تذكرني !

 





أخبار ومختارات أدبية اختياراتك تعكس ذوقك ومشاعرك ..شاركنا جمال اللغة والأدب والعربي والعالمي

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #5  
قديم 03-03-2012, 12:48 PM
الصورة الرمزية يقيني بالله يقيني
يقيني بالله يقيني غير متواجد حالياً
متميز وأصيل
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: جمهورية مصر العربية
المشاركات: 4,854
افتراضي

ثم يستدلُّ عبدالرحمن على عدم استجابته لمطلب سلامة بما يُبيِّن إيمانه وتقواه من جهة، وحبه الشديد لسلامة من جهة ثانية حيث يقول: "لا، يا حبيبتي! لا، إني أحبُّك يا سلامة، وإني سمعت الله - عزَّ وجلَّ - يقول: ﴿ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ﴾ [الزخرف: 67]، وأنا أكره أنْ تصير الخلَّة التي بيننا عداوةً يوم القيامة"[12].

فلا يريدها عبدالرحمن لإشباع غرائزه الجنسيَّة وإخماد نار شهواته، بل يريدُها رفيقة حياته، لا في الدنيا فقط بل في الآخِرة أيضًا؛ ولذلك يرى أنْ يسلك سبيل التقوى والعفَّة حتى لا تتبدَّل خلَّتهما بالعداوة في الآخِرة، وهذه هي فلسفة الإسلام في الحبِّ والحياة الزوجيَّة التي تريد أنْ تكون المرأة سُكنًا للرجل وبالعكس، وأنْ تكون بينهما مودَّة ورحمة.

ويمكن أنْ يظنَّ البعض أنَّ في موقف عبدالرحمن من سلاَّمة تكلُّفًا وخُروجًا على المألوف والواقعيَّة، ولكن إذا نظَرنا إلى الصورة التي رسمها باكثير له قبل ذلك، نرى أنَّ هذا الموقف طبعي ويتناسَب مع شخصيَّة عبدالرحمن وإيمانه؛ لأنَّ مَن كان في قلبه ذكرُ الله تعالى، يسهُل عليه أنْ يملك نفسَه ويجتنب المعاصي ويبتعد عن الفحشاء.

وفي رواية "ليلة النهر" أيضًا يُصوِّر باكثير علاقة حبٍّ بين بطل الرواية "فؤاد حلمي"، وإحسان، ولكن لا يسمح لبطله بالاستهتار والتبذُّل واحتساء الخمر[13].

وفي رواية "الثائر الأحمر" مواقف جنسيَّة مختلفة يمكن للكاتب أنْ يسترسل فيها، ولكنَّ (باكثير) يكتفي بالإشارة إلى الموقف ووصفه بحسب ما يقتضيه الموضوع والفن، ومن ذلك وصف العلاقات الجنسية بين "راجية" وعشاقها[14]، وبينها وبين "الشيخ الأهوازي" وبين "شهر" و"عبدان"[15]، فيُصوِّر مثلاً ما دار بين "راجية" و"الشيخ الأهوازي" من مغامرة جنسيَّة انتهت بارتكاب الفاحشة وحمل راجية منه في هذا الحوار الذي جرى بينهما:
"... وبينما هي مستلقية على فِراشها ومن دُونها الصبيان يغطَّان في نومهما إذا بالشيخ يناديها من حجرته، فخفَّت إليه ووقفت على باب الحجرة تسأله ماذا يريد، فأومأ إليها أنْ تدخل، فتردَّدت قليلاً ثم دخلت، فأسرع هو إلى الباب فأغلقه، ولَمَّا رآها قد خافت قال لها في هدوءٍ ولطف: لا تخافي يا راجية، فإنِّي سأُفضِي إليك بسرٍّ لا أريد أنْ يسمعه أحدٌ غيرك...
فما سمعت ذلك منه حتى ظهر عليها الاستسلام والتوسُّل...
قال لها: أتذكُرين ابن عمك عبدان؟
فخفق قلبها لذكر عبدان، وقالت: أوتَعرِفه؟


إنَّه قد آمَن بمذهبنا وأصبح من دعاة...
فأين هو الآن؟
في مركز دعوتنا بسلمية.
أوَقَدْ تزوج هناك؟
ما حاجته إلى ذلك وقد أُبِيح له ما شاء من النساء يستمتع بهنَّ كما يريد.
فانتفضت مذعورة وقالت: كيف ذاك؟
قال لها: إنه من المخلصين للمذهب، وقد رُفِعَ عنه التكليف، فله أنْ يفعل ما يشاء.

