهو يحرر النقاد من العوائق المفروضة عليهم شكلياً من قبل الأقسام والمعارف والتقاليد البالية للدراسة، ويفتح إمكانية الدراسة العدائية لوقائع الخطاب، ألا وهي تلك الوقائع التي تحكمت، منذ القرن الثامن عشر على الأقل، بإنتاج النصوص. ولكن على الرغم من هذا المنزع الدنيوي المتطرف الذي ينزعه العمل، فإن فوكو يتبنى نظرة سلبية وجدبة لا حيال استخدامات السلطة بمقدار ماهي حيال كيفية وسبب احتياز السلطة واستخدامها والتشبث بناصيتها. وماهذه النتيجة إلا أخطر النتائج لاختلافه مع الماركسية، علماً أن محصلتها تمثل أقل جوانب عمله إقناعاً. فحتى لو أبدى المرء موافقته التامة على رأيه القائل أن مايدعوه بفيزياء جزئيات السلطة "شيء موضع الممارسة أكثر مماهو موضع الاحتياز، فضلاً عن أنه ليس الامتياز المكتسب أو المصون للطبقة المهيمنة،، وإنما هو النتيجة الشاملة لمواقعها الاستراتيجية"(51)، لما كان بالإمكان، لما ورد آنفاً، تقليص الانطباعات الشخصية عن الصراع الطبقي وعن الطبقة نفسها- علاوة على تسنم سلطة الدولة عنوة والهيمنة الاقتصادية والحرب الامبريالية وعلاقات التبعية وضروب مقاومة السلطة- إلى مرتبة التصورات الباطلة التي جاء بها القرن التاسع عشر عن الاقتصاد السياسي. وعلاوة على ذلك فمهما كان الزي الذي قد تتزيا به السلطة كنوع من أنواع التحكم والنظام البيروقراطيين بشكل غير مباشر، فهنالك ثمة تغييرات هيئة التحقق ومنبثقة عن التساؤل عمن يمسك بزمام السلطة وعمن يهيمن على من.
وقصارى القول فإن السلطة لايمكن تشبيهها بشبكة العنكبوت بمعزل عن العنكبوت ولا برسم تخطيطي يتدفق عاملاً على هينته، وذلك لأن مقداراً كبيراً من السلطة يبقى في بنود فظة من أمثال العلاقات والتوترات بين الحكام والمحكومين والشراء والامتياز واحتكارات القمع، وبين الجهاز المركزي للدولة. ففي تلك الرغبة المفهومة التي يرغبها فوكو لتفادي الفكرة الفجة القائلة أن السلطة عبارة عن هيمنة بدون وساطة، يتجاهل إلى حد ما الديالكتيك المركزي للقوى المتعارضة -ذلك الديالكتيك الذي لايزال يستند عليه المجتمع الحديث، على الرغم من وضوح تكامل مناهج التحكم "التكنوقراطي" والجدارة اللاإيديولوجية ظاهرياً التي تتحكم بالأشياء كافة على مايبدو. وإن الشيء الذي يفتقده المرء عند فوكو لشيء يماثل تحليلات غرامشي للهيمنة والكتل التاريخية وطواقم العلاقات المنطلقة من منظور عامل سياسي ملتزم لايرى في الوصف الساحر لممارسة السلطة بديلاً أبداً عن محاولة تبديل العلاقات السلطوية داخل المجتمع.
إن الموقف المعيب الذي يقفه فوكو من السلطة يتأتى، إلى حد كبير جداً، من اهتمامه الناقص التطور بمشكلة التغيير التاريخي. فعلى الرغم من أنه محق في اعتقاده أن التاريخ لايمكن دراسته حصراً كسلسلة من الانقطاعات العنيفة (الناجمة عن الحروب والثورات والرجال العظام)، يقلل بالتأكيد من شأن قوى حافزة أخرى في التاريخ من أمثال الربح والطموح والتدله بحب السلطة، ولايبدو عليه بأنه يعير اهتمامه للحقيقة التي مفادها أن التاريخ ليس إقليماً ناطقاً بالفرنسية متجانس التكوين بل تفاعل معقد فيما بين اقتصادات ومجتمعات وأيديولوجيات متفاوتة. إن جلّ مادرسه في عمله ينطوي على أعمق المعاني لا كنموذج متقوقع عرقياً عن كيفية ممارسة السلطة في المجتمع الحديث، بل كجزء من صورة أشمل تتضمن، مثلاً، العلاقة بين أوربا وبين بقية أرجاء العالم. ولقد كان غافلاً على مايبدو عن الحد الذي كانته فكرتا الخطاب والترشيد فكرتين أوربيتين بشكل قاطع، وعن الكيفية التي جرى بها استخدام الترشيد، فضلاً عن استخدامه لتوظيف كتل من التفاصيل (والكائنات البشرية)، لإدارة ودراسة وإعادة بناء كل العالم غير الأوربي تقريباً، ومن ثم لاحتلاله بالتالي وحكمه واستغلاله.
فالحقيقة البسيطة المتمثلة في أنه بين عام 1815، حين كانت القوى الأوربية تحتل 35 بالمائة من سطح المعمورة على أكثر تقدير، وبين عام 1918، حين توسع ذلك الاحتلال إلى مانسبته 85 بالمائة من سطح المعمورة، تزايدت القوة المنطقية وفق هذا المعيار نفسه، ويحس المرء صنعاً إن تساءل ما الذي يجعل من الممكن لماركس وكارلابل وديزرائيلي وفلوبير ونيرفال ورينان وكوينت وشليغل وهوغو وروكبرت وكوفيير وبوب أن يوظفوا جميعهم كلمة "شرقي" لكي يحددوا بالأساس نفس الظاهرة المشتركة، على الرغم من الفروق السياسية والأيديولوجية الهائلة فيما بين بعضهم بعضاً(52). إن السبب الرئيسي لهذا كان تشكل كينونة جغرافية تدعى بالشرق، كما أن دراستها صارت تدعى بالاستشراق، الأمر الذي حقق عنصراً هاماً جداً من الإرادة الأوربية للسيطرة على العالم غير الأوربي، وجعل من الممكن خلق لامجرد فرع دراسي منظم وحسب بل ومجموعة من المؤسسات والمفردات المستترة (أو زمرة من الإمكانات المنطوقة)، وموضوعاً دراسياً، وأخيراً -كما يتجلى في كتابة كل من هوبسون وكرومر في نهاية القرن التاسع عشر -خلق أعراق بشرية تبائع. فالتماثل بين نظام السجن لدى فوكو وبين الاستشراق تماثل مذهل. فالاستشراق كخطاب، ككل الخطابات الأخرى، "مؤلف من إشارات، ولكن الشيء الذي تفعله هذه الخطابات لشيء أكثر من استخدام هذه الإشارات لتحديد الأشياء. فهذا الشيء "الإضافي" هو مايحول دون تقليص تلك الخطابات إلى لغة وإلى كلام، وهذا "الشيء الإضافي هو مايتوجب علينا كشفه ووصفه"(53).
ففي خطاب الاستشراق وترشيده يكون هذا الشيء "الإضافي" بمثابة القوة القادرة على الإتيان بالتمييزات بين لغاتنا الأوروبية الهندية وبين لغاتهم السامية -مع إعلاء شأن هذه على تلك إعلاء واضحاً وجلياً بمجرد إجراء التمييز- وعلى تبيين سطوة المؤسسات القادرة على إطلاق التقولات عن الذهنية الشرقية، وعن الشرق الملغز، وعن كل ماهو شرقي منحط لايمكن الركون إليه، وهلم جراء. وعلاوة على ذلك فإن النمو الهائل الذي تنامته اختصاصات الأساتذة الجامعيين في الشؤون الشرقية في طول أوربا وعرضها، وتفريخ الكتب عن الشرق (إذ عن الشرق الأدنى وحده كان التقدير صدور 60000 كتاباً بين عام 1850 وعام 1950)، وانبثاق الجمعيات المهتمة بالشرق، وتكاثر رصيد الأموال لاستكشاف الشرق، والجمعيات الجغرافية، وفي النهاية خلق بيروقراطية استعمارية هائلة ودوائر حكومية ومرافق بحوث -هذا كله "أكبر" بكثير جداً مما يطيق الشرق احتماله من نعته البريء ظاهرياً بالشرق. وقبل أن شيء آخر كان الاستشراق يتحلى بقوة إبيستيمولوجية وأنطولوجية تتحكم عملياً بالحياة والموت، أو بالحضور والغياب، على كل شيء وكل إنسان موسوم بأنه شرقي. ففي عام 1833 زار لامرتين الشرق ودون خبراته عنه في كتابه المعنون بـ "رحلة إلى الشرق" الذي احتوى كثيراً من مناقشاته مع بعض المواطنين المحليين وزياراته لقراهم ووجبات الطعام التي تناولها معهم. ولكن كيف بوسع المرء أن يفسر قولته في "الموجز السياسي" الملحق بكتاب "رحلة..." إذ جاء فيها أن الشرق منطقة بلا مواطنين أو بلا مواطنين حقيقيين أو بلا حدود -إلا من خلال قوة الخطاب الشرقي الذي يخصص تصنيفين مختلفين، أنطولوجيا، يحددان الوجود وعدم الوجود. فالاستشراق، ككل الخطابات الأخرى، متلازم مع الخطاب القضائي- كنظرية أمير دي فانيل مثلاً عن البقاع المأهولة قانونياً وعن حق الأوربيين في الاستيلاء على تلك البقاع وتحويلها إلى بقاع مفيدة في حالة عدم وجود مواطنين حقيقيين فيها. والاستشراق متلازم مع الخطاب البيولوجي، لا مع دراسة الرموز التي أجراها كيوفيير عن الأعراق وحسب بل ومع مبحث عجائب المخلوقات حيث تناول فه جيوفري دي سانت هيلاري دراسة النماذج المنحرفة ذوي الخلائق المشوهة، ومتلازم أيضاً مع الميدان البيداغوجي من ذلك الصنف الذي أفصح عنه محضر جلسة رسمية لماكولي في عام 1835 عن التربية الهندية.
إن الاستشراق ليبدو، قبل كل هذا وذاك، كميدان مختص بالتفاصيل، كنظرية بالفعل عن التفاصيل الشرقية حيث تبدى من خلالها الجوهر الشرقي لكل ماعبرت عنه من دقائق مظاهر الحياة الشرقية، وحيث تكشفت رفعة الاستشراق وسطوته وسلطته المؤكدة على الشرق الذي اختصه لنفسه. فلقد كان الاستشراق يعني أن أكداساً مكدسة من النصوص، مخزونات هائلة من المخطوطات الشرقية، كان مصيرها الشحن باتجاه الغرب لتصبح موضع دراسة تفصيلية معمقة، كما كان يعني أن أكداساً من الأجساد البشرية واجهت المصير نفسه إبان القرن التاسع عشر بعد أن احتاز الغرب على مزيد ومزيد من الأعراق الشرقية وبلدانها ووضعهم تحت ظل السيادة الأوربية: فلقد سارت هاتان العمليتان جنباً إلى جنب وعلى النحو الذي سارت فيه عملية ترشيدهما معاً. ولئن صدقنا أن حديث كيبليننغ عن الرجل الأبيض الشوفيني كان مجرد هذر بمنتهى البساطة، فلن يكون بوسعنا عندئذ رؤية الحد الذي بلغه الرجل الأبيض في أنه كان بمثابة التعبير الوحيد عن علم يستهدف -شأنه شأنه القانون الجنائي- فهم وحشر غير البيض في خانتهم، خانة غير البيض، ابتغاء جعل فكرة بياض البشرة فكرة أوضح وأنقى وأقوى. وإذا لم يكن بمقدورنا رؤية هذا الشيء، يكون مانراه أقل بكثير جداً مما رآه أي مفكر أوربي كبير وأية شخصية ثقافية من عمالقة القرن التاسع عشر، بدءاً بشاتوبريان وهوغو وغيرهما من أوائل الرومانسيين، ومروراً بآرنولد ونيومان وميل وت.إ.لورانس وفورستر وباريس ووليام روبيرتسون سميث وفاليري، وبالكثيرين غيرهم ممن لاعد ولاحصر لهم. فالشيء الذي كان يراه هؤلاء كلهم هو العلاقة الضرورية والنافعة بين السطوة الجازمة للخطاب الأوربي- أو للدلالة الأوربية إن شئتم- وبين الممارسات المتواصلة للقوة مع أي شيء أختص بخانة غير الأوربي، أو غير الأبيض. وأنا هنا أشير بالطبع إلى هيمنة الثقافة الامبريالية. ولكن الشيء المرعب يتمثل بالمبلغ الذي بلغه الكثير من النقد المعاصر، الذي ضاع في المتاهة السحيقة لعنصر النصية، في عماه المطلق حيال السلطان التكويني المذهل في النصية لقوة كقوة الترشيد الثقافي القائم على قاعدة عريضة، بالمعنى الذي قصده فوكو بهذه العبارة.
وهأنذا الآن بودي أن أختتم هذه المقالة بملاحظة تنطوي على مزيد من الإيجاب. لقد كنت أوحي ضمناً أن النقد هو، أو يجب أن يكون، فرعاً من أصل، وأنه شكل من أشكال المعرفة. وأجد الآن لزاماً علي أن أقول أن المعرفة إن كانت كلها مشاكسة، كما حاول فوكو أن يبين، فعلى النقد أن يكون، كفاعلية ومعرفة، مشاكساً صراحة أيضاً. فاهتمامي هو إعادة استثمار الخطاب النقدي في شيء أكثر من الجهد التأملي أو في طريقة قراءة النصوص قراءة تقنية إطرائية باعتبار أن النصوص موضوعات رجراجة. ومن الواضح أنه ليس هنالك بديل للقراءة بشكل جيد، وأن النقد، في فرع من فروعه التي يمثلها ديريدا، يحاول أن يفعل شيئاً ويحاول بالفعل أن يعلم. وأما إحساسي حيال الوعي النقدي المعاصر كما يمثله ديريدا و فوكو هو أن هذا الوعي، بعد أن عزل نفسه مبدئياً عن الثقافة السائدة وبعد أن تبنى من ثم موقفاً وموقعاً معارضاً مسؤولاً لمصلحته، يجب عليه أن يستهل فعاليته الفرعية المفيدة في محاولة منه أن يأخذ في حسبانه قوة التعابير في النصوص، وأن يكتشفها ويعرفها عقلانياً: أي التعابير والنصوص وهي تفعل شيئاً مجدياً إلى حد ما، فضلاً عن النتائج التي يجب على النقد أن يجعل تبيانها مهمة من مهماته. فلئن كانت النصوص شكلاً من أشكال النشاط البشري الرائع، يقضي الواجب أن تتلازم مع غيرها من أشكال النشاط البشري الرائع حتى لو كانت قمعية أو تهجيرية، لا أن تتقزم إلى مستوى هذه الأخيرة.
إن النقد لايمكنه أن يدعي أن مهمته مقصورة على النص وحسب، حتى لو كان نصاً أدبياً عظيماً. ويجب عليه أن يرى نفسه مقيماً، مع خطاب آخر، في فضاء ثقافي موضع نزاع كبير، ألا وهو ذلك الفضاء الذي ماكان يحسب حسابه فيه بخصوص استمرار ونقل المعرفة كان الدلالة، كحدث ترك بصماته الدائمة على الكائن البشري. وما أن نأخذ بوجهة النظر تلك حتى يختفي الأدب كحيز معزول ضمن الميدان الثقافي العريض، وتختفي معه الفصاحة البريئة للنزعة الإنسانية التي تسلي نفسها بنفسها. وبدلاً من ذلك سيكون بمقدورنا، على ما أظن، أن نقرأ ونكتب بإحساس فياض بالمراهنة على الجدوى السياسية والتاريخية التي ينطوي عليها النص الأدبي وغيره من النصوص الأخرى%


