تذكرني !

 





كتب ومراجع إلكترونية عرض وتحميل الكتب الإلكترونية ebooks

أسباب فتح القسطنطينية

المبحث الرابع أسباب فتح القسطنطينية الدكتور علي الصلابي صفحات من التاريخ الاسلامي في الشمال الأفريقي إن فتح المسلمين للقسطنطينية لم يأتي من فراغ وإنما

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 04-16-2017, 02:30 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 22,072
افتراضي أسباب فتح القسطنطينية

  انشر الموضوع

المبحث الرابع
أسباب فتح القسطنطينية

الدكتور علي الصلابي
صفحات من التاريخ الاسلامي في الشمال الأفريقي


إن فتح المسلمين للقسطنطينية لم يأتي من فراغ وإنما هو نتيجة لجهود تراكمية قام بها المسلمون منذ العصور الأولى للإسلام رغبة من تلك الأجيال في تحقيق بشارة رسول الله r وزاد الاهتمام بفتح القسطنطينية مع ظهور دولة بني عثمان ونلاحظ أن سلاطين الدولة العثمانية كانوا أصحاب فقه عميق لسنة الأخذ بالأسباب ومارس محمد الفاتح ذلك الفقه ويظهر ذلك من خلال سيرته الجهادية وحرصه على العمل بقوله تعالى: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ... } ( سورة الأنفال، آية: 60).
لقد فهم محمد الفاتح من هذه الآية أن أمر التمكين لهذا الدين يحتاج إلى جميع أنواع القوى، على اختلافها وتنوعها، ولقد قام بشرح هذه الآية شرحاً عملياً في جهاده الميمون فقام بحشد جيش عظيم لحصار القسطنطينية ولم يتوانا في *** كل سلاح معروف في زمانه من مدافع، وفرسان، ورماة .. الخ
ولقد كان الجيش الذي حاصر القسطنطينية بقيادة محمد الفاتح قد أعد إعداداً ربانياً فتربى على معاني الإيمان والتقوى، وتحمل الأمانة وأداء الرسالة المنوطة به ولقد تربى على معاني العقيدة الصحيحة وأشرف العلماء الربانيون على تلك التربية ولقد جعلوا من كتاب الله تعالى وسنة نبيه منهجاً لهم في تربية الأفراد، فكانوا يربونهم على:
1- إن الله تعالى واحد لاشريك له، ولم يتخذ صاحبة ولا ولداً وأنه منزه عن النقائص، وموصوف بالكمالات التي لاتتناهى.
2- وأنه سبحانه خالق كل شيء، ومالكه، ومدبر أمره { ألا له الخلق والأمر} ( سورة الأعراف: 54 ).
3- وأنه سبحانه وتعالى مصدر كل نعمة في هذا الوجود، دقت أو عظمت، ظهرت أو خفيت { وما بكم من نعمة فمن الله } ( سورة النحل: 53 ).
4- وأن علمه محيط بكل شيء، فلا تخفى عليه خافية في الأرض، ولا في السماء، ومالا يخفى الإنسان ومالا يعلن: { وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً} ( سورة الطلاق: 12).
5- وأنه سبحانه يقيد على الإنسان أعماله بواسطة ملائكته، في كتاب لايترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وسينشر ذلك في اللحظة المناسبة والوقت المناسب { مايلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } ( سورة ق: 8 ).
6- وأنه سبحانه يبتلي عباده بأمور تخالف مايحبون، وما يهوون، ليعرف الناس معادنهم، من منهم يرضى بقضاء الله وقدره، ويسلم له ظاهراً وباطناً، فيكون جديراً بالخلافة والإمامة والسيادة، ومن منهم يغضب ويسخط فلا يساوي شيئاً ولايسند إليه شيء : { الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً } ( سورة الملك: 2 ).
7- وأنه سبحانه يوفق ويؤيد وينصر من لجأ إليه، ولاذ بحماه ونزل على حكمه في كل ما يأتي وما يذر : { إن وليِّ الله الذي نزل الكتاب، وهو يتولى الصالحين } ( سورة الأعراف: 196 ).
8- وأنه سبحانه وتعالى حقه على العباد أن يعبدوه، ويوحدوه، فلا يشركوا به شيئاً: { بل الله فاعبد وكن من الشاكرين } ( سورة الزمر: 16 ).
9- وأنه سبحانه - حدد مضمون هذه العبودية، وهذا التوحيد في القرآن العظيم.
ولقد نهج علماء الدولة العثمانية منهج الرسول r في تربية الأفراد والجنود على حقيقة المصير وسبيل النجاة وركزوا في البيان على الجوانب التالية:
1- إن هذه الحياة مهما طالت فهي إلى زوال، وأن متاعها مهما عظم، فإنه قليل حقير : { إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض، مما يأكل الناس والأنعام، حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت، وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس، كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون } ( سورة يونس: 24 ). {قل متاع الدنيا قليل } ( النساء: 77 ).
2- وأن كل الخلق إلى الله راجعون، وعن أعمالهم مسؤولون ومحاسبون وفي الجنة أو في النار مستقرون: { أيحسب الإنسان أن يترك سدى } (القيامة:36).
3- وأن نعيم الجنة ينسي كل تعب ومرارة في الدنيا، وكذلك عذاب النار ينسي كل راحة وحلاوة في هذه الدنيا : { أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون، ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون } ( سورة الشعراء:
205-207 ).

