تذكرني !

 





أخبار ومختارات أدبية اختياراتك تعكس ذوقك ومشاعرك ..شاركنا جمال اللغة والأدب والعربي والعالمي

ستبقين أمي.. ملاكي الذي لا يغادرني!!

ستبقين أمي.. ملاكي الذي لا يغادرني!! نبيل عودة حين أنشدت فيروز "أمي يا ملاكي يا حبي الباقي الى الأبد/ ولا تزل يداك أرجوحتي و لا أزل ولد" سحرتنا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 12-25-2016, 05:49 PM
نبيل عودة غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2016
الدولة: مدينة الناصرة .. مناطق فلسطين - 48
العمر: 70
المشاركات: 16
افتراضي ستبقين أمي.. ملاكي الذي لا يغادرني!!


ستبقين أمي.. ملاكي الذي لا يغادرني!!
نبيل عودة

حين أنشدت فيروز "أمي يا ملاكي يا حبي الباقي الى الأبد/ ولا تزل يداك أرجوحتي و لا أزل ولد" سحرتنا المعاني ورددنا الأغنية دون ان نعي عمق الأحاسيس وقوتها التي تحيل في وجداننا الجبال الى سهول خضراء، والقطبين المتجمدين الى بحيرات دافئة...
تمضي السنوات، ولكن ظلال الأم لا يفارق عالمي، اراها في كل كلمة اصيغها ، في كل فكرة جديدة أبدعها.
في فجر اليوم الأول بعد وداعك كان لا بد ان أكتب عما يعتريني من مشاعر وأفكار، كما كنت تحثيني وانا تلميذ في حضانتك.
******
في صباح اليوم الأول بعد وداعك (29–11–2000) وعلى غير العادة كانت جريدة “الاتحاد”* ملقاة على باب بيتك.. ودافع قوي يشدني لأقرع الباب وأذكرك انك، على غير عادتك.. لم تأخذي الجريدة بعد. وقفت طويلا متأمّلا الباب الموصد بحيرة.. متخيّلا إيّاك وراءه.. وانك بين لحظة وأخرى ستفتحين الباب وأشاهد وجهك بهدوئه والابتسامة التي لا تفارقه.. وستأخذين جريدتك، تماما كما تفعلين كل صباح.. وأن ما ظننته وداعا أبديا لك هو حلمٌ مزعج، وهمٌ ثقيلٌ سرعان ما يبدّده ظهورُك. كانت الجريدة الملقاة أمام بابك تقول عكس ما نعرف، كنت أريد أن أصدّق، كنت أنتظر، كجريدتك… أن ينشقّ الباب لتملئيه بتفاصيلك المعروفة لي، ثم تأخذين جريدتك.لا يمكن أن نفقدك بدون أي إنذار مبكر وأنت في قمة نشاطك وعطائك وصحتك… لم أكن مستعدا لأتعوّد على غيابك الأبدي، على بابك الموصد وعلى جريدتك المنتظرة. قبل أقل من عشرة أيام من وداعك رأيت صورتك ترفعين الشعارات ضد جزّاري شعبنا الفلسطيني، لم تظهر عليك أقل الدلائل للمرض العضال الذي يفتك بك… ممّا عزّز يقيننا أنها معاناة عابرة تنتظم بعدها الحياة كما كانت. حين قرر ابنك الطبيب أن يجري لك فحصا، بعد أن ثارت لديه الشكوك بمرضك، حاولت إقناعه أنْ لا ضرورة لهذه “الغلبة” وأنك، ما عدا قليل من الإمساك، تعالجينه بالدواء المناسب، لا تشعرين بأي عارض صحي يوجب هذا الإصرار على الفحص. أنت حقا بصحة جيدة ونشاط كامل.. تبدين عصيّةً على المرض وبأحسن حال لمن في مثل جيلك!!
لا أدري إن كنتِ تخفين آلامك عنا؟ لكن وجهك الذي يجعلك تبدين أصغر من عمرك بعقد أو عقدين يؤكد ما تصرين عليه بأن صحتك جيدة ولا تستوجب القلق والفحوصات المتعددة التي حاولت التهرّب منها. لماذا لا نصدّقك؟ لكن طبيبك يصرّ على موقفه وهو ليس كأي طبيب.. إنما هو ابنُك. كان قراره ملزما.. وكان ضجرك من قراره واضحا جليا، واصلتِ بين فحص وآخر حياتك الطبيعية، كنتُ أشعر بسخريتك من قرار “تعذيبك” بالفحوصات.. وكانت “ألاتحاد” تنتظرك كل صباح أمام باب بيتك.
كان لا بد لي أن ألقي نظرةً كلَّ صباح عند بابك فأرى أنك سبقتِ الجميع في استلام صحيفتك. كنت تبقين باب بيتك أقلَّ بقيراط من الإيصاد الكامل، لأن قهوتك جاهزة بانتظار كل من يطرق بابك من أبنائك بل حتى بائعات اللبن والبقول.. كان أملنا كبيرا أن لا تتجاوز الشكوك خانتها، ثم صار أملنا كبيرا وقادرا على تجاوز المنطق، لأنك أمنا.
انظر اليوم إلى الباب الموصد بعجز عن التصديق، برفض لقبول ما أرى، بإحساس مجنون متفجّر انك لا بدّ تقفين، كما أعهدك.. وراء الباب الموصد، أو تجلسين بمكانك المعهود، تطالعين جريدتك وتحتسين قهوة الصباح.
وقفت طويلا أمام الباب وأنا بين دافع الإقدام ودافع التراجع.. وشعور بالثقل يتزايد وأقاوم دمعة تكاد تطفر من عيني. كنتِ أشدَّ قرّائي حماسة وأكثرَهم حفظاً لما أكتب، كنتِ تبحثين أولا عن اسمي بين صفحات “الإتحاد”، تقرأين ما أكتب وتحفظين العدد… كثيرا ما استعنتُ “بأرشيفك” للعثور على ما أفقده من مواد منشورة قبل أن يصبح بابُك موصدا للأبد.
قبل أن تصبحين مجرّد ذكرى فاجأتِني بأن “أرشيفك” يحوي مختلف المجلات والصحف التي نشرتُ فيها منذ السبعينات، أي مع أول عمل أدبي نشرتُه. بدأتِ تنقلين لي دفعاتٍ تلوَ دفعات أعدادا مختلفة من مجلات “الجديد”، “الغد”، “الأسوار”، “نداء الأسوار”، “الآداب”، “الكاتب”، “البانوراما” وغيرها.. ففوجئت بكتابات نسيتها، بل غابت تماما عن ذهني. هل كنتِ تعلمين ما بك؟ هل فعلتِ ما فعلتِه من نقل “أرشيفك” لي لتزيديني هما وإحساسا بالفقدان؟ كم أشعر بالضيق من مواصلة الحياة وأنا على يقين أن هذا الباب لن ينشقّ لتقفي في فتحته مرة أخرى. كم تألّمت في الصباح الأول بعد فقدانك، حين نظرت لصحيفة “الاتحاد” مسجّاة أمام بيتك، دون أن يجرؤ أحدٌ منا أو من أولادنا على التقاطها للاحتفاظ بها لك، كما تعودنا في أيام وجودك خارج البيت. أبقينا جريدتك تنتظر علّك تطلين أخيرا، علّها تكون معجزة تعيدك إليها وإلينا. يعيد لي أشدّ قرّائي حماسة ومثابرة.
هل أستطيع أن أكتب الآن وأنا على يقين بفقدانك مع ما يعنيه فقدانك لي..؟ ربما ما جعلني مثابرا على الكتابة والنشر هو أن لا أخيّب أملك بالبحث دون جدوى عن اسمي وكتاباتي. ماذا يسعني اليوم أن أقول أمام بابك الموصد؟ أمام جريدتك المنتظرة بخشوع أن ينشق باب بيتك..؟ ربما أطمئنك إذا قلت إني سأبقى مخلصا لقلمي ولما زرعتِه فيَّ من حبٍّ للمطالعة والكتابة.. وإن نسيتُ، فلن أنسى أبدا أنك جعلت من “الاتحاد” كتابيَ المدرسيَّ الأول والوحيد، الذي تعلّمت على صفحاته القراءة وأنا في طريقي لجيل الخامسة ولم أكن بعدها بحاجة لأي كتاب مدرسي آخر لتعلُّم القراءة. بفقدانك سأعزّز ما كسبتُه منك في طفولتي، علّني أجد فيه عوضا عن غيابك.. ستبقين حية فينا.. ستبقين أجمل ذكرى مع إطلالة كل فجر.
ستبقين أمي!!
*- جريدة "الإتحاد" – صدرت باسم “مؤتمر العمال العرب” في فترة الانتداب البريطاني على فلسطين، اليوم ناطقة باسم الحزب الشيوعي. من أبرز محرريها: المؤرخ د. إميل توما، الكاتب إميل حبيبي والشاعر والمفكر سالم جبران. لعبت دورا اعلاميا، تثقيفيا وسياسيا هاما في مسيرة الجماهير العربية في اسرائيل، اليوم تلاشى دورها وأضحت اقرب لنشرة حزبية منغلقة بلا أي دور مميز!!

nabiloudeh@gmail.com


المصدر: ملتقى شذرات


sjfrdk Hld>> lgh;d hg`d gh dyh]vkd!!

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 02-19-2017, 11:58 PM
أبجد عربي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2017
المشاركات: 5
افتراضي

مؤثرة جداً .
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
ملاكي, أمي.., الذي, يغادرني!!, ستبقين

« غرد يا شبل الإيمان | عن القمر والنجوم بقلم المعتقل عبد الرحمن محمد الجندي »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
التدخل الدولي البري هو الذي هو الذي سيحسم الوضع في سورية عبدالناصر محمود أخبار عربية وعالمية 0 06-01-2016 06:52 AM
حكم قول: الحمد لله الذي لا يُحمد صابرة شذرات إسلامية 0 11-29-2015 09:20 AM
القرآن هو الذي ... صابرة شذرات إسلامية 0 05-28-2015 07:35 AM
ما الذي بقي من نجيب محفوظ؟ Eng.Jordan أخبار ومختارات أدبية 0 11-10-2012 06:31 PM
الشر الذي تقدمه يبقى معك، والخير الذي تقدمه يعود إليك يقيني بالله يقيني الملتقى العام 0 06-06-2012 07:08 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 04:37 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67