ونظر إليها فرأى على وجهها ظلاًّ من الكآبة، فقال لها: لا تكتَئِبي، فما أراك إلا أنْ قد آمَنت بمذهب... فلك أنْ تفعلي ما تشائين مثله!

اهتزَّت راجية لهذا القول اهتزازًا عنيفًا أنساها كلَّ شيء، إلاَّ أنها بين يدي رجل قد ذلَّل لها كلَّ عقبة أمامها، فلم يبقَ إلا أنْ ترتمي عليه"[16].

ومع ذلك فقد يُسرِف باكثير في الوصف الجسدي للمرأة، ولكنَّ هذه المواضع قليلة جدًّا في آثاره، ومنها وصفه لجلنار على لسان قطز: "... بل رأى مكانها امرأة تامَّة التكوين، ناضجة الأنوثة، لا صلة بينه وبينها من قرابة أو عشرة، وتنقل طرفه من جيدها الطويل كأنَّه إبريق من الفضة إلى كتفيها المدمجتين وظهرها الرخص المسحوب من جوانبه كلَّما نزل، حتى ينتهي إلى خَصرها الضامر، ولمح بَياض ساقيها ولُطف قدميها، فامتلأ قلبه رهبةً لم يُطِقْ معها الوقوف"[17].

3- موقفه من القضاء والقدر، والتجاؤه إلى الله في كلِّ حال؛ لأنَّه باعتباره أديبًّا إسلاميًّا، ينظُر إلى القدر كركنٍ من أركان الإيمان لا بُدَّ للمؤمن أنْ يرضى به دون أنْ يحدَّ لك من إرادته التي هي أيضًا من قدَر الله شيئًا، ويرى أنَّ الفاعل الحقيقي في الكون هو الله تعالى يفعل ما يشاء ويفعل ما يريد.

فعبدالرحمن القس حينما كان يتذكَّر أمَّه الصالحة وحسن تربيتها له وقيامها عليه وكفايتها إيَّاه هموم العيش ليتفرَّغ للعبادة والعلم، كان يُعاوِده الحنين إليها ويشتدُّ به الحزن عليها "ولكنَّه كان يأخُذ نفسه بالصبر والرضا بقضاء الله، ويلجَأُ إلى الصلاة والعبادة كلَّما طاف به طائفٌ من اللوعة والبثِّ، مكتفيًا بالدعاء لها والترحُّم عليها"[18].

وفي رواية "واإسلاماه" ينتَظِرُ قطز بالمسلمين في معركة "عين جالوت" وقت صلاة الجمعة ليُباشِروا قتال أعدائهم، وخُطَباء المسلمين على المنابر يدعون لهم بالتأييد والنصر[19]، وفي نهاية المعركة وبعد انتصار المسلمين، ينسب النصر إلى الله تعالى وإلى دعاء المسلمين ويحذرهم أنْ يزهو بصنيعهم: "إيَّاكم والزهو بما صنعتم، ولكن اشكُروا الله واخضَعوا لقوَّته وجلاله، إنَّه ذو القوَّة المتين، وما يُدرِيكم لعلَّ دعوات إخوانكم المسلمين على المنابر في الساعة التي حملتم فيها على عدوِّكم من هذا اليوم العظيم يوم الجمعة، وفي هذا الشهر العظيم شهر رمضان، كانت أمضى على عدوِّكم من السيوف التي بها ضربتم، والرماح التي بها طعنتم، والقِسِيِّ التي عنها رميتُم"[20].

4- تقديم صورةٍ إيجابيَّة لعلماء المسلمين في حين يظهر علماء الدين في الأدب القصصي المعاصر في أغلب الأحيان رمزًا للبلاهة والسذاجة المفرطة، ومثالاً للقَذارة والشَّعوذة وأنموذجًا للسلبية، فيُصوِّر مثلاً "الشيخ عز الدين بن عبدالسلام" عالمًا عاملاً لقي اضطهاد في سبيل دعوته دون أنْ يخاف في الله لومة لائم "... وقد وجد في الشيخ ابن عبدالسلام مثلاً صالحًا للعالم العامل بعِلمه، الناصح لدِينه ووَطنه، الذي يرى حقًّا أنَّ العلماء ورثة الأنبياء في هداية الناس إلى الخير، ودفعهم عن سُبُلِ الشر، الآمِر بالمعروف والناهي عن المنكر، لا يخاف في الله لومة لائم، لا يتَّجر بدينه ولا يريد الدنيا بعلمه، ولا يُساوم في مصالح أمَّته ووَطِنه، ولا يشتري بآيات الله ثمنًا قليلاً من حُطام الدنيا ومَتاع العاجلة"[21].
__________________


رد مع اقتباس
  #6  
قديم 03-03-2012, 12:49 PM
الصورة الرمزية يقيني بالله يقيني
يقيني بالله يقيني غير متواجد حالياً
متميز وأصيل
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: جمهورية مصر العربية
المشاركات: 4,854
افتراضي

وهو العالم الذي كان يخطب في جامع دمشق الكبير يحثُّ المسلمين على الجهاد في سبيل الله وطرْد الأعداء من دِيار الإسلام، ويهاجم عماد الدين إسماعيل صاحب دمشق على معاونته للأعداء بقوله: "فأيما سلطان أو ملك أو أمير فرَّط في حِفظ بلاد المسلمين، وعرَّضَها للوقوع في أيدي الكافرين، فقد أبرَأ ذمَّة الله والمسلمين منه، وخلَع بيده طاعتَهم له، وظلَم نفسه، وعلى المسلمين أنْ ينصروه ظالمًا كما ينصرونه لو كان مظلومًا، ونصر الظالم دَفْعُهُ عن ظلمه، والحيلولة بينه وبين ما أراد من تضييع بلادهم، وكسر شَوْكتهم، وتحكيم الأعداء في رقابهم، وتمكين هؤلاء من القضاء على ما في قلوبهم من عزَّة الدِّين ونخوة الإسلام"[22].

وكان هذا سببًا لاعتِقاله من جانب السُّلطان وفرض الإقامة الجبريَّة عليه في البيت.

وحينما نُفِيَ إلى مصر وولاَّه الملك الصالح أيوب القضاء، ورأى منه عدم الإنصاف، "عزل نفسه عن القضاء، وجهَر بأنَّه لا يتولَّى القضاء لسُلطانٍ لا يعدل في القضيَّة ولا يحكم بالسويَّة... فما جهر بكلمة الحق في وجْه القوَّة بدمشق ليسكُت عنها بمصر، ولو ارتضى لنفسه مُصانَعة الملوك على حساب دِينه كما يصنع غيره ممَّن لا خلاق لهم من العلماء لما نفَتْه دمشق، ولكان له فيها ما يُرِيدُ من الثَّراء الواسع والجاه العريض"[23].

وفي مسألة جواز فَرْضِ الأموال على عامَّة الناس لإنفاقها في العساكر، وقَف في وجْه الأمراء، وأفتى بأنَّه لا يجوز أخذ الأموال من عامَّة الناس قبل أخذ أموال الأمراء وأملاكهم حتى يساووا العامَّة في ملابسهم ونفقاتهم، وحينما طلب منه الملك المظفر قطز أنْ يفتيه بجواز الأخذ من أموال العامَّة إذا صعب الأخذ من أموال الأمراء، لم يرضَ بذلك الشيخ وقال له: "لا أرجع في فتواي لرأي ملك أو سُلطان"[24].

وهذه صُورةٌ رائعة للعالم الإسلامي الذي يشتَرِك في آلام أمَّته ويُدافِع عن حقوقهم ويحكُم بالحق والعدل دون أنْ يخاف لومةَ لائم أو سطوة ظالم.

ونرى نفس الصورة للعالم العامل أبي البقاء البغدادي، الذي كان يقوم بما أوجَبَه الله عليه، فكان يأمُر بالمعروف وينهى عن المنكر ويجمع المظلومين من الفقراء والفلاَّحين والعمَّال والصنَّاع بحقوقهم وبرَفْعِ الظلم عنهم، فحبسه الموفق العباسي دُون أنْ ينصرف من عمله[25].

وفي إخماد نار فتنة القرامطة كان له دورٌ بارزٌ؛ حيث استنجد به المعتضد العباسي حينما وَلِيَ الخلافة وقال له: "إنَّ بابي لا يُغلَق دونك بليلٍ أو نهارٍ، وإني أُعاهِد الله ربي لا تدعوني إلى خطَّة فيها رضا الله ورسوله وخير الناس إلا نفَّذتها لك ما استطعت"[26].

وقام أبو البقاء بنهضةٍ فكريَّة وإصلاحات اقتصاديَّة أساسيَّة، بعد أنْ رأى أنَّ القرامطة قد نفثوا سمومهم في الناس، وأنَّ الناس معذورون في الاستجابة لهم، وأيقن أن لا سبيل إلى إنقاذ الناس من فتنهم إلا بإنصاف الفُقَراء والعمَّال والفلاَّحين، وتنفيذ ما شرَع الله من العدل لحماية حقوقهم[27].

وكان لخطَّته الفكريَّة والإصلاحيَّة دورٌ بارز في فشل خطَّة القرامطة، وانتصار نظام العدل الإسلامي على النظام الاشتراكي في مملكة العدل الشامل.

5- كشف خطط اليهود ودورهم في الحركات المشبوهة في تاريخ الإسلام، في إشارةٍ خفيَّة إلى العلاقة بين اليهوديَّة والماركسيَّة؛ حيث كان لليهود دورٌ أساسٌ في فتنة القرامطة التي بنَى الكاتب أساسها على الأصول الماركسية والشيوعية المعروفة في القرن العشرين.

ويصوِّر باكثير هذه العلاقة ضمن اتِّصال "الكرماني"، أحد دعاة القداحيين باليهود في بغداد؛ لإيجاد الفتنة وإشاعة الفَوْضَى حيث يقول: "وكثُر اتِّصال الكرماني بتجَّار اليهود ولا سيما كبيرهم عزرا بن صمويل الذي كان يمدُّه بالنُّقود المحالة له من سلمية عليه، فتَواطَأ معهم على نشر الإشاعة المقلقة بالمدينة؛ لكي يبيع الناس أملاكهم بأثمان بخسة فيشتروها منهم، وكانوا قد أكثَروا من شراء الحبوب والأطعمة من الأسواق ليحتكروها، فانتظروا أنْ ترتفع أثمانها كلَّما زاد قلق الناس وخوفهم وانقَطَع ورود الميرة من خارج بغداد إليها، فيبيعوها للناس حينئذٍ بأغلى الأسعار"[28].

ويكشف أيضًا دسائس اليهود لإثارة الفتنة بين المذاهب الإسلاميَّة وإشعال نار الحرب بين أُمَراء المسلمين ضمن وثيقةٍ حصل عليها أحدُ ولاة الخليفة المعتضد عند أحد تجار اليهود: "... وعثر بينها على رسالة صغيرة في حجم الوصيَّة مكتوبة بالعبريَّة، فجِيء بِمَن يفكُّ رموزها، فتبيَّن أنها سجل شركة خطيرة أسَّسها جماعةٌ من كبار تجار اليهود بمدينة الموصل في أواخر عهد الخليفة المأمون، على أنْ تبقى قائمةً طوال العصور يُدِيرُها أبناؤهم، وإذا لها دستورٌ عجيب ينصُّ على وجوب تشجيع الفتن في بلاد الدولة، وإمداد القائمين بها، والسعي لإثارة الحروب بين أمراء المسلمين وبينهم وبين الروم، وتأريث نار الخلاف بين الطوائف والمذاهب والنِّحَلِ، والإفادة من كلِّ ذلك في تجميع الأموال وتكثير الأرباح لشركتهم"[29].

6- محاولة إثبات صلاحية الدِّين الإسلامي لحكم المجتمع وبث العدالة الاجتماعية بين رُبُوعِه، وبيان ما ينطَوِي عليه النظام الرأسمالي والشيوعي من نقائص وعُيوب، وذلك من خِلال تصوير الصِّراع الدائر بينهما وبين نظام العدل الإسلامي المتمثِّل في نظام أبي البقاء الإصلاحي، وانتصار نظام العدل الإسلامي على النظام الرأسمالي والشيوعي في نهاية الأمر.

7- وصف الجهاد في سَبِيل الله بالنفس والمال، وما ينتظر المجاهدين من أجرٍ عظيم عند الله تعالى، وذلك من خِلال تعرُّضِه لجهاد الإيرانيين بقِيادة جلال الدين خوارزم شاه والأمير ممدود والد قطز ضد التتار، وجِهاد المصريين والشاميين ضدَّ الصليبيين القادِمين من الغرب والتتار القادِمين من الشرق في رواية "واإسلاماه"، وجهاد المصريين بقيادة أسد الدين شيركوه وصلاح الدين الأيوبي ضد الفرنج وأذنابهم. فيُصوِّر في رواية "سيرة شجاع" جانبًا من جهاد المصريين في الإسكندرية حينما حاصَرَها الفرنج مع شاور، الوزير المصري المتحالف معهم: "ولَمَّا وصَلُوا إلى الإسكندريَّة أعجزهم اقتحامها؛ لبسالة أهلها في الدفاع عنها مع جيش صلاح الدين، فحاصَرُوها من كلِّ جانب، وكان ملك الفرنج قد أرسَلَ إلى قراصنتهم بساحل الشام فأرسَلُوا سُفنَهم في مياه الثغر يقطعون الطريقَ على سفينةٍ تحمل الميرة إلى أهله، فتَمَّ تشديد الحصار عليها من البرِّ والبحر، ولكنَّ أهلها أبدوا من الصبر والمصابرة والحميَّة والبسالة في الدِّفاع ما أدهَشَ صلاح الدين وذكره بأهل بلبيس وقال في نفسه: أمَّة بعضها من بعض لو لم يذلها حكَّامها الظالمون"[30].

وقال في وصف ما يأمل به المجاهدون في سبيل الله من أجرٍ عظيم ونعيم دائم عندَ الله في الآخِرة، في معرض حديثه عن الأمير ممدود الذي مات شهيدًا في الحرب مع التتار: "مات الأمير ممدود شهيدًا في سبيل الله ولم يتجاوَزِ الثلاثين من عمره، تارِكًا وراءه زوجته البارَّة، وصبيًّا في المهد لما يَدُرْ عليه الحول ولم يتمتَّع برؤيته إلا أيامًا قلائل؛ إذ شغَلَه عنه خروجُه مع جلال الدين لجهاد التتار، ولم يكن له - وهو يُودِّع هذه الحياة ونعيمها - مع عزاء عنها إلا رجاؤه فيما أعدَّ الله للشهداء المجاهدين في سبيله من النَّعيم المُقِيم والرِّضوان الأكبر"[31].

8- موقفه من الفن، حيث يعتقد أنَّ كثيرًا ممَّا يُطلَق عليه اليوم اسم الفن خارجٌ عن دائرة الفن، والفن منه بَراء، فيقول نقلاً عن الأستاذ "مراد السعيد" في وصف (الكازينات) التي تجري فيها أعمالٌ بعيدة عن روح الفن: "وتذكر أنَّ الأستاذ مراد السعيد كثيرُ التنديد بهذه (الكازينات) التي تُلصَق باسم الفن، والفن منها بَراء، فهي مَباءات للفساد تقتُل الأخلاق والفنَّ معًا، وعلى الحكومة أنْ تقفل أبوابها؛ صونًا لأخلاق الشبان والفتيات، وحفظًا لسُمعة البلاد وكَرامتها"[32].

ويقول أيضًا على لسان "فؤاد حلمي"، بطل الرواية في حواره مع الراقصة التي قدَّمت له الخمر ورأتْ أنَّ الفنَّانين يشربونها ويرَوْن أنَّ نشوتها تفتق أذهانهم وتُساعِدهم في فنِّهم: "هم كاذبون أو مخدوعون بهذا الوهم، إنَّ للفنِّ نشوةً لا تجتمع مع نشوة الخمر، والناس يا فتحية قد أساؤوا إلى الفنِّ فأدخَلوا فيه ما ليس منه؛ ألا ترَيْن أنهم يعتبرون التعرِّي وهزَّ البطون فنًّا؟!"[33].

9- تفسير الأحداث في ضوء التفسير الإسلامي للتاريخ، ويتجلَّى ذلك في حديثه عمَّا حلَّ بجلال الدين خوارزم شاه من ضَياع مُلكِه وفقدان ابنته "جهاد" وابن أخته "محمود": "وكأنَّ الله شاءَ أنْ يعاقبه على ما أنزَل ببلاد المسلمين من الخسف والدَّمار، وارتكب في أهلها الأبرياء من العظائم، وأتى ما يأتيه التتار من قتل الرجال، وسبي النساء، واستِرقاق الأطفال، ونهب الأموال، وتخريب المدن والقرى، انسياقًا مع هَواه الذي أعماه عن رُؤية الحق، وأضلَّه عن سبيل المؤمنين، فحمله على الإيقاع بقومٍ لم يعتدوا عليه، ولا ذنبَ لهم إلا أنهم رعيَّة ملك أساء إليه، فافتقد في طريقه هذا ثمرتَيْ قلبه وأنسَيْ حياته: (محمود وجهاد)"[34]، كما افتقد ملكه قبل أنْ يرجع إلى وطنه، وقُتِلَ في الجبال.
ويتجلَّى تفسيرُه الإسلامي للأحداث التاريخيَّة أيضًا في تفصيله للمقدمات التي كانت سببًا لانتصار المسلمين في "عين جالوت" من إقامة العدل بين المسلمين، وقيام العلماء بواجبهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنشاء ديوان للدَّعوة إلى الجهاد، وإعداد القوَّة، وإرجاء القتال مع التتار إلى وقت صلاة الجمعة ليُباشِروا قتال أعدائهم وخُطَباء المسلمين على المنابر يدعون لهم بالنصر والتأييد، وغير ذلك من المقدمات التي شرَحَها في رواية "واإسلاماه".

10- الدعوة إلى الوحدة الوطنية بين المسلمين في مواجهة أعدائهم؛ حيث يرى أنَّ المسلمين لا بُدَّ أنْ يتَّحدوا ويُشكِّلوا صفًّا واحدًا لطرد الأعداء من دِيارهم، فيقول على لسان "أسد الدين" في جواب مندوب "مري" ملك الفرنج: "نحن والمصريون شيءٌ واحد، يجمعنا الجنس واللسان والوطن والدِّين، ثم يجمعنا العدوُّ الدخيل الذي هو أنتم، وأنا وجماعتي ما جئنا كذلك إلا لقتالكم وتحصين هذا الوطن العربي منكم، أمَّا بلبيس فما دخَلْناها إلا برضا أهلها وطلبهم، وقد أعانونا بكلِّ ما يقدرون في سبيل الله لا في سبيلنا"[35].
__________________


رد مع اقتباس
  #7  
قديم 03-03-2012, 12:51 PM
الصورة الرمزية يقيني بالله يقيني
يقيني بالله يقيني غير متواجد حالياً
متميز وأصيل
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: جمهورية مصر العربية
المشاركات: 4,854
افتراضي

خاتمة البحث:
1- يُعتَبر علي أحمد باكثير أحدَ رواد القصة الإسلاميَّة في الأدب العربي المعاصر، حيث نشَأ نشأةً إسلاميَّة منذ نُعومة أظفاره، وجعَل فكره الإسلامي فلسفةً لأدبه ومنهاجًا لحياته ولم يتخلَّ عنه إلى آخِر حياته، بل ظلَّ مُتمسِّكًا به ومُدافعًا عنه بفنِّه وأدبه.

2- بدأ باكثير حياته الأدبية في حضرموت شاعرًا غنائيًّا غلَب عليه طابع التقليد للقُدَماء، وفي الحجاز تعرَّف على المسرحيَّات الشعريَّة وتأثَّر بأحمد شوقي؛ فكتب مسرحيَّة "همام أو في عاصمة الأحقاف" بأسلوب الشعر المقفَّى، وفي مصر وبعد اطِّلاعه على الأدب الغربي والأدب العربي الحديث تغيَّرت مسيرته الشعريَّة وتأثَّر بمسرحيَّات شكسبير، فترجم مسرحيَّته "روميو وجولييت" بأسلوب الشعر المرسل، ثم كتب مسرحيَّة "أخناتون ونفرتيتي" أيضًا بنفس الأسلوب، وبعد ذلك اتَّجه إلى أسلوب النثر في كتابة مسرحيَّاته، وفي هذه المرحلة التي تُعتَبر مرحلة نُضجِه الفني والفكري اتَّجه إلى كتابة الرواية.

3- كتب باكثير ستَّ روايات اعتَمَد فيها على التاريخ الإسلامي والشخصيَّات الإسلاميَّة مُشِيرًا في نفس الوقت إلى أحداث الواقع وشخصيَّاته.

4- صدَر باكثير في رواياته عن التصوُّر الإسلامي، واستَطاع أنْ يُبرِز من خِلالها الفكر الإسلامي والقِيَم الإسلامية في صُوَرٍ فنيَّة ممتعة، وتتجلَّى رؤيته الإسلاميَّة في رواياته في الموارد الآتية:
أ- تصدير رواياته بالآيات القرآنية المتناسبة مع فكرة الروايات.
ب- تصوير الحبِّ العذري العفيف دُون الاستِرسال في وصْف المغامرات الجنسيَّة وكشف عورات النساء.
جـ- موقفه الإيجابي من القَضاء والقدر والتِجاؤُه إلى الله في كلِّ حال.
د- تقديم صورةٍ إيجابيَّة لعلماء المسلمين.
هـ- كشف خُطَط اليهود ودورهم في الحركات المشبوهة في تاريخ الإسلام في إشارةٍ خفيَّة إلى العلاقة بين اليهوديَّة والماركسيَّة.
و- محاولة إثبات صلاحيَّة الدِّين الإسلامي لِحُكمِ المجتمع وبث العدالة الاجتماعيَّة فيه، وبَيان ما ينطوي عليه النظام الرأسمالي والشيوعي من نقائص وعُيوب.
ز- وصف الجهاد في سبيل الله بالنفس والمال وما ينتَظِر المجاهدين من أجرٍ عظيم عندالله.
ح- موقفُه من الفن ورفضه أنْ تكون الأعمال المنافية للعفَّة والأخلاق مثل التعرِّي والرَّقص وهز البطن فنًّا.
ط- تفسير الأحداث في ضوء التفسير الإسلامي للتاريخ.
ي- الدعوة إلى الوحدة الوطنيَّة بين المسلمين في مواجهة أعدائهم.
هـ- لم يسمَحْ باكثير في رواياته أنْ تخل الفكرة التي يدعو إليها وينتصر لها أحيانًا بفنيَّة عمله، بل التزم بالشكل الفني للرواية، واستخدم جميعَ عناصرها الفنيَّة مثل: الشخصيَّة، والحبكة، والوصف والحوار، والسرد والبناء اللغوي - أروع استِخدام، وله مهارةٌ خاصَّة في توظيف الحوار والمونولوج الداخلي واللغة العربيَّة الفُصحَى في تطوير أحداثه وشخصيَّاته.
المصادر والمراجع

1) القرآن الكريم.
2) أحمد عبدالله السومحي، علي أحمد باكثير حياته، شعره الوطني والإسلامي، الطبعة الأولى، جدة، نادي الأدبي الثقافي، 1403هـ/1982م.
3) عبدالرحمن صالح العشماوي، الاتجاه الإسلامي في آثار باكثير القصصيَّة والمسرحيَّة، الرياض، المهرجان الوطني للتراث والثقافة، 1409هـ.
4) عبدالعزيز المقالح، علي أحمد باكثير الرواية التاريخية (ضمن كتاب وثائق مهرجان باكثير)، الطبعة الأولى، بيروت، دار الحداثة، 1988م.
5) علي أحمد باكثير، الثائر الأحمر، الطبعة الثانية، بيروت، دار الكتاب اللبناني، 1404هـ/1984م.
6) علي أحمد باكثير، الفارس الجميل، القاهرة، مكتبة مصر، بدون تاريخ.
7) علي أحمد باكثير، سلاَّمة القس، القاهرة، مكتبة مصر، بدون تاريخ.
8) علي أحمد باكثير، سيرة شجاع، القاهرة، مكتبة مصر، بدون تاريخ.
9) علي أحمد باكثير، ليلة النهر، القاهرة، مكتبة مصر، بدون تاريخ.
10) علي أحمد باكثير، واإسلاماه، القاهرة، مكتبة مصر، بدون تاريخ.
11) عمر عبدالرحمن الساريسي، مقالات في الأدب الإسلامي، عمان، دار الفرقان، 1996م.
12) محمد أبو بكر حميد، علي أحمد باكثير في مرآة عصره، القاهرة، مكتبة مصر، بدون تاريخ.
13) محمد شفيع السيد، اتجاهات الرواية العربية في مصر، الطبعة الثانية، القاهرة، دار الفكر العربي، 1993م.
14) نجيب الكيلاني، نحن والإسلام، الطبعة الثانية، بيروت، الرسالة، 1407هـ/1987م.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الأستاذ المساعد بجامعة كردستان - إيران.
[2] محمد أبو بكر حميد، علي أحمد باكثير في مرآة عصره، ص93.
[3] نجيب الكيلاني، نحن والإسلام، ص122 - 123.
[4] محمد أبو بكر حميد، علي أحمد باكثير في مرآة عصره، ص123.
[5] المصدر نفسه، ص88.
[6] أحمد عبدالله السومحي، علي أحمد باكثير، حياته، شعره الوطني والإسلامي، ص182.
[7] عمر عبدالرحمن الساريسي، مقالات في الأدب الإسلامي، ص55.
[8] محمد شفيع السيد، اتجاهات الرواية العربية في مصر، ص29 - 30.
[9] عبدالعزيز المقالح، علي أحمد باكثير والرواية التاريخية، ص167.
[10] علي أحمد باكثير، سلامة القس، ص92 - 93.
[11] المصدر نفسه، ص93.
[12] المصدر نفسه، ص93.
[13] علي أحمد باكثير، ليلة النهر، ص138 - 140.
[14] علي أحمد باكثير، الثائر الأحمر، ص105.
[15] المصدر نفسه، ص88، 89.
[16] المصدر نفسه، ص113 - 115.
[17] علي أحمد باكثير، واإسلاماه، ص92، 93.
[18] علي أحمد باكثير، سلامة القس، ص5.
[19] علي أحمد باكثير، واإسلاماه، ص192.
[20] المصدر نفسه، ص199.
[21] المصدر نفسه، ص95.
[22]المصدر نفسه، ص124.
[23]المصدر نفسه، ص124.
[24]المصدر نفسه، ص172.
[25] علي أحمد باكثير، الثائر الأحمر، ص75.
[26] المصدر نفسه، ص158.
[27] المصدر نفسه، ص168.
[28] المصدر نفسه، ص93، 94.
[29] المصدر نفسه، ص179.
[30] علي أحمد باكثير، سيرة شجاع، ص175.
[31] علي أحمد باكثير، واإسلاماه، ص40، 41.
[32] علي أحمد باكثير