nnn



10- النظرية المهاجرة



إن الأفكار والنظريات لتهاجر مهاجرة الناس والمدارس النقدية -من شخص إلى شخص ومن حال إلى حال، ومن عصر إلى عصر آخر. فالحياة الفكرية والثقافية تجد غذاءها عادة وأسباب بقائها غالباً في تداول الأفكار على هذا النحو، وذلك لأن هجرة الأفكار والنظريات من مكان إلى آخر ماهي إلا حقيقة من حقائق الحياة وماهي، في الوقت نفسه، إلا شرط مفيد للنشاط الفكري، سواء اتخذت تلك الهجرة شكل التأثير الذي يقر به الناس أو الذي يأتيهم عفو الخاطر، أو شكل الاستعارة الخلاقة، أو شكل المصادرة والاستيلاء جملة وتفصيلاً. ولكن القول بأن على المرء أن يمضي قدماً بغية تحديد أنواع الهجرة الممكنة لقول يبعث على التساؤل ما إن كانت أية فكرة أو نظرية تتزايد قوة أم تتناقض جراء هجرتها من عصر تاريخي وثقافة قومية إلى مكان وزمان آخرين، وما إن كانت ثمة نظرية تتحول إلى شيء مغاير تماماً في انتقالها من ثقافة قومية وعصر تاريخي إلى عصر أو حال آخر. وهنالك حالات تستدعي التأمل العميق على وجه التخصيص في مهاجرة الأفكار والنظريات من ثقافة إلى أخرى، مثلما جرى في استيراد الأفكار المعروفة بالأفكار الشرقية حول التسامي على الخبرة البشرية إلى أوربا في مطلع القرن التاسع عشر، أو مثلما جرى نقل بعض الأفكار الأوربية عن المجتمع إلى مجتمعات شرقية تقليدية في مؤخر القرن التاسع عشر. ولكن مثل هذه الهجرة إلى بيئة جديدة لاتخلو البتة من المعوقات، وذلك لأنها تستدعي بالضرورة عمليتي التمثيل والتأطير في المؤسسات على نحو مغاير عما كانت عليه تلك الأفكار والنظريات في موضعها الأصلي، الأمر الذي يعقّد عليها أية محاولة من محاولات الازدراع والانتقال والتداول والاتجار.
بيد أن هنالك نمطاً كراراً وقابلاً للتمييز لهذه المهاجرة نفسها، ألا وهو تلك الأطوار الثلاثة أو الأربعة المألوفة التي تمر بها أية نظرية أو فكرة مهاجرة.
فهنالك أولاً موضع أصلي، أو مايبدو أنه كذلك، أي مجموعة من الظروف الأولية التي صادف أن ولدت فيها الفكرة أو راجت من خلالها في الخطاب. وثانياً: هنالك ثمة مسافة تعترض سبيل الفكرة التي تنتقل من موضع سابق إلى زمان ومكان آخرين ولذلك عليها أن تجتازها، أن تشق لها درباً في خضم ضغوط قرائن شتى، حتى تحظى بلألائها الجديد. وثالثاً: هنالك مجموعة من الظروف -قل عنها إن شئت ظروف التقبل، أو ضروب المقاومة لكونها جزءاً لايتجزأ من ظروف التقبل- التي تواجه من ثم النظرية أو الفكرة المزدرعة، والتي تتيح لها الاحتواء، أو التساهل مهما كان كبيراً مظهر غربتها. ورابعاً: تتعرض هذه الفكرة، التي أضحت الآن موضع الاحتواء أو الدمج بشكل كامل أو جزئي، إلى شيء من التحوير جراء استخداماتها الجديدة، أي من خلال الموقع الجديد الذي تحتله في زمان ومكان جديدين.
وإن من الواضح أن الإقدام على وصف كامل ومقنع لهذه الأطوار سيكون مهمة شاقة. ومع أنني أفتقر إلى النية والمقدرة بخصوص الاضطلاع بعبء هذه المشكلة، فإنني أرى أنها جديرة بالوصف بشكل عام ومقتضب حتى أتمكن في النهاية من أن أعالج بالتفصيل جانباً واحداً منها، وجانباً على أضيق مايكون من التحديد وعلى أوثق ارتباط بصلب الموضوع. وأما التناقض الصارخ بين المشكلة العامة وبين أي تحليل خاص ليستحق منا التعليق بحد ذاته طبعاً. وإن الانحياز إلى جانب تحليل مفصل محلي للكيفية التي تهاجر بها هذه النظرية أو تلك من مكان إلى آخر يعني إبداء مقدار أساسي من الشك حيال تخصيص أو تحديد الميدان الذي قد تنتمي إليه تلك النظرية أو الفكرة. لاحظوا مثلاً أن الطلاب الذين يحترفون الأدب الآن ليس من المفروض بهم، حين يستعملون كلمات من أمثال النظرية والنقد، أن يقيدوا اهتماماتهم بالنظرية الأدبية أو بالنقد الأدبي، ولا يجب عليهم ذلك. فالتمييز بين هذا النوع من المعرفة وذاك صار أغبش، وذلك يعود بالتحديد إلى أن ميادين كالأدب والدراسة الأدبية لم تعد النظرة إليها أنها جامعة مانعة أو إجمالية كما كانت حالتها عليه ذات مرة، وحتى عهد قريب. وعلى الرغم من أن بعض دارسي الأدب من المحجاجين لايزال بمقدورهم أن يهاجموا بعضهم الآخر لكونهم غير متبحرين بما يكفي في مضمار الأدب، أو لكونهم لايفهمون (ومن ذا الذي يتسنى له الفهم الكامل؟) أن الأدب ماهو أساساً إلا، على نقيض غيره من أشكال الكتابة، محاكاة، وماهو أساساً إلا الشيء الأخلاقي، وما منزعه أساساً إلا المنزع الإنساني، علاوة على أن المناظرات التي تدور حول هذه الأمور وتنجم عنها ماهي بحد ذاتها إلا دليل على الحقيقة التي مفادها انعدام توافق الآراء حول الكيفية التي تتحدد بها الحدود الخارجية لكلمة الأدب أو لكلمة النقد. فقبل بضعة عقود تنطح التاريخ الأدبي والنظرية التصنيفية، من ذلك النوع الذي استهله نور ثروب فراي، ووعدا بالإتيان ببنية نظامية ومنفتحة وصالحة للسكنى، أي تلك البنية التي قد يكون من الممكن فيها مثلاً إقامة الدليل على أن من الممكن تحوير مقومات الصيف لتصبح، بشكل قاطع، مقومات الخريف. "إن الفعل البشري الأساسي في منظومة فراي" كما يكتب فرانك لانتريشيا في (بعد النقد الجديد) مستشهداً "بالخيال البارع" على حد قول فراي "كونه نموذجاً لكل الأفعال البشرية، هو فعل توجيهي خلاق يحوّل عالماً موضوعياً خالصاً، معداً سلفاً ضدنا بحيث نشعر فيه بالوحشة والرعب والنبذ، إلى موطن مأمون"(1). بيد أن معظم الدارسين الأدبيين يجدون أنفسهم في هذه الآونة، مرة ثانية، موضع التجاهل. وعلى نحو مماثل: فإن تاريخ الأفكار والأدب المقارن، ألا وهما الفرعان المرتبطان ارتباطاً وثيقاً بدراسة الأدب والنقد الأدبي، لايزود روتينياً ممارسيهما بنفس الإحساس الذي كان يحسه غوته- الإحساس بانسجام كل الآداب وكل الأفكار.
ففي كل هذه الأمثلة يبدو أن الموقع أو الموضع المحدد لمهمة فكرية بعيد بعداً مؤكداً عن التوحد والتلاحم والتكامل الخرافي لذلك الميدان العام الذي ينتهي إليه المرء مهنياً، فضلاً عن أنها لاتنال من ذلك كله إلا مساعدة بلاغية طنانة. ويبدو أن هنالك عدداً أكثر مما ينبغي من الانقطاعات ومن التشوهات ومن النشازات تتدخل في شؤون ذلك الميدان المتجانس التكوين الذي من المفروض به أن يقرّب الدارسين فيه بعضهم من بعض. فتشعب العمل الفكري، الذي صار يعني تزايد الاختصاصات، يزيد طمس أي إدراك مباشر قد يخطر على بال الفرد بوجود ميدان واحد متكامل للأدب والدراسة الأدبية، لابل وعلى النقيض من ذلك فإن الغزو الذي يتعرض له الخطاب الأدبي من جانب اللغات الاصطلاحية الشاذة "outré" التي ترطن بها السيميوطيقا ومابعد البنيوية والأقوال المقتضبة للتحليل النفسي، كلها زادت في انتفاخ عالم النقد الأدبي إلى حدود يتعذر تبيانها تقريباً. وقصارى القول لايبدو أن هنالك أي عنصر أدبي محض في صميم دراسة تلك الأمور التي كانت النظرة التقليدية إليها بأنها نصوص أدبية، ومامن نزعة أدبية مهما كان عمقها يمكنها أن تمنع ناقداً أدبياً معاصراً من اللجوء إلى التحليل النفسي أو السوسيولوجيا أو علم اللغة. فالتقليد والعرف التاريخي والاحتكام إلى بروتوكولات الفلسفة الإنسانية والدراسة التقليدية كلها مطروحة بالطبع على نحو منتظم كدليل على صمود تكامل هذا الميدان، بيد أنها تميل بشكل متزايد للظهور بمظهر الاستراتيجيات البلاغية في مناقشة عما يجب أن يكون عليه الأدب والنقد الأدبي لا بمظهر التعريفات المقنعة لما هما عليه في حقيقة الأمر.
لقد خلع جيوفري هارتمان كساء مسرحياً أنيقاً على ذلك المأزق بتحليله التوترات والتذبذبات التي تتحكم بالنشاط النقدي المعاصر. فالنقد في هذه الأيام "كما يقول، نقد رجعي جوهرياً لأنه بعد "تحرره من لياقة الكلاسيكية الجديدة التي خلقت طيلة قرون ثلاثة نثراً متنوراً ولو أنه كان مجاملاً أكثر من اللزوم، يعاني في هذه الآونة مما يدعوه "حركة لغوية استثنائية"(2). وفي بعض الأحيان تكون هذه الحركة اللغوية مختلفة المراكز إلى الحد الذي يجعلها تضاهي الأدب نفسه، لابل وتتحداه أيضاً، في حين أنها في بعض الأحيان الأخرى تستحوذ على النقاد المولودين على تياراتها فيما يتعلق بالمثل الأعلى للغة "نقية" تماماً. وأما في أحيان ثالثة فالناقد يكتشف أن "الكتابة ماهي إلا بمثابة المتاهة والأحجية الطوبولوجية واللغز النصي للكلمات المتقاطعة، هذا في حين أن على القارئ، من جانبه، أن يغرق نفسه لهنيهة من الزمن حتى تضيع في متاهة تمديد لانهائية تأويل ما إلى مالانهاية له مما يجعل كل قوانين الإغلاق تبدو ضرباً من العبث"(3). وسواء أحظيت هذه البدائل للخطاب النقدي بنعت الإرهابية أو بنعت "طراز جديد من التعالي أو من التسامي الوليد"(4)، فذلك متوقف على الحاجة للناقد الإنساني كي يحدد بمزيد من الوضوح "الحيز الخصوصي الذي تحتله الآداب الإنسانية" وكي يضفي، في الوقت نفسه، صبغة مادية (لا روحانية) على الثقافة التي نعيش فيها(5). ومع ذلك فإن هارتمان يستنتج أننا نعيش مرحلة انتقالية، الأمر الذي يعني القول بطريقة مختلفة (كما يقول في عنوانه "النقد في البراري") أن النقد اليوم وحيد، بين حدين سائبين، عاثر الحظ، حزين، ولعوب لأن مملكته تتحدى الإغلاق واليقين.
إن الحماسة المفرطة لدى هارتمان -لأن موقفه بالأساس حماسي- كانت تقتضي التعديل بذلك التعليق الفتاك الذي ساقه ريتشارد أوهمان في كتابه المعنون بـ "اللغة الإنكليزية في أمريكا" والقائل أن الأقسام الإنكليزية تمثل "جهداً متواضعاً ناجحاً في لدن الأساتذة لاغتنام بعض منافع الرأسمالية وتفادي مخاطرها في الوقت نفسه، وللإحجام عن إبداء إقرارهم أيضاً بوجود أية علاقة بين الكيفية التي ننجز بها عملنا وبين الطريقة التي يدار بها المجتمع الكبير"(6). ولكن هذا القول لايعني أن الأكاديميات الأدبية تطرح جبهة إيديولوجية متحدة، حتى لو كان أوهمان مصيباً مائه بالمائة "grosso modo". فالانقسامات فيما بين النقاد لايمكن تقليصها ببساطة إلى صراع بين أقدمين ومحدثين أو إلى أيديولوجيا سائدة وطيدة الأركان مناهضة للمحاكاة، على النحو الذي يسوق أدلته فيه جيرالدغراف بمنتهى التضليل. ولئن قلصنا عدد مسائل الخلاف إلى أربع للاحظنا أن الكثيرين ممن يتصدرون الدفاع عن مسألة ما يصبحون محافظين جداً في مسألة أخرى:
1-النقد كدراسة، كفلسفة إنسانية، "خادم" للنص، منحاز للمحاكاة، ضد النقد كنزعة رجعية وضد كونه بحد ذاته شكلاً من أشكال الأدب.
2-دور الناقد كمعلم وقارئ جيد: يكمن في صيانته المعيار ضد تخريبه أوضد خلق معيار جديد. فمعظم نقاد مدرسة ييل رجعيون بالقياس إلى رقم (1)، ومحافظون بالقياس إلى رقم (2).
3-النقد باعتزاله العالم الاجتماعي/ السياسي ضد النقد كشكل من أشكال الميتافيزيك الفلسفي والتحليل النفسي وعلم اللغة، أو أي فرع من هذه الفروع، ضد النقد كنشاط عليه أن يتعامل عملياً مع ميادين "ملوثة" من أمثال التاريخ ووسائل الإعلام والنظم الاقتصادية. وهنا يكون الانتشار التوزيعي أوسع نطاقاً بكثير مما هو عليه في رقم (1) أو رقم (2).
4-النقد كنقد للغة (اللغة كلاهوت سلبي، كعقيدة خاصة، كميتافيزيك لا تاريخي) ضد النقد كتحليل للغة المؤسسات ضد النقد كدراسة للعلاقات فيما بين اللغة وبين الأشياء اللالغوية.
ففي غياب ميدان مسيّج يدعى الأدب، وله حدوده الخارجية الواضحة، لن يكون هنالك موقع رسمي، أو مفوض، للناقد الأدبي. ولكن في الوقت نفسه لن يكون هنالك أي منهج جديد فعّال، ولا أية تقنية جديدة قادرة على فرض الولاء والإخلاص الفكري. وبدلاً من ذلك سيكون هناك هياط ومياط في تلك المماحكات التي تدافع عن لامحدودية التأويل بأسره، وفي تلك الأيديولوجيات التي تدعي سرمدية وجزم قيمة الأدب، أو "الآداب الإنسانية" وماذلك إلا لأن المناهج التي تجزم على أنها قادرة أصلاً على أن تنجز مهما تؤكد ذاتها بذاتها لاتفسح المجال لقيام دليل مناهض للدليل الواقعي. إن بمقدوركم أن تدعوا مثل هذا الموقف بالتعددي إن شئتم، أو باليائس إن كنتم تتذوقون الموقف الميلودرامي. وأما أنا من طرفي فأفضل النظر إليه بأنه فرصة سانحة للبقاء شكاكاً ونقاداً ودون أي إذعان لا للدوغمائية (اليقينية) ولا للغم العبوس.
وهكذا فإن المشكلة الخاصة التي تحدث لنظرية مهاجرة من مكان إلى آخر هي أنها تطرح نفسها كموضوع شيق جدير بالبحث. فلئن كان هنالك ميادين كالأدب أو تاريخ الأفكار دون أية حدود محسومة أصلاً، ولئن كان معدوماً، على النقيض مما سبق، وجود أية منظومة يتعذر عليها تقبل فرض ذلك الشيء الذي هو بالأصل حيز نشاط مفتوح ومتعدد العناصر - أي الكتابة وتفسير النصوص- يصبح من الحكمة إثارة الأسئلة عن النظرية والنقد بتلك الطرق الملائمة للوضع الذي نجد أنفسنا فيه. ومايعنيه هذا القول، بادئ ذي بدء، هو المدخل التاريخي. ولذلك افترضوا قيام نظرية أو فكرة ما، كنتيجة لبعض الظروف التاريخية الخاصة، وهي على أوثق ارتباط بتلك الظروف. فماذا يحدث لها إن صادف وتم استعمالها مرة ثانية في ظروف مغايرة ولأسباب جديدة، ومرة ثالثة في ظروف أشد اختلافاً؟ وماذا بوسع هذا الشيء أن ينبئنا عن النظرية نفسها- عن حدودها، إمكانياتها، مشكلاتها الكامنة فيها- وماذا بمقدوره أن يوحي لنا حول العلاقة بين النظرية والنقد، من ناحية أولى، وبين المجتمع والثقافة من ناحية ثانية؟ إن العلاقة الوطيدة لهذه الأسئلة بصلب الموضوع سوف تتجلى في الوقت الذي يبدو فيه النشاط النظري كثيفاً وانتقائياً في آن واحد معاً، وفي الوقت الذي تتكشف فيه صعوبة تحديد العلاقة بين الواقع الاجتماعي وبين الخطاب النقدي المهيمن والساحر، وفي الوقت الذي يتبين فيه، نظراً لكل هذه الأسباب وغيرها من الأسباب التي أشرت للتو إليها، عقم الإتيان ببرامج نظرية لمصلحة النقد المعاصر.
إن كتاب لوكاش المعنون بـ "التاريخ والوعي الطبقي" (1923) حظي بالشهرة عن جدارة نظراً لتحليله ظاهرة التجسيد المادي، ألا وهي المصير الشامل الذي ابتليت به كل جوانب الحياة في عصر هيمنت عليه فيتيشية السلع. فبما أن الرأسمالية هي أكثر النظم الاقتصادية تمفصلاً وتفصيلاً كمياً، فإن ماتفرضه على الحياة والجهد البشريين في ظل سطوتها، كما يأتي بالبينات لوكاش، يفضي إلى تحويل جذري لكل ماهو بشري وفياض ومطرد وعضوي ومترابط إلى أشياء ومواد وذرات مفككة، عديمة الحياة، ومن "مقتنيات" أناس آخرين. وعندئذ فالزمن، في مثل هذا الوضع، يتجرد من طبيعته الفياضة والمتقلبة والنوعية، ويتجمد على شكل سلسلة متواصلة مفصولة الحدين بمنتهى الدقة، وقابلة للقياس الكمي ومليئة بالأشياء" القابلة للقياس الكمي أيضاً (أي "بأداء" الصانع البشري أداء خاضعاً للتجسيد المادي ومصبوغاً بصبغة موضوعية بشكل آلي): أي أن الزمن يستحيل، بوجيز العبارة، إلى مدى زمني. وفي هذا المناخ الذي يستحيل فيه الزمن إلى مدى مادي مجرد قابل للقياس بمنتهى الدقة، ألا وهو ذلك المناخ الذي هو للتو سبب ونتيجة إنتاج مقصد الجهد المخصص والمتبعثر ميكانيكياً وعلمياً، يقتضي الواجب بعزقة فَعَلة الجهد عقلانياً وعلى نفس تلك الشاكلة. إن إضفاء السمة المادية على قوة عملهم وتحويلها إلى شيء مناقض لمجمل هويتهم الشخصية (وهي العملية التي يتم إنجازها بمجرد بيع قوة العمل تلك كسلعة) تتحول الآن، من ناحية أولى، إلى واقع حياتي دائم لا مفر منه في حياتهم اليومية. فهنا أيضاً لاتتمكن الشخصية من فعل أي شيء يتعدى النظرة البلهاء في الوقت الذي يجري فيه تقزيم وجودها إلى ذرة معزولة وتقديمها لقمة سائغة إلى نظام غريب. وأما من الناحية الثانية فإن التفكك الآلي الذي تتفككه عملية الإنتاج إلى عناصرها المكونة تدمر بدورها أيضاً تلك الروابط التي كانت قد ربطت فيما بين، الأفراد وجعلت منهم جماعة مشتركة في الأيام التي كان فيها الإنتاج لايزال "عضوياً". وبهذا الإطار أيضاً تجعل المكننة منهم ذرات مجردة معزولة إلى الحد الذي لايعود فيه عملها يقرّب فيما بينها على نحو مباشر وعضوي، إذ إن ذلك العمل يصبح عرضة بشكل متزايد للوساطة التي تتوسطها حصراً القوانين المجردة للمكننة التي تحبس الأفراد(7). ولئن كانت هذه الصورة للعالم بأسره كئيبة، فإن من الممكن مقارنتها بالوصف الذي وصفه لوكاش لما يحدث للفكر، أو للعقل "the subject" كما يسميه. وبعد أن يأتي لوكاش بوصف رائع مذهل عن تناقضات الفلسفة الكلاسيكية من ديكارت إلى كانط إلى فيخته وهيغل وماركس، حيث يبين فيه تراجع العقل تراجعاً مطرداً إلى حالة من التأمل الشخصي السلبي واتخاذه موقفاً على مزيد ومزيد من الانفصال عن وقائع الحياة الصناعية المعاصرة الممزقة إرباً إرباً إلى حد مرعب، يمضي قدماً إلى وصف الفكر البورجوازي الحديث بأنه قد وصل إلى طريق مسدود وأضحى متسمراً ومشلولاً في وضع من السلبية النهائية. فالعلم الذي ينتجه قائم على مجرد جمع الحقائق، ولذلك فالأشكال العقلانية للفهم لايمكنها مجاراة لاعقلانية المعطيات "données" المادية، وحين تبذل الجهود لإجبار "الوقائع" على الإذعان "للنظام" فإن بعزقتها والتجزيء الدائب لوجودها إلى ذرات إما أن يخلصا إلى تقويض النظام أو إلى تحويل العقل إلى سجل سلبي لأشياء منفصل بعضها عن بعض.
بيد أن هنالك شكلاً واحداً من أشكال الخبرة بمقدوره الإتيان بالتمثيل المادي لجوهر التجسيد وقصوره في الوقت نفسه: ألا وهو الأزمة. فلئن كانت الرأسمالية هي رمز التجسيد المادي بلغة الاقتصاد، يجب عندئذ أن تخضع الأشياء كافة، بما فيها الكائنات البشرية، للقياس الكمي ولنوال قيمة السوق. وهذا بالطبع هو مايقصده لوكاش حين يتحدث عن التمفصل تحت مظلة الرأسمالية، وهو مايسمه في بعض الأحيان وكأنه لائحة هائلة متبعزقة. فمن حيث المبدأ ما من شيء- لاشيء لاشخص لامكان أو لازمان- متروك خارج تلك اللائحة، باعتبار أن من الممكن حساب أي شيء. ولكن هنالك ثمة لحظات يتحول فيها "الوجود النوعي للأشياء التي تعيش حيواتها خارج قوانين علم الاقتصاد كأشياء بحد ذواتها ضحايا سوء الفهم والإهمال، كقيم انتفاع [وهنا يشير لوكاش إلى أشياء "لاعقلانية" من أمثال الوجدان والعاطفة والحظ]، ويصبح فجأة بمثابة العامل الحاسم (فجأة أي بالنسبة للفكر العقلاني المتجسد مادياً). أو بدلاً من ذلك: فإن هذه القوانين تخفق في أداء وظيفتها ويصبح العقل المتجسد مادياً غير قادر على إدراك أي نموذج في خضم هذه الفوضى"(8). ففي لحظة كهذه يغتنم العقل أو الفكر لحظته الوحيدة كي يتهرب من التجسيد المادي: بالتفكير من خلال الشيء الذي يجعل الواقع يظهر بمظهر مجموعة من الأشياء والمعطيات الاقتصادية. وإن مجرد التفتيش نفسه عن العملية الكامنة خلف مايبدو بأنه كان محط العطاء والتشيء بشكل أبدي، يجعل من الممكن للعقل أن يعرف نفسه كفكر لا كشيء عديم الحياة، وأن يمضي قدماً بعد ذلك خلف الواقع التجريبي ليدخل حيز الإمكانية المأمول. فحين تستطيع أن تتصور، بدلاً من حيرتك في أمر قلة الخبز، العمل البشري، ومن ثم بالتالي المخلوقات البشرية التي تنتج الخبز وكفت عن ذلك لأن هنالك إضراباً للخبازين، تكون قد قطعت شوطاً لابأس به على طريق معرفتك أن الأزمة معرضة للفهم لأن العملية معرضة للفهم، ولئن كانت العملية عرضة للفهم يكون كذلك عرضة للفهم شيء من الإحساس بالكل الاجتماعي الذي خلقه الجهد البشري. وقصارى القول فإن الأزمة تتحول إلى نقد الوضع القائم: فالخبازون مضربون لسبب ما، والأزمة يمكن تعليلها، والنظام لايعمل بشكل معصوم عن الخطأ، والفكر تكشف لتوه عن انتصاره على الأشكال الموضوعية المتحجرة.
إن لوكاش ليضع هذا كله في ضوء العلاقة بين الفكر والشيء. بيد أن الإنصاف المناسب لهذه المماحكة يتطلب متابعتها إلى النقطة التي يبين فيها أن التسوية بين الفكر والشيء ستكون أمراً ممكناً، على الرغم من إقراره أن مثل هذا الاحتمال بعيد جداً في غياهب المستقبل. ومع ذلك فهو على يقين أن بلوغ مثل هذا المستقبل أمر محال بدون تحويل الوعي التأملي السلبي إلى وعي نقاد وفعال. فالوعي النقدي (الوعي الذي يدرك أنه انبثق عن الأزمة) يصبح مدركاً بشكل حقيقي، في افتراضه وجود واسطة بشرية خارج متناول التجسيد المادي، لقوته "التي تدأب بلا انقطاع لتقويض الأشكال الموضوعية التي تحدد حياة الإنسان"(9). إن الوعي ليمضي قدماً إلى ماخلف المعطيات التجريبية وليدرك، دون أن يختبر عملياً، التاريخ والمجموعية، والمجتمع ككل -أي تلك الوحدات التي أخفاها التجسيد المادي وتنكر لها في آن واحد معاً. فالوعي الطبقي، في جوهره، موضع الظن بأنه يحاول أن يشق طريقه من قلب البعزقة إلى الوحدة، كما أنه موضع الظن بأنه مدرك لموضوعيته الخاصة كشيء فعال ونشيط، وشعري أيضاً بأعمق المعاني (وعلينا هنا أن نشير إلى أن لوكاش كان قد ساق الحجج، قبل عدة سنوات من صدور كتابه "التاريخ والوعي الطبقي "، على أنه ليس من الممكن التغلب على قيود النظرية المحض وقيود الأخلاق المحض إلا في ميدان الجمال، حيث كان يقصد بالأولى تلك النظرية العلمية التي ترمز موضوعيتها نفسها إلى تجسيدها المادي نفسه، أي إلى عبوديتها للأشياء، في حين أنه كان يقصد بالثانية ذاتية كانطية ليس لها أية علاقة بأي شيء إلا ذاتيتها هي. ومامن شيء إلا العنصر الجمالي يحيل معنى الخبرة إلى خبرة معاشة في شكل مستقل ذاتياً: وبذلك يصبح التفكير والشيء شيئاً واحد(10).
والآن بما أن الوعي يرقى فوق الأشياء، فهو يدخل مضمار الاحتمالية، أي مضمار الإمكانية النظرية. إن الإلحاح الخاص الذي يلحه وصف لوكاش لهذا هو أن لوكاش يصف شيئاً بعيداً بعض الشيء عن مجرد التهرب إلى ميدان الخيال الجامح. فالوعي الذي يتوصل إلى الوعي الذاتي ليس هو البتة كإما بوفاري في تظاهرها أنها سيدة في (يونفيل). إن الضغوط المباشرة التي يمارسها القياس الكمي الرأسمالي، أي الإعداد الصارم للائحة عن كل شيء على سطح الأرض، يتواصل الشعور بها كما يرى لوكاش، وأما الشيء الوحيد الذي يتبدل فهو أن العقل يدرك طبقة من الكائنات على شاكلته تتمتع بقوة التفكير عموماً، لاتستوعب الحقائق إلا لكي تنظمها على شكل زمر، كما أنها تدرك العمليات والاتجاهات التي لايتيح فيها التجسيد المادي ظهور دليل سوى دليل الذرات عديمة الحياة. وهكذا فإن الوعي الطبقي يبدأ بالوعي النقدي. فالطبقات ليست واقعية بتلك الطريقة التي تكون بها الأشجار والبيوت واقعية، إذ إن من الممكن إرجاعها إلى الوعي الذي تستغل طاقاته لافتراض نماذج مثالية تعثر على نفسها فيها بصحبة كائنات أخرى، إن الطبقات نتيجة فعل من أفعال العصيان المسلح يرفض الوعي من خلاله أن يكون مقيداً بعالم الأشياء، ألا وهو المكان الذي كان مقيداً فيه في مخطط الأشياء الرأسمالي.
لقد انتقل الوعي من عالم الأشياء إلى عالم النظرية. وعلى الرغم من أن لوكاش قد وصفه على أحسن ما يكون الوصف المتاح لفيلسوف ألماني شاب- بلغة طافحة بالميتافيزيك والتجريدات أكثر من اللغة التي كنت أستعملها- يجب عليا ألا ننسى بأنه يقوم بفعل من أفعال العصيان السياسي. إن بلوغ النظرية يعني تهديد التجسيد المادي، علاوة على تهديد مجمل النظام البورجوازي الذي يعتمد عليه التجسيد المادي، بالتدمير. ولكن هذا التدمير، كما يؤكد لقرائه، "ليس بمثابة تمزيق وحيد لايتكرر للحجاب الذي يقنّع عملية التجسيد المادي وإنما هو تناوب دائب للتحجر والتناقض والتحرك"(11). فالنظرية، بوجيز العبارة، تكون موضع الاغتنام كنتيجة للعملية التي تبدأ حين يختبر الوعي لأول مرة التحجر المريع الذي هو عليه في التجسيد المادي الشامل لكل الأشياء تحت مظلة الرأسمالية، ولكن حين يعمّم الوعي (أو يصنف) نفسه كشيء معارض لأشياء أخرى، وحين يشعر بنفسه أنه مقاوم للتشييء (أو أنه بمثابة الأزمة في صميم التشييء)، يبرز وعي التغيير في الحالة الراهنة، وفي الختام يتنطح الوعي، إبان تحركه نحو الحرية والتحقق، لاستكمال تحقيق الذات، ألا وهي بالطبع تلك العملية الثورية التي تمتد مسافات إلى الأمام في المستقبل، والتي ليس من الممكن الآن إدراكها إلا كنظرية أو مشروع.
وماهذا الشيء إلا بالمادة المتهورة فعلاً. ولقد أوجزتها كي أطرح مؤشراً بسيطاً عن عتو ردود الأفعال لأفكار لوكاش عن النظرية على النظام السياسي الذي جاء على وصفه بمثل هذا الاتزان والرعب المخيفين. فالنظرية بالنسبة إليه كانت بمثابة الشيء الذي أنتجه الوعي، لا على شكل تفادي الواقع بل على شكل إرادة ثورية ملتزمة مطلق الالتزام بالنزعة الدنيوية والتغيير. إن وعي البروليتاريا كان يمثل، بالنسبة للوكاش، النقيض النظري للرأسمالية، كما أن البروليتاريا التي كان يعنيها ماكان لها أن تتشبه البتة، كما قال ميرلوبونتي وآخرون، بمجموعة من العمال الهنغاريين ذوي الثياب الرثة والوجوه المتجهمة. فالبروليتاريا كانت رمزه للوعي الذي يتحدى التجسيد المادي، وللعقل الذي يؤكد طاقاته فوق المادة المحض، وللوعي الذي يطالب بحقه النظري في إقامة عالم أفضل خارج إطار عالم الأشياء البسيطة. وبما أن الوعي الطبقي ينجم عن عمال عاملين ومدركين للواقع الذي هم عليه، فإن على النظرية ألا تفقد ارتباطها بتاتاً بجذورها في السياسة والمجتمع والاقتصاد.
هذا هو إذاً لوكاش وهو يصف أفكاره عن النظرية -وطبعاً عن نظريته حول التبديل التاريخي الاجتماعي- في مطلع العشرينيات. هيا وتأملوا الآن تلميذ لوكاش ومريده لوسيان غولدمان الذي كان كتابه المعنون بـ "الإله الخبيء"(1955) بمثابة إحدى أوائل المحاولات ومن بين أروعها لوضع نظريات لوكاش موضع التطبيق العملي الاستبحاري. ففي دراسة غولدمان لباسكال وراسين جرى تحويل الوعي الطبقي إلى "رؤية دنيوية"، أي إلى شيء ماهو بالوعي المباشر بل بالوعي الجماعي الذي يعبر عنه عمل بعض أكابر الكتاب الموهوبين(12). ولكن هذا ليس كل مافي الأمر. فغولدمان يقول أن هؤلاء الكتاب يستمدون نظرتهم الدنيوية من ظروف اقتصادية وسياسية حاسمة شائعة بين أفراد زمرتهم، بيد أن النظرة الدنيوية نفسها لها منطلقها لافي التفاصيل التجريبية بمقدار ماهو في إيمان بشري بوجود الحقيقة "التي تتجاوزهم كأفراد وتجد تعبيرها في عملهم"(13). ولما كان غولدمان يكتب كأستاذ ملتزم سياسياً، (لا على غرار لوكاش المناضل المعني بالأمر على نحو مباشر)، فإنه يسوق الأدلة على أن عمل باسكال وراسين، باعتبارهما كاتبين من ذوي الامتيازات، يمكن أن يشكل كلاً متكاملاً هاماً من خلال عملية تنظير ديالكتيكي، ألا وهي تلك العملية التي يعزى فيها الجزء إلى الكل، والتي يتحقق فيها تجريبياً ذلك الكل المفروض من خلال الأدلة التجريبية. وهكذا فإن النظرة إلى نصوص بأم عينها هي أنها أولاً: تعبر عن رؤية دنيوية، وثانياً: أن الرؤية الدنيوية هي مايشكل كل الحياة الاجتماعية والفكرية للجماعة (أي الجماعة المدعوة باسم جانسينيي بور رويال)*، وثالثاً: أن أفكار ومشاعر الجماعة هي التعبير عن حياتهم الاجتماعية والفكرية(14). وفي هذا كله -حيث يسوق الأدلة غولدمان بروعة وفخامة نموذجيتين- يكون المشروع النظري، أي الدائرة التأويلية، بمثابة عرض للتلاحم: بين الجزء والكل، بين الرؤية الدنيوية والنصوص في أدق تفاصيلها، بين واقع اجتماعي حاسم وبين كتابات بعض الأفراد الموهوبين بشكل استثنائي ضمن جماعة ما. فالنظرية، بكلمات أخرى، هي ميدان الباحث، هي المكان الذي تتوحد فيه الأشياء المتباينة، والأشياء المتفككة بمنتهى الوضوح، لكي تتطابق فيما بينها تطابقاً تاماً: الاقتصاد والعملية السياسية والكاتب الفارد وسلسلة من النصوص.
إن الدين الذي يدين به غولدمان للوكاش دين واضح، على الرغم من عدم الإشارة إلى أن ماهو تناقض مضحك، لدى لوكاش، بين الوعي النظري وبين الواقع المتجسد مادياً قد تحول وتموضع، على يد غولدمان، إلى تطابق مأساوي بين الرؤية الدنيوية وبين الوضع الطبقي التعيس الذي كانت عليه طبقة "أشباه النبلاء"** الفرنسية في مؤخر القرن السابع عشر. ففي حين أن الوعي الطبقي لدى لوكاش يتحدى النظام الرأسمالي، لابل ويتمرد عليه لمقاومته فعلاً، نجد أن النظرة المأساوية إليه من لدن غولدمان موضع التعبير التام والمطلق من قبل أعمال باسكال وراسين. إن من الصحيح أن نقول أن النظرة المأساوية ليست موضع التعبير المباشر من قبل ذينك الكاتبين، وصحيح أيضاً أن نقول أن الباحث الحديث بحاجة ماسة، للإتيان بالتطابق بين الرؤية الدنيوية وبين التفاصيل التجريبية، لأسلوب من أساليب البحث الديالكتيكية البالغة التعقيد، مع العلم أن التكييف الذي أجراه غولدمان على نظرية لوكاش ينزع عنها دورها الثوري. فمجرد وجود الوعي الطبقي، أو النظري، بالنسبة للوكاش، كاف بحد ذاته للإيحاء له بمشروع الإطاحة بالأشكال الموضوعية. وأما بالنسبة لغولدمان فإن إدراك الوعي الطبقي أو الجماعي ماهو قبل أي شيء إلا ضرورة استبحارية ومن ثم التعبير -في أعمال كتاب من ذوي الامتيازات الرفيعة- عن وضع اجتماعي محدود بشكل مأساوي. إن الوعي المنسوب لمصدره لدى لوكاش هو حاجة نظرية ممتنعة على الإثبات، ولو أنها حاجة نظرية مسبقة بشكل مطلق، إن كان المرء يود الإتيان بالتغيير في الواقع الاجتماعي، إذ في النسخة التي جاء بها غولدمان عن ذلك الوعي، وهي النسخة المقصورة باعتراف الجميع على وضع محدود جداً، يقوم التعبير عن النظرية والوعي في الرهان الذي يراهنه باسكال على إله صامت ومحجوب عن الأنظار "deus absconditus"، كما ويقوم التعبير عنهما بالنسبة لغولدمان الباحث العلمي، كما ينعت نفسه، في التطابق النظري بين النص والواقع السياسي. ولئن وضعنا الأمر في إطار آخر لقلنا إن النظرية عند لوكاش تبدأ كنوع من التنافر الممنوع من التقليص بين العقل والشيء، في حين أنها بالنسبة لغولدمان هي العلاقة المتماثلة التي من الممكن رؤيتها موجودة بين جزء فارد وكل متلاحم.
إن الفرق بين النسختين المطروحتين عن نظرية لوكاش حول النظرية لفرق واضح تماماً: فلوكاش يكتب كمشارك في صراع (الجمهورية السوفياتية الهنغارية لعام 1919)، في حين أن غولدمان يكتب كمؤرخ منفي في السوربون. فانطلاقاً من وجهة نظر واحدة يمكننا أن نقول أن التكييف الذي كيف به غولدمان نظرية لوكاش يخفض منزلة النظرية، يقلل من أهميتها، يشذبها بعض الشيء وفق مقتضيات أطروحة دكتوراه في باريز. ولكنني لا أتصور هنا أن ذلك التخفيض ينطوي على أي مضمون أخلاقي، بل إنه (كما يدل أحد معانيه الثانوية) ينقل تخفيض اللون، وزيادة ابتعاد المسافة، وفقدان القوة المباشرة الذي يطرأ حين إجراء المقارنة بين أفكار غولدمان عن الوعي والنظرية وبين المعنى والدور اللذين يقصدهما لوكاش بالنظرية. وليس في نيتي فضلاً عن ذلك أن أوحي أن هنالك شيئاً من الخطأ الكامن في التحويل الذي حول به غولدمان الوعي من وعي مقاوم ومعارض معارضة جذرية إلى وعي بمقدوره استيعاب التطابق والتماثل. فكل مافي الأمر لايعدو القول بأن الوضع قد تغير بما يكفي لحدوث التخفيض، مع أنه مامن شك في أن قراءة غولدمان للوكاش تمحو تلك المسحة النبوية تقريباً عن النسخة التي جاء بها هذا الأخير عن الوعي.
يالكثرة ماتعودنا أخيراً على أن نسمع أن كل الاقتباسات والقراءات والتأويلات ماهي إلا قراءات مغلوطة وتأويلات مغلوطة حتى كدنا أن نعتبر أن حادثة غولدمان/لوكاش ليست إلا قسطاً ضئيلاً آخر من الدليل على أن أي إنسان، حتى الماركسي، يسيء القراءة ويسيء التأويل. بيد أنني أعتبر أن مثل هذا الاستنتاج مقنع بتاتاً. فهو يوحي ضمناً، قبل أي شيء آخر، أن البديل الممكن الوحيد عن النسخ الذميم هو القراءة المغلوطة الخلاقة، وأن إمكانية الوساطة شيء لا وجود له. وثانياً: إن الفكرة القائلة أن كل القراءة قراءة مغلوطة ماهي أساساً، حين يصار إلى رفعها لسوية مبدأ عام، إلا إلغاء لمسؤولية الناقد. فليس من الكافي بتاتاً بالنسبة للناقد الذي يحمل فكرة النقد على محمل الجد أن يقول بمنتهى البساطة أن التأويل هو إساءة تأويل، أو أن الاقتباسات تنطوي ضمناً على قراءات مغلوطة بشكل لامناص منه. إن الأمر على النقيض من ذلك تماماً: إذ يبدو لي أن من الممكن تماماً تقويم القراءات المغلوطة (بالشكل الذي تحدث فيه) بأنها جزء من الانتقال التاريخي الذي تنتقله الأفكار والنظريات من إطار إلى آخر. لقد كتب لوكاش لصالح وضع، وفي وضع، كان ينتج أفكاراً عن الوعي والنظرية، وأفكاراً مختلفة جداً عن الأفكار التي جاء بها غولدمان في وضعه الذي كان فيه. فلئن تدعو عمل غولدمان بأنه قراءة مغلوطة لعمل لوكاش، ولئن تربط للتو مباشرة بين قراءة مغلوطة لنظرية عامة عن التأويل وبين إساءة التأويل، يعني عدم إعارة أي اهتمام نقدي للتاريخ وللوضع اللذين يلعبان كلاهما دوراً هاماً وحاسماً في تغيير أفكار لوكاش وتحويلها إلى أفكار خاصة بغولدمان. وإن هنغاريا إبان عام 1919 وباريز في أعقاب الحرب العالمية الثانية تمثلان محيطين مختلفين الاختلاف كله. وإلى الحد الذي تتم فيه قراءة لوكاش وغولدمان قراءة دقيقة، يصبح بمقدورنا إلى ذلك الحد نفسه أن نفهم التغيير النقدي -في الزمان وفي المكان- الذي يحدث بين كاتب وآخر، مع العلم أنهما يعتمدان معاً على نظرية لإنجاز شيء معين من العمل الفكري. وهنا ما من حاجة تدعوني للجوء إلى نظرية عن التداخل النصي الذي لاحدود له لكي تكون نقطة أرخميدس* خارج إطار الوضعين معاً. فالرحلة الخاصة من هنغاريا إلى باريز، بكل ماينجم عنها من نتائج، تبدو قاهرة جداً وكافية جداً لصالح التمحيص النقدي، إن لم نكن راغبين في الاستغناء عن الوعي النقدي واللجوء إلى الشعوذة النقدية.
ففي المقارنة بين لوكاش وغولدمان نتيقن من الحد الذي تكون فيه النظرية رد فعل على وضع تاريخي واجتماعي محدد، ألا وهو الوضع الذي تشكل فيه المناسبة الفكرية قسطاً منه. وهكذا فإن الشيء الذي يكون وعياً متمرداً في مثل من الأمثلة يصبح رؤية مأساوية في مثل آخر، وذلك نظراً لتلك الأسباب التي تتوضح عند إجراء مقارنة جادة بين بوادبست وباريز. وهنا لاتحدوني الرغبة إلى الإشارة بأن بوادبست وباريز هما اللتان حددتا نوعية النظرية لدى كل من لوكاش وغولدمان، بل ماأقصد بالفعل هو أن بودابست وباريز هما الشرطان الأوليان الممنوعان من التقليص، وهما الشرطان اللذان يطرحان الحدود ويمارسان الضغوط التي يرد عليها كل كاتب منهما، مع التسليم بداهة بمواهب ونوازع واهتمامات كل منهما على حدة.
هيا بنا الآن نجتاز خطوة إضافية مع لوكاش، أو بالأحرى مع تلك النسخة التي استخدمها غولدمان عن لوكاش: أي نسخة غولدمان التي أفاد منها ريموند وليامز. فبما أن وليامز كان قد ترعرع في تراث الدراسات الإنكليزية في كامبردج وتدرب على تقنيات ليفز وريتشاردز، كان تكوينه تكوين ذلك المتبحر الأدبي الذي لم تكن فيه أية فائدة للنظرية. إنه يتحدث بلغة تثير الحنق إلى حد ما عن الكيفية التي تمكن مفكرين تثقفوا بالطريقة التي تثقف بها من أن يستخدموا "لغة مستقلة تحدد ذاتها بذاتها" وتعبد التفاصيل الدقيقة الملموسة عبادة الأصنام، الأمر الذي كان يعني أن بمقدور المفكرين التقرب من السلطة والتحدث بلغة التطهير عن أدق الرموز، وأن عليهم أن يجاهروا بالولاء للتجسيد المادي لابنيّة استنتاجه، وأن يتحدثوا بدلاً من ذلك عن التلازم الموضوعي، لا لتبيين مكان التسوية على الرغم من معرفتهم بموضع التنفيس(15). فها هو وليامز يخبرنا أن غولدمان جاء إلى كامبردج في عام 1970 وألقى محاضرتين هناك. وهذه الزيارة كانت حدثاً ضخماً، طبقاً لما جاء به وليامز في المقالة التذكارية الشجية التي كتبها عن غولدمان بعد مماته، وذلك لأنها طرحت النظرية على كامبردج، كما يدعي وليامز، حيث استوعبها واستخدمها، بالشكل الذي كانت عليه، كل المفكرين المتضلعين في التراث الأوربي الرئيسي. ولقد حرض غولدمان وليامز على إطراء مساهمة لوكاش كونها جعلتنا نفهم تلك الكيفية التي استحال بها التجسيد المادي إلى موضوعية زائفة بمقدار ماكان الأمر يتعلق بالمعرفة، وإلى تشويه ينخر، في الوقت نفسه أيضاً، كل ثنايا الحياة والوعي أكثر من أي شكل آخر من أشكال النشاط البشري في عصر "هيمنة الفعالية الاقتصادية على كل ما عداها من الفعاليات البشرية". ويتابع وليامز قائلاً:
إن فكرة الانجماع كانت إذاً سلاحاً نقدياً ضد هذا التشويه بالحصر، لابل وضد الرأسمالية نفسها في حقيقة الأمر. ومع ذلك لم يكن هذا الإجراء بمثابة نزعة مثالية- أي توكيد سيادة قيم أخرى. ولكن على العكس تماماً: فكما أن هذا التشويه لايمكن فهمه في جذوره إلا من خلال تحليل تاريخي لنوع خاص من الاقتصاد، كذلك محاولة التغلب عليه وتجاوزه لايمكن أن تقوم في شاهد فارد أوفي فعالية مستقلة، وإنما تقوم في جهد عملي بغية العثور على غايات اجتماعية إنسانية أسمى، وتوكيدها وتوطيدها، بوسائل اقتصادية وسياسية وإنسانية أسمى(16).
ومرة ثانية تعرضت فكرة لوكاش -وهي في هذه الحالة الفكرة الثورية العلنية عن الانجماع- لشيء من الترويض. فبدون أية رغبة عندي بشكل من الأشكال للتقليل من أهمية مافعلته أفكار لوكاش (من خلال غولدمان) لصالح الدراسات الإنكليزية وقتما كانت في حالة جمود عليل في كامبردج في مؤخر القرن العشرين، أرى أن الحاجة الماسة تدفعني للقول بأن تلك الأفكار قد صيغت بالأصل لتفعل شيئاً أكثر من مجرد قلقلة حفنة من أكابر أساتذة الأدب. بيد أن هذه النقطة نقطة واضحة ناهيك عن أنها بسيطة، إذ إن الأهم هو التالي: فنظراً لأن كامبردج ماهي بوادبست الثورية، ونظراً لأن وليامز ماهو لوكاش المناضل، ونظراً لأن وليامز ناقد تأملي- وهذه نقطة عويصة- أكثر مماهو ثوري ملتزم، فإن بمقدوره رؤية حدود نظرية ماتبدأ كفكرة تحريرية ولكنها يمكن أن تتحول، على الرغم من ذلك، إلى فخ لذاتها هي.
على أعلى المستويات العملية كان يسيراً علي أن أوافق [على أن نظرية لوكاش عن الانجماع كانت رداً على التجسيد المادي]. ولكن الحديث عن مجمل قوة التفكير بلغة الانجماع يعني التوكيد على أننا جزء منه، أي وضع كل وعينا وعملنا ومناهجنا في زاوية نقدية محفوفة بالمخاطر. لقد كان في ذلك الميدان الخاص، ميدان التحليل الأدبي، هذه العقبة الواضحة: ألا وهي أن معظم العمل الذي كان علينا أن نتفحصه كان نتاج نفس هذا الوعي المتجسّد مادياً، حتى إن ذلك الشيء الذي ظهر بمظهر الغنيمة المنهجية (الميثودولوجية) صار، وعلى جناح السرعة، مظنة الفخ المنهجي. ولكن لما يكن بوسعي حتى الآن إطلاق هذا الحكم النهائي على لوكاش كوني لما أتوصل بعد إلى عمله كله، غير أن بعض ما جاء في عمله على الأقل، كالتبصرات الأساسية الواردة في كتاب "التاريخ والوعي الطبقي"، التي تنصل حالياً منها ولو بشكل جزئي، تتعذر ترجمته إلى ممارسة نقدية [وهنا يلمح وليامز إلى العمل التالي الذي أصدره لوكاش عن الواقعية الأوربية، والذي كان أقل صقلاً بكثير من كتاب "التاريخ و...."] فضلاً عن أن بعض العمليات الأقل إتقاناً تدأب على معاودة الظهور -ولا سيما ما يتعلق منها بالقاعدة والهيكل العلوي. وأما أنا فلا أزال أقرأ غولدمان بروح من التعاون والنقد ولا أزال أطرح السؤال نفسه لأنني على ثقة تامة أن تطبيق الانجماع لا يزال بالنسبة لأي واحد منا، وفي أي زمان، غاية في العسر لا بل وغاية في الوضوح أيضاً.
إن هذا المقطع لمثار الإعجاب، ولكن على الرغم من أن وليامز لا يقول شيئاً عن التكرار الكرار في العمل الذي أصدره غولدمان لاحقاً، فإن من الأهمية بمكان كبير أن يكون قد تعلم، ولو من نظرية إنسان آخر، رؤية حدود النظرية ولا سيما حقيقة إمكانية تحول الغنيمة إلى فخ، إن تم استخدام النظرية بشكل عشوائي وكرار وبلا حدود. فما يعنيه، على ما أتصور، هو أن أية فكرة ما أن يكون لها رواجها نظراً بمنتهى الوضوح لفعاليتها وقوتها حتى تقوم كل الاحتمالات، خلال مهاجراتها، لتقزيمها وتصنيفها وتوشيحها وشاح المؤسسات. إن ذلك العرض الرائع المعقد الذي عرض به لوكاش ظاهرة التجسيد المادي استحال بالفعل إلى نظرية تأملية بسيطة، ولو إلى حد ما طبعاً، على يدي غولدمان، مع العلم أن وليامز لم يقل ذلك عن صديق قديم مات منذ عهد قريب لأنه كان حزيناً عليه ذلك الحزن الوقور. فالتماثل، بعد كل ما قيل، ما هو إلا نسخة منقحة عن نموذج القاعدة والهيكل العلوي الدولي الثاني القديم*.
إن تأملات وليامز، علاوة على تذكيرها لنا بالشيء الذي يحدث بالتحديد لنظرية طليعية، تساعدنا على الإتيان بتعليق آخر حول النظرية بعد أن تنبثق من صميم وضع ما وتصبح من ثم قيد الاستخدام وتهاجر وتحظى بالقبول على نطاق واسع. فلئن كان من الممكن لنظرية "التجسيد والانجماع" (إن حولنا الآن نظرية لوكاش إلى عبارة موجزة لتبسيط المرجعية) أن تكون أداة للتقليص، لن يكون هنالك أي سبب يمنعها من أن تكون شاملة جداً وفعالة جداً بدون انقطاع، وأن تنشر عادة فكرية على أوسع نطاق. وبوجيز العبارة، إن كان بمقدور نظرية ما أن تنزل إلى تحت، إن جاز التعبير أي أن تصبح تقليصاً دوغماتياً لنسختها الأصلية، يكون بمقدورها أيضاً أن ترتفع إلى فوق حتى تصل إلى نوع من اللاتناهي الرديء، ألا وهو الاتجاه الذي كان يقصده لوكاش نفسه بخصوص نظرية التجسيد والانجماع. فالحديث عن نبذ لا يكل ولا يمل للأشكال الموضوعية، والحديث كما يتحدث في المقالة عن الوعي الطبقي، عن كيفية كون النهاية المنطقية للتغلب على التجسيد المادي هي الإبادة الذاتية للطبقة الثورية نفسها، يعني أن لوكاش قد دفع نظريته أشواطاً إلى الأمام وإلى الأعلى، أي إلى حد غير مقبول (في رأيي أنا). إن التناقض الذي تنطوي عليه هذه النظرية- ولربما معظم النظريات التي تتطور كردود على ضرورة التحرك والتبدل- هو أنها تخاطر بالتحول إلى مبالغة نظرية، إلى مسح نظري لذلك الوضع الذي صيغت بالأصل لمعالجته أو التغلب عليه. فلئن يصف المرء "تعاقباً دائباً للتحجر والتناقض والتحرك" نحو الانجماع كعلاج نظري للتجسيد المادي ما هو إلا، بمعنى ما، استبدال صيغة ثابتة بصيغة أخرى. وإن القول عن النظرية والوعي النظري بأنهما، كالقول الذي يقوله لوكاش، يتداخلان في التجسيد المادي ويستهلان عملية ليس بالقول الدقيق بما يكفي كي يأخذ في اعتباره، وفي حساباته، التفاصيل وضروب المقاومة التي يبديها واقع حرون متجسد مادياً للوعي النظري. وعلى الرغم من البهاء الذي يتحلى به الوصف الذي جاء به لوكاش للتجسيد المادي، وعلى الرغم من كل دقته فيه، فإنه لم يكن قادراً على أن يرى كيف أن التجسيد المادي نفسه حتى تحت مظلة الرأسمالية لا يمكن أن يكون كلي الهيمنة- ما لم يكن لوكاش مستعداً بالطبع أن يترك شيئاً يقول بأن الانجماع النظري (وسيلته الثورية للتغلب على التجسيد المادي) أمر ممكن، أي أن الانجماع على شكل تجسيد مادي كلي الهيمنة أمر ممكن نظرياً تحت مظلة الرأسمالية. فلئن كان التجسيد المادي كلي الهيمنة، كيف يكون إذاً بمقدوره لوكاش أن يفسّر عمله هو كشكل من أشكال الفكر البديل تحت وطأة التجسيد المادي؟
ولربما أن هذا بقضه وقضيضه مجرد هياط ومياط وشعوذة. ومع ذلك يبدو لي أن المسافة التي نأى بها وليامز عن لوكاش الشاب المتأجج حماسة تنطوي، مهما كانت بعيدة زماناً ومكاناً، على فضيلة استثنائية حتى بالنسبة لبرودة تأملاته النقدية حول لوكاش وغولدمان اللذين لولا ذلك لكان فكرياً على أوثق ارتباط حميم معهما كليهما. فهو يأخذ عن هذين الرجلين إدراكاً نظرياً نفاذاً بالقضايا التي ينطوي عليها ربط الأدب بالمجتمع، بالشكل الذي يطرحه فيه في مقالته النظرية الوحيدة المثلى المعنونة بـ "القاعدة والهيكل العلوي في النظرية الثقافية الماركسية". فالمصطلحات الفنية المطروحة في النظرية الجمالية الماركسية لرسم حدود ذلك الميدان المتعرج والمعقد القائم بين القاعدة والهيكل العلوي لمصطلحات غير وافية بالغرض على العموم، ولذلك فإن وليامز يمضي قدماً للإتيان بالعمل الذي يجسد نسخته النقدية عن النظرية الأصلية. إنه يعرض نسخته على أحسن ما يرام، كما أتصور، في كتابه المعنون بـ"السياسة والأدب" حيث يقول: "مهما بلغت هيمنة نظام اجتماعي ما، فإن معنى هيمنته نفسها تقضي ضمناً بوجود تحديد أو اصطفاء للفاعليات التي يغطيها، ولذلك لن يكون بوسعه تحديداً استنفاد كل الخبرة الاجتماعية التي تشتمل دائماً، نظراً لذلك، على حيّز لقيام أفعال بديلة ونوايا بديلة من تلك التي لما تتبلور بعد كمؤسسة اجتماعية أو حتى كمشروع اجتماعي"(18) فكتاب "الريف والمدينة" يدوّن كلاً من حدود الهيمنة وبدائلها على شكل ردود أفعال عليها، مثلما عليه الأمر في حالة جون كلير الذي يسم عمله "نهاية الشعر الرعوي [كتقليد منهجي لوصف الريف الإنكليزي] بمجرد الصدمة التي واجهته جراء اصطدامه بالخبرة الريفية الفعلية". إن نفس وجود كلير كشاعر صار محفوفاً بالمخاطر نظراً لإزالة النظام الاجتماعي المقبول من المشهد المألوف الذي تزيا بالزي المثالي على أيدي جونسون وثومسون، الأمر الذي أدى إلى ذلك التحول الذي تحوله كلير- كإجراء بديل لما يكن وقتها قد صار موضع التحقق الكامل ولما يكن قد استسلم الاستسلام المطلق للعلاقات اللاإنسانية التي ترسخت في ظل نظام استغلال السوق- إلى "اللغة الخضراء للطبيعية" أي إلى الطبيعة لتكون هدف التمجيد بطريقة جديدة على ألسنة أكابر الشعراء الرومانسيين"(19).
ما من سبيل لتقزيم الحقيقة التي مفادها أن وليامز ناقد هام نظراً لمواهبه وتبصراته. بيد أنني على قناعة أن من الخطأ التقليل من أهمية الدور الذي لعبه في كتاباته الناضجة ذلك الشيء الذي كنت أدعوه بالنظرية المستعارة أو المهاجرة. فعلينا أن نستعير بالتأكيد إن كنا نريد التملص من كوابح محيطنا الفكري المباشر. ونحن بأمس الحاجة لنظرية لكل أنواع الأسباب التي قد ينطوي تكرارها الآن على ملل كبير. ولكن الشيء الذي نحتاجه أكثر بكثير من النظرية هو الإدراك النقدي الذي مفاده أنه ما من نظرية قادرة على التنبؤ بكل الحالات التي قد تكون مفيدة فيها، وتغطية تلك الحالات وتطويقها. وهذا القول ما هو إلا طريقة أخرى للقول، كما يقول وليامز، بأنه ليس بوسع أي نظام فكري أو اجتماعي أن يكون على هيمنة كبيرة إلى الحد الذي يجعله لا محدوداً في قوته. وهكذا فإن وليامز يتوفر له ذلك الإدراك النقدي الذي يستخدمه بمنتهى التعقل لكي يصف ويسوغ ويصقل استعاراته من لوكاش وغولدمان، علماً أن علينا أن نعجل ونضيف أن حيازته ذلك الإدراك لا تجعله معصوماً عن الخطأ ولا أقل تعرضاً للمغالاة. ولكن ما لم تكن النظرية قاطعة، من خلال جوانب نجاحها أو جوانب فشلها، حيال هذا الوجود الفوضوي أساساً، والسائب أساساً، الذي يشكل قسطاً كبيراً من الأوضاع الاجتماعية والتاريخية (وهذا ينطبق سواء بسواء على النظرية التي تنبثق من أي مكان وعلى النظرية "الأصلية")، فإنها تصبح فخاً إيديولوجياً تنصيد وتسمّر مستخدميها والشيء الذي يدور استخدامها عنه في آن واحد معاً. وفي هذه الحالة يصبح النقد أمراً غير ممكن أبداً.
فالنظرية، باختصار، لا يمكن لها أن تكون كاملة البتة، شأنها بذلك شأن ولوع المرء بالحياة اليومية ولوعاً لا سبيل لاستنفاده أبداً من خلال الإتيان بمتشابهات عنه أو بصور نموذجية أو بتجريدات. إن المرء ليستمد المتعة بالتأكيد من فلاحه في أن يجعل الأدلة تحتل مكانها المناسب في مخطط نظري أو تفعل فعلها فيه، وإن لمن السخف بمكان كبير أن يتقول المرء أن "الوقائع" أو "النصوص العظيمة" لا تستدعي أي إطار عمل نظري أو أي منهج لتكون بموجبه موضع إطراء مناسب أو قراءة مناسبة. فما من قراءة حيادية أو بريئة، وعلى المنوال نفسه ما من نص وما من قارئ إلا، إلى حد ما، نتاج منطلق نظري مهما كان هذا المنطلق ضمنياً أو لا شعورياً. وهأنذا أسوق الحجج على أننا نميز بين النظرية وبين الوعي النقدي بالقول أن هذا الأخير نوع من أنواع الإحساس المكاني، أي نوع من أنواع تقدير المقدرة الشخصية على تحديد موقع النظرية أو مكانها، وهذا يعني أن الواجب يقضي بإدراك المكان والزمان اللذين تنبثق عنهما النظرية كقسط من ذلك الزمان حيث تفعل فعلها فيه ولفائدته وحيث تستجيب له، ومن ثم يصبح بالإمكان لاحقاً إجراء المقارنة بين المكان الأول وبين الأمكنة التالية التي تبرز فيها النظرية كي تكون قيد الاستعمال. فالوعي النقدي هو إدراك الفروق القائمة بين مكان وآخر، علاوة على أنه إدراك الحقيقة التي مفادها أنه ما من منظومة أو نظرية تستنفد المكان الذي تنشأ فيه أو المكان الذي تترحل إليه. والوعي النقدي هو، قبل أي شيء آخر، إدراك ضروب المقاومة للنظرية، وإدراك ما تواجه من ردود أفعال أو تأويلات متضاربة معها. وإنني لأود بالفعل أن أشتط إلى حد القول أن مهمة الناقد ما هي إلا الإتيان بضروب المقاومة للنظرية، وتشريع أبوابها باتجاه الواقع التاريخي، باتجاه المجتمع، باتجاه الحاجات والمصالح البشرية، لتوضيح تلك الأمثلة الملموسة المستمدة من الواقع اليومي الذي يقع خارج أو خلف إطار التأويل المحدد سلفاً بالضرورة والمقيد من ثم بأية نظرية.
إن الكثير من هذا يؤول إلى التوضيح إذا قارنا لوكاش ووليامز من ناحية أولى مع غولدمان من ناحية ثانية. لقد قلت من قبل أن وليامز عارف بما يدعوه بالفخ المنهجي. وأما لوكاش، من طرفه، فيبين في حياته المسلكية كمنظّر (إن لم يكن في النظرية الناضجة نفسها) معرفة عميقة بضرورة الانتقال من متاهة النزعة الجمالية إلى العالم الواقعي المتمثل بالسلطة والمؤسسات، في حين أن غولدمان، على النقيض من ذلك، أسير شرك حتمية التماثل التي تكشف عنها كتابته الرائعة والمقنعة لاسيما في كتابه المعنون بـ"الإله الخبيء" (Le Dieu caché). إن التسييج النظري، شأنه شأن العرف الاجتماعي أو العقيدة الثقافية، لعنة على الوعي النقدي الذي يفقد حرفته حين يفقد معناه الفعال المتمحور حول عالم مفتوح عليه أن يمارس مقدراته فيه. إن أفضل الدروس الناجمة عن ذلك هو الدرس الموجود في الكتاب الفخم للانتريشيا المعنون بـ "بعد النقد الجديد" الذي هو بمثابة سرد مقنع كله للشيء الذي يدعوه بـ"المساجلات المشلولة حالياً حول النظرية الأدبية المعاصرة(20). ففي مثل في أعقاب مثل آخر يبين التوهين والترقيق اللذين يلحقان بأية نظرية ليست نسبياً موضع الاختبار من قبل العالم الاجتماعي وليست معرضة لتسييجه المعقد، ألا وهو ذلك العالم الذي ليس البتة مجرد بيئة لينة العريكة يسيرة الاستخدام لسن قوانين المواقف النظرية. (فكترياق لبلاء الخواء الذي ابتلى به الموقف الأمريكي، يوجد في كتاب فردريك جيمسون المعنون بـ"اللاوعي السياسي" وصف مفيد غاية الفائدة لثلاثة "آفاق سيمانتيه" يجدر أخذها بالحسبان ديالكتيكياً من قبل المفسر على أنها أجزاء من عملية فك طلاسم الرموز، الأمر الذي يدعوه أيضاً "بالنمط الثقافي للإنتاج")(21).
ومع ذلك علينا أن ندرك أن الواقع الاجتماعي الذي كنت ألمح إليه ليس بأقل تعرضاً للمبالغة في التلخيص النظري، حتى حين يتعمد، كما سأبين في حالة فوكو، بحث تاريخي في غاية القوة إلى الخروج بنفسه من الأرشيف إلى عالم السلطة والمؤسسات، وتحديداً إلى تلك المقاومات للنظرية التي تتغافل عنها وتسقطها من حاسبها أشد النظريات شكلية- كالتفكيك والسيميوطيقا والتحليل النفسي اللاكاني* والماركسية الآلثوسيرية التي كانت هدفاً لهجوم إ. ب. ثومبسون(22). إن العمل الذي قام به فوكو لمن أكثر الأعمال تحدياً وذلك لأن النظرة إلى فوكو هي أنه بحق خصم نموذجي للشكلية اللااجتماعية واللاتاريخية. بيد أنه يقع أيضاً، كما أتصور، ضحية لتقليل قيمة النظرية تقليلاً منهجياً بتلك الطرق التي يعتبرها أتباعه أدلة على عدم إذعانه للشعوذة.
إن فوكو ليجسد مفارقة عجيبة. فحياته المسلكية تقدم لجمهوره المعاصر له مساراً أخاذاً بشكل استثنائي يبلغ ذروته، في زمن أحدث عهداً بكثير، في الإعلان الذي أعلنه هو نفسه، والذي أحاله أتباعه لمصلحته، ومفاده أن موضوعه الحقيقي هو العلاقة بين المعرفة والسلطة. ونظراً لبهاء أدائه في الميدانين النظري والعملي، فإن السلطة والمعرفة (pouvoir and savoir) أتاحتا لقرائه (ولسوف يكون من الوقاحة ألا أعد نفسي بينهم، لا بل وراجعوا أيضاً كتاب جاك دونزيلوت المعنون "بشرطة العائلات") العدة للتعامل مع المفاهيم لتحليل الخطابات الذرائعية التي تتناقض تناقضاً صارخاً مع ذلك الميتافيزيك الجديب نسبياً الذي كان ينتجه عادة تلاميذ منافسيه الفلسفيين الكبار. ومع ذلك فإن أقدم عمل من أعمال فوكو كان من وجوه عديدة غافلاً بشكل ملفت للنظر عن قوته النظرية الخاصة. فحين تعيدون قراءة كتاب "تاريخ الحماقة" بعد كتاب "الرقابة والعقاب" ستصابون بالذهول من جراء الاستشراف المذهل الذي كان عليه الكتاب الأول بالنسبة للثاني، ولسوف تصابون بالذهول أيضاً حين تكتشفون أن فوكو حتى وهو يعالج الحبس والحجر، وهو الموضوع الذي كان يهجس في ذهنه، في بحثه البيمارستانات والمستشفيات، لم يأت على ذكر السلطة صراحة أبداً، لا ولم يأت على ذكر الإرادة "volonté" أيضاً. وأما كتابه المعنون بـ "الكلمات و..." فيقوم عذره، في التغافل عن ذكر السلطة، في أن الموضوع الذي كان يبحثه فوكو فيه كان تاريخ الفكر لا تاريخ المؤسسات، في حين أن كتاب "علم آثار المعرفة" يتضمن بعض التلميحات هنا وهناك مما يدل على أن فوكو بدأ يدنو من موضوع السلطة من خلال عدد من التجريدات التي تعني السلطة ضمناً: إذ إنه يشير فيه إلى أشياء من أمثال القبول والتكديس والمحافظة والتشكيل المعزوة كلها لإنشاء المقولات والخطابات والأرشيفات والوظائف التي تقوم بها، غير أنه يفعل ذلك دون أن يهدر شيئاً من وقته على ذكر ما قد يكون المصدر العام لقوتها ضمن المؤسسات أو في ميادين المعرفة أو حتى في المجتمع نفسه.
فنظرية فوكو عن السلطة -التي سوف أقيد نفسي بها هنا- تنبثق عن محاولته تحليل الفعل الذي تفعله أنظمة الحبس من الداخل، أي تلك الأنظمة التي تعتمد في أدائها وظائفها على كل من ديمومة المؤسسات ومن تفريخ الإيديولوجيات التقنية التي تسوغ وجود تلك المؤسسات.
وما هذه الإيديولوجيات إلا الخطابات والمعارف التي ينهمك بها فوكو. ففي عرضه الواقعي لبعض الواقف المحلية التي تحتشد فيها مثل هذه السلطة ومثل هذه المعرفة لا نظير له، علاوة على أن ما فعله لشيء في غاية التشويق بأي معيار. إن السلطة كي تكون فاعلة يجب أن يكون بوسعها، كما يقول في كتاب "الرقابة والعقاب"، تدبير التفاصيل والتحكم بها وحتى خلقها أيضاً: إذ كلما تزايدت التفاصيل تزايدت السلطة الفعلية، إدارة تفرخ وحدات يسيرة الإدارة، الأمر الذي يفرخ بدوره معرفة ذات مزيد من التفاصيل، ومعرفة ذات تحكم أدق. فالسجون، كما يقول في تلك الفقرة التي لا تنسى، ما هي إلا المصانع التي تنتج الجنوح، وما الجنوح إلا المادة الخام للخطابات التأديبية.
إنني لا أجد أية مشكلة فيما يتعلق بأوصاف وملاحظات مخصصة من هذا النوع، ولكن حين تتحول اللغة الخاصة لفوكو إلى لغة عامة (أي حين ينتقل بتحليلاته للسلطة من التفاصيل إلى المجتمع ككل) تتحول الغنيمة المنهجية إلى فخ نظري. ومن الطريف أن هذا الأمر يزداد وضوحاً زيادة طفيفة حين يقوم نقل نظرية فوكو من فرنسا وزرعها في عمل أتباعه فيما وراء البحار. فمنذ عهد قريب، على سبيل المثال، كان موضع التهليل بلسان إيان هاكينغ باعتباره بديلاً صعب المراس لأولئك الناس المتخلفين أكثر من اللزوم والتقدميين "الحالمين" من الماركسيين (ومن هم أولئك الماركسيون؟ الماركسيون كلهم؟)، وباعتباره خصماً فوضوياً لدوداً لناعوم تشومسكي الموصوف وصفاً غير مناسب بأنه "مصلح ليبرالي حصيف إلى حد الروعة"(23). هذا في حين أن كتاباً آخرين، ممن يرون بشكل صائب أن بحوث فوكو عن السلطة تلعب دور نافذة الإنعاش المفتوحة على العالم الواقعي للسلطة والمجتمع، أساءوا عشوائياً قراءة إعلاناته ونعتوها بأنها أحدث شيء عن الواقع الاجتماعي(24). وما من شك أن عمل فوكو بديل هام بالفعل للشكلية اللاتاريخية التي كان يتجادل معها على نحو ضمني، وأن رؤيته تتحلى بميزة عظيمة لكونه مفكراً مختصاً (كشيء مناقض للمفكر العام(25)) قادراً وآخرون من أمثاله على خوض معركة فدائية نطاقها صغير ضد بعض مؤسسات القمع، وضد "الصمت والتكتم".
بيد أن ذلك كله لايعني تقبل رؤية فوكو المطروحة في كتاب "تاريخ الغريزة الجنسية" والقائلة أن "السلطة موجودة في أي مكان"، وتقبل كل النتائج التي تنجم ولابد عن مثل هذه الرؤية المبسّطة ذلك التبسيط الهائل(26). إن بمقدور أي واحد أن يرى أن فوكو، كما أسلفت القول، في حماسته لتفادي الوقوع في شرك النزعة الاقتصادية الماركسية، انساق إلى طمس دور الطبقات، ودور الاقتصاد، ودور العصيان والثورة في المجتمعات التي يبحثها. هيا ولنفترض أن السجون والمدارس والجيوش والمصانع كانت، كما يقول، مصانع للتأديب في فرنسا إبان القرن التاسع عشر (باعتباره يتحدث حصراً على وجه التقريب عن فرنسا)، وأن الحكم الجامع كان يهيمن عليها كلها. فما هي ضروب المقاومة التي تصدت لنظام التأديب، ولماذا لم يبحث فوكو البتة ضروب المقاومة التي تخلص دائماً إلى الإذعان لهيمنة النظام الذي يصفه، كما يسوق الأدلة نيكوس بولانتزاس بمنتهى حدة الذهن في كتاب "الدولة والسلطة والاشتراكية"؟ وأما الوقائع فإنها أكثر تعقيداً بالطبع، مثلما يستطيع أن يبين أي مؤرخ جيد لقيام الدولة الحديثة. وعلاوة على ذلك، يتابع أقواله بولانتزاس، فحتى لو قبلنا الرأي القائل أن السلطة عقلانية في جوهرها، وأنها ليست بحوزة أي إنسان ولكنها استراتيجية ومزاجية وفعالة إلى الحد الذي يجعلها تستثمر كل زوايا المجتمع، كما يدعي كتاب "الرقابة والعقاب"، فهل من الصواب أن نستنتج، كما يستنتج فوكو، أن استخدام السلطة يستنفد السلطة؟(27) أوليس من الخطأ بمنتهى البساطة أن نقول، كما يتساءل بولانتزاس، أن السلطة لاتستند إلى أي أساس في أي مكان وأن النضال والاستغلال لا يحدثان(28)، مع الإشارة إلى أن كلا هذين التعبيرين غائبان عن تحليلات فوكو؟ فالمشكلة تكمن في أن استخدام فوكو لمصطلح السلطة "pouvoér" يدور ويدور أكثر من اللزوم إلى الحد الذي يجعله يبتلع أية عقبة تعترض سبيله (المقاومات التي تقاومه، الطبقة والقواعد الاقتصادية التي تنعشه وتزكي ناره، والاحتياطات التي يكدسها هو نفسه)، ويطمس التغيير، ويعمي سلطانه المادي الصغير(29). وعلامة من العلامات الدالة على الانتفاخ الكبير الذي يمكن أن ينتفخه تصور فوكو للسلطة حين يهاجر وتنأى به المسافات هي قولة هاكينغ أنه "ما من كائن حي يعرف هذه المعرفة، وما من كائن حي يتنازل عن سلطة كهذه". فما هذا القول بكل تأكيد إلا غاية في الشطط لكي يبرهن على أن فوكو ليس ذلك التابع الساذج لماركس.
إن نظرية فوكو عن السلطة هي، في حقيقة الأمر، تصور من تصورات اسبينوزا، ألا وهو ذلك التصور الذي خلب لا لب فوكو وحده بل وألباب الكثيرين من قرائه ممن يتمنون تجاوز تفاؤل اليسار وتشاؤم اليمين لكي يسوغوا الخنوع السياسي بنزعة فكرية متكلفة، ويتمنون في الوقت نفسه الظهور بمظهر الواقعيين وعلى ارتباط بعالم السلطة والواقع، علاوة على لبوسهم لبوس التاريخيين والمعادين للشكلانيين في انحيازهم. فالمشكلة تكمن في أن نظرية فوكو رسمت دائرة حول نفسها مسيجة بذلك فسحة منفردة حيث سجن فوكو نفسه فيها وسجن آخرين معه. وإن من الخطل بالتأكيد أن نقول، مع هاكينغ، أن الأمل والتفاؤل والتشاؤم قد تبدت كلها على يد فوكو بأنها مجرد توابع لفكرة عن عقل متسام موطود الأركان، باعتبار أننا تجريبياً نختبر الأمور يومياً ونتصرف بها وفقاً لتلك الأشياء دونما أية إشارة لأي "عقل" كذاك العقل الذي لاعلاقة له بتلك الأمور. وهنالك، بعد كل ماقيل، فرق معقول بين hope وHope* ، كذلك الفرق الموجود بين Logos- words**: الأمر الذي يفرض علينا ألا ندع فوكو يعبث بالخلط بين هذا وذاك، وبألا يجعلنا ننسى أن التاريخ لايمكن أن يتسنى له البناء دون عمل ونية ومقاومة وجهد وصراع، وأن لاشيء من هذه الأشياء عرضة للامتصاص بصمت في صميم صغريات شبكات أعمال السلطة.
وهنالك نقد أهم من سابقه يجدر توجيهه لنظرية فوكو عن السلطة، ألا وهو ذلك النقد الذي ساقه لها تشومسكي على أحسن ماتكون البراعة. ويبدو، لسوء الحظ، أن معظم القراء الجدد لفوكو في الولايات المتحدة، لايعرفون شيئاً عن المناظرة التي جرت بينهما قبل عدة سنوات خلت على التلفزيون الهولندي (30)، ولا عن المقالة النقدية البليغة لتشومسكي عن فوكو الموجودة في كتاب "اللغة والمسؤولية". فلقد وافق كلا الرجلين على ضرورة مقاومة القمع -وهو الموقف الذي صار فوكو يجد مزيداً من المشقة منذ ذلك التاريخ في تبنيه بشكل لا لبس فيه. وأما بالنسبة لتشومسكي فقد كان يرى أن المعركة السياسية السوسيولوجية يجب أن يخوضها المرء وفي ذهنه مهمتان: أولاهما "تخيل مجتمع مستقبلي يتطابق مع مقتضيات الطبيعة البشرية بالشكل الذي نفهم فيه تلك المقتضيات على أحسن مايكون، وثانيهما طبيعة السلطة والقمع في مجتمعاتنا الراهنة"(31). لقد وافق فوكو على الثانية دون أن يتقبل الأولى بشكل من الأشكال. فأية مجتعمات مستقبلية قد نتخيلها الآن ماهي إلا، كما كان يرى، "ابتكارات حضارتنا وثمرة نظامنا الطبقي". وإن تخيل مجتمع مستقبلي تسوده العدالة لن يكون محدوداً بوعي زائف وحسب، لابل وإن التخطيط له سيكون أيضاً طوباوياً جداً بالنسبة لأي إنسان كفوكو الذي يعتقد أن "فكرة العدالة بحد ذاتها لهي تلك الفكرة التي جرى تلفيقها بالنتيجة واستغلالها في مجتمعات مختلفة كأداة لسلطة اقتصادية وسياسية معينة أو كسلاح ضد تلك السلطة"(32). وماهذا الرأي إلا شاهد حي على إحجام فوكو عن التعامل الجاد مع أفكاره عن ضروب المقاومة ضد السلطة. فلئن كانت السلطة تقمع وتهيمن وتستغل، فإن أي شيء يقاومها ليس موازياً لها أخلاقياً، ليس حيادياً وليس بمنتهى البساطة سلاحاً ضد تلك السلطة. فالمقاومة لا يمكن أن تكون بديلاً مناوئاً للسلطة ولا أن يكون وجودها مشروطاً بوجود السلطة في آن واحد معاً، إلا بمعنى من أكثر المعاني المتيافيزيكية تفاهة. وحتى لو كان من العسير إجراء التمييز، فهنالك تمييز جدير إجراؤه- مثلما يفعل تشومسكي، مثلاً، حين يقول أنه على استعداد لتقديم ماندته لطبقة بروليتاريا مسحوقة إن هي وضعت نصب أعينها العدالة كهدف لنضالها.
إن التداول المزعج لنظرية فوكو عن السلطة لشكل من أشكال المغالاة في التلخيص النظري الذي تنطوي مقاومته ظاهرياً على مزيد من الصعوبة وذلك لأنه، على نقيض العديد من الأشكال الأخرى، موضع التصييغ، وموضع تكرار التصييغ والاقتباس لاستعماله فيما يبدو عليها بأنها حالات موثقة تاريخياً.
ولكن الجدير بالذكر أن التاريخ لدى فوكو ماهو، في خاتمة المطاف، إلا نصي، أو بالأحرى مصبوغ بصبغة نصية، علاوة على أن شكله هو ذلك الشكل الذي لو سئل بورجز عنه لانتسب إليه، في حين أن غرامشي لو سئل السؤال نفسه لقال بأنه واجد عدم التجانس فيه. ولو طولب غرامشي بإبداء الرأي في التنقيبات الأثرية لفوكو لأطرى دقتها بالتأكيد، ولأبدى استغرابه من أنها لاتتيح حتى مبرراً إسمياً للحركات الصاعدة، ولا أي مبرر للثورات أو الهيمنة المضادة أو الكتل التاريخية. ففي التاريخ البشري هنالك دائماً شيء ما خارج متناول الأنظمة السائدة مهما كان عمق استنفاع المجتمع بها، وهذا الشيء هو مايجعل التغيير أمراً ممكناً بمنتهى الوضوح، أي مايقيد السلطة بالمعنى الذي يقصده فوكو ويكبح جماح نظرية تلك السلطة. والمرء ليس بوسعه أن يتخيل فوكو مكابداً مشقة تحليل معزز لمسائل سياسية موضع نزاع شديد، ولا ملزماً نفسه، على غرار تشومسكي نفسه وغيره من الكتاب الآخرين كجون بيرغر، بتوصيفات للسلطة والقمع بشيء من النية لتخفيف المعاناة والآلام البشرية، وآمالها الخائبة.
إن أنواع النظريات التي كنت أبحثها يمكن أن تتحول بسهولة متناهية إلى عقيدة ثقافية، الأمر الذي يعني أن التوصل إليه قد يبدو بمثابة النتيجة المفاجئة. فما أن تقوم عملية تخصيصها للمدارس أو للمؤسسات حتى تحوز لها على جناح السرعة على منزلة السلطة ضمن الزمرة أو النقابة الثقافية، أو ضمن الأسرة الثقافية المتواشجة. وعلى الرغم من أن الواجب يقضي بتمييزها عن أشكال عقائد ثقافية أكثر فظاظة منها كالعرقية والقومية، فإنها ماكرة في كون مصدرها الأصلي -أي تاريخ منشئها المعارض والمناوئ- يجعل الوعي النقدي كليلاً بإقناعه أن تلك النظرية التي كانت ذات مرة متمردة لاتزال على تمردها وحيويتها وردها على التاريخ. فالنظرية، ما أن تستبقى بين أيدي اختصاصييها وكهانها، حتى تميل لإقامة الأسوار حول نفسها، إن جاز مثل هذا التعبير، غير أن هذا لايعني أن على النقاد إما أن يتجاهلوا النظرية وإما أن يفتشوا يائسين عن بدائل أجد. إن قياس المسافة بين النظرية بالأمس وفي هذا اليوم، وهنا وهناك، وتدوين الصدام الذي كانته النظرية مع ضروب المقاومة لها، والتحرك الشكاك في العالم السياسي الفسيح حيث يتوجب النظر إلى الآداب الإنسانية أو إلى الآداب الإغريقية والرومانية بأنها فروع صغيرة من المغامرة البشرية، وتعيين حدود المساحة التي تتغطى بكل تقنيات الانتشار والاتصال والتأويل، واستبقاء شيء ضئيل (ولربما متضائل) من الإيمان بجماعة بشرية معادية للقمع: فإذا لم تكن هذه الأشياء إلزامية، فإنها على الأقل تبدو بالفعل بدائل جذابة. وماهو الوعي النقدي في جذوره إن لم يكن ذلك النزوع والجموح للتفتيش عن البدائل؟

nnn



11- ريمون شواب ورومانسية الأفكار



على الرغم من أن ريمون شواب كان شاعراً وكاتب سيرة وأديباً وروائياً ومحرراً صحفياً ومترجماً وأستاذاً، فإنه مجهول (من قبل معظم الهيئات الأنكلو -أمريكية النموذجية المهتمة بالحركة الرومانسية، على سبيل المثال)، علاوة على أن لاعمل من أعماله حظي بالترجمة إلى الإنكليزية. فبالنسبة لإنسان ما كانت اهتماماته تعرف أية حدود وطنية كما كانت طاقاته مكرسة ذلك التكريس العميق لكل مايتخطى الحدود الوطنية، فإن هذا التجاهل مفعم بسخرية كئيبة. لقد ولد في نانسي في عام 1884 ومات في باريز في عام 1956. وإن الشيء القليل الذي اكتشف بسهولة عن حياته وشخصيته يأتي من ثلاثة أعداد من "Mercur de France"،= (رسول فرنسا) حيث ظهرت بعض أشعاره ومذكراته التي لم تكن قد وجدت طريقها إلى النشر حتى حينه، علاوة على الذكريات التي كتبها عنه أصدقاؤه(1). ويبدو عليه أنه كان ذلك الإنسان المتواضع بعض الشيء والهادئ الذي قضى معظم حياته في خدمة الأدب. ولبضع سنين (1936-1940) أصدر بالتعاون مع غي لافود مجلة مكرسة للشعر بعنوان "Yggdrasill"(*) حيث كان من الملفت للنظر فيها شمولية اهتماماتها وانفتاحها على تيارات في الشعر غير التيارات الأوربية والعصرية. إن شواب يخلف وراءه الانطباع بأنه رجل مرهف الحس والذوق وذو تأمل عميق بطبعه وانطوائي بعاداته، وذو نوع من الإحساس الديني العنيف، ولو أنه خامد، إلى الحد الذي يدفعه لترجمة "المزامير" أو كتابة ملحمة شعرية عن "نمرود" دون أن يكون ملتزماً بالضرورة بأي دين منظم.
إن شواب يماثل خورخس(**) في وجوه عديدة، هذا إن لم يكن أيضاً شخصية من شخصيات قصصه القصيرة المجموعة تحت عنوان "Ficciones"+ . فحين كان يتعاطى الأدب كان ينتج كتباً عن شخصيات مغمورة إلى حد ما من مثل ألامير بورج، وحين طلب منه أن يكتب مقدمة لترجمة فرنسية لحكايات "ألف ليلة وليلة" كتب بدلاً عن ذلك عملاً من ثلاثمائة صفحة عن أنطوان غالاند، الذي كان تلك الشخصية التي عاشت في أواخر القرن السابع عشر، والذي كان أول مترجم فرنسي "لألف ليلة وليلة". ويحكى لنا عن اهتمام خورخس بشخصيات شاذة كجون ويلكينز وج.ك. تشسترتون، اللذين أفادا من الاهتمام الجاد المفاجئ، إلى حد ما، المعروض في دراسته عنهما، وذلك لأن الكتب المجهولة والكتاب المغمورين لايستقطبون في العادة مثل هذا النوع من الاهتمام. إن كلاً من شواب وخورخس يتكشفان عن تكتم شخصي جوهري مقرون بفكرة تقريباً من أفكار مالارميه عن الكتاب المقدس -البحث عنه، عن حياته، كياسة وهدوء البطولة الموجودة فيه بصرف النظر عن الجهود المبذولة لصالحه إلى حد لايخطر على بال. وإن المرء ليخالجه الإحساس في شواب، وفي خورخس، بالطبع، بأنه يجسد مكتبة إنسانية عرضة للاكتشاف رويداً رويداً، للسير فيها ولوصفها، غير أن القيمة لاتأتيها من آدابها الكلاسيكية العريضة بمقدار ماتأتيها من شواذها المستغرب.
إن التفاصيل اللامتناهية هي مايسم أهم أعمال الاستبحار لشواب حيث يمثل كتاب "الانبعاث الشرقي" أهم المنجزات(2). فالموضوع الكامن في هذا العمل هو الخبرة الأوربية للشرق، ألا وهي تلك الخبرة التي تعتمد بدورها على الحاجة البشرية لاستيعاب "الغريب والمغاير". وللوصف الذي يصف فيه شواب هذه الخبرة يضيف موهبة نادرة للتعامل مع تفاصيل شديدة التمركز ومجموعة بمنتهى الصبر والأناة. فالشرق، في رأي شواب، مهما قد تبدو درجة شذوذه "outré"، مكمل لنصف المعمورة الغربي، والعكس بالعكس.
وإن المشهد، كما عبر عنه أحد المعجبين بشواب، لمشهد إنسانية متكاملة(3). وأما شكله -أي العبارة الاصطلاحية اللفظية علاوة على زاوية رؤياه -فشكل جليل وعسير في آن واحد معاً، وذلك لأن شواب يحاول دائماً أن يصف ظاهرة ما بالشكل الذي هي عليه بحد ذاتها وكشيء كان له أثره على حيوات عديدة على مدى ردح طويل من الزمن. إنه أهل لبذل ذلك الجهد المضني اللازم لتوثيق التبادلات الثقافية بين المشرق والغرب الأوربي. ولكن بمقدوره أيضاً أن يخلق بعض الزوايا الخلابة، المحجوبة عن الإطار العريض لموضوعه الكبير، التي تظهر فيها من حين إلى حين فراغات جديدة أساسية.
فمثالان كافيان هنا. فأولاً: في الوصف الذي يصف فيه شواب سلسلة الأحداث المعقدة التي تسبق مغادرة غالاند باريز إلى تركيا، لايعدم الوسيلة أيضاً للكشف عن الكيفية التي كانت فيها هذه الأحداث موضع تلميح موليير في مسرحية "البورجوازي اللطيف"(4). وبعدئذ في كتاب "الانبعاث الشرقي" يبين شواب لا ذلك التكافل العجيب بين العلوم البيولوجية وبين علم اللغة الأوربي الهندي وحسب، بل وتفاعل هذه القوى في عمل كوفييه، علاوة على الأثر الاجتماعي الذي خلفه ذلك التكافل في الصالونات الباريزية في تلك الآونة. فسواء أكان الأمر يتعلق بحفنة من العبارات الشفافة ظاهرياً المنطوقة بلسان م.جوردين أوبلسان كوفييه في الصالونات التي كان يرتادها بلزاك، فإن شواب يفتح مغاليق سلسلة رائعة من التلميحات مبرهناً بذلك، مثلاً، أن تجاذب أطراف الحديث بين محدثي النعمة كان يخفي بعض الإشارات عن نشوب أزمة في العلاقات بين لويس الرابع عشر وبين البلاط التركي، أو أن فهم بلزاك للمنجزات التي جاء بها كوفييه كان مظهراً من مظاهر الانتشار الثقافي المقصور على باريز في عشرينات ذلك القرن(1820).
فالتفاصيل في أمثال هذه الشواهد هي تفاصيل التأثير -أي كيفية تأثير كاتب بأم عينه أو حدث على آخر. ولكن شواب، على غرار إرخ أورباخ، شحيح في إعطاء التفسير النظري عما يفعل، علاوة على أنه قنوع، على غرار إرخ أورباخ أيضاً في بحثه في كتاب "المحاكاة" (Mimesis) الفكرة الكلاسيكية عن الأسلوبين الأدبيين الرفيع منهما والمبتذل، باعتماد موضوع صريح صراح تقريباً، أي تأثير الشرق في الغرب، والسماح لبصمات ذلك الموضوع بالظهور في أمكنة لاعد لها ولاحصر في كتلة هائلة من الأدب اللاحق. وبالفعل فإن التماثل مع إرخ أورباخ لابل وحتى ذلك التماثل الأكثر سحراً وأسراً مع أيرسنت روبرت كورتيوس يفرضان الانكفاء داخل الوطن على المعرفة الفيلولوجية لدى شواب، ولاسيما على قدرتها على الكيفية التي تتمكن بها وحدات ضخمة (أي السطوة الثقافية اللاتينية، الشرق) من أن توحي وتعيش وتتخذ شكل كتلة نصية في عصور وثقافات تالية. إن شواب مهووس إلى حد كبير جداً، على غرار أورباخ وكورتيوس وخورخس، بصورة النص كمكان للجهد البشري، كخصوبة نصية "****-ile* محشودة في هوية ثقافية تنشر الحياة البشرية أينما كان في الزمان والمكان كنتيجة. فأهمية الانبعاث الشرقي (وهو التعبير المأخوذ من العمل المهمل الذي أصدره صدره إدغار كوينت عام 1832 بعنوان "جنّي الأديان") بالنسبة لشواب تكمن في أن هذا الانبعاث الثاني عرض العالم كله أمام الإنسان الأوربي، في حين أن الانبعاث الأوربي حبسه ضمن حدود حيز لاتيني/ إغريقي مكتف بذاته. إن هذا الانبعاث الثاني، كما يسميه شواب في إحدى التعميمات المتراصة التي يفيض بها عمله، جمع الهند والعصور الوسطى وأزاح بذلك عصري أوغطس ولويس الرابع عشر فبمهمة الإزاحة توزعت بالتساوي على العواصم الكبرى: فكالكوتا زودت ولندن وزعت وباريز نقحت وعممت.
إن نظرة شواب للشرق نظرة فياضة بالعمق والفائدة حتى لبوسع المرء أن يكون بلاشك على مزيد من الدقة إن وصفه بأنه شرقي أكثر مما هو مستشرق، فضلاً عن أنه إنسان أكثر اهتماماً بالإدراك الواسع منه بالتصنيف النزيه(5). وبمقدار مايمكن أن يقال عن إدراك الأوربي للشرق كان له تأثير، فإن شواب يعتقد بأنه كان تأثيراً منتجاً، وذلك لأن التأثيرات الشرقية يمكن العثور عليها أينما كان في الثقافة الرومانسية وفي الثقافة السابقة للرومانسية أيضاً. ولكن على الرغم من ذلك فإن باحثين حديثين اثنين للفترة الرومانسية، هما هارولد بلوم و و.ج. بيت، جاءا بفرضية مناقضة مفادها أن التأثير كله عاد بالقلق وإحساس بالدونية والتخلف على كتاب العصر فمن كانت الأصالة غير المتأثرة بشيء بالنسبة لهم هي الهدف الأسمى (والأقل احتمالاً). ولكن شواب يتخذ لنفسه الموقف الذي مفادها أن الحركة الرومانسية هللت للشرق كتأثير فيه النفع للشعر والنثر والعلم والفلسفة. فهنا يساهم عمل شواب تواً مساهمة دراسية ونظرية جلى: التأثير في الأدب الرومانسي باعتباره عامل إغناء وديمومة مفيدة أكثر مما هو عامل توهين وحضور مقلق. فالتفصيل هو من جديد ذلك الشيء الذي يراه شواب ويورد فيضاً منه لتعزيز التعميم. والشيء الذي يقوله على مايبدو هو أن عملاً بهذا الحجم الكبير جداً -الذي يؤرخه زمنياً بدقة متناهية تدوّخ القارئ- إذا دأب على اكتشاف الشرق بشكل إرادي وواع، يجب علينا وقتئذ أن نعتبر التأثير بأنه يزودنا، في خاتمة المطاف، بشيء لولا ذلك لكان الشعور حياله بأنه غياب مربك. والشيء الذي ينجم ماهو بالنزاع العنيف بين الكتاب حول الزمان والمكان المرسومين تخطيطاً من قبل بلوم بمثل ذلك الإلحاح، بل توفيق لاحدود له مماثل للتوفيق الذي يراه شواب في الفطرة الآسيوية، ألا وهو ذلك التوفيق الذي لايغاير فيما بين البدعة والوافد الجديد بل يرى بدلاً من ذلك أن الزمن كله ملك الشاعر: "إنه يكرر نفس النماذج المتشابكة إلى مالانهاية، لالتوفير الوقت، بل لأن بحوزته تحديداً، على النقيض من ذلك، ردحاً طويلاً من الزمن تحت تصرفه بحيث أن استنفاده له في الإتيان بتفاصيل صغيرة عابرة بالضرورة أمر لاينطوي على أية مخاطر.
وهكذا فإن نقد شواب نقد مطبوع بطابع المشاركة الوجدانية. فالثنائيات والتعارضات والاستقطابات -كما بين الشرق والغرب، وبين كاتب وأخر وزمن وأخر- تتحول في كتابته إلى خطوط متصالبة ومتقاطعة، وهذا صحيح بيد أنها ترسم في الوقت نفسه صورة إنسانية هائلة. فقبل عام واحد من وفاته كانت تراوده فكرة مؤداها أن الحاجة تفضي بوجود "تاريخ عن الشعر العالمي"، ولكن من المؤسف أنه لم يكتبه، إذ كان يحاول أن يتنبأ بصورة عن الأدب كخطوة في ذلك الاتجاه(7). إن الصورة البشرية كانت دائماً تطغى على نقد شواب، ولكن مايثير اهتمامنا بها هو أن مثل هذه الصورة، حين ندركها، من منجزات الكاتب وماهي بمثابة الهبة إليه بتاتاً. فهنالك تفاصيل الجهد البشري، ومن ثم تنظيمها، وبعدئذ تصويرها كلها في نهاية الأمر. إن نقد شواب، في محاولته تخصيص موضوع دراسته واستنساخه، لقد على أوثق ارتباط بنقد كل من جورج باولي وآلبرت بيغوين وآلبرت ثيبوديه وجين ستاروبينسكي، وبنقد آخرين من أمثالهم، ممن خيالهم الصابر الدؤوب يهيمن على عمل جمع الحقائق المضني. فشواب، على نقيضهم كلهم (باستثناء ستاروبينسكي على الأرجح في "ابتكار الحرية")، يسير دائماً على هدى الأحداث واللحظات التاريخية المتميزة والتحركات الكبرى التي تتحركها الأفكار. إن الوعي، بالنسبة إليه، مسألة ثقافية مثقلة بالخبرة التجريبية في هذه الحياة الدنيا ومنها. ولئن كان يصف نشوء علم اللغة استناداً إلى المكتشفات العديدة التي جاءت من لغة الزند آمنيستا أوالسنسكيريتية أو إحدى اللغات السامية أو الأوربية /الهندية، أو كان يصف ذلك الانحباك الغني الخرافي الذي تنحبكه الموضوعات الشرقية في الكتابة الإنكليزية والفرنسية والألمانية والأمريكية، أو كان يصف حتى المعطيات الدقيقة المرتبطة بالنشاط الفني أوالعلمي في غضون تلك السنوات بين عام 1771 وبين عام 1860 على وجه التقريب، فإن عمله دائماً بمثابة الكنز الحقيقي للتبصر والمعرفة. وقبل كل هذا وذاك فعمله يعمق إطراءنا لذلك النوع النادر ندرة بالغة وخاصة من الدراسة المتأنية التي قلما يخطر فحص دورها على بال واحد من منظري النقد أو الأدب، كما أشعر.
إن شواب، بصرف النظر عن ظواهر الأمور، ليس بتين "Taine" أو لانسون. فالنقد التاريخي ليس علماً بالنسبة إليه، على الرغم من أن الوقائع التاريخية جديرة بالاحترام طبعاً. ولكن تاريخ الإنسان ينال حوافزه من الرغبة بنشدان الحقيقة، لا من توطيد أركانها بمنتهى البساطة، فالتاريخ "يعلمنا أن توطيد أركان الحقيقة أقل أهمية من جعل حقيقة معينة أمراً مرغوباً. ومن هو ذلك المبتكر العظيم الذي وجد في الدنيا كلها حقيقة جديدة من دون أن يكون قد فتش عنها قبلاً في المكان المغلوط؟"(8). فلقد كتب شواب هذا الشيء عن أوائل المستشرقين، بيد انه ينطبق على عمله أيضاً. إن عجائب الأمور الثقافية التي كانت تنكب عليها كل دراسته تتمثل بالصراع بين زمرة الحقائق (لا الوقائع) التي هي موضع الاكتساب وزمرة الحقائق التي هي موضع الشعور، بالشكل الذي يحدث فيه في صميم ثقافة ما وفيما بين ثقافتين في آن واحد معاً. فشواب، الذي كان يجد له مايعززه في خلفيته، يرى أن المركب المسيحي/اليهودي في الثقافة الغربية كان مضطر للإذعان لاكتشاف حضارة أقدم منه، الأمر الذي جعل علم اللغة الأوربي/ الهندي ينافس أولوية المجتمع العبري في العقل الأوربي. وهكذا فإن ذلك العقل يستوعب لاحقاً ذلك الاكتشاف ليجعل من العالم وحدة تامة مرة أخرى. ولكن المأساة المزعجة التي عاشها الاستشراق، كما يعبر عنها شواب في الصفحات الثلاثين الأول من كتاب "الانبعاث الشرقي". تكمن في المناقشة التي استهلها الكتاب عن معنى "البدائي"، أي كيف أن عالمين مختلفين يبدوان للناظر كأنهما يطالبان بحقهما في الأصالة والعبقرية، وكيف أن فكرتين عن الحضارة والهمجية، وعن البداية والنهاية، وعن الأنطولوجيا والغائية، تعانيان من تحول صارخ في السنين الواقعة بين عام 1770 وعام 1850: وتحديداً في ذلك الزمان الذي قامت فيه رغبة عارمة للاختلاف وانتشرت في طول أوربا وعرضها واتخذت شكل الأزمة الوحيدة الناجمة عن موجة الثورات السياسية، طغت على سطح الأحداث تلك الجوانب الاستشراقية التي لاتعد ولاتحصى(31)". فمهمته إذاً هي دراسة التطور الذي أدى إلى تبديل صورة الغرب عن الشرق من صورة بدائية إلى فعلية، أي من انبهار ش**** إلى توقير لامثيل له. إن من الواضح أن هنالك توهيناً محزناً من صورة إلى أخرى. ومع ذلك فإن التصوير تصوير حصيف وتعديلي جداً كما أن نطاقه نطاق موسوعي جداً إلى ذلك الحد الذي يجعلنا نشعر أن التوهين قانون من قوانين التغيير الثقافي أكثر مما هو فكرة عاطفية. فالشرق يتحول من مكتبة... خاصة بالأقسام الدراسية (30) ويصبح قطاعاً أيديولوجيا أو دراسياً: فالإلهامات تفضي إلى الاختصاص(131). فقبل عام 1800 كانت أوربا تعيش عالم التصنيف الطبقي "le monde du classé" حيث كان هوميروس يمثل فيه نموذج الكمال التقليدي الأول والأخير، ولكن بعد عام 1800 يتطفل "المنشق" على ذلك العالم. فإلى جهنم وبئس المصير بالاعتماد على الخرافات والموروثات والكلاسيكيات. وبدلاً من ذلك ثمة نصوص ومصادر، وعلوم قائمة على عمل مضن ومجهد وعسير، طفقت تفرض حقيقة جديدة وغريبة على العقل. وهكذا فإن الشغل الشاغل لشواب صار ينصب على كيفية حدوث هذا الأمر وعلى السرعة العجيبة التي تسلم نفسها فيها حتى الغرابة للتحول إلى معتقد رصين.
ثمة سمة خاصة تطبع دراسة شواب هي أنه لايولي اهتماماً واضحاً لمجرد الحماقة والفوضى اللتين يثيرهما الشرق في أوربا. وما ذلك إلا لأن الانبعاث الشرقي، كموضوع، لا يشكل تياراً في الخيال الرومانسي أقل شذوذاً من تلك التيارات التي يوثقها ماريو براز، مع الإشارة إلى أن شواب ليس أقل كفاءة من براز للتعليق عليها. بيد أنه لايقدم على ذلك، حتى وهو يدون بالتفاصيل -مثلاً؛ جنون حياة آنكوتيل دوبرون الذي على الرغم من تجشمه مشاق سفر فعلي مستحيل وعبوره أدغالاً فياضة بالأبخرة، لم يحظ بشرف الإقرار به كباحث إلا في أواخر سنوات حياته، فهضم المتبحرين حقوقهم "des érudits abnégatoin" ليس مفيداً جزئياً إلا كتعليل لرجال من هذا القبيل. وإن ما رأوه وشعروا به حيال الشرق في حالات عديدة استحوذ على عقولهم عملياً، ولكن شواب منهمك أكثر مما ينبغي بتبيين التناسق الإنساني فيما بين هذا الانبعاث والانبعاث السابق لكي يهجس بتلك الحماسات المجنونة التي كان بمقدورها إنتاج بيكفورد أو آنكوتيل أو رينان أو روكرت. وعلى النقيض من ذلك فإن نظرة شواب إلى الانبعاث الشرقي تتفادى، في الوقت الذي تتجنب فيه المظاهر المربكة للخبرة الأوربية في الشرق، الميول الفطرية الرومانسية الكبيرة الأخرى نحو الطبيعية، أي الوعي المشحوذ الرهيب بخصوص الثقافة الشعبية.
إن كتاب "الانبعاث الشرقي" يمثل في الحقيقة ذروة الحياة المسلكية الدراسية لشواب، على الرغم من أنه يحتل زمنياً مركز الصدارة تقريباً فيها. فكما أن موضوعه يعد العدة لتقبل الغرب الشرق والمجابهة معه ومن ثم استيعابه، فإن هذه الأمور كانت هي الأشياء التي أوحى بها عمل شواب الأسبق كما كانت أيضاً في الوقت نفسه من الأمور المفروغة في عمله اللاحق. ولسوف أتحدث هنا بإيجاز عن حلقة من الكتب والكتيبات التاريخية والدراسية التي تتحلق حول كتاب "الانبعاث الشرقي"، ألا وهي تلك الحلقة التي تستثني الكتلة الأساسية من أشعاره وقصصه وترجماته. إن التناوب الذي يتناوبه شواب بين الأمانة لموضوعه أمانة وراثية أو سلالية، وبين مطامحه البنيوية الشاملة لتبيين التنبؤ والاستتار والانكسار والاستبدال على الرغم من مسيرة التاريخ المستقيمة -ماهو بوجيز العبارة إلا التناوب في منهجه بين القربى والتقرب كأسلوبين من أساليب فهم التاريخ ومواكبته.
وأول كتاب من كتب شواب كان "حياة آنكوتيل دوبرون" (1934)، أي سيرة حياة ذلك الدارس الفرنسي، والمنظّر لفلسفة المساواة، وداعي الدعاة لتوحيد العقائد (الجانسينية والكاثوليكية والبراهمية) الذي بين عامي 1759 و 1961 نسخ "الزند آفيستا" وترجمه لاحقاً وقتما كان في منطقة سيورات الهندية. إن هذا الحدث بالنسبة لشواب يتنبأ بفيض من الوثائق المترجمة التي ستظهر في الغرب لاحقاً خلال الانبعاث الشرقي. وعلاوة على التحليل الاعتباطي لحماقات وحماسات آنكوتيل الغريبة نجد في الكتاب بشائر معظم الموضوعات التي كان يعتزم شواب معالجتها لاحقاً. والأول بين تلك الموضوعات هو موضوع نكران الذات لدى المتبحرين "selflessness= abnégation des érudits" إبان لهاثهم خلف مخطوطة ما، أي مطلق الالتزام بقضية التعلم: "إن ماكنا نراه نكبات كان في نظره فرصة إضافية أخرى لتعلم شيء ما"(9). وأما الموضوع الثاني فهو التولع الذي يتولعه شواب بالإدلاء بالتفاصيل، كما حين يصف الظروف الحقيقية للحياة على ظهر السفن في القرن الثامن عشر أوحين يؤرخ زمنياً علاقات آنكوتيل مع كل من غريم ودريدرو ووليام جيمز وهيردر. والموضوع الثالث هو اهتمام شواب بالخلاف في العقل الأوربي بين الأسبقية الشرقية وبين "التاريخ" التوراتي. ومن الجدير بالذكر أن كلاً من آنكوتيل وفولتير كان مهتماً بالهند وبالكتاب المقدس، بيد "أن هم الأول كان جعل الكتاب المقدس أكثر بعداً عن التفنيد، في حين أن هم الثاني كان جعله أكثر بعداً عن التصديق"(10). إن تلك الموهبة المحكمة لدى شواب سوف تتعزز في عمله اللاحق بفقرات ذات جمال شعري فائق.
ولكن الموضوع الذي انكب عليه خيال شواب أكثر من كل الموضوعات الأخرى هو حياة الصور والأشكال في الوعي البشري، أي وضعها دائماً وجودياً في سياق تاريخي محدد وعدم تركها البتة تطفو هنا وهناك كما تشاء. فالتاريخ الثقافي ماهو إلا بمثابة سلسلة من الأحداث الوجدانية لأن الأفكار التي تستمد وجودها من صور ذات طراز بدئي تدفع الناس، من الناحية الأولى، للنضال دفاعاً عنها وتغرس في أذهان الناس، من الناحية الثانية، نوعاً من السلبية اللعوب أو حتى من، كما هو عليه واقع الحال في حالة آنكوتيل، الميل الفطري المضطرب: نحو الأفكار أو المعتقدات بصرف النظر عن التناقض الذي هي عليه. إن الصور أمور تاريخية، مصنّعات شبه طبيعية ناجمة عن تفاعلنا كلنا أجمعين "nous, à tous". وعلاوة على ذلك فهي محددة العدد، فالخيال نفعي جداً ومداها قوي جداً: الشرق، الغرب، الجماعة، الأصل، المقدس. زد على أن تلك الصور تشكل فيما بينها مستنبتاً يولد قصة ومغامرة ثقافيتين للتعبير عنها كأفكار متصارعة فيما بينها أو منسجمة بعضها مع بعض. وعلى الرغم من أن الصورة والفكرة تتحركان بمنتهى الحرية على مايبدو، فإنهما أولاً من إنتاج البشر والنصوص التي يكتبها البشر، ومن ثم تصبحان النقطتين المحوريتين للمؤسسات والمجتمعات والعصور والثقافات. وبما أن الصور هي الثوابت في الخبرة البشرية، فإن الأفكار التي تحظى بمشروعيتها منها تتخذ لها أشكالاً مختلفة وقيماً متفاوتة. فها هنا في فقرة من كتاب "حياة..." يبين شواب ذلك التفاعل الذي سيهيمن على كتابته: "إنه يذهب إلى آسيا ليعثر على برهان علمي عن أولوية (الشعب المختار) وعن سلالات الكتاب المقدس. ولكن سرعان ما أفضت استقصاءاته، عوضاً عن ذلك، إلى انتقاد نفس تلك النصوص التي ظلت حتى حينه محط الاعتبار أنها من وحي الله، ألا وهي تلك السيرورة التي كان "علم تاريخ الآشوريين" سيبرهن لاحقاً على تعذر الإتيان بنقيض ذلك"(11).
إن هذه الأفكار المرتبطة بالضرورة لها بعد مادي بحيث أنه ينقل لا التناوب بين المحدود واللامحدود في الثقافة وحسب (كما حين يتحدث شواب عن الاستشراق في المرحلة السابقة لمرحلة آنكوتيل قائلاً: "تنبثق الرغبة في الأشياء الجليبة من طرافتها")(20) بل وينقل أيضاً تحولات أفكار المسافة والزمان والعلاقة والذاكرة والمجتمع واللغة والجهد الفردي.
في عام 1759 ينهي آنكوتيل ترجمة كتاب آفيستا في سيورات، وفي عام 1786 ينهي ترجمة كتب الأوبائيشاد في باريز- لقد حفر قناة فيما بين عالمي العبقرية البشرية، مطلقاً بذلك العقال للنزعة الإنسانية لدى حوض
البحر الأبيض المتوسط. وقبل ذلك بخمسين سنة تقريباً كان مواطنوه يتساءلون كيف بمقدور أي امرئ أن يكون فارسياً، في الوقت الذي كان يعلمهم فيه أن
يقارنوا بين مآثر الفرس ومآثر الإغريق. فقبله كان المرء يفتش عن المعلومة عن الماضي البعيد لكوكبنا حصراً بين أكابر الكتاب اللاتينيين والإغريقيين واليهود والعرب. لقد كانت النظرة إلى الكتاب المقدس بأنه الصخرة الوحيدة، النيزك السماوي. ولكن كونا صار متاحاً في الكتابة إلى الحد الذي ندر فيه أن يشك امرؤ في شسوع هذه الأراضي غير المعروفة. فلقد نشأ التيقن من ذلك من ترجمته لكتاب الآفيستا، وبلغ أوج ذراه نظراً لاكتشاف اللغات التي تكاثرت في أعقاب بابل إذ كان ذلك الاكتشاف في آسيا الوسطى. ففي مدارسنا، التي كانت مقصورة حتى ذلك الوقت على الإرث اللاتيني/الإغريقي الذي جاء به الانبعاث الحضاري الأول، أقحم ملامح حضارات لاتحصى في غابر الأزمان، وملامح سلسلة لانهاية لها من الآداب، وفضلاً عن ذلك صار من المعروف أن بلداننا الأوربية القليلة ماهي بالأمكنة الوحيدة التي تركت بصمتها على التاريخ، "وأن الاتجاه الصحيح للكون لم يعد متمركزاً بين شمال إسبانيا وشمال الدانيمارك من ناحية وبن انكلترا والحدود الغربية لتركيا من ناحية أخرى"(13).
إن تصوير شواب لآنكوتيل يشتط كثيراً في محاولته تبديد الغموض الذي يخفي دائماً بدايات الاكتشافات"(14). ففي خاتمة المطاف يحدد شواب مكان البداية في تبديل التركيز الناجم عن جزيء غامض من كتاب "الزند" الذي يظهر في أوكسفورد، في الوقت الذي كان فيه الدارسون ينظرون إلى هذا الجزيء الهام ليعودوا من ثم إلى دراساتهم، بينما آنكوتيل نظر مثلهم ومضى إلى الهند"(15).
فعلى الرغم من أن شواب كان سيعبر لاحقاً عن بعض الشكوك في طريقة الغرب في تناول السيرة تناولاً مصبوغاً بصبغة عبادة الأصنام، فإن عمله التالي، "حياة الأمير بورج"، محكوم بإطار عمل يتناول الحياة والأعمال. لقد امتدت حياة بورج من عام 1852 إلى عام 1925، ومع أنه كان موضع إعجاب عدد من الكتاب -من بينهم كان إدمون جلو وهنري دي رونييه- فيلسوف يبقى على الأرجح كاتباً مغموراً وضئيل الشأن (16). إن كتاب شواب عن بورج لأقل كتبه شهرة، وإن المرء ليتعجب من السبب الذي جعله -علاوة على العلاقات الشخصية البسيطة المشار إليها بين بورج وشواب- يضطلع بعبء هذه المهمة الشاقة والخاصة كي تكون أطروحته التكميلية في السوربون. وبين الحين والحين نلتقط بعض التلميحات عن شواب الحقيقي، ولاسيما في تحليلاته لاصطفائية بورج، وأيضاً في قدرته على إحياء المشاعر الروحية في حياة، لولا ذلك، لبقيت حياة عرضية. وفي هذا السياق علينا ألا نتغاضى عن الحقيقة التي مفادها أن شواب كان في مطلع سنواته الستين حين تقدم رسمياً للحصول على شهادة الدكتوراه، إذ إنه حوّل نفسه، كأحد موضوعات دراساته، من رجل أدب إلى دارس أكاديمي. فتعرجات عمل شواب- ذلك الفيض المتوسع الجذاب الذي حدث في صميمه نفس تغيير الأفكار الذي كان خبيراً جداً بوصفه- هي ما أتاح له الحد الأعظم من التحول الذاتي بالحد الأعظم من التماسك المنطقي والوضوح. ولذلك من العسير أن يصدق المرء أن عمق الانكفاء الداخلي في حياة بورج ليس هو العمق نفسه فعلاً في حياة شواب، مطروحاً من قبل شواب كشيء يخص بورج بتلك الأمانة التي تقتضيها الزمالة.
فالتغاير مع كتاب "الانبعاث الشرقي"، الذي كان سيجيء بعد عامين في عام 1950، واضح لتوه. إن عنوانه الفرعي المفصل يدل على أنه شيء يماثل الموسوعة، إن لم يكن يماثل برنامجاً لنيل شهادة الدكتوراه في الآداب الشرقية الغربية (وعرضاً كان ذلك الكتاب أطروحة رئيسية لنوال شواب الدكتوراه) في: "الاكتشافات السنسكريتية- عصر الكتابات المحلولة الطلاسم- ظهور الإنسانية المتكاملة- أكابر الشخصيات الشرقية- فلسفة الأديان والتاريخ- العلوم اللغوية والبيولوجية- فرضيات الآرية- الهند في الآداب الغربية- آسيا والرومانسية- الهندوسية والمسيحية". فهذا العمل بدوره تلاه عملان آخران كلاهما كانا محصلتين منطقتين. الأول منهما، وقد كان عبارة عن مائتي صفحة حول "مجمّع تاريخ الآداب" وبعنوان "الميدان الشرقي" ويحمل تواضعاً عنواناً فرعياً هو "الرواق الشرقي". فلقد حول شواب اهتمامه هنا لكل تلك المادة التي كان قد دون آثارها من قبل بمنتهى الاجتهاد والكد. والأمر بدا وكأن مالارميه قرر في خاتمة المطاف أن يكتب حول ذلك الموضوع الذي كان يؤرقه فيما مضى (وذلك طبعاً لأن كتاب "الانبعاث الشرقي" عبارة عن عمل دراسي مكتوب من منطلق رمزي). وبعدئذ صدر بعد مماته، في عام 1964، كتاب "حياة أنطوان غالاند". وعلى الرغم من أن هذا الكتاب كان أقل تشويقاً من كتاب "حياة آنكوتيل دوبرون"، فإنه أكمل العمل السابق واختتم الحياة المسلكية لشواب في الوقت نفسه أيضاً، نظراً لمعالجة الظاهرة السابقة للاستشراق كأسلوب وأدب في تلك اللحظة التي سبقت استسلام الشرق للعلم الغربي)(17).
ثمة سمة رئيسية لكل العمل الناضج لشواب هي اهتمامه بما يدعوه بالثانويين "le secondaire"، بالشخصيات الصغيرة -كالمترجمين والوراقين والدارسين ممن يفضي جهدهم الجهيد لإتاحة الفرص لظهور الأعمال القيمة لغوته وهوغو وشوبنهاور وأمثالهم. وهكذا فإن الانبعاث الثقافي العظيم الذي نعته شواب "بالشرقي" كان موضع استهلال الترجمات التي أنجزها رجلان منسيان عملياً هما آنكوتيل وغالاند -إذ واحد منهما شق الطريق أمام الثورة العلمية واللغوية في أوربا، والثاني استهل الأسلوب الأدبي الغريب المقرون في أوربا بالاستشراق(18). فالشيء الذي يفتن شواب في أمثال هذين الرجلين هو، بمنتهى الوضوح، أنهما لايتمتعان بأية سمة من السمات التي تدفع أكابر الشخصيات الأدبية أو الثقافية، ولا بأي شكل يسير التمييز لحياتهما المسلكية، ولا بأي دور جدير بالإطراء الكامل في التحركات الكبيرة التي تتحركها الأفكار التي يعملان على خدمتها. إنهما يشبهان على الأرجح النتف الصغيرة التي تساهم، كما قال شواب ذات مرة، في مخطوطة خيالية من تلك المخطوطات التي يذعنان لمشيئتها(19) والتي تشبه كليتها جمعاء ماكان سيدعوه فوكو، لو سئل، بأرشيف عصر معين. وعلاوة على ذلك فنكرانهما الذات يفرض نوعاً من رد الفعل المعكوس في نفس الدارس المعاصر الذي لن يتيح لتواضعهما الاختفاء خلف أكابر الأعمال أو الشخصيات التي ساهما بظهورها بكل ذلك الوضوح. فإحدى المحاولات الناجحة التي حاولها شواب لإحياء الإنصاف تحدث حين يبين كيف أن أسلوب غالاند، أكثر من كونه نسخاً مباشراً لأصل عربي، يخلق بالفعل ذلك المناخ الذي تصاغ في صميمه مآثر الرواية الرومانسية المعنونة بـ "أميرة دي كليفز"* .
هنالك مظهر آخر لاهتمام شواب بالشخصيات الثانوية: ألا وهو إطراؤه، الواضح في طول وعرض "الميدان الشرقي"، لغفلية الأدب الآسيوي والإهمال النسبي للفردية الذاتية القوية التي يتكشف عنها. فما مقدار نشوء هذا الإطراء من انطباعات شواب عن الأدب الذي يبحثه ومامقدار كونه عاملاً حقيقياً فيه (إذ إن المرء ليصاب بخيبة الأمل لدى اكتشافه أن شواب لايعرف الأدب الشرقي إلا بالأساس من خلال الترجمة)، أمران ليس بوسعي تقديرهما. ومع ذلك يخالجني الشك في أنه بعد أن تقدمت به السنون كان يفتش عن وسائل أخرى -وكان يجدها بطريقته الخاصة- لنقل التاريخ الثقافي، أي لنقل وحدات جديدة يجدّ في طلبها الدارس الأصيل النيّق، ألا وهي تلك التعميمات الأكثر فاعلية. إن عمله ليستهل تلك العملية التي كانت ستقلص الفجوة بين المؤرخين الموسوعيين -شكلانيين كلهم على بكرة أبيهم- من أمثال إيلي فور وهنري فوسيون وأندريه مارلو، وبين ماكان على يسارهم من مادية التحريات الأثرية لفوكو، تلك المادية المنهجية والفعلية والمؤسساتية. وهنالك بالطبع مغزى سياسي لهذا النوع من العمل، على الرغم من أن شواب نفسه قلما يفصح عن ذلك. فسابقاً في "الميدان الشرقي" يقول بالفعل أن أوربا، أو الثقافة الغربية، يجب تذكيرها بأنها ومنجزاتها وأبطالها ماهم، في خاتمة المطاف، إلا مجرد حالة خاصة في العمومية السامية للثقافة البشرية ككل(20).
إن تجنب المواقف العرقية المتمركزة، في الوقت نفسه، حول اعتبار الإنسان محور الوجود، يملي وجوب الاهتمام بالأدب الشرقي كرمى لذاته ليس إلا. وما "الميدان الشرقي"، ضمن الحدود المرسومة آنفاً، إلا تأمل شعري منثور رائع. فالأسلوب الذي اعتمده شواب في خريف عمره لأسلوب صعب ومجهد، في بعض الأحيان، كأسلوب ر.ب. بلاكمور. وهاكم هذا المثال:
على الشكل الذي كانت فيه لانهائية الآثار الأدبية الزاخرة بالانفعالات تستدعي إجراء التسويات مع الكلمات الجوفاء والبدائل المؤقتة للكلمات المعينة، فإن الاحتجاجات الصارخة للدعاة الأخلاقيين تبدو بدورها عقيمة جزئياً للأجيال القادمة. وماذلك إلا لأن تلك الأشياء التي تصبح موروثاً تتخذ لها أشكالاً صارمة تعلي من شأنها بعدئذ بتحويلها إلى أدوات معينة للذاكرة، ومن ثم فإن هذا الدرع المنيع يصبح، جراء منعته ذاتها، مصدراً للضعف والتفسخ، وهكذا فإن الذاكرة تثبط همة الخيال وتخلص فضائل التكرار إلى الإفراط: كأدب المختارات والمنتخبات في الهند وفارس والجزيرة العربية، وأدب الخطابات والتلميحات والمقتطفات في الصين واليابان ومملكة يهوذا(21).
فنثر محكم جداً كهذا ينطلق من تعميمات كبيرة عن الأدب الآسيوي إلى أمثلة مقتضبة عن تنوعه. وفي الواقع فإن إحدى مميزات ذلك الأدب، كما يدأب على توكيدها شواب، هي أنه مضرب مثل للجمع بين وحدته وبين أشكاله المختلفة في آن واحد معاً. وإن الجانب (الباخي)* من "الميدان الشرقي" ليبين، مثلاً، كيف أن بعض الشخصيات المعينة -كالرعاة والعمال والأشجار والرحالة والخيالة والباعة المتجولين- تمنح الأدب الآسيوي دعامته القوية في أرض الواقع. ولكن شواب لايظهر على أروع مايكون إلا في دراسته للوسائل اللفظية والجمالية. فانطلاقاً من الفكرة التي مفادها أن الآداب الشرقية تتصور الواقع التاريخي كشيء جدير بالتحويل، ظلماً وعدواناً، إلى "قطاعات مكافئة خرافية"، يتحرى شواب هيمنة الصبغة الإسمية على القواعد الفنية الشرقية للغة، وتحليل رموز النبرة المتواترة وشاعرية الطول، والنظرة إلى الزمن كمفهوم تأملي، واستخدام جذور الألفاظ "mot- germes" في بنية الشعر الإيقاعية الساحرة، والتفاعل بين خصوصية لانهائية وعمومية لانهائية، وتوظيف مزاج الابتهاج مراراً وتكراراً فيما يدعوه بالملاحم المشرقية العظيمة. فهذا كله خاضع، مع سلسلة واسعة من الإيضاحات، إلى الافتراض بأن الأدب الغربي يحاول أن يحول كل الوسائل الموجودة تحت تصرفه إلى لفظ ونطق، في حين أن الأدب الشرقي يسعى لتحويل أي شيء، بما في ذلك الكلمات، إلى جرس موسيقي.
إن الخلخلة النسبية الموجودة في "الميدان الشرقي" هي من عمل القيود المفروضة على شواب من جراء العمل العام الجماعي الذي كان يساهم فيه ومن جراء اتساع الموضوع الذي كان يحاول معالجته اتساعاً خارج إطار التخيل. ولكن ما من قيود مماثلة كانت موجودة بالنسبة إليه في كتاب "الانبعاث الشرقي" الذي يأتي فيه على ذكر مقادير ضخمة من المعلومات التفصيلية التي كانت كلها موضع المعالجة المباشرة بمنتهى الوضوح. فقراءة هذين العملين كليهما تدل على أنهما بمثابة توطئة وتكملة لكتاب فوكو المعنون بـ "الكلمات والأشياء"، الذي ينطوي على أهمية فائقة لفهم ذلك التحول الكبير الذي حل بالثقافة والتعلم في أواخر القرن الثامن عشر وفي أوائل القرن التاسع عشر. ولكن في الوقت الذي يبدو فيه فوكو على شيء من الغموض فيما يتعلق بتحديده لزمرة خاصة من الأسباب التي أدت إلى ذلك التحول، فإن شواب ليبدو أكثر تزمتاً وأكثر تقيداً بالمعلومات التي تعزز موقفه برد السبب إلى الشرق. ولكن كلا الرجلين يدركان أن حيازة المعرفة ومؤسساتها ورواجها ماهي إلا تلك الأمور التي تحدد لا التطبيقات العملية الثقافية على العموم وحسب، بل وتحدد في الوقت نفسه أيضاً التطبيقات العملية الجمالية. فلا دارس من هذين الدارسين يتبنى النظرة التي مفادها أن تقديس "الشاعر" شيء كاف بحد ذاته لفهم الإنتاج الأدبي، ولايتبنى أي منهما الرأي القائل أن من الممكن دراسة الأعمال الأدبية في عزلة اعتباطية عن ظروف الإنتاج الكلامي والثورة النصية، أي تلك الظروف التي كانت تتحكم بكل أنواع النشاط الكلامي خلال عصر معين. إن شواب ليضفي التوكيد القاطع على صحة مقولات فوكو صحة لايرقى إليها الشك -من مثل أننا كنا نعيش ذلك العصر، حوالي بداية القرن التاسع عشر، الذي شهد ولادة الفيلولوجيا والبيولوجيا في آن واحد معاً. وإن شواب ليبين، علاوة على ذلك، بصبر كصبر أيوب المعنى الفعلي لدعوة فوكو (التي صاغها في كتاب "علم آثار المعرفة" بعد مرور تسعة عشر عاماً على صدور كتاب "الانبعاث الشرقي") بضرورة إقامة أرشيف.
فوسطاء وأبطال التشكيل والتغيير الثقافيين هم، بالنسبة لشواب، الدارسون وذلك لأن التحولات الثقافية لاتقوم إلا لأن البشر يميلون فطرياً للمعرفة أولاً ومن ثم لتنظيم الأشياء الجديدة. وماهذه الصيغة إلا بالصيغة البسيطة، بيد أنها تعني ضمناً، في كتاب "الانبعاث الشرقي"، إعادة تثقيف قارة بأخرى. إن هذا العمل منقسم إلى ستة أبواب رئيسية فضلاً عن عشرات الأقسام الفرعية والخاتمة. فكما أفلح موضوع "الاستشراق الشرقي" في أداء مهمته من خلال الإسهاب والاختزال على مايبدو، كذلك أفلح الكتاب. إن الباب الأول يرصد ويؤكد ظاهرة الإدراك الأوربي للشرق -كيف أن الاكتشاف الجغرافي، والمقام الرفيع لعلم الآثار المصري، والمهمات الاستعمارية المختلفة للهند، أمور عززت كلها التحدي الشرقي والنزوع للتعامل معه منهجياً في المجتمع الأوربي. والباب الثاني يشرح مفصلاً ذلك التكامل الذي تلقت أوربا فيه الشرق وأدخلته ضمن كتلة بناها الخيالية والمؤسساتية والعلمية. ويتضمن هذا الباب موجة الدراسات السنسكريتية التي اكتسحت القارة الأوربية، واتخذت من باريز قاعدة أساسية لها، والحماسة التي ضاعفت العالم على حد العبارة البهيجة لشواب. وفي الباب الثالث يكرر شواب مجدداً البابين الأولين كي يبين التحولات الفعالة التي تحدث في معرفة الشرق. والشيء المركزي هنا يكمن في تحول المعرفة عن اللغة من كونها مسألة دينية إلى كونها مسألة لغوية وعلمية وحتى عرقية. وفي صحبة هذا التحول يأتي التحول الذي حازت الهند بموجبه على بعد رمزي كامل في الأدب الغربي، من ذلك الاستشراق السابق لكل من ميلتن ودرايدن مروراً بشعراء البحيرات وصولاً إلى أميرسون و ويتمان والمتسامين على الخبرة البشرية وريختر ونوفاليس وشيلينغ وروكيرت وهاين وغوته، وفردريك شليغل بالطبع.
وأما الباب الرابع فهو بنية محبوكة لكتلة فسيفسائية من "السير التاريخية" والمواد حول شهود شخصيين على التأثير الشرقي مستمدة كلها من حيوات أربعين شخصية أو قرابة ذلك العدد. إن شواب مهتم بتقديم ملامح أساسية وبانورامية أيضاً عن إعادة التوجهات في أعمال الدارسين والعلماء والنقاد والفلاسفة والمؤرخين. إن كل صورة تضاعف تعقيد الاستشراق كظاهرة من ظواهر التلقي والنقل. فمعالجة موضوع الكتاب لهي معالجة تصويرية، أي أن شواب سواء أكان يتفحص بلزاك أو كوفييه أوجيل مول أوسيلفستر دي ساسي أو أمبير أو أوزانام أو فورييه، فهو يصور أيضاً تبدل التصورات عن الزمان والمكان لدى كل منهم. إن القضبان الهوائية (الأنتيلات) لدى شواب تفرز التحولات التي طرأت على العلاقات اللارسمية فيما بين الناس المتأثرين بالشرق (في الصالونات والزمر شبه السرية في مصانع القال والقيل) وفيما بين المعارف (كعلم اللغة والجيولوجيا والبيولوجيا). فتحرياته للتشكيلات المنطقية يمكنها أن تبين، مثلاً، أن المكتبة والمتحف والمخبر تعرضت كلها لتعديلات داخلية ذات أهمية قصوى. وإن مايرقش شبكة شواب هو الأشياء التي لاتعد ولاتحصى من تواريخ وأسماء ومجلات وأعمال ومعارض وأحداث (كمعرض نينوى، مثلاً، الذي أقيم في باريز في عام 1846)، ألا وهي تلك الأشياء التي تضفي على سرده فورية أخاذة:
والبابان الخامس والسادس يرفعان الآلاف المؤلفة من التفاصيل عن الاستشراق من مستوى المدارس والدارسين والأكاديميات والعلوم والصالونات والأيديولوجيات، ليدخلا بها في سلسلة الأحداث المثيرة الأكثر تمييزاً والجارية في الحياة المسلكية لأكابر الكتاب الخياليين. فالباب الخامس يعني بالكتاب الفرنسيين في عراكهم مع مشكلة الخلق الشاقة التي كانت تنوء بعبء المعرفة الواسعة: من أمثال لامارتين وهوغو وفيني وميشيليه و كونت ليل وبودلير. وهنالك، فضلاً عن ذلك، قسم عما يدعوه شواب بـ "الشرق الخارجي"، أي ذلك الشرقي العجيب النافذ التأثير في أعمال نيرفال وغوتييه وفلوبير، مع العلم أن هنالك بعض التعليقات الشيقة على وجه التخصيص على عمل فلوبير المعنون بـ "قصة الآثار"، ذلك العمل الذي مادته مقتبسة من كوابن غير أن لهجته تناقض صراحة لهجة ذلك الكاتب. وأما الباب السادس، المعنون بـ "التحولات والاستطالات"، فيركز في معظمه على الكتاب الألمان (ومن بينهم نيتشه وفاغز وشوبنهاور) والكتاب الروس في مؤخر القرن. إنكم لواجدون غوبينو في هذه الصفحات، علاوة على مذهبه عن تفاوت الأعراق. فشواب يولي اهتمامه، حين تقترب دراسته من نهايتها، للأقسام الخبيثة غالباً (كإيران قبالة الهند، والآريين قبالة الساميين، والشرق قبالة الغرب) التي تتسرب من خلال الكتلة الثقافية الهائلة الناجمة، طيلة قرن تقريباً من المقارنات، عن الوعي الاستشراقي. وإن من الممكن اقتفاء آثار هذه الأقسام كلها وردها إلى اثنتين من "التقنيات الروحية" (techniques spirtuelles) تقابل واحدتهما الأخرى من الغرب إلى الشرق. وهكذا:
في غضون القرنين التاسع عشر والعشرين، قامت ثلاثة اتجاهات مختلفة بعضها عن بعض: المدرسة الصارمة للتقنيين -أي الفيلولوجيين والفلاسفة -ممن واظبوا على الإتيان بالتعريفات الضيقة مما أدى إلى إقصاء الهواة، وحلقة الأيديولوجيين والمبتدئين ممن طعّموا الخبرة المحلية بالتأثيرات الأجنبية، وبين اللاهوتيين ظهرت من جديد الحماسة التبشيرية القديمة إذ أدت إلى قيام الشكوك المتصارعة بين العلم والضمير. وإن هذه النظرات الثلاث لتوضح تلك الاحتكاكات، العديدة والمتواصلة، التي تعاظمت بشكل لم يسبق له مثيل من قبل فيما بين مختلف الثقافات.
إن الباب الختامي، المكتوب بأسلوب رصين ومعقد، يؤكد أن الانبعاث الشرقي كان في جوهره ظاهرة من ظواهر الاختلاف، وظاهرة ولّدت تقنيات المقارنة، في حين أن الانبعاث الأول كان في جوهره انبعاثاً استيعابياً في كونه تملق أوربا دون قلقلة المركزية الثقافية لأوربا مركزية تؤكد ذاتها بذاتها. وهكذا فإن الانبعاث الثاني أفضى إلى تزايد، لا إلى تناقص، نقاط المقارنة والتقنيات المتاحة للثقافة الغربية "ومحاوريها المحتجبين عن الأنظار"، الأمر الذي تزايد على هذا النحو لأن الانبعاث اللاحق كان حدثاً كلامياً لا حدثاً كلامياً ومصطنعاً كما كان عليه الانبعاث السابق. فالاستشراق أتاح الفرصة أمام العالم الأول كي يتكلم "premier tour du monde parlé"، الأمر الذي استهل بدوره نظرية لغوية ذات أصول على انكماش واستحالة متواصلتين. فمثل هذه النظرية، بوقوفها بين التاريخ والإيمان، كانت حدثاً
ذا شأن: إذ إن اللغويين اعتقدوا أنهم قد وجدوا الجواب على بابل، كما أن الشعراء توقعوا عودة جنة عدن، فضلاً عن أن موجة عارمة من الهوى بالأصول قامت في نفوس الناس لدى العثور على أي اكتشاف أثري جديد، وشيئاً فشيئاً تولد الانطباع، مع كل صيغة جديدة مطروحة بلسان صيدلاني، بأنه خلق حياة جديدة: فمسلمة عن لغة أم أدت إلى ولادة لغويين عن طريق التوالد العذري. غير أن فكرة البدائي الأولي ماكان بالإمكان توكيدها إلا بتشويهها، علاوة على أنه لم يعد بالإمكان اعتبارها كنقطة بداية التاريخ، بل مجرد نقطة متزايدة الهبوط في كفة ميزانه. لقد كانت قابلة للتحريك ولذلك أدت إلى تنشيط الأفكار عن التغيير - فالتاريخ لم يعد بمثابة الحصن للزمان كله، ولم يعد يستطيع بالتأكيد أن يقوم مقام الأساس. وفي الوقت نفسه، فإن جملة المعايير الجمالية والنظريات العلمية تخلت كلها عن مطالبها بحق الديمومة، فضلاً عن أن أي عامل في مضمار ماكان حقائق قديمة في قديم الزمان صار يشعر بأنه موضع الخذلان إن تعلق بأي شيء ثابت أو احتاز عليه. فالحركة الجمالية الرومانسية، والعقيدة البيولوجية بخصوص النشوء، وامبريالية اللغة في الامبراطوريات الفكرية، صارت الآن هي الأشياء الجديدة والهامة التي بوسع المرء الموافقة عليها. ففي يومنا هذا يتعمد ورثة شعراء التذبذب، وميتافيزيقيو اللاشعور، ودهاقنة الأسطورة، أن يتحدثوا عن "الكلمات الحرة" وكأنهم يتحدثون عن "خبرة روحية" -وإنهم بذلك ليؤكدون، على غير دراية منهم، صيغة بورنوف "Nomina numina"
(التسميات المقدسة) [498-497].

إن المصادفة بين ورود الرومانسية ومجيء الاستشراق في الغرب، بالشكل الذي يصورها فيه شواب بمنتهى الحذاقة، أعطت الأولى أبعادها المعقدة وساقتها لإعادة تصييغ الحدود البشرية -وفعلاً إلى ذلك الحد الذي يستطيع فيه اللاشعور وحتى المستغرب أن ينتحلا لقب الشيء الطبيعي. وإن مايتحكم بتلك المصادفة ثمة قانونان هما: "صدفة العصور" و "مهمة الأجيال" (502). ولذلك فإن تصور شواب للتاريخ الثقافي في كتاب "الانبعاث الشرقي" تصور كوني لأنه يرى نفسه تتوسط بين القانونيين وبين استحقاقهما على الفهم الثقافي.
إن كتاب "الانبعاث الشرقي"، وهو على شيء من الإيجاز نسبياً والإسهاب نسبياً (وهما نعتان من نعوت شواب)، لتثقيف فعلي في معنى المغامرة الفكرية، لنوع من العمل الكشاف الحيوي، الذي لايهمل لا الصغائر المادية ولا الكبائر التأملية المتعلقة بتصييغ الأحكام العامة. وأهمية شواب، تلك الأهمية الباقية على مر العصور، تكمن في أنه لايسمح للشكوك أن تساورنا البتة في أن الفيلولوجيا، كما يستعملها بذلك المعنى العريض الذي كان يقصده نيتشه وكما يدرسها في تاريخ علم الآثار الفيلولوجي الذي جيء من خلاله بالنصوص الشرقية إلى صميم المعرفة والوعي الغربيين، هي دراسة النصوص وكأنها آثار خالدة موضع التنقيب المتواصل لتنظيم وإعادة تنظيم إدراك الثقافة لهويتها. إن الدراسات الحديثة عن الأدب الرومانسي -من أمثال العمل الذي جاء به كل من آبرامز وبلوم وهارتمان ودي مان -ستجد ولابد دعامتها التي لامفر منها في شواب، وذلك لأن الاستفاضة النصية لشواب تقدم المادة الأولية الضرورية لتلك الدراسات، إذ أخذنا في الحسبان أن فهم الكتابة الرومانسية لايكون على أفضل مايرام، كما يبدو، إلا إذا اتخذ شكل الاستقصاء المتطاول للشكل الشعري واللغوي الذي يدأب على تركيب وتفكيك مستويات المعنى. وإذا لم يكن هنالك دائماً، بعد قراءة شواب، معبر منتظم يمكن رؤيته من الكلمات إلى الأشكال، أومن الاكتشاف اللغوي إلى الأداء اللغوي والجمالي، تكوين المشكلة هي أننا، كتلاميذ أدب، لما نتقن بعد العلاقة بين اللغة في التاريخ واللغة كفن. فشواب يرتأي أن العلاقة عويصة، بيد أن منهجه يستند إلى التهويل، المطروح على نحو معقد وموسوعي، فيما يتعلق بمواجهة ثقافية، ألا وهي تلك المواجهة التي تقوم بين عشق الكلمات، شبكة النصية، وبين جمعية التعليم والتخصيص الثقافي. وهكذا فإن المرء ليحسن صنعاً، على ما أظن، إن أطرى شواب، بدلاً من قراءته كمنظر فاشل، على إنجازه الدراسي العظيم الذي يوفر الفرصة لقيام توجه نظري وتفحص ذاتي.
إن الأشياء التي لايعيرها اهتماماً شواب إلا تلميحاً على مايبدو هي القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي كانت تفعل فعلها خلال العصور التي كان يدرسها. فهو خبير في إعطائنا ظروف العصر، مع العلم أن هذه الظروف قد تتضمن تفاصيل اجتماعية واقتصادية. بيد أن ظرفية تفصيلاته بعيدة عن أن تضيف شيئاً على القوى الفاعلة في تكوين تلك القوى العاملة في صميم التاريخ. وهكذا فإنه يذكر أن أوائل المستشرقين البريطانيين كانوا من رجالات الطبابة ذوي المهمات التبشيرية الدينية، كما كانوا، علاوة على ذلك، على علاقة وثيقة مع المشروع التجاري في المستعمرات الهندية. ومع ذلك فإنه لايحاول في أي مكان أن يدمج هذه الظروف المتباينة في تفسير سياسي للاستشراق البريطاني. وعلى نحو مماثل يشير هنا وهناك إلى أن تعاظم الموجة العظيمة للسنسكريتية وتفاقم الأستاذية السنسكريتية في طول أوربا وعرضها كانا على ارتباط بالتجارة الاستعمارية المتنامية على جناح السرعة، وأن المنزلة السامية التي حظي بها علم الآثار المصرية كانت نتيجة للمغامرة النابليونية في الشرق الأوسط. غير أن الجدير بالذكر أنه لم يطرح البتة أية فرضية مترابطة منطقياً عن الاستشراق باعتباره علماً أو موقفاً أو مؤسسة لمصلحة الهيمنة الأوربية على المستعمرات الشرقية عسكرياً وسياسياً واقتصادياً.
إن التباين القائم بين الشيء الذي يعرفه شواب من خلال التفاصيل المرعبة وبين الشيء الذي يستنتجه من تلك التفاصيل لتباين صارخ، فالأمر لايقتصر على استنكافه عن عزو النتائج السياسية التي حلت بالشرق إلى تدميره على أيدي الأوربيين وحسب، لابل ويختار أن يرى أيضاً أن العلاقة بين الشرق والغرب علاقة متكافئة -في حين أنها لم تكن في الواقع في شيء من مثل هذا القبيل بالطبع. فلقد كانت السنسكريتية بمثابة اللغة التي احتازت على قيمة ثقافية في أوربا، بيد أنها كانت لغة بائدة وعلى بون شاسع عن التخلف الذي كان عليه الهنود الحديثون. وإن الخيال الرومانسي الذي كان يتحلى به الكتاب والدارسون الأوربيون كان مستنقعاً بالاستشراق، ولكنهم نالوا استشراقهم هذا على حساب أية رأفة يمكن أن يكونوا قد شعروا بها حيال المواطنين المحليين الجهلة الذين كانوا تحت وطأة حكمهم. فمن بين مسارات الفكر كان هنالك مسار واهن ناشط في الدراسة الاستشراقية في مطلع القرن التاسع عشر ألا وهو ذلك المسار القائل -كما في عمل آبيل ريمو سات مثلاً- أن الحماسة الاستشراقية تجد وقودها غالباً في الجهل المطبق لا بالشرق القديم وحده بل وبالشرق الحديث على وجه التخصيص. ولئن قرأتم شواب لن تنسوا أن كيرتز في رواية كونراد كان أحد النواتج الأساسية للاستشراق، أو أن النظرية العرقية ومعاداة الساميّة أكاديمياً وبراعم الفاشية ماهي إلا النواتج الفعلية للفيلولوجيا الاستشراقية في القرن التاسع عشر. وفي نفس ذلك الوقت الذي كان فيه فردريك شليغل ويلهيلم فون هامبولت وإيرنست رينان يقيمون تمييزهم بين الإنسان الهندي/ الأوربي الرائع والحيوي والمتناسق وبين الإنسان السامي القميء والجاسئ والمتهافت، كانوا يختلقون تلك الدراسة الاستشراقية التي كانت ستواصل تسبيحها بحمد الله في القرن العشرين على معاداتها العرب ومعاداتها اليهود. فهذا الشيء كله صار ممكناً لا عن رغبة في المعرفة بل عن رغبة في التملك والتحكم، كما كان يدرك شواب على مايبدو.
وإن القول بأن هذه المسألة ماهي بالمسألة الأكاديمية المحض لقول بالإمكان البرهنة عليه ببساطة كافية إن ضربنا مثلاً حياً عما يدور في هذه المرحلة الراهنة. فالمستشرق الأكاديمي المعاصر هو الوريث المباشر للفيلوجي المستشرق زمن القرن التاسع عشر. ففي المسائل التي تنطوي على أهمية سياسية عاجلة يُسعى إليه طلباً لوجهة نظره ولمعلوماته ومساعداته، على الشكل الذي تصاغ فيه سياسة الولايات المتحدة حيال الشرق الأوسط، على سبيل المثال. ولكن بما أن الاستشراق هو تلك الظاهرة السياسية التي لايمكن فصلها عن الكولونيالية الأوربية (بيضاً وذكوراً)، فإن أبناءه الحديثين يحملون ذلك الماضي القبيح على كاهلهم وفي عملهم: إنهم يعتبرون الإنسان كائناً بشرياً بدائياً ومتخلفاً أساساً، وهو بأمس الحاجة لتلك الهيمنة التي تعمل على تحضره. وإن آراءهم كمستشرقين، مهما كان مقدار تحبيك الشكل الذي تظهر فيه، لآراء خسيسة في خاتمة المطاف. فحرب أكتوبر لعام 1973، على وجه التخصيص، جاءت بكتلة هائلة من التحليلات المستندة بالأساس على بعض المعتقدات الموغلة في القدم إلى حد لايصدق تقريباً عن الذهن العربي والعقلية الإسلامية والمجتمع العربي، والقائمة كلها على رأي استعماري مبسط شرير عن الشخصية المشرقية- ألا وهو ذلك الرأي العنصري في أشرف تعبيراته بمنتهى الصراحة.
وهكذا علينا إذاً ألا نقول ببساطة إن الشيء المفقود لدى شواب هو إدراك فوكو للهيمنة السياسية والمادية المتمثلة في منظومات خطاب كخطاب الاستشراق، كما يجب ألا نقول حصراً أن شواب يفشل في أن يأخذ بحسبانه الجانب السياسي السوسيولوجي الذي ينطوي عليه التقوقع العرقي بالشكل الذي يمثله فيه الاستشراق. فعلينا بدلاً من ذلك أن ننبه إلى المشكلة التي تعترض سبيل أي عمل فكري موسوعي مثل "الانبعاث الشرقي" الذي فضائل نطاقه وتكريس كاتبه جهده للتفصيلات الظرفية تجعله خجولاً من الإتيان بتعميمات سياسية مغرضه. وبالأساس فإن ما أفضى إليه طموح شواب كان الرغبة في توكيد وجود وأهمية أي انبعاث شرقي، وفي فعل ذلك بأكبر قدر ممكن من الأمانة للقوى الداخلية الفاعلة في الحركة. وعلى الرغم من التوفيق الديالكتيكي الذي أجراه شواب فيما بين مختلف الحالات التي مرت بها الحركة، يبدو عليه أنه كان محجماً عن الإقرار بأن الاستشراق كان على تلك الإشكالية التي كانت تلامس في أي مكان، بشكل دقيق ومنهجي، المواقف والوقائع السياسية/ السوسيولوجية. ولذلك فهو يثير في أذهاننا ذلك السؤال الدائر عن الكيفية التي يتمكن فيها المرء من كتابة أفضل نوع من أنواع التاريخ الثقافي في الأكاديمي ومن الأخذ بعين الاعتبار، في الوقت نفسه، السلطة والنقود والغزو الاستعماري. ومن الواضح أنه لا أية غائية مبتذلة ولا أية نظرية مبتذلة ذات فكرة آنية بمقدورها الإجابة على هذا السؤال. ولكن حتى تفادي السؤال ولو بمنتهى الحذاقة والدقة لن يجدي فتيلاً أيضاً.
وعلى الغالب يبدو أن الاعتقاد السائد عن الدراسة الدقيقة في ميدان الآداب الإنسانية عموماً، وفي ميدان الأدب خصوصاً، أن إحراز المدى والتفاصيل لايمكن أن يستقيم إلا بالبقاء بمعزل عن التشبث بالميول وأما النقيض لذلك فليس أقل صحة أيضاً: أي أن التنظير الرائع يأتي بلا أية مبالاة بالظرف أو بعمق المعرفة أومدى الشاهد الملموس. ولربما أن من طبيعة الدراسة وطبيعة المعرفة الفكرية المعاصرة أن يكون تخيل العمل بأنه فاعل هذا النوع من الشيء المختص أو ذاك، أي رؤية المهمة العقلانية بأنها تنطوي ضمناً على ظروف المنظر أو الدارس، أو الصحفي الشعبي إن استشهدنا بحالة راهنة. فالمنظر يرى نفسه مستجيباً لظروفه الخاصة به: سواء أكان ماركسياً أو بنيوياً أو ناقداً جديداً أو فينومينولوجياً. ولكن الأمر الهام، بالنسبة للمؤرخ، فهو الماضي "كما كان عليه في واقع الأمر"، في تفاصيله وفي عمقه. وثمة واحد قد يعترض ويقول بأنه لم يعد هنالك أي مفكر يعمل وفق مثل هذه الخطة المتهافتة، بيد أن الفروق توطد أركانها عملياً بمنتهى الصرامة. فليس هنالك من التفكير أو الوقت إلا القليل جداً، مع التسليم جدلاً بفهم ديالكتيك الضغط ورد الفعل عليه في العمل الأدبي، لانتهاك حرمة الظرفية التي ينوء بعبئها الإنتاج النقدي أو النظري أو التاريخي أو، في خاتمة المطاف، انتهاك حرمة الطريقة التي قد يتمكن بها إنسان ما من أن يكتب بدقة في الوقت الذي يكتب فيه أيضاً بشيء من الإدراك للقضايا السياسية الحادة التي هي على أوثق ارتباط بصلب الموضوع، كما هي عليه الحال مع الاستشراق بالضبط.
إن هذا المكان ليس بالمكان المناسب لمعالجة هذه المسائل، بيد أن دراسة شواب، بفضل فخامتها وأهميتها، تعود بها إلى الذهن كما تعود بها ورطة أي دارس لايشعر أنه ملزم باتخاذ موقف سياسي صريح حيال العمل الذي يقوم به أو تقوم به أو حيال كل الأشياء على العموم. غير أننا هنا نصل إلى تلك المشكلة العويصة المتعلقة بتحديد الموضوع الدراسي أو حتى النظري الذي يستلزم أو لايستلزم اتخاذ موقف أو موقع سياسي صريح حتى تنال معالجة الموضوع كفايتها من الدقة والإنصاف. فالاستشراق كموضوع يصرخ غالباً بملء أشداقه مطالباً بحقه في الفهم الصريح لخلفيته القبيحة الغارقة في مستنقع التعصب العرقي واللهاث الاستعماري. ومع ذلك فإن الواجب يحتم علي أن أقول بأنني أفضل دراسة شواب البعيدة عن السياسة على أي تحليل كامل للاستشراق تحليلاً فياضاً بالجعجعة والدقة ولو كان أكثر بعداً عن تناول التاريخ -بيد أن من الواضح تماماً أن هذا البديل ليس بالبديل الوحيد. ولربما من الصحيح أن نقول أن المرء ليستطيع على الأقل، في عمل كعمل شواب بصرف النظر عن غنى توثيقاته، أو يشير إلى غياب بعض جوانب الواقع علماً بأنه قد يستطيع استكمالها أيضاً، علاوة على أن بعض الدراسات الأخرى، الأقل إثارة للإعجاب، تنطوي بالأساس على تلك المواقف التي (وهي تلغي التاريخ في أحيان كثيرة) بوسع المرء أن يساندها أو أن يهاجمها فضلاً عن شيء طفيف آخر.
ولكنني سأحاول أن أكون دقيقاً حيال الكيفية التي تكشف فيها بعض الدراسات، حتى وهي تستبعد بعض الأمور، عن تعقيد ماتشتمل عليه ومالا تشتمل عليه في آن واحد معاً. فما من طريقة جراحية هناك لتحديد مقدار التعقيد والغنى الكافي والمناسب. إن الشواهد النموذجية تقدم لنا العون، من مثل كتاب "الانبعاث الشرقي"، على الرغم من انعدام إمكانية التعامل معها وكأنها تلك النماذج الأصلية التي تستوجب المحاكاة بمنتهى العبودية. وهكذا فإننا نعود إذاً إلى أمور من أمثال الصبر والمؤالفة والحماسة التي تعبر كلها عن أنفسها بشكل معدٍ وضمني في عمل الدارس مهما كان تعلمه هائلاً ونزيهاً. ولئن تبسم المرء أحياناً من هول البساطة التي تنطوي عليها بعض العبارات كعبارة "الذهن الآسيوي" (الواردة في "الميدان الشرقي")، فإنه يدرك دائماً على الرغم من ذلك أن نية شواب في تعميماته نية ودية وما هي بالعدائية أو العدوانية. وبالاختصار فإن عمل شواب، وبالمقدار نفسه تماماً في موضوعه ومناهجه، يزيد الفرص للدراسة والتعلم، ولا يحد منها حتى لوكان الخنوع السياسي الذي يخنعه شواب يمنعه من اعتماد الحكم القاطع بما مفاده أن الجشع الثقافي لهو مبعث الاستشراق. وكوننا نتمكن بعد ذلك من أن ندرس الحركة الرومانسية، أو أن نتحرى تأثير الأكاديميات على الحياة الفكرية إبان القرن التاسع عشر، أو أن نحلل العلاقة بين الفيلولوجيا والأيديولوجيا- أو أن نتمكن من التعامل مع كل تلك الأمور ومع العديد غيرها- هو السبب الذي يجعل رومانسية أفكار شواب نفسها جديرة بالاهتمام الجاد، وهناك مكمن المتعة الخالصة في تعلمها.
ولكن استخدام "المتعة" بهذا الاستخفاف الكبير لوسم "التعلم" لايعني ضمناً الاستمتاع الرخيص. فليس في جعبة شواب من فن يحلله أو إنجاز فكري يخطط له إلا وله مايناسبه من إدراك حيال علاقته الفعلية بهذه الحياة الدنيا. ولذلك فالشيء الذي يكشفه له بحثه التاريخي، والذي يجعل قراءه يجدون فيه متعة فعلية، هو الدعامة الحقيقية التي تستند عليها الحياة الثقافية، ألا وهي تلك الدعامة التي تعني أن أية ثقافة ليست مجرد تجمع أو اندماج لزمرة من الذوات المنتصرة هنا وهناك، وإنما هي العمل الذي أنجزته الوسائط البشرية -القائمة في المجتمع، في الأواصر الاجتماعية، في مكان التوالد، في التاريخ. وهأنذا أستخدم هنا المفردات التي استخدمها كوانتين آندرسون كي أضع رأيين متناقضين عن الثقافة الأدبية والدراسة الأدبية أحدهما قبالة الآخر(22). فشواب ليس من المؤمنين بكفاءة أنفس ذوات شأن عظيم. والشيء الجدير ذكره عنه هو أنه، على الرغم من كل المغزى التجميلي والتمديني والتحويلي الذي ينطوي عليه الحدث الثقافي الذي يصفه، وعلى الرغم من كل الهزال السياسي الذي يصوره به، لايفترض أبداً أن يكون العمل نتيجة الهوى المباشر لفرد ما لإعادة صياغة العالم بكل تلك البساطة التي يضع بها امرؤ رفاً من رفوف الكتب، فالثقافة بالنسبة لشواب قاعة محاضرات أكثر مما هي محراب، لابل وقاعة طافحة بالهرج والمرج فيما يتعلق بذلك الخصوص. وأما بالنسبة للناقد المعاصر، الذي لايزال متسمراً بلا جدوى بالشكل المحض وغالباً ما يستخفه الطرب بالأشعار البنيوية غير المقرونة بالظروف، فإن شواب يجب أن يكون ترياقه الكافي الوافي لأنه يصر على نشر الشبكة حتى فوق أصغر النخاريب المعزولة. وختاماً مامن منظور غير هذا المنظور يتيح إمكانية فهم الثقافات على أنها تلك المنظومات التي كما هي عليها قولاً وفعلاً، والمنظومات التي يكبح جماح فاعليتها لجام فهم تاريخي يقظ وحكم أخلاقي بين يدي مؤرخ نقاد لامثيل له.

nnn


* بور رويال: مؤسسة ثقافية غربي باريز انتشعت منذ عام 1638 حتى عام 1704 حيث أغلقها البابا بأمر بابوي لأنها صارت بؤرة ثقافية حيث كان الأساتذة فيها يعملون في مضمار علم اللغة -جانسينيي: نسبة إلى كورنيل جانسين، صاحب المذهب الديني في الكنيسة الرومانية الكاثوليكية- المترجم.

** أشباه النبلاء: طبقة من الأغنياء كانوا يشترون لقب النبالة بالمال ولكن ماكان يحق لهم توريث اللقب لأبنائهم -المترجم.

* من المعروف عن أرخميدس قوله أنه لوتسنت له نقطة يقف فيها على سطح الأرض لتمكن من تحريك العالم كله -الترجم.

* الاتحاد الدولي للأحزاب الاشتراكية والنقابات العمالية الذي بدأ في باريز عام 1889 وانهار خلال الحرب العالمية الأولى- المترجم.

* نسبة إلى جاك لا كان- المترجم.

*Hope: إحدى ثلاث إلهات شقيقات كن رمزاً للفتنة والجمال لدى قدماء الإغريق، في حين أن hope تعني الأمل أو الرجاء -المترجم.

**Logos: ترمز في العهد الجديد إلى السيد المسيح (الابن -أو كلمة الله) في حين أن words تعني الكلمات المحض- المترجم.

* إغدراسيل: أسطورة نورويجية تتحدث عن شجرة من الرماد تظلل العالم بأسره، وتجمع الأرض والسماء في حين أن الجحيم يكمن في جذورها وأغصانها. وهي كلمة مؤلفة من مقطعين يعنيان ربما "الحصان المخيف"-المترجم.

(**) خورخي لويس خورخس: أرجنتيني من مواليد عام 1899، شاعر وباحث أدبي وكاتب قصة قصيرة، له مجموعة قصصية بالعنوان المشار إليه -المترجم.

+Ficciones: "الخيال"- المترجم.

***** تعني النص في الإنكليزية، في حين أن ****ile تعني النسيج أو المنسوج المحبوك -وكأن الكلمة الثانية مشتقة من الأولى -المترجم.

* رواية رومانسية لمدام دي لافاييت منشورة في عام 1678- المترجم.

* نسبة إلى جوهان سيبيستيان باخ، عازف الأورغ والمؤلف الموسيقي الألماني -المترجم.




Eng.Jordan متواجد حالياً   رد مع اقتباس
  #7

إدارة الموقع

 
الصورة الرمزية Eng.Jordan

المستجيرة بحمى الرحمن

تاريخ التسجيل: Jan 2012

الدولة: الأردن

المشاركات: 15,141

   08-28-2012

 12:16 PM

الأوسمة

 عطاء متواصل ومثمر بإذن الله
My SMS اللهم إنك عفوّ تحب العفو فاعفُ عنا

  مزاجي

 

افتراضي


Ping your blog, website, or RSS feed for Free

12- الإسلام والفيلولوجيا والثقافة الفرنسية: رينان وماسينون



إن قراء ماثيو آرنولد قد يتذكرون لوائحه الساخطة والمرتبكة التي تقارن بين الريفية الإنكليزية في الثقافة وبين نضج وكمال الثقافة الفرنسية أو الألمانية. فثمة فقرة رائعة بالانكليزية الكلاسيكية بقلم آديسون سرعان ما تكشف عن ابتذال فكرها لآرنولد حين يقارنها بجوبير، كما أن اللغة الطنانة لجيريمي تايلر تبدو سمجة للسبب نفسه عند مقارنتها بالفخامة البسيطة لجمل بوسييه. فإنكلترا ما كان لها البتة أكاديمية أدبية للإشراف على الجهد الثقافي، كما يقول آرنولد، وكان هذا النقص بركة لصالح حرية المناخ الذي أتاحه في الحياة الفكرية الإنكليزية، بيد أنه كان في الوقت نفسه عيباً لأنه لم يتمكن من منع السوقية والابتذال(1).
ثمة نقطة هامة على وجه التخصيص يأتي بها آرنولد في هذا السياق خلال بحث ما يدعوه "بعادات التصميم وغرابة الأطوار" الإنكليزية. وشاهده على ذلك يتمثل في جون وليام دونالدسون، وهو ذلك الفيلولوجي الذي حاول في عام 1854 سوق الأدلة على أن الكتاب المقدس منبثق بالفعل عن كتاب ملغز بعنوان “Jashar” (جاشار). ويقول آرنولد: "فأنا لا أتظاهر، مع أنني لست بمستشرق، بأنني أصدر حكمي على هذا الكتاب: ولكنني أترك القارئ أن يلاحظ الشكل الذي اتخذه بكل بساطة بناء على حكم مستشرق أجنبي. ورينان يسميه بـ (الاعتباط البائس)، أي الفشل الذريع باختصار، الأمر الذي قد يكون كذلك أو قد لا يكون، فأنا لست بالحكم الترضى حكومته". ويتابع قائلاً: "إن من المذهل أن تكون مقالة حديثة... قد طرحت... عملاً كهذا العمل من تأليف دكتور في جامعة كامبريدج، وكان مصيره الشجب على أوسع نطاق بأقلام النقاد الألمان". ويثابر آرنولد على الاستشهاد برينان مرة ثانية -ولكن يتحدث هذه المرة عن كتاب تشارلز فورستر المعنون بـ "إماطة اللثام عن الدين المحمدي (1829)، وهو الكتاب الذي خلب ألباب رجالات الدين الإنكليز المبجلين لأنه يصور أن محمداً كان القرن الصغير للتيس الذي يظهر في الفصل الثامن من "كتاب دانيال"، وأن البابا كان القرن الكبير". ويفسر آرنولد رينان بالقول أيضاً أن على المرء ألا يستغرب أي غلو باعتبار أن من كتب هذه الأشياء رجل إنكليزي. إن أمثال هذه التقييمات تأتي "من مستشرق وقور وعلى موضوع اختصاصه، وهي تشير إلى حقيقة واقعية -مفادها أن غياب أية سلطة ذات رأي مستنير علمي وأدبي، في هذا البلد، يجعل الزيغ... أمراً لا مفر منه"(2).
وعلى الرغم من أن آرنولد نفسه كان أقل ريفية وسذاجة من كل الكتاب الإنكليز في القرن التاسع عشر، فقد كان يجسد الثقافة الفرنسية على إتاحتها الفرص أمام الناس المتعلمين على صياغة المقولات التي كانت موثوقة وأساسية في آن واحد معاً. فلقد كان لآرنولد رأي صائب على وجه التخصيص حول الميدانين اللذين أقر بطول باع رينان فيهما، ألا وهما الفيلولوجيا والدراسات الشرقية. وحتى لو كانت فرنسا، طبقاً لما تقوله مدام دي ستايل في (من ألمانيا)، متخلفة جداً عن ألمانيا في ثروة المؤسسات الأكاديمية ومناهج الإرشاد، فإنها مع ذلك تسبق إنكلترا بأشواط كبيرة. فهذا هو هانز فان آرسليف يؤرخ في كتابه المعنون بـ "دراسة اللغة في "إنكلترا، 1780- 1860"، البطء العجيب الذي كانت عليه إنكلترا في تناولها (الفيلولوجيا الجديدة)، أي ذلك العلم الذي كانت له اليد الطولى في فرنسا وألمانيا منذ بدايات القرن. فإنكلترا لم تكن متخلفة بهذا المضمار جراء التأثير العظيم الذي أثره فيها هورن توك وحسب، بل ولأن الجامعات أنفسها لم تكن لتوفر الإمكانية الجادة للتعامل مع الفيلولوجيا إلا بعد مرور قسط طويل من ذلك القرن. ولذلك فقد كانت النتيجة أن الفيلولوجيا ظلت مقصورة في إنكلترا على "الهواة وعشاق الفن وجامعي التحف الفنية الأثرية وحدهم ليس إلا"(3). وحين تعرض كتاب بوب المعنون بـ "نظام تصريف الأفعال" في "المجلة اللندنية" في عام 1820 أشار الكاتب إلى أن "انكلترا" على الرغم من فضائلها الخاصة، لم تفعل الكثير مما كان متوقعاً منها في هذا المضمار".
وإن أي دارس مهتم ذلك الاهتمام الجاد بالفيلولوجيا كان على ما يبدو في أرجح الظن منهمكاً في بحث خاص جداً أكثر من انهماكه في تحقيق مشروع وطني كبير من ذلك الصنف الذي كان يمثله رينان في فرنسا وراسك في الدانيمارك وبوب في ألمانيا. فها هو آرسلاف يقول حتى لو كان هنالك فيلولوجي كفء كفاءة فردريك أوغسط روزن -الذي تعلم تحت إشراف ساسي في باريز ومع بوب في برلين- ما كان من الممكن أن تتسنى له وقتها حياة مسلكية مناسبة في إنكلترا إذ كان مضطراً "أن يهتبش الرزق لنفسه بكتابة المقالات عن الفيلولوجيا "للموسوعة ذات البنس الواحد"(4).
إن هذه الحالة كانت نفسها تقريباً في الدراسات الشرقية الاختصاصية التي كانت تعتمد، على الرغم من نجاحها ومقامها الرفيع الأوربيين، الاعتماد الكبير على التقدم المنظم والمنهجي (للفيلولوجيا الجديدة).
فأناس من أمثال دونالدسون وفورستر يبدوان عرضة لتبادل المواضع مع شخصيات روائية من مثل شخصية السيد كاسوبون في رواية "ميديل مارش" لجورج إليوت -تلك الشخصية التي كانت منهمكة في مهمة عقيمة كتأليف "مفتاح" لكل الأساطير، والتي كانت على جهل مطبق بأحدث ما يدور عن هذا الأمر في الدراسة الأوربية، ومن الجدير بالذكر فعلاً أن الشرق حين يظهر على تلك الوفرة في الأدب الانكليزي في مطلع العصر الفيكتوري يظهر بداهة كشيء غريب وشاذ، ولا يظهر البتة كشيء هام وأساسي بالنسبة للثقافة الأوربية المنظمة، ولكن الوضع الذي كان عليه إدوارد وليام لين كان وضعاً استثنائياً بالطبع، على الرغم من أن عمله لم يكن ينتمي بادئ ذي بدء لعالم الثقافة الرفيعة وإنما لعالم الثقافة المفيدة، ولئن كان بمقدور جورج إليوت أن يقول (تقول) في عام 1856 أن حضارتنا كلها (بمعنى عام جداً) جاءت من الشرق(5)، فمن الهام أن نتذكر لا أن كوينيه كان قد تحدث في فرنسا عن انبعاث شرقي قبل ذلك التاريخ بخمس وعشرين سنة وأن فردريك شليغل كان قد قال شيئاً من هذا القبيل في ألمانياً في عام 1800 وحسب، بل ويجب أن نتذكر أيضاً أن الاحتكاك الثقافي المتتالي لكليهما معاً مع الشرق كان بالأساس وبالحصر من خلال فرع الفيلولوجيا. وحتى هوغو كان قد أعلن عن مثل هذا الشيء في مقدمة كتاب "المستشرقون".
ولو افترضنا، علاوة على ذلك، أن الاستحقار الشهير الذي عبر عنه ماكولي في عام 1835 للأدب في اللغتين السنسكريتية والعربية يمكن اعتباره تعبيراً عن وجهة نظر أوربية عامة بخصوص الضعة الشرقية الحديثة، فإن من الصحيح إلى حد ملفت للنظر أن الشرق -والمقصود هنا الشرق الإسلامي في هذه الحالة- كان قانونياً في إنكلترا أكثر اقتراناً في غالب الأحوال بمشكلات الامبراطورية أو بعفونة التوهم منه بهيبة الثقافة الرفيعة والتعلم المنهجي والمعرفة الفيلولوجية. وإن من الواضح أن آرنولد يعني هذا ضمناً ويأسف عليه بالطبع بمقدار أسفه على ما يتلازم معه أيضاً، ألا وهو العجز الإنكليزي المطلق عن إطراء فرنسا، الأمر الذي يبدو بدوره مقروناً في معظم الأحيان بالتفاهة وبمقدار مماثل من نقصان الجدية الأخلاقية.
وهنا ليس بمقدوري أن أقاوم إغراء الإتيان على ذكر مثل طريف ودقيق عن هذا الموقف الذي يتبدى، تجاه فرنسا والمشرق، في رواية "مرتع الغرور" لثاكاري، فبكي شارب حسناء نصف فرنسية، وهي حقيقة تصمها في المجتمع الإنكليزي بأنها موضع الشبهة علاوة على أنها ليست تحديداً ذات ذوق رفيع.
إن مغامراتها شهيرة جداً إلى الحد الذي يجعلها في غنى عن التلخيص هنا، ولكن مشهداً واحداً كشّاف على وجه التخصيص من جراء الطريقة التي يدل بها على حجم النهاية الوخيمة التي قد تسوقها إليها فرنسيتها وتسلقها الاجتماعي وذوقها المشبوه. وهذا المشهد هو المشهد الذي يدور في (بيت غونت) حين تشارك بيكي، وكانت حينها لا تزال في عصمة زوجها رودون كراولي، في تمثيليات تحزيرية منظمة حول موضوع "العربدة الشرقية". وتبلغ هذه التمثيليات ذروتها في الفصل الثالث الذي تلعب فيه بيكي دور كليمانسترا (وهو الدور الذي لا يناسبها اجتماعياً، ناهيك عن ميلودرامية الدور الحمقاء القذرة).
إن ما يعد العدة لظهورها في ذلك المشهد هو الكاريكاتور التالي عن الخيال الشرقي المجنح:
ويحدث القسم الثاني من تلك التمثيلية، في الوقت الذي لا يزال فيه المشهد شرقياً. فحسن يتخذ، في ثوب آخر، وضعية زليخة المتصالحة معه تماماً. وكيسلر آغا أضحى عبداً طيعاً أسود اللون.إن الوقت وقت شروق الشمس في الصحراء، ولذلك فإن الأتراك يديرون رؤوسهم صوب الشرق ويحنون هاماتهم على الرمل، ولما لم يكن هنالك أية إبل في متناول اليد، فإن الفرقة الموسيقية تعزف بشكل فكه لحن "ها هي الإبل قادمة".ومن ثم يظهر في المشهد رأس ضخم لإنسان مصري. وهو موسيقار ويغني، ويا لدهشة المسافرين الشرقيين، أغنية من تأليف السيد واغ. وهنا ينطلق المسافرون الشرقيون بالرقص، كما يرقص بابا غينو والملك المراكشي في (المزمار السحري).(6)
وبعد هذا المشهد مباشرة تندفع بيكي على المسرح بدور كليما نسترا "في خيمة يونانية"، في ذلك الدور الذي ابتذل ثوبها وسكونها فيه يدفع أقارب زوجها لإدانة "معروضاتها غير المحتشمة".
ولاحقاً يرتب ثاكاري، وكأنه يريد أن يصل بتلك المسألة إلى أقصى ما يمكن أن تصل إليه، عودة ارتباط آميليا بوليام دوبين والاحتفال بذلك في (بومبرنيكل)، وهي البلدة الألمانية التي يشاهد فيها هذان الزوجان المناسبان بعضهما لبعض حفلة لأداء لا التمثيليات التحزيرية الشرقية بل (فيدليو) لبيتهوفن. وفي بلدة (بومبر نيكل) -طبقاً للوصف التفصيلي التام لثاكاري- يقوم ذلك الجسر الذي بناه فيكتور أورليوس الرابع عشر، "وفوق الجسر ينتصب تمثاله محاطاً بحوريات البحر ورموز النصر والسلم والرخاء، وقدمه فوق عنق تركي مطروح على الأرض".(7)
إن ثاكاري لا يشكل استثناء لما هو رأي مروّع تقريباً يحمله الروائيون والشعراء عن الشرق المسلم. فحكايات "ألف ليلة وليلة" مثلاً مقرونة بانتظام بالأحلام المجنحة للطفولة، وهي أحلام مفيدة، وهذا صحيح بيد أنها مطروحة بذلك الشكل الذي يتيح تناسيها سريعاً. تصوروا تصوير وردزورث لها في "المقدمة"، أو فكروا في الإعجاب الذي كانت تستثيره "ألف ليلة وليلة" في نفس نيومان أيام مراهقته، الأمر الذي كان له ميزة إضافية، في حالة نيومان، هي المساعدة في إعداده لاحقاً على الإيمان بالمعجزات. أو خذوا، من جديد، جين آير التي كانت تجد لها ملاذاً في روعة "ألف ليلة وليلة" وفي رومانسيتها اللامعقولة، ومهرباً من تجهم مطلع حياتها في منزل (ريد) ومن ثم لاحقاً في محنتها في مدرسة (لووود). وحتى آرنولد، الذي تدل قصائده العصماء نوعاً ما على أنه كان ينظر إلى تلك المادة نظرة جادة أكثر من غيره، مولعاً أحياناً بربط المبالغة الجمالية أو الأسلوبية بأشياء شرقية على العموم، وعلى الأخص بالفجاجة وقلة التحضر البذيئة. وإن أبرع الإشارات عن الشرق جاء بها عرضاً بايرون في (بيبو) حيث يقول:
عن ذاك كان بحوزتي فن الكتابة اليسيرة فماذا يجب أن تكون القراءة اليسيرة! وأنى لي أن أتسلق برناسوس، حيث عروسات الشعر يجلسن وينظمن تلك القصائد الجميلة التي لن تنقرض البتة، وأنى لي أن أسارع لطباعة حكاية آشورية أو سورية أو يونانية
(ياما أمتع الدنيا).وأسوّق عليكم عينة من أحلى عينات الاستشراق ممزوجة بالنزعة العاطفية الغربية!(8)

إن الجهود الفيلولوجية التي بذلها (لين) تبدو بمثل هذا السياق أكثر خصاباً وتفرداً منها في أي وقت مضى. فبالنسبة لمواطنيه كان الشرق مجرد ذلك المكان الذي يعمل فيه المرء أو يسافر إليه أو يجنّح مع توهماته. لقد كانت الفيلولوجيا الشرقية في إنكلترا موضوعاً ذا أهمية هامشية قصوى، أي مجرد موضوع فيلولوجي عام لا أكثر ولا أقل. وأعتقد أن من الصحيح أن نقول أيضاً أن الإسلام والمعارف العربية كانت، بالنسبة للمثقف الإنكليزي، تمثل على العموم تلك القيم والخبرات والأعراف والنزعات التي احتيازها في غاية اليسر، واستيعابها في غاية السرعة لخيال وقاد أو لطاقة قادرة على التجنيع المحبوك، حتى تكون جديرة بالاحترام. إن المعرفة المشرفية لم تحظ بأي مقام رفيع في إنكلترا إلا بعد أن مضى شوط طويل من ذلك القرن، وأطول بالتأكيد مما كان قد طواه في فرنسا بكثير، لا لأنه لم يكن هنالك أي واحد لا يعرف أي شيء عن الشرق بل لأن التشكيلات الثقافية في إنكلترا كانت تستمد حاجاتها، على نقيض فرنسا، من الدراسة الخاصة والجهد الفردي والتنور الشخصي، أكثر مما كانت تستمدها من الحاضرة والأكاديمية. ولذلك ليس من باب المصادفة في شيء أن توجد جذور الدراسة العربية والإسلامية في الموروث الإنكليزي الحديث لدى (لين)، ذلك المفكر الذي نسبياً ليس بالإنسان الأكاديمي ولا من سكان الحواضر، هذا في حين أن الموروث الفرنسي استهلته لا بل وجسدته أيضاً شخصية أساسية ومؤسساتية، أي ملكية بالفعل، مثل سيلفستردي ساسي.
فعن ساسي قال دوق بروغلي: "إن هذه المؤلفات الضخمة تتسنى للمستشرقين الذين تقاسموا فيما بينهم، علنا وجهاراً، آسيا برمتها، ألا وهي تلك المؤلفات التي تنكشف عن مواصلة حبها لحركات الصوت"(9).
هيا واسمحوا لي أن أقترح فرضيتين أو ثلاث لتوضيح هذا الفرق بين فرنسا وبريطانيا.
فالأولى هي أن المفكرين، في فرنسا بعد الثورة، خضعوا للتنظيم الملكي كي ينشروا إشعاعهم من باريز التي كانت تتحكم بهم تحكماً كاملاً تقريباً، وتمركزوا في معظمهم حصراً في مؤسسات الدولة التي كانت هدفها جعل المعرفة معتمدة على كل ما هو مأذون رسمياً من علوم وهيئات علمية ومعايير رصينة. ولقد جاء آرنولد بمثل هذه الملاحظة ولكنها كانت أضيق نطاقاً بكثير. وأما في إنكلترا، من الناحية الأخرى، فإن "التجميع الاجتماعي الجديد الذي تنامى على أساس الفورة الصناعية الحديثة ينكشف عن تطور اقتصادي مشترك واضح المعالم ولكنه لا يتقدم إلا تقدم السلحفاة في الميدان السياسي/ الثقافي"(10). وما يعنيه هذا هو أن التقدم الفكري في إنكلترا لم يكن متمركزاً، وإنما حدث جراء اقتران عضوي مع التطورات التي قامت في المضمار السياسي/ السوسيولوجي (ومن هنا جاءت هيبة وسطوة الاقتصاد السياسي)، في حين أن قيم طبقة تقليدية من ملاك الأراضي هي التي هيمنت على الثقافة في كل الزوايا كافة، مما يعني، في ميادين كالفيلولوجيا والدراسات التوراتية، أن الهيمنة كانت للآراء التقليدية التي لم تتأثر (حتى أواخر عام 1830، أو حواليه على الأقل) بالتطورات الثورية الأوربية.
وأما الفرضية الثانية فهي الفرضية التي اقترحتها أينما كان فيما يتعلق بالفرق بين الدراسات الشرقية البريطانية والفرنسية: فالإمبراطورية البريطانية كانت أقدم وأكثر اتساعاً من الإمبراطورية الفرنسية، كما أن مكانها في الحياة الثقافية الإنكليزية كواقع وكمصدر أو موضوع للمعرفة كان قائماً على اختلافها وبعدها عن المجتمع المحلي الوطني، فضلاً عن تسخيرها له أخلاقياً(11). فكروا ثانية برواية "مرتع الغرور" أو رواية "جين آير" وسوف ترون ما أحاول الإشارة إليه: ألا وهو الكيفية، مثلاً، التي يجري بها دائماً تنسيب جوسيا سيدلي إلى الهند ولاحقاً بالطبع إلى بيكي وكأن ثاكاري، على الرغم من الثروة الاستعمارية التي تتمتع بها سيدلي، كان يرغب في التوكيد على رفضه الأخلاقي والاجتماعي لاستيعابها في صميم المجتمع الإنكليزي الكيّس. وها هي بيرثا موريس، زوجة روشستر، امرأة هندية غربية، الأمر الذي يجسد حقيقة ما هي بالعرضية للدلالة على بربريتها، ومع ذلك فإن الواجب يقضي بطرد الأرواح الشريرة منها (أو الهيمنة عليها) قبل أن يستطيع روشستر الزواج من جين. فهذه هي الطريقة التي تحاول بها برونتي أن تقول لنا أن مواطني الامبراطورية الوافدين من الأطراف البعيدة مفيدون كمصدر ثروة أو كمحنة أخلاقية لكي يختبرها الرجال والنساء الإنكليزية، ولكنهم ليسوا البتة بشراً جديرين بالقبول في قلب المجتمع المتمدن. إن هذا النمط ليتكرر كثيراً في الكتابة الإنكليزية، ولكنني لا أقصد أن أقول أن الثقافة الفرنسية اتخذت لها موقفاً أكثر رأفة حيال مستعمراتها، بل إن تعاملها معها كان مختلفاً ليس إلا.
وفرضيتي الأخيرة، وقد تكون أكثر الفرضيات الثلاث أهمية، هي الفرضية المطروحة بأكثر الأشكال شفافية وتردداً. فيبدو لي في إنكلترا أن تحدي (الفيلولوجيا الجديدة) للدين كان مجهولاً إلى أن مر نصف القرن تقريباً، أي، إلى حين ظهور "مقالات وتأملات" في عام 1860 تقريباً.
إن الموقف الإنكليزي من اللغة، وفي أوساط الفيلولوجيين والشعراء بالأساس، كان موقفاً دينياً أو فلسفياً إلى حد كبير جداً. فهنالك لما يكن قد قام بعد حتى حينه ذلك الفصل القاطع بين الظاهرة اللغوية وبين الفرضيات المسيحية/ اليهودية عن أصول الأشياء (أو، فيما يتعلق بذلك الأمر، بين اللغة وبين نظرية فلسفية عن العقل) فصلاً كان سمة بارزة (للفيلولوجيا الجديدة) الأوربية. فلقد فهم كولريدج وشيلي، على سبيل المثال، مجرد تشكيلات اللغة كما كان يفهمها أي واحد في أوربا، ولكن لم يتجاوز أي منهما الأفكار عن اللغة التي كانت بمثابة معرفة بديهية لكوندياك أو هيردر أو روسو، أي قبلهما بجيل كامل، أي لم يكن أي واحد منهما، بكلمات أخرى، قادراً على فصل اللغة عن استجلاء الأفكار أو عن الدين. وعلاوة على ذلك لم يكن أي منهما، ولا الفيلولوجيا الإنكليزية كميدان بالتأكيد، قد فهم على ما يبدو اللغة بتلك اللغات الدنيوية، اللغوية المحض، التي جاءت بها (الفيلولوجيا الجديدة).
لقد جئت بهذه الافتراضات الثقافية كمقدمة لموضوعي الرئيسي الذي يتناول لا عمل رينان وماسينون وحسب بل والكيفية التي انطوى فيها عملهما على السلطة الثقافية المركزية التي كانتها في فرنسا، والكيفية التي كان بها عملهما معروفاً ومقبولاً من جمهرة المثقفين الفرنسيين على نحو أفضل مما كان عليه عمل نظرائهم في إنكلترا. إن ما أريد تبيانه هو أن رينان وماسينون كانا جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الفرنسية كل في حقبته -رينان من 1850 إلى 1900 وماسينون من 1900 إلى 1960- كي يخلعا على عملهما عن الإسلام وحتى على الإسلام نفسه منزلة وسلطة بالنسبة للجمهور الثقافي غير الاستشراقي أكبر بكثير مما كان من الممكن أن يتاح في إنكلترا ولربما في أي مكان آخر في الغرب. وبكلمات أخرى، مع الأخذ بعين الاعتبار مواهبهما الفذة ككاتبين نثريين ذوي أسلوب عظيم وكدارسين إسلاميين عظيمين، فإن من الجدير أن نحاول فهم الكيفية التي أتاحت وجود رينان وماسينون في فرنسا فقط، لا في إنكلترا وبالنظر لبعض الأسباب التي جئت على ذكرها حتى الآن. وأنا لا أقصد أن أظهر بمظهر القائل أن الثقافة الفرنسية هي ما أنتجت في رينان وماسينون دارسين للإسلام أسمى بالضرورة من أمثالهما في إنكلترا أو في أي مكان آخر. إن المقارنة مع إنكلترا ما هي بمنتهى البساطة إلا طريقة مفيدة لتبيان الفرق المذهل في الإنتاج والأسلوب الثقافيين.
ولكن هنالك شيء ما يجدر قوله عن أمثال هذه الفروق في الأسلوب والإنتاج. فدراسة الإسلام في الغرب كانت تعيش أزمة حادة. إن الاستشراق الغربي صار يواجه، للمرة الأولى في تاريخه، تعديات على ميادين دراسته الموقوفة عليه من قبل فروع دراسية أخرى (كالعلوم الاجتماعية والماركسية والتحليل النفسي) ومن نفس المنطقة التي كانت هدف الدراسة، والتأثير الإيجابي الخالص لأمثال هذه التعديات هو أن الاستشراق صار لأول مرة مطلوباً منه أن يتفحص بشكل انتقادي لا مجرد صواب أو خطل أسطورته ونتائجها الشكوك وحسب، لا بل وأن يتفحص أيضاً علاقته بكل من الثقافة التي استقي منها والفترة التاريخية التي جيء فيها بأفكاره الرئيسية. وهذا ما يقود إلى السؤال التالي:
كيف يكون الاستشراق قادراً على مساءلة نفسه هذه الأسئلة الحساسة، مع التسليم جدلاً بتكوين الاستشراق كميدان خاص ذي مضمار وتقاليد وتطبيقات علمية قابلة كلها للتمييز؟ وأتصور أن من الصحيح أن نقول أنه في فرنسا، حيث لعبت دراسة الإسلام دوراً مركزياً كرمى له ذاته أكبر بكثير منه في أي مكان آخر في أوربا، تجلت الروابط بين الاستشراق في إطاره العريض، وبين الثقافة والتاريخ المعاصر، على أنها أكثر بروزاً وأكثر وضوحاً وأكثر أهمية لفرع الاستشراق منها في أي مكان آخر.
ولذلك فهنالك قيمة هائلة في دراسة شخصيات نموذجية وشيقة ضمناً من أمثال رينان و ماسينون نظراً لأن مثل هذه الدراسة قد تبين لنا التعاون الواضح بين عملهما وثقافتهما: إذ من خلال الدراسات التاريخية والنقدية يتمكن المستشرقون والمؤرخون الثقافيون والفكريون ونقاد العالم الثالث للاستشراق التقليدي من أن يصدروا حكماً أفضل على الطابع الأقل وضوحاً لدراسات حيز ما" كالاستشراق في الثقافات (كهذا على سبيل المثال) الذي تستند مزاعمه لدراسة مجتمعات أخرى لا على الرأفة ولا على المقام الثقافي بل على موضوعية علمية وفضول فكري نزيه. فرأيي هو أنه حتى لو كان كل من ماسينون ورينان عبقرياً، وكل بطريقته الخاصة، وهني البال مع الثقافة التي كان يخاطبها والتي كانت تعترف بفضله، فلم يكن أي من هذين الرجلين قادراً على أن يفحص بشكل انتقادي تلك الفرضيات والمبادئ التي كان يعتمد عليها عمله. ولسوف أجادل ضمناً أن الميادين الإنسانية المحافظة على تماسكها لا بالنقد ولا بالمعرفة الفكرية، بل بالمقام الاعتباطي للثقافة (كما في فرنسا) أو بالعلم (كما في العالم الأنكلو ساكسوني)، تمحو إمكانية نوع قيم من النقد الذاتي الراديكالي الذي كان يعني، في حالة الاستشراق، الطمس الكامل لتوفر أية إمكانية للاعتراف بأن "المشرق" بحد ذاته شيء أسير التأليف، أو بكونها راغبة في الإقرار بدور السلطة في إنتاج المعرفة. ولقد كانت النتيجة، بالنسبة للاستشراق، تثبيت الذات بالذات والتستر بالطلاسم، مع تقلص حظوظه تقلصاً كبيراً في فهم رؤوف له من قبل ثقافات أخرى، أو من قبل الثقافة نفسها.
وأما من ناحية أخرى فإن رينان وماسينون يساعداننا على معرفة قسط كبير عنهما لا كمجرد رجلين في جعبتهما أشياء نيرة يقولانها عن الإسلام، بل وكرجلين يكشفان العمليات التي تصاغ بها المعرفة. والشيء الشيق عل وجه التخصيص هو أن مشكلاتهما الشخصية واهتماماتهما ونزعاتهما تشكل قسطاً كبيراً جداً من عملهما وموقعهما العامين كمستشرقين. فنحن لن نرى أن الإنسان الخصوصي لا يتدخل في شؤون الإنسان الدارس وحسب، وإنما على العكس من ذلك لأن الاستشراق الفرنسي عمل على تعزيز الشخصية ثقافياً، لا لأن تعزيز الشخصية كان أمراً يسيراً بل لأن علاقة الشخصية بالثقافة كانت شيئاً ذا أهمية قصوى(12).
وهكذا علينا أن نقرأ في ماسينون ورينان وصفاً للعلاقة بين المعرفة وبين الظروف الثقافية والشخصية، والتاريخية بالتأكيد، التي يتم فيها إنتاج المعرفة- وليس من باب المصادفة في شيء أن كان رينان وماسينون معاً حساسين حساسية خاصة تجاه المشكلة، على الرغم من أنهما واجهاها بطريقتين مختلفتين تماماً. إن كلا الرجلين يوظفان نوعاً خاصاً من أنواع الأنتروبولوجيا الثقافية المقارنة، أكثر دقة ومتعة لا أقل، مع أن السلسلة الهرمية التي يستخدمها رينان لإجراء المقارنات لسلسلة أقرب ما تكون إلى السطح، ولذلك فإنها أكثر وضوحاً وصلابة مما هي عليه عند ماسينون. ومع ذلك فإننا نلاحظ أنهما في المكان الذي يوشكان فيه أن يدركا الإسلام، يضلان طريقهما إليه في الوقت نفسه أيضاً. فهذا الدارس منهما يفهم الدين بمصطلحات دنيوية ولكنه لا يفقه في الإسلام ذلك الشيء الذي لا يزال يغذي أشياعه تغذية أصيلة، والآخر يراه بمصطلحات دينية ولكنه يتجاهل إلى حد كبير الفروق الدنيوية التي تقوم في صميم تنوع العالم الإسلامي، وفي كلا هذين الشاهدين، إذاً، يرى الاستشراق نفسه ويصاب بالعمى مما يراه.

***
واحد من الأشياء التي جذبت بالتأكيد ولا بد ماثيو آرنولد إلى ايرنست رينان لم يكن مجرد أن كتابة رينان كتابة مستنقعة بخبرة المجيء بعد فوات الأوان وحسب بل وأن رينان يقدم كل المؤشرات على أنه تخطى تلك المشكلة بمنتهى النجاح. ولكن بالنسبة لآرنولد فإن المجيء بعد فوات الأوان يعني حزناً عميقاً على المعاش في عصر لا يشبه عصر أثينا البريكليسية ولا عصر إنكلترا الأليزابيثية، مع العلم أن هذا الشعور يتخلل نثره أينما كان، ففي قصائد مثل "شاطئ دوفر" و "كنيسة روكبي" و "أشعار الذكريات" المنظومة في عام 1850، هنالك ما ينم عن مشاعر الأسى والغم لكونه افتقد في ذلك العصر شخصية عظيمة كانت تشيع في نفسه الطمأنينة -أباه ووردزورث وغوته. إن الورطة الجديدة التي صار يعيشها آرنولد هي أن ولادته كانت بعد اختفاء عصر خلاق عظيم أو اختفاء شخصية أخلاقية خلاقة عظيمة.
وهنالك ورطة مماثلة بالنسبة لرينان باستثناء أن الفاجعة الكامنة في فقدان شيء ما سرعان ما تحولت مما كان معرضاً أن يكون صدمة شخصية شلاء إلى ظفر عام، ثقافي بالأساس، بالقوة والبهجة والثقة. فكتاب "ذكريات الطفولة والشباب" يتحدث في آن واحد معاً عن فقدانه تزمته الديني والاستعاضة عنه على نحو موات بالفيلولوجيا والعقل و "علم النقد". وإن لدى رينان شيئاً طفيفاً من الاستبطان السقيم -لكنه ليس البتة في شيء من ذلك الحوار الأخفش الذي يتحاوره العقل مع ذاته لدى آرنولد- حتى وهو يتحدث عن نفسه في كتاب "ذكريات.." قائلاً أنه كان في حرب مع نفسه، إذ كان رومانسياً ضد الرومانسية، كتلة من المتناقضات، هذَّار في حديثه كالهذر الذي كان يتحدث به اللاهوتيون السكولاستيون. فدونما حرج قال رينان عن نفسه بأنه كان يفكر كرجل ويشعر كامرأة ويتصرف كطفل، غير أن طريقة المعاش هذه عادت عليه، كما يقول بضرورة ليس بقليل، "بأروع بهجة فكرية ممكنة"(13) إن الجدل اللاهوتي بين الطلبة الشباب في المعهد اللاهوتي كان يتخذ طابع الشكل النصي الواقعي، والفضل كل الفضل يعود لـ (لوهير)، أستاذه الفذ، الذي ساعد رينان على قراءة النصوص المقدسة بلغاتها الأصلية. "فلقد ثبت لي حياتي (م. لوهير)، إذ كنت بالفطرة فيلولوجياً، وكل ما أنا عليه الآن كدارس كان بفضل (م. لوهير). (14) وصادف أن تضمن هذا تلك الحقيقة التي مفادها، وفقاً لما قاله رينان نفسه، أن كلا الرجلين كانا "أنصاف مستعربين" (arabisants médiocres) .
إن النموذج الفكري الذي يدأب رينان على تدوينه دائماً هو ذلك النموذج الذي يمكنه من الإعتراف قائلاً: "وبالنتيجة تغيرت في حياتي تغيراً طفيفاً، وما ذلك إلا لأن القدر أحكم وثاقي وفق مشيئته.
وخصص لي منذ طفولتي الدور والمهمة اللذين كان علي إنجازهما مستقبلاً.(15) فللتعبير عما يعنيه أن يعيش المرء بعد استسلام معتقد ديني متكامل للتصدعات التي صدعتها فيه العقلانية - تلك هي المهمة التي أفصح عنها رينان. بيد أن ما يتعلق بتلك المهمة لهو أكثر من ذلك، كما ستكشفه تواً قراءة دقيقة. إن قسطاً وافياً مما كتبه وبحثه رينان منظم حول إشكالية زمانية وسيكولوجية خاصة بعض الشيء. فرينان، على غرار فيكو وروسو، تقبل الفكرة القائلة أن أصول اللغة والدين كانت لحظات إلهام مشابهة للنشوة الشعرية، أو ربما للنشوة الدينية “raptus” ولكن رينان على نقيض أي واحد من سلفيه لا يبذل جهداً حقيقياً لإعادة بناء، أو حتى لفهم، ما كانت عليه تلك اللحظات فيما يتعلق بمسألة خارجية. إن الإلهام لشيء يقرنه رينان دائماً بحدث حدث مرة واحد وكفى في حيز يستحيل بلوغه، حيز أقدم من زمانه وخارج إطاره أساساً في آن واحد معاً. وحين بدأ رينان بالتعارك مع أصل اللغة في عام 1848 كان راغباً تماماً بالتسليم أن الله قد يكون استهل الأشياء كافة "بالمعنى الذي من الممكن فيه نعت الله، بعد أن وضع في الإنسان كل ما هو ضروري لابتكار اللغة، بأنه كاتب اللغة". ولكن أن يتحدث المرء عن الله بهذا السياق يعني أن يستخدم، كما يتابع رينان أقواله: "عبارة وحيدة ومقلوبة" ولا سيما حين يكون هنالك مزيد من العبارات الطبيعية والفلسفية التي بوسعها القيام بذلك العمل"(16).
من المحتمل أن يكون الإلهام قد حدث أو لم يحدث، بيد أنه ليس بحال من الأحوال ذلك الشيء الذي يحاول رينان تجديده. إن ما يعتبره شيئاً مفروغاً منه هو أنه على الأرض كي يبين الكيفية التي من الممكن فيها لأشياء أخرى أن تحل محل الهيجان البدائي أو الإلهام الأصلي- إلى ذلك الحد الذي صار فيه التاريخ بالنسبة إليه مكافئاً تماماً لكتابته عن التاريخ، ومن الممكن للواحد منهما أن يحل محل الثاني، فمهمة رينان هي القول: إنك لن تستطيع أن تختبر ماضي الزمان، وإنك لن تستطيع أن تغامر بتضييع نفسك في ندب ضياع عالم بدائي بغيض وإلهام كما جنة عدن، لا تنظر إلى ما ضيعته في الواقع بأنه ضياع، لا بل وانظر إليه عوضاً عن ذلك بأنه فضيلة مواجهتي، ومواجهة كتابتي.
ولكن نادراً ما يصاغ هذا الادعاء العام للاتكال على الشخص المحض لرينان ككاتب أو عالم، وذلك لأن كتابته تشكل قسطاً من تلك المغامرة التي تتخطى حدود المغامرة الشخصية التي يدعوها "بالعلم أو علم النقد" في معظم الأوقات، والتي يكمن سبب وجودها لا في أنها تحل محل الإلهام ومحل الأفراد الذين يدعون حيازة الإلهام، بل في أنها أعادت تنظيم الوجود وأي إدراك للوجود بتلك الطريقة التي تجعل الإلهام الديني غير ضروري، إن ثقة رينان فيما تفعل واكتئابه من مهمته لا يتأتيان عن المهمة وحدها وحسب، بل يتأتيان عن كونها محط وساطة ومشروعية شخص عظيم أو مؤسسة عظيمة.. وإن ما رآه رينان بمنتهى المكر، وبمنتهى الصواب على ما أظن، هو ذلك المدى الذي كانت تعتمد فيه أمور من أمثال العبقرية والوحي أو الإلهام على توهمات الفرد أو على مواهبه الفطرية أو عباداته الشخصية. فعلى نقيض التلميذ الغجري الذي كان، لدى آرنولدد، ينتظر عبثاً هبوط وميض من السماء، انطلق رينان منطقياً بمسعاه الجاد كعالم عموماً، وكفيلولوجي خصوصاً، استناداً إلى ذلك التصور الذي مؤاده أنه إن كان هنالك ثمة سماء أو وميض، فإنه لن يكون الإنسان الذي سيستفيد منهما، فزمانه ما كان بالزمن الماضي- ألا وهو ذلك الموضع الذي يضع المرء فيه النسغ الأصلي "originale séve” الذي أشار إليه في حديثه عن الأيام الأول للوحي الديني- وإنما الزمن الحاضر، بل والمستقبل لو توخى الدقة. ولذلك كان من الضروري الغوص في معارف كالفيلولوجيا التي ابتعدت بالتاريخ عن المشكلات الوجودية للوحي الديني وجاءت به نحو ما كانت دراسته ممكنة، نحو تلك الأشياء الحقيقية التي كانت لا تزال تؤرق الجنس البشري بعد مضي ردح طويل من الزمن على خمود جذوة الهيجان البدائي (أو الوحي الديني فيما يتعلق بذلك الأمر) خموداً تاماً. وهكذا فإن الحياة المسلكية لهذا الإنسان حازت على صياغتها في صميم هذا الواقع اليسير المنال، أي في الثقافة الحديثة كما عرّفها رينان بالطبع، وتحت إشراف أساتذة مثل (لوهير) الذي أكد على أصالة المواهب الثقافية لدى ذلك الشاب.
ولكن الفيلولوجيا لا تحل بمنتهى البساطة محل الدين أو الموقف الديني حالما يبادر المرء لدراسة اللغة، بل إن الفيلولوجيا، بناء على ما يقوله رينان في "أصل اللغة" تحول اهتمام الفرد من احتمال كون اللغة نتيجة سبب خارجي وسابق (كالله مثلاً) إلى اليقين بأن اللغة كانت "تلك العضوية التي تتمتع بحياة خاصة"، الأمر الذي يوجب دراستها في "علم الحياة". وهكذا فإن الفيلولوجيا تأخذ اللغة وتعيد نقلها من الماضي إلى الحاضر، وتعيد تنظيمها ضمن "ميدانها الحقيقي"، أي ضمن "الشعور النقدي" الذي يفعل فعله في الحاضر وفي المستقبل أيضاً. وهكذا فإن مهمة الفيلولوجي يجب أن تكون الربط بين تلك اللحظة التي تلت تواً ومباشرة نزول اللغة وولادتها وبين الزمن الحاضر، وبعدئذ تبيان كيفية كينونة الشبكة الكثيفة للعلاقات بين مستخدمي اللغة واقعاً دنيوياً عنه سينبثق المستقبل. ولقد ظل رينان أميناً أمانة فائقة لهذا المشروع: فكل دراساته الدينية والفيلولوجية العميقة عالجت ما بمقدونا أن ندعوه بالعقابيل، أي تلك الحالة التي أعقبت للتو الحالة البدائية والتي شكل وجودها الوحيد، بالنسبة للفيلولوجي، لا شكل إيمان المؤمن أو شكل التعاقب النبوي أو شكل جماعة حية، بل مجموعة من النصوص التي تتيح للفيلولوجي أن يميز فيها كل تلك المساوئ والفضائل الخبيئة خلف السجود في الصلوات والإعلانات عن الإيمان والآلام التي عاناها الشهداء فلقد قام رينان بعمله بأدوات استقصاء حديثة، وكانت نقطة انطلاقه نقطة انطلاق محترف دنيوي أحكامه اعتمدت على تلك الحقيقة التي لا يرقى إليها الشك، والساخرة إلى حد كبير، والتي مفادها أن الثقافة، على الرغم من الوحي، تقدمت بالعلم الذي خلّف الدين وراءه على بعد أشواط وأشواط.
إن وجهة النظر هذه هي المسؤولة بالتحديد عن رؤية رينان للإسلام رؤية راديكالية لا تقبل المساومة. ولكن قبل إقدامي على بحث ذلك يجب علي أن أقول بضعة أشياء إضافية عن آراء رينان بخصوص الثقافة والعلم.
إن النص العويص هنا هو "مستقبل العلم" المنشور في عام 1890 بيد أنه مكتوب أصلاً في عام 1848. ويجب علي بادئ ذي بدء أن أعترف بأن الثقة العمياء للكتاب ومناخ الإجلال الذاتي فيه أمران منفران. ولكن الكتاب، كائناً ما يكون وضعه، كتاب هام جداً بالنسبة لرينان، ففيه يتقصد بمنتهى الوضوح أن يضع نفسه في صميم الثقافة الحديثة -التي هي في جوهرها فيلولوجية كما يقول -الأمر الذي يسوقه للدفاع عنها بنفس المقدار الذي يتحدث فيه عنها. إن العنوان ليفصح عن أن العلم هو المستقبل ويفصح، أكثر من ذلك، عن أن العلم سوف يغير الحياة البشرية إلى ذلك الحد الكبير الذي سيتيح حتى إدراك الله نفسه. "ولما كان القول الفصل للعلم الحديث فإنه رتب الإنسانية بشكل علمي... وبعد ترتيبه الإنسانية سيرتب أمر الله"(18) والشيء الممتع هو أن رينان يرى هذا الأمر على قدم وساق كنتيجة لتغيّر المنظور الذي نجم عن الاكتشاف العلمي الحديث. وهكذا ففي الوقت الذي كان فيه العالم القديم (وقد كان يعني بذلك العلم الديني) مغلقاً وضيقاً، فإن العالم العلمي الجديد الذي خلقه (همبولت) لعالم مفتوح وغني ومليء بالاحتمالات. فهنا تم إلغاء الماضي إلغاءً تاماً، وإعادة تقييمه بناء على معايير جديدة، وتحويله إلى شيء لا يستطيع استغلاله والعربدة فيه والشعور حياله بشعور الإبداع إلا العقل الجسور والاستقصائي عقلانياً(19). وإن ما يقصده رينان ضمناً بمنتهى الوضوح، على الرغم من أنه لا يقوله بصراحة، هو أن الثقافة الفيلولوجية التي هو ممثلها الموثوق تهيمن على ذلك الميدان العقلاني الذي برز كنتيجة للاكتشاف العلمي الحديث. وبناء على ذلك فثمة ثلاثة مواقع متحدة المركز تحظى بالمشروعية. فعلى السطح الخارجي يقوم الغلاف المادي الذي تقوم أقدم تخومه بتحديد المكان الذي يبرز منه العالم المفتوح اللاحق للعالم البدائي، وفي صميم ذلك تقوم الثقافة نفسها، تاريخية وفيلولوجية، في معالجتها كل نواتج التاريخ البشري، وفي صميم هذا الموقع الثالث، في قلبه، يجثم الفيلولوجي الذي يدفع بنشاطه التاريخ البشري إلى الأمام. إن كل موقع من هذه المواقع وكل مكان من هذه الأمكنة يعزز الآخر، علاوة على أن أي موقع من الثلاثة يجعل الاثنين الآخرين ممكنيين. "أنا الذي نقش اسمه في الصميم كي ينشر العطر على كل شيء.
وهأنذا أنظم وأقارن لكي أتوصل من ثم إلى منهج الأشياء(20). فعلى الرغم من أن تلك الأنا (moi) المتغطرسة تبدو وحيدة بأم عينها، فإنها في الحقيقة تحظى لها بالتعزيز من كل أنواع المؤسسات والشخصيات التي تمنحها السلطان والوقار: فلا همبولت وحده، بل وكوسين وبورنوف ولوهير وكوفييه وسانت هيلاري -كلهم كرينان يلعبون دوراً مركزياً بالنسبة للفعاليات الأساسية في الحياة الحديثة.
إن مقارنة عاجلة بآرنولد لشيء تنويري هنا: ففي كتاب "الثقافة والفوضى" قال آرنولد عن الناقد بأنه إذا لم يقع فريسة للمصالح الطبقية الضيقة (برابرة أو رعاع أو همج) وإذا أراد أن يكون ناقداً نزيهاً بالفعل، يجب عليه أن ينتمي إلى زمرة جريئة مكونة من رجالات الثقافة. وإن هؤلاء المخلوقات هم من يمكن أن ندعوهم بذوي المرتبة المتواضعة، ومن الواضح وضوح الشمس أن رينان ليس واحداً من هؤلاء. فكل ما حوله ينشر إشعاع سلطان المؤسسات المركزية الكبيرة كالمدارس والمعارف والهيئات الثقافية وزمر التعاون المنظمة كلها على شكل تسلسل هرمي من عمال علميين. إن مثل هذا الجهاز الدائر بمنتهى الرفق بالنسبة لرينان، لا كما دعاه آرنولد بالآلية وحسب، هو الفيض الحقيقي للوجود التالي للوجود السريع الزوال. وبعيداً عن معالجة رينان لهذا كله وكأنه مجرد ملحق ثانوي لسقم الحياة بدون إلهام، فإنه يطلق حكمه على هذا المشروع الكثيف برمته بأنه الحياة الحديثة، وبأبهى مظهر لها.
فلا عجب إذاً أن يظهر الإسلام بهذا المظهر الرديء جداً. وذلك لأن الإسلام، كما قال رينان في مناسبات عديدة جداً، هو ذلك الدين الذي لم يتظاهر مؤسسه البتة، حتى مجرد تظاهر، بالقداسة، ولم يتظاهر بالأصالة الحقيقية أكثر مما سبق بكثير. فلئن تمكن رينان من معالجة أديان منظمة كاليهودية والمسيحية بأنهما جاءتا بعد تصادف مؤسسيهما بالمقدس، فكيف كان بمقدوره أن يعامل محمداً معاملة مختلفة عما عامله كآخر وافد من الوافدين بعد فوات الأوان؟ فلا سر ولا معجزات ولا قدسية، ولا حتى نساء كما يقول في فقرة رائعة حوالي نهاية كتابه المعنون بـ "محمد وأصول المذهب الإسلامي"(21) إن الإسلام بكلمات أخرى مفتوح كله على الحاضر، ولن يبقى على قيد الحياة في المستقبل، علاوة على أنه لا يقدم أي شيء مهم لأي إنسان يحاول إحياء ماض ديني غامض في غابر الأزمان. إنه عقيم وعاجز عن تجديد نفسه تجديداً حقيقياً، ولسوف يتلاشى برمته تحت تأثير العلم الغربي الحديث.
إن تلاشي الإسلام لهو الشيء الذي تعهد رينان التعجيل به إلى حد معين، وقد فعل ذلك بالإصرار على آرائه عن الثقافة والعلم إصراراً يفضي إلى فتور أكيد. ففي عام 1883 ألقى محاضرة في السوربون بعنوان "الإسلام والعلم" وكانت بمثابة ملحق مناوئ لـِ "مستقبل العلم": فالإسلام في هذه المحاضرة هو النقيض عينه للعلم والمستقبل. إن أكثر الأشياء التي تتكشف عنها المحاضرة إصرار رينان على أن الثقافة الإسلامية هي حصراً لا بالعلم ولا بالفلسفة (كما كان قد أكد كتابه عن ابن رشد)، بل مجرد لغة (وشاهده هنا هو أبو الفرج). فلغة الإسلام، وقد انقصّت من جذورها في إلهام قديم، أو حتى في علاقة حميمة مع القداسة، ليست باللغة الملائمة لتغذية العلم. إن الإسلام ولغته العربية، على النقيض مما قيل آنفاً، يجسدان الكراهية للعقل، ونهاية الفلسفة العقلانية، وعداوة متواصلة للتقدم. "لم يكن الإسلام، بالنسبة للعقل البشري، إلا مؤذياً.(22) فلم بالضبط؟ لأنه جعل من البلدان التي حكمها "ميداناً مغلقاً". أي أن الإسلام، بكلمات أخرى، أعاد الإنسان إلى عالم البدائيين المغلق وابتعد به عن العالم المفتوح للعلم الحديث.
فيما أن الإسلام جاء بعد اليهودية والمسيحية بزمن طويل، فقد ارتبط بعصر أقدم، عصر الجهد البشري الجهيض الواهن الذي لم تكن لديه ذكرى الإلهام الفياض بالحيوية المطلوبة لإرشاده. وهكذا فإن خدمته لمن يمارس الثقافة الأوربية الحديثة كانت بمثابة الدليل السلبي لقانون التقدم.
إن المغالطة العجيبة في صميم رؤية رينان للإسلام لا تجد لها حلاًّ إلا حين نفهمه بأنه يستبقي الإسلام حياً لكي يباشر تقويضه، في كتابته الفيلولوجية، معاملاً إياه كدين لا لشيء إلا لكي يبين الجدب الأساسي في جوهره الديني، مذكراً إياناً أن الإسلام، حتى لو كانت كل الأديان أساساً بمثابة الحواشي الملحقة بإلهامات تلاشت إلى الأبد، كان مهما لأي فيلولوجي كحاشية لحاشية أخرى ليس إلا، كأثر لأثر آخر وحسب ولما كان الواقع على هذا النحو فقد كان يشكل تحدياً للفيلولوجي الذي، في حديثه دفاعاً عن الثقافة الغربية، كان يثبت المنزع الدنيوي الجديد في ذلك الحيز الفارغ المفتوح لا نظراً لاضمحلال الدين، كما كان يعتقد رينان، بل نظراً للامبالاة جوهر الدين نفسه بالعلم والثقافة تلك اللامبالاة المتواصلة، ألا وهو ذلك الجوهر الذي كان يعود إليه على غير دراية منه في كتاب إثر كتاب آخر وخلاّه بلا مساس تماماً.
فرينان لم يعالج البتة بالفعل الواقع الدنيوي للأديان في إصرارها على وجودها كما هو عليه واقع الأمر بالنسبة للإسلام، أي تلك الأديان التي لا يزال بمقدورها أن تحافظ على وجودها وأن تكون قوية حتى في عصر بوسعه أن يبرهن ثقافياً بدون أدنى شك على أن الدين شيء من غابر الأزمان. وإن هذه الورطة هي الورطة الثقافية لرينان وبؤرة العمه فيها كائناً ما كان عمق اعتقاده بنفسه أنه قد تحظى الدين وتسامى عليه.
إن كل ذلك العمل الضخم الذي أنجزه ماسينون يتوجه صوب هذه المسألة بالضبط، أي مسألة بقاء الدين على قيد الحياة: فماسينون يجلوها ويعيشها مرة أخرى ويتعلق بها، ويكتبها ويعيد كتابتها بعبقرية وتبصّر لا نظير لهما. وما هذا القول إلا طريقة أخرى للقول بأن المهمة الفيلولوجية الكامنة في صميم الثقافة الفرنسية تتعرض للتحول التام على يدي ماسينون. فها نحن الآن نتعامل مع عقل ذي شأن من نوع آخر، ومع خبرة عميقة ورائعة حتى إن تماثلاتها ودعاماتها الثقافية الجليلة ما هي إلا جمالية وسيكولوجية، وما هي بالمؤسساتية والأكاديمية كما كانت عليه الحال لدى رينان. ولكي نفهم ماسينون علينا أن نقدم كل شيء أفضل، أي على قراءة مالارميه ورامبو أكثر من قراءة سيلفين ليفي. ومع ذلك فالنظرة إلى ماسينون يجب أن تكون أنه، بشكل لا يقل عن رينان، ضمن تلك البنية العظيمة كهيمنة الفرنسية على العالم الإسلامي هيمنة ثقافية وسياسية واستعمارية. فكل منهما، بطيقة مختلفة جداً، يسلم جدلاً أن هنالك مهمة فرنسية خاصة للعالم الإسلامي وفيه، ولكن في الوقت الذي كان رينان يراها تكوين رأي عنه ابتغاء الفتك به في خاتمة المطاف، كان ماسينون يراها وجوب تفهمه والشعور بالرأفة حياله ومن ثم البقاء في آخر الأمر على انسجام مع كروبه وحاجاته وورطته القدسية. إن الموقف المعرفي لرينان من الإسلام هو، إذاً، موقف تعرية له وإصدار حكم عليه، في حين أن موقف ماسينون موقف الاحتضان والتقارب الودي. فما كان أي منهما ليشك بأن من الممكن للإسلام أن يكون موضوعاً للدراسة أمام الدارس الأوربي، باعتبار أنهما يفترضان بداهة أن الدراسة المعمقة تحل كل العقبات، وتيّسر احتياز كل الأشياء، ويمكنها تصوير أي شيء، بالحكم النقاد والنبذ بالنسبة لرينان، وبالرأفة الودود بالنسبة لماسينون.
إن ما هو على أوثق ارتباط بالموضوع بالنسبة لكل من يحاول أن يفهم نقدياً جوهر الاستشراق الحديث هو أن المرء ليواجه في قراءة رينان عقلاً نيراً قادراً على الإتيان بكل أنواع الفروق الدقيقة، ورجلاً يتجسد مشروعه الرئيسي في طي صفحة الإسلام. وإن رينان، لا الإسلام، هو الذي يخلف المرء في خاتمة المطاف طبعاً وبحوزته الانطباع عن شيء محدود وسطحي وغير حماسي. والعكس هو الصحيح عن ماسينون الذي سأحاول في بقية هذه المقالة أن أشير إلى بعض الطرائق التي يتحدى بها هذا المتبحر العظيم التحليل الروتيني، والذي يمكن اعتباره أيضاً جزءاً من الاستشراق. ففي عمله، الذي يغطي تقريباً الستين سنة الأولى من هذا القرن، يجد القارئ تجسيداً لا لمجرد تلك البانوراما الهائلة للثقافة الفكرية الفرنسية وحسب (في نسختها الكاثوليكية الرفيعة)، بل ويجد أيضاً أعظم المشكلات الكامنة في الاجتياح الاستعماري وفي الانسحاب الاستعماري. وعلاوة على ذلك فإن ماسينون يعالج أموراً معقدة كحركة الإصلاح في الإسلام، والعلاقة بين الإسلام والمسيحية والمجابهة بين العلم والوحي وعلم اللغة والأنتروبولوجيا، ومواجهة التحليل النفسي للفيلولوجيا والدين والإيمان، ويكشف قبل هذا وذاك عن تلك الصراعات التي يخوضها عقل مصقول وقوي إلى أبعد الحدود إبان تعامله مع معظم مؤسسات الإيمان ومع الثقافة التقليدية والحديثة سواء بسواء، وهو في غمرة نشاطه الدائب في الحكومة والأكاديمية والكنيسة.
فماسينون هو النقيض الحقيقي لرينان في مسألة الوحي. إذ في الوقت الذي يتحدث فيه رينان ويكتب بعد أن كان قد قرر سلفاً أن الوحي لم يعد يتعارض مع الحداثة، فإن مجمل الحياة المسلكية لماسينون تنبثق من قلب لحظة وهي في عام 1907. وهاكم هنا كيف يصف تلك اللحظة بلغة إنكليزية طريفة ومغلوطة بيد أنها مثيرة للأشجان إلى حد ما:
بعد دراستي السنسكريتية (ومخطوطات آنغور) عمدت لدراسة العربية والبلدان المسلمة، وسافرت طيلة سنوات على تخوم الصحراء العربية في أفريقيا وآسيا، وخضت كما يجب غمار صراعات عديدة، وعلى حين غرة داهمني نور الوحي. ومع أنني كنت متخفياً ووقعت ضحية الأسر على تخوم الصحراء وحقول الأرز في العراق، فما كان بمقدوري أن أتخلص من ضربة الشمس عند الظهيرة والحفاظ في الوقت نفسه على الومضات الخفيفة عند الفجر لتلك الأساطير الشعبية السلفية. وفضلاً عن ذلك عادت هذه الأساطير الشعبية حية في ذاكرتي حين اكتشفت في الإسلام رموزاً دينية مماثلة للثقافة التقليدية عند الفلاحين، وخاصة في إسلام بلدان الرياح الموسمية الممتدة من الجزيرة العربية ذات البخور إلى إندونيسيا ذات التوابل(23).
هذا مكتوب في عام 1959، أي قبل وفاته بثلاث سنوات، فماسينون يربط تلك الخبرة بالتبجيل المفاجئ الذي يحل به أبوه الفن الياباني في عام 1890، ذلك التبجيل الذي صار يشعر، على أثره، بنوع من التوقير تجاه حتى الورق الذي كانت التصاوير منقوشة عليه. إن ما كان عليه الورق بالنسبة للأب صارت عليه اللغة بالنسبة للإبن. "إن الكلام البشري ما هو إلا نداء شخصي برز إلى الوجود كي يخرجنا من أنفسنا، من بلادنا، من تربتنا، وليذهب بنا باتجاه الحب"(24). وهنالك شيء من التماثل لكلا مظهري هذه الخبرة في الاكتشاف الثاني الذي اكتشف فيه مارسيل "فرانسوا لوشامبي" لجورج صاند في مكتبة غورمانتس، حوالي نهاية "الزمن الموجود" لبروست. إن دمجاً لا إرادياً لوضعين منفصلين يجتث بلمح البصر على ما يبدو كروب المسافة والزمان والهوية. فما يفهمه ماسينون الكهل هو الهوية المادية لعمله وللفن الياباني، إذ كان بالمناسبة نحاتاً. ولكن ما يعطاه الابن في الوحي يأتيه مباشرة من الكلمة المنطوقة، علاوة على أن مهمته كفيلولوجي تتمثل في أن يرى كيف أن النصوص في لغة أجنبية تتضمن ذلك الحضور المقدس الذي تمثله أية لفظة في هذه اللغة، فضلاً عن شهادتها على وجوده.
ولكن ماسينون ليس مشوقاً لمفكر حديث لمجرد أن وحياً تسنى إليه وتذكره من ثم في عمله. ويمكننا أن نقول أن ماسينون كان، إن أعدنا صياغة قول سارتر عن فاليري، ذلك الرجل الذي كانت له حياة روحية غنية، ولكن ليس كل من لديه حياة روحية غنية بكون صنو ماسينون، فالسؤال عما يعطي حياته المسلكية قوتها الراسخة هويتها البينة من البداية حتى النهاية يمكن الإجابة عليه بعبارات فكرية. ويمكننا أن نقول، لا بمقصد تبسيط ماسينون أو الاستخفاف برأيه، أن اللغة والثقافة إن كانتا جديرتين بالمعالجة فيلولوجياً في منظور زماني كمظهرين لدراسة رموز الحقب التاريخية، كما يرى رينان، فإن مشكلات اللغة ومشكلات المهمة الفيلولوجية موضع دراسة ماسينون في صميم منظور مكاني “spatial” كمظهرين لدراسة المسافات والتمايز الجغرافي وكائنات مكانية معزولة بعضها عن بعض بصقع ما يفرض على الدارس أن تكون مهمته رسم خريطته بالدقة الممكنة، والانتصار عليه بعدئذ بطريقة أو بأخرى. فالتنظيم الكامن في العمل المترامي الأطراف لماسينون هو الحقيقة الكلية الوجود للمسافة، حقيقة تواجد وحدات منفصلة حتى في لحظة الوحي، وبكلمات أخرى يحاول ماسينون أن يختبر أساساً المسافة بين الإسلام والمسيحية كشكل مختلف عن المسافة بين الإنسان والله أو بين الكلمة والروح.
وهكذا فقد تفحص الإسلام لا كشيء بحد ذاته بمنتهى البساطة، بل كظاهرة متميزة، كشيء موضع الشعور به في الجزيرة العربية وإندونيسيا ومراكش، ولكن لا في فرنسا أو في إنكلترا على سبيل المثال. ولقد حاول مالارميه، بالطريقة نفسها تقريباً، فهم اللغة كتفاعل بين الأسود والأبيض، كما أن بروست حاول استنباط طريقة لتقليص المسافة بين الماضي والحاضر، وذلك بعد أن اختبر تماماً المسافة بينهما وحافظ على هوية الإثنين. إن منهج ماسينون لا ينبثق عن العادة المسيحية، عادة الشهادة والرأفة، وحسب، لا بل وينبثق أيضاً عن علم جمال رمزية مؤخر القرن التاسع عشر، تلك الرمزية التي يتعايش فيها شيء في اللغة مع غيابه، والتي فيها وضع الأشياء في مواضعها ونزعها منها -لعبة المبادلات التي تلعبها- هما ما تجسدهما اللغة.
هنالك أمثلة عديدة عن هذا في عمل ماسينون، إلى ذلك الحد الذي يجعل تكرير بعضها يقدم فكرة كاملة عن هذا الإجراء، وإن اهتمامه بالحلاج لمثل من أوضح الأمثلة بالتأكيد باعتبار أن الحلاج هو الشخصية الرئيسية القوية جداً في الأعمال الكاملة لماسينون. لقد كان منصور الحلاج قديساً مسلماً بغدادياً في القرن العاشر كان مصيره الاستشهاد لأنه تجرأ لا على الاقتراب مباشرة من الله وحسب بل ولأنه تحدث عن نفسه باعتباره الحقيقة أيضاً، كنوع من أنواع التجسد المسيحي الشامل. فلا لأن الحلاج نفسه جسد مثلاً من أمثلة استبدال شيء بشيء آخر في رجل واحد نفسه (البشري والمقدس كقول الحلاج أنا الحق)، بل لأن خبرات الحلاج الإسلامية تتماثل مع التصوفات المسيحية الأوربية على الرغم من ابتعادها عنها مسافة شاسعة. وضمن هذا السياق هنالك "الخبرة الصوفية ونماذج النهج الأدبي" (1927) حيث يقارن ماسينون بين التقنيات اللفظية لكتاب أوربيين من أمثال إكارت والقديس جون الصليب وكلوديل، وبين تقنيات الشعراء المسلمين المتدينين، ومن الجدير بالذكر بخصوص هذه المقارنات هو أنها لا تبين التشابهات في التعابير وحسب، لا بل وتبين أيضاً أنها دقيقة ومحكمة على الرغم من "تمايز" الظروف الجغرافية الفاصلة فيما بينها. وإن ماسينون ليحافظ، حتى في تحليلاته للمواجهات الصوفية الأوربية والمشرقية مع المقدس، على ما كنت دعوته بورطته في دراسة الرموز: إذ إن اهتمامه بالتشبه الكامل الذي يتشبهه الإنسان بالله لأقل من اهتمامه بالصراع الباطني بين الإنسان والله وبين الإنسان والإنسان، صراعاً يغامر فيه الإنسان بفقدان تطابقه مع الله.
إن التاريخ مؤلف، كما يقول ماسينون، من سلاسل مشاهدات فردية متناثرة هنا وهناك في طول وعرض أوربا والمشرق حيث يشفع بعضها لبعض وتنوب واحدتها مناب الأخرى. فالمبادلة تعني ضمناً سلسلة متواصلة من التبادل الكرار إلى ما لانهاية له، ألا وهي تلك السلسلة التي يوجد فيها شيء قادر على الحلول محل غيره بشكل مستديم. ولقد كان الإسلام، بالنسبة لماسينون، بمثابة الشيء الذي، على الرغم من ظهور الحلاج وأمثاله من حين إلى حين وعلى الرغم من كونه ديناً ابراهيمياً، من الممكن وصفه بأنه البدل الناقص للمسيحية في الشرق. فماسينون كان يرى أن الإسلام والمسيحية يتبادلان عملية الزحزحة فيما بين بعضهما بعضاً، وأن هوية الإسلام تكمن في مقاومته التجسيد المسيحي وصلابة موقفه إزاء ذلك التجسيد. ولما كان الأمر على هذا النحو فقد جذبه الإسلام إليه وقاوم الإنسان المسيحي في صميمه، على الرغم من أنه كان يتصور -وهنا مكمن العبقرية الفذة عند هذا الرجل- عمله الفيلولوجي علماً رؤوفاً كونه يفسح مجالاً للإسلام والمسيحية أن يدنو واحدهما من الآخر وأن يحل محله، مع بقائهما منفصلين لديمومة حلول واحدهما محل الآخر. وعلاوة على ذلك فإن المجموعة الخاصة التي وطد أركانها للعبادة دعيت بـ "المجموعة الدينية البدلية" التي تشير "نصوص الفرائض" فيها إلى أن "البدلية تستوجب النفاذ إلى الأعماق نفاذاً يتأتى عن الوصل بين الأعماق وبين العناية الفائقة بحياة العائلات وبين الأجيال المسلمة ماضياً وحاضراً(25).
إن ما يكمن خلف فكرة المبادلة هو النقيضة الموجودة أبداً بين الشيئين البديلين لبعضهما بعضاً. فالمسيح كقربان ما هو بمنتهى الجلاء إلا البديل الأسمى لكونه ضحية قربانية عن البشر أجمعين ولكونه ابن الله في آن واحد معاً. فالمسيحية كمنظومة دينية، كطقوس دينية، كلغة، مبنية من صميم تلك النقيضة الجوهرية. وإن صرامة منهج ماسينون لصرامة تتنطح لنقل هذه النقيضة والمبادلة الدينية إلى ميدان اللغات ومن هناك إلى العربية والإسلام.
فاللغة "حج وتزحزح روحي" وذلك لأننا لا نحبك اللغة إلا لكي نتمكن من الخروج من أنفسنا صوب آخر ما. ولكي نستحضر وهذا الآخر إلهاً غائباً، الشخص الثالث، "الغايب" كما ينعت النحاة العرب الله. ونحن نفعل هذا الشيء بغية اكتشاف كل هذه الكينونات ومطابقة الواحدة منها مع كل واحدة أخرى. فهذا ما يمكننا من نقل مشاهدتنا إلى الله، لأن الله هو الحقيقة بعد أن تقبلناه بمقتضى موافقة القلب على ذلك، وإن هذا الوجود، أو الكون (be) ، مذكور ثماني مرات في القرآن تعبيراً فيها كلها عن "كلمة الله (العقل)، ويسوع بن مريم" ويوم الدين(26).
إن ماسينون يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك ويستشهد هذه المرة بمالارميه. فالكلمات تدل بمعنى ما، كما يقول، على غياب “maanque” ، بيد أن أهمية اللغة المنطوقة في العربية هي أنها (شهادة)، وإذا اشتط بنا المسار إلى شكلها النحوي الأخير فتعني (الشهيد). فلكي تشهد يعني أن تتكلم، وأن تتكلم يعني أن تخرج من نفسك صوب آخر، ان تزحزح الذات بغية إيواء آخر، أي نقيضك وضيفك، لا بل وحتى إنساناً آخر غائباً ممن غيابه يناقض حضورك أنت. ومن سخرية الأقدار أنك لن تستطيع البتة أن تتلاقى مع الآخر: فشهادتك تستطيع في أحسن الأحوال أن تؤوي الآخر، وهذا هو بالطبع ما تفعله اللغة، وهو نقيضة الحضور والغياب باستثناء أن الذات، في حالة "الشهيد"، تمحى كرمى للآخر الذي يصير من جراء محبة الشهيد أكثر بعداً، كائناً أكثر آخرية مما كان عليه من قبل. وهذه هي التضحية الأسمى، الجلال الأسمى، والنقيضة الأسمى بالطبع: إنها الخزي البشري والحب القدسي، وهي النقاء الممزِّق “déchirante pureté” لمنصور الحلاج الذي كان انتهاكه الحرمات يتمثل في أنه تجاسر على تجاوز الإسلام والانطلاق باتجاه المسيحية والله. وكما عبر عن هذه الحالة بييردو فوكو بقوله "حين يختار الله شهيداً، حتى في أكثر الميادين تواضعاً، فإن الله يحول شكل ذلك الشهيد إلى إنسان ما، إنسان يبغضه الآخرون ويعجزون عن إدراكه"(27).
فكل كتابة ماسينون برمتها تشكل كوكبة من الصور حول هذه الأفكار. فاللغة العربية عالم مغلق فيه بالتأكيد عدد من النجوم، وعالم ما أن يدخله الدارس حتى يجد نفسه في موطنه ومستبعداً عن عالمه الخاص(28). وهكذا فثمة زوج مركزي من الصور هو صورة الضيف وصورة المضيف. لاحظوا كيف أن هنالك دائماً نقيضة تستوجب المواجهة وقطباها يسمحان للمرء أن يقطع المسافة من اللغة إلى الدين وأن يعود أدراجه مرة ثانية: من العربية إلى الفرنسية، من الإسلام إلى المسيحية، ومن ثم عود على بدء مرة أخرى. وفي صميم كل قطب من النقيضة هنالك المزيد من النقيضات -ففي العربية على سبيل المثال، هنالك فروق موضحة، وهي الفروق التي تعمق الانفصال، فماسينون يسم العربية بأنها أساساً لغة التركيز والانفصال التي حروفها الساكنة على السطر بمثابة الجسد، في حين أن أحرف العلة فوق السطر أو تحت السطر بمثابة الروح، وما ذلك الوسم إلا جزء من النقيضة الأصلية عن التناوب بين الحضور والغياب. وإن الخبرات والشعائر الدينية التي يوليها اهتمامه على وجه التخصيص (كالمباهلة مثلاً)، تكرر أيضاً طقس المبادلة والمقاومة.
وعلى نحو مماثل فإن أسلوب ماسينون، وبنفس مقدار موضوعه، لأسلوب متقطع ومبتور- وقد كان بكل تأكيد واحداً من الأساليب الفرنسية العظيمة في ذلك القرن- وكأنه كان يتمنى على الدوام تجسيد البعد وتناوب الحضور والغياب، ومفارقة الرأفة والتنفير، وموضوع الإيواء والاستبعاد، والوقار والعار، والصلاة الابتهالية والحب الشفوق، وقبل هذا وذاك نجد عند ماسينون التناوب المتواصل للبعد والقرب بين الإسلام والمسيحية بحيث أن عمله كان يجسد على الدوام الفكرة الأساسية للمبادلة، للجذب والنبذ نفسيهما. ولذلك فلشكل صلاة الابتهال ضمّن ماسينون عمله الفلسفي فكرة التضحية الرحيمة البديلة، التي صيغتها المسيحية هي بالطبع آلام المسيح، والتي صيغتها اليونانية القديمة هي ما تدعى "pharmakos" ، في حين أن صيغتها الإسلامية هي الأبدال.
ومن الممكن أن تكون أفكار ماسينون عن التضحية قد جاءته من جوزيف دوميسر ومن آلفريد لويسي، بيد أنه خلع على تلك الأفكار صيغته المميزة. فلئن كانت الكلمة حضوراً وغياباً في آن واحد معاً فإن بوسع المرء أن يقول أيضاً أن الشخص الذي يعاني الآلام نيابة عن الجماعة، والذي معاناته تعود لما يدعوه ماسينون بـ "تحول الألم إلى رأفة" لهو في آن واحد معاً الشر كله والخير كله، والضحية والظالم والأجنبي والمواطن، والمنبوذ، والضيف والمضيف المقبول، والحضور والغياب. فطيلة حياته المسلكية كان ماسينون منهمكاً بمنتهى الفاعلية لا بالإسلام وحده بل وأيضاً بالمعذبين والشهداء واللاجئين والضحايا وبالعمال المغتربين، حتى في الوقت الذي كان فيه دارساً عظيماً للغة وقارئاً عظيماً للنصوص الصعبة ومفسّراً عظيماً للأديان الأخرى، وشخصية عامة مرموقة جداً. فالإسلام والعربية يثيران في نفسه الرأفة المسيحية التي حاول، على نقيض أي مستشرق آخر من ذلك القرن، أن يقلبها إلى تفهم نيّق لهما كليهما. ولقد قال في إحدى المناسبات أن معظم الفيلولوجيين في القرن التاسع عشر خلصوا إلى مقت اللغات التي درسوها، في حين أن مهمته الفيلولوجية انطلقت، على نقيض مهمة رينان، من الرغبة بعدم تكرار ذلك المقت وتحويل التنفير إلى محبة.
ولا يزال هناك شيء عجيب حيال خليط فطين جداً في هذا الرجل الثر ثروة مذهلة فياضة في معظم الأحيان بالخصاب العقلي، وبالتركيز على الشهادة، على وصمات العار، على المعاناة المجانية، على الحجاج اليائسين، على الموت، على الصحارى، على السجون، وعلى التنسك، وعلى الغياب والظلام. وإن إرث هوسمانز، عراب ماسينون، لهو أكثر من فضولي فيه. فجاك بيرك مصيب حين يقول أن ماسينون سار بالإستشراق إلى أقصى حد ممكن، وبنفس تلك الطريقة التي سار بها هيغل بالفلسفة إلى حدودها المطلقة، ومصيب أيضاً حين يقترح أن تعلق ماسينون بإبراهيم كأول سامي يجب إعادة التوازن إليه بجرعة قوية من هيراقليطس(29). إن ماسينون نفسه كان مدركاً تماماً لتحريره الاستشراق من القيود التي فرضها عليه رينان. ولقد أشار مرات عديدة إلى تلك القيود وعبر عن معارضته لتزمت ذلك الرجل عرقياً وعقلانياً، حتى إنه اشتط في كراهيته له إلى الحد الذي جعله يصادق حفيد رينان، إيرنست بيشاري، المتصوف والمعادي للنزعة الرينانية.
***
إن رينان وماسينون هما قطبا التعارض في ميدان الاستشراق: فرينان هو الحكم الفيلولوجي والدارس الفرنسي الذي يمعن النظر في أديان ذات مرتبة دنيا كالإسلام نظرة طافحة بالاحتقار، والذي يتحدث استناداً لا على سلطة أوربي علمي وحسب بل وعلى سلطة مؤسسة ثقافية عظيمة، في حين أن ماسينون هو الضيف الفيلولوجي والمسافر الروحي الفذ الذي -إن استعملنا كلمات جيرارد مانلي هوبكينز في وصف دونس سكوتس- ما عنت على باله أدنى فكرة لنسل خيط من حبيكة الحضارة الإسلامية، والذي أنجبه الغرب.
ثمة تعليق نقدي أخير يجب طرحه. أضرب من المبالغة أن نقول أن رينان وماسينون، كمستشرقين، كنقيضين وخصمين بطريقة ما، يمكن اعتبارهما أيضاً بديلين أحدهما للآخر؟ إن منطلق عمل رينان لهو بالطبع الاختلاف -أي خلافات رينان مع الدين ومع الشرق. ومنطلق عمل ماسينون هو الاختلاف أيضاً، بيد أنه أضاف الرأفة إليه -رأفته المسيحية على الإسلام التي جاءته، كما أخبره فوكو في عام 1915، "من المجابهة مع هؤلاء المسلمين الذين فرض الله علينا كلينا ثمة واجبات خاصة تجاههم"(30) ولكن بمقدار ما يقبل هذان الرجلان كلاهما ذلك الحد الفاصل بين الشرق والغرب الذي ابتني عليه الاستشراق كفرع مستنير من فروع المعرفة، فإن من الممكن اعتبارهما بديلين إحدهما للآخر، وجهين مختلفين لعملة واحدة، فكلاهما يؤديان عملهما ضمن ذلك المبنى الذي ندعوه بالدراسات الاستشراقية، والذي يسلم كلا الرجلين جدلاً أن الثقافة الأوربية/ الفرنسية قد أناطته بهما والذي أدى عملهما إلى تعزيزه. إن السؤال المطروح إن وضعنا عمل هذا قبالة عمل ذاك هو السؤال عينه الذي لا يستطيع الاستشراق طرحه فعلاً، ناهيك عن إجابته عليه- ألا وهو مسألة الشرق. فحقيقة وجوده الطاغية لكل من رينان وماسينون كانت مبعث رفض الأول له ومبعث المحاولات المتواصلة للثاني لإنقاذ الإسلام من نفسه، ولكن ولا في حالة من كلتا هاتين الحالتين كان بوسع المستشرق أن ينظر بالفعل إلى نفسه نظرة نقدية أو أن ينظر إلى ميدانه بعين النقد وبمنظور دنيوي برمته، في حين أن الأسئلة الهامة الأخرى- عن الجهد البشري، عن السلطة، عن الرجال والنساء في المجتمع- كان من الممكن طرحها والعناية بها.
وعلى الوضع الذي هو عليه استشراق ماسينون واستشراق رينان كعلم نقدي، من المفيد تطبيق الوصف الساخر الذي جاء به لوكاش: فكلاهما في "وضعية ذلك الناقد الخرافي الهندي الذي كان في مواجهة القصة القديمة القائلة أن العالم يستند على فيل. ومن ثم أطلق العنان للسؤال "النقدي" التالي: وعلى أي شيء يستند الفيل؟ وما أن يرد الجواب على أن الفيل يقف على سلحفاة حتى يعبر "النقد" علنا عن قناعته بالجواب. وإن من الواضح أنه حتى لو ثابر على إقحام أسئلة "نقدية" بمنتهى الجلاء لما تمكن إلا من تلفيق حيوان عجيب ثالث، ولما كان بوسعه أن يكتشف الحل للمسألة الحقيقية"(31).

nnn

الخاتمة: النقد الديني



إن فكرة الشرق، شأنها شأن فكرة الغرب باعتبارها قطباً مناقضاً لذلك القطب، قامت بدور اللجام لما كنت أدعوه بالنقد الدنيوي. فالاستشراق هو الخطاب المستمد من "الشرق" والمعتمد عليه. والقول عن مثل هاتين الفكرتين الكبيرتين وعن خطابيهما أن لهما شيئاً مشتركاً مع الخطاب الديني يعني القول بأن كل واحدة منهما تؤدي دور المغلاق لكل ما هو بشري من استقصاء ونقد وجهد، إذعاناً منهما لسلطان ما هو أكثر من البشري، الخارق للطبيعة، صاحب الأمر والنهي في الدنيا والآخرة. ولذلك فالدين يزودنا، كالثقافة، بنظم للسلطة وبمعايير للطقوس الدينية من تلك التي تخلص بشكل منتظم إلى فرض الخنوع أو إلى اكتساب الأشياع. وهذا الأمر بدوره يفضي إلى عواطف جماعية منظمة من ذوات النتائج المشؤومة فكرياً واجتماعياً في أغلب الأحيان. فإصدار هذه النتائج على بقائها، وإصدار غيرها من الآثار الثقافية/ الدينية، يثبتان أكثر مما ينبغي ضرورة توفر اليقين والتضامن الجماعي وحس الإنتماء إلى جماعة لدى تلك المقومات التي تبدو أنها من المقومات الأساسية للحياة البشرية. وإن هذه الأشياء لأشياء مفيدة بالطبع في بعض الأحيان. ولكن لا يزال صحيحاً أيضاً أن الشيء الذي يتيحه موقف دنيوي- وهو الإحساس بالتاريخ وبالإنتاج البشري، علاوة على شيء من الش****ة الصحية حيال مختلف أنواع الأوثان الرسمية التي تحظى بالتوقير من الثقافة والنظام -يكون مآله التقليص، إن لم يكن الحذف، من جراء الاستغاثات بذلك الشيء الذي لايمكن التفكير من خلاله وشرحه إلا بإجماع الآراء والاستغاثات بالسلطة.
وهنالك فرق كبير بين الشيء الذي وصفه فيكو في كتاب (العلم الجديد) بعالم الأمم المعقد والتعددي و "العصبوي"، وبين الشيء الذي وسمه، على نحو مناقض، بأنه ميدان التاريخ المقدس.
وإن جوهر ذلك الفرق هو أن العالم الأول يبرز إلى الوجود ويتطور في اتجاهات شتى ويتحرك صوب عدد من التأوجات، ويتداعى ليبدأ من ثم من جديد -وذلك كله بطرق يمكن تحريها لأن المؤرخين، أو العلماء الجدد، بشر وبمقدورهم أن يعرفوا التاريخ على أساس أنه من صنع الرجال والنساء. فالمعرفة تعني المبادرة لصنع شيء ما، كما قال فيكو، وما تستطيع الكائنات البشرية أن تعرفه لا يعدو أن يكون ما صنعوه، أي، ذلك الشيء التاريخي والاجتماعي والدنيوي. وأما فيما يتعلق بالتاريخ المقدس فإنه من صنع الله ولذلك لا يمكن معرفته بالفعل، على الرغم من أن فيكو كان يعلم تمام العلم أن الله، في عصر موبوء بالقساوسة كعصره، كان الواجب يقضي باحترامه وتمجيده على رؤوس الأشهاد.
وفي زماننا هذا حدث تحول عجيب جعل العالم الدنيوي -ولا سيما الجهد البشري الذي يدأب على إنتاج النصوص الأدبية- يكشف عن نفسه على أنه ليس بشرياً خالصاً وليس من الممكن إدراكه تماماً من منطلق بشري فقط، والسبب ما هو ببساطة أن هذا التحول هو نتيجة اللاعقلانية (على الرغم من وجود فيض من ذلك الشيء) ونتيجة تبسيط مفرط، إذ إن النظرة الدنيوية البحتة إلى الواقع ليست بالتأكيد ضمانة لا ضد هذا ولا ضد ذاك. والأقرب إلى المنطق هو الزيادة المفرطة في عدد الاستغاثات بالسامي على البشري، بالمجرد الغامض، بالمقدس، بالملغز والسري. فكما أسلفت القول، إن تلك التعميمات الضخمة الزائدة عن المعقول من مثل الشرق أو الإسلام أو الشيوعية أو الإرهاب تلعب دوراً متزايداً جداً في صبغ "الآخر" بالصبغة اللاهوتية المانوية المعاصرة، وأن هذا التزايد لدلالة عن مدى قوة التأثير الذي أثره الخطاب الديني على ذلك الخطاب المتعلق بالعالم التاريخي الدنيوي.
ولكن الدين عاد بطرق مختلفة، وعلى أوضح ما يكون في أعمال بعض الصناديد الدنيويين السابقين (من أمثال دانيال بيل ووليام باريت) ممن يبدو إليهم الآن أن العالم الاجتماعي/ التاريخي لرجال ونساء حقيقيين صار بأمس الحاجة للتسكين الديني. فهذا المزاج الجديد يشبه من حيث الظاهر -ولو أنه نقيضها تماماً- طوباوية إيرنست بلوش الذي كان عمله عبارة عن محاولة لمسخ الحماسة الاجتماعية الكامنة في النزعة السلفية إلى واقعة يومية. وإن ما يتبينه المرء في هذه الأيام هو الدين كنتيجة للإنهاك والعزاء والإحباط: فأشكاله في النقد، نظرياً وتطبيقياً معاً، عبارة عن تشكيلة من شلل التفكير والتردد والمفارقة المقرونة كلها بإلحاح ملحوظ على مناشدة السحر أو الطقوس الدينية أو النصوص المقدسة.
وحين ترى زمرة من النقاد النافذين الذين ينشرون الكتب الضخمة تحت عناوين من أمثال "منشأ السرية، الدستور العظيم، القبلانية والنقد، العنف والمقدس، التفكيك واللاهوت، تدرك أنك في حضرة توجه هام. إن عدد الأفكار النقدية السائدة التي جوهرها لا يعدو أن يكون نسخة عن نظرية عتيقة من البشري والظرفي ليزيد في التوكيد على هذا التوجه.
وحين القراءات الرجعية لنقاد ونظريات نقدية من الماضي -كالتداول الراهن لوالتر بنيامين لا كماركسي بل كباطني مستور، أو لنسخ عن تلك المواقف الراديكالية الناشطة كالماركسية أو الدعوة للمساواة بين الجنسين أو التحليل النفسي التي تعلي مقام الخاص والمشعوذ على مقام العام والاجتماعي -يجب النظر إليها على أنها جزء من ذلك التحول العجيب الذي يتحوله الاتجاه صوب الأديان. وما ذلك التصور الذي جاء به مارشال ماك لوهان عن فردوس تكنولوجي وما يلازمه من "عودة إلى حياة البداوة" كما يقول، إلا نذير هام لهذا الجنوح الديني المفرط والعشوائي أساساً. فهذا كله بقضه وقضيضه يعبر علناً، على ما أظن، عن تفضيل مطلق للحماية المضمونة التي توفرها منظومات الإيمان ( مهما كانت خصوصيتها) ولا يعبر عن نشاط نقدي أو وعي نقدي في الوقت نفسه.
إن تكلفة هذا الإنجراف، الذي بدأ قبل أربعة عقود خلت في (النقد الجديد) وما يعشش فيه من نزعة جمالية لا تمت بصلة للتاريخ ودينية بشكل فاضح، لتكلفة بغيضة إن عنت على البال، وهنالك كوثر من المفردات الخاصة والثابتة التي عدد عديد منها مستغلق على الفهم، وغامض عامداً متعمداً وغير منطقي بكل تقصد. وقلة من الناس ممن يستخدمون هذه المفردات اليوم قد يجدون أن بمقدورهم الموافقة مع رولان بارت على أن منظومة لغة خاصة تنزلق غالب الأحيان نحو "نوع من التبسيط والاستهزاء":
وهنالك شيء من هذا القبيل بكل تأكيد في خطاب الاستشراق، في التفكيك وفي السيميوطيقا سواء بسواء.
وإننا نجد أمامنا اليوم، بدلاً من نفاذ الإدراك والتقييم، حيزاً مكثفاً من الجهد الفكري، فضلاً عن أن تلك الموضوعات المدروسة، وقد صارت ضحية الإفراط في استبعاد العنصر البشري، باتت تستحوذ على اهتمام النقاد، في حين أن المداولات الفكرية صارت أشبه ما يكون بحوار الطرشان في غرف ضيقة. وأما ثالثة الأثافي فتكمن في ذلك التشابه المتزايد بين المحافظين الجدد السياسيين الصرحاء وبين النقاد الميالين للتدين ممن لا تتيسر، لكلا الفريقين، خصخصة الحياة الاجتماعية والخطاب الثقافي إلا من خلال الإيمان ببازار شبه ديني وديع الطابع. وهكذا فإن النقد، بعد نكوصه على عقبيه، يرفض أن يرى وشائجه مع العالم السياسي الذي يعمل في خدمته، ربما عن قصد وربما عن غير قصد. فالناقد الحديث أضحى، بعد أن كان مفكراً ذات مرة، رجل دين بأسوأ ما تعنيه هذه الكلمة.
وأما السؤال عن الكيفية التي من الممكن أن يعود بها خطاب النقاد كلهم إلى مشروع دنيوي حقيقي فهو من أخطر الأسئلة، على ما يبدو لي، التي يمكن أن يطرحها النقاد بعضهم على بعض في هذه الآونة.

nnn






Eng.Jordan متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
العالم, النقد. إدوارد سعيد



كتب ومراجع إلكترونية
يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
دور القارئ في النص الأدبي Eng.Jordan دراسات وبحوث أدبية ولغوية 1 05-08-2014 03:04 PM
النقد الأدبي الإسلامي عبدالناصر محمود أدبيات 0 05-12-2012 06:45 AM
النقد الذاتي عبدالناصر محمود الملتقى العام 1 02-10-2012 03:08 AM
درس عمل لمعة متدرجة على النص Eng.Jordan التصميم والجرافيك 0 01-31-2012 08:07 PM
عمل لمعة ألماسية على النص بالفوتوشوب Eng.Jordan التصميم والجرافيك 0 01-30-2012 10:08 PM

 

 

 

 
 

 

Preview on Feedage: %D8%B4%D8%B0%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9 Add to My Yahoo! Add to Google! Add to AOL! Add to MSN
Subscribe in NewsGator Online Add to Netvibes Subscribe in Pakeflakes Subscribe in Bloglines Add to Alesti RSS Reader
Add to Feedage.com Groups Add to Windows Live iPing-it Add to Feedage RSS Alerts Add To Fwicki
 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 07:06 PM.

 

 

  Top Social Bookmarking Websites

 

 

|


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 155

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72