4- وأن الناس مع زوال الدنيا، واستقرارهم في الجنة، أو في النار، سيمرون بسلسلة طويلة من الأهوال والشدائد: { يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم، يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد..} ( سورة الحج: 1-2 ). وقال تعالى : { فكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً، السماء منفطر به كان وعده مفعولا } ( سورة المزمل: 17-18 ).
5- وسبيل النجاة من شر هذه الأهوال، ومن تلك الشدائد، والظفر بالجنة والبعد عن النار([1]) ، بالإيمان بالله تعالى وعمل الصالحات ابتغاء مرضاته: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير} ( سورة البروج: 11 ).
ومضى العلماء الربانيون في الدولة العثمانية على منهج الرسول r في تبصير الأفراد والجنود والقادة والشعب بدورهم ورسالتهم في الأرض، ومنزلتهم ومكانتهم عند الله وظلوا على هذه الحال من التبصير والتذكير حتى انقدح في ذهنهم، مالهم عند الله، ومادورهم ورسالتهم في الأرض، وتأثراً بهذه التربية الحميدة تولدت الحماسة والعزيمة في نفوس الأفراد والجنود والقادة فهذا محمد الفاتح نفسه الذي تربى على هذا المنهج يفتخر بهذه المعاني والقيم في أشعاره فنجده يقول:
وحماسي: بذل الجهد لخدمة ديني، دين الله
عزمي: أن أقهر أهل الكفر جميعاً بجنودي: جند الله
وتفكيري: منصب على الفتح، على النصر على الفوز، بلطف الله
جهادي: بالنفس وبالمال، فماذا في الدنيا بعد الامتثال لأمر الله
وأشواقي: الغزو الغزو مئات الآلاف من المرات لوجه الله
رجائي: في نصر الله. وسمو الدولة على أعداء الله([2]).
وعندما أراد السلطان محمد فتح مدينة طرابزون وكان حاكمها نصراني وكان يريد أن يباغتها على غرة، فأعد العدة، واستصحب معه عدداً كبيراً من العمال المتخصصين في قطع الأشجار وتعبيد الطرق. وقد صادف الفاتح في طريقه بعض الجبال العالية الوعرة فترجل عن فرسه وتسلقها على يديه ورجيله كسائر الجند (وكانت معه والدة حسن اوزون زعيم التركمان جاءت للإصلاح بين السلطان محمد وابنها) فقالت له: (فيم تشقى كل هذا الشقاء يابني وتتكبد كل هذا العناء، هل تستحق طرابزون كل هذا؟ ) .. فأجاب الفاتح: ياأماه ، إن الله قد وضع هذا السيف في يدي لأجاهد به في سبيله، فإذا أنا لم أتحمل هذه المتاعب وأؤد بهذا السيف حقه فلن أكون جديراً بلقب الغازي الذي احمله وكيف القى الله بعد ذلك يوم القيامة؟ ([3]) وهكذا كان معظم الجنود والقادة بسبب تربيتهم الايمانية العميقة.
لقد كان جيش محمد الفاتح في حصار القسطنطينية على جانب عظيم من التمسك بالعقيدة الصحيحة، والعبادات وإقامة شعائر الدين والخضوع لله رب العالمين([4]).
لقد ذكر المؤرخون أسباب كثيرة في فتح القسطنطنية، كضعف الدولة البيزنطية، والصراعات العقدية بداخلها، والتآكل الداخلي للدول الأوروبية بسبب القتال الذي نشأ بين الدول الأوروبية لعقود طويلة وغير ذلك من الاسباب.
أثر تحكيم شرع الله تعالى على الدولة العثمانية في زمن السلطان محمد الفاتح:
إن التأمل في كتاب الله وسنة رسوله r وفي حياة الأمم والشعوب تكسب العبد معرفة اصيلة بأثر سنن الله في الأنفس والكون والآفاق، وكتاب الله تعالى مليء بسننه وقوانينه المبثوثة في المجتمعات والدول والشعوب قال تعالى: {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم} (سورة النساء: آية 26).
وسنن الله تتضح بالتدبر في كتاب الله وفميا صح عن رسول الله r، فقد كان r يقتنص الفرص ويستفيد من الأحداث ليرشد أصحابه الى شيء من السنن ، ومن ذلك أن ناقته عليه الصلاة والسلام "العضباء" كانت لا تُسبق، فحدث مرة أن سبقها أعرابي على قعود له، فشق ذلك على أصحاب النبي r فقال لهم عليه الصلاة والسلام كاشفاً عن سنة من سنن الله : (حق على الله أن لا يرفع شيء من الدنيا إلا وضعه) ([5]).
وقد أرشدنا كتاب الله الى تتبع آثار السنن في الأمكنة بالسعي والسَيْر، وفي الأزمنة من التاريخ والسير قال تعالى: {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين} (سورة آل عمران: آية 137-138).
وأرشدنا القرآن الكريم الى معرفة السنن بالنظر والتفكر قال تعالى : {قل أنظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لايؤمنون، فهل ينظرون إلا مثل أيام الذين خلو من قبلهم، قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين} (سورة يونس: الآيات 101-102).
ومن خلال آيات القرآن يظهر لنا أن السنن الإلهية تختص بخصائص:
أولاً: إنها قدر سابق:
قال تعالى: {ماكان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدراً مقدوراً} (سورة الأحزاب: آية 38).
أي أن حكم الله تعالى وأمره الذي يقدره كائن لامحالة، وواقع لاحياد عنه، ولا معدل فيما شاء وكان ومالم يشأ لم يكن .
ثانياً: أنها لاتتحول ولاتتبدل :
قال تعالى : {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم، ثم لايجاورنك فيها إلا قليلاً، ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقيلاً، سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} (سورة الأحزاب: الآيات 22-23، 60-62).
وقال تعالى: {ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لايجدون ولياً ولا نصيراً سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً} (سورة الفتح: الآية 22،23).

ثالثاً: إنها ماضية لا تتوقف:
قال تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ماقد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين } ( سورة غافر: الآيات 82-85).
رابعاً: أنها لاتخالف ولا تنفع مخالفتها:
قال تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، كانوا أكثر منهم وأشد قوة وأثاراً في الأرض، فما أغنى عنهم ماكانوا يكسبون فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ماكانوا به يستهزئون، فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين، فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده، وخسر هنالك الكافرون} (سورة غافر: الآيات 82-85).
خامساً: لاينتفع بها المعاندون ولكن يتعظ بها المتقون :
قال تعالى: {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين} (سورة آل عمران : الآيات 137-138).
سادساً: إنها تسري على البر والفاجر:
فالمؤمنون والأنبياء أعلاهم قدراً تسري عليهم سنن الله ولله سنن جارية تتعلق بالآثار المترتبة على من امتثل أمر الله أو أعرض عنه وبما أن العثمانيين ألتزموا بشرع الله في كافة شؤونهم ومروا بمراحل طبيعية في حياة الدول فإن أثر حكم الله فيهم واضح بيّن:
وللحكم بما أنزل الله آثار دنيوية وآخرى أخروية أما الآثار الدنيوية التي ظهرت لي من خلال دراستي للدولة العثمانية فإنها:
أولاً: الاستخلاف والتمكين:
حيث نجد العثمانيين منذ زعيمهم الأول عثمان حتى محمد الفاتح ومن بعده حرصوا على إقامة شعائر الله على أنفسم وأهليهم وأخلصوا لله في تحاكمهم الى شرعه، فالله سبحانه وتعالى قواهم وشد أزرهم واستخلفهم في الأرض وأقام العثمانيون شريعة الله في الأرض التي حكموها، فمكن لهم المولى عز وجل الملك ووطأ لهم السلطان.
وهذه سنة ربانية نافذة لاتتبدل في الشعوب والأمم التي تسعى جاهدة لإقامة شرع الله.
وقد خاطب تعالى المؤمنين من هذه الأمة واعداً إياهم بما وعد به المؤمين قبلهم، فقال سبحانه في سورة النور : {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض (بدلاً من الكفار) كما استخلف الذين من قبلهم} من بني أسرائيل([6]).
ولقد حقق العثمانيون الإيمان وتحاكموا الى شريعة الرحمن، فأتتهم ثمرة ذلك واثره الباقي {وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم} فحققوا التحاكم الى الدين، فتحقق لهم التمكين.
ثانياً: الأمن والأستقرار:
كانت بلاد آسيا الصغرى مضطربة وكثرت فيها الإمارات المتنازعة ، وبعدأن أكرم الله تعالى العثمانيين بتوحيد تلك الإمارات وتوجيهها نحو الجهاد في سبيل الله تعالى يسر الله للدولة العثمانية الأمن والاستقرار في تلك الربوع التي حكم فيها شرع الله.
حيث نجد أن الدولة العثمانية بعد أن استخلفت مكن الله لها وأعطاها دواعي الأمن وأسباب الاستقرار حتى تحافظ على مكانتها وهذه سنة جارية ماضية ضمن الله لأهل الايمان والعمل بشرعه وحكمه أن ييسر لهم الأمن الذي ينشدون في أنفسهم وواقعهم ، فبيده سبحانه مقاليد الأمور، وتصريف الأقدار، وهو مقلب القلوب ، والله يهب الأمن المطلق لمن استقام على التوحيد وتطهر من الشرك بأنواعه قال تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} (سورة الأنعام: آية ) فنفوسهم في أمن من المخاوف ومن العذاب والشقاء إذا خلصت لله من الشرك، صغيره وكبيره ، إن تحكيم شرع الله فيه راحة للنفوس لكونها تمس عدل الله ورحمته وحكمته.
إن الله تعالى بعد أن وعد المؤمنين بالاستخلاف ثم التمكين لم يحرمهم بعد ذلك من التأمين، والتطمين والبعد عن الخوف والفزع.
إن العثمانيين عندما حققوا العبودية لله ونبذوا الشرك بأنواعه حقق الله لهم الأمن في النفوس على مستوى الشعب والدولة.
ثالثا: النصر والفتح:
إن العثمانيين حرصوا على نصرة دين الله بكل مايملكون وتحققت فيهم سنة الله في نصرته لمن ينصره لأن الله ضمن لمن استقام على شرعه أن ينصره على أعدائه بعزته وقوته قال تعالى: {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ` الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} (سورة الحج: آية ).
(وما حدث قط في تاريخ البشرية أن استقامت جماعة على هدى الله إلا منحها القوة والمنعة والسيادة في نهاية المطاف ... إن الكثيرين ليشفقونا من اتباع شريعة الله والسير على هداه يشفقون من عداوة أعداء الله ومكرهم ويشفقون من تألب الخصوم عليهم ويشفقون من المضايقات الاقتصادية وغير الاقتصادية ، وإن هي إلا أوهام كأوهام قريش يوم قالت لرسل الله r: {إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا} (سورة القصص: آية 57)، فلما اتبعت هدى الله سيطرت على مشارق الأرض ومغاربها في ربع قرن أو أقل من الزمان)([7]).
إن الله تعالى أيد العثمانيين على الأعداء ومنّ عليهم بالفتح، فتح الأراضي وإخضاعها لحكم الله تعالى، وفتح القلوب هدايتها لدين الإسلام.
إن العثمانيين عندما استجابوا وانقادوا لشريعة الله ***ت لهم الفتح، واستنـزلت عليهم نصر الله.
إن الشعوب الاسلامية التي تبتعد عن شريعة الله تذل نفسها في الدنيا والآخرة.
إن مسؤولية الحكام والقضاة والعلماء والدعاة في الدعوة الى تحكيم شرع الله مسؤولية عظيمة يسألون عنها يوم القيامة أمام الله: (إذا حكم ولاة الأمر بغير ما أنزل الله، وقع بأسهم بينهم..وهذا أعظم أسباب تغير الدول كما جرى هذا مرة بعد مرة في زماننا وغير زماننا ومن أراد الله سعادته جعله يعتبر بما أصاب غيره)، فيسلك مسلك من أيده الله ونصره ويجتنب مسلك من خذله الله وأهانه؛ فإن الله يقول في كتابه : { ولينصرنّ الله من ينصره إن الله لقوي عزيز} الى قوله تعالى: {ولله عاقبة الأمور}([8]) فقد وعد الله بنصره من ينصره ونصره هو نصر كتابه ودينه ورسوله، لانصر من يحكم بغير ماأنزل الله ويتكلم بما لا يعلم)([9]).
رابعاً: العز والشرف:
إن عز العثمانيين وشرفهم العظيم الذي سطر في كتب التاريخ يرجع الى تمسكهم بكتاب الله وسنة رسوله r؛ إن من يعتز بالانتساب لكتاب الله وسنة رسوله r الذي به تشرف الأمة وبه يعلو ذكرها ، وضع رجله على الطريق الصحيح وأصاب سنة الله الجارية في إعزاز وتشريف من يتمسك بكتابه وسنة رسوله r قال تعالى: {لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم أفلا تعقلون} (سورة الأنبياء : الآية 10).
قال ابن عباس -رضي الله عنهما- في تفسير هذه الآية : (فيه شرفكم)([10]) إن العثمانيين استمدوا شرفهم وعزهم من استمساكهم بأحكام الاسلام، كما قال عمر بن الخطاب t : (إنا كنّا أذل قوم ، فأعزنا الله بالاسلام، فمهما نطلب العز بغير ماأعزنا الله أذلنا الله)([11])، فعمر t كشف لنا بكلماته عن حقيقة الارتباط بين حال الأمة عزى وذُلاً، مع موقفها من الشريعة إقبالاً وإدباراً، فما عزت في يوم بغير دين الله، ولا ذلت في يومٍ إلا بالإنحراف عنه قال تعالى: {من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً} (سورة فاطر: الآية 10) يعني من طلب العزة فيلعتز بطاعة الله عز وجل([12]).
وقال تعالى: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين، ولكن المنافقين لايعلمون} (سورة المنافقين: الآية 8).
إن سيرة سلاطين العثمانيين من أمثال عثمان الأول، ومراد، ومحمد الفاتح تبين لنا أعتزازهم بالاسلام وحبهم للقرآن واستعدادهم للموت في سبيل الله، ولقد عاشوا في بركة من العيش ورغد من الحياة الطيبة وما نالوا ذلك إلا بإقامة دين الله قال تعالى : {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون} (سورة الاعراف: آية 96).
خامساً: انتشار الفضائل وانزواء الرذائل:
لقد انتشرت الفضائل في زمن محمد الفاتح وانحسرت الرذائل؛ فخرج جيل فيه نبل وكرم وشجاعة وعطاء وتضحية من أجل العقيدة والشريعة متطلعاً الى ما عند الله من الثواب يخشى من عقاب الله لقد استجاب ذلك المجتمع بشعبه ودولته وحكامه الى مايحبه الرحمن والى تعاليم الاسلام.
إن آثار تحكيم شرع الله في الشعوب والدول التي نفذت أوامر الله ونواهيه ظاهرة بينة لدارس التاريخ وإن تلك الآثار الطيبة التي اصابت الدولة العثمانية لهي من سنن الله الجارية والتي لاتتبدل ولا تتغير فأي شعب يسعى لهذا المطلب الجليل والعمل العظيم يصل إليه ولو بعد حين ويرى آثار ذلك التحكيم على أفراده وحكامه ودولته.
إن الغرض من الأبحاث التاريخية الاسلامية الاستفادة الجادة من أولئك الذين سبقونا بالايمان في جهادهم وعلمهم وتربيتهم وسعيهم الدؤوب لتحكيم شرع الله وأخذهم بسنن التمكين وفقه ومراعاة التدرج والمرحلية والانتقاء من أفراد الشعب والارتقاء بهم نحو الكمالات الاسلامية المنشودة. إن الإنتصارات العظيمة في تاريخ أمتنا يجريها الله تعالى على يدي من أخلص لربه ودينه وأقام شرعه وزكى نفسه ولهذا لم يأتي فتحاً عظيماً وفتحاً مبيناً إلا لمن توفرت فيهم صفات جيل التمكين التي ذكرت في القرآن الكريم.

المبحث الخامس

([1]) انظر: منهج الرسول في غرس الروح الجهادية ، ص19 الى 34.

([2]) انظر: العثمانيون في التاريخ والحضارة، ص258.

([3]) انظر: محمد الفاتح، ص263.

([4]) انظر: الحسبة في العصر المملوكي ، د. حيدر الصافح، ص206.

([5]) اخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير ، باب ناقة رسول الله (6/86).

([6]) سورة النور ، الآية:

([7]) في ظلال القرآن (4/2704).

([8]) سورة الحج، الآيات (40-41).

([9]) مجموع الفتاوي لابن تيمية (35/388).

([10]) انظر: تفسير ابن كثير (3/170).

([11]) اخرجه الحاكم في المستدرك ، كتاب الايمان (1/62).

([12]) ابن كثير (2/526).
المصدر: ملتقى شذرات


Hsfhf tjp hgrs'k'dkdm

__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
أسباب, القسطنطينية

« أثر فتح القسطنطينية على العالم الأوروبي والإسلامي | صفحات من التاريخ الاسلامي في الشمال الأفريقي 6 »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أثر فتح القسطنطينية على العالم الأوروبي والإسلامي Eng.Jordan كتب ومراجع إلكترونية 0 04-16-2017 02:22 PM
محمد الفاتح وفتح القسطنطينية Eng.Jordan كتب ومراجع إلكترونية 1 04-16-2017 02:20 PM
في ذكرى فتح القسطنطينية عبدالناصر محمود الملتقى العام 0 05-30-2016 07:19 AM
هل اغتيل فاتح القسطنطينية ؟ Eng.Jordan التاريخ الإسلامي 0 11-14-2012 10:22 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 12:09 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات