تذكرني !

 





كتب ومراجع إلكترونية عرض وتحميل الكتب الإلكترونية ebooks

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 10-26-2017, 11:51 AM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 21,976
افتراضي أدباء القرن العشرين .. أدب الرحلات

  انشر الموضوع


شكر وتقدير
تحقيق لرحلة الشام أو رحلة الشتاء" كما أسماها" إبراهيم عبد القادر المازنى" عن مخطوطة كتبها المازنى بنفسه وعلق عليها ، وراجعها بقلمه عام (1936) وهى نسخة كتبها المازنى على الآلة الكاتبة بنفسه ثم راجعها بقلم مغاير. وقد سلم لى هذه المخطوطة ابنه محمد إبراهيم عبد القادر المازنى ، ضمن ما أعطانى من مقالات لم ينشرها المازنى فى حياته.
لهذا وجدت من واجبى أن أسهر على هذا العمل النادر ، وأن أعطيه كل الاهتمام ، لأنه يمثل صفحة مشرقة من تاريخ العلاقات المصرية العربية فيما بين الحربين ، بل يعكس النهضة الثقافية العربية آنذاك.
ولا أنسى أن أقدم وافر الشكر لابنه محمد المازنى الذى كان ـ رحمه‌الله ـ يسهم بوعيه فى نشر هذا التراث المهم ، لوالده. لعلمه بمكانة المازنى فى تاريخنا الأدبى الحديث
د. مدحت الجيار


بين يدى القارئ
رحلة الشام


النثر العربى غنى ومتنوع ، ممتد عبر كل عصور الأدب العربى. حمل ـ مثله مثل الشعر ـ خصائص لغتنا العربية ـ وخصائص كل مرحلة حضارية يمر بها المجتمع العربى. وللنثر الأدبى : أنواعه ، وخصائصه المميزة ؛ ولكنه لم يأخذ حقه من الدراسة كما أخذ الشعر العربى. فقد وضعت الظروف التاريخية والحضارية بعامة الشعر العربى كأهم نوع أدبى يكتبه الإنسان العربى خلال كل عصورها. مما جعل النثر يتوارى قليلا فى الحياة الأدبية ، مقدما الشعر أمامه ، حتى أن الأنواع الأدبية النثرية كانت تتوسل بالشعر ليزداد النوع النثرى تشويقا وجذبا لاهتمام القارىء والمستمع على السواء.
وقد سبق فنا الخطابة ، والرسالة ، فى بداية الأمر لاجتياج الحياة العربية إليهما. ثم أضيف إليهما ما لدى العرب من حكايات وحوادث تاريخية وسير شخصية. وتنطوى كلها تحت النتاج الشفاهى. الذى تغلب على ظاهرة النسيان الإنسانية ، بما وضعه من تقسيمات وإيقاعات صوتية فى النص الأدبى النثرى. لتستعين به الذاكرة العربية وتستمع فى الوقت نفسه ، بمقدار من البلاغة ،

والموسيقى ، ووسائل السرد ، وأنواع الفكر ، وتعدد الموضوعات ، حسب الغرض المطلوب والمتاح فى الخطاب النثرى ، على اختلاف أنواعه وطرق تكوينه ، وكما يقول أرسطو : " كل واحد من الناس يوجد مستعملا لنحو ما من أنحاء البلاغة ، ومنتهيا منها إلى مقدار ما. ولذلك فى صنفى الأقاويل اللذين أحدهما المناظرة والثانى التعليم والإرشاد ، وأكثر ذلك فى الموضوعات الخاصة بهذه الصناعة وهى مثلب الشكايا والاعتذار وسائر الأقاويل التى فى الأمور الجزئية." ومثل المدح والذم والجميل والقبيح والفضيلة والرذيلة وغيرها من الأمور المجردة.
وما يقال عن الخطابة يقال عن غيرها من أنواع النثر الأدبى. أعنى ما قاله أرسطو" إنما يكون الكلام تم فعلا وأكثر إقناعا إذا رأى المخاطب به ، إنه لم يبق فيه موضوع ، ولا تأمل ولا معارضة ، إلا وقد أتى بها ..".
لأن النوع الأدبى يحمل خطابا للآخر. ويحتاج إلى إقناعه وإمتاعه وتوصيل رساله إليه.
ولقد أضافت سيرة النبى" صلى‌الله‌عليه‌وسلم" نوعا أدبيا مختلفا عن سير الملوك والأبطال. كانت بداية لكتابة سير الصحابة والخلفاء والصالحين ، ثم سير المشهورين والعظماء فيما بعد. ثم إن فن كتابة الرحلة نوعا أدبيا جديدا ، يهتم بالسفر بين البلاد ، مؤرخا وواصفا وملاحظا.
وقد ثبتت أشكال بعض الأنواع الأدبية النثرية. واستطاع فن كتابة الرحلة أو أدب الرحلة أن يتطور مع الرحلة نفسها وبتطور الأسباب التى تدعو إليها.

وكانت الأنواع النثرية التقليدية قد أخذت حظها من الدراسة. وكان لا بد أن نهتم بالأنواع النثرية الأخرى التى لم تحظ بعناية كأدب الرحلة.
ولا ننسى فى هذا السياق أن أدب الرحلة ، أدب إكتشاف للذات وللآخر. للمكان وللزمان قديما وجديدا. فالرحلة كالمكتشف الذى يطارده سؤال دائم عن الإنسان والزمان والمكان ، فى كل مرحلة يصل إليها ، أو يفكر فى الوصول إليها.
وهو ما دعا لتأليف الرحلة" لأدب الرحلة" وهذا ما جعلنا ندرس ونحقق" رحلة الشام لإبراهيم عبد القادر المازنى" ، كنموذج تطبيقى لأدب الرحلة الحديث. فهو نموذج من نماذجه المتعددة وأحد مؤلفات المازنى المحتاجة للظهور بين يدى المتابعين والدارسين للأدب العربى الحديث.
وكان لا بد أن يكون الاهتمام بأدب الرحلة مشفوعا بالاهتمام بنص من نصوص الرحلة العربية. وهو ما نجده فى هذا الكتاب. إذ يوضع الكتاب فى قسمين كبيرين :
الأول : دراسة لأدب الرحلة. والثانى : يدرس كتاب" رحلة الشام" كنموذج لأدب الرحلة حتى يتحقق التوازن بين الدراسة ، والتحقيق والتحليل. أملا فى أن يجد المتابع لهذا البحث توازنا آخر بين الاحتفاء بالمازنى وكتابه ، وبين الاحتفاء بأدب الرحلة العربى ، وبالآخرين الذين شكلوا رحلة الشام معه.

وسيجد المتابع خلال وحدات الكتاب وفصوله تفسيرا لتقسيمه على هذا النحو.
* * *

تصدير
هذا كتاب جديد لم يسبق نشره للأديب الكبير" إبراهيم عبد القادر المازنى" وهو يشمل رحلة الكاتب إلى الشام للاشتراك فى العيد الألفى للمعرى بالنيابة عن نقابة الصحفيين وبدعوة من المجمع العلمى العربى بدمشق.
وإنه ليسرنى أن أقدم هذا الكتاب الجديد إلى قراء العربية ، وقد كتبه المازنى بأسلوبه الشائق الذى تفرد به بين كتاب العرب ، لنواصل نشر وثائق الأدب العربى الحديث (حتى تكتمل). وعند اكتمالها ، سنضطر إلى إعادة النظر فيما كتبناه عنه ، وسيكون من واجبنا أن نراجع أحكامنا على هذه الفترة الثرية من تاريخ الأدب والنقد العربيين. فلقد توقف الاطلاع على هذه الوثائق فترة طويلة من تاريخنا المعاصر حين انشغلنا بالمذاهب والنظريات الغربية والأمريكية والروسية والصينية ، ولم ندرك أن التواصل مع هؤلاء الرواد هو جسر النجاة والانتقال ، فقد كانوا فى أيامهم على اتصال

مباشر بالفكر العالمى والثقافة العالمية فى لغتها ، وإننا اليوم نعيد الحياة الثقافية إلى حلقتها الطبيعية حتى تسلم الأجيال الرسالة بعضها إلى البعض الآخر.
"وأدب الرحلة" أدب قديم ، وقصصه أقدم ، يعود إلى قدم الوعى الإنسانى بهذه الرحلة وبأدبها الشفاهى منه والمدون. فعند ما خرج الإنسان إلى الصيد فى البر ثم فى البحر ، وهو يقص على أهله وأصدقائه ما رآه ، وما عايشه ، واصفا المواقف الحرجة التى تعرض لها ، وهى مواقف تدور حول (ذاته) فى صراعها مع الطبيعة الخشنة البكر ، ومع الآخرين.
و" الراوى" هو البطل بطبيعة الحال ، فى هذا اللون من القص ، إذ لا بد أن تتمحور الأحداث حول البطل الراوى ، ولا بد أن يحسم الصراع لصالحه ، ما دام قد عاد إلى ذويه ، ذلك إذا لم يعد فقد ضاع ضمن ما يضيع كل يوم فى الحياة. وهنا لا بد أن يلون الحوادث والصراعات ونتائجها وفق هواه ، إذا لم يكن هناك شهود على ما حدث. وهذا التلوين هو نوع من التدخل بالحذف ، أو بالذكر بالتحليل أو بالتفسير ليصبح بطلا أمام مستمعيه. وهذا العمل ما يصنع من الرحلة فنا متميزا تختلط فيه الرحلة بالسيرة الذاتية بالأحلام.
ولا بد أن يكون لمثل هذا اللون من القص قدرة خاصة على الحكى ، والتذكر ، وتنظيم معطيات الرحلة وفق رؤية خاصة هى ما تصنع خصوصية الرحلة ، وخصوصية أسلوب كتابتها. ولقد دون صاحب الرحلة" طريقته الخاصة ، ورموزه الخاصة وفق طريقة

التدوين الخاصة بكل جماعة وكل عصر إذ يمكنه أن يدونها بالتصوير ، أو أن يتداولها بالحكى.
والرحلة تختلف باختلاف الغرض منها ، فهناك رحلة العمل ، ورحلة البحث عن مصادر العيش لاستمرار الحياة ، وهناك رحلات الاكتشافات والسياحة ، وهناك رحلات الأدباء للتعليم أو للمشاركة الأدبية فى الندوات والمؤتمرات لمعرفة المجايلين لهم ، والتعرف على أهل المهنة وأصحاب التخصص ، وكلها ـ بلا شك ـ رحلات تحكى وتؤرخ ، ويتوقف الحكى ، والتاريخ على القدرات الصياغية وعلى الرغبة فى التسجيل والتوثيق ، بل على التوجه الموضوعى أو الذاتى فى كتابة الرحلة كلها.
ويختلط هذا اللون من القص بما نعده من المذكرات واليوميات ، وما نعهده من أدب السيرة الذاتية أو الترجمة الذاتية ، بصرف النظر عن نوع المعلومة أو الرحلة. أعنى أننا نهتم بصياغاتها الفنية كنوع أدبى يتميز بخصائص فنية لا بد أن نجدها متوفرة فيه لنطلق عليه المصطلح الخاص به.
ولدينا نماذج عربية ـ فى تراثنا ـ لهذا الفن من كتابة الرحلات ، كرحلات" ابن جبير"" وابن بطوطة" و" المسعودى" وغيرهم ...
ولم تكن رحلات" إبراهيم عبد القادر المازنى" بعيدة عن طريقة الحكى العربية ، بل هى قريبة مما تركه لنا الطهطاوى فى" تخليص الإبريز فى تلخيص باريز" أو ما تركه على مبارك فى" علم الدين". إن هذه الرحلة تصنع تواصلا مع فن كتابة الرحلة فى تراثنا وفى تاريخنا الحديث على السواء.

ولكن المازنى يتميز عن هذه المحاولات التراثية والحديثة ، بالتعامل الفنى مع الرحلة ، وصياغتها فى الشكل القصصى من البداية حتى النهاية ، مراعيا بروحه الفكهة ، وسخريته اللاذعة كونها حكاية. وهذا ما يستدعى دراسة خاصة لهذه الرحلة ، ولغيرها من رحلات المازنى فى الحجاز والعراق.
لذلك يقف فن الرحلة عند المازنى متمايزا عما سبقه وما عاصره. من كتابات السير الذاتية ، وتدوين المشاهدات بل عن القص الذى يتخذ من تاريخ الشخصية وملابساته مادة لعمل فنى.
فقد قام (إبراهيم عبد القادر المازنى) بثلاث رحلات ، كانت الأولى إلى السعودية ، وهى المسماة ب" رحلة الحجاز" وقد صدرت الطبعة الأولى منها سنة (1930 م) بمطبعة فؤاد بعطفة عبد الحق السنباطى بميدان الأوبرا بالقاهرة. وكانت الرحلتان الثانية والثالثة مرتبطين ؛ حيث خرج المازنى إلى الشام ومنها تجاوز الحدود إلى فلسطين والعراق ، لذلك نستطيع أن نقول إن رحلتى الشام والعراق ـ وفلسطين ـ واحدة تكمل إحداهما الأخرى. ولم تطبع رحلتا الشام والعراق فى حياة" المازنى" وقد حصلت على مخطوتين للرحلتين من محمد إبراهيم عبد القادر المازنى ، تركهما المازنى مكتوبين على الآلة الكاتبة كما أشرنا من قبل.
ولما كانتا رحلة الشام هى الرحلة الثانية للمازنى بعد رحلة الحجاز ، فسنقدمها قبل رحلة العراق ، حتى نفرغ لها فى تحقيق تال فلدينا مخطوطة هذه الرحلة. وتتكون رحلة الشام من جزئين : الأول هو نص المازنى عن الرحلة إلى الشام حيث كان يحضر مهرجان المعرى ، فى العيد الألفى لأبى العلاء المعرى ، بدعوة من المجمع

العلمى العربى بدمشق ، وممثلا لنقابة الصحافيين ، فى صيف 1944 م. أما الجزء الثانى فهو البحث الذى قدمه المازنى إلى مهرجان المعرى ، ولقد نشر هذا البحث منفصلا عن الرحلة بجريدة" البلاغ (1943 م) وقد أشارت ببليوجرافيا السكوت الخاصة بالمازنى ـ وهى العدد الثانى من سلسلة أعلام الأدب المعاصر فى مصر. إلى أن هذه الرحلة قد نشرت فى" البلاغ" فى الفترة ما بين (11 / 10 / 1943 ـ 23 / 11 / 1943 م).
كما أشارت إلى نشرها مسلسلة بعنوان" رحلة إلى الشام" فى سبع أجزاء متتالية بمجلة" الجديد" عام 1974 م فى الفترة ما بين (15 / 8 / 1974 م) ما أشارت الببلوجرافيا إلى ما نشر عن مهرجان المعرى بعنوان" فى مهرجان المعرى" فى" البلاغ" فى الفترة ما بين (11 / 10 / 1944 م ـ 23 / 11 / 1944 م) على فترات غير منتظمة ، والخطأ الواضح هنا هو تاريخ السنة ، فقد ذكرها فى البداية (1944) وفى نهايتها (1943 م) ، والصحيح أنها (1943 م).
أما المخطوطة التى تركها المازنى ـ لنا ـ فهى عبارة عن سبع وثلاثين صفحة من قطع الفلوسكاب. وقد قسمها المازنى إلى مقدمة يتحدث فيها عن أسباب قيامه بالرحلة (فى صفحتين) ثم تصوير الرحلة فى بقية الصفحات. وقد قسم الحديث عن الرحلة إلى ثمانى عشرة فقرة عالج فى كل فقرة منها فكرة مستقلة. ولا داعى للتفاصيل فى هذا التصدير ، لأن الدراسة والتحقيق سيعطيان مساحة أكبر لهذه التفصيلات.


لماذا هذه الطبعة
حول نص الرحلة وطريقة تحقيقها


هذه هى الطبعة الأولى لرحلة الشام ككتاب مستقل محقق مدروس. فقد نشرت فى البلاغ فى فترة قريبة من زيارة المازنى لدمشق ، ثم نشرت بعد ذلك مسلسلة فى مجلة الجديد ، بشكل غير منتظم كما أشرنا فى التصدير. ولكن لم تطبع كلها فى مجلد واحد. ولم تقم عليها ، دراسة واحدة ، على الرغم من أهميتها من الناحية الأدبية والاثنو جرافية ، فهى رحلة مفيدة للدراس الاجتماعى والمؤرخ الأدبى على السواء. إذ تحمل تاريخا أدبيا لفترة محددة بعدة أيام هى عمر المؤتمر الخاص بالعيد الألفى لأبى العلاء المعرى. ولكنها تعد توصيفا مهما لحالة الأدب والثقافة بعامة فى عقد الأربعينيات ، فى الوطن العربى بعامة. وفى العواصم النشيطة كدمشق وبغداد والقاهرة.
وهى رؤية شاهد عيان يرى بعينيه ويحكى ما حدث له وللآخرين أو مع الآخرين. ولذا كانت هذه الرحلة بمثابة وثيقة شاهدة مجسدة على حالة الثقافة والعلاقات الاجتماعية العربية فى فترة من أهم فترات العرب فى العصر الحديث ، وأعنى بها فترة الخروج من

الحرب العالمية الثانية ، والحصول على الاستقلال ، وصعود الحكومات الوطنية لتسلم السلطة فى البلاد العربية. وهى شاهد آخر على ضرورة التوحد العربى ، حتى فى أحلك الظروف. فقد رأينا فى هذه الرحلة كيف يفصل المستعمر بين فلسطين وبقية العرب؟ وكيف يمنع بعض المثقفين من دخول فلسطين بأوامر من الأمن العام ، بسبب مواقف هؤلاء المثقفين من قضية فلسطين ومن بقية قضايا الوطن العربى ، والقومية العربية ، والوحدة العربية آنذاك.
ولهذا فهذه الطبعة (الأولى ـ 1993 م) إضافة لتراث المازنى من ناحية. وللنشر العربى من ناحية ثانية ، ولمعرفة العلاقات الثقافية العربية من ناحية ثالثة ، ونظرا لهذه الأهمية ، انقسمت هذه الطبعة إلى قسمين كبيرين : القسم الأول : خصص لدراسة" أدب الرحلة وتحولاته" ليوضح تاريخ هذا النوع الأدبى ، وتحولاته ، دون أن ينسى أهمية الدراسة الفنية والجمالية لهذا النوع المتميز والمتصل مع الأنواع الأدبية العربية.
لهذا ، قسم القسم الأول إلى فصلين : الأول : بعنوان" الرحلة ، تاريخا وجغرافية ولغة". ويدرس مفهوم هذا الأدب ، وتاريخه ، وتطوره ، والفصل الثانى فقد خصص لدرس الخصائص الفنية لأدب الرحلة فهو فن له تقنياته الخاصة التى يجتهد فيها كل كاتب ، ويختلف فيها عن الآخرين.
وبهذا ينتهى القسم الأول ، وهو القسم النظرى ، لندخل إلى القسم الثانى ، الخاص بتحليل الكتاب (رحلة الشام) وتحقيقه.

ولأهمية هذا الجزء من الكتاب ، لأنه المقصد النهائى من طبعه ودراسته وتحليله وتحقيقه. أخذ (القسم الثانى) من هذا الكتاب شكلا مختلفا عن القسم الأول. فقد قسم القسم الثانى إلى :
الفصل الأول :
ويختص بتحقيق نص كتاب رحلة الشام كما تركه إبراهيم عبد القادر المازنى ، وقد حاول الباحث أن يخرج التحقيق فى صورة متميزة غير تقليدية. فقسم الكتاب إلى ثمان عشرة وحدة.
أعطى لكل وحدة تسمية تصفها مشتقة من المادة التى تعالجها هذه الوحدة كما حرص على أن يضع عناوين داخلية متنوعة تفيد فى تتبع الحكى والحوادث ، تساعد المتلقى على التغلب على استطرادات المازنى ، وتداعياته الحرة التى تخرج من موضوع لآخر ، داخل الرحلة ، أو تستطرد إلى موضوعات خارج الرحلة وجد أنها تفيد سياقها. كما قيد هذه العناوين الداخلية فى عمل (فهرست) تفصيلى لموضوعات الرحلة.
كذلك حرص الباحث على تنظيم الفقرات داخل كل وحدة بطريقة تمكن المتلقى من المتابعة ، وفصل كل فكرة عن الأخرى ، ومن ثم تحولت العناوين الكبيرة (الخارجية) ، والصغيرة (الداخلية) إلى وظيفة الإرشاد ، والتلخيص ، والمتابعة ، والتوضيح. ولم ينس البحث ـ فى هذا السياق ـ أن يضبط بعض الأعلام والعبارات بالعلامات المناسبة ، أو الأقواس ، ووضع علامات الترقيم الأخرى لضبط الشكل الكتابى بين الكلمات والعبارات والجمل ، وكان المازنى قد تركها عند

كتابتها على الآلة الكاتبة غير موضحة. كذلك بذل الباحث بعض الوقت لمعرفة بعض الجمل المحذوفة أو التحقق من بعض العبارات الزائدة على متن الرحلة بخط اليد وضعها المازنى للتحقيق والمراجعة.
الفصل الثانى : ـ
لدراسة هذه الرحلة من حيث تحليل المضمون ، وقد شمل هذا الفصل دراسة لمضمون الرحلة مزودة بتعريف الشخصيات وما حولها من ظروف وأفكار ومؤلفات وتقسيم تفصيلى لرحلة الشام فى صورة فهرست تفصيلى لموضوعات الرحلة. وينتهى الكتاب بفهرست تسبقه قائمة بالمصادر والمراجع التى اعتمد عليها.

القسم الأول
أصول أدب الرحلة وتحولاته
ولم تعطني الأيام نوما مسكنا


ألذ به إلا بنوم مشرد

وطول مقام المرء في الحى مخلق


لديباجتيه فاغترب تتجدد

فإنى رأيت الشمس زيدت محبة


إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد

ديوان أبى تمام ج 2 ، ص 33 بشرح الخطيب التبريزى
تحقيق محمد عبده عزام ، دار المعارف ، القاهرة ، 1983"


القسم الأول
أصول أدب الرحلة وتحولاته
دراسة نظرية
الفصل الأول : ـ
الرحلة تاريخا وجغرافيا ولغة
الفصل الثانى : ـ
الخصائص الفنية لأدب الرحلة
السرد ، التقنية ، اللغة.


الفصل الأول
الرحلة تاريخا وجغرافيا ولغة
المقصود بأدب الرحلة.
الجذور الشعبية لأدب الرحلة.
المرحلة الجغرافية السياسية (الإسلامية).
الكشوف الجغرافية الإسلامية والأوروبية.
الرحلة إلى داخل الدولة الإسلامية وخارجها.
رحلات التبشير والحروب الصليبية.
المحيط الهندى والبحر المتوسط.
الرحلة فى المفهوم العربى والإسلامى ودواعيها.
مصطلح الرحلة.


(1)
المقصود بأدب الرحلة ، ما كتبه الكتّاب عن الرحلة بكل أنواعها ، وطرقها ، وأغراضها ، سواء كتب ـ عنها ـ صاحب الرحلة ، أو أحد آخر وسواء أكانت الرحلة عبر المكان الجغرافى أم عبر الزمان التاريخى ويدخل فى هذا الكتاب أدب الرحلة المتخيلة ذات المغزى الأخلاقى أو النفعى. ويدخل فيه أيضا ـ الرحلات الدينية والروحية فالمهم أن نقرأ أو نسمع عن هذه الرحلة لنسميها" أدب الرحلة".
ولهذا يرتبط هذا النوع من الكتابة الأدبية ، بوجود نص ، يمكن الرجوع إليه ويحدد هذا النص العمق التاريخى عن تأريخ هذه الرحلة ، والتعرف على خصائصها الفنية بخاصة ، والثقافية بعامة ويمكننا هذا النوع من دراسة تطور هذا النوع من الكتابة ، ومن الرحلة ذاتها ، حسب الأدوات التى يستخدمها الكاتب ومدى وعيه بها.

فأدب الرحلة يمكن أن نجد له جذوره الشعبية والأسطورية فى الحكايات والأساطير والملاحم والسير لدى الشعوب التى أنتجت هذه الأنواع. ولهذا كانت تسمى الرحلة آنذاك باسم القائم بها وليس باسم كاتبها.
فرحلة" عوليس" هى رحلة" عوليس" وليست رحلة" هوميروس" كذلك رحلة" إيزيس" فى بحثها عن جثة أوزوريس هى رحلة إيزيس وليست رحلة كاتب أو مؤلف أو مؤلفى هذه الأسطورة ، ورحلات السندباد البحرى فى ألف ليلة وليلة هى رحلات السندباد البحرى وليست رحلات المؤلفين الشعبيين الذين أنشأوا هذه الرحلات. كذلك تغريبة" بنى هلال" فى سيرتنا الشعبية وهكذا.
وأسطورية وشعبية هذه الرحلات وراء اختفاء كاتبها ـ بالطبع ـ وظهور اسم بطلها الأسطورى أو الشعبى وإن كانت الأسطورية هنا لا تتناقض مع إمكانية حدوث بعض حوادثها فى واقع الحياة كذلك وإن كانت شعبيتها لا تتناقض مع إمكانية حدوث هذه الرحلات أو بعضها. إنما يصدر الخلاف ـ هنا ـ من خلال الخصائص الأسطورية ـ الشعبية للرحلة القديمة عن الرحلة الوسيطة والحديثة والمعاصرة حيث تختلف الخصائص الثقافية والفنية واللغوية والتقنية فى الأسطورى والشعبى عن مثيلاتها فى الأدب معلوم المؤلف أو معلوم المصدر ، لأنه يكون آنذاك أدبا ذا خصائص فردية وإن مازجه انعكاسات وتأثيرات هذا التراث الأسطورى ـ الشعبى والخرافى فى أدب الفرد ، المنسوب إلى اسمه ولهذا يغلب على هذا النوع من" أدب الرحلة" المنظور" الشعبى" الذى كتب به ، وما يحمله

هذا المنظور من خصائص إنسانية عامة وفنية وتقنية تكاد تكون ثابتة ترتبط بفن القص والسرد الشعبيين على مر العصور.
وتملك هذه النصوص ـ أيضا ـ خصائص إثنو جرافية ، وإثنو لوجية (1) إلى جانب خصائصها التقنية الفريدة ، فهى نصوص تصلح كوثيقة لتحليل علاقات الأفراد والشعوب فى هذه الفترة البعيدة من تاريخ الإنسان.
ونستطيع أن نقول إن ما وصل إلينا ـ بلا شك ـ أقل بكثير جدا مما حدث ومما حكى ومما كتب ، فقد ضاعت فى أغوار التاريخ حكايات وأساطير وسير للأبطال والجماعات لم تصل إلينا ، ولكنها تركت فى ذاكرة الشعوب مادة متوارثة ، بقى منها ما اتفق مع أمزجتهم وذوقهم وثقافتهم.
ولهذا كانت المرحلة التالية فى الأهمية لأدب الرحلة أو الكتابة عن الرحلة ، تلك الرحلات العربية المحددة الموسومة باسم صاحبها ، فيما بين القرن الرابع الهجرى والتاسع الهجرى (العاشر والخامس عشر الميلاديين) وهى المرحلة التى خلفت لنا كتب الرحلات فى تراثنا الإسلامى.
وهى الفترة التى شهدت السيادة الإسلامية على المحيط الهندى وتجارته. كما شهدت الحروب الصليبية ضد السيادة الإسلامية فى الوقت نفسه ، وهذا ما جعل الرحالة المسلمين متوجهين إلى الأراضى الإسلامية بخاصة. فقد وضح الفارق بين الأنا والآخر ، فاستوجبت الدراسة من الفريقين المسلم والصليبى لهذه الأرض

الإسلامية ولسكانها ولهذا نستطيع أن نسمى هذه المرحلة من الرحلة بفترة الكشف والمغامرة السياسية والاقتصادية والعسكرية والفكرية والأدبية ولهذا :
كانت المرحلة الثالثة من الرحلة تتجه اتجاها نقيضا حيث تحولت من الشرق إلى الغرب الأوروبى بخاصة منذ عصر النهضة العربية وقيام الدولة العربية فى العصر الحديث.
* * *

(2)
ونستطيع هنا أن نقول أن الفترة التى شهدت هذه الرحلات المهمة كانت نتيجة للصراع العنيف بين السيادة الإسلامية صاحبة الحضارة المزدهرة الغنية وبين الحضارة الأوروبية التى سحب المسلمون البساط من تحتها ابتداء من سقوط روما وحتى بداية عصور الكشوف الجغرافية وبداية الثورة الصناعية فى أوروبا ، وحتى سقطت مصر والعالم العربى فى قبضة الأتراك العثمانيين من الناحية الأخرى ، أى من بداية سقوط العصور الوسطى الأوروبية وبداية العصر الإسلامى الوسيط ثم الحديث.
ولم يكن الرحالة العرب والمسلمون قادرين على هذه الرحلات إذا لم تتوفر لهم خصائص ذهنية وظروف اجتماعية واقتصادية تسمح لهم بذلك. فقد كان العصر الأموى (عصر توقف الفتوحات الإسلامية) وكان العصر العباسى ـ بالتالى ـ هو عصر (دراسة حضارة الشعوب ونقلها إلى الحضارة العربية الإسلامية) وكان

الرحالة المسلمون قد أخذوا قسطا كافيا من المعرفة عن الذات وعن الآخر على المستوى النظرى من الكتابات والحكايات والفتوح والترجمات ، وكان لابد أن تتحول هذا المعارف من النمط النظرى إلى النمط التطبيقى.
وظهرت بدايات هذه الرحلات مع بدايات رحلات أوروبية للتبشير ، ثم للتجارة ، ثم للاكتشاف ثم للاستعمار ، فقد شهد العصر العباسى الثانى (132 ه‍ ـ 656 ه‍) مناوشات مستمرة من قبل أوروبا بخاصة. استمرت بعد ذلك فى شكل موجات عسكرية مستمرة حتى سقوط نجم حضارتنا على يد العثمانيين ، وبالتالى كان محرك حركة الرحلة والغزو محركا اقتصاديا وإن تزيا بأزياء عرقية أو شعوبية أو دينية مختلفة حسب الظروف فى كل فترة تاريخية أو عصر من العصور.
* * *

(3)
وهذا الأمر يلفت النظر إلى أهمية المحيط الهندى الذى" يتميز ... بامتداده الشاسع وبتعدد الشعوب والبلدان على شواطئه كما أنه المحيط الذى ظهرت على سواحله ، وسواحل خلجانه أقدم الحضارات ، باستثناء الحضارة المصرية القديمة ، ولم يكن المحيط الهندى منذ القدم مياها مجهولة مثل الأطلسى (بحر الظلمات) أو الهادى ، بل طرقه البحارة منذ آلاف السنين فكان شريانا للحياة بين شطآنه وطريقا مائيا كثر ارتياده ، ولهذا أدى المحيط الهندى دورا عظيما يتضاءل بجواره دور أى محيط أو مسطح مائى آخر فى التواصل الحضارى وفى انتقال كثير من عناصر الثقافة وانتشارها على امتداد شواطئه (2).
ويعنى هذا أن العرب ثم المسلمين كانوا سباقين إلى المشاركة الحضارية لاقتراب بلدانهم من المحيط الهندى ، إذ جعلهم هذا الاقتراب متحكمين فى طريق التجارة الوسيط بين العالم كله ، فى

حين كان المحيطان الآخران (الهادى ـ الأطلسى) عائقين لأوروبا ، ومن ثم كان اقتصاد البلاد الإسلامية أكثر قوة من الاقتصاد الأوروبى وحضارتهم أنشط من حضارة أوربا خلال هذه الفترة.
كما يلفت النظر أن هؤلاء الأوروبيين فى كل تاريخهم الوسيط والحديث كانوا يحاولون السيطرة على هذا الطريق الحيوى من أجل ازدهاره يرجونها لاقتصادهم ، وبدل أن يتعارفوا مع سكان هذه المناطق من المسلمين راحوا يعدون الجيوش لغزوهم ، لأخذ ثأر قديم ، وأعتقد أن وجود قبضة إسلامية فى بلاد الهند وما حولها قد حافظ على الدولة الاقتصادية للمسلمين فترة طويلة فى مواجهة الاختراق الأوروبى ، ويفسر هذا الأمر ما رأيناه فى التاريخ الحديث من محاولات إنجلترا وفرنسا المستميتة للوصول إلى الهند والسيطرة على طرق التجارة والمواصلات بل يشرح ذلك لماذا احتلت الهند قبل مصر مثلا من إنجلترا ولماذا توجهت الحملة الفرنسية إلى مصر؟.
ولم يكن بعيدا ـ بناء على ذلك أن تنشأ الحكايات والأساطير عن هذه المنطقة وعن كنوز الشرق وسحره وفلسفته وديانته وسكانه لدى العقلية الأوربية المحرومة منها" فمن قائل إنها تأتى من الجنة ، وقول آخر يذكر أن منابتها فى بلاد تحرسها الأفاعى ... وصار الشغف بمعرفة مكانها والسيطرة عليه ملحا إلى أن انتهى الأمر بالكشوف الجغرافية والسيطرة على مناطق تلك السلع (3). وخلوا كذلك إلى اكتشافهم لطريق رأس الرجاء الصالح وهذا ما يجعل الغرب باستمرار مصدرا للإزعاج والقلق للمشرق وللشرق. وكان ذلك وراء ما أشاعوه عن خوف العرب من البحر والمياه ليثبتوا

تفوقهم بعد آلاف السنين من تفوق العرب والمشارقة الأسيويين فى هذا السبيل ، وقد أثبت المستعرب السوفيتى (بونداريفسكى) فى بحثه (العرب والبحر) أن سفر سفن فاسكو دى جاما من أفريقيا الشرقية إلى الهند لم يحالفه النجاح إلا أن الملاح العربى الفذ (أحمد بن ماجد) قد ساق السفن وقد عثر العالم السوفيتى شوم فسكى على مخطوطة أحمد بن ماجد" كتاب المنافع" ومما له دلالاته أن الملاح البحرى يعرب فى خاتمة كتابه عن أسفه المر لكونه فتح الطريق البحرى إلى الهند أمام الضوارى البرتغاليين (4) وقد أوضح العربى أحمد بن ماجد السبل والطرق التى قاد فيها السفن البرتغالية. وواضح أيضا أن من يقرأ رحلات السندباد السبع بألف ليلة وليلة يشعر بمعرفة هذه السندباد بهذه الطرق قبل فاسكو دى جاما.
* * *


(4)
وقد اقتصرت رحلات المسلمين إلى الديار الإسلامية. ولم تخرج خارج حدودها ، سواء أكانت الرحلة من المغرب والأندلس إلى المشرق الإسلامى ، أم كانت بالعكس ومن ثم كانت الرحلة الأوربية فى المشرق خارج حدودها. وكانت أولى المحاولات لاكتشاف" منابع الثراء" كما كانت الحركة الصليبية التى امتدت خلال الفترة نفسها وسيلة أخرى للوصول إلى منابع الثراء ، ولكن هذه المرة لم يكن الشرق كله يواجه فقد بعدت بلاد الصين والهند وما جاورهما أما العالم العربى فقد كان الطرف الذى وجهت إليه أوروبا الكاثوليكية عدوانها تحت راية الصليب ، وعلى مدى الفترة ما بين أواخر سنة وكانت الحرب الصليبية أو حروب الفرنج كما سماها العرب الذين عاصروها سببا رئيسا من أسباب تعطل قوى الإبداع والنمو فى الحضارة العربية الإسلامية وبعد نهاية النضال ضد الصليبيين دخلت المنطقة العربية فى منحى التدهور والأفول ، الذى أدى بدوره

إلى سقوط العالم العربى تحت السيادة العثمانية (5) وبالتالى توقفت المشروعات الإسلامية والعربية وليس مصادفة أن تتوقف أنواع أدبية وكتابية كثيرة منها أدب الرحلة ومنها أن النموذج الإفرنجى / الأوروبى تحول إلى نموذج جديد للتقدم ، فى حين وقفت الثقافة العربية تجتر الماضى المجيد وتتحسر عليه ، وتقوم بجمع وكتابة الموسوعات لتعويض الخسائر الفادحة فى كتبها ومخطوطاتها التى احترقت أو أغرقت أو سرقت أو طمرت بسبب الحروب الموجهة ضدها. وبسبب تحول النموذج الثقافى إلى نقيض الذات العربية والإسلامية خلقت مشكلة العلاقة بين ما أنتجناه فى فترات غفلة أوروبا ، وما يجب أن تأخذه منها بعد فترات غفلتنا وهى مشكلة صيغت فيما بعد وفى معادلة الأصالة والمعاصرة أو فى شكل صيغة الأصيل والوافد. لقد خبت شعلة الإبداع والرحلة بالنسبة لما كان خلال العصرين الأموى والعثمانى. إذ يتباطأ تطور الآداب والعلوم العربية منذ بداية القرن الحادى عشر مع نمو حجمها واتساع انتشارها ويضعف نشاط الترجمة ثم لا يلبث أن يخمد نهائيا. ويمكن اعتبار ترجمة المؤلف التاريخى لأرسيوس من اللاتينية فى إسبانيا وتراجم (البيرونى) من السنسكريتية فى" غزنة" التماعات أخيرة لهذا النشاط ، على أنها لم تؤثر تأثيرا يذكر على تطور الثقافة العربية ...... وتلاشى الاهتمام بما هو مكتوب باللغات الأخرى وما وصلت إليه الشعوب والحضارات الأخرى فى مجال الثقافة الروحية وتوقف تدفق المعلومات من خارج حدود العالم العربى الإسلامى. ما عدا أخبار الرحالة عن مختلف الغرائب (6).

فقد بقيت الرحلة رغم شحوبها ـ تتجه نحو ثقافة الشعوب الأخرى من زاوية العجيب والغريب كما يظهر فى عناوين كتب هذه الفترة المهمة من تاريخ ثقافتنا ومجتمعنا العربى الإسلامى وسوف تتكرر المشاهد السابقة ـ مرة جديدة ـ عند ما يحول العرب والمسلمون دفة التوجه من المحيط الهندى والبحر الأحمر والخليج العربى إلى (البحر المتوسط) بفعل عوامل سياسية وثقافية وعلمية جديدة وملحة منها محاولة النهوض الحديث بعد الكبوة العثمانية ومنها ما رآه العرب بخاصة من نهوض حديث فى الحملة الفرنسية والمتمثل فى ظهور فرنسا كنموذج حضارى جديد ومؤثر على ما حوله وما تحته من البلدان والعواصم.
* * *


(5)
تمثل الرحلة البرية والبحرية ـ إذن ـ الرحلة العربية الإسلامية. فقد انتقل العربى من التنقل البرى عبر الصحراء" إلى التنقل عبر البحار والمحيطات ولكنه شارك فى التراث الإنسانى برحلات أخرى روحية وفكرية وخيالية كما رأينا رحلة (الإسراء والمعراج) التى استوحى منها الكتاب الكثير من الأفكار ، ومصدرها الوحيد ، حديث النبى علية الصلاة والسلام كذلك رحلة (حى بن يقظان) من المولد بلا فكر إلى التعرف على الذات والوصول إلى وجود الله. ثم رحلة أبى العلاء المعرى إلى العالم الآخر فى" رسالة الغفران" وكلها رحلات خاصة بالمسلمين وعقيدتهم.
ويعنى ذلك أن المسلمين كانوا تواقين إلى الرحلة فى كل اتجاه. وكانت الرحلة البرية ثم البحرية مظهرا للرحلة الفاعلة فى نفوسهم وتكوينهم وخيالهم وروحهم يضاف إلى ذلك أن النظر إلى الآخرين فى الفكر العربى على أنهم" الأعاجم" الذين لا يبينون تحولت فيما

بعد الإسلام إلى النظر لغير العرب على أنهم" الموالى" ثم إنهم بعد ذلك" المولدون" وبذلك اختزن الرحالة هذه النظرية التى تفرق بين العرب وغير العربى ، والتى تشعر بالسيادة والغلبة على الآخرين وإذ كانت هذه السيادة أخذت شرعيتها من اللغة قبل الإسلام فإنها أخذت شرعيتها بعد الإسلام من مقولات قرآنية مشروطة مثل قوله تعالى" كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر" ومثل قوله تعالى" إن الدين عند الله الإسلام".
وصبت هذه الأفكار العربية والإسلامية فى نفوس الرحالة كتراكم تراثى مقدس ـ حكم نظرتهم إلى الذات وإلى الآخر.
" لهذا فنحن نرى أن ذهنية الرحالة المسلمين إبان هذه الفترة الأولى قد تشكلت ـ ولو بدرجات متفاوتة ـ فى إطار الشعور بالغلبة السياسية والحضارية لأن الانتماء إلى ثقافة الفاتح والحكم قد جعل ـ فى أغلب ظننا ـ الأساس الدينى / العرقى / الحضارى معيارا لوصف أغلب الأشياء ـ فى إطار مقولة التزيين أو التصحيح وفى الحكم على السلوكيات بما فيها من معتقدات وتقاليد وعادات فى ضوء أفضلية ثقافية" للذات" على ثقافة الآخر" أو" الغير"(7)وهذا ما جعلهم يتنقلون فى الديار الإسلامية بخاصة.
لأن دوافع الرحلة عند المسلمين تختلف عنها عند غيرهم. فهناك جذر تراثى عربى يمتد من الرحلة العربية الأولى وراء الكلأ والماء ، ووراء الحج ووراء الغزو أحيانا والشعر العربى حفى بهذه الرحلة وقد اتخذت هذه الرحلة شكل مقدمة ثابتة لوصف رحلات الخروج إلى البلدان المجاورة.

واتخذت الرحلة سندا إسلاميا مهما فى القرآن والسنة للعظة أو للعلم فهناك آيات قرآنية كثيرة تربط الرحلة بعظة التاريخ والتعرف على آثار الأمم السابقة ، وعلى ما آلت إليهم دولتهم كقوله تعالى" فسيروا فى الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين" وكقول النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم" اطلبوا العلم ولو فى الصين" ودلالة السياحة والتعرف على الجديد مشتركة بين المعنيين القرآنى والنبوى.
ولقد كانت الفتوحات الإسلامية تتطلب معرفة بالبلدان خارج شبه الجزيرة العربية. مما استدعى خروج الطلائع لتمهيد الطرق والتعرف على أحوال البلدان قبل فتحها" على أن دولة المسلمين قد فاقت إمبراطورية الرومان فى فتوحها وأملاكها وقد استلزم ذلك ـ عما كان هناك من قبل ـ كثيرا من طرق البريد وموظفيه ، مما توجد تفاصيله فى الكتب العربية التى ألفت لإرشاد العاملين ـ فى تلك الناحية ـ من الإدارة الإسلامية وهذه الكتب هى أول ما كتب المسلمون فى وصف البلاد التى خضعت لحكمهم (8).
وتعددت أسباب الرحلة فى هذا السياق فقد" اقتضت أحوال البلاد الإسلامية أن تكثر الرحلات حين اتسعت رقعة الإسلام ، وانشعبت سلطة الخلافة بين الملوك والأمراء حتى استقل بعضهم بحكم ما ولى من البلاد إذ كانت عناية الخلفاء حينئذ منصرفة إلى توثيق عرى المودة بين أولئك الأمراء ، ليقوموا بغارات على من يناوئهم من الأعداء ، وقمع ما يحدث من الفتن فى داخل البلاد فجابوا البلاد لدراسة أحوالها ومعرفة سهلها ووعرها ، وجبالها وأوديتها وطرقها البرية والبحرية وما تنتجه أرضها من أنواع الغلات حتى يجبى الخراج بنسبة ذلك ونظموا البريد وقاسوا الأبعاد (9).

ولا تقف الرحلة عند المسلمين عند هذا الحد ، فقد تحولت الرحلة إلى علم تؤلف فيه المؤلفات المتخصصة وهناك رحالون قبل الرحلتين الشهيرتين لابن جبير وابن بطوطة وهناك مؤلفات كثيرة قبلهما وبعدهما إذ تتعدد أسماء هؤلاء الرحالة أمثال :
ابن خردذابة (912 م) اليعقوبى (922 م) البلخى (432 ه‍) ابن حوقل (981 م) ابن جبير الأندلسى (1356 م) ابن بطوطة (1170 م) ابن سعيد المغربى ت (1274 م) وغيرهم.
وكتب ومعاجم البلدان التى كتبت بعد رحلات كثيرة أمثال : معجم البلدان (1179 م) لياقوت الحموى الرومى وقبله أبو دلف بن المهلهل بكتابه (عجائب البلدان) والمسعودى بكتابه (مروج الذهب) 915 م. وأبو الريحان محمد البيرونى بكتابه (تاريخ الهند) وأبو عبيد البكرى (المسالك والمماليك) وغيرهم.
وتمتد جذور الرحلة من هذين الجذرين العربى ، الإسلامى إلى رحلات فتح الأسواق للتجار المسلمين وإلى دراسة أحوال الشعوب وأخلاقها.
* * *

دلالات المصطلح


يفرق الفكر العربى بين مفاهيم كثيرة للرحلة : كالسفر ، والزيارة ، والجولة. ولكن لم تنفصل هذه الرحلة عن علوم عربية قديمة وعلوم إسلامية جديدة فللرحلة صلة بعلوم البحار وعلوم الجغرافيا والفلك والنجوم وهى علوم البيئة ، إلى جانب الخبرات التى اكتسبها العرب ثم المسلمون من الأمم المجاورة لهم عبر البر والبحر ، يعنى دراسة المكان وما فيه من خصائص وما يستجد عليه من عوامل طبيعية تؤثر على الرحلة وعلى الرحالة.
وقد بدأ الاهتمام (بالمكان) بكتب الأنواء فقد كان" عرب الجاهلية على معرفة بمبادئ علم الفلك وكانوا على علم أولى أيضا بالأنواء إذ كانت لديهم القدرة على التعرف على الأمكنة وأحوالها من غير دلالة عليها بالأمارات المحسوسة الدالة دلالة ظاهرة أو خفية ... فيستدلون على البقاع وهم فى بطون الفلوات (10).
ومن ثم كان العرب أدلاء فى مجاهل الصحراء وفى الطرق البرية والبحرية ، وكانت المصنفات الجغرافية الإسلامية فيما بعد امتدادا لهذه الخبرات العربية مضافا إليها ما عرفه العرب عن

الأماكن والأجواء من الكتب العلمية المترجمة وبدأت هذه المصنفات بكتب الجغرافية الوصفية وهى معلومات تشكل جزءا من المؤلفات اللغوية تحت عنوان الصفات تبدأ من عصر المأمون بن هارون الرشيد بدأها (السدودسى المتوفى 195 ه‍) ثم (النضر بن شميل المتوفى 203 ه‍) والكندى من الأوائل الذين كتبوا فى الجغرافيا وكان من رؤساء حكمه العلم اليونانى بين العرب (11).
ولهذا كانت الرحلة حلقة متسلسلة تراكمت فيها المعارف وتداخلت فيها العلوم حتى وصلت إلينا مكتوبة بطريقة يرضى عنها الذوق العام وترضى ـ فى الوقت نفسه ـ ذوق صاحبها ويعنى ذلك أنها استقلت تدريجيا وخلصت مادتها من مختلف ذوق صاحبها. أى أنها استقلت تدريجيا كجنس كتابى أو أدبى متميز إذا أطلقناه ، فهمنا منه شيئا محددا برغم اقتراب الدلالات من بعضها فيما تسمى بها الحركة الإنسانية عبر الزمان أو المكان. ولذلك حمل المصطلح فى ذاته تداخلات دلالية حتى أنه أطلق على أشياء ، وموضوعات وحالات وصفات متعددة ومن حقول دلالية ومعرفية متعددة ومختلفة.
والرحلة مصطلح يفيد الانتقال من نقطة إلى أخرى أى مغادرة مركز إلى مركز آخر وقد يفيد العودة إلى المركز الأول أو عدم العودة.
ولا يستخدم مصطلح الرحلة بمعنى السفر الجغرافى عبر المكان فقط ، بل يشتمل على دلالات مجازية ورمزية أتاحت للمؤلفين ـ على سبيل المثال ـ استخدام المصطلح للدلالة على الرحلة الزمانية عبر الزمن مع ثبات المكان والرحلة الروحية كما

يستخدمها المتصوفة والرحلة الفكرية بين المذاهب والأفكار أو بين مجموعة من الكتب أو مجموعة من الناس كذلك نجد الرحلة النفسية داخل الذات الإنسانية وكلها تخرج من مصطلح الرحلة فى دلالاته المباشرة والمجاوزة والرمزية.
ويرتبط مصطلح الرحلة بالكشف ، والاكتشاف ويحمل دلالة المغامرة والشقة حتى أصبحت كل حركة صغيرة أو كبيرة يمكن أن نطلق عليها رحلة ، فتصبح الحياة رحلة ويصبح الموت (رحلة) والتاريخ رحلة والاغتراب رحلة.
وقد تحمل دلالة الرحلة معنى السياحة والنزهة والاستمتاع ولكنها بحسب الهدف المنشود منها ، والطرق والوسائل التى تستعين بها يمكن أن تعطى دالات لا حصر لها حتى أنه يمكن تسمية الرحلة ووصفها بصفات وأسماء خاصة إذا عرفنا هدفها وظروفها ووسائل تحقيقها.
فقد تعنى الشجاعة والإقدام كرحلة الجيش أو الاكتشاف الجغرافى. وقد تعنى الهروب إذا كانت تبعد صاحبها عن تحمل المسئولية مثلا. وهكذا يمكن أن تتعدد الدلالات والمعانى لهذا المصطلح الفضفاض.
وهذا ما دعا الكتاب إلى تسمية مؤلفاتهم باستخدام مصطلح الرحلة بظلاله وهوامشه الدلالية. فنجد رحلة السندباد ، رحلة ابن فطومة ، رحلة إلى الغد ، رحلة المستقبل الرحلة إلى الآخرين رحلة إلى الإنسان من الحنين إلى الجنان رحلة العمر ، رحلة الأدب ، رحلة النفس ، رحلة الروح ، الخ. وكلها تعنى الانتقال بين نقطتين عبر

الزمان أو المكان أو النفس والنفس أو شىء آخر إنها تعنى (الحركة) فى النهاية أو التحول (بلا نهاية) أيضا ونجد فى لسان العرب أن (الرحل) مسكن الإنسان وما به من أثاث و (الراحلة) ما تصلح للرحلة والترحل ـ والارتحال : (الانتقال) وهو (الرحلة ، والرحلة) (والرحلة) اسم الارتحال وهو عكس الحلول والترحل ارتحال فى مهلة (12) حيث أن مادة رحل وتقلباتها تدل على المسير والانتقال مشروط بعده أو غير مشروط وأنها باستمرار (الرحلة) ضد الحل والحلول والاستقرار ونجد فيها أيضا (مادة رحل) دلالات التمكن والقدرة على الرحلة ولهذا نستشف من هذه المادة أن الرحلة مرتبطة بالمشقة والتعب لدى العرب الذين اشتقوا تقلبات هذه المادة. ونجد أصداء متعددة لهذه الرحلة فى الشعر العربى الجاهلى وما بعده فنسمع امرأ القيس قد طوف الآفاق ورحل فى كل واد يقول : ـ
فقد طوفت فى الآفاق حتى


رضيت من الغنيمة بالإياب

ـ ولكن شاعرا آخر يعد كل الدنيا بلاده ، بل البر والبحر ملك له ولقومه وإن زدنا ـ ومن عليها ـ يقول عمرو بن كلثوم فى قصيدته النونية الشهيرة :
وأنا المانعون لما أردنا وأنا


النازلون بحيث شينا

ملأنا البر حتى ضاق عنا


وظهر البحر نملؤه سفينا

لنا الدنيا ومن أضحى عليها


ونبطش حين نبطش قادرينا

ويعنى ذلك أن العرب لم يخافوا السفر أو الرحلة إنما عمدوا إليها فى جاهليتهم وإسلامهم بل قلدوا الطبيعة فى تقلبها وكانت الشمس نموذجهم فى هذا السبيل لأنها تمثل حركة الزمان وما

يحدث على المكان من آثار بل ما يحدث للبر والبحر والسماء والجو والإنسان من جراء ذلك. ونرى (أبا تمام) وقد لخص هذا الأمر فى حكمته الشهيرة عن (التجدد) بالرحلة كما تجدد الشمس بقوله :
ولم تعطنى الأيام نوما مسكنا


ألذ به إلا بنوم مشرد

وطول مقام المرء فى الحى مخلق


لديباجتيه فاغترب تتجدد

فإنى رأيت الشمس زيدت محبة


إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد

(ديوان أبى تمام ج 2 ، ص 23) (13)
وكأن الحل والحلول ضد طبيعة البشر. وكأن الرحلة هى جوهر الحياة البشرية حتى أن الثبات يخلق وجه الإنسان بين قومه يجعله قديما باليا. وهنا تأتى مقولة أبى تمام والتى تحمل تناقضا بين نصفيها (فاغترب تتجدد) حيث يكون التجدد بمعاناة البعد والاغتراب عن أنس الأهل والأحباب كالتجدد الناشىء للشمس من غروبها ، وكالتجدد الناشىء من احتراق طائر العنقاء وتجدد حياته بعد الموت بل بالموت والتناسخ وهذا معناه أن لذة الرحلة لا تقل بل تزيد عن لذة الحلول والاستقرار لأن العربى (ثم المسلم) يعتقد ـ بمنطق التمايز والسيادة والفصاحة ـ أن الأرض ـ له ـ يطوف آفاقها حتى أن رضى (من الغنيمة بالإياب) كما عبر ـ (امرؤ القيس) وحتى أن نزل حيث يشاء من البر والبحر بمنطق البشر كما صور (عمرو بن كلثوم) ولكنهم ـ جميعا ـ يعتقدون أن كل رحل سيعود إلى داره وأهله لأنهم يعون الزمان فى شكل دائرى والرحلة فى شكل دائرى كالعجلة لابد ـ إن دارت ـ أن يعود أولها من أخرها.

ويرتبط مفهوم الرحلة هنا بالمكان والزمان على السواء. فإذا كان كل شىء يعود لأصله وبدايته فتصور الرحلة زمنيا يرتبط بها مكانيا أى أنها هى الأخرى مستديرة كدورة الأرض ودورة الشمس ودورة الفلك ، وكان التجدد من ثم سمة أصيلة فى الرحلة والراحل وأن الاغتراب نفسه علاج لسكونية الحياة المملة وقد تصور الفكر العربى والإسلامى أن الزمان والمكان غير منفصلين وأن الزمان رغم أنه لا يعود إن مضى ، فإنه يعيد نفسه فى ظواهر يومية وفصلية وسنوية تعيد للذهن الزمان والمكان وكذلك نلاحظ ارتباط الرحلة بتوقيت زمنى يعطيه الإنسان الأمل فى العودة وقد امتد هذا المفهوم لدلالة الرحلة الروحية والنفسية والذهنية ـ حتى أن رحلة الموت لا تقف عند ـ مجرد الموت فإن البعث يعيد الحياة مرة ثانية وهذا ما جعل علوم الرحلة تفيد دراسة الزمان والمكان فى اتصالهما الكونى ابتداء من الجغرافيا ونهاية بالتاريخ.
* * *

هوامش الفصل الأول
(1) ـ يعرف حسين محمد فهيم فى كتابه" أدب الرحلات" هذين المصطلحين بقوله" نبدأ بمصطلح الإثنوجرفيا ذاته لنجد أنه كلمة معربة تعنى الدراسة الوصفية لأسلوب الحياة ومجموعة التقاليد والعادات والقيم والأدوات والفنون والمأثورات الشعبية لدى جماعة معينة أو مجتمع معين خلال فترة زمنية محددة وفى مقابل هذا المصطلح نجد مصطلحا آخر وهو الأثنولوجيا الذى يهتم بالدراسة التحليلية والمقارنة للمادة الاجتماعية الإنسانية من حيث أصولها وتنوعها ، انظر :
حسين محمد فهيم أدب الرحلات ، سلسلة عالم المعرفة رقم (138) الكويت ، يونيو 1989. ص 49 وانظر أيضا ص 71 ، ص 68.
(2) ـ شوقى عبد القوى عثمان ، تجارة المحيط الهندى فى عصر السيادة الإسلامية (904 ه‍) ـ (661 ـ 1498 م) سلسلة عالم المعرفة. (151) الكويت يوليو 1990 ص 7.
(3) ـ المرجع نفسه ، ص 9 ، 10.
(4) ـ بونداريفسكى الغرب ضد العالم الإسلامى من الحملات الصليبية حتى أيامنا ، ترجمة إلياس شاهين دار التقدم الاتحاد السوفيتى موسكو الطبعة الأولى 1985 م ص 11 وانظر تفصيلات هذا الموضوع فى مقاله :
شوموفسكى الإبحار العربى بين صفحات 364 ـ 407 وصفحة 398 بخاصة وهى التى يتناول فيها موضوعات كتاب أحمد بن ماجد وهذه المقالة ضمن كتاب : دراسات فى تاريخ الثقافة العربية ، القرون (5 ـ 15 ه‍) ترجمة أيمن أبو

شعر ، دار التقدم موسكو 1989 وهو مجموعة دراسات صادرة عن معهد الاستشراق بأكاديمية العلوم فى الاتحاد السوفيتى.
(5) ـ قاسم عبده قاسم ، ماهية الحروب الصليبية سلسلة عالم المعرفة الكويت رقم (149) مايو 1990 ، ص 10 ، 11 وانظر ص 219 من الكتاب نفسه.
(6) ـ مقالة خالدوف ، الثقافة الكتبية ضمن كتاب دراسات فى تاريخ الثقافة العربية السابق ص 238.
(7) ـ حسين محمد فهيم ، أدب الرحلات ص 192.
(8) ـ رحلة ابن جبير دار الكتاب اللبنانى مقدمة محمد مصطفى زيادة ص 5.
(9) ـ رحلة ابن بطوطة دار الكتاب اللبنانى ، مقدمه مهذب رحلة ابن بطوطة للمرحومين أحمد العوامرى ومحمد أحمد جاد المولى ص 9.
(10) ـ ياسين إبراهيم على الجعفرى اليعقوبى المؤرخ والجغرافى فى سلسلة دراسات رقم (213) منشورات وزارة الثقافة والإعلام بغداد 1980 ـ ص 184.
(11) ـ المرجع السابق ص 187.
(12) ـ لسان العرب مادة رحل ج 2 ، ص 208 ـ 11611
(13) ـ ديوان أبى تمام ج 2 ، دار المعارف القاهرة 1983 ، ص 23.
* * *

الفصل الثانى
الخصائص الفنية لأدب الرحلة
السرد ، التقنية ، اللغة
ـ متعة الحكى.
ـ متعة المشاهدة.
ـ متعة التعرف.
ـ الوظيفة التوثيقية.
ـ المقارنة.
ـ الرحلة تمثل صيغة الوعى.
ـ الرحلة الذاكرة / الاختيار (التشكيل والصياغة).
ـ الرحلة القناع.
ـ الرحلة الرمز.
ـ الرحلة.
ـ الطبيعية والواقع فى الرحلة.


ـ متعة الحكى .....
" متعة الحكى" هى الخصيصة الأولى فى أدب الرحلة وهى متعة متشابكة يشتبك فيها ما هو ذاتى ونفسى بما هو موضوعى واجتماعى بما هو فنى وجمالى وتبدأ متعة الحكى من الرغبة فى الحكى وسرد الذكريات والمواقف والحوادث التى عايشها الرحالة ، حتى يرتاح من عبء هذه المخزونات النفسية التى تعرت فيها نفسه أمام الطبيعة فى قوتها من ناحية وأمام الآخرين عند الإحساس بالاحتياج إليهم ، من ناحية أخرى ، فالحكى وسيلة التخلص من أى مأزق أو شدة يقع فيها الرحالة.
وتزداد المتعة كما توغل الرحالة فى الحكى والسرد والتذكر وعقد الحكاية وفرعها ، لأنه فى كل مرة يكشف عن جانب بطولى أو إنسانى فيها. ولهذا كان المتلقى عاملا مهما جدا فى إذكاء روح الحكاية وشهوة السرد لدى الرحلة أو كاتب الرحلة ، إذ كما خاطب

وجدان المتلقى وأشركه معه وضمن تعاطفه أو اشتراكه فى المصير ، كلما يزيد الراوى من التفصيلات.
ـ متعة المشاهدة :
" متعة المشاهدة" تعود إليه عند إعادة سرد الحكايات والتفصيلات كما يفترض فيه" المتلقى" تحديد زمان الحكى والنقل الشفاهى وصدق الوصف وحسن الاختيار فهم (المتلقون) لم يشاهدوا ولم يسمعوا ، ولم يغامروا ، ومن ثم لا يقف سرد الرحلة عند مجرد المتعة السمعية بل هناك المتعة الوصفية متعة قلب السمع إلى بصر ، أى أن يصف لك الرحالة الشىء بلغته كأنك قد رأيت وقد سمعت. فأنت تسمع لتشاهد فكل الحوادث (بصرية) والسمعى فيها يتحول إلى" بصرى" مرة أخرى لحظة أن يختزن فى الذاكرة ليدخل ضمن منظومة الخيال الواصف أو المصور يسترجعه الراوى فى كل مرة بنظام خاص ولكنه عندما يقيده" كتابة" يثبت عند شكل واضح ومتميز الخصائص.
ـ متعة التعرف :
كل ما يحكيه صاحب الرحلة يحدث له لأول مرة ـ وهو الرحالة المكتشف ـ لهذا يسمعه المتلقى لأول مرة وبالتالى يقوى الجانب المعرفى ، والتعريفى ليصبح من خصائص أدب الرحلة ، وهى متعه معرفية تضيف خبرات ومعارف" إثنية" عن جغرافيا الأماكن وأخلاق الناس ، وعاداتهم وتقاليدهم وثقافتهم.

ـ الوظيفة التوثيقية :
من أهم الجوانب الموضوعية فى أدب الرحلة أنه وثيقة تاريخية على مرحلة محددة من الزمان والمكان والإنسان ، فالرحلة حين يسجلها يعرف أنها ستقرأ فى كل زمان آت لهذا يتحرى جانب الصدق والأمانة فى الوصف والحكى لأن هذا الجانب يعرضه لنقد الناس أو نقمة الحال أو يتعرض ـ عند الكذب ـ إلى هذه الحالات جميعا ثم إن أصحاب البلاد التى زارها سيصفونه بالكذب والخداع لأنه لم يكن أمينا على ما رأى.
وهنا ـ أيضا ـ يتعرض الرحالة لموقف صعب حين يصف وصفا سيئا لعيوب الجماعات الأخرى ، المختلفة معه فى الدين أو الثقافة لأنه يصبح ذا منظور قاصر وذاتى واليوم ونحن نقرأ بعض رحلات الرحالة المسلمين تحسن جانب التعالى واحتقار من ليس من دينى ولغتى وهو أمر غير محمود ، وهذا ما يبتعد عنه الرحالة العرب المتحدثون ويظهر هذا الحرص فى وصف الرحلات التى قام بها الأدباء العرب فى القرن العشرين فى البحر أو فى النيل فى أوروبا أو آسيا أو أفريقيا أو أمريكا فهم يصفون الجوانب المشرقة الجميلة التى تصلح كمتعة ومعرفة وتوثيق فى آن واحد ، وكأن الكتاب المحدثين يشوقونا ويحببوننا فى هذه الرحلات وإن جاءت الصفات السلبية لديهم ـ بالقياس بما نحن عليه ـ ألحقت بقولهم أن لكل جماعة حياة وثقافة ودينا.
أما حكايات الغرائب والعجائب والعفاريت والجنيات والشياطين فالمقصود بها جانب التشويق والإبهار إلى جانب التوثيق ، وهنا يختلف مصطلح التوثيق عن مصطلح التسجيل فعلى الرغم من

ضرورة توفر الصدق والأمانة فى التسجيل إلا أنه لا يرقى إلى دقة وموضوعية التوثيق الذى بعد أن يسجل ويصف ويحلل ويناقش ويحاور هذه الأشياء المسجلة حتى يصل إلى حقيقتها وهنا تصبح التسجيلية التوثيقية إحدى خصائص أدب الرحلة فى القديم والحديث على السواء تضاف إلى معارف المتلقين فيزدادون معرفة وخبرة وثقافة لم يكونوا بالغيها إلا بشق الأنفس ، وبكبد الرحلة والعشرة وتضيع السنين الطوال من العمر فبعض الرحالة قضى خمسة وثلاثين عاما من الرحلة وهذا ما لم يستطعه أحد فهناك جانب التضحية بالنفس والإحساس بالشهادة وهذا الإحساس يزيد من نفس المتلقى ، إكبارا واندهاشا من شجاعة هذا المغامر المضحى ، فتزيد أهمية المعلومة التى يتلقاها ومن ثم يحس (الراوى الرحالة الكاتب) بميزة نفسية وفكرية ثقافية على المتلقى لأنه رأى وسمع ما لم يروه أو يسمعوه ولا يتيسر لأى أحد.
ـ المقارنة :
ويقارن الرحالة والمتلقون فى الوقت نفسه ما يستمعون إليه بما هو حاضر لديهم فى نفوسهم وبلادهم وهى مقارنة يقصد منها معالجة القصور المعرفى الذاتى ـ الفردى والجماعى لهذا تقوم هذه الرحلات بواجب أخلاقى هو تهذيب النفس والتواضع أمام اتساع الكون أمام نظر الرحالة وامتلاء الدنيا بالعجيب فى البر والبحر فى الناس وفى المخلوقات والطبيعة يحس المتلقى ساعتها ضآلة نفسه وضآلة موقعه الجغرافى أمام هذه البلاد التى لا تنتهى ويحس أنه قطرة فى محيط الخلق ، وكم قامت مشاريع إصلاحية من جراء هذه

المقارنات فى عقول المتلقين لإضافة ما يفتقده الفرد وما تفقده الجماعة من الجماعات الأخرى وهذا ما دفع إلى الاكتشاف المتجدد وتبادل المنافع ونشر الأديان.
ولا ننسى فى هذا السياق كم الغزوات والحروب التى نشأت نتيجة هذه الرحلة أيضا فقد يطمع الحاكم أو القائد العسكرى فى هذه البلاد فيجهز الغزوة ليسيطر على قطعة جديدة ذات ثروة بعيدة وكما تثير الرحلة شهوة الاكتشاف والمغامرة تثير حس الطمع والطموح فى الوقت نفسه ، وكم سمع ملك عن ملك آخر من هؤلاء الرحالة فطمع فى ملكه بسبب ضعفه أو سمع ببلاده الجميلة أو خرج إلى هذه البلاد البعيدة ليأتى بمهر محبوبته أو رأس عدوه أو استرد ما أخذ منه أو أدب ملكا وراء البحار أو وراء المفاوز.
ـ الرحلة تمثل صيغة الوعى :
الرحلة مرحلة ومستوى من الوعى يتصل بما استطاع أن يصل إليه الإنسان من أدوات تختصر له الزمان وتقرب له المكان وتمكنه من إخضاع ما هو خارج الإنسان لما فى داخله وكلما اكتشف الإنسان أداة يزداد وعيه وكلما أحسن توظيفها ارتقى وعيه أكثر ، وهكذا فالفترة التى اعتمد فيها الإنسان على الشمس والنجوم فى تحديد الجهات كان الطريق البرى والبحرى أنسب الطرق فى الرحلة وهنا خلعت صفات مناسبة على الرحالة تتخلص فى : القوة والشجاعة والمروءة ، ولما اكتشف الإنسان البوصلة واستطاع أن يتقدم فى علوم الرياضة والفلك كان البحر أنسب الطرق لهذه الرحلة وأقصرها.

وبعد التقدم العلمى عقب عصر النهضة وما آلت إليه فى القرون الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين أصبحت الرحلة تتم برا وبحرا وجوا داخل إطار الكرة الأرضية لكنه (الإنسان) بعد أن اخترع سفن الفضاء ومكوك الفضاء ، أصبحت الرحلة تتم عبر الكون وليس حول الكرة الأرضية فقط.
وبهذا تنمو صيغة الوعى البشرى والإنسانى ويصبح الإنسان سيد هذا الكون حقيقة وليس أملا أو بشارة تبشر بها الكتب أن الوعى الإنسانى يرتقى باكتشاف الأدوات وطرق استعمالها يزيد من رقعة الوعى فى عقل وبصيرة الإنسان ولهذا تنحو الرحلة الآن مناحى كثيرة مختلفة عما كانت عليه من المحدودية بقدرات الإنسان الطبيعية فقد استمد الإنسان قوى إضافية من المخترعات والمكتشفات.
الآن يستطيع الإنسان أن يقوم برحلة فى أى مكان من الكون بواسطة الإنسان الآلى والتلفزة والميكروتلفويون الخ. ويستطيع أن يشاهد الأرض والنجوم والكواكب السيارة وهى تقوم برحلتها الزمنية الآلية على شاشات التليفزيون بالتلسكوب الألكترونى ومن ثم تحولت الرحلة عبر الوعى إلى رحلة كونية بعد أن كانت تتم بالقدم والدابة والمركب.
ـ الرحلة الذاكرة والاختبار :
(التشكيل والصياغة)
تكتب الرحلة عادة بعد العودة منها أى بعد أن تتم وتكتمل ويعود صاحبها إلى أهله ووطنه. ثم يقعد لإملائها أو كتابتها ويعنى هذا

أنها مختزنة فى الذاكرة طوال الرحلة والعودة ويعنى ذلك أن عمل الاسترجاع والتداعى جوهر هذه الرحلة المحكية أو المكتوبة ومن ثم فهى عرضة" للاختيار" والنسيان ، والتناسى وهو ما يسمى عنصر الترتيب والاختيار. ونظم الرحلة فى سلك لغوى متزن.
وهناك تصور عام يبقى فى ذهن كاتب الرحلة ، فقد حدد أولها وخاتمتها وألم بمشكلاتها ودون ملاحظاته واستوعبها بروية وتمعن ولهذا يقوم بترصد ما رأى مازجا إياه بما أحسه وما فهمه وهنا تتداخل أساليب" الوصف" المباشرة التقريرية والوصفية والتصويرية لأنه يضع المعلومة بجوار وصف تقريرى دقيق للمكان والزمان والإنسان وفى الوقت نفسه تتداخل مشاعره كما يتدخل تراثه وثقافته الخاصة فى عملية الفهم والتحليل والتعليق وكان لابد ـ إذن ـ أن تتعدد طرق وأساليب الوصف والتصوير.
ومن ثم يكون إهمال مشاهد ومسامع وملاحظات من عمل العقل فى جانب الاختيار بالسلب بينهما يكون استحضار مشاهد ومسامع وملاحظات من عمل العقل فى جانب الاختيار بالإيجاب لكن كتابة الرحلة هنا تستبعد التوهمات والأمانى وإن كانت الرحلة تستوعب من الكاتب أن يدلى برأيه وأن يسقط من نفسه على النص وأن يزيح عن نفسه أيضا بعض الأمور دون أن يجور على موضوعية وتوثيقية وحقيقة الرحلة فما التعليق والمناقشة والاختيار والمقارنة والموازنة إلا تدخلات الذات فى الموضوع للوصول إلى هدف موضوعى وليس هدفا ذاتيا آخذين فى الاعتبار علاقة (الأنا) الحاكية (بالآخر) موضوع الحكاية أو بالآخر غرض الحكاية (المتلقى) كعناصر موجهة للكتابة فى الوقت نفسه.

ـ الرحلة قناع :
قد تتخذ الرحلة قناعا لبث فكرة خاصة كما نجدها فى الرحلة العقلية فى" رسالة الغفران" لأبى العلاء المعرى" أو" حى بن يقظان" لابن طفيل ، فهى رحلة قناع من أجل الوصول إلى أهداف أخرى غير الرحلة وغير القص ، منها التعرف على الذات ونقدها عبر معرفة الآخر من أجل إغناء الذات وتطوير قدراتها وملكاتها وتحقيق مصالحها ولهذا تمتلئ بالرموز والموثقات وتتخذ مما هو جزئى ومحدود ما هو عام ومطلق وتجريدى ويدخل هذا النوع رحلتا علم الدين لعلى مبارك وتخليص الإبريز لرفاعة الطهطاوى.
ـ الرحلة الرمز :
كذلك تتخذ الرحلة رمزا على أشياء كثيرة حسية وروحية مثل" رحلة الإسراء"" ورحلة المعراج" وما دار فيها من معجزات وخوارق ومشاهد وحوادث وأفعال تصب كلها فى أهداف أخلاقية تعليمية دينية.
وهنا لابد أن نشير إلى أن : ـ
كل الرحلات لها أهداف تعليمية ونقدية وأخلاقية وتثقيفية تتركز كلها حول ذات الكاتب وهنا تمتزج الرحلة بالسيرة الذاتية وبكتابة المذكرات والتأريخ الأدبى فى الوقت نفسه.
وتتداخل بذلك متعة (الكاتب الراوى والمتلقى) كوظيفة نفسية مع بقية الوظائف والخصائص كاعتمادها على (القص / الحكى /

الرواية / السرد) وخصيصة وظيفة) التعرف والتوثيق والمقارنة وتمثيل صيغة الوعى الإنسانى والاختيار والتداعى (التذكر الواعى) ثم يمتزج هذا كله بكون الرحلة قناعا ورمزا وفنا من منظور كاتب الرحلة.
(الطبيعة والواقع فى الرحلة):
لقد كانت الرحلة المكتوبة عن رحلة قام بها صاحبها مناسبة مهمة لانشداد الفكر العربى تجاه الواقع والاعتماد على (التجريب الحسى) و (الخبرة الفردية) التى تثبت لاسكونية الأشياء ولا محدودية الطبيعة أو كما يقول" إيان واط" عن ظروف نشأة الرواية الأوروبية وهو كلام يمكن أن نفسر به أهمية كتب الرحلة كبداية لنشوء فن الرواية العربية حين يقول : " لقد دأب الكتاب على تجسيد وجهة النظر هذه حتى القرن التاسع عشر إذ استخدامها خصوم" بلزاك" مثلا للهزء بانهماكه فى الواقع المعاصر ـ والواقع يتنافى التبدل حسب رأيهم ـ ولكن فى الوقت نفسه ـ كان هنالك اتجاه يتنافى بدءا من عصر النهضة فلا حقا لإحلال الخبرة الفردية محل الموروث الجماعى فى إصدار القول الفصل حيال مسألة الواقع فهذا التحول يشكل كما يبدو قسطا هاما من الخلفية الثقافية العامة التى أدت إلى نشوء الرواية (1) فى أوروبا وعندنا نحن العرب فى الوقت نفسه إلا أن الفكر الأوروبى قد استطاع هذا التحول ووقفنا نحن مطمئنين إلى شعرنا ومقاماتنا التعليمية ثم سيرنا.
ولأنها رحلة تمثل جزءا من حياة صاحبها ومن الزمن العام والمكان العام فهى رحلة تقوم على إعادة ما كان بأسلوب خاص يبدأ

من طريقة الكتابة إلى الحوار مع الآخرين ابتداء من حاكم المكان إلى سكان هذا المكان مرورا بالعلماء والفقهاء والمحدثين والمفسرين والتجار وصاحب الرحلة يعيش مع هؤلاء فترات طويلة نفس حياتهم حتى يتأقلم مع حياة الآخرين وهنا تظهر الرحلة على أنها حوار وتقمص وجدانى فى أن واحد وهذه الخصائص كلها كانت كفيلة بكتابة الرحلة على أنها حكاية واقعية بالضبط كما حدث مع طبيعة بلزاك.
ويدعو هذا السياق إلى قول بعض الدارسين فى كون" أدب الرحلات أب الآداب جميعا" مثلها مثل السيرة والمسرح على سبيل المثال" لأنه يمكن أن يحوى كل فنون الأدب" إلى جانب العلوم الإنسانية الأخرى كعلم النفس وعلم الاجتماع والتاريخ والجغرافيا والأنثروبولوجى. ففى نظرهم أن القارئ يجد فيه المقالة الموضوعية والنقدية والوصفية كما يظفر بالترجمة الشخصية ... وفيه يجد القارئ متعة عند قراءة الحكايات التاريخية أو الأساطير أو تاريخ البلدان (2) ومن ثم كان تطور هذا الفن الكتابى نحو تخليص القص من مباشرة الوصف والغوص فى تفاصيل لا يربطها إلا المكان.

هوامش الفصل الثانى
(1) ـ إيان واط نشرة الرواية ، ترجمة عبد الكريم محفوظ ، منشورات وزارة الثقافة سوريا ، 1991 ، ص 12.
(2) ـ سيد حامد النساج ، مشوار كتب الرحلة ، مكتبة غريب ، 1992 ، ص 100.
وانظر خصائص أخرى فى الكتاب نفسه ص 71 ، ص 81 ، ص 84 ، ص 85.


الدراسة التحليلية
لرحلة الشام
لإبراهيم عبد القادر المازنى
نص كتاب رحلة الشام
مزود بالعناوين والتراجم
ـ رحلتا الشتاء والصيف.
ـ عدم التدخل فى الشئون الداخلية لأى بلد.
ـ التمسك بالمصرية والمحافظة على سمعة مصر.
ـ درس فى القومية العربية.


مقدمة
الرحلة كما وضعها المازنى
أتيح لى فى الشهور الستة الأخيرة أن أقوم برحلتين طويلتين واحدة إلى الشام للاشتراك فى مهرجان المعرى أو عيده الألفى ، بدعوة المجمع العلمى بدمشق وبالنيابة عن نقابة الصحفيين ، والثانية إلى العراق بدعوة من حكومته الموقرة لإلقاء طائفة من المحاضرات الأدبية. وكانت الرحلة الأولى فى الصيف وقد نشر" البلاغ" البحث الذى كنت أعددته لمهرجان المعرى ووصف ما كان فيه فلا حاجة بى إلى العود إلى ذلك ، وكانت الثانية فى الشتاء وهى أطول وأحفل ولست أكتب اليوم لأصف شيئا مما كان فى هذه الرحلة الشتوية فإنى أهيئ لهذا كتابين أرجو أن يوفقنى الله فأخرجهما قريبا بعد أن أتلقى ما تركت فى العراق من أوراقى وإنما أكتب هذا الفصل لأعالج مسألة قومية.

ويحسن قبل أن أتناولها بكلام أن أقول إنى حرصت فى كل رحلاتى ، وهى كثيرة على مبدأين : لم أحد عنهما قط ، وإن كانت صلات المودة والصداقة بينى وبين كثيرين من أبناء البلاد العربية الشقيقة تغرى بالتبسط وترك التحرر والتحفظ ، فأما المبدأ الأول : فأنا لا أدخل فى أمر داخلى للبلاد التى أزورها أو أتطفل عليها بالخوض فى شئونها أو التعرض بخير أو شر لأحد من رجالها ، وأما المبدأ الثانى : فأن أكون مصريا قحا لا يعرف غير مصر ولا يجعل باله إلا إلى سمعتها ولا يذكرها أو يسمح بذكرها أو ذكر أحد من رجالها بغير الخير وقد كلفنى هذا شططا وحمل أعصابى فى بعض الأحيان فوق طاقتها فما كانت أحوالنا فى كل حال بالمرضية. وأنا رجل أوثر الصراحة والحق على المداورة والمكابرة ولكن الواجب هو الواجب ومن فضل الله أنى تعلمت وتعودت أن أقدم الواجب على الهوى.
ولعل أكثر المصريين لا يدرون أن مصر كتاب مفتوح تقرأه البلاد العربية صفحة ، صفحة ، وسطرا سطرا ، وحرفا حرفا ، وقد لا يدركون أن لبلادهم مقاما ممتازا ومنزلة ملحوظة وأن صحفها تدرس ـ ولا أقول تقرأ ـ وتغربل وتنخل ولا يهمل منها حتى الإعلانات وأن القوم يعرفون أعلامنا واحدا واحدا وفى وسعهم أن يكتبوا لهم تراجم دقيقة مستفيضة وأنهم واقفون على أحوالنا وسير الرجال عندنا ومجرى الحوادث فى أرضنا وقوفا يدهش ويروع ويربك.
فى سنة (1936) كنت عائدا من العراق مع صديقى الأستاذ أسعد داغر (1) إلى شرقى الأردن من صحراء جرداء لا ماء فيها ولا

شجرة وأنا لنتلمس طريقنا فيها على حذر وإذا بسيارة مقبلة فلما لمح راكبها الطرابيش على رؤوسنا استوقفنا وأقبل علينا يسألنا عن المفاوضات المصرية الإنجليزية وما يحتمل أن تفضى إليه ، وهل يرجى لها نجاح؟ ولم نكن نعرف شيئا يجيز لنا أن نعرب عن أكثر من الأمل ، فدعى لمصر بخير ومضى فجعلنا نتعجب لهذا الشيخ ـ فقد كان من شيوخ العشائر ـ وعنايته بأخبار مصر ودقة تتبعه لها.
مصر كتاب مفتوح
وفى هذا الشتاء كانت صحف مصر تتخطف فى بغداد وغيرها من مدائن العراق. وكان فى بعضها أسماء المرشحين فى الانتخاب لمجلس النواب ، فكان أغرب ما فى الأمر إنى أنا المصرى لا أعرف شيئا عن معظم المرشحين على حين كان العراقيون لا تخفى عليهم من أمرهم خافية وقد جاء تقديرهم لاحتمال النجاح والتفوق والإخفاق أقرب إلى الصحة من تقديرى فيما بينى وبين نفس ـ كنت فى هذا وما إليه أتوخى أن أصغى إليهم دون أن أقول شيئا.
ـ وما من كتاب ينشر فى مصر إلا وهو يلتهم التهاما فى البلاد العربية وهم لا يكفيهم أن يقرءوا ويدرسوا ولا يقنعوا إلا بأن يقفوا على بواعث التأليف أيضا ولماذا طبع فى هذه المطبعة دون تلك ...... الخ.
وفى سنة (1930) برز لى شاب فى صحراء الحجاز ـ عند وادى فاطمة ـ وسألنى" ألست المازنى"؟ قلت" نعم" فكيف عرفتنى؟ قال" عرفتك من صورة لك نشرتها مجلة الاثنين".

وليست هذه سوى أمثلة قليلة من مئات يسهل سردها بلا عناء والذى أريد أن أقوله هو أن على كل مصرى أن يذكر أن البلاد العربية مفتوحة العيون والآذان وأن يحرص على أن لا يجرى لسانه أو قلمه بما يسىء إلى سمعة مصر أو يغض من مقامها فى الشرق العربى.
وأنا كما يعرف القراء رجل لا أنتمى إلى حزب وقد نأيت بنفسى عن المعترك السياسى الحزبى منذ سنوات عديدة وليس فى نيتى أن أعود إليه ولو أفضى ذلك إلى ترك الصحافة وإذا كنت قد ظللت متشرفا بالعمل فى" البلاغ" فذلك لأن صاحبه تفضل فترك لى رأيى واستقلالى لثقته أنه لا مآرب لى ، وأن المصريين جميعا سواء عندى وإنى لا أغمط أحدا فضله ولا أضن بالتأييد والمناصرة على من يحسن. وقد قال لى : عراقى حكيم" يا أخى إن الله قد خلق لنا عيوننا فى وجوهنا لنرى بهما ما هو أملنا لا لنظل نردها إلى ما هو وراءنا أفليس خيرا للبلاد العربية أن تنظر إلى المستقبل وتنصرف عن الماضى بخيره وشره؟ "
وما أرى إلا أن كلمتى هذه ستغضب الناس جميعا ولكنها كلمة الحق ولست أبالى من رضى ممن غضب فليس هى أن يرضى الناس ولا أنا أخشى غضبهم فما لى عندهم مآرب فأحاسنهم أو أصانعهم ، فإذا استجابوا لدعوة الحق فيها ولله لحمد والمنة وإلا فقد بلغت وبرئت ذمتى والله الموفق.

تكليف المازنى بالسفر
كيف اختار موضوع البحث!
(1)
كنت أحلم بأيام أقضيها على ساحل" بحر الروم" فى سكون ودعة وإذا بمجلس النقابة يفاجئنى ونحن مجتمعون فى دار البصير بالإسكندرية بند بى لتمثيله فى مهرجان المعرى. فقلت : " جاءك الموت يا تارك الصلاة فقد كنت أعود إلى المعرى من حين إلى حين ، فأتناول من آثاره أقربها إلى يدى وأقرأ أبياتا من اللزوميات أو سقط الزند أو سطورا من الفصول والغايات أو" رسالة الغفران" ثم أطوى الكتاب وأنتقل إلى سواه أو أروح أفكر فيما يشغلنى من أمور دنياى أو أترك له المكتبة كلها ، وأجلس إلى نافذتى أطل منها على خلق الله فالآن صار على أن أحشد آثاره كلها وكل ما كتب فيه الأقدمون والمحدثون وأعكف عليها عكوف الدارس لا المتصفح

المتلهى ، وسيستغرق ذلك وقتى كله فما بقى على السفر إلا شهر أو نحوه وسيصرفنى عن السعى وكسب الرزق بعرق الجبين ، فإنى أعمل لأطعم وعلى قدر العمل يكون الرزق وليس من العمل أن يجىء المعرى بعد أن شبع موتا وفناء واستراح ـ وإن كان لم يرح ـ فيشق الأرض ويخرج لى منها ليقطع رزقى ورزق عيالى.
واستخرت الله وتوكلت عليه وقلت لابد مما ليس منه بد فما كان ثم سبيل إلى الاعتذار مخافة أن يحمل على غير محمله أو يؤول بالعجز والقصور وإنى لعاجز ولكنه لم يبلغ من عجزى أن يعيينى أن أكتب كلمة فى هذا المعرى تقبل على التسامح.
وصارت المسألة هى" ماذا أكتب؟ وأى موضوع أتناول؟ " وكنت أعلم أن أعلام الأدب فى البلدان العربية مدعوون إلى هذا المهرجان وكنت على يقين حازم أنهم لن يدعوا لى سم خياط أنفذ منه وقد دعيت من مصر وحدها جمهرة من أعيان البيان وأمراء النثر والشعر ، وأساطين البحث العلمى (أوف) وأساتذة الفلسفة والتاريخ (يا حفيظ) مثل العقاد (2) وطه حسين (3) وأحمد أمين (4) وعبد الوهاب عزام (5) وعبد الحميد العبادى (6) وأحمد الشايب (7) وماذا يصنع صعلوك مثلى بين كل هؤلاء الملوك؟ ألا حيلة لى أردهم بها عن هذا المهرجان فيخلوا لى الميدان؟
وأصبحت يوما على أحب وجه لى وإذا بالتليفون يدق والعقاد يطلبنى وينبئنى أنه ينوى الاعتذار وأنه مشغول بما يؤلف فلا وقت عنده للسفر فقلت لنفسى" يا فرج الله يا ما أكرمك يا رب" هذا وأحد بألف قد آثر القعود فخلت لى رقعة فسيحة يسعنى فيها ـ والقليل يكفينى ـ أن أجول وأصول وأصيح هل من منازل؟ هل من

مبارز؟ وأن العقاد لقدوة صالحة وأن المعرى لقدوة أخرى فما بارح بيته أربعين سنة وزيادة وردث على أهل العلم أسألهم عن" التعازيم" التى تزهد الناس فيما يراد تزهيدهم فيه ، لعلى أستطيع أن أصرف طه وشركاه عن السفر فاستأثر بالحلبة كلها وخطر لى أن أحاول أن أبعث إليهم بموجة نفسية تنميهم على البعد فأوحى إليهم أن يقعدوا عن السفر وعلمت أنهم ذاهبون بالقطار فقلت أذهب أنا بالطائرة وعسى الله أن يعطل قطارهم أليس الله يفعل ما يريد؟ ألم تمت أمى وهى عنى راضية ولى داعية؟ بل لقد تمنيت أن تسقط الطائرة فلا تقتلنى ولكن تكسر لى ذراعى فيكون لى هذا عذرا كافيا ومخرجا وسعيا من هذا المأزق ويتسنى لى أن أدعى إنى كنت أعددت بحثا أى بحث ولكن مشيئة ربى قضت أن أتخلف ولما كان قلمى عويصا وخطى رديئا وآلتى الكاتبة قد سطا عليها من سطا ولا بارك الله له فيها فإن من العسير أن أنيب عنى أحدا فى تلاوته.
وكان لابد أن أبلغ المجمع العلمى العربى بدمشق عنوان بحثى والعنوان آخر ما أكتب وأنا لم أكتب شيئا. فقلت : إن الله لم يخلق لى هذا الرأس الذى بين كتفى ـ عبثا ـ أبعث إليهم بأى عنوان يخطر لى الآن ـ وأحتاط فأقول فى كتابى إليهم إنى مندوب نقابة الصحافة المصرية وأنه يجب من أجل هذا أن يكون لى مكان ملحوظ بين ممثلى الهيئات فى هذا المهرجان ، ثم أسافر على بركة الله وأعترض على كل مكان أوضع فيه ، بين الباحثين أو الآكلين أو القاعدين أو الواقفين وأغضب وأثور واحتج باسم الصحافة المصرية على ما لحقها من هوان وأقاطع المهرجان وأذهب أتنزه على هواى وكفى الله المؤمنين شر القتال ولا بحث ولا يحزنون ولا وجع دماغ.

ومن العجيب أن هذا الخاطر استولى على نفسى واستبد بها ، فما تناولت القلم إلا قبيل السفر بيومين اثنين وكنت قد شبعت من القراءة والمراجعة وأشبعت المعرى وأوسعته ذما ونقمة أليس هو الذى جر على هذا العناء الذى كان بى عنه غنى؟ ولماذا عدت السنون التى انقضت على وفاته بالحساب القمرى؟ ولو عدت بالحساب الشمسى لبقى على تمام الألف ثلاث وثلاثون سنة ، والله إنها لفكرة أذهب إلى القوم وأقول لهم أن إقامة المهرجان فى هذا الأوان غلط فى غلط وأن الشيخ عفا الله عنه يستقل عقلنا ويسخر منا فى قبره إذا كانت عظامه ما زالت باقية فيه ، أو فى الجنة أو فى جهنم فما أدرى ماذا صنع الله به ، وإنه لقادر على مثل هذه السخرية فإنه فى كتبه يعابث الملكين اللذين يحاسبان الميت ويسألهما أسئلة نحوية ولغوية.
وكان هذا كله منى عبثا لا خير فيه ولا طائل تحته فتركت الطائرة فلم تسقط وركب إخوانى القطار فلم يتعطل وكان أول ما أصابنى مما يسميه الأستاذ الجليل إسعاف بك النشاشيبى (8)" العناء فى سبيل أبى العلاء" إنى فقدت" قداحتى" قبل أن أركب السيارة إلى المطار وقد يستخف الناس بهذه الخسارة وإنها لخسارة هينة أهون بما ثمنه قروش ولكنى أستحيى أن أتقدم إلى من لا أعرف وأسأله أن يعيرنى عود ثقاب أو أن أبدأ بأى كلام فما العمل؟ كان العمل إنى ظللت إلى أن بلغت الفندق فى" دمشق" أضرب يدى فى جيبى لأخذ (1) سيجارة ثم أخرجها فارغة وإنى حرمت التدخين أربع ساعات ونصف ساعة فتأمل هذه الفاتحة.

الطائرة والمطار والركاب
(2)
وكان المطار يعج بالخلق ونظرت فإذا الطائرات المصرية شتى فتقدمت إلى الميزان فتبسم الضابط ـ ومعذرة إذا كنت مخطئا فإنهم هناك جميعا يلوحون ضباطا ولا علم لى بدلالات هذه الأشرطة التى على الأكتاف ـ ولكن هذا لم يكن دورى ، وعلى كثرة الناس والطائرات وبعضها يذهب إلى" فلسطين" والبعض إلى" بيروت" أو" تونس" أو" دمشق" لم يكن ثم ضجة أو زحام وكان كل شىء يجرى بنظام وفى سكون يوزن المسافر وتوزن حقائبه فيحملها الخادم إلى (الجمرك) ويذهب المرء إلى مكتب الجوازات ومنه إلى (الجمرك) ثم يخرج إلى حديقة صغيرة على هامش المطار حتى يدعى إلى طائرته.

وكانت طائرتنا (الفسطاط) ضخمة ذات محركات أربعة ولم أر أظرف ولا أرق حاشية ، ولا أصبح وجها من الطيارين اللذين يقودانها وقد أسفت لأن الحياء منعنى أن أتحدث إليهما وأعرف اسميهما وكان حذقهما كفاء ظرفهما فكانت الطائرة تهبط فى كل مطار على الطريق فى موعدها لا تتقدم عنه ثانية ولا تتأخر ولم أشعر إلا بالراحة والطمأنينة فاضطجعت ونمت فلما نزلنا فى (اللد) أو على الأصح فى مهبط قريب من مطار اللد قلت فى سرى" آه ... ماذا سيصنع بى هذا الرجل المنتفخ الأوداج القاعد فى خيمته؟ لقد عودتنى" فلسطين" فى السنوات الأخيرة أن تردنى عنها وأن تتلقانى متهجمة ولا تأذن لى فى الدخول إلا وهى كارهة متوجسة كأنى كتلة من الديناميت لا إنسان من اللحم والدم.
* * *

محطة القدس
بين" اللد" و" الرملة"
وقد حدث مرة أن دعتنى قبيل الحرب محطة" القدس" اللاسلكية ـ وهى مصلحة حكومية ـ إلى إذاعة حديث منها عن" النبوية" فقبلت مغتبطا وسافرت بالطائرة فلما وقفت أمام الموظف المختص بالجوازات رأيته يتردد وهو يختم الجواز ويراجع اسمى ثم يتناول كتابا أسود ضخما فينظر فيه ثم يدعونى أن انتظر فى المقصف أو حيث شئت وبعد ساعة أو أكثر يدعونى إليه ويعرب لى عن أسفه لأنه مضطر أن يأبى على الدخول وأن يعيدنى إلى مصر ، ثم تفضل ، فأنبأنى أن الطائرة القادمة من" بغداد" ستصل بعد ثلث ساعة ففى وسعى أن أستقلها إلى مصر.
فتعجبت لأن حكومته هى التى دعتنى فكيف تصدنى عن بلادها وأريته عقد الإذاعة ، فهز رأسه وقال إن هذا ليس من شأنه وإنما تلقى أمرا فهو يمضيه.

قلت" أليس هنا تليفون" لأتحدث مع محطة الإذاعة وأبلغها الخبر فلست أحب أن تظن بى إنى أخلفت الوعد.
قال" بلى" فى الرملة تليفون وتستطيع أن تتحدث منه وتخاطبها و" الرملة" ـ فاعلم ـ على مسافة عشر كيلو مترات.
وكان إلى جانب غرفته ، غرفة أخرى فيها مكتب لشركة مصر للطيران وبها تليفون ، ولكنه آثر أن يبعث بى إلى الرملة على مسافة عشرة كيلو مترات. واتصلت بمحطة القدس بعد لأى اتصلت هذه بإرادة" الأمن العام" فى" فلسطين" فعدلت عن المنع وأذنت لى فى الدخول فأقبل موظف الجوازات مهر ولا طافح البشر والسرور ولسانه يجرى بعبارات التهنئة لى.
قلت يا أخى؟ إنما التهنئة لكم دونى فما يعنينى أن أدخل أو أخرج وأن الأمرين عندى سيان وقد كان الطيران إلى هنا نزهة جميلة وأرى حفاوتك بى الآن عظيمة وكنت قبل ذلك تنسى أن على ذراعين من غرفتك تليفونا غير حكومى ولا تذكر إلا التليفون الذى فى الرملة فإذا كان لابد من الرد أفلا يمكن أن يكون بالتى هى أحسن دون التى هى أخشى؟ وذكرت هذا الذى اتفق لى منذ ست سنوات أو أكثر فاشتقت أن يتكرر وضاعف هواجسى ووساوسى أن موظف الجوازات الذى فى الخيمة صرفنى على أن يبعث إلى بالجواز فى الطائرة ولم يكن وجهه وهو يتأملنى يبشر بخير فانصرفت وأنا قلق ولم أستطع أن أذوق عصير الليمون الذى قدمته لنا شركة مصر بالمجان ولكن الله سلمّ. وعادت الطائرة إلى التحليق ، وكنت راكبها الوحيد بعد أن غادرها الآخرون فى" بور سعيد" واللد" فانتفخت ووضعت رجلا على رجل ولكننى شعرت

بالبرد وكنت أرتدى أخف ما يرتدى فى الصيف فتجمعت ونظر إلى الطيار الثانى وهو يبتسم وهز رأسه كأنما يريد أن يقول إنى مسافر بطائرة خاصة فأشرت إليه إنى مقرور ، فخف إلى جزاه الله خيرا وحجب منافذ الهواء وجاءتنى ببطانية فشكرت ونمت.
وهبطنا فى مطار" المزة" على مسيرة دقائق بالسيارة من دمشق فإذا بأربعة حول منضدة يدور عليهم الجواز ويفحصه كل منهم ولكنى كنت مطمئنا فإن هذه دمشق لا اللد وسورية لا فلسطين والأمر هنا لأهل البلاد لا لدعاة الوطن القومى ولم يخب ظنى فلقيت من رجال الجوازات وموظفى الجمرك التيسير والحفاوة ولم يكن معى شىء إلا ثيابى وإلا الكلمة التى أعددتها لمهرجان المعرى ، وقد أظهرتها لهم وأطلعتهم عليها فتبسموا وتركوها لى فى الحقيبة وليتهم أخذوها. إذا لوسعنى أن أعتذر بأنها معهم وأنى لا أستطيع من أجل ذلك أن ألقيها ، فأتقى سواد الوجه ولكن كل شىء كان لمكيدتى فلا مفر من الفضيحة على ما يظهر بين هذا الحشد من أعلام الأدب والبيان والأمر لله. وليست هذه أول مرة أزور فيها" دمشق" فقد زرتها قبل عشر سنوات لا أراها قد غيرت منها كثيرا فما زالت كما عهدتها وما انفك من عرفت من أبنائها كما كانوا كأن السن لم ترتفع بهم أو كأن شبابهم عليهم سرمد حتى من كانوا شيوخا يوم لقيتهم قديما ، ظلوا ملء بهاء وإشواق ديباجة فلابد أن تكون دمشق هذه قطعة من الجنة ، أليست الأنهار تجرى من تحتها؟ أليس أهلها منها فى جنات وعيون" لهم فيها فاكهة ولهم فيها ما يدعون" يطاف عليهم بكأس من معين" بيضاء لذة للشاربين" وعندهم قاصرات الطرف عين" كأنهن بيض مكنون؟ آمنت بالله.

وكان أول من رأيت على باب الفندق صاحب مجلة الأحد ـ إيليا شاغورى (9)ـ وهو صديق قديم أثير لولا أن يكره أن أصفه بالقدم وله العذر فإنه ناعم رفاف الشباب والله وحده أعلم لما طوى من سنن ولعل قلبه الكبير المعطوف هو الذى يرقرق فى محياة هذا الرونق العجيب ولكن ألم أقل أن القوم فى دمشق لا يهرمون؟ ولمحت خلفه وعلى قيد أمتار منه أستاذ العربية الجليل" إسعاف بك النشاشيبى" أعلم من عرفت بلغة القرآن وأدبها وتاريخها وأغير من لقيت على دين محمد والإسلام الصحيح.
فقال وهو يعانقنى" سل إيليا" ماذا تنوى الآن؟ .. قلت .." استوثق من الفوز بغرفة فى هذا الفندق الفخم ثم آكل فإنى أتضور". قال هنا؟ قلت" ولم لا" قال : أعرفك تحب الأكال الشامية ولن تجدها هنا فتعال معى" وألححنا معا على الأستاذ إسعاف حتى أسلم أمره إلى الله ففزنا به.
* * *

وصف الحياة فى دمشق
ومقارنتها بالحياة الاقتصادية فى مصر
رأيت عصر ذلك اليوم الأول أن أزور المجمع العلمى ، فإنه هو الذى يقيم المهرجان وهو الداعى إليه ، ثم لأن لى معه قصة فقد بعث إلى رئيسه الجليل الأستاذ" محمد كرد على"(10) قبل عام ونصف بكتاب تلو كتاب ينبئنى بأن المجمع اختارنى عضوا فيه فقصرت فى واجب القبول والشكر أو هذا ما ظن القوم بى ، فقد حمل إلى غير واحد من القادمين من دمشق عتب صديقى الأستاذ كرد على ، أما الحقيقة فهى إنى ما قصرت ولا أهملت فقط كتبت الجواب ودسسته فى جيبى لأضعه فى صندوق البريد فنسيته وما أظن به إلا أنه فى بعض جيوبى إلى الآن فإنى أغير ثيابى فيحرص أهل بيتى على أن يدعوا أوراقى حيث أتركها فإذا كان لابد من نقلها وضعوها لى تحت المخدات ، أو فى حيث يسهل أن أراها واكتفوا بتنبيهى فأقول لهم : طيب ، طيب" وأعود إلى ما أنا مشغول به

وأنسى كل ما عداه كالعادة وتمضى الأيام ويعلو الكوم الذى تحت المخدة حتى يتعذر النوم المريح فاضجر وأتذمر وأروح أنفخ وأسخط وأقول" ألا يمكن أن أجد فى هذا البيت الطويل العريض وسادة لينة. فيقولون لى" إن الذنب للأوراق التى نحشرها تحت الوسادة لا للوسادة" فأصيح أنا الذى يحشرها أم أنتم الحاشرون؟ خذوها فأحرقوها واصنعوا بها ما شئتم فما يعنينى إلا أن أريح هذا الرأس المكدود. لكأنى والله عبد رق اشتريتموه أتعب لتنعموا بالخفض والدعة ونضرة العيش وكل حظى بعد الجهد والمشقة دكه ووسادة كالحجر ، فإذا شكوت قلتم هى الأوراق سبحان الله العظيم كأنما كان يمكن أن تعيشوا طاعمين كاسين مكفين لو لا هذه الأوراق. وهكذا نسيت الجواب فضاع أو أكلته النار أو لا أدرى ماذا صنع الله به ، فلابد من زيارة المجمع والاعتذار إليه. وقال أحد الأخوان" ولكنك" لا تعرف الطريق إلى المجمع قلت" بل" أعرفه فإنه من المسجد الأموى قريب. وقال آخر" يحسن أن نطلب لك مركبة تحملك إليه وتتفق لك مع سائقها على الأجر سلفا" قلت" لا بأس" وجاءت المركبة وقيل للسائق احمله إلى المجمع لعلمى وزاد أحد الواقفين فقال للحوذى إنه عند مسجد دجنس ـ أو نجس فقد نسيت ـ فهز الحوذى رأسه وقال" : تكرم" ورضى أن يكون أجره" ليرة" سورية أى مائة قرش سورى وهى تساوى أحد عشر قرشا مصريا.
واضطجعت فى المركبة فسارت بى عشر خطوات ونصف خطوة ووقفت فسألت" ماذا جرى؟ " قال" هذا جامع دجنس وهذا هو المعهد" فخطر لى أن لعل المجمع انتقل إلى دار أخرى فترجلت وأنا أتعجب

لماذا أبى إخوانى إلا أن أحمل فى مركبة لأقطع خطوات أتراهم ظنونى كسيح؟ ونظرت فرأيت مسجدا فيه" معهد شرعى" فقلت يا أخا إن هذا غير ما أبغى هذا معهد شرعى وأنا طلبى المجمع العلمى قال" إنما قالوا لى جامع دجنس وهذا هو الجامع وفيه المعهد" فأنقدته الليرة وأنا أحدث نفسى أن" روكفلر"(11) كان خلقا أن يتناهى به سوء الحال فى القفز إذا كانت كل عشر خطوات تكلفه ليرة واستغنيت عن المركبة وسرت على قدمى إلى" سوق الحميدية" ودخلت فيه حيث أعلم أن المجمع قائم فإذا به ما زال هناك ولكن لا أحد به غير بضعة حجارين ينحتون حجارة ويرصفون بعضها إلى بعض فى أرض الفناء. وخفت أن أستقل سيارة أو مركبة وأنا عائد فيتقاضى السائق أو الحوذى فوق ما حصلت معى من مصر من مال. والحقيقة إنى لا أدرى كيف يطيق الناس هذا العيش فى الشام ولا من أين يجيئون بالمال حتى للكفية بمجردها؟
مسحت حذائى فطلب الرجل نصف ليرة أو خمسين قرشا ـ أو ما يعادل خمسة قروش مصرية ونصف قرش ، فصحت به" تظننى؟ ولكنه أصر فلم يسعنى إلا التسليم وعلمت فيما بعد أنه غلا وإشترطوا أنه كان ينبغى أن يكتفى بنصف هذا القدر أى بنحو ثلاثة قروش وحتى هذا لى بالزهيد. واحتجت إلى مناديل يباع الواحد من أمثالها فى مصر بعشرة قروش ، أو نحو ذلك ، فإذا الثمن هنا أربعون قرشا مصريا.
وسألت بعضهم : " ما أقل مبلغ تقدمه إلى خادم كلفته عملا؟ " قال : قد يرضى بربع ليرة ولكن يحسن أن تجعلها نصف ليرة قلت

" بل سأعمل بقول القائل : ما حك جلدك مثل ظفرك فتول أنت جميع أمرك" ـ على الأقل كما تيسر ذلك وبخل فى الطرق. وصرت أحس كلما أخرجت محفظة إنى مليونير ، فإن كل حساب لا يكون إلا بمئات القروش ، وقد حاولت مساء يوم أن أحصى ما أنفقت فى نهارى فدار رأسى فقد أبلغ الرقم الآلاف. وأنا ما ألفت فى مصر إلا الآحاد وكان يخيل إلى كلما أنفقت ليرة وسورة إنى أنفقت جنيها مصريا فأقول فى سرى" يا خبر أسود" سأتسول هنا بعد ساعات فما العمل؟ ومتى ينتهى هذا المهرجان فنعود مستورين بل متى يبدأ فيذهلنى عما أنا مسوق إليه لا محالة من العدم والصعلكة؟.
وقد سألنى بعضهم عن الحالة المعاشية فى مصر فما وسعنى إلا أن أقول له من رأى مصيبة غيره هانت عليه مصيبته.
غير إنى بعد أيام ألفت ذلك فزايلنى الفزع والجزع وأصبحت أغتبط بأن أدفع يدى فى جيبى فأخرج حزمة ضخمة من أوراق النقد وارمى بالعشرات منها غير عابئ بها أو أسف عليها أو مشفق من عواقب الإسراف فتا لله ما أسرع ما يتكيف المرء ـ كما يقولون ـ ويألف كل ما كان يستهوله أو يستنكره.
وخرجنا فى المساء ، بعد العشاء نتمشى فكانت ليلة لكن هذه حكاية تستحق أن أفرد لها فصلا قائما بذاته.
* * *

حكاية سامى الشوا
(4)
أى نعم كانت ليلة ولا كالليالى وخير ما فيها أنها جاءت عفوا على حد قول الشاعر وأحسبه ابن الرومى : ـ
لم يكن ما كان شيئا يعتمد


بل أمورا وافقت يوم الأحد

سوى أن يومنا كان الخميس ـ أول أيامى فى دمشق ـ وكنا ثلاثة أو أربعة وكان رفقائى يتغيرون كلما مضى من الليل هزيع فيذهب قوم ويجىء قوم ، حتى يخيل إلى إنى كالزمن أو الدنيا يتبدل الناس وتتعاقب الأجيال وهى كما هى.
وما كدنا نخرج من الفندق ـ فندق" أوريان بالاس" أو" خوام الجديد" على الأصح ـ ونسير خطوات حتى وقفت أمام بناء شامخ فسألت الإخوان" البنك السورى"؟ فقالوا" نعم" قلت هنا إذن يكون" سامى الشوا (12) قد وقف وبكى وعزف وجمع عليه الخلق.

قالوا : وكيف كان ذلك؟ فرويت له الخبر كما حدثنى به سامى نفسه قال إنه قدم دمشق مرة فاستوقفه هذا البنك الضخم وهو من الحجر الأبيض ولم يكن يعرفه فأنه البنك السورى فظنه سجنا وإن كان قد استغرب أن السجن فى قلب المدينة وأحدث أحيائها ولكنه حدث نفسه أن لعل المقصود العبرة وصوب عينه إلى البدروم ـ أو السرداب كما يسمونه فى العراق ـ وإلى نوافذه وعليها قضبان من الحديد فرأى فتيات كثيرات حسبهن السجينات فرق لهم قلب الكبير واغرورقت عيناه بالدمع وأقبل عليه ـ أو على النافذة يعرب لهن عن أسفه وعطفه وهو يشهق والدموع على خديه وكانت الفتيات ذكيات خبيثات فأبدين الحزن وتظاهرن بالبكاء فما كان منه إلا أن ارتد يعود إلى الفندق فحمل" كمانة" وعاد بها إلى النافذة واقعى على أطراف قدميه وراح يعزف لهم ليرفه عنهن فاجتمع عليه خلق كثير وهو ساه لا يرى إلا هؤلاء المسكينات ولا يعنيه إلا ما هو فيه أروع ما يكون عزف" سامى" حين تذهله عاطفة جياشة عمن حوله وتكاثر الناس حتى سدوا الطريق وعطلوا المرور واحتاج الأمر إلى تدخل الشرطة.
وقد ظل لا يعرف إلا أن هذا سجن للنساء حتى اجتمع بعض من رآهن وعزف لهن من الفتيات فى ناد من الأندية فأقبل عليها يسألها متى أفرجوا عنها فاستغرب الذين كانوا معها فضحكت الفتاة وقصت القصة واعتذرت إليه.
* * *

حكاية نزهة العراقية
واستأنفنا السير ـ أو السرى على رأى المتحذلقين ـ فمررنا بمرقص أو دار له فيها غناء ورقص وما أعرفنى قط عبأت شيئا بمثل ذلك ـ ولكنى قرأت على لوح كبير يعترض الطريق ـ فوق الرؤوس ـ اسم" نزهة العراقية (13). وهى فتاة رأيتها مرة فى بغداد فى أولى زياراتى للعراق فأعجبت بها ، وتوسمت فيها الخير وآنست من حديثها ذكاء القلب ومروءة النفس والإخلاص. ولم تخنى فراستى فقد سمعت عنها بعد ذلك ما زادنى إكبارا لها. وقد أخرجت من العراق. وإن كانت تنسب إليه لأسباب سياسية فلما صارت فى الشام لاحقها سوء الحظ وسوء الظن بنزعتها السياسية فاعتقلت عاما ونيفا. وكان من عجيب تصريف الأقدار لأمور دنينا ، أن ينجو رجال سياسيون من الاعتقال وتقع فنانة لا ينسيها الفن إخلاصها له وتخيلها لمطالبه وإن لها وطنا ، وإن كانت لا تنزل إلى ميدان العمل.

وقلت لإخوانى" ما رأيكم؟ إنى اشتهى أن أدخل وأنظر إلى نزهة ، فإن لها فى قلبى لنوطة ليست من العشق والعياذ بالله منه بل من الإعجاب ما أظنها تذكرنى أو تعرفنى حيث ترانى وما يدرينى؟ لعلى أنا أيضا لا أعرفها إذا رأيتها. فدخلنا وكانت مقبلة من وراء المسرح فغمرونى وأشاروا إلى ناحيتها بلحظ العين وإذا بها تقف وتحملق ثم تعدو إلينا وتتناول كفى وتحيينى أجمل تحية وطالت الوقفة فدعوتها إلى الجلوس فقالت :
" نحن هنا فى مكة فلا يؤذن لنا فى الجلوس مع الإخوان" وتجهم محياها فسألتها ولكن؟ لماذا؟
قالت : " لأن الفن على ما يظهر شىء زرى محتقر" فغيرت الموضوع وقلت" إنى مغتبط برؤيتك" وأتمنى لك كل خير والآن إلى اللقاء أن شاء الله. وانصرفنا ولم نتلبث وسأعود إليها مرات أخرى فقد غمرتنى بكرمها ومرؤتها وطوقتنى بما لا يفى به شكر.
* * *

حكاية فخرى البارودى
وقال بعضهم" ما قولك فى زيارة فخرى البارودى (14).
وفخرى البارودى هذا أحد نواب دمشق وصديق قديم لى وأديب واسع الإطلاع وله شعر يتفكه به ، ويعبث وهو فوق ذلك وقبله من أظرف خلق الله. ولو لا أن أظلم غيره لقلت إنه أظرف الناس قاطبة. وكنت قد سمعت قبل سفرى إلى دمشق أنه يكتب بحثا يثبت فيه أن المعرى كان عالما بالموسيقى فاشتقت أن أطلع عليه ، وإن كنت أعرف أن أبا العلاء المعرى أحاط بكل ما كان فى زمانه من علوم وفنون وآداب.
وأقلتنا سيارة إلى مكتب اتخذه فى زقاق قديم فدخلنا فإذا بستان صغير وإذا هو متربع فى حجرة كبيرة على مقعد عظيم رفيع كأنه العرش وأمامه منضدة طويلة عليها طوائف شتى من الكتب والدفاتر والأوراق المبعثرة وحوله عدد من رجال الموسيقى يضربون على العود والكمان إلى جانبيه طبلة ورق ينفر على هذا تارة وتلك

تارة أخرى فسألته ما هذا؟ قال" يا سيدى" هذا لحن صيغ فى أبيات للمعرى. ونحن نضبطه الآن ، والعزم أن يعزف فى مهرجانه ـ لبحث الذى سمعت به؟ قال فرغت منه ولكنى لن ألقيه فى المهرجان لأنه لا يلقى من الأفراد ـ دون ممثلى الهيئات إلا من كانوا أعضاء فى المجمع العلمى" قلت" خسارة" وأى خسارة ولكن شو بدك منى؟."
وانطلق يسح بما لا يروى. ويقينا فى سماع وسمر ليس أحلى منهما ولا أحلى للصدر أو أطفى للهم إلى ثانية صباحا فانصرفنا وتركناه لألحانه يسهر فيها الليل كله حتى يتنفس الصبح.
وقولت له وهو يودعنا بالعناق والقبلات ألا تزل فى ضلالك القديم؟
قال" شو بدك تقول؟ قلت" تحيى كل من تلقى بالعناق والقبلة عسى أن يكون أحد الوجوه صابحا بضا."
قال يا" مازنا اتق الله" قلت" اتق الله أنت يا أخى ألا تحلق على الأقل تخزنا بهذا الشوك الذى فى وجهك؟
فكر علينا يقول" يا عينى على الخدود الغضة مثل الحصيرة فانهزمنا.

مصايف سوريا
(5)
كان همى ـ وقد بت فى دمشق أن أرى كل ما تسنى رؤيته فى أربعة أيام فى دمشق ذاتها ، وحولها وعلى كثب منها قبل أن يبدأ المهرجان فأشغل به عما عداه فزرت من مصايف الشام" الزيدانى" و" بلودان" ويبلغ علوها عن سطح البحر نحو (1650) مترا" وبقين" وفيها عين ماء من أحلى وأطيب وأنفع ما ذقت و" شتورة" من مصايف لبنان على الحدود السورية ، وزحلة المشهورة بمائها" وعرقها".
وكنت أخرج فى الصباح فلا أعود إلا ليلا" ومن أجل هذا سمانى إخوانى" الزواغ" فإذا سأل عنى سائل قالوا" زاغ" كالعادة حتى لقد أشيع فى اليوم الثانى من أيام المهرجان إنى سافرت إلى" اللاذقية" فى أقصى الشمال من وسورية فلما رأونى أعود إلى الفندق فى

مساء اليوم ذاته تعجبوا لى كيف استطعت أن أقطع كل هذه المئات ـ تقرب من الألف ـ من الكيلو مترات ذهابا وإيابا فى نهار واحد. فقلت لهم مازحا ألا تعلمون أن عمكم المازنى قد أصبح من أهل الخطوة؟ "
على أن للإشاعة أصلا تحور إليه ، ذلك إنى بعد العشاء ـ فى أول أيام المهرجان ـ آثرت الجلوس مع الصديق الكريم العالم الجليل ـ الأمير مصطفى الشهابى (15) محافظ اللاذقية ـ فقال لى فيما قال إنه عائد من غد إلى اللاذقية ليعد لاستقبال أعضاء المهرجان فيها ، واقترح على أن أصاحبه وأبقى معه حتى يلحق بى إخوانى فأعود معهم وكانت التكاليف الرسمية قد ثقلت على بعد نهار واحد وليس أبغض إلى منها فنازعتنى نفسى أن أقبل.
فقلت له" وليس أحب من ذلك ولكن سألقى كلمتى فى" حلب" فما العمل" قال" نغير الترتيب فتلقيها فى اللاذقية"
قال" إذن يحسن أن نستشير" خليل بك مردم (16)(أمين سر المجمع العلمى) ففعلنا فلم يوافق خليل بك وقال أن حلب خليقة أن تثور إذا نحن فعلنا ذلك وقد كانت تسأله عنى وتستوثق قبل ذلك بدقائق واستشهد بالدكتور" أسعد طلس"(17) فأمن على قوله.
فعدلت مرغما وكان المقرر أن يزور أعضاء المهرجان فى صباح اليوم التالى آثار دمشق وقد زرتها من قبل فتخلفت عن مشاركة الإخوان فى هذا الطوف وقصدت إلى" بلودان" فكان أن شاع وذاع إنى سافرت إلى اللاذقية.

ـ حفاوة الشام بوفد مصر :
ويحسن بى أن أقول إن وفد مصر ـ حكومتها وجامعتيها ـ كان موضع التكريم والتبجيل وكان أعضاؤه جديرين بكل ما لا قوه من حفاوة وإجلال ولو أن الخيار كان لى لما اخترت غيرهم وقد كنت مزهوا بهم فخورا بأنى منهم وهم منى.
ـ زيارة المجلس النيابى :
وحدث ونحن نزور فى صباح اليوم الأول دار المجلس النيابى أن جلسنا على مقاعد النواب ، وكان المجلس فى أجازة. وكنت قريبا من الدكتور" طه حسين" وليس بيننا إلا ممر ضيق هو الفاصل بين مقاعد اليسار ومقاعد اليمين فقلت للدكتور طه" هذا حال مقلوب كان ينبغى أن تأخذ مكانى وآخذ مكانك فإنى من أهل اليسار.
ـ طه حسين يلقى كلمة شكر :
ونظرت إلى الحائط المواجه لنا فرأيت ساعتين على الجانبين فأما اليسرى فمعطلة وأما اليمنى فدائرة تعد الدقائق وتقيد الساعات فحدثت الدكتور طه بذلك وقلت يظهر أن ساعة المعارضة معطلة هنا ، وضحكنا.
وفى هذه اللحظة أقبل بعضهم على الدكتور طه وانحنى عليه وأسر إليه فقال (لا يا حبيبى عليك بالمازنى) والتفت إلى وقال (قم يا مازنى واشكرهم بكلمتين) قلت (أنا؟ يفتح الله يا سيدى إنى أولا لا أحسن هذا الضرب من الكلام وإن كان فى ذاته سهلا ثم أن صوتى خفيض لا يصلح إلا للمناجاة ، وأهم من كل ذلك أنك تمثل هنا

حكومة بلادى فحقك التقديم ولا يجوز غير ذلك فأقتنع ونهض وقال خير ما يقال فى مثل هذا الموقف.
ـ زيارة مجلس الوزراء :
وانتقلنا من مجلس النواب إلى رياسة مجلس الوزراء فحيانا رئيس الوزراء بالنيابة ـ " لطفى الحفار بك"(18) أرق تحية ورحب بنا أجمل ترحيب فرد عليه الدكتور" مهدى البصير"(19) أحد ممثلى العراق ـ وإذا بمن عرفت فيما بعد أنه الشيخ" عبد القادر مبارك"(20) من علماء الشام وأعضاء المجمع ـ يصيح من أحد الأركان مرحبا مؤهلا ويقول فى ختام كلمته : أن من دواعى سروره أنه سمى" عبد القادر المازنى"
فمال على الدكتور طه وقال (عليك به فقد وقعت وكان ما كان) قلت (بل على جدى به فإنه سمى جدى لا سميى)
فعاد الدكتور طه يقول (يظهر أن المفاجآت ستكون كثيرة فما كان هذا كله فى البرنامج فيحسن أن تعد خطيتين أو ثلاث).
قلت (أما قلت لك إنك تمثل حكومة بلادى فأنت المكلف أن ترد على كل خطيب فى كل حفل وكفى الله المؤمنين ـ مثلى ـ القتال).
التقيت بالشيخ مبارك ونحن خارجون فقلت له (يا مولانا شكرا ولكنك سمى جدى لا سميى أنا فإن اسمى إبراهيم وأحب أن أبشرك اعلم أن جدى كان من المعمرين فعاش إلى ما فوق المائة).
قال (بشرك الله بالخيرات إذن سأكون أنا أيضا من المعمرين).
وهكذا نجوت من الرد على الخطيب ولم تكن حيلة احتلتها وإنما كان هذا واجبى فما يسعنى ـ خارج مصر ـ إلا أن أحرص على أن

أكون على قدر المستطاع مثالا لما ينبغى أن يكون عليه المصرى وإلا أن أعرف حق كل مصرى فأؤديه له وقد كنت مغتبطا بما يلقاه إخوانى من التكريم والتوقير وكلهم أهل لهذا وزيادة وكنت فى مجالسى الخاصة أزيد القوم تعريفا بهم وبأقدارهم لا لأنهم غير معرفين بل لأنه كان يطيب لى أن أرطب لسانى بذكرهم ولم أستغرب حين علمت إنى إنما كنت أفعل مثل ما يفعلون فكان الدكتور طه يسأل عنى ويتفقدنى فى كل مكان فإذا جئته قال (خفت أن تكون زغت أو ضجرت أو ساءك أمر خلك معى فإنى لا آمن أن تزوغ) فنضحك وروى لى غير واحد من أهل الشام كيف كان يذكرنى بالخير الأستاذ الجليل أحمد أمين بك وتوثقت الصلة بينى وبين الأستاذ أحمد الشايب بسرعة ولم أكن قد رأيته من قبل وإن كنت أعرف آثار قلمه وأكبرها وأما الدكتور عبد الوهاب عزام والأستاذ عبد الحميد العبادى فصديقان جزاهم الله جميعا خيرا الجزاء فقد رفعوا قدر مصر وأعلوا شأنها.
وأنقذنى الدكتور طه بلباقته من ورطة فقد سألنى بعضهم عن" حلب" ماذا رأيت فيها وكيف وجدتها؟ فقلت بلا تكفير (لم يتسع الوقت لشىء وما رأيت فى حلب إلا القلعة القديمة ومسجد الفردوس الأثرى والسوق المسقوفة المشهورة ثم المحافظ) فظنوها نكتة وتناقلوها فخفت أن تبلغ المحافظ وهو رجل فاضل فيسوئه منى هذا المزح الثقيل الذى لم أقصد إليه فما كان من الدكتور طه حسين حين بلغة ذلك إلا أن صدهم عن اللغط بهذه الكلمة وأولها أحسن تأويل فاقتنعوا وأمسكوا.
وما أكثر ما أقال إخوانى المصريون من عثراتى وأصلحوا ما فسد بحماقاتى.


أربعة وأربعون عضوا فى المؤتمر
احتفال بمقبرة المعرى
(6)
كان الاحتفال الذى أقامه المجمع العلمى العربى فى البلاد السورية بالذكرى الألفية لمولد المعرى ـ بالحساب القمرى ـ (مهرجانا) ولم يكن مؤتمرا أدبيا وكان الذى خطط له ذلك واقترحه أمين سر المجمع خليل بك مردم الشاعر المشهور ، وكان فخامة الرئيس السيد شكرى القوتلى (21) هو الذى يسر الأمر كله وأقنع الحكومة السورية بأن تمد المجمع بما يحتاج إليه من النفقة حتى لقد أعلن أنه مستعد أن يتحمل هو تكاليف المهرجان إذا لم تستطع الحكومة تدبير المال اللازم وكان من حسن الاتفاق أن أجمعت اللجنة التحضيرية للمؤتمر العربى بالإسكندرية فى نفس اليوم الذى بدأ فيه المهرجان ، فلهجت الألسنة بذلك ، وعد هذا الاتفاق من

البشائر المؤذنة بالتوفيق وصار مدعاة) لمظاهرة عربية) بل لقد سمعت بعضهم يقول لصاحبه فى الطريق ونحن منصرفون من مقبرة المعرى : إن هذا من) كرامات أبى العلاء).
رحم الله الشيخ كان لا يعدم من يسلكه مع الزنادقة والملاحدة والكافرين فأصبح لا يعدم من يسلكه من أولياء الله الصالحين. وكان قبره مهملا وعظامه ليست فيه ـ بليت أو نبشت من يدرى؟ فإن ألف عام حقبة مديدة من الزمن ـ فالآن جدد قبره وسور المكان وزرعت الأرض وغرس فيه الشجر واجتمع عليه أربعة وأربعون من أدباء العالم العربى ، وشعرائه وعلمائه يقولون فيه وليبدءون ويصيرون وجعل له دفتر تدون فيه أسماء زوار الضريح وقد استكتبونى كلمة فى هذا الدفتر.
كما استكتبوا سواى ، فكتب ما معناه أن أبا العلاء لو كان داريا لما رضى عن زيارتى لقبره ولكنه لا حيلة لى فيما لعله كان خليقا أن يكره فإن يك هذا يسوءه فإنى أرجو أن يكون شفيعى أنه ـ كما يقول : ـ
ما باختيارى ميلادى ولا هرمى


ولا حياتى ، فهل لى بعد تخيير

ولو اتسع المقام لزرت إنى ما


زرت قبرا قط مذ رشدت وحدثونى

وأنا بالمعمورة ـ أن مستشرقا سأل بعض أهلها عن قبر أبى العلاء فنادى الرجل صبيا وقال له" انطلق بهذا الكافر إلى قبر الزنديق" ووجدت من عامة أهل المعرة من يسمى الشيخ" أبا على".

وقد تبينا من الحفلة الافتتاحية أن إلقاء ما عددنا من بحوث سيكون مشكلا عويصا فإن هذا كما أسلفت مهرجان لا مؤتمر والوقت المحدد لكل قائل ، نصف ساعة ليس إلا والجمهور يطلب الكلام المؤثر. وكنت قد شاورت إخوانى قبل ذلك فأشار الدكتور طه بأن تلقى خلاصات لما أعددنا وأن ندفع البحوث المطولة إلى المجمع للنشر فى أوانه وقد فعل هو ذلك وفعله أيضا أحمد أمين بك والأستاذ أحمد الشايب والدكتور عزام ، أما أنا فأقبلت على كلمتى أحذف منها وأختصر فما أجدانى هذا شيئا وخطر لى أن لعله كان الأوفق أن يكتفى بحفلة الافتتاح ، وحفلة الختام ، فيحضرهما الجمهور ويصفق فيهما لما يسمع على هواه ، وتعقد فيما بينهما جلسات فى الصباح والمساء لإلقاء البحوث المطولة على الراغبين فى الاستفادة من طلاب الأدب والعلم غير إنى تبينت أثناء المهرجان أن هذا مستحيل ، فإن لكل مدينة كبيرة من مدن الشام شخصيتها الخاصة وهى حريصة عليها ، ضنينة بها والتنافس بينها قائم فلا معدى عن إقامة حفلات بها كالتى تقام بدمشق وإلا غضب وقد فكرت فى هذا وعلته ، فلما قمنا برحلتنا الطويلة إلى حمص وحماة وحلب واللاذقية رأيت أن المدن متباعدة وأن الجبال والسهول تفصلها والعمران غير متصل بينهما فلا غرابة إذ أحست كل مدينة كبيرة أنها قائمة بذاتها وأن لها شخصيتها الخاصة التى تتميز بها وتنفرد على خلاف الحال فى مصر ، فإن اتصال العمران بين المدن ينفى الإحساس بالاستفراد وتميز الشخصية ويجعل حياة كل بلد ، متسربا فى حياة البلد الآخر ، أما فى الشام فحلب مثلا هى حلب ، ودمشق هى دمشق ولكل منهما خصائصها وهذا التميز ملحوظ

حتى فى تأليف الوزارات أحيانا مثال ذلك أن رئيس الجمهورية دمشقى ، وسعد الله الجارى بك (22) الذى استقال من رياسة الوزارة منذ بضعة أيام حلبى وليس هذا بمطرد فى كل حال ولكنى أراه يراعى أحيانا كما قلت.
بساطة العلاقات بين الناس :
وقد تعجب بعض الإخوان الذين لا يعرفون الديار الشامية الديمقراطية (القوم) وأدهشهم وراعهم انتفاء التكاليف الرسمية وإيثار البساطة وقلة الاحتفال بمناصب الحكم أو الاعتذار بما يصاحبها من جاه وسلطان وأبهة ، فإنك تدخل على الوزير كما تدخل على الموظف الصغير ، ولا تحتاج إلى أكثر من الاستئذان الواجب ـ حتى ـ بين الأصدقاء ، فإذا انتهى العمل رأيت الوزير الكبير والرجل الصغير ـ موظفا كان أو غير موظف يجلسان ويتسامران كأنهما ندان.
ولا عجب فى هذا فإنه روح الشرق العربى كله ، لا فرق بين العراق والشام ولبنان وفلسطين والحجاز ونجد اليمن بل هى روح الإسلام الذى يجعل أكرم الناس عند الله أتقاهم ، وقد عجز الحكم التركى الطويل عن مسخ هذه الروح وتشويهها. وروح الشام جمهورية بحت ، فهى تسمح بالتحرر من كثير من القيود الرسمية وبإرسال النفس على السجية غير أن هذا لا يغرى بسوء الأدب أو قلة الذوق وليس أحسن أدبا ولا أرق حاشية ولا أحرص على المروءة من أبناء العربية فى هذه الديار عامة وفى الشام خاصة ، وقد يبلغ الخلاف والتنافس بينهم أشد مبلغ ، فلا يورث التقاطع والتدبر ولا

يمنع حسن المواطنة وجمال المعاشرة ويقسو بعضهم على بعض فى النقد ومع ذلك يأتى بعضهم بعض ويتلاقون ويتفكهون كأنما الذى بينهم هو الود الصريح والحب المحض وأحسب أن ذلك إنما كان كذلك لأنهم يدركون إدراكا صحيحا ما بين الواجب والحق من صلة فلا ينكرون الحق على صاحبه وهم يتقاضونه واجبه ، ولا يغلون فى نشدان الحقوق ويهملون الواجب ومن هنا على ما أظن اعتدل الميزان واستقام الأمر.
مزية لشباب الشام :
وسرعان ما يبين المرء أن أهل الشام أكثر توافرا على درس الأدب العربى والتاريخ العربى من غيرهم من أبناء العربية وما لقيت شابا هناك إلا وجدته واسع الإطلاع على الأدب والتاريخ ولعل إطلاعهم على الآداب العربية أقل وأضيق نطاقا ، وعسى أن يكون المصريون من أجل ذلك أرحب أفقا وأصح إدراكا لحقيقة معنى الأدب ، ولكنه لا شك فى أن شبابهم أكثر من شبابنا إحاطة بكنوز العربية وعناية بها والعربية هى لغتنا فلا مهرب من هذه العناية وتلك مزية جلية لأبناء الشام. وقد تجد شبابنا متعجلين يعالجون الشعر بغير آلة فلا يلقون تشجيعا ولا يسعهم إلا أن يقصروا ويفيقوا من حلم الشباب الذى أوهمتهم حيويته الدافقة أنهم يقدرون على كل شىء بآلة أو بغير آلة.


أكلة علائية
(7)
بدأ" العناء" فى سبيل أبى العلاء على حد قول الأستاذ الجليل إسعاف بك النشاشيبى من أول يوم من أيام المهرجان فقد دعونا فى ظهر ذلك اليوم إلى موائد مثقلة بألوان شتى من الطعام كانت تلوح لنا من بعيد شهية فنتلمظ ونتمطق قبل الأوان فلما قالوا" تفضلوا ذهبنا نعدو ، وإذا بواحد يشدنى من ذراعى ويقول : " هل تعرف أن هذه أكلة علائية؟ " قلت" ماذا تعنى؟ " قال : " كل ما تراه مطبوخ بالزيت ـ حتى الحلوى ـ ولا لحم من أى نوع" قلت"" أعوذ بالله".
فسألت والعمل؟ الزيت لا يوافقنى" قلت : " وهبه كان يوافقك فأين المعدة التى تحتمل أن تكتظ بهذه العشرات من الألوان المطبوخة بالزيت؟ لا يا سيدى يفتح الله تعال نؤلف حزب معارضة بل ثورة.

وقد كان ـ وصار حزب المعارضة قوامه الأستاذ إسعاف النشاشيبى وطه الراوى (23) وأحمد الشايب والعبد لله ، واحتللنا طرف مائدة ودعونا عمال الفندق وأمرنا بلهجة حازمة أن يجيئونا بطعام آخر سائغ ولغظ القوم بثورتنا" الموافقة" وحسدونا وزعموا أنها فكاهة ظريفة وتظاهروا بأنهم لا يبالون بما يحشون به بطونهم من نار. وبعث إلى الأمير مصطفى الشهابى يقول : إن هناك إشاعة بأنى" سأرقصهم" بخطبة على هذا الطعام فكتبت إليه أقول أنهم سيحتاجون حقا إلى من يرقصهم طويلا بعد هذه الأكلة الشامية الشنيعة ، وأكبر ظنى أنهم سيعدون بعدها فى عداد الموتى ويؤسفنى أن الله لم يؤتنى القدرة على إحياء الموتى واعتزمت إذا دعيت إلى الكلام بكرهى أن أشكر طاهى الفندق الذى جاد علينا ببعض ما عنده وأنقذنا من هذا الهلاك ،
وأن أبرئ" المعرى" المسكين مما توهم هذه الوليمة التى كانت ألوانها تعد بالعشرات ولو كان يأكل كما أكلوا لمات بالتخمة غير إنى لم أحتج إلى كلام ما لأنى بعد أن أصبت الكفاية زعقت كالعادة.
ـ عناء الرحلة بين المحافظات :
وكانت هذه الأكلة بداية المتاعب فقد حملونا فى صباح اليوم الثالث فى سيارات وضعوا كل أربعة منا فى واحدة منها فانطلقنا ننهب الأرض ونقطع (1250 كيلو مترا) فى ثلاثة أيام ، وكنا ننام بعد نصف الليل ونستيقظ فى بكرة الصباح مع العصافير ولا نستريح فى النهار لأنا لا نكون فيه إلا على سفر أو على طعام.

وكان من حسن حظى أن كان رفقائى فى السيارة الأستاذ" ساطع بك الحصرى"(24) مدير التعليم فى سورية الآن وكان على عهد المرحوم الملك فيصل فى سوريا وزيرا فلما دخل الفرنسيون بعد معركة" ميسلون" خرج هو ، وانتهى به المطاف إلى العراق فتولى أمر التعليم هناك وأشرف على الآثار ثم أخرج من العراق مع من أخرجوا من السوريين قبيل هذه الحرب فعاد إلى سوريا وعكف على التأليف فأخرج كتابة الضخم فى" ابن خلدون" وثنى بمجموعة نفسية من المقالات وهو رجل واسع الإطلاع كبير العقل مستقيم النظر ساحر الحديث.
والأستاذ العالم الجليل الشيخ" عبد القادر المغزى"(25) عضو المجمع العلمى بدمشق ومجمع فؤاد الأول للغة العربية بمصر والمصريون يعرفونه لأنه أقام بمصر زمنا قبل الحرب الماضية وكان يكتب فصولا اجتماعية فى" المؤيد" ينحو فيها منحى الأستاذ الإمام الشيخ" محمد عبده"(26) ومن غريب ما حدثنى به المغربى فى هذه الرحلة أنه زارنى مرة فى" البلاغ" ثم انقطع عن زيارتى لأنه قرأ لى فصلا أشكو فيه من كثرة الزوار
فحسب إنى أعرض به وأشير إليه فأقصر فاستعذت بالله من هذا الخاطر.
والأستاذ العالم الأديب" عز الدين آل علم الدين التنوخى (27) من أعضاء المجمع العلمى أيضا ، وهو فوق ذلك محدث ظريف وشاعر لبق ، يستطع أن يرتجل البيت والبيتين فى المعانى القريبة يمازح بها إخوانه وقد قال بيتين مدحنى بهما ونحن نتصعد ونتصوب فى الجبال والأدوية وأوردهما على سبيل التسلية :

فقلت له يا أخى وقاك الله السوء والمسخ والتشويه ماذا فعلت باسمى عفا الله عنك؟ أنا احذف الألف التى بعد الراء لأنى أحس أنها تفقأ عينى حين أراها فتجىء أنت فتثبتها وتحذف الألف الأولى؟ سبحان الله العظيم.
قال : " ضرورات الشعر"
قلت : " أكفنا شر هذا الشعر"
وكان ظن إخوانى إنى غير سعيد بهذه الرفقة ولكنى كنت على خلاف ما توهموا راضيا مغتبطا ولو خيرت لما اخترت غير هؤلاء السادة الأجلاء ، فإن فيهم من البساطة وخفة الروح وصدق السريرة وسماحة النفس ما يحببهم إلى كل قلب وسرعان ما صار كل منا لصاحبة مألفة فكنا إذا هممنا باستئناف السفر ، يبحث كل واحد منا عن أصحابه وينتظرهم ولا يركب حتى يركبوا وكان حديثنا ذا شجون كثيرة بعضه جد ومعظمه مزح وكان" الأستاذ عز الدين" لا يزال يستطرد من كل موضوع إلى ذكر الدروز ـ وهو منهم ـ ودينهم وعاداتهم وصفاتهم ومزاياهم وشعرهم فكنا نركبه بالفكاهة من اجل ذلك فصبر على هزلنا أحسن الصبر وأجمله حتى يخجلنا بسعة صدره وحلمه فنرتد إلى الرفق والمساناة.
ولما صرنا إلى" المعرة" دعانا" الحراكى بك"(28)إلى العشاء وكانت الموائد موقرة مما نطيق حمله وبما لا يطمع أشره أكول مبطان أن يلتهم أقله ولما أديرت علينا الفاكهة رأينا تينا أخضر الواحدة منه فى حجم البرتقالة الكبيرة وطعمه أحلى من العسل فقال الأستاذ إسعاف بك النشاشيبى (آه الآن وقفنا على سر المعرى وعرفنا لماذا

قنع بالتين فإن ثلاث تينات من هذه وجبة كاملة ولا حاجة لأحد بعدها إلى طعام آخر.
وخرجنا من" المعرة" فى نحو الساعة العاشرة مساء فبلغنا حلب عند منتصف الليل فأوينا إلى مخادعنا على الفور فأصبحنا فخرجنا للفرجة ثم دعانى إخوانى رجال الصحافة فى حلب إلى الغذاء معهم فزغت من المأدبة الرسمية وذهبت معهم وقضينا ساعات فى ناد هناك كانت من أطيب ما مر بى فى هذه الرحلة وأحلاه ، وخرجنا من هناك إلى ساحة مدرسة التجهيز كما تسمى على ما اذكر ، وكان على أن ألقى كلمتى فيها فذعرت حين رأيت سعة المساحة فطمأنونى وقالوا أنهم نصبوا مكبرا للصوت ودعونى أول ما دعوا إلى الكلام فإذا مكبر الصوت لا يكبر شيئا لأن به خللا فلما مللت الصياح وبح صوتى ، قلت لا فائدة من الاستمرار فما أظن أحدا يسمعنى ونزلت عن المنصة وبعد دقيقة أو نحوها قالوا : إن الخلل أصلح فعدت إلى الكلام وفى ظنى أنهم ما قالوا إلا الحق فلما فرغت علمت إنى إنما كنت أحدث نفسى.
ومن الغريب أن مكبر الصوت صلح حالة واستقام أمره إلى آخر الحفلة فتذكرت مثلنا العامى (اللى مالوش بخت يلاقى العظم فى الكرشة) كان العزم أن أرجئ حكاية منعى من دخول فلسطين إلى أوانها ولكن جريدة" المقطم" ـ جزاها الله خيرا ـ تفضلت بكلمة طيبة مشكورة فى الموضوع أعربت فيها عن كريم عطفها على واستنكارها لما وقع لى ، فوجب أن ابسط الأمر للقراء فإن فيه لعبرة.
كانت محطة الشرق الأدنى ممثلة فى المهرجان فخاطبنى مندوبها الفاضل فى أن أذهب إلى" يافا" وأذيع حديثا أدبيا أو

حديثين فترددت لأنى كنت معتزما أن أعود بالطائرة فى يوم الخميس الخامس من أكتوبر ولكنه أقنعنى وقال : إن فى وسعى أن أسجل الأحاديث فى" يافا" واستقل الطائرة من" اللد" فاتفقنا على أن أسافر إلى فلسطين فى الثانى من أكتوبر واتفق على مثل ذلك مع زملائى الأساتذة الأجلاء" أحمد أمين بك ، والدكتور عبد الوهاب عزام" وعبد الحميد العبادى ، وأحمد الشايب ، والدكتور أسعد طلس" غير أن موعد السفر تأخر إلى يوم الأربعاء لرغبة الأستاذ أحمد أمين بك فى الاستراحة يومين بعد المهرجان.
وخرجنا جميعا من دمشق ضحى الأربعاء فى سيارتين إلى" القنيطرة" ومنها إلى الحدود بين الشام وفلسطين عند نقطة تسمى" جسر بنات يعقوب" وقد دفع إلينا الأستاذ : حمدى بابيل"(29)قبل سفرنا كتاب توصية إلى ضباط الحدود يعرفهم بنا ، ويذكر أننا ذاهبون إلى يافا ضيوفا على محطة الشرق الأدنى لإذاعة أحاديث أدبية منها :
ـ إذاعة الشرق الأدنى بيافا :
وخرجنا من سورية وبلغنا نقطة البوليس على حدود فلسطين ، فخرج لنا ضابط إنجليزى دفعنا إليه الجوازات. وأبنت له كتاب التوصية ، فقرأه وابتسم وأعاده إلىّ. وقال (خله معك فقد ينفعكم) وختم الجواز بإذن الدخول بعد أن دعانى إليه وألقى علىّ بعض أسئله لأنى صحفى والصحفيون على ما يظهر غير مرغوب فيهم ، ولكنه لم يثقل واكتفى بالأسئلة وأجوبتها ثم ودعنا بلطف. تمنى لنا رحلة سعيدة. فانطلقنا حتى بلغنا ............ الجمارك ، وفيها مكتب

لرجال الأمن العام ، فأبرزت كتاب التوصية مرة أخرى للضابط فأخذه مع الجوازات وارتد إلى غرفته ، وبعد دقائق أعيدت جوازات زملائى إليهم ، ودعيت أنا إلى مكتب هذا الضابط فضحكنا وقلت هذه آفة الصحافة.
وجلست أمام الضابط فسألنى عن مسقط رأسى وعن أبى وأمى فقلت له مازحا ـ إننى الآن لا أب ولا أم فقد ماتا رحمهما‌الله. ونظر فى كتاب التوصية ثم فى الجواز وقال : إن اسمك فى كتاب التوصية" عبد القادر المازنى" وفى الجواز" إبراهيم ......"
فأدركت أنه يلتمس حجة يردنى بها فقلت له" يا سيدى" إنى غير مسئول عن كتاب التوصية معظم الناس يختصرون الأمر ويهملون اسمى الأول على أنك تستطيع أن ترمى كتاب التوصية فى السلة أو تهمله وحسبك الجواز وفيه اسمى كاملا وصورتى وهذا وجهى أمامك.
فانتقل من ذلك مناقشتى فى هجاء اسم المازنى بالإنجليزية فى الجواز فأدركت أنه ليس بالإنجليزى وإن كان يجيد الإنجليزية وبينت له أنه مكتوب كما ينطقه الناس عادة.
ثم قلت له" اسمع من فضلك" أنه يستوى عندى أن تأذن لى فى الدخول أم تمنعنى منه ولكن رجائى إليك أن لا تطيل وتضيع الوقت فإن إخوانى لا يستطيعون أن يستأنفوا السفر إلا إذا عرفوا مصيرى فلا تجعلنى سببا فى إتعابهم.
فقال : إنها مسألة دقائق ليس إلا فانصرفت ولكن الدقائق صارت ساعتين وزيادة. وكنا نجلس فى السيارة تارة ونتمشى تارة

أخرى ولا راحة فى الحالين. وقلت لإخوانى أن أكبر ظنى إنى مردود عن فلسطين فقال الأستاذ أحمد أمين بك" إذا لا إذاعة" ونسافر إلى مصر دون أن نعرج على محطة" يافا" فوافقه بقية الإخوان. وقال الدكتور طلس" وأعود أنا معك إلى الشام" فحاولت أن أثنيهم عن الإضراب عن الإذاعة ، أو أثنى الدكتور طلس عن الأوبة معى فأبوا كل الإباء واتفقنا على اقتسام السيارتين فيأخذ أخوان واحدة ، ونعود أنا مع الدكتور طلس فى الأخرى.
وأخيرا خرج علينا الضابط وقال لى إنه شديد الأسف وأن القدس أبت أن تأذن لى فى دخول فلسطين. وأنه يأسف مرة أخرى لأنه ليس عنده ما يركبنيه فى عودتى إلى الشام.
ـ العودة بلا دخول :
فطمأنته وقلت له" لا تخف على ، ولا تحزن ، فإن معى سيارة" فاطمأن وأظهر السرور ، وأراد أن يلقى على أسئلة أخرى فقلت له : وأما بعد رفض الدخول فلا سؤال ولا جواب وما شأنك بى وقد رددتنى عن البلاد؟.
وهكذا رجعت مع الصديق الكريم الدكتور أسعد طلس. ولما بلغنا الحدود الأولى استغرب الضابط الإنجليزى لأنه كان قد أذن لى فى الدخول ، وسألنى مازحا. أتراك ارتكبت جريمة؟ فقلت" ليتنى فعلت. إذن لعرفت السبب".
وصار الأمر مشكلا ، لأن تأشيرة الدخول فى سورية انتهت بخروجى منها غير أن موظفى الحدودا لسورية كانوا من أظرف خلق الله وأرقهم فأعربوا عن عطفهم وأسفهم ، وألغوا" تأشيرة"

الخروج ، وأرادوا أن يحتفوا بنا فاعتذرنا بضيق الوقت وبعد الشقة ، واستأنفنا السير فدخلنا" دمشق" فى منتصف الساعة التاسعة ليلا ، فإذا أمامى مشكل آخر : هو أن الفنادق كلها غصت بالنواب الذين جاءوا من أرجاء الشام لحضور جلسة البرلمان فى صباح اليوم التالى فأين أبيت؟ وعلم الأستاذ الجليل إسعاف بك بهذا المشكل ، فهمس فى أذنى أن بغرفته سريرا ثانيا لا ينام عليه أحد ، وأن هذا يحل الإشكال إلى الغد ، فهممت بالاعتذار لأنى أعلم أن الأستاذ إسعاف لا يطيق أن ينام معه فى غرفته مخلوق فكيف أنغص عليه رقاده؟ وأنا مثله أوثر النوم وحدى ولكنه لم يكن لى مفر من قبول ما تفضل به مشكورا.
وتشهدت ، وقلت آكل لقمة فما طعمنا فى نهارنا شيئا يذكر ، وإذا بخادم الفندق يسألنى عن حقيبتى أين هى لحملها إلى حجرة إسعاف بك فأخبرته أنها فى السيارة ، ولكن السائق كان قد ذهب بالسيارة ـ لا أدرى إلى أين ـ ونسى أن يترك لى شيئا ، ولا أحتاج أن أقول إنا وجدناه وأنه رد الحقيبة معتذرا عن سهوه.


الأمن العام فى فلسطين ضد المازنى
تحت الحكم العسكرى الإنجليزى
(8)
وفى صباح اليوم التالى ـ الخميس ـ علمت أن المشكل أعقد مما كنت أظن ، فقد كنت واثقا إنى أستطيع العودة إلى مصر بالطائرة وكل ما أحتاج إليه هو الانتظار حتى أجد مكانا فى طائرة عائدة ولكن الدكتور طلس زار القنصلية ومعه جوازى ليسأل هل به حاجة إلى" تأشيرة" جديدة؟ فكان الجواب المزعج إنى ممنوع من اجتياز فلسطين برا وجوا لأن الأمن العام فى فلسطين هو الذى منع دخولى .. فكيف أعود؟ أأقطع البحر الأبيض سباحة؟ وخطر لى أن الحل الوحيد ـ إذا أخفقت المساعى الكثيرة التى بذلتها الحكومة السورية ـ هو أن أذهب إلى العراق ومن ثم إلى نجد فالحجاز فمصر فأعود على الأرجح مع الحجاج.

وقد كان القنصل الإنجليزى كريما غاية الكرم فأرسل برقية إلى القدس ورد فيها برسالة مستعجلة ولكنه لم يتلق جوابا قط ، وكان كل امرئ فى دمشق معنيا بى ، وبتهوين الأمر على ، وسرنى على الخصوص قول فخامة الرئيس حفظه الله أنه سيكلف الحكومة أن تكتب رسميا إلى حكومة فلسطين تشكر لها أنها ردت المازنى إلى الشام.
وهمت صحافة دمشق بحملة على حكومة فلسطين فرجوت منها أن تتريث حتى نتيجة المساعى المبذولة من جانب الحكومة السورية وجانب القنصل البريطانى.
وحاولت الاتصال بمصر مرارا فلم أفلح وبعثت ببرقيات شتى إلى البلاغ وإلى بيتى بتوقيع الدكتور أسعد طلس وغيره من السوريين فلم يصل منها شىء إلى اليوم ولم أبعثها باسمى لأن جوازى كان فى القنصلية البريطانية والبرقيات لا تقبل من الغريب إلا إذا أبرز مرسلها جوازه كما تقضى بذلك الأوامر العسكرية.
وكنت قد مرضت فلزمت غرفتى فتفضل الكولونيل مارساك وزارنى وأنبأنى انه مسافر إلى مصر صباح السبت على طائرة إنجليزية لا تنزل فى فلسطين وتمنى أن تسمح لى صحتى بالسفر وسألنى عما يستطيع أن يفعله لى فى مصر فأكدت له إنى أستطيع السفر الآن على الرغم من المرض ورجوت منه إذا تعذر سفرى أن يتصل بجريدة البلاغ ويخبرها بالخبر.

ـ عودة إلى مصر :
وكان يجس يدى كل بضع دقائق فأحسست أنه يفعل ذلك لأمر يكتمه ولم يكذب ظنى ففى صباح اليوم التالى زالت عنى الحمى فارتديت ثيابى وإذا بى أدعى إلى مكتب شركة الطيران البريطانية وهناك علمت أن مكانا حجز لى بفضل القنصل البريطانى والكولونيل مارساك على طائرة إنجليزية قادمة من طهران وذاهبة إلى مصر دون توقف فى فلسطين ، وهكذا عدت فجأة وعلى غير انتظار بعد أن كاد عزمى يستقر على السفر إلى بغداد فنجد فالحجاز.


(9)
نوينا بعد انفضاض المهرجان أن نقضى نهارا فى شتورة وليلة فى زحلة وكان" الدكتور بشر فارس (30) لا يزال يلح على أن أزوره فى شتورة وأقضى معه بضعة أيام ، فما استطعت أن أختلس أكثر من بضع ساعات من نهار قبل أن يبدأ المهرجان فلما انتهى قلنا نلبى دعوته وننعم بكرمه وأريحيته النهار كله ، والمثل يقول" العبد فى التفكير والرب فى التدبير" وهو مثل أنقله عما أريد به لأقول إننا ركبنا السيارات فى الصباح وانطلقنا على طريق شتورة ـ وهى من أعمال لبنان ـ فلما قطعنا نحو ثلاثين كيلو مترا انعطفت السيارات فدخلت بنا فى طريق الجبل فسألت صاحب السيارة عن الداعى إلى هذا الميل فقال إنه مدعو للغذاء عند السيد" عبد الحميد دياب (31) من التجار وأعيان بقين ، وما كنت رأيت فلانا هذا إلا مرة واحدة فألح أن نتغذى معه فاعتذرنا بأننا على موعد ولم يخل سبيلنا إلا بمشقة ثم أبى له كرمه إلا أن يولم لنا فكان أن حملونى إليه وأنا لا أدرى وإنما ذكرت هذا ليقف القراء على مثل من كرم

القوم ولا بأس من مثل آخر أسوقه فقد خرجت مرة أتعشى وحدى فى مطعم سورى فلما دعوت الخادم لأحاسبه قال" مدفوع يا سيدى" وأعيانى أن أعرف من الذى تفضل فأدى عنى الحساب. وفى شتورة وجدنا الدكتور بشر قد أعد لنا" الشاى ودعا إليه معنا طائفة متميزة من كرام اللبنانيين وهو ليس" ككل شاى ، فلا حاجة إلى كلام فيه غير أن الدكتور بشر يأبى إلا أن يبتكر أو ليس من الجديد فى حفلات الشاى أن يكون فيها" فول مدمس" وقد أنضجه الدكتور بشر بيديه الكريمتين زيادة فى العناية والتحفى.
وخرجنا إلى" زحلة" وهى اشهر بلاد لبنان" بالعرق المشهور" فجلسنا فى مقهى فسيح على نهر" البردون" وكان كضيفنا هناك الشاعر المشهور الأستاذ" عمر أبو ريشة"(32)وكانت قصيدته فى مهرجان المعرى من خير ما سمعت من الشعر وقد أنست من قصيدته نزعة صوفية فسألته عن ذلك وكنا فى حلب على ما أذكر فقال : إن ظنى فى محله.
وكان من خير ما أكلنا فى ليلتنا تلك على النهر" العصافير" وهى سمينة يقلونها أو يصنعون بها ما لا أدرى ويدسونها فى قلب الرغيف حتى لا تبرد ثم تؤكل بعظمها.
ـ حدود سوريا ولبنان :
وكان معظم من معنا لبنانيين وكنا نستطرد فى الحديث من موضوع إلى موضوع فتناولنا كل شىء جادين وهازلين فأحسست بعد هذه الجلسة وأمثالها مع إخواننا اللبنانيين أنهم قلقون يرغبون فى إيجاد رابطة بين بلادهم والبلاد العربية الأخرى ، ولكنهم يحبون

أن يحتفظوا باستقلالهم وحدودهم الحالية أدق احتفاظ ويخشون أن تؤدى المشاورات العربية إلى ما يمكن أن يتحيف من استقلالهم أو يرد حدودهم عما دخل فيها ومن اجل هذا أضارهم وسرهم أن الذين اشتركوا فى مباحثات اللجنة التحضيرية آثروا أن يسمعوا ما اتفقوا عليه" جماعة" من" الدول العربية" لأن كلمة" الدول" تفيد الاستقلال ، وكلمة" الجماعة : تقضى على فكرة" الوحدة" التى يخشون أن يكون المقصود بها ـ آخر الأمر ـ إدماج بعض البلاد فى بعض وما أظن بهم إلا أنهم قد سرهم على الخصوص النص الذى انفرد به لبنان تأكيدا لاحترام استقلاله وحدوده.
وقد يحب القارىء أن يقف على السر فى كل هذا الحرص على النص على احترام الحدود الحالية والسر فيما أعلم هو أن لبنان ألحقت به فى عهد الانتداب الفرنسى بلدان كانت فى الأصل داخله فى سوريا مثل بعلبك وطرابلس وصيدا الخ. فلبنان يجب أن يبقى له ما أضيف إليه وألحق به. ولم تر سورية بأسا من هذا فاعترفت بالحدود القائمة.
أما فيما عدا فالأمر بين سوريا ولبنان يجرى كأنهما بلد واحد فلا جوازات سفر بين القطرين ولا عملة منفصلة وأمر الجمارك مشترك والتعاون قائم على خير وجه ولا فرق بين لبنانى وسورى ، فمعظم موظفى البنك السورى اللبنانى وموظفاته فى دمشق وغيرها من بلاد سوريه من اللبنانيين واللبنانيات وكثير من البنى التى فى بيروت يملكها سوريون ، وأهل سورية يصطافون فى جبال لبنان الجميلة وإن كانوا قد بدءوا يعنون بمصايفهم الخاصة وقمح سورية وسمنها تمد بهما لبنان ، كما يمد لبنان سوريا بما فيه من

فاكهة وزيت وعرقى إلى آخر ذلك وقد كنت وأنا فى الشام أتوقع أن تنتهى المشاورات بما يزيل مخاوف إخواننا وكنت أؤكد لهم أن الأمر لا يمكن أن يكون إلا على ما يحبون وأبين لهم أم مصر نفسها حريصة كحرصهم على كيانها الخاص واستقلالها بأمورها واحترام حدودها وكذلك الدولة السعودية والعراق وليس ثم طمع من دولة فى أخرى. وإنما المراد إيجاد وسيلة أو أداة يتسنى بها التعاون والتكافل وحسبنا جميعا ذلك وقد صدق ظنى ولله الحمد.

الصحافة والأحزاب
(10)
ليس أعجب من أن يطالب صحفى بالإدلاء بحديث إلى صحفى آخر غير أن هذا الذى أراه عجيبا كان يبدو غير عجيب لبعض الصحفيين الشبان فى دمشق ، وقد ألح فى المسألة وأنا أحاول أن أصرفه بلطف ، فلما أعيانى أمره قلت : سل ما بدا لك ، فرمانى بطائفة من الأسئلة تتطلب بحثا طويلا نظرا ومراجعة. مثل كيف تركت الحالة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية فى مصر؟ وما رأيك فى حل قضية فلسطين. إلى نظائر كثيرة لهذه الأسئلة المحرجة وقد هربت من كل جواب بكلام يضحك حمله هو على محمل الجد فذهب به فرحا إلى مدير شركة الأنباء التى عمل فيها ، ثم عاد إلى من غده يعاتبنى ويقول إنى جعلته غرض استهزاء. فقلت له يا أخى وما ذنبى إذا كنت تأبى إلا إحراجى بأسئلة لا أستطيع الجواب عنها هنا ، وصرنا بعد ذلك صديقين وغفر لى إساءتى ، وزاد فتفضل تعريفى بزعيم الحزب الشيوعى هناك

وزعيم الشيوعية هذا شاب مديد القامة عريض الألواح واسع العينين براقهما حديد الفؤاد فصيح وقد سألنى عن الشيوعية ما رأيى فيها فقلت له" منك نستفيد" فما أعرف عنها شيئا فشرع يعرفنى بها فقلت له اسمع" إن كنت تطمع فى إلحاقى بحزبك فخير لك أن تقصر فقد جريت فى حياتى على قاعدة لم أتحول عنها قط هى أن لا أتقيد بحزب أو مذهب وإنما آخذ من كل مذهب أطيبه وأنفعه .. فكف.
وصرت بعد ذلك كلما دخلت غرفتى وجدت فيها كوما من النشرات والمطبوعات والرسائل عن (روسيا والشيوعية) وقد احتفظت ـ منها ـ برسالة واحدة رأيتها نافعة لما فيها من البيان وأهملت ما عداها.
ـ حديث عن التشاؤم :
ومما يستحق الذكر إنى لما عدت إلى الفندق تلك الليلة المنحوسة من فلسطين قال لى أحدهم بعد أن أظهر السرور برجوعى : والله إنى ما توقعت خيرا مذ رأيت السيارة التى ركبتها إلى فلسطين فسألته عن السبب فقال رأيت كلمة" يا ساتر" مكتوبة على زجاجها فانقبض صدرى وقلت فى سرى" يا ساتر استر". ومن الغريب أن هذه هو الذى شعرت به حين رأيت هذه الكلمة ، وقد حدثت بهذا الدكتور أسعد طلس ، فضحك ، ولكن أنظر ما حدث.
على مسافة عشرين كيلو مترا من دمشق ـ فى الطريق إلى القنيطرة ـ انكسرت حوامل السيارة ويسمونها" السوستة" فوقفت

السيارتان طويلا حتى ربطت بالحبال واضطررنا بعد ذلك إلى السير على مهل مخافة أن تتعطل السيارة.
سقطت منى ورقة بخمسة جنيهات مصرية فى القنيطرة على الأرجح وكنا وقفنا بها قليلا لنشترى بها طعاما فلم نجد خيرا أو أنظف من" الطعمية" والعنب ويظهر أنى أردت أن أعيدها إلى جيبى ـ أعيانى صرفها ـ فوضعتها خارجه وأنا أظن أنى دسستها فيه ، ولما رددت عن فلسطين طلب السائق الذى كان مع إخوانى ، خمسة جنيهات من زميله يستعين بها حتى يقبض أجرته ، فاعتذر له زميله بأن ما معه لا يبلغ هذا القدر ، فقلت له أنا أعطيه ما يطلب على الحساب وبحثت عن الورق وأصبت ببرد من طول الوقفة والتعرض عند" جسر بنات يعقوب" وكانت ثيابى أخف ما يلبس وأهملت التوقى.
ولما عادت بنا السيارة ضل السائق الطريق فظل يحملنا ـ أنا وصديقى الدكتور طلس ـ هنا وهناك ثم يرتد وهو لا يهتدى نصف ساعة حتى خفنا أن يدركنا الليل قبل أن نصل إلى نقطة الحدود السورية. ولست ممن يتطيرون ولكنى أعترف بأن كلمة" يا ساتر" حين رأيتها مخطوطة بالدهان الأحمر على زجاج السيارة أمام السائق لم تقع من نفسى موقعا حسنا ، وكانت عينى تتجه إليها كلما حدث شىء. وشبيه بهذا ما وقع لى مرة منذ ربع قرن تقريبا وكنت يومئذ أسكن بيتا (على تخوم العالمين) وإنى لعائد إليه عصر يوم وإذا بفقيرة عمياء مستندة إلى جدار تتنهد وتقول" استرحنا والحمد لله" وليس فى هذه العبارة ما يسوء ولكن صدرى انقبض لها ، وسمعت نفسى أقول" أعوذ بالله". وفى منتصف تلك الليلة

توفيت زوجتى جاءها المخاض فجاءها الطبيب فنزفت وماتت ، وقد سمع منى غير واحد وصف مصرعها ـ فقد كنت مشاهدا للأمر كله ـ فدهشوا. وما شمت بإنسان قط ولا شماتة بميت على الخصوص فإن الموت يدركنا جميعا ، ولكن هذا الطبيب مرض فمات بعد ذلك بعامين وأشهد الله العالم بالسرائر أننى شمت وفرحت وأحسست أن الله الرحيم قد مسح من قلبى القروح.

(11)
كان الأمير مصطفى الشهابى محافظ" اللاذقية" قد أنبأنا قبل أن يغادر دمشق بعد أن حضر افتتاح المهرجان وأكل هنيئا من الغذاء العلائى الذى اكتويناه وأبيناه ـ أنه سيعد لنا الغداء فى حرش جميل قريب من اللاذقية.
والأمير مصطفى أديب عالم وعضو فى المجمع العلمى بدمشق وكان فى طليعة المرشحين لعضوية مجمعنا اللغوى ، ولكن لأمر ما عدل عنه ومن تواليفه العلمية (الرسالة النباتية) وقد نشرنا مجمع دمشق و (معجم الألفاظ الزراعية) بالفرنسية والعربية فى مصطلحات العلوم الزراعية الحديثة من عامة وخاصة وزراعة البساتين وعلم الخراج وتربية الخيل والأنعام والنحل والأسماك والطيور الأهلية وما له صلة بالزراعة من نبات وحيوان وحشرات وآلات وصناعات ...... الخ. وقد أخرجته مطبعة الجمهورية السورية.

وقد تولى من مناصب الدولة ووزارة المعارف ومحافظة حلب ثم محافظة اللاذقية وله فى كل ما تولى آثار باقية فإنه قوى حازم وعالم مصلح.
وكانت منطقة اللاذقية تسمى فى عهد الانتداب" جبل العلويين" وكانت ذات استقلال ادارى ومالى ولكن الأمير" مصطفى" غير الاسم وتبلغ مساحتها ستة آلاف كيلو متر مربع وسكانها قرابة نصف مليون نسمة ومنها اثنان وستون فى المائة من المسلمين العلويين ، وعشرون فى المائة من المسلمين السنين وثمانية عشر فى المائة من المسيحيين وأسرة درزية واحدة وكانت فيها أسرة يهودية واحدة نزحت فأصبحت المحافظة خلوا من اليهود.
ومما يستحق الذكر عن اللاذقية أنه كانت بها مدينة عربية شامية منذ ألفى سنة إلى ألف وخمسمائة سنة قبل المسيح عليه‌السلام ، وكانت فى العهد الذى انتهى وجاء الاستقلال الحالى على أثره" فتنة" فقلبها الأمير مصطفى بحكمته وعقله ألفة صافية ، وكان العلويين يشجعون على اعتقاد أنهم" نصيريون" فتغير كل هذا بل لقد شجع بعض المشايخ على أن يكون" ربا" أى إلها فى الأرض ولا يزال هذا" الرب على قيد الحياة ولكنه فى حكم المعتقل وما زال فيما يرى ربا ولكنه بغير عباد فتأمل كيف كان القوم يخلقون حتى الأرباب.
ومما يشهد للأمير مصطفى بالسرعة فى الإصلاح أن فى محافظة اللاذقية الآن أربع مدارس ثانوية وعدد كبير من المدارس الابتدائية وما يسمى المدارس (الإكمالية" ودار كتب جديدة وردهة للمحاضرات لم يكمل بناؤها وكان فيها خمسون كشافا فصاروا ألفا

وخمسمائة يهتفون بالعروبة والوحدة ، وهذا يريك من أى معدن صيغ الأمير مصطفى ، خرجنا من حلب إلى اللاذقية ضحى ، فى طريق تلتوى التواء شديدا ثم ذهبنا نصعد فى طرق ممهدة (مزفتة) على قولهم على رؤوس الجبال والآكام والربى ، أكثرها مراقى غاية الوعورة فلما كدنا نخرج إلى طريق الساحل وجدنا من ينتظرنا ليميل بنا إلى الطريق المفضى إلى الحرش وفيه المأدبة الموعودة وكان الأمير قد حدثنا أنه غير مرصوف ولكنه أمر بتسويته وأنه أقل من خمسة عشر كيلو مترا فإذا به يطول حتى يجاوز الثلاثين وقد سرت فى طرق شتى فى الجبال ـ فى فلسطين ولبنان وسورية ـ ولكنى لم أر أوعر وأكثر ترابا من هذا الجبل الشاهق ولا أجمل منظرا لكن لصعوبة المرتقى وضيق الشعاب وحدة الانعطاف وكثرة التراب كنا نغمض أعيننا فلا نكاد نرى ما حولنا أو تحتنا على الأصح وكان أكبر إشفاقنا أننا سنعود من هذا الطريق بعد الغذاء وقد احترقت فى بعض الطريق السيارة التى جاءت لتقودنا فوقفنا قليلا نتنفس ونسخط على هذه الرحلة ونعرب عن زهدنا فى أكلة تكلفنا هذه المشقة ونلوم الأمير مصطفى ونستعيذ بالله من هول الإياب.
وأخيرا وصلنا إلى البقعة التى تخيرها الأمير فإذا هو على حق وإذا هى صعيد فسيح فيه منبع ماء تحيط به وتظلله أشجار عظيمة التفت أفنانها والتبس بعضها ببعض ، وورف ظلها وكأنما نسقتها وصفتها يد الإنسان وقد مدت الرقعة البديعة ولكن الأمير حدثنا أن إحدى سيارات النقل التى حملت الطعام من اللاذقية انقلبت وتبعثر

ما فيها واختلط بتراب الأرض ، قلت (يا أمير وبعد هذا التعب الذى تجشمناه!) قال : " لا تخف فقد بقى ما يكفى" وقد صدق ، فقد كان الباقى من الخراف وغير ذلك فوق الكفاية وسألته : (ومن أى طريق أقبلتم؟) قال (من طريق البحر) فقلت (ولماذا لم تجيئوا بنا من حيث جئتم؟) قال) لتروا الأحراش الطبيعية) قلت (يا أخى! والله لقد كدنا لا نرى شيئا ولقد كنا كالأطفال الخائفين نغطى وجوهنا وأعيننا وننظر أحيانا من بين أصابعنا هات الأكل والسلام).
وجاءونا براقصين من البدو يدق أحدهم طبلته دقا عنيفا ويرقص الآخر رقصة الدبكة المشهورة فى لبنان ثم انضم إليه آخرون فصاروا حلقة كبيرة وأسر إلىّ أحد أعوان الأمير أنه كان ينبغى أن يجيئنا براقصات ولكنهم لا يجدوا ولا واحدة.
وقبل أن يبدأ الرقص كان أحد الرجلين يصيح بكلام لا أتبينه ثم يذكر اسما يهمس بعضهم فى أذنه فذكر أسماء طه حسين وأحمد أمين وعزام الشايب والعبادى (وسماه العبدى) والمازنى (ونطقه المزنى) ثم أبى العلاء المعرى فقال (أبو على أية؟) فأسروا إليه أنه المعرى فلم أسمع كيف نطقه بين أصوات الضحك.
ثم خرجنا على طريق بديع فسيح إلى اللاذقية فبلغناها قرب المغرب وذهبوا بنا إلى فندق كبير علمنا أن الحكومة هى التى بنته ودعانى الأمير إلى بيته لأستريح حتى يحين موعد الحفلة العلائية ، فقلت إنى أريد أن أطمئن أولا وأعرف غرفتى بين هذه الغرف ، فإنى أخشى أن لا أكون فى إحداها وحدى ، فطمأننى وحملنى معه ، فلما عدت وجدت حقيبتى حيث تركتها ، ولا غرفة أوى إليها فجعلت أصيح بكل ما أراه ولم أكف عن الصياح وإظهار الغضب حتى دلونى على غرفة رضيت بها.

حديث عن النفس
(12)
ذاكرتى ضعيفة ومع ذلك أعتمد عليها وأركن إليها ، وليس بعد ذلك فساد رأى ، وقلة عقل وأحسب أن الذى يحملنى على هذا التعويل عليها إنى أعرفها تحفظ الصور وإن كانت تنسى ما عداها فكل ما أراه يبقى وكل ما اسمعه أو اقرأه يذهب وما أكثر من ألقاهم فى الطريق وأكون قد رأيتهم من قبل فأتوهم أن لى بهم معرفة فألقى إليهم السلام على سبيل الاحتياط وأقرأ الكتاب وأرى نسخة منه فى مكتبة فأشتريها وقد صار عندى من بعض الكتب عدة نسخ ، وبدا لى أن خير ما أصنع إذا خايلنى كتاب فى إحدى المكتبات أن أدون اسمه حتى أرجع إلى البيت فأنظر لعله عندى فأنسى الرقعة وما سطرت فيها ، ويتفق بعد أيام أو أسابيع أو شهور أن تقع عينى على هذه الرقعة فأتعجب ، وأتساءل لماذا كتب اسم هذه الكتاب؟ لأراجعه أو لأشتريه؟ وأفعل ما يغلب على الظن.


ظاهرة النسيان
وقد سرنى أن وجدت فى دمشق ندا لى فى هذا الباب وهو الدكتور" الجابرى"(33) مدير الرقابة هناك وكنا عند الدكتور أسعد طلس فذهبنا نتبارى ، وهو يقول : إنه أسرع منى نسيانا وأنا أزعم إنى السباق فى هذا المضمار فراح يروى قصصا عجيبة ولكنه كان يذكر تفاصيلها بدقة فلاحظت ذلك وأنكرت أن يكون هذا حال من تخونه الذاكرة فطالبنى بأمثلة لما يقع لى فقلت : وكيف يسمنى هذا وأنا أمسى عاشقا وأصبح ساليا؟ وأرتدى ثيابى لأخرج حتى إذا هبطت بضع درجات من السلم وقفت أتساءل : إلى أين؟ وفيم الخروج؟ ويعجبنى ألّا أهتدى فأعود أدراجى وأقعد وتحدثنى زوجتى فى أمر ثم أنصرف ، فإذا عدت لقيتنى بالسؤال عما صنعت فأستغرب وأسألها" صنعت ماذا؟ فتقول محتجة" ألم نتفق على كيت وكات؟ فأقول" والله نسيت" وكانت فى بداية الأمر تظن إنى أدعى النسيان ثم اقتنعت على الأيام وكفت عن الاعتماد على أو

تكليفى شيئا أو عقد أطراف المناديل أو دس رقع فى جيبى فما وجدت لشىء من هذه جدوى وأسلمت أمرها لله ولسوء حظها معى.
وقد اعترف شهود تلك الجلسة ـ كما اعترف الدكتور الجابرى ـ بأنى أنا محرز قصب السبق ولا جدال وكان هذا فوزا لى ولكنه فوز مقلوب أو كما يقول ابن الرومى (يرفعه الله إلى أسفل" على أن للنسيان مزايا فإنى أنسى المساءات والأحقاد والهجوم والمتاعب وأنام ملء جفونى وكفى بهذا ربحا.
أسلفت كل هذا لأقول : إن الأمير مصطفى الشهابى دعانا فى اللاذقية إلى العشاء فى داره ، أو فى حديقتها على الأصح ولما كدنا نفرغ من الطعام أقبلت فرق الكشافة بالمشاعل وازدحم فى الباب منها جماعة ثم تقدم غلام صغير فغنى وطرب ورجع بصوت لم اسمع أحلى منه وكان واقفا أمام شجرة وراءها من لا أرى هو يشيع فى يراع معه ، وتكرر هذا وكان صاحب اليراع يضرب معازف شتى أيضا ، وسمعنا غير ذلك أناشيد شتى ، أعجبت بالعزف وحذقه فاقترحت على الأستاذ" عزمى النشاشيبى"(34)مدير محطة الإذاعة بالقدس ـ وكان قريبا منى ـ أن يدعوه إلى الإذاعة ، فقبل فقمت إلى حديث كان هؤلاء الفتيان واقفين وقلت لنفسى إنه يحسن أن أقيد أسماءهم لأذكرهم بما هم أهله بعد أوبتى إلى مصر ففعلت وأوصيت العازف أن يقابل الأستاذ" عزمى النشاشيبى" بذلك وقد كان موافقا معه عزمى على السفر إلى فلسطين للإذاعة وقد علمت أن هذا العازف أستاذ الموسيقى فى مدرسة خيرية هناك وكنت أود أن يتفق عزمى مع الغلام المغنى أيضا ولكنه قال : إن هذا عسير لأنه قاصر فتأسفت.

وقد أعيانى أن أجد الرقعة التى دونت فيها أسماء هؤلاء فجعلت أرجى ذكرهم والقول فيهم ، لعلى أهتدى إلى مكان الرقعة حتى يئست وكففت وقد كانوا ينتظرون كلمتى فيهم ، فقد وعدتهم أن أبعث إليهم بما أكتب فالآن سيخيب ظنهم ويتهموننى بإخلاف ظنهم ويتهموننى بإخلاف الوعد ولست أرى لى حيلة فإن آفتى هذا النسيان وإنى لأخشى أن أنسى أسمى يوما ما ، ومما قوى هذا الوهم أو الخوف أنى قرأت قصة منذ سنوات كل ما أذكره منها أن بطلها أصيب بصدمة فلما برىء كان قد نسى نفسه ولم يعد يدرى من هو ومسح اللوح كله فلم يبق فيه سطر واحد من الماضى فلما قابل خطيبته بعد ذلك لم يعرفها وقد عشقها مرة أخرى وخطبها من جديد ولكنها هى كانت ضنينة بحبها القديم فظلت تطاوله وتحاول أن تنشر ما انطوى وتبعث ما مات حتى عادت إليه ذاكرته ولا أدرى كيف ......؟.
وإنما بقيت هذه الخلاصة ولم تغب كما تغيب غيرها مما اقرأ لأنها أعجبتنى وخوفتنى وزادت أعصابى تلفا على تلف فأنا لهذا أحرص على وضع بطاقة باسمى وعنوانى فى جيبى وإنى لأعلم أن هذه سخافة فلن يبلغ النسيان بى هذا المبلغ فيما أرجو على الأقل وإذا كتب على أن يصيبنى ما أصاب بطل تلك القصة فما أظن أن البطاقة تجدينى والأخلق بى أن أتساءل : اسم من هذا؟ ولماذا احتفظ ببطاقته؟ أترانى أعرفه؟.
ولست أبالى هذا النسيان فإنه يريحنى وإن كان يتعب غيرى ويشق على أهلى خاصة ، ثم إنه لا ضير من نسيان ما اقرأ ، لأن الفائدة من القراءة تحصل سواء أنسيت ما قرأت أم ذكرته وشبيه

بذلك أن تأكل ثم تنسى أى طعام أكلته فلا يمنع ذلك أن الفائدة من الطعام قد حصلت ولكن النسيان يتعب إذا وجبت المراجعة ، وليس البلاء إنى أنسى وإنما هو إنى لا أضع علامة على كتاب اقرؤوه ولا أدون شيئا فى مذكرة فإذا أردت الرجوع إلى شىء مما قرأت حرت أين أطلبه وقد حاول بعض إخوانى المشفقين أن يعودنى النظام وتدوين المذكرات فقلت أفعل كما أشاروا وشرعت فى ذلك ولكنى مللت بسرعة ورأيت فى هذا تعطيلا لى وتضييعا للوقت والحقيقة إنى اعتدت هذه الفوضى طول عمرى فمن العسير بعد هذا الزمن المديد أن يجىء أحد فيحاول تعويدى خلاف ذلك والجرى على العادة أسهل وأنا سريع الملل وكلما ثقل على أمر قلت لنفسى : ومما هذا العناء؟ كل شىء باطل وقبض الريح فليكن كما يكون.

مدينة حلب
(13)
" حلب مدينة الموسيقى ، وقد قال لى بعضهم : إن فى كل بيت كمانا أو عودا أو غير ذلك من المعازف حتى بيوت النصارى واليهود والأرمن فأضحكنى هذا ، وقلت له : ما كنت أعرف قبل اليوم أن كون المرء نصرانيا أو يهوديا أو أرمانيا يمنع أن يكون موسيقيا.
وكانت شهرة حلب أنها تحافظ على القديم وتحرص عليه وتأبى أن تخرج بفنها إلى الذى يسمونه تجديدا ولست أهل هذا الفن ولا دراية لى به وإن كنت فى صدر حياتى قد أضعت عاما ونصف عام وأنا أحاول أن أتعلم العزف على الكمان ، وكان أستاذى هو" الخواجة تلماك"(35)وكان دكانه على مقربة من سراى البارودى التى كانت فيها (الجريدة) وليس ذنبى إنى أخفقت أو انقطعت عن الطلب ، فقد كنت قليل الصبر وشق على أن لا أبلغ مبلغ" سامى الشوا" فى أسبوع

وكنت استحى أن يسمع أحد ما كنت أخرجه من الأصوات المنكرة التى تشبه الحشرجة فكنت أضع على (الفرس) ما يكتم أنفاس الأوتار ويحيلها خافتة ـ أخفقت والسلام ولا داعى لنشر هذه الذكرى المطوية التى لا يعلم من أمرها شيئا سوى القدامى من إخوان ذلك الزمان وكان الذى أغرانى بالموسيقى إنى شكوت إلى طبيب حاذق ما أتوهمه من اصطلاح العلل والأمراض على فأراد أن يصرفنى قليلا عن القراءة ويشغلنى عن هذه الأوهام فأشار على أن أدرس الموسيقى.
ـ عودة لحكاية عن فخرى البارودى :
ولم أسمع فى حلب شيئا من الموسيقى على شدة حب أهلها لها وكثرة المعازف فيها ، ولكنى التقيت بحلبى عند الصديق فخرى البارودى ، بعد ارتدادى عن فلسطين وهو ضخم جدا وعرضه كطوله (تقريبا) وثيابه أكسية عجيبة من نسج القفاطين ، اتخذ منها سراويل ودراعة وفوق هاتيك معطف من صوف يصل إلى القدمين ، وعلى رأسه عمامة أو ما يشبهها ولم اشك حين رأيته فى أنه أهل العلم بالموسيقى والتبحر فيها فما يختلف إلى فخرى إلا الراسخون فى هذا العلم ، وتربع فخرى على عرشه ونقر نقرتين ثم أمر بتوشيح قديم لا أعرفه ولم اسمع به ، ففض الرجل معطفه وبدا فى ثيابه المخططة الزاهية وأنشأ يغنى بصوت لا حلو ولا مطرب ولكن الإيقاع فيه جيد ، وكان يضرب بجمع إحدى يديه فى كف الأخرى ليضبط التوقيت أو (الوحدة) كما يسمونها ثم حمس وأخذته فانتفض واقفا وجعل يرقص رقصا توقيعيا على نغمات الصوت الذى يغنيه فكدنا من فرط الطرب ننهض مثله ونفعل كما يفعل.

وهذا" توشيح" أو موشح عتيق جدا على ما قالوا لى. وقل من يحفظه ولكنه هزنى فتمشى مفاصلى مثل نشوة الخمر ، وقلما يحدث لى ذلك فإنى رزين ولا فخر وما أكثر ما اسمع من الغناء الذى يقولون : إن فيه تجديدا فلا أطرب ولا تتحرك ـ كما يقول العامة ـ شعرة واحدة فى رأسى وأنا أحب الموسيقى الغربية وأفهم بعضها وأطرب له ، ولكن هذا التلفيق يزعمونه تجديدا يسلب موسيقانا لونها وطعمها وصبغتها ويفقدها خير ما كان لها من مزية ـ أى موافقة طباعنا وفطرتنا.
وأذكر أنّا سهرنا ليلة عند" سليمى باشا"(36) فى بغداد فاستمعنا غناء مصريا حديثا فقلت لها (ياستى ، هذا شىء شبعنا ، فهاتى غناء عراقيا أصيلا. والأفضل أن يكون بدويا) فاستمعنا أصواتا قوية لم تستطع معها أن نحتفظ بوقارنا واستحال علينا الجلوس أو السكون.
ولست لى كما أسلفت دراية بالموسيقى وإنما الذى أدريه أن نفسى تستجيب للضرب القديم ولا تستجيب لهذا الضرب الذى يقولون إنه جديد.
ـ أغانى العمال وجمالها :
وقد يكون غيرى مثلى أو لا يكون ولكنى أنا كنت هكذا طول عمرى وكنت وأنا طالب فى مدرسة المعلمين ، أسكن بيتا فى حارة" أزبك" بحى" الصليبية" وكان رهط من العمال يمرون به فى بكرة الصباح المطلولة أو المقرورة ولا سيما فى الشتاء ، ومعهم غلام يغنى بأحلى صوت سمعته فى حياتى ـ أو هذا ما يخيل إلى ـ والكبار خلفه يرددون كلمة أو كلمتين فى نهاية كل مقطع فكنت أرمى

اللحاف وأثب من السرير أو عنه وأفتح مصراعى النافذة ولا أبالى أن أتعرض للبرد بعد الدفء وأطل لأسمع حتى يغيب الصوت ، وصارت هذه عادة حتى كنت أستيقظ وحدى قبل أن يقبل العمال ولا أكاد أفتح النافذة حتى يبدأ ذلك الصوت الحلو يهفو إلىّ من بعيد.
ـ قلعة حلب :
ولابد من كلمة عن" قلعة حلب" لا علاقة لها بالموسيقى بل لأنها كانت أشفى لنفسى من كل دواء وأجدى على من ألف طبيب ، ذلك أن أعصابى فى منتهى التلف فأنا لا أزال أتوهم أن قلبى ضعيف لا يتحمل أيسر جهد وقد أتعبت الأطباء وأعياهم أن يقنعونى أنى سليم القلب ، إن لم يكن قلب مصارع وإنه فوق الكفاية لجسمى الضئيل فلما كنت فى" حلب" دعونى إلى زيارة القلعة. فذهبت معهم ، وأردت الاكتفاء بالنظر إليها من الطريق فإنها شىء عظيم شامخ جدا. وقد بنيت فوق تل أو ربوة ، وحولها خندق واسع ، فألحوا أن أصعد فلم أشأ أن أقول لهم إنى أخشى أن أجهد هذا القلب المظلوم. وزعمت أن ركبتى ستخذلاننى ولا شك. فأبوا إلا مصاحبتهم ، وهونوا فخجلت ، ومضيت معهم وذهبنا نصعد ونصعد حتى خلت أننا قد بلغنا السماء وما ظنك بأكثر من مائتى درجة؟ زد على ذلك ظلمة هذه المنقبة وضيقها وعدم استواء الدرجات الملساء التى يسهل جدا أن تزل عنها القدم. ولك شىء آخر حتى الصعود فى هذه القلعة فتشهدت ، ورحت أتفرج مع القوم ثم انحدرنا ومضينا إلى أثر آخر ثم زرنا السوق المشهورة ، وخرجنا منها إلى دار

المحافظ ، فأقبل علىّ يكلمنى ويحدثنى عن حلب ، وأخيرا تذكرت أنى نسيت هذا القلب طول الوقت ، وأنى لم أشعر من جانبه بشىء ، لا خفقان ولا سرعة ، ولا اضطراب ولا شىء على الإطلاق كأنما كنت نائما ولم أكابد كل هذه المئات من الدرجات فكدت أرقص. وسمعنى بعض إخوانى أقول بلا مناسبة (بارك الله فى قلعة حلب) فسألونى عن السبب فغمزت بعينى ولم أجب وتركتهم يظنون ما شاءوا. وماذا أبالى وقد اطمأنت نفسى وسكن روعى؟ نعم بارك الله فى قلعة حلب.


تواضع الساسة السوريين
(14)
كانت مأدبة العشاء التى أقامها فخامة السيد شكرى القوتلى ، رئيس الجمهورية فى ختام ليالى المهرجان ، مظهرا لروح سورية الحقيق ، وهو جمهورى صميم ، وإن كانت سورية قد عرفت ـ وعانت ـ الملك العضود ـ فى تاريخها الطويل الحافل وقد حملنا إلى قصر الرياضة فى سيارات لا ندرى من أين جئ بها ولا من هو الذى كان يتولى أمر إعدادها ، ولقد فاتنى أن أكون فى السيارة التى أقلتنى إلى القصر وعادت بى منه. زملائى فى الرحلة الطويلة إلى شمال سورية ـ ساطع الحصرى بك ، الشيخ المغربى والأستاذ عز الدين التنوخى وكنت ضنينا بهم ، حريصا على صحبتهم ، معتزا برفقتهم ـ ولكن الرضا كان جزيلا ، فرافقت فى الذهاب والإياب الأستاذ إسعاف النشاشيبى والأستاذ أحمد الشايب.

والقصر الجمهورى دار صغيرة فيها من السلطة أكثر مما فيها من الأبهة وعلى أبوابها وفى مداخلها حرس وشرط. ولكنك تحس وأنت داخل أن هؤلاء إنما يقفون لتحيتك والترحيب بك لا لحراسة أحد ، فكأنهم بعض ما تزان به المآدب الحفلات مبالغة فى التخفى ومن يحرسون؟! وممن يتحرزون! إن رئيس الجمهورية من الشعب والشعب منه ، وما كان راغبا فى هذا المنصب ولا طالبا أو ساعيا ، وإنما كانت رغبته وسعيه أن يكون الرئيس الأسبق" هاشم بك الأتاسى"(37) على رأس الجمهورية ، ولكن هاشم بك أبى كل الإباء على أن هذا الأمر ليس له سوى شكرى بك ، ولو بقى الأمر لاختيار شكرى بك لما تولى شيئا لا من الرياسة ولا من الوزارة.
والواقع أن مناصب الحكم لا تعد شيئا فى سورية ، فليس عليها تنافس. ولا فى سبيلها أو من أجلها تثور الخصومة وتضطرم العداوة وتنشق الصفوف وتفترق الكلمة. وقد زرنا" حمص" فى أوبنا من رحلة الشمال ، وقصدنا إلى دار السيد" هاشم الأتاسى" الرئيس الأسبق لتحيته ، ثم تغذينا فى بستان البلدية فعرفت أتاسيا آخر هو آخو الأول ، تقلد منصب الوزارة مرة من قبل ، ولو شاء لتقلد رياستها الآن ، فإن منزلته وأسرته وثقافته وهمته تؤهله لما يحب ، ولكنه يشيح عن ذلك كله إشاحة المستخف ويؤثر أن يكون رئيس بلدية حمص.
وعلى هذا فقس ،
واستقبلنا فخامة الرئيس فى القاعة الكبرى ـ وإنما توصف بالكبرى للقياس إلى غيرها ـ كان ينتقل بين هذا الرهط العظيم المحشود ويقف مع كل فريق لحظات يتحدث ويلاطف ويجامل ثم قيل اهبطوا فهبطنا إلى الحديقة ـ وهى واسعة ـ حيث صفت

الموائد فقعدنا حيث طاب لنا أن نقعد ، لكن الرئيس أبى إلا أن يحف به المصريون فأدنانا منه وجعلنا على جانبيه وأمامه ، فى غير كلفة ، واختص الأستاذ إسعاف بك النشاشيبى بتكريمه فألح عليه أن يكون أمامه ، ويجعل يقول إن إسعاف بك أستاذه ، وأنه قضى فى" القدس" عام كذا نحو عامين فكان يزور الأستاذ إسعاف كل ليله فى داره فيستفيد منه أدبا وعلما.
تواضع العلماء :
وخيل إلى ، وأنا أراعى الأستاذ إسعاف ، أنه يقول فى سره" يا أرض ابلعينى" من فرط الحياء ، فقد اضطرم وجهه فصار كالطماطم الناضج ، وراح رأسه يهتز يمنة ويسرة ، فضحكت فى سرى ـ أنا أيضا ـ إذا تذكرت واحدا من أصدقائنا القدماء ، عليه‌السلام ، كان لا ينفك كلما تعجب أو أنكر شيئا يهز رأسه على النحو ، وكان المرحوم" السباعى"(38) يشبه رأسه فى اهتزازه هذه برأس الأرنب المصنوع من" الجبس".
وأكبرت لفخامة السيد شكرى هذا التواضع ، وذلك الإقرار العلنى بفضل لا يلزمه شكره ، وأكبرت من إسعاف بك تطامنه واستحياءه ، على فضله وغزارة علمه فما فيمن لا يستحى خير.
ولكن الأستاذ إسعاف ذرب اللسان حاضر البديهة ، سريع الخاطر يتكلم فكأنه يقرأ فى كتاب فما لبث أن تغلب على حيائه فانطلق يسح سحا بوصف فضائل الرئيس ومزاياه والرئيس يستوقفه ويستغفر الله ، لكن من ذا يصد السيل المنهمر؟ وانقلب الوضع ، وانعكست الآية وصار الرئيس هو المطرق حياء ، وهو الذى

يحاول أن يبدو للناظرين كأنه ـ غيره هو ـ المعنى بهذا المديح ، فيعبث بالشوكة تارة ، وفرك لباب الخبز طورا ويلتفت وراءه حينا ، ويتناول سيجارة ليشعلها ثم يردها.
وما كدنا نفرغ من الطعام ونتهيأ للقيام ـ فقد كان المقرر أن نعفى من الخطبة حتى رأينا شيخا يغادر مكانه ويقبل فيقف قبل الرئيس كأنه ينتظر الإذن ، فينظر إليه الرئيس مليا ثم يأبى له الأدب أن يرده ، فيقول" تفضل".
وقد استغربت ما سمعت ، فما كان هذا مقامه ، ورأيت الرئيس يلتفت إلى الأستاذ أحمد أمين بك وسمعته يقول" ما رأيك" فلم يجب الأستاذ ولكنه نهض بعد فرغ صاحبنا ، فيقول كلاما حسنا يعد ردا على ما سمعنا وتعجبنا له ، فأنقذ الموقف.
وصار الواجب بعد ذلك أن يقول أحدنا كلمة شكر ، فقالها الدكتور طه ، جزاه الله خيرا ، وأحسن كل الإحسان ، واثنى أطيب الثناء على وزير المعارف نصوح بك البخارى (39) الذى لم يفارقنا لحظة واحدة فى أسبوع المهرجان ، وأن لا يفتر فى رعايته لنا ، ولا يقتصر فى تعهدنا وبرنا.
وقد جاءنى معاليه بعد أن نهضنا عن الموائد وتفرقنا فى الحديقة وشكا إلى أن الدكتور طه بالغ وأسرف ، فقلت له يا سيدى : إن الدكتور طه إنما عبر عما نطوى جميعا لك من الحب والإجلال والشكران ، ولو لم يشكرك طه ، لشكرتك أنا ولكنت أشد منه إسرافا ، وما أراه قصر فى حقك ، فقال أنت شر منه ، ومضى ، وهو أشد عما يكون استحياء.

وكان الأستاذ" نجيب الريس"(40)ـ الأديب الشاعر وصاحب جريدة القبس ـ وقد كتب مقالا عنيفا ينتقد فيه محافظ دمشق واتفق أن جلس المحافظ فى مأدبة الريس وبجانبه الأستاذ" نصوح هابيل"(41)نقيب الصحفيين وصاحب جريدة" الأيام" فشكا إليه المحافظ ما قال فيه نجيب ، فما كان من نصوح إلا أنه قال إنه يوافق زميله على كل حرف خطه ، فسرنى هذا التضامن بين الزملاء ، تمنيت أن يكون هذا حالنا فى" مصر" وسمعت أعجب حوار وأمتعه ونحن نعود إلى الفندق ، وكان السائق ينهب الأرض والأستاذ إسعاف يكره السرعة فاستمهل السائق ، فقال هذا (أولسنا على الأرض؟ فماذا تخاف؟) فقال الأستاذ إسعاف ولكن الله يأمرنا أن لا نلقى بأنفسنا فى التهلكة ، فرد عليه السائق بأن" المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين" فصاح به الأستاذ (ويحك أقول لك القرآن ينهى عن هذا فتحتج على بعبد الوهاب).
فأصر السائق على الاحتجاج بمواويل" عبد الوهاب (42). ولج الأستاذ فى الاحتجاج عليه بالقرآن والحديث ، ثم رأى السائق يزيد على السرعة أنه يلتفت يمنة ويسرة. فخاف العاقبة ، ولكنه أثر المزح فارتجل حكمة تقول ـ أو يقول هو فيها ـ إذا ركبتم الخيل فلا تلفتوا ذات اليمن وذات الشمال. فكان جواب السائق أن العرب لم يعرفوا السيارة ، وظللنا نستمع إلى هذا الحوار اللذيذ حتى بلغنا الفندق بسلام ، فكان الختام مسكا.


حديث عن بدوى الجبل
(15)
عرفت فى الشام (بدوى الجبل) (43) وهو شاعر وأديب ونائب من اللاذقية ، وكان الترتيب أن ينشد قصيدة فى احتفال اللاذقية ، ولكنه دعى إلى الإلقاء فى حفلة دمشق الأولى.
و (بدوى الجبل) ليس اسمه ، بل وصفه ، وقد غلب عليه الوصف حتى لا يكاد يعرفه بغيره أحد ، وحتى صار ينادى به فى مجلس النواب ، وقد سمعت رئيس المجلس ـ وكان يومئذ" فارس بك الخورى"(44)ـ فى الجلسة التى شهدتها بعد ارتدادى عن فلسطين ، يقول (سيتلو عليكم بدوى الجبل المراسم ... الخ) فقلت لنفسى ، هى بساطة القوم تسهل عليهم الأمر ، ولو لا ذلك لعانوا ما عانيت من الحيرة والارتباك ، إذ كيف أناديه من بعيد مثلا ، وكيف أدعوه حين أخاطبه؟ أأقول له (سيدى بدوى؟) أو (يا حضرة البدوى؟) أم أهمل

ألفاظ المجاملة كلها وأمرى إلى الله؟! وكيف يليق ذلك ، وما سبقت لى به معرفة ، وإن كنا قد ائتلفنا بسرعة؟! وأنا رجل أحرص فى صداقاتى على إبقاء بعض الحدود ، ولا أرفع الكلفة كل الرفع وإن كنت أرسل نفسى على السجية ، لأنى وجدت ذلك أبقى للصداقة وأدوم لعودة. حتى زوجتى وأخى وأبنائى أتوخى معهم الاحترام والأدب رغبة فى طيب المعاشرة وحسن المخالطة ، واجتنابا لتغير النفوس من جراء سوء الأدب والتطاول.
وقد وجدت فى (يا أستاذ) مخرجا غير مريح ، فقد شاع هذا اللفظ حتى فقد قيمته ، فكل امرئ يقول لكل امرئ أخر (يا أستاذ) وقد سمعت (كمساريا) يقول لصبى حافى القدمين عارى الرأس وعليه مرقعة تبدى من بدنه أكثر ما تستر (تذكرة يا أستاذ) ولعله يتهكم أو يتفكه ، ولكنى امتعضت ، واستثقلت هذا الابتذال ، وعزيت بأن (أستاذيتى) أنا ، خاصة لم يمتد إليها الامتهان ، وإن كنت أرى خصوصها قد صار كالعموم.
وسألت غير واحد عن اسم (بدوى الجبل) فكان يطول تفكيرهم ويترددون ويتلعثمون فقلت أسأله هو نفسه. مهدت لذلك قولى له : (إنى أرى الناس كلهم يسميهم آباؤهم ، فلا خيار لهم فى الأمر وإن كان الاسم بغيضا ، ولا أعرف سواك رجلا أوتى الشجاعة اللازمة لإطراح ما سماه به أبوه والاعتياض عنه بالاسم الذى يروه ، فماذا كان الاسم الذى تلقيه من أبويك؟ ولماذا آثرت تغييره؟ أعنى ماذا كرهت منه؟.
فقص علىّ هذه القصة. قال : إنه لم يغير اسمه. ولا اعتاض منه سواه ، ولكنه فى أل عهده قرض الشعرا ، وبعث بقصيدة إلى صحيفة

الأستاذ يوسف (45) ـ ألف باء ـ وذيلها باسمه الصريح ـ محمد سليمان ـ فنشر الأستاذ العيسى القصيدة وجعل التوقيع تحتها (بدوى الجبل) فاستغرب هذا وزاره وسأله عن سبب ما صنع ، فقال له : إن القصيدة جيدة واسمك غير معروف ، فإذا رأى الناس اسمك الذى لم يسمعوا له من قبل ساء رأيهم فى القصيدة أو قرأوها وهم أميل إلى استضعاف الشعر ، سفها ، ولكنهم حين يرون كلمتى" بدوى الجبل" خليقون أن يستغربوا ويتوهموا أن هذا الشاعر مجيد مشهور يؤثر ـ لسبب خاص ـ أن يتنكر فيكون هذا باعثا لهم على إحسان الظن سلفا ، أو على الأقل وزن الشعر بغير هوى.
وقد صدق ظنه فأعجب الناس بالقصيدة وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (من ترى يكون بدوى الجبل هذا؟ ولماذا يتنكر؟) وقال قوم إنه" خليل مردم" وذهب أخرون إلى أنه" شقيق جبرى"(46)وكلاهما من شعراء الأمة المعدودين واختلفا فى ذلك اختلافا عظيما.
واقتنع السيد محمد سليمان بصواب الرأى فلج فى التنكر حتى اشتهر بأنه (بدوى الجبل).
ولم استغرب هذا لأنه عين ما وقع لى فقد كان زملائى فى المدارس لا يعرفوننى باسم (عبد القادر) لأنى فى حداثتى لم أكن أحفل بلقب (المازنى) حتى ملت إلى الأدب وعكفت على كتبه القديمة أقرؤها فعرفت قيمة لقبى الذى كنت استخف به وأملّه ، فلما أردت أن انشر فى الصحف بعض ما كنت أنظم وأكتب ، عكست القضية. فكنت أذيل القصيدة أو المقال بهذا التوقيع (ع. أ. المازنى) فابرز ما كان خافيا ، واحجب ما كان ظاهرا ، أو معروفا وواظبت

على هذه إلى سنة (1911) أو (1912) ، وكنت يومئذ أتحذلق واتقرع ، ولا سيما فيما أنشره فى مجلة (البيان) لصاحبها المرحوم الأستاذ" البرقوقى"(47)فكتب" الدكتور هيكل"(48) (وكان يومئذ مثلنا لا بك ولا باشا) فى صحيفة (الجريدة) مقالا فى (كتاب البيان) يقول فيه ما معناه أن لعل اسم" المازنى" هو الذى يرجع إليه السبب فى تقرعه ، فكان من أثر هذه الغمزة أن نبذت التكلف. ونزعت إلى البساطة.
واتفق يوما أن كنا بمجلس المرحوم البرقوقى ، وكان (اللواء) أو (العلم) ـ لا أدرى أيهما ـ قد نشر لى قصيدة طويلة ، وكان معنا السيد" الغاياتى"(49)فجعل" يسأل من هذا المازنى؟ " ، وأنا معه فضحك ، واشتد إلحاحه فى السؤال عما نقدته فى (الجريدة) وقد عرف السر بعد ذلك وصرنا صديقين.
ثم صرحت باسمى كاملا بعد أن اطمأنت نفسى ، واستغنيت عن التستر أو اتقاء الظهور جهرة ، فقد كنت أخشى الخيبة ، واشك شكا كبيرا فى قيمة ما أكتب أو أنظم ، ولكنى وجدت من تشجيع الإخوان وعطفهم ومروءتهم ما قوى قلبى وجرأنى.
وأذكر لبدوى الجبل ـ كما أذكر الدكتور أسعد طلس ـ أنهما لم يفارقانى قط بعد أوبتى من فلسطين مطرودا عنها. وقد أبى الدكتور طلس إلا أن يعود معى وإن كان القوم قد أذنوا له فى الدخول خليقا وتلك منّة كبرى له ، ويد لا أنساها أبد الدهر ، فقد يسر لى كثيرا مما كان خليقا أن يتعسر ، وظلا كلاهما معى بعد ذلك حتى ركبت الطائرة إلى مصر ، وكانا يسعيان هنا ، وهناك ، ومحاولان تذليل كل عقبة ، وتسهيل كل صعب ، ولا ينفكان ينبآنى بكل

خطوة ولا يكفان عن تبشيرى وتطمينى ، ولا أدرى كيف أشكر لهما هذا ، ولا أرى العجز يصلح عذرا ولكنى مع ذلك أسمح منهما أن يغفرا لى تقصيرى ، فإنهما هما وقومهما جميعا أنبل من أن يتقاضون شكرا على مروءة.


عودة لنضال شكرى القوتلى
(17)
سورية الحاضرة وليدة الحركة العربية التى قامت ، جهرا وسرا ، فى أخريات العهد العثمانى ، وقد كان لكثيرين من أقطاب سورية الآن مشاركة فى تلك الحركة ، وهذا رئيس الدولة السورية الحالية السيد شكرى القوتلى ، ما نجا من الموت إلا بأعجوبة وبفضل من الله فقد كان الأتراك فى أثناء الحرب العظمى الماضية يطاردون أحرار العرب ويشنقونهم ، وكان السيد شكرى القوتلى ممن قبض عليهم ، وأذن فى الحال بأن يلحق بسواه من الأحرار. وسألوه عن زملائه الأحرار ، فأبى أن يقول شيئا وأصر على الكتمان وآثر أن يدركه الموت على أن ينكب أحدا.
وكان هناك كثيرون قد قبض عليهم وسئلوا كما سئل السيد شكرى القوتلى ، فلم يقولوا شيئا ولكن واحدا منهم أراد أن يضلل

القوم فراح يذكر لهم أسماء كثيرة ما أنزل الله بها من سلطان ، أو علاقة لأصحابها بحركة عربية فكان التحقيق يدور مع هؤلاء الأبرياء أياما. ثم يطلق سراحهم. وكان القائمون بالتحقيق يدعون زورا وبهتانا أن فلانا قد أقر ، وعلانا قد أفشى السر ، ليحملوا الآخرين على الاعتراف وليوقعوا بين المقبوض عليهم ويوغروا الصدور فتجرى الألسنة بالحقيقة.
ولم يكفهم هذا فجعلوا التعذيب إحدى وسائلهم ، فكانوا يجلدون المعتقلين ، ويدسون لهم الشوك بين الظفر واللحم ، ويفعلون غير ذلك.
وكانوا كثيرا ما يعذبون المقبوض عليهم على مرأى ومسمع من السيد شكرى ليرى ما سيحل به إذا لج فى الإنكار ، وأبى الكتمان ، فأشفق السيد شكرى أن يضعف إذا أصابه مثل هذا التعذيب المنكر ، وخشى إذا حاق به شىء من هذا أن تخونه الإرادة فإن الطاقة البشرية محدودة ، والمرء صبر يتشدد على الألم ، ولكن لا إلى غير نهاية فاعتزم أمرا ، وتوكل على الله.
وكان كثير التعبد أمام الحرس ، فكان الحراس يكبرونه ويوقرونه فقال لأحدهم يوما. إن هذا السجن قد طال ، وطال شعر بدنه ، فهو فى حاجة إلى موس للحلاقة فإن النظافة من الإيمان فغاب الحارس ساعة ثم جاءه بالموس فى الخبز ، فإن تزويد السجناء بمثل هذه الآلات محظور فكيف إذا حملها الحارس بنفسه إلى السجين؟!
وأوصد السيد شكرى القوتلى الباب وعمد إلى رسغة فقطع بالشفرة شريانا فيه فتدفق الدم وكان قد أعد عودا من القش فجعل يغمس العود فى الدم ويكتب فى الصحيفة ، وقد أنحى فى

هذه الرقعة على الظلم والظالمين ولعنهم واستنزل عليهم غضب الله والملائكة والناس أجمعين.
وألح عليه النزف فضعف فانطرح على الفراش وترك يده مدلاة يسيل منها الدم حتى بلغ الباب وخرج من تحته.
واتفق فى ذلك الوقت أن كان الدكتور" قدرى بك"(50) مارا فرأى الدم ، وكان أحد المقبوض عليهم وهو طبيب والأطباء غير كثير ، فالحاجة إليهم شديدة ، فهو لا يزال يستعان به داخل المعتقل ، وكان قد قيل له كذبا أن السيد شكرى وشى به ، أو أقر عليه فسخط ونقم فلما رأى الدم حدث نفسه أن السيد شكرى لابد أن يكون قد أدركه الندم ، وأناب إلى الله وشفع إليه تعالى بدمه فانتحر.
وقال لنفسه حسنا صنع ، ومضى فى طريقه ، ولكنه ما لبث أن وقف مترددا وقال هذا الرجل قد كفر عن ذنبه بتوبته ربما حاول الانتحار ، والتوبة تغسل الذنب وتمحو الخطيئة ، وعلى الله لا على الناس حساب المسيئ ، ثم من يدرى ، فقد يكون الرجل مظلوما. لعله ما اعترف ولا أقر بشىء وعسى أن يكون ما بلغنى عنه مزورا ملفقا وهو برئ العهد ، أتراهم كانون يتركوننى على قيد الحياة وعلى شهوده وكر راجعا إلى الباب وأهوى عليه بكتفه فحطه ودخل على السيد شكرى ، فإذا هو فى غيبوبة من كثرة النزف ، فعصب له يده عصبا قويا يرقأ العرق وينقطع الدم ، وحمله مستعينا بالحراس ، فذهبوا به إلى مستشفى فظل فيه حتى أقبل عليه البرء ورجعت إليه قوته على الأيام.
وآثار الكتاب الذى كتبه بدمه ضجة فإنه كتاب رجل مشرف على الموت وتلك ساعة لا يهون فيها الكذب والتضليل ، وكيف يكذب وهو

يوشك بعد ثوان أن يلقى ربه؟ والدم بدلا من المداد شىء مروع ، فكان لهذا كله أثره ونجا من القتل غير واحد بفضله.
وإنما أقدم السيد شكرى على هذه التضحية الكبرى إشفاقا من عواقب الضعف الإنسانى فآثر أن يموت هو. وينجو غيره.
وهذا خبر صحيح ، لا يرتقى إليه شك يريك من أى معدن صيغ السيد شكرى القوتلى ، فهو يتقلد اليوم منصب الرياسة ف الجمهورية السورية بفضله وحقه. السوريون جميعا يعرفون له هذه المزية ويقرون له بها. وقد يختلفون على غيره ولكنهم لا يختلفون فيه. وإجماعهم على توقيره والثقة به تام ، فما أخذوه بشىء فى حياته كلها فظل رجل سوريا الذى تطلع إليه الأبصار فى كل حادث ظل هو الرجل الذى لا يمنع فى شىء ولا يشتهى شيئا ولا يطلب هذه الدنيا وجاهلها ، حتى حملوه حملا إلى دار الرياسة وهو فضلا عن ذلك يقرأ لا يترك عقله يصدأ ، ولا يغتر بمنصب ولا يرى أنه زاد به شيئا أو أنه صار وقفا عليه.
وقد سئل السيد" سعد الله الجابرى" عن استقالته من الوزارة ما سببها؟. فكان جوابه وهل مناصب الحكم وقفا علينا؟ إنها للأمة لا لنا.
وخوطب السيد" فارس الخورى" بعد توليه الوزارة فى أمر فقال : إنما نحن هنا إلى حين فقط.
وهكذا يقول السيد شكرى القوتلى ورجال سوريا جميعا ، بارك الله فيهم.

حديث عن صحافة الشام
(17)
أظن أن القراء ينتظرون منى كلمة فى صحافة الشام فقلما يراها المصريون فى غير إدارات الصحف أو عند من يتلقونها بالبريد.
وأول ما ينبغى أن يكون المصريون منه على بينة ويقين ، هو أن صحافة الشام ليست دون صحافة مصر فى الجوهر ، وإن فرق ما بينهما لا يعدو المظهر.
والقراء فى الشام أقل ممن فى مصر ، لا لأن الأمية هنا أشيع ، فإن الأمر على نقيض ذلك بل لأن عدة النفوس أصغر ، المواصلات أبطأ ، والأبعاد بين البلدان أطول ، وقد جاءت الحرب بمصاعب أخرى شتى ، فالورق قليل والغلاء شديد ، والتليفون لا يسعف ، والسيارات لا تظفر بالكفاية من العجلات الصالحة ، والسكة

الحديدية سلحفاة فلا غناء لها ، وتكاليف إخراج الصحيفة غير يسيرة ، وعلى الرغم من ذلك كله احتفظت الصحافة فى سوريا بمستواها ، واجتذبت إليها طائفة صالحة من صفوف الشبان المثقفين.
ولم أر أنشط ولا أشد من الصحفيين السوريين لعملهم ، فهم ينتشرون فى الأرض ، ويظهرون فى كل مكان ويستقون كل خبر.
ويحيطون بكل دقيق وجليل من الأمور ، ويقفون على كل خلية ، ولا تبدو عليهم مع ذلك عجلة ، حتى ليخيل إليك إذا تراهم أنهم لا يزاولون عملا وإنما يزجون فراغا.
وقد طفت بإدارات الصحف فى دمشق لا لأنه ما تقتضيه الزمالة ، بل لأن فيها إخوانى وأصدقائى ، فكان يدهشنى أن أرى المكاتب خالية ، ولا يكاد بعضهم يدخل حتى ينكفئ خارجا ،. فجعلت أتساءل فى سرى :
" أين إذن المحررون المخبرون والمترجمون؟ ومن ترى يتولى ترتيب المواد المختلفة ، والإشراف على الطبع وما إلى ذلك؟.
وقد تبينت بعد ذلك أن السر فى هذا" الفراغ" الذى تعجبت له هو أن الحركة دائمة ، والسرعة عظيمة ، فالجلوس إلى المكاتب قليل ، وكل امرئ يؤدى عمله ويدفع به إلى صاحب الجريدة أو الموكل بالإشراف ، أو إلى المطبعة ريثما يؤوب الغائب ، ثم ينطلق خارجا عسى أن يقع على جديد أو مفيد.
ولقلة الورق ، وضيق الصحف ، وصغرها اقتصرت على الجد ، وأغفلت ما يراد به التسلية وتركت ذلك للمجلات والصحف

الأسبوعية. والسوريون على العموم أميل إلى الجد فى صحافتهم.
وأشد عناية باللغة والأسلوب. والقراء ينتظرون من الصحافة اليومية على الخصوص أن تفيدهم لا أن تسليهم :
اللغة العربية والروح العربية :
وقد تكون اللغة العربية فى مصر أرقى. وأساليب الكتابة أجود ، وأحسب أن السوريين لا ينكرون على مصر هذا السبق والتقدم ، ولكن الروح العربية هناك أعمق وأعم وأشمل ، ، وما من سورى ، متعلم أو أمى ، إلا وهو يعد نفسه معرقا فى العروبة ، فلا فينيقية ، ولا فرعونية ولا حيرة بين أصول شتى متقاربة أو متباعدة وإنما هى العروبة صرفا.
وأسماء الصحف نفسها تشهد بذلك وتعلنه بأقوى لسان وأعلى بيان ، ومن هذه الأسماء" ألف باء" و" فتى العرب" و" القبس" و" الوعى القومى" وما يجرى هذا المجرى وليس فى سورية من يستغرب أو ينكر اسما من هذه الأسماء ، أو يحس أنها ثقيلة على اللسان حتى باعة الصحف ينادون بها كأنها أحلى الأسماء وأخف الكلمات وأعذبها.
والأمر فى مصر على نقيض هذا ، فإن اختيار اسم سهل الدوران على اللسان من أشق المتعبات المضنيات التى يعانيها من يهم بإصدار صحيفة ما يومية أو أسبوعية أو شهرية ، والمصرى يعنى عند اختيار الاسم ، بسرعة ذيوعه وخفته على لسان البائع حين يرفع به عقيرته يلوكه فى شدقيه ، وأذكر أن مجلة" يد رزد ايجست"

حين أرادت أن تصدر طبعة عربية فى مصر ، رأت أن تعقد مسابقة كلفتها مالا وجهدا للاهتداء إلى الاسم الموافق فكان" المختار".
ومن الخطأ أن يتوهم أحد أن المسألة ذوق. وأن الذوق الشامى غير الذوق المصرى فالذى يتقبله هذا لا يتقبله ذلك ولا يخف على قلبه. فإن السوريين يستثقلون اسما من أسماء الصحف والمجلات المصرية ، ولا يرون أنها أبدع أو غير موافقة إلى آخر ذلك ، وإنما الأمر مرجعه إلى روح العروبة كما قلت ، فالسورى الذى يريد إصدار صحيفة لا يعنيه إلا أن يكون الاسم عربيا صحيحا مقبولا ، يؤدى المعنى المنشود ويحرك النفس لما يريد ، وقد يؤثر التواضع التطامن فيسمى جريدته (القبس) أو (ألف باء) أو يرى أن يجهر بغايته ولا يخافت بها فيطلق عليها اسم (فتى العرب) أو (الوعى القومى) ـ وهى صحيفة اللاذقية ـ وهمه فى الحالتين المعنى العربى وميله إليه لا يحوله عنه.
وتلك مزية الشام لا تستغرب ، فقد كانت وما زالت موئل العروبة أبناؤها هم الذين يرجع إليهم الفضل فى أزخار تيار الحركة العربية فى هذا القرن.
أما مصر ، فإنها على اصالتها فى العروبة ، لا تعد بالقياس إلى سورية إلا أحد الروافد ، وإن كان لا شك انه رافد عظيم غمر الماء جم الحدود.

عود على بدء
(18)
أقيمت حفلتا المهرجان الأولى والثانية فى قاعة المحاضرات بالجامعة السورية ، وأكبر ظنى أن من القراء من يضحكون الآن. إذ يقرأون هذا ، ويقولون : إن المازنى قد عاد فبدأ من البداية ، فإذا كان كل بضع عشر مقالات سينكفئ بنا راجعا إلى الفاتحة ، فمتى يا ترى نرجو أن يختم هذا الحديث؟.
وأنا أكره أن يزعج القارئ شىء ولذا فأطمئنه فما ذكرت الحفلتين الأوليين ، إلا لأذكر القاعة ، وحتى القاعة ليست مبتغاى ، وإن كانت رحيبة وطويلة وعريضة ، وصدرها محلى بأعلام الأمم العربية جميعا ، ولكن هذا الصدر كان إلى ظهورنا على المنصة ، فكنا لا نراه إلا إذا لوينا أعناقنا ليا شديدا.

وكانت القاعة خاصة بالرجال ، ومجهزة ما يحمل صوت المتكلم ، ولو كان خفيضا كصوتى ، إلى آخر ما فيها ، بل يجعله يجلجل كالرعد ، إذا كان معدنه قويا كأصوات فخامة السيد القوتلى ، أو السيد عراف النكدى أو السيد شقيق جبرى الشاعر وهذه لا حاجة بها إلى معين فإنها سمع الصم.
وللقاعة شرفات ثلاث ممتدة على الجوانب الثلاثة ـ من فوق كانت هى أيضا غاصة ، ولكن بأندى زهرات دمشق. وكن جميعا" يجلسن" سافرات لا يرحمن ضعفنا ولا يترفقن بطيننا الواهى الخرع ، على أن قلبى مات من زمان فلا خوف عليه أن يصاب بسهم من هذه العيون التى لا أمان لها ، فكنت أغافل جيرانى وأصعد طرفى واختلس النظرتين من حين إلى حين ، ولم يكن هذا منى من قبيل العبث أو على سبيل الشيطنة وإنما كان لأنى أفكر وأتعجب.
وملت على جار لى قلت مازحا" هل نساء الشام دميمات؟ " فجاهد أن يخفض صوته وهو يقول هامسا وبوده لو تسنى له أن يصح" العمى" الا تراهن؟ "
فلم أرحمه وسألته" إذن لماذا يتحجبن؟ " فرمانى بنظرة ولم يجب. ودارت عينى فى مقاعد الرجال ـ تحت ـ وعدت إليه أغمزه فابتسم وهو يلتفت إلى ويسأل" هل ركبك عفريتك؟ "
قلت" لا تخف على ، بل خف على نفسك؟ " انظر" وأومأت بإصبعى إلى آخر الصف الأول الذى يواجهنا ونحن على المنصة.
فنظر وهى رأسه وأدار إلى وجهه وسأل" ماذا؟ "
فكانت هذه فرصة أثأر فيها لنفسى ، فصحت به" العمى ألا ترى الآنسة" فلك طرزى (51) جالسة بين الرجال؟ ".

فزوى ما بين عينى وزام فانصرفت عنه بعد ذلك ، إلى ما يدور فى نفسى.
والآنسة فلك الطرزى أديبة صديقة لى ، عزيزة على ، ولقد لقيت من كرمها وعطفها ومروءتها ما يعيينى شكره ، وأتعبتها حتى خيل إلى إنى أزهقت روحا لكنها ظلت على عهدى بها من الوفاء وصدق المودة ، وكانت جلستها هذه بين الرجال فى مهرجان المعرى ، دون بنات جنسها مظهرا يفقأ العين بثورتها على الحجاب ، وقد كنا فى رحلتنا الطويلة إلى شمال سوريا نخوض فى كل موضوع ولكنا ندور ونلف ثم نكر إلى حديثها أو حديث الحجاب والسفور فى الحقيقة ، فكان الأستاذ الشيخ المغربى يقول إنه لا ينكر السفور أو يأباه على أن يكون شرعيا ولكن ينكر أن تخرج المرأة وحدها وأن تجالس الرجال.
فأقول له" ولماذا؟ " ماذا تخشى عليها؟ " إن فضيلة المرأة المحجوبة السجينة فى بيتها التى لا تخرج إلا فى حراسة الزوج أو الأخ أو الإبن : هى فضيلة الجدران الأربعة ، " وأخلق بها أن تفقد القدرة على المقاومة والكفاح لأنها استغنت عنهما بما يحميها من غير ذات نفسها فلم تتعودهما".
وضربت له مثلا ، قلت إنى كنت فى حداثتى ، لجهلى أخاف البرد ، فلا أزال استكثر من الثياب ، وكنت ألف على رأسى فوطة كبيرة عند النوم فكان الزكام كثيرا ما يصيبى ويتعبنى ، فاستشرت طبيبا حاذقا ، فلما رأى كثرة ما على بدنى من الثياب ، وكان الوقت صيفا ، قال إن هذه هى العلة : فإن ثيابك هى التى تقاوم البرد دون جسمك ، فأقل تعرض للهواء يسقمك لأن جسمك لم يتعود المقاومة ، فينبغى أن تعوده ذلك والصيف لهو فرصتك ، فخفف ثيابك شيئا فشيئا نم

عاريا إلا من غطاء رقيق وأوصد النوافذ فى البداية ثم افتحها قليلا قليلا حتى تألف ذلك فصدرت عن رأيه فجاء الشتاء ألفيتنى قد استغنيت عن المعطف وعن الأردية الصوفية أيضا ، وأنا الآن أسن عما كنت وأضعف وإن بانى لركيك جدا ، ولكن الشتاء أحب الفصول إلى. وأنا أقوى على احتماله من الضخام الأبدان ، لأنى عودت جسمى المقاومة ولم أكلها إلى الملابس ، لم أعول عليها فى ذلك. وهذا مثال المرأة المحجوبة والمرأة السافرة ، فالأولى : لا قدرة لا على المقاومة إذا احتاجت إليها لأن غيرها يتولاها عنها ـ واعنى بغيرها جدران البيت والرجال الذين يحمونها ـ أما السافرة فقد نزلت إلى الميدان وبرزت فهى خليقة أن تكتسب على الأيام القدرة على المقاومة وان تستفيد حصانة ذاتية تغنيها عن وقاية الجدران وحماية الرجل.
وكان الأستاذ ساطع بك الحصرى يصغى إلى حوارى هذا ونحن فى السيارة ، ويشارك فيه ، فسأل الشيخ المغربى ، هل أنت سفورى يا أستاذ؟ ".
قال الأستاذ" نعم فى حدود الشرع".
قال ساطع بك (وهل بناتك سافرات؟) قال الأستاذ (لا)
قال ساطع بك (إذن لست سفوريا) وأكد له أن السفور لا مهرب منه. من العبث محاولة الوقوف فى وجه تياره وأنه خير للأمة أن تشترك المرأة فى حياتها بنصيبها العادل.
على أنى أود أن أقول إن حجاب المرأة السورية لا يمنعها أن تقوم بجهد مشكور فى خدمة بلادها ، وقد أنشأت السوريات جمعيات

شتى لحماية الطفولة ورعاية اليتامى وغير ذلك. ولكن النطاق بطبيعة الحال محدود.
وكانت الجلسة الأخيرة للمهرجان فى الجامعة السورية أيضا فأناب" الجنس اللطيف" عنه فتاة تدافع عن المرأة وتنقض أقوال المعرى فيها. وكانت فصيحة لبقة وإن لم تكن بارعة الجمال ، وأحسب أن الطبيعة لا تجود بالمزايا بغير حساب ، وقد ناصرت" الشرفات" فأثبنها مناصرة قوية فأكثرن من التصفيق ، ولم يكن الرجال أقل تشجيعا فتعجبت أن الرجال يتقبلون دفاع الفتاة عن جنسها بصدر رحب ، ويشجعونها ويثنون عليها ، ولا يرون أن يناصروا رجلا منهم أساء الظن بالمرأة واتهمها فى عقلها ودينها وخلقها ، أما النساء فيتعصبن ، ولا يكتمن عصبيتهن ، فهل كن يفعلن ذلك لو كن غير حبيسات أو غير شاعرات بأنهن مهضمات الحق مغبونات فى المجتمع؟ أما كن خليقات أن يفسحن صدورهن كإفساح الرجال ويتقبلن كل رأى فيهن ـ لهن أو عليهن ـ؟ بلى وإن هذه لميزة الحرية أو أثرها المحمود.
انتهى


ثبت تعريف بالأعلام الواردة فى هذا الكتاب
وفهرست تفصيلى لموضوعات الكتاب
مقدمة حول أهمية التواصل مع هؤلاء الأعلام مع مؤلفاتهم وأفكارهم.
ثبت التعريف بواحد وخمسين علما : حياتهم ومؤلفاتهم وأفكارهم.
ثبت بالأسماء الواردة دون تفصيلات.
فهرست لكتاب رحلة الشام.


مقدمة
حول أهمية التواصل مع هؤلاء الأعلام
ومع مؤلفاتهم وأفكارهم


هذا ثبت للأعلام التى وردت فى كتاب رحلة الشام للمازنى. وهم واحد وخمسون عالما ، من رواد الفكر والثقافة والإعلام والفنون المختلفة ، فى الوطن لعربى. وواضح أن هذه الأعلام تنتمى معظمها إلى الشام (سوريا ، لبنان ، الأردن ـ فلسطين) والعراق ومصر. أو هى الأعلام التى اختارها المازنى من بين الحاضرين فى المؤتمر وتحدث عنها ، وربما أغفل أعلاما آخرين لم يكونوا موضع حفاوة أو اهتمام من المؤتمر ، أو لم تربطهم بالمازنى علاقة أو مواقف خاصة ، هذا ما يفسر إهمال المازنى لأسماء بعض الشخصيات التى تحدث عنها لاشتراكها فى مواقف داخل المؤتمر أو خارجه ، كاسم الصحفى الشيوعى واسم رئيس حزبه ... الخ.
وقد أفاض فى الحديث عن بعضهم ، ولم يذكر بعضهم إلا مرة واحدة وعلى سبيل السرد / التداعى ، كاسم العقاد رغم أنه لم يحضر إلى المؤتمر وكذلك اسم (الإمام) الشيخ محمد عبده ، ومحمد عبد الوهاب (الموسيقار) وتلمك (الخواجة) الذى حاول أن يعلم المازنى العزف على العود. والسباعى وهيكل ، والبرقوقى ، والغاياتى ، وروكلفر ، وسامى الشوا ، ... الخ لأن التداعى الحر

للأسماء والحوادث المشابهة جاء بهذه الأسماء إلى نص رحلة الشام بصرف النظر عن حضورها أو عدم حضورها ، لأن التداعى هو جوهر السرد لدى المازنى فى هذه الرحلة.
بينما أخذت بقية الأعلام مساحة أكبر من الحكى والحوار والوصف كالدكتور أسعد طلس ، والسيد شكرى القوتلى ، وساطع الحصرى ... الخ ونظرا لبعد المسافة الزمنية بين تاريخ انعقاد مؤتمر أبى العلاء المعرى وبين زماننا الحاضر ، رأى البحث أن يضع للأعلام الواردة فى هذا الكتاب والتعريف بهذه الأعلام قدر المستطاع ففيهم من ما توا فى الأربعينيات أو الخمسينيات أو الستينيات ، وهذا يعنى أن كثيرا من قراء اليوم لم يسمعوا عن كثير منهم خاصة ، وعدد كبير منهم عراقيون أو شاميون ، اختفت أسماؤهم من الساحة الثقافية إما لموتهم وإما لانسحابهم من الحياة العامة مع بداية الخمسينات ، فقد حلت أجيال جديدة بدلا منهم ، وأودت التغيرات السياسية بعد الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية العقد الخامس من هذا القرن ، إلى ظهور مجموعة كبيرة من الأعلام تتجاوب مع الأوضاع الجديدة ، ومن ثم قلت مساهمة هذه الأعلام ، وتراجع بعضهم عن المشاركة. ومن ثم ساعدت الظروف السياسية والاجتماعية والفكرية الجديدة عقب الحرب العالمية الثانية وما صحب ذلك من تغيير فى نظم الحكم ، وطرق إدارة البلاد سياسيا وفكريا وثقافيا ، على نسيانهم. فقد كان التوجه نحو الثقافة الجماهيرية ، والانحياز إلى الفقراء وأبناء الطبقات المطحونة ، أحد العلامات البارزة لفكر الحكومات الجديدة الوطنية التى تولت السلطة فى الوطن العربى بعد خروج الاستعمار الإنجليزى

والفرنسى ثم الإيطالى فيما بعد ، ومن ثم كان هؤلاء الليبراليون مختلفين عن المنهج الجديد فى نظم الحكم العربية.
ومن ثم كان لابد أن تظهر فى الثقافة والسياسة شخصيات جديدة ، وفى كل فروع الأدب والفن ، خاصة والأفكار الجديدة كانت تحتاج شخصيات لها تكوينات جديدة مختلفة عن التكوينات الثقافية السابقة ، رغم عدم الاستغناء عنها. إذ على الرغم من ليبرالية العقاد مثلا أو طه حسين ـ وإن كان له حس اشتراكى ـ فقد احتاج الواقع إلى فرسان وأعلام جدد ، ولهذا تحدث هذه الفترة مخاضا سياسيا حتى استقرت نظم الحكم وعدلت من أوضاعها ، وأخذت لنفسها ، الشكل السياسى المناسب ، والتنظيمات السياسية المناسبة ، وقد شهدت مصر والشام بخاصة طروحات نظرية سياسية وثقافية جديدة ، منذ عقد الأربعينات حتى هزيمة يونيو (1967) ولكن الأنظمة العربية كلها كانت تعتقد فى ضرورة الوحدة العربية تحت أى شكل من الأشكال ، وعلى الرغم من عدم تحقق الوحدة العربية حتى الآن ، فإنها ضرورة ، واجبة ، لمواجهة التكتل العالمى الجديد ، ومواجهة المشكلات العربية الداخلية.
وكان من الواضح ، أن الأعلام التى أعطاها المازنى عناية كبيرة كانت تشترك فى عدة أمور.
أولها : إيمانها العميق بالقومية العربية ، وضرورة الوحدة العربية لمواجهة التمزق السياسى والاجتماعى الذى سببه الاستعمار طوال عشرات السنين من هذا القرن.
ثانيها : كانوا أعضاء فى المجمع العلمى بدمشق وبغداد ومجمع اللغة العربية بالقاهرة ، ويعنى هذا أن المفكرين والمثقفين والأدباء

كانوا خلال فترة الأربعينات طليعة هذه الوحدة ، والمنادين بالقومية العربية دون انغلاق ، وضد الإقليمية والتعصب والنظر إلى الأمور بعين واحدة.
ثالثهما : كان يجمع هذه الأعلام أن معظمها شارك فى السياسة والجهاد والنضال ضد المحتل كل بطريقته ، وحسب ظروفه. هذا ما نجد صداه فى مؤلفاتهم فى هذه الفترة الممتدة فيما بين الحربين العالميتين بعامة. والعقد الرابع بخاصة ، فقد كان منهم الوزراء والمحافظون والأمراء والرؤساء والصحفيون والإذاعيون والشعراء والنقاد. ويعنى هذا أنهم لم يفرقوا بين الموقف السياسى العام وما يوازيه أو يأتى بعده من مواقف ثقافية أدبية أو فنية أو فكرية.
إن هذا المؤتمر يمثل حلقة من حلقات التجمع الثقافى العربى ، يسبق بكثير جدا ، وحدة مصر وسوريا ، أو وحدة مصر وسوريا والسودان وليبيا ، أو وحدة مصر والسودان ، أو محاولات الوحدة فيما بين ليبيا ودول المغرب ، أو السعودية مع دول الخليج العربى. رغم أن مشروعات الوحدة كلها قد منيت بالفشل ، فلا زالت الوحدة العربية أو على أقل تقدير (التكامل العربى) ضرورة واجبة ، فى ظل مصادر العالم العربى المتنوعة الغزيرة ، النشاط البشرى الضخم ، أمام التحديات العالمية على كل المستويات.
إن كتاب رحلة الشام يشير ـ مباشرة ـ إلى مرحلة ذهبية من مراحل الثقافة العربية ، ويوضح لنا صورة مشرقة لما كان عليه المثقفون العرب ، بصرف النظر عن طبيعة السلطة فى كل بلد على

حدة. وبصرف النظر عن أفاعيل الاستعمار فى هذه البلاد وفى أهلها ، إن المثقفين قد صنعوا هذا التحدى رغم الاستعمار والتخلف ، وهم الآن يحتاجون إلى هذا رغم وجود الحكومات الوطنية.
ويقدم هذا الكتاب ، هذه التعريفات المختصرة دون تحيز لمصرى أو عراقى أو شامى ، ودون أن يكون هناك مقياس سوى الرغبة فى التعريف برواد نهضتنا وبمؤلفاتهم ، ومراحل حياتهم ، فى ظرف يعيش فيه العالم العربى لحظة فاصلة فى تاريخ الثقافة العربية ، وسط عالم متغير ، ليس فيه يقين بعقيدة أو ايدولوجية ، فهناك عقائد تسقط ، وايدولوجيات تهوى ، وما كان مرفوضا بالأمس يقبل اليوم وهكذا.
ونحن ـ فى ظل هذا التغير ـ نحتاج إلى وقفة مع النفس ، نراجع فيها أصولنا القريبة ، لنبنى عليها ، ونقيم معها الجسور ، حتى يعود التواصل بين الوطن العربى من جديد. وقد حاول" ثبت الأعلام" أن يشير إلى مؤلفات هذه القيادات الفكرية لعلنا نتواصل معها ، ونضيف إليها ، ونطورها ، ونطبع منها ما هو قابل للاستمرار حتى الآن.
ويجب أن نلاحظ هنا أننا اعتمدنا فى هذه التعريفات ـ لعمل تراجم بسيطة ـ على مؤلفين أساسيين : مصادر الدراسة الأدبية لأسعد داغر. والكتاب التذكارى لمجمع اللغة العربية المعنون به مجمع اللغة العربى فى ثلاثين عاما ، كما استفدت من كتاب رحلة الشام نفسه لعمل تعريفات سريعة لبعض الأعلام أو الشخصيات التى لا توجد فى أى معجم ، لأنها شخصيات إما غير مؤثرة ، أو ثانوية.


ثبت التعريف بواحد وخمسين عالما
حياتهم ومؤلفاتهم وأفكارهم
تراجم بسيطة


(1)
أسعد داغر
(1886 ـ 26 / 11 / 1985 م)
أديب لبنانى عمل طويلا فى خدمة القضايا العربية ، وأخصها قضية فلسطين كما عمل صحفيا ، فكان من أركان الصحافة العربية فى مصر ، وهو من العاملين على بعث فكرة القومية العربية ، واستقلال العرب وتحررهم من سيطرة الاستعمار والانتداب والاحتلال الأجنبى.
ولد فى تنورين من قضاء البترون ، وأتم دراسته الثانوية فى مدينة غنطورا ، سافر إلى اسطنبول (1904) والتحق ـ فيها ـ بمدرسة الحقوق. حكم عليه هناك الإعدام بسبب نشاطه السياسى وتمكن من الفرار إلى (مصر) وأقام بها حتى وفاته رافق الملك فيصل إلى دمشق ، وأسس فيها جريدة العقاب. لما احتل الفرنسيون دمشق فر مع الملك فيصل وإتباعه ورجع إلى (مصر) حيث أشرف على السياسة العربية فى جريدة (المقطم) ثم تسلم رئاسة القسم

الخارجى فى جريدة (الأهرام). وفى (1953 م) أصدر جريدته (القاهرة) كما أسس فى القاهرة جمعية (الوحدة العربية) وكان أمين سرها الدائم.
مؤلفاته :
1 ـ ثورة العرب. مطبعة المقطم (1916 م) القاهرة.
2 ـ حضارة العرب ، مطبعة المقتطف (1981 م). القاهرة.
3 ـ مذكرات على هامش القضية العربية ، ج 1 (1958) القاهرة.
4 ـ عمر وجميلة ، ترجمة (تأليف هنرى بوردو)
5 ـ بعد العاصفة.
6 ـ مذكرات غليوم الثانى.
انظر : (يوسف أسعد داغر ، مصادر الدراسة الأدبية ، ج 2 ق 1 ، ص 416 / 417).
(2)
عباس محمود العقاد
(1898 ـ 1964)
ولد بمدينة أسوان حيث تلقى تعليمه الابتدائى ، وتعلم بعض العلوم خارج المدرسة ، عمل بوظائف حكومية كثيرة ، كانت الصحافة آثرة لديه ، عمل أول عمله فى جريدة الدستور (أصدرها محمد فريد وجدى) ثم كتب فى كل الدوريات المصرية تقريبا. صدر له

نحو مائة كتاب كما ترجم كثيرا من المؤلفات الشرقية والغربية ، وهو أحد مفكرى العرب وساساتهم فى هذا القرن.
انظر :
(مجمع اللغة العربية ، فى ثلاثين عاما ج 2 ، ص 84 وما بعدها).
(يوسف أسعد داغر ، مصادر الدراسة الأدبية ، ج 3 ، ث 2 ، ص 849 وما بعدها).
(3)
طه حسين (الدكتور)
(1889 ـ 1973)
ولد فى عزبة الكيلو (مركز مغاغة محافظة المنيا) تعلم بالأزهر الشريف منذ (1902) إلى (1908) عام افتتاح الجامعة المصرية ، ناقش فى (5 مايو 1914) رسالته للدكتوراه عن" ذكرى أبى العلاء" بالجامعة المصرية. فأوفدته بعثة إلى فرنسا فى (نوفمبر 1914) والتحق بجامعة مونبلييه ، وعاد فى العام نفسه لظرف الجامعة الاقتصادية ، وبعد حل أزمة الجامعة الاقتصادية سافر ثانية (ديسمبر 1915) إلى كلية الآداب جامعة باريس فحصل على الليسانس من السوريون (1917) ثم على الدكتوراه (يناير 1918) عن فلسفة ابن خلدون ، وحصل بعدها على دبلوم الدراسات العليا مايو / يونيو 1919 (قدم عاد إلى مصر (أكتوبر 1919) فعين أستاذا للتاريخ القديم. ثم عين (1925) أستاذا لتاريخ الأب العربى. وفى عام (1928) عين عميدا للآداب ثم اختارته الكلية عميدا (1930).

وفى (3 مارس 1932 م) قرر وزير المعارف نقله إلى وزارة المعارف ، ثم أحيل للتقاعد فى 29 مارس 1932 عند ما رفض العمل ، وبعدها عمل بالصحافة حتى عاد عميدا مرة أخرى فى (مايو 1936) حتى (مايو 1939) وانتدب مديرا لجامعة الإسكندرية فى (أكتوبر 1942) ثم عين (يناير 1950) وزيرا للمعارف فى الوزارة الوفدية. عين عضوا بمجمع اللغة العربية (1940) نائبا لرئيس المجمع بالانتخاب (1960) ثم رئيسا خلفا للأستاذ لطفى السيد.
انظر :
(مجمع اللغة العربية فى ثلاثين عاما. ص 79 وما بعدها)
(4)
أحمد أمين (بك)
(1886 ـ 1954)
من مواليد حى الخليفة بالقاهرة ، تلقى تعليمه الأولى بالكتاب ثم بالأزهر. عمل فى مهنة التدريس بالمدارس ، التحق بمدرسة القضاء الشرعى (1907) وتخرج فيها (1911) فعين فيها مدرسا حتى (1913) ، ثم عاد إليها حتى عام (1921) منح الدكتوراه الفخرية من الجامعة المصرية (1926) ، وأسندت إليه عمادتها (1939) أسس مع زملائه لجنة التأليف والترجمة والنشر (1914) ثم أصدر مجلة الثقافة الأسبوعية وكتب مؤلفات كثيرة فى الفلسفة والأخلاق والأدب واللغة والفقه الإسلامى أشهرها فجر الإسلام ، ضحى الإسلام ، ظهر الإسلام ، يوم الإسلام.

انظر :
(اللغة العربية فى ثلاثين عاما ج 2 ص 23 وما بعدها)
(5)
عبد الوهاب عزام (الدكتور)
(1883 ـ 1959)
ولد بالشوبك الغربى بمحافظة الجيزة. والتحق بالأزهر ثم انتقل إلى مدرسة القضاء الشرعى وتخرج منها أول زملائه (1902) فاختير مدرسا بها. ثم حصل على اليسانس الآداب من الجامعة المصرية (1920) ثم التحق بمدرسة اللغات الشرقية بلندن ونال فيها درجة الماجستير عن" التصوف عند فريد الدين العطار عام (1928) عاد بعدها ليعمل مدرسا فى الجامعة المصرية التى حصل فيها على الدكتوراه فى الأدب الفارسى عام (1932) ثم عين أستاذا ورئيسا لقسم اللغة العربية واللغات الشرقية. ثم عميدا لكلية الآداب (1945) له مؤلفات بالعربية والفارسية وترجمات عنهما. وله كتاب بعنوان" رحلات عبد الوهاب عزام" اختير عضوا بمجمع اللغة العربية (1946).
انظر :
(مجمع اللغة العربية فى ثلاثين عاما ج 2 ص 120 وما بعدها)

(6)
عبد الحميد العبادى
(1892 ـ 1965)
ولد بالإسكندرية وتعلم بها ، ثم التحق بمدرسة المعلمين العليا بالقاهرة ، وتخرج منها (1914).
عمل مدرسا فى المدارس الثانوية بالجمعية الخيرية الإسلامية. درس بالجامعة المصرية ، ثم عين مدرسا للتاريخ الإسلامى بمدرسة القضاء الشرعى ثم أستاذا للتاريخ الإسلامى فى دار العلوم ، ثم شغل الوظيفة نفسها بالجامعة المصرية الحكومية. واختير عميدا لآداب الإسكندرية عند إنشائها. وأخيرا عين أستاذا بمعهد الدراسات العربية العالمية بالقاهرة (1952).
وأخيرا عضوا بمجمع اللغة العربية (1951) له عدة ترجمات فى التاريخ الإسلامى العربى والأندلسى وعدة بحوث مهمة فى هذا التخصص.
انظر :
(مجمع اللغة العربية فى ثلاثين عاما ج 2 ص 92 ـ 93)
(7) أحمد الشايب
أحد أساتذة اللغة العربية والبلاغة بدار العلوم ثم بكلية الآداب جامعة فؤاد الأول له بحوث ودراسات مهمة فى البلاغة ، وعلم الأسلوب ، وهو أحد المناصرين للحداثة والتجديد منذ عشرينات القرن العشرين.

(8) إسعاف النشاشيبى
(1882 ـ 22 / 1 / 1948)
أديب فلسطينى من كبار المحققين وأحد شيوخ الأدب والتاريخ فى العصر الحديث عين فترة طويلة مفتشا أول للغة العربية فى فلسطين ، فنظم المدارس وأصلح التعليم وجدده. تولى رئاسة تحرير مجلة" الأصمعى" ومجلة" النفائس" كما ساهم فى تحرير مجلة" المنهل".
ولد بالقدس ، وتربى فى بيت ثروة ، يرجع نسب النشاسيبى إلى أحد رجال السلطان الملك الظاهر جمقمق. كان أبوه مبعوثا لفلسطين فى مجلس" المبعوثان". كون إسعاف مكتبة ضخمة مثوى للأدباء والعلماء.
له مؤلفات كثيرة فى اللغة ، وأعلام العروبة والإسلام.
انظر :
(مصادر للدراسة الأدبية ج 2 ، ص 744 وما بعدها)
(9)
اليام شاغورى صاحب مجلة الأحد الأسبوعية
(10) محمد كرد على
(1876 ـ 1953)
ولد بدمشق ، وعند ما بلغ السادسة من عمره الحق بمدرسة" كافل يباى" الابتدائية ، ثم دخل المكتب الرشدى العسكرى فدرس

فيه مبادئ التركية والفرنسية ، ولما أحرز شهادة المدرسة الرشيدية عين مدة ست سنين موظفا فى قلم الأمور الأجنبية.
وفى هذه الفترة عكف على التركية ، والإطلاع على الآداب الفرنسية والآداب العربية والعلوم الإسلامية وتعلم إلى جانب ذلك الفارسية.
عمل بالصحافة وعمره ست عشرة سنة واتصل بمجلة المقتطف فذاعت شهرته ثم هاجر إل مصر (1901) وحرر فى عدد من الجرائد هى : الرائد المصرى ، الظاهر ، المؤيد ، وأصدر فى مصر مجلة" المقتبس" (1906). وفى أثناء الحرب العالمية الأولى تولى تحرير جريدة" الشرق" التى أصدرها الجيش. وعند ما أنشئ المجمع العلمى العربى انتخب رئيسا له حتى وفاته. وتولى وزارة المعارف السورية مرتين وله عدة مؤلفات وتحقيقات فى التاريخ والبيان.
انظر :
(مجمع اللغة العربية فى ثلاثين عاما ج 2 ص 193 وما بعدها)
(11) روكفلر
ملياردير أمريكى واحد ساسة الولايات المتحدة الأمريكية.
(12) سامى الشوا
عازف كمان مصرى من أشهر عازفى هذه الآلة الموسيقية فى عصرها الحديث.

(13) نزهة العراقية
مطربة عراقية ، أخرجت من العراق لأسباب سياسية. واعتقلت فترة فى سوريا فى وقت كان لا يسمح فيه للفنانات أن يجلسن فى حضرة الرجال المحترمين.
(14) فخرى البارودى
أديب سورى ، أحد نواب دمشق فى البرلمان.
(15) الأمير مصطفى الشهابى
(1893 ـ مايو 1968)
هو الأمير مصطفى محمد سعيد الشهابى ، ولد فى حاصبيا. ودرس فى دمشق واسطنبول وفرنسا ، ثم دخل مدرسة غرينيون الزراعية العالية وحصل منها على شهادة مهندس زراعى. تقلب فى مناصب الدولة فعين وزيرا فى أربع وزارات ، عمل عضوا فى جمعية" العربية الفتاة" وجمعية" العهد" وكان أحد أعضاء وفد المعاهدة بين سوريا وفرنسا عام (1936).
له مؤلفات مهمة فى الزراعة وتعريب المصطلحات والتاريخ والأدب والقومية العربية والاستعمار. كتب فى" المقاطف" و" الهلال" ومجلة المجمع العلمى بدمشق.
انظر : (مصادر الدراسة الأدبية ج 3 ، ق 1 ، ص 66 وما بعدها)

(16) خليل بك مردم
(1895 ـ 1959)
أديب سورى عالم وباحث وشاعر من أئمة الأدب فى سوريا ورئيس مجمع اللغة العربية بدمشق (1953 ـ 1959) ولد بدمشق حيث درس علومه الابتدائية والثانوية ، أتم تحصيله فى جامعة لندن ، عمل فى الرابطة الأدبية التى تألفت فى دمشق عام (1921) كما عمل فى تجويد الشعر متأثرا بدعوة الرابطة القلمية فى نيويورك. وقف دراسته على الأدب القديم وإحيائه.
شغل وظيفة مميز ديوان الرسائل (1919) ثم أمينا عاما لرئاسة الوزارة فى عهد رضا باشا الركابى (1920) ثم رئيسا للأدب العربى فى الكلية العلمية الوطنية (1929) حتى (1938) ثم وزيرا للمعارف (1941) حتى (1949) ، عين عضوا فى لجنة تحرير دائرة المعارف الإسلامية (1951) ووزيرا للخارجية (1953) وفى السنة نفسها انتخب رئيسا للمجمع العلمى العربى (1 / 11 / 1953).
له مؤلفات متعددة فى أعلام الأدباء العرب القدامى وشعراء الشام ، وحقق مجموعة من الدواوين وله كتاب عن" أعيان القرن الثالث عشر فى الفكر والسياسة والاجتماع". :
انظر :
(مصادر الدراسة الأدبية ج 3 ، ق 2 ، ص 1182 وما بعدها).

(17)
أسعد طلس الدكتور
أديب سورى مؤرخ عمل أستاذا فى وزارة المعارف ثم فى كلية الآداب فى بغداد عند لجوئه إليها بعد فشل انقلاب الزعيم الحناوى ، له مؤلفات فى تاريخ الأمة العربية وفهرسة المخطوطات العربية فى مكتبات حلب وفلسطين وبغداد.
ولد بحلب وتلقى فيها تعليمه الابتدائى والثانوى ثم نال الدكتوراه من الجامعة المصرية وتابع دراسته فى جامعة بوردو ، ونال منها الدكتوراه ، وعين (1948) قائما بأعمال المفوضية السورية فى أثينا وعين (1949) أمينا عاما لوزارة الخارجية السورية وغادرها إلى بغداد بعد الانقلاب الثالث (1949) حيث عمل بالتدريس بكلية الآداب ثم عاد بعد انتهاء حكم الشيشكلى ، ثم اختير مديرا عاما لمؤسسة اللاجئين (1956).
له عدة مؤلفات عن الأمة العربية والإسلام ، والعلاقات بين مصر والشام وعن بعض أعلام العرب مثل ابن جنى والمعرى والشيخ عبد القادر المغربى.
انظر
(مصادر الدراسة الأدبية ج 3 ، ق 1 ، ص 721 ، 722).

(18)
لطفى الحفار (بك)
رئيس مجلس الوزراء السورى بالنيابة فترة انعقاد مؤتمر المعرى.
(19)
مهدى البصير (الدكتور)
ممثل العراق فى مؤتمر المعرى.
(20)
عبد القادر المبارك (الشيخ)
أحد علماء الشام وعضو المجمع العلمى بدمشق وعضو المؤتمر.
(21)
شكرى القوتلى
أحد الساسة السوريين المرموقين ، ظل فترة طويلة يقاوم الاحتلال الفرنسى ، انتخب رئيسا لجمهورية سوريا بعد الاستقلال عن الاستعمار الفرنسى وكان من أصحاب الفكر القومى العربى الوحدوى ، كان الطرف الثانى فى تحقيق الوحدة السورية مع الراحل الرئيس جمال عبد الناصر بين (1958 ـ 1961).

(22)
سعد الله الجارى (بك)
رئيس وزارة سورى ، استقال قبل مؤتمر المعرى بأيام.
(23)
طه الراوى (ـ 1946)
أحد أعلام الأدب والتاريخ فى العراق الحديث ، ولد فى بغداد ودرس فى مدارس الحكومة الابتدائية والرشيدية ثم فى المدارس التابعة للأوقاف ، عين لدى تخرجه مديرا لمدرسة الكرخ فمدرسا للآداب العربية فى دار المعلمين ومدرسة الهندسة والموظفين ثم انتقل إلى المدرسة الثانوية أستاذا للآداب العربية وعلم الأخلاق ، تلقى دراسة الحقوق فى بغداد ونال شهادته من جامعتها (1925).
ألف كتابا عن أبى العلاء المعرى بعنوان" أبو العلاء فى بغداد" مطبعة التفيض الأهلية ، 1944" وله كتاب عن تاريخ علوم اللغة العربية وبغداد مدينة السلام.
انظر : ـ
(مصادر الدراسة الأدبية ، ج 2. ق 1 ، ص 382 ـ 383).

(24)
ساطع بك الحصرى
ساطع هلال الحصرى (1880 ـ 21 / 12 / 1968)
هو أبو خلدون ساطع الحصرى ، مفكر سورى ، من قادة الرأى والفكر والإصلاح العربى ، ومن بناة النهضة التعليمية فى سوريا والعراق ومصر. وهو مؤرخ القومية العربية وفيلسوفها حلبى الأصل ، يمنى المولد ، ولد فى صنعاء لأب كان فيها رئيس محكمة الاستئناف تنقل مع والده بين صنعاء وأطنه وانقره وطرابلس الغرب وقونية.
نما ساطع فى هذه التنقلات ودخل القسم الإعدادى فى المدرسة الملكية فى الآستانة وتخرج منها (1900) وعين معلما لتدريس العلوم الطبيعية فى (يانيفا) خمس سنوات ، ثم عين" قائم مقام" على قضاء رواشينه التابعة لولاية مناسيتر على حدود يوجوسلافيا عمل مع الشبان الذين أعلنوا ثورتهم ضد السلطان عبد الحميد وكانت مناسيتر مركز هذه الثورة (1908).
عين فى المدرسة الملكية بعد إعلان الدستور وتخرج فيها ، وعلم فيها" علم الأقوام"" وفن التربية" فى دار الفنون فى مدرسة دار الخلافة العلمية ، كما تولى مديرية دار المعلمين عقب إخماد الحركة الرجعية وخلع السلطان عبد الحميد (1909).
أنشأ فى بداية الحرب العالمية الأولى مدرسة حديثة للأطفال والمعلمات.
وعقب انتهاء الحرب وجلاء الأتراك عاد لسوريا من الآستانة فعين فى مديرية المعارف ثم وزيرا لها فى عهد الملك فيصل وبعد

هزيمة ميسلون فر مع فيصل لأوربا ، ولما تولى فيصل عرش العراق استدعاه فعمل وزيرا للمعارف ورئيسا لكلية الحقوق ، ومديرا للآثار القديمة لمدة عشرين عاما.
ثم جاء بيروت إثر ثورة على الكيلانى ضد الإنجليز (1941) ومكث سنتين عاد بعدها إلى دمشق وعين مستشارا فنيا لوزارة المعارف ثلاث سنوات ، ثم انتقل إلى مصر وعين أستاذا محاضرا فى معهد التربية العالى للمعلمين ثم عهد إليه بمستشاريه الإدارة الثقافية فى جامعة الدول العربية حتى عام (1951) ثم عين مديرا لمعهد الدراسات العربية العالمية وهو من مؤسسيه. توفى فى بغداد ومعظم مؤلفاته تدور حول القومية العربية والثقافة العربية والدفاع عنهما ، ضد الإقليمية والتمزق وأشهر دراساته بلا شك عن ابن خلدون منها : ـ
ـ دراسات عن مقدمة ابن خلدون ـ بيروت ـ مطبعة الكشاف ، 1943 ، ج 1 ، ج 2.
ـ آراء وأحاديث فى الوطنية والقومية ، ج 3 ، بيروت دار العلم للملايين 1957.
ـ آراء فى القومية العربية القاهرة 1951 ، مطبعة الاعتماد.
ـ العروبة ، طبعة بيروت ، دار العلم للملايين ، 1955.
ـ دفاع عن العروبة ، دار العلم للملايين ، 1955.
ـ الإقليمية جذورها وبذورها بيروت ، دار العلم للملايين 1963. وغيرها.
انظر : ـ مصادر الدراسات الأدبية ج 3 ، ق 1 ، ص 225.

(25)
عبد القادر المغربى (الشيخ)
(1867 ـ 1956)
هو أحد زعماء الحركة الفكرية والأدبية واللغوية فى نهضة الأمة العربية الحديثة من أصل مغربى ، ولد فى اللاذقية ، جاء إلى مصر (1905) فرارا من الاضطهاد التركى ولما أعلن الدستور العثمانى (1908) عاد إلى بلده طرابلس الشام وأنشأ فى (1911) جريدة البرهان فى طرابلس حتى سنة (1914) واشترك فى (1915) فى تأسيس الكلية الصلاحية العثمانية بالقدس لتخريج الدعاة ، وعين فى (1916) مديرا لجريدة الشرق ثم عهد إليه فى سنة (1923) بتدريس اللغة العربية والآداب العربية فى كلية الحقوق السورية.
ترك مؤلفات فى الدين واللغة والأدب مثل الاشتقاق والتعريب وعن جمال الدين الأفغانى ، تفسير جزء تبارك ، وله عدة مخطوطات وعرف بنشاطه فى مجمع اللغة العربية بالقاهرة.
أنظر : ـ (مجمع اللغة العربية فى ثلاثين عاما) (ص 1107) وما بعدها.
(26)
محمد عبده (الشيخ الإمام)
(1849 ـ 1905)
من مواليد الغربية ، هو حكيم مصر فى العصر الحديث وأحد أركان النهضة العربية ومن اشهر دعاة الإصلاح ، وإلى الثورة العرابية

فنفى من مصر بعد الاحتلال الإنجليزى (1882) إلى بيروت لمدة سنة انتدب فيها للتعليم فى الكلية الإسلامية ثم غادر إلى باريس ليلحق بجمال الدين الأفغانى فتعاونا على إنشاء مجلة" العروة الوثقى" عاد إلى بيروت مرة أخرى ليعمل فى المدرسة السلطانية وهناك ألف رسالة التوحيد" بولاق 1315 ه" ووضع شرح مقامات بديع الزمان الهمذانى ونهج البلاغة وعرّب رسالة الأفغانى فى الرد على الدهريين وبعد العفو عنه عاد لمصر وتولى مناصب أهمها عضوية مجلس إدارة الأزهر ومفتى الديار المصرية والتدريس فى الأزهر فترك من هذه الفترة تفسير ستة أجزاء من القرآن 1324 ه‍ ، وألف كتاب" الإسلام والنصرانية 1323 ه‍.
وكان ـ بعد أن نال درجة العالمية من الأزهر (1877 م) قد انتدب لتدريس الأدب والتاريخ بدار العلوم ومدرسة الألسن ، كما عمل فيما بعد محررا للوقائع المصرية ثم تولى رئاسة تحريرها مدة عشر سنوات. مصادر الدراسة الأدبية ج 2 ، ق 1 ، ص 597.
(27)
عز الدين آل علم الدين التنوخى
(1889 ـ 1966)
أديب ومهندس زراعى سورى ، عمل طويلا بالتدريس ، ولد بدمشق وفيها تلقى علومه الابتدائية والإعدادية فى مدرسة القرير بيافا ، أرسله والده إلى الأزهر مدة خمس سنوات عاد بعدها ليدرس فى

مسجد دمشق الجامع. وأرسل عام (1910) فى بعثة دراسية إلى باريس ثلاث سنوات (فى الزراعة) ، دعى للخدمة العسكرية فى الحرب فوصل إلى حلب ومنها فر إلى العراق ومنها التحق بالثورة العربية الكبرى (1916) ولم يلبث أن دخل مع جيش الأمير فيصل إلى دمشق حيث عينه عضوا فى لجنة الترجمة والتأليف ثم عضوا فى ديوان المعارف.
استقال بعد قليل وعين فى العراق معلما فى دار المعلمين الأولية ثم أستاذا فى دار المعارف العليا ، عام (1942) عين أستاذا بكلية الآداب بدمشق ثم أحيل عام (1953) إلى التقاعد فتفرغ للمجمع العلمى حيث انتخب عام (1961) عضوا مراسلا فى المجمع العلمى العراقى ... تدور أعماله حول دراسات الأدب واللغة العربية (مصادر الدراسة الأدبية.
ج 3 ، ق 1 ، ص 235.
(28)
الحراكى (بك)
أحد وجهاء سوريا بالمعرة.
(29)
حمدى يابيل
مراسل إذاعة الشرق الأدنى فى يافا الفلسطينية.

(30)
بشر فارس (الدكتور)
(1907 ـ 21 / 2 / 1963)
لبنانى المولد ، مصرى الإقامة ، وهو باحث وشاعر وناقد ومسرحى ، ولد بكفيا وكان اسمه أدوار وهاجر إلى مصر وتلقى علومه بها وغير اسمه إلى بشر تخصص فى الأدب العربى من جامعة باريس حيث نال الدكتوراه (1932) على أطروحته" العروض عند العرب" توفى بالقاهرة إثر نوبة قلبية مفاجئة.
له مؤلفات بالعربية والفرنسية مثل : ـ
ـ مباحث عربية فى اللغة والاجتماع ، القاهرة ، دار المعارف 1939.
ـ سوانح مسيحية وملامح إسلامية ، القاهرة ، 1962.
ـ المصاعب اللغوية والثقافية والاجتماعية التى تعترض الكتاب المعاصرين ولا سيما فى مصر ـ باريس مطبعة جونز. (مصادر الدراسة الأدبية ج ، 3 ، ق 22 ، ص 933).
(31)
عبد الحميد دياب
أحد أعيان لبنان.
(32)
عمر أبو ريشة
شاعر شامى من أصحاب المذهب الرومانسى.

(33) الجابرى (دكتور)
مدير الرقابة فى دمشق.
(34)
عزمى النشاشيبى
مدير محطة الإذاعة بالقدس بفلسطين.
(35)
الخواجة تلماك
مدرس موسيقى كان له محل (دكان) بجوار الجريدة التى يعمل فيها المازنى بالقاهرة بالقرب من سراى البارودى.
(36)
سليمى باشا
مطربة عراقية.
(37)
هاشم (بك) الأتاسى
الرئيس الأسبق لسوريا قبل شكرى القوتلى.

(38)
السباعى (عبد المنعم)
أحد الأدباء والمترجمين المهمين فى بدايات القرن العشرين فى مصر.
(39)
نصوح (بك) البخارى.
وزير المعارف السورى أثناء الفترة التى عقد فيها المؤتمر.
(41) نصوح هابيل
نقيب الصحفيين السوريين فى فترة انعقاد المؤتمر وصاحب جريدة الأيام.
(40) نجيب الريس
أديب وشاعر سورى وصاحب جريدة القبس.
(42)
محمد عبد الوهاب
هو الموسيقار محمد عبد الوهاب المصرى الذى لقب بعدة ألقاب منها فنان الشعب ، ومنها موسيقار الأجيال ، اهتم فى موسيقاه بصلة الموسيقى العربية التقليدية وبما وصلت إليه الموسيقى فى العالم الحديث.

(43)
بدوى الجبل
هو الشاعر محمد سليمان أحمد ، شاعر سورى وكان نائبا فى البرلمان.
(44) فارس (بك)
الخورى رئيس مجلس النواب السورى.
(45) يوسف العيسى
أديب سورى وصاحب مجلة ألف باء.
(46) شفيق جبرى
شاعر سورى.
(47) البرقوقى
صاحب مجلة البيان.
(48) محمد حسين هيكل
كاتب وأديب مصرى له ترجمات ودراسات إسلامية كثيرة كان نصيرا للتحديث والتجديد عمل بالسلك الديبلوماسى ، توفى 1956.

(49) شيخ على الغاياتى
شاعر ومناضل وصحافى مصرى.
(50)
قدرى بك
طبيب مناضل ضد سلطة الأتراك والفرنسيين ، زامل شكرى القوتلى فى نضاله.
(51) فلك طرزى
شاعرة سورية.
هوامش
اعتمد التحقيق فى عمل الببلويوجرافيا والتعريف بالأعلام فى كتاب رحلة الشام على مصدريين أساسيين : ـ
1 ـ يوسف أسعد داغر ، مصادر الدراسة الأدبية.
2 ـ اللغة العربية فى ثلاثين عاما ج 2 كتاب تذكارى أصدره مجمع اللغة العربية بالقاهرة.


ثبتت الأعلام كما وردت فى رحلة الشام
1 ـ أسعد داغر.
2 ـ عباس محمود العقاد.
3 ـ طه حسين (دكتور).
4 ـ أحمد أمين.
5 ـ عبد الوهاب عزام (دكتور).
6 ـ عبد الحميد العبادى.
7 ـ أحمد الشايب.
8 ـ إسعاف (بك) النشاشيبى.
9 ـ إيليام شاغورى.
10 ـ محمد كرد على.
11 ـ روكلفر.

12 ـ سامى الشوا.
13 ـ نزهة العراقية.
14 ـ فخرى البارودى.
15 ـ مصطفى الشهابى (الأمير).
16 ـ خليل (بك) مردم.
17 ـ أسعد طلس (دكتور).
18 ـ لطفى الحفار (بك).
19 ـ مهدى البصير (دكتور).
20 ـ عبد القادر مبارك (الشيخ).
21 ـ طه الراوى.
22 ـ ساطع (بك) الحصرى.
23 ـ سعد الله الجارى بك.
24 ـ عبد القادر المغربى.
25 ـ شكرى القوتلى (الرئيس).
26 ـ عز الدين آل علم الدين التنوخى.
27 ـ الحراكى (بك).
28 ـ حمدى بابيل.
29 ـ بشر فارس (دكتور).
30 ـ عبد الحميد دياب (تاجر).
31 ـ عمر أبو ريشة.

32 ـ الجابرى ـ دكتور).
33 ـ عزمى النشاشيبى.
34 ـ تلماك (الخواجة).
35 ـ سليمى باشى.
36 ـ هاشم (بك) الاتاسى.
37 ـ السباعى (عبد المنعم).
38 ـ نصوح بك البخارى.
39 ـ نجيب الريس (الأستاذ).
40 ـ نصوح هابيل.
41 ـ محمد عبده (الشيخ).
42 ـ محمد عبد الوهاب.
43 ـ بدوى الجبل (الشاعر).
44 ـ فارس (بك) الخورى.
45 ـ يوسف العيسى.
46 ـ شفيق جبرى.
47 ـ البرقوقى.
48 ـ هيكل (دكتور حسين).
49 ـ (السيد) الغاياتى.
50 ـ قدرى بك (دكتور).
51 ـ فلك طرزى.

فهرست تفصيلى للأفكار والموضوعات فى تسلسلها
من الكتاب مرقمة بأرقام الفقرات الكبيرة التى قسم
بها المازنى كتابة وهى ثمانى عشرة فقرة
(أو وحدة) بعد المقدمة
مقدمة
رحلة الصيف إلى العراق ـ رحلة الشتاء إلى الشام وفلسطين ـ المسألة القومية تبدأ بعدم التدخل فى شئون الغير والمحافظة على المصرية ـ مصر كتاب مفتوح للعرب ـ اهتمام العرب بمصر لأهميتها لديهم ـ الوحدة العربية أمل لهم : ـ
1 ـ مجلس النقابة يكلف المازنى بالسفر وهو بالإسكندرية ـ المازنى يعمل لكسب قوت يومه ـ كيف اختار موضوع البحث ـ دعوة الأساتذة والأدباء لحضور هذا المؤتمر من أعلام الثقافة فى مصر والعالم العربى ـ حيرة المازنى فى اختيار الموضوع.

2 ـ الطائرة والمطار والركاب ـ فلسطين ترده مرات بسبب الاحتلال ـ الاتصال بمحطة القدس اللاسلكية ـ الوصول بعد اللد إلى مطار المزة ـ استطراد حول زياراته السابقة لدمشق ـ دمشق جنة فى الأرض ـ الفندق السورى.
3 ـ اليوم الأول من الزيارة ـ المازنى عضو فى المجمع العلمى السورى ـ النسيان ـ غلاء الحياة فى دمشق عنها فى مصر.
4 ـ حكاية سامى الشوا مع فتيات البنك السورى ـ حكاية نزهة العراقية ـ حكاية فخرى البارودى.
5 ـ زيارة مصايف الشام ـ حفاوة الشام بالوفد المصرى ، زيارة المجلس النيابى. طه حسين يلقى كلمة شكر ـ زيارة مجلس الوزارة ـ صورة جميلة لتأليف الوفد المصرى ـ الرئيس شكرى القوتلى.
6 ـ أربعون مشاركا فى المؤتمر ـ بساطة العلاقات بين الناس ـ مزية لشباب الشام.


الفصل الثانى
تحليل مضمون الرحلة
(1)
كتب" إبراهيم عبد القادر المازنى" هذه الرحلة على غرار ما وجده فى تراثه العربى والإسلامى ، القديم والحديث والمعاصر له ، فهو يدرك أن هذا الفن أحد أنواع الكتابة الأدبية التى تجذب جمهور القراء والمثقفين لأنها من ناحية ، نوع من القص الذاتى يتناسب مع طبيعة المقال الصحفى ، وهو النوع الأدبى الذى أحبه المازنى وكتب به أكثر كتاباته ، فقد كانت المقالة تستوعب ما يكتبه على هيئة مقاله قصصية يناقش من خلالها كل الأمور السياسية والأدبية وللمازنى أنواع كثيرة من هذه المقالات الصحفية التى يمكن أن نطلق عليها" مقالة قصصية" مثل كتبه ، " خيوط العنكبوت"" صندوق الدنيا"" على الماشى" وغيرها.
وتستوعب المقالة القصصية كل كتابات المازنى إذا أخذناها من زاوية أنه يحب الحكاية كتقنية يواصل بها فكرته وهى نتاجات يمكن

أن تحسب على المقالة ويمكن أن تحسب على القص هذا ـ إلى جانب ـ نتاجاته الروائية مثل :
" إبراهيم الكاتب"" إبراهيم الثانى"" ثلاثة رجال وامرأة"" عود على بدء"" ميدو وشركاه" ثم" من النافذة"" قصة حياة" أو" سبيل الحياة" بجانب مجموعة كبيرة جدا من القص القصير حوالى مائة قصة ، نشرها فى دوريات :
" السياسة الأسبوعية"" البلاغ"" الرسالة" مجلات" شهرزاد"" الراوى"" الرواية"" الثقافة"" الإذاعة"" مسامرات الجيب"" الهلال"" أخبار اليوم"" كليوباترا"" الأخبار".
وقد نشرت هذه القصص فيما بين (14 / 10 / 1932) حتى (25 / 1 / 1947) وهى فترة طويلة تقدر بخمس عشرة سنة فى أخريات حياة المازنى ، وهى الفترة نفسها التى كتب فيها المازنى رحلاته فى القالب القصصى والمقالى ، وهى الفترة نفسها التى كتب فيها رواياته الخمس آنفة الذكر أيضا ، مما يجعل هذه الفترة من إنتاجه ، فترة القص والرواية والمقالة القصصية والرحلات.
وتأتى رحلات المازنى المتعددة إلى" الحجاز" و" بغداد" و" الصحراء الغربية" و" فلسطين" والشام و" السودان" متتابعة فى الفترة نفسها وهى ـ اضافة لما ذكرناه فى تصدير هذا الكتاب ـ تمثل تنوعات فى الرحلة المازنية ولكنها تعد رحلات هوامش إلى جانب رحلات : ـ
الحجاز ، الشام ، العراق ، فعندما نعود إلى الدوريات المصرية نجد أن رحلة الحجاز المنشورة (1930) ورحلة السودان المنشورة فى الأساس فى (4 نوفمبر 1948) يحصران التوالى الزمنى لرحلات المازنى كالتالى : ـ

ـ رحلتى إلى بغداد (البلاغ) فى (25 ، 26 فبراير 1936).
رحلة الصحراء الغربية (البلاغ) فى (21 مارس 1936).
رحلة العراق (مجلتى) فى (15 يونيو إلى 15 أغسطس 1936).
رحلة فلسطين (البلاغ) فى (7 مارس 1938).
أيام فى بغداد (بلاغ) فى (20 مايو 1939).
رحلة فى قلبى (الاثنين) فى (11 يناير 1943).
رحلة الشام (البلاغ) بين (11 أكتوبر و 23 نوفمبر 1943).
رحلة العراق (البلاغ) بين 23 يناير ، 21 أبريل 1945).
مما يدفعنا للقول بأن الفترة المحصورة بين بداية الثلاثينيات حتى وفاة المازنى (1949) هى فترة الحركة والرحلة المتوازية مع فترة كتابته للروايات والقصص القصيرة والمقال القصصى الأمر الذى يجعلنا نطلق على الفترة السابقة مرحلة الشعر ونقد الشعر ويعنى هذا تحولا فى تقنية الكتابة وهدف الكتابة ونلاحظ أن المازنى يكتب عن (رحلة فى قلبى) كما يكتب عن أيام فى بغداد بالتقنية نفسها.
ولم يشر المازنى لرحلات العرب والمسلمين فى القديم أو الحديث ولكنه كان على علم بها بالقطع خاصة وهو قريب العهد من كتابات الرواد الأوائل للنهضة أصحاب الرحلات الحديثة مثل رفاعة الطهطاوى والشدياق وعلى مبارك وغيرهم ، وهم المثقفون الذين خرجوا إلى الغرب بعد نضوب الشرق ليواصلوا تأسيس أمة جديدة تتواصل مع نفسها ـ تراثيا ـ ومع حاضرها ـ علما وثقافة وكانت

هذه الرحلات المازنية نافذة على الذات المصرية والعربية وعلى الآخر البعيد المتقدم ومن ثم كان الهدف القومى من بواعث وأهداف هذه الرحلات فى الداخل والخارج فقد شهدت القرون التالية لابن جبير كثيرين من الرحالة الذين أغنوا الأدب العربى وبعض العلوم العربية الأخرى بما كتبوه فى رحلاتهم من أمثال : ـ " عبد اللطيف البغدادى" و" ياقوت الحموى" و" ابن سعيد" و" العبدرى" فى القرن الثالث عشر و" ابن بطوطة و" ابن خلدون" و" محمد بن رشيد الفهرى الأندلسى" و" محمد التجانى" فى القرن الرابع عشر. ثم رحلة" الظاهرى" و" الملك قايتباى" فى القرن الخامس عشر. وحتى هذا القرن فقد ظل العرب متفوقين فى ميدان الرحلات ، إلى أن قامت حركات الاستكشاف الأوربية وكان العرب قد منوا بفترة من التأخر امتدت ثلاثة قرون أو يزيد عم خلالها الضعف والجهل فى جميع ميادين الحياة وانصرف الكثيرون عن الحياة إلى الزهد ، ولم يصلنا خلال هذه القرون شئ ذو بال من الرحلات فقد اقتصرت إلى حد كبير على زيارة" استنبول" عاصمة الخلافة العثمانية أو على الحج وزيارة الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية ومن أبرز هذه الرحلات رحلة سعيد المراكشى"" العياشى" ورحلة" عبد الغنى النابلسى" ورحلة" على الجبيلى" وظل هذا الجمود العام يطبق على أدب الرحلة فى جملة ما يطبق عليه من حياة الأمة العربية حتى كانت النهضة الحديثة ففتحت على أساسها أبواب أوربا على البلاد العربية (1).
ومن ثم جاءت رحلات القرن التاسع عشر الميلادى إلى أوربا استجابة لإعادة الرغبة فى الحياة ولهذا جاءت رحلات رواد النهضة

الحديثة فى القرن العشرين تكمله لرحلات أسلافهم المحدثين وبعد أن استفادت الدول العربية من نتائج هذه النهضة المصرية بخاصة ثم العربية بعامة ، خاصة ، بعد أن ساهم الشاميون المهجريون بهذا الدور وأعادوا الحياة إلى أدب الرحلة مع الأدباء المصريين وهنا تجمعت روافد فى أدب الرحلة العربية فى القرن العشرين وهى : ـ
ـ التراث العربى والإسلامى.
ـ تراث الصدام الحضارى فى العصور الوسيطة.
ـ رحلات القرن التاسع عشر لأوربا.
ـ كتابات المهاجر والمنفيى والمغامرة التجارية.
ـ الرحلات داخل الوطن (الإقليم ـ الوطن العربى).
فكما نرى المازنى يقوم بعدة رحلات ويكتب عنها (فى مصر) شاركه مجايلوه فى هذا النوع من الرحلة مثل رحلات : طه حسين ، توفيق الحكيم ، حسين فوزى وغيرهم ، ونجد فى الوقت نفسه مجايلى هؤلاء الكتاب من الشوام يقومون برحلاتهم من خلال المهجر والعودة إلى الوطن الأم وقد وافق الأمر أنهم جميعا من الرومانسيين الذين دخلوا إلى الحياة الثقافية والأدبية من منطلق التغيير والتطوير.
وهنا نجد وشائج قريبة بين رحلات إبراهيم عبد القادر المازنى داخل الوطن العربى بخاصة وبين رحلات المهاجرين وعلى رأسهم صاحب الريحانيات ، ومن ثم كان أدب الرحلة واحدا من الأنواع الأدبية (النثرية) التى أحياها الجيل الثانى للنهضة فى القرن

العشرين والمقارن بين نتاج القرن العشرين ونتاج القرن التاسع عشر وكتاباته يجدها مشحونة بوصف (الآخر) والغوص فى تفاصيل حياته اليومية ، ومنجزاته الحضارية والثقافة.
أما فى القرن العشرين فقد خف الانبهار بالآخر وحاول الرحالة العرب ، وأصحاب كتب الرحلة أن يمدوا أبصارهم إلى الذات لأول مرة دون مقارنة بالآخر (الغريب) المتفوق علينا جميعا فقد اهتم هؤلاء الكتاب بذاتهم من ناحية (وهم رومانسيون ذاتيون بالضرورة) ثم اهتموا من الناحية الثانية بذاتهم القومية والعربية فإذا كانت الريحانيات تصف لبنان تاريخا وجغرافيا فرحلات إبراهيم المازنى تصف العلاقات العربية على المستويين : الإنسانى والاثنوجرافى. وهذا ما يتضح فى مقدمة رحلة الشام للمازنى ـ كما سنفصل بعد قليل وكما هو واضح فى كلمة"" ميخائيل نعيمة" للريحانيات المسماة" قلب لبنان" بقوله كنت بارا بأخيك وبالأدب العربى وبوطنك عند ما أصدرت قلب لبنان ......"(2)فقد أحب الشاميون وطنهم مثلهم مثل بقية العرب ولو لا ضيق هؤلاء بالسلطة التركية المهيمنة لما هربوا من بلادهم إلى أوربا أو أمريكا ، أو مصر لقد تعاملوا مع المهجر على أنه المنفى المختار ولم يخف واحد منهم تعلقهم بالوطن الأول وهذا واضح فى كتاباتهم الشعرية والنثرية. ولقد اختلطت مفاهيم السفر ، والرحلة ، والمغامرة ، والهجرة ، والمنفى فى هذه الكتابات كما اختلطت مفاهيم الوطن والفردوس والأمومة متوازية مع الحنين إلى هذا الوطن وقد تم ذلك رغم استفادتهم من مواطن الهجرة فى الثقافة بعامة والأدب بخاصة حتى سبق إنتاجهم المكتوب أواخر القرن التاسع عشر متأثرا بالأشكال الغربية

والأمريكية ـ نظيره فى الوطن العربى كله بما فى ذلك الشام ومصر ، بلادهم ووطنهم الثانى.
وكان" أمين الريحانى" (1876 ـ 1940) أكبر هذا الجيل فأخذ مكانه عالية فيما بينهم ، أعطوها له عن رضا واقتناع ، فقد سبقهم الريحانى إلى المهجر (ونزلواهم مهجرهم ليجدوه) وقد تعلموا منه جميعا ، حتى أن كتابه" الريحانيات" كان أحد معالمهم الثقافية والوطنية ـ لابد أن يطلع عليه كل مشتغل بالأدب) كذلك أخذ هذا الكتاب وضعا متميزا فى الوطن العربى كله كما يتضح من الرسائل الريحانية والتقريظات التى كتبت عنه فى الصحف والمجلات ورسائل الأدباء آنذاك وكان موقف الريحانى بالنسبة لجيله ، كموقف عبد الرحمن شكرى بين جيله من المصريين كرأس مدرسة ، ولكنه كان كالمازنى فى رحلاته الدائبة التى احتلت عمره كله وليس عشرون عاما من عمر المازنى فقط" أمين الريحانى" رائدا فى جيله ، وقد شمل هذا الجيل مجموعة الأدباء الرواد ـ لأواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ـ من الرومانسيين أمثال إيليا أبى ماضى (1890 ـ 1957) جبران خليل جبران (1883 ـ 1931) مى زيادة (1895 ـ 1941) ميخائيل نعيمة (1889 ـ 1958 (عيسى اسكندر المعلوف (ـ) وغيرهم من شعراء (الرابطة القلمية) أو (العصبة الأندلسية) أو الأدباء المهاجرين إلى مصر مثل خليل مطران (1870 ـ 1949).

(2)
ووفق ما صرح به (المازنى) أنه كتب هذا الفصل (وما تبعه بالتالى) ليعالج (مسألة قومية) ويعنى بها أنه لا يتدخل فى شئون الآخرين ولا يسمح لنفسه أن يكون سفيرا سيئا لبلاده بل يكون سفيرا طيبا ومن هذه المسألة القومية يكتب المازنى (رحلة الشام) بعين السفير الثقافى أو الممثل الإعلامى لمصر فى المؤتمر بجانب زملائه الآخرين الذين لم يكونوا أقل تفهما منه لهذه المسألة القومية فقد كانوا جميعا حريصين على سمعة بلادهم وعلى مشاعر البلد التى نزلوا على أرضها ووسط أهلها.
ويعتقد المازنى أن مصر ـ كانت خلال هذه الفترة ـ كتابا مفتوحا للعرب ، فقد كانت مصر آخذة فى مرحلة نضال سياسى ضد الاستعمار بكل أنواعه ، كما أنها كانت قد سبقت إلى الأخذ بأساليب الحضارة المتقدمة بمشروعها النهوضى فى عصر محمد على وحتى عصر إسماعيل مما جعل مشروع النهضة من ناحية ومشروع التحرر بالنضال السياسى يلتقيان فى رؤية قومية ، تحاول أن تشد العرب جميعا إلى التوحد تحت راية قومية عربية لتواجه بها مشاريع التمزيق الأوربية والتركية ومن تبعهما من الحكومات العربية آنذاك للبلاد الغربية كمشروع الهلال الخصيب على سبيل المثال.
لهذا نجد الشوام بخاصة ـ وبسبب ظروف تاريخية أيضا ـ يدخلون إلى النهضة الحديثة أيضا ـ شجعهم على ذلك طبيعة المجتمع التجارى البحرى ومن ثم كانت الثقافة العربية آنذاك

انعكاسا للواقع السياسى والتاريخى لهذه المنطقة التى كتب لها القدر خلاصها فى توحدها.
وكان سؤال العرب عن أحوال مصر ، وأحوال أهلها ومثقفيها سؤالا طبيعيا ، لأن قضية التحرر قضية كل العرب وهذا ما جعل العرب يتتبعون الصحف المصرية والثقافة المصرية وجعل المصريين يتتبعون الصحف العربية ليقفوا على أحوال جيرانهم المشتركين معهم فى المصير ولهذا لم يكن غريبا أن يلقى المازنى أحد الشبان العرب سنة 1930 فى صحراء فاطمة بالحجاز ويتعرف على المازنى وليس غريبا أن يقابله شيخ بدوى آخر فى رحلته إلى العراق سنة 1936 م ، ويسأله عن نتائج المفاوضات المصرية الإنجليزية.
ولقد كتب المازنى استطراداته داخل رحلة الشام من المنطلق نفسه وهى استطرادات عن حكايات فرعية خارج المؤتمر ووقائعه مثل حكاية (سامى الشوا) ونزهة العراقية وفخرى البارودى وحكاية سجن" شكرى القوتلى" ومحطة الإذاعة حكاية الدكتور" قدرى بك مع شكرى القوتلى" ، ثم التطرق لمسألة السفور والحجاب من خلال حديثه عن الآنسة الأديبة السورية فلك طرزى.
وهذا ما دعاه أيضا إلى النقد للحزب الشيوعى السورى ولرئيس الحزب وصحفييه ثم هجومه على مسألة تقسيم الحدود ورسمها بين سوريا ولبنان من زاوية وحدة الأرض العربية والسكان العرب الذين تمتد عائلاتهم بين أراضى الشام والعراق جميعا دون اعتبار للأسلاك الشائكة والتقسيم الاستعمارى للأرض العربية دون حساب للتاريخ والثقافة والعقيدة والأرض المتوحدة ومن هنا شغلت فلسطين مساحة كبيرة ، رغم أن الرحلة إلى سوريا بخاصة وهذا ما

دعا المازنى إلى القول" ومصر كتاب مفتوح تقرأه البلاد العربية صفحة وسطرا سطرا وحرفا حرفا ، وأن القوم يعرفون أعلامنا واحد واحدا وما من كتاب ينشر فى مصر إلا وهو يلتهم التهاما فى البلاد العربية أفليس للبلاد العربية أن تنظر إلى المستقبل وتنصرف عن الماضى بخيره وشره؟ وهو قول لا يزال صالحا لكل وقت فما زالت آمال العرب فى النهضة والوحدة لم تتحقق بعد.
وتمثل فلسطين ـ تحت الانتداب البريطانى ـ شوكة فى عنق المازنى لأن هجومه على الاستعمار الإنجليزى فى مصر ، انسحبت آثاره على دخوله أو عدم دخوله أرض فلسطين بأمر الأمن العام ومقولات المازنى تنم عن لوم لوضع فلسطين تحت الانتداب وتشعر بأسى وغضب لتحكم الأجانب فى أرضنا وفى أنفسنا يقول" لقد عودتنى فلسطين فى السنوات الأخيرة" أن تردنى عنها وأن تتلقانى متجهمة ولا تأذن لى فى الدخول إلا وهى كارهة متوجسة ...".
(3)
واحتل (المكان) أهمية كبيرة فى هذه الرحلة فقد وصف المازنى طبيعة سوريا ولبنان ووصف وعورة الطرق والمسالك عبر الأحراش والجبال فيما بين البلدين ، فتحدث عن جمال دمشق وقال إنها جنة الدنيا فى الوحدة الثانية من الكتاب ثم تحدث عن مصايف الزيدانى وبلودان وبقين ثم شتورة وزحلة ثم اللاذقية ثم نهر البردون وبعلبك وطرابلس وصيدا وبيروت ....... الخ. وإن كان لم ينس الإسكندرية.

وكانت (المعرة) محط أنظاره لأنها مسقط رأس أبى العلاء صاحب الذكرى وقد أعطت سياقات ورود المعرة تداعيات وذكريات عن المعرى فى حياته ومماته ، وقد تفهم المازنى كثيرا من سلوكيات المعرى عند ما رأى الحياة فى المعرة ، وقد أشار إلى (الأكل العلائى) ولذلك كانت الرحلة مفيدة من عدة زوايا منها زاوية المكان وما يوحى به ، وما يراه المازنى فيه بالعين المعاصرة.
والزمان الضيق المحدد بعدة أيام فى المؤتمر وعدة أيام قبله وبعده حصر المازنى وجعله محددا بحواسه بما رآه وبما استمع إليه وما أحسه ولكن لأن كتابة الرحلة تمت بعد عودته إلى القاهرة فقد استسلم كعادته إلى الحكايات الفرعية التى تمثل استطرادا يفيد الصورة العامة لكتابه ومن ثم فتحت هذه الاستطرادات للزمن فتحات للماضى والحاضر والمستقبل فقد اختار هو قالب المقال القصصى ليكتب من خلاله صياغته للرحلة وجاءت ـ من هنا ـ التقسيمات المتعددة والكثيرة لرحلة الشام لتتناسب مع نشرها كسلسلة من المقالات فى مجلة البلاغ ، ولكنه حين جمعها فى مخطوطة واحدة راعى التسلسل الزمنى فى معظمها ولكنه كان يضيف بعض الوحدات والمشاهد ليضمن أنه أرضى كل الأطراف وتحدث عن العلاقات الإنسانية بشكل يتوازن مع حديثه النقدى فى المؤتمر والمتمثل فى بحثه عن أبى العلاء.
ويتضح هذا التوجه المتوازن بين العلاقة الإنسانية والعلاقة النقدية عند مراجعة ما كتبناه بعد نهاية نص كتاب رحلة الشام أعنى التعريف بالشخصيات المهمة والفهرست التفصيلى لموضوعات الرحلة.

(4)
لهذا خصص المازنى المقدمة لبيان أهمية العلاقات العربية ، وخاصة علاقة مصر بشقيقاتها العربيات ، ، ثم جعل الوحدة الأولى لبيان أسباب السفر ودواعيه وكيفية اختيار موضوع البحث وخطورة المشاركة مع هذه الكوكبة من المثقفين والعلماء والأدباء ، وهم أعلام فى تخصصاتهم وأوطانهم على نحو ما بين فى مقدمة ثبت التعريف بالشخصيات وفى الوحدة الثانية كما لابد أن يتعرض لطريق السفر وطريقتهم فلم يترك تفصيلة إلا ذكرها داخل المطار والطائرة وما صادفه فى طريقه إلى القدس من صعوبات لم تمكنه من دخول المدينة المقدسة رغم نزوله فى منطقة (اللد) فى مطار المزة) وتنتهى الوحدة الثانية بوصوله متعبا إلى دمشق لينزل بالفندق المخصص لأعضاء المؤتمر.
وخصص الوحدة الثالثة لليوم الأول من الزيارة ، وهو يوم التحضير للمؤتمر ومن هنا كان تعريجه على موضوعات خارج مبنى الفندق حيث خرج إلى الشارع ليرى الحياة السورية اليومية فى واقعها وهذا ما دعاه للتعرض لغلاء السلع والخدمات فى سوريا آنذاك وكغيره من (الرحالة) قارن بين الحياة الاقتصادية السورية والمصرية.
ويكمل فى الوحدة الرابعة ثلاث زيارات مهمة" لنزهة العراقية" ، " فخرى" وخلطها بحادثة عزف" لسامى الشوا" فى شوارع دمشق وشهرة سامى الشوا آنذاك لم تحتج لتوضيحات عنه ، ولكنها ساعدت فى أمرين :

الحديث عن عازف مصرى ، ومطربة عراقية هواة الموسيقى والغناء السوريين كما ساعدت فى بيان استمرار زيارات الفنانين للبلاد العربية ولسوريا والعراق بخاصة فى الزمن البعيد عنا بنصف قرن وتأتى الوحدة الخامسة ليخرج فيها المازنى من دمشق كلها ليرى مصايف سوريا.
ثم يعود فى الوحدة نفسها ليصور الزيارات الرسمية التى قام بها وفد المؤتمر وفيه الوفد المصرى بالضرورة وهنا انتهز الفرصة لبيان حفاوة المجلس النيابى السورى ومجلس الوزراء السورى بالوفد المصرى بخاصة.
ولم ينس فى هذه الوحدة أن يحتفى هو بطه حسين وأحمد أمين ، وأحمد الشايب وبقية الوفد الرسمى لمصر وأن يتعرض بالثناء لقائد سوريا شكرى القوتلى ورفاقه السوريين مما جعل هذه الوحدة (الخامسة) صورة مشرقة للعلاقات الثقافية النبيلة ، سواء أكانت المصرية المصرية أو العربية العربية أو المصرية العربية.
وتبدأ وقائع المؤتمر فى الوحدة السادسة حيث صور المازنى ما تم فى الجلسة الافتتاحية مركزا على بساطة وحياء المثقفين العرب جميعا مثقفين وصحافيين وساسة ، ولم ينس المازنى أن يذكر تفصيلات مهمة عن بعض هؤلاء المشاركين.
واستغرقت الوحدة السابعة فى الأكلة العلائية وطريقة الوصول إلى المعرة والمبيت فى حلب بعد مغامرات صعبة فى الطريق وقد وصف المازنى الطريق وما صادفه فيه ، وأكمل الوصف فى الوحدة الثامنة حيث خرج مع بعض أصدقائه إلى الحدود الفلسطينية ليلقى

أحاديث فى محطة إذاعة الشرق الأدنى ولكنه عاد دون أن يدخل بسبب منع الأمن العام له ، مما جعله يعود إلى دمشق ومنها وبمساعدة القنصل الإنجليزى ـ استقل الطائرة إلى مصر وهنا يتضح أن المازنى يعرج فى الزمن ولا يسير به فى خط مستقيم لأنه سيعود مرة أخرى وفى الوحدة التاسعة إلى وصف زيارته للدكتور بشر فارس فى شتورة واستماع قصيدة لعمر أبى ريشة والتعرض لموضوع الحدود بين سوريا ولبنان.
ونراه فى الوحدة العاشرة وقد عاد مرة أخرى إلى حديث الصحافة والأحزاب وحديث زيارة فلسطين من خلال حدودها مع سوريا وواضح أن التكرار وارد من مسألتين الأولى : الاستطراد والتداعى ، الثانية : تقنية المقالة القصصية. ويخصص المازنى الوحدة الحادية عشرة للحديث عن الأمير مصطفى الشهابى ومحافظة اللاذقية وقد أعطاه المازنى مساحة كبيرة من الاهتمام ودائما ما يؤثر المازنى وصف الطريق بين المحافظات ووعورتها.
كما يخصص المازنى الوحدة الثانية عشرة لحادث جزئى حدث خارج المؤتمر وأعنى به التقاء المازنى والجابرى اللذين تباريا فى النسيان ، مما أتاح الفرصة للمازنى ليكمل حديثه عن ظاهرة النسيان فى حياته كما يعود فى الوحدة الثالثة عشرة للحديث عن فخرى البارودى ومدينة حلب وقلعتها حلب كما عاد للحديث عن الغناء بذكر واقعتين الأولى مع سليمى باشى والثانية فى بيته القديم بحى الصليبية وقد خصص الوحدة الخامسة عشرة لبدوى الجبل شاعر سوريا.
ويعود فى الوحدة السادسة عشرة للحديث عن نضال" شكرى القوتلى" وحكايته مع قدرى بك ويعود فى الوحدة السابعة عشرة إلى

الحديث عن صحافة الشام ، واللغة العربية وروح العربية فى لغة الصحافة المصرية والشامية وينتهى فى الحلقة الأخيرة إلى ما بدأ به فيصف قاعة الاحتفالات بالجامعة السورية مختتما ، بحديث مهم عن سفور المرآة وحجابها.
وواضح أننا استخدمنا لفظة (ويعود) كثيرا لأنها أصبحت سمة للنصف الثانى من رحلة الشام ، وكأن المازنى يكتب وينسى أو يكتب ليحور ويضيف ما يمكن أن يساعد فى رسم الصورة الحقيقية للشام وللمؤتمر وإنه إلحاح يشير إلى أهمية المواضيع التى يعود إليها كثيرا.
وواضح أيضا أن المازنى لا يكتفى بالرد والإخبار بل يعمد ـ أحيانا ـ لإثارة القضايا والتساؤلات حول بعض المواقف أو الشخصيات وأحيانا يناقش قضايا نظرية بسبب مشهد رآه أو لا حظه وهو ـ على أية حال ـ يظهر محبا للشام ولفلسطين بخاصة ، محبا لبلاده ولتراثه ، فلم نر فى هذه الرحلة ذما أو هجوما على أحد ، اللهم إلا على الأمن العام فى فلسطين تحت الانتداب.
هوامش الفصل الثانى
(1) ـ حسنى محمود حسين ، أدب الرحلة عند العرب دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع بيروت الطبعة الثانية 1983. ص 41 ـ 15.
(2) ـ أمين الريحانى قلب لبنان دار الكتاب اللبنانى بيروت الطبعة الخامسة 1975. ج 1 ص 13.


قائمة المراجع
المراجع العربية :
1 ـ ابن بطوطة ـ رحلة ابن بطوطة ـ دار الكتاب اللبنانى ، مقدمة مهذب رحلة ابن بطوطة للمرحومين أحمد العوامرى ، ومحمد أحمد جاد المولى.
2 ـ ابن حبير ، رحلة ابن حبير ـ دار الكتاب اللبنانى ، مقدمة محمد مصطفى زيادة ، بدون.
3 ـ أبو تمام ، ديوان أبى تمام ، ج 2 ، دار المعارف القاهرة ، 1983.
4 ـ امرئ القيس ، ديوان امرئ القيس تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، دار المعارف ج 1. الرابعة.
5 ـ أمين الريحانى ، قلب لبنان ، دار الكتاب اللبنانى ، بيروت ، ط 1 ، 1975
6 ـ توفيق الحكيم ، يا طالع الشجرة ، مكتبة الآداب ، 1976.

7 ـ حسنى محمود حسين ، أدب الرحلة عند العرب ، دار الأندلس بيروت ط 2 ، 1983.
8 ـ حسن محمد فهيم ، أدب الرحلات ، سلسلة عالم المعرفة ، رقم (138) الكويت يونيو 1989.
9 ـ سيد حامد النساج ، مشوار كتب الرحلة ، مكتبة غريب ـ 1992. شوقى عبد القوى عثمان تجارة المحيط الهندى فى عصر السيادة الإسلامية ـ (41 ـ 904 ه‍) (661 ـ 1498 م) سلسلة عالم المعرفة (151) الكويت يوليو 1990.
10 ـ شوقى ضيف الرحلات ، دار المعارف ، القاهرة الطبعة الرابعة 1978.
11 ـ عبد المحسن صالح : التنبؤ العلمى ومستقبل الإنسان ، سلسلة عالم المعرفة ، الكويت ، ديسمبر 1981.
12 ـ عمرو بن كلثوم ، المعلقة ، فى شرح القصائد التسع المشهورات لأبى جعفر النحاس ، تحقيق أحمد خطاب القسم الثانى وزارة الإعلام بغداد ، 1973.
13 ـ فؤاد زكريا ، التفكير العلمى ، سلسلة عالم المعرفة ، عدد مارس 1978.
14 ـ قاسم عبده قاسم ، ماهية الحروب الصليبية ، سلسلة عالم المعرفة ـ الكويت رقم (149) مايو ـ 1990.
15 ـ ياسين إبراهيم على الجعفرى" اليعقوبى" المؤرخ والجغرافى سلسلة دراسات رقم" 213" منشورات وزارة الثقافة والإعلام بغداد ، 1980.

المراجع المترجمة إلى العربية.
1 ـ إيان واط ، نشوء الرواية ، ترجمة عبد الكريم محفوظ ، منشورات وزارة الثقافة سوريا ـ 1991.
2 ـ بوندار يفسكى ، الغرب ضد العالم الإسلامى ، من الحملات الصليبية حتى أيامنا ـ ترجمة إلياس شاهين دار التقدم ـ الاتحاد السوفيتى ـ موسكو ـ الطبعة الأولى 1980. خلدوف ، الثقافة الكتبية ، دراسات فى تاريخ الثقافة العربية ، ترجمة موسكو 1990.
3 ـ روبير اسكاربيت ، سوسيولوجيا الأدب ، ترجمة آمال أنطون عرمونى ، منشورات عويدات بيروت باريس الطبعة الثانية 1983.
4 ـ سكيز ، تكنولوجيا السلوك الإنسانى ترجمة عبد القادر يوسف سلسلة عالم المعرفة عدد أغسطس ـ 1980.
5 ـ شوموفسكى : الإبحار العربى ، ضمن كتاب دراسات فى تاريخ الثقافة العربية القرون (5 ـ 15 ه‍) رجمة ايمن أبو شعر ، دار التقدم ، موسكو 1989.
الدوريات
1 ـ عصام بهى رواية الخيال العلمى ، مجلة فصول ، عدد سبتمبر ـ 1984.
2 ـ رؤوف وصفى ، أدب الخيال العلمى ، مجلة آفاق عربية بغداد ، عدد يناير ـ 1984 م.

3 ـ مجلة الجديد الصادرة فى : (1 فبراير) 15 مارس) (15 ـ 1 أبريل) ، (15 مايو) (15 يوليو) (15 أغسطس) عام 1974.
4 ـ مجلة مجمع اللغة العربية فى ثلاثين عاما ، ج 2 ، كتاب تذكارى أصدره مجمع اللغة العربية بالقاهرة.
5 ـ محمد حافظ دياب ،
6 ـ سوسيولوجيا الأدب ، مجلة المنار ، العدد 57.
المعاجم
1 ـ ابن منظور المصرى ، لسان العرب ج 3 ، دار المعارف.
2 ـ يوسف اسعد داغر ، مصادر الدراسة الأدبية ، دار صادر ، بيروت 1965.
3 ـ ببليوجرافيا حمدى السكوت ، ومارسدن جونز ، أعلام الأدب المعاصر فى مصر ج 2 ، إبراهيم عبد القادر المازنى ، قسم النشر بالجامعة الأمريكية بالقاهرة دار الكتاب اللبنانى بيروت ، ط 2 ، 1987.
المراجع الأجنبية
1 ـ Jeanduvijnoud,sociolojiedeLartprersesuniversitairedefrance, 7691.

إبراهيم عبد القادر المازنى
(1889 ـ 1949 م)
ولد إبراهيم عبد القادر المازنى عام 1889 بالقاهرة.
حصل على شهادته العالية من مدرسة المعلمين العليا سنة 1909 م.
عمل بالتدريس فى المدارس الحكومية والأهلية.
عكف على دراسة الأدب العربى. ثم أقبل على الأدب الإنجليزى واستطاع من خلاله الأطلاع على آداب الغرب.
عمل بالصحافة المصرية منذ أوائل القرن العشرين حتى وفاته عام 1949 م.
اختير عضوا فى جميع اللغة العربية قبل وفاته بعامين تقريبا.
ـ أهم مؤلفات المازنى :
أولا : الشعر :
ـ ديوان المازنى.

ثانيا : كتب النقد :
ـ شعر حافظ.
ـ الشعر غاياته ووسائطه.
ـ حصاد الهشيم.
ـ قبض الريح.
ـ رحلة الحجاز.
ـ قصة حياة.
ـ بشار بن برد.
ثالثا : الروايات والمسرحيات والقصص.
ـ إبراهيم الكاتب.
ـ إبراهيم الثانى.
ـ ثلاثة رجال وامرأة.
ـ عود على بدء.
ـ ميدو وشركاه.
ـ غريزة المرأة أو حكم الطاعة.
ـ صندوق الدنيا.
ـ خيوط العنكبوت.
ـ فى الطريق.
ـ ع الماشى.
ـ من النافذة.
ـ أحاديث المازنى.
ـ مختارات من أدب المازنى.

ـ سبيل الحياة.
ـ مجموعة قصص لم تنشر من قبل.
رابعا : الأعمال المترجمة :
وهى أعمال كثيرة بعضها أدبى وبعضها قضائى وعسكرى ، ، هى :
ـ ابن الطبيعة (أزبياشيف).
ـ الكتاب الأبيض (وثائق تصريح 28 فبراير 1922).
ـ مختارات من الأدب الإنجليزى.
ـ جريمة اللورد سافيل (أوسكار وايلد).
ـ حكم المقصلة (روفائيل ساباتينى).
ـ الآباء والبنون (تور جنيف).
ـ آلن كوترمين (ريد حجرد).
ـ مدرسة الوشايات (شريدابد).
خامسا : مقالات وأعمال فى دوريا.
ـ السياسة المصرية بين الحربين العالميتين.
ـ قضية فلسطين.
ـ فى النقد النظرى.
ـ فى النقد التطبيقى.
ـ شخصيات فى الأدب والسياسة.
ـ مشكلات وقضايا يومية.
ـ الثقافة والتعليم والإعلام فى مصر.
ـ شعراء العرب فى العصر العباسى.
ـ السيرة الذاتية للمازنى.

الفهرس
شكر وتقدير............................................ ...................... 5
بين يدى القارئ ـ رحلة الشام............................................. ...... 7
تصدير............................................. ........................ 13
لماذا هذه الطبعة (حول نص الرحلة وطريقة تحقيقها).............................. 19
القسم الأول :
أصول أدب الرحلة وتحولاته.......................................... .......... 25
الفصل الأول : الرحلة تاريخا وجغرافيا ولغة....................................... 29
دلالات المصطلح........................................... ................. 47
هوامش الفصل الأول............................................. ............ 57
الفصل الثانى : الخصائص الفنية لأدب الرحلة................................... 59
هوامش الفصل الثانى............................................ ............. 71
الدراسة التحليلية لرحلة الشام............................................. ..... 73
مقدمة الرحلة كما وضعها المازنى........................................... ..... 75
تكليف المازنى بالسفر (كيف اختار موضوع البحث)............................. 79
الطائرة والمطار والركاب........................................... ............. 83
محطة القدس............................................. ................... 85

وصف الحياة فى دمشق.............................................. ......... 89
حكاية سامى الشوا............................................. ............. 93
حكاية نزهة العراقية.......................................... ................ 95
حكاية فخرى البارودى.......................................... ............. 97
مصايف سوريا............................................. .................. 99
أربعة وأربعون عضوا فى المؤتمر........................................... ...... 105
أكلة علائية............................................ ................... 111
الأمن العام فى فلسطين ضد المازنى........................................... . 121
الصحافة والأحزاب.......................................... ............... 129
حديث عن النفس............................................. ............ 137
مدينة حلب............................................... ................ 143
تواضع الساسة السوريين.......................................... ........... 149
حديث عن بدوى الجبل............................................. ........ 155
عودة لنضال شكرى القوتلى........................................... ...... 161
حديث عن صحافة الشام............................................. ...... 165
ثبت تعريف بالأعلام الواردة فى هذا الكتاب................................... 175
مقدمة حول أهمية التواصل مع هؤلاء الأعلام................................... 177
ثبت تعريف بواحد وخمسين عالما............................................. 185
ثبت الأعلام كما وردت فى رحلة الشام........................................ 211
فهرست تفصيلى للأفكار والموضوعات........................................ 214
الفصل الثانى : تحليل مضمون الرحلة......................................... 217
قائمة المراجع........................................... .................... 233
تعريف بالمؤلف........................................... ................. 237
__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
أيتام, الرحلات, العشرين, القرن

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
شتاينماير: مع تنصيب ترامب عالم القرن العشرين انتهى إلى الأبد Eng.Jordan أخبار عربية وعالمية 0 01-22-2017 01:26 PM
الرافعي والعقاد أعنف المعارك الأدبية في القرن العشرين Eng.Jordan أخبار ومختارات أدبية 0 05-23-2014 12:10 PM
الرافعي والعقاد أعنف المعارك الأدبية في القرن العشرين Eng.Jordan أخبار ومختارات أدبية 0 02-06-2014 02:23 PM
علـم النفــس في القرن العشرين Eng.Jordan بحوث ودراسات تربوية واجتماعية 3 12-26-2013 12:26 PM
ملامح الآداب الغربية في النصف الثاني من القرن العشرين Eng.Jordan أخبار ومختارات أدبية 0 02-19-2012 10:59 AM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 01:42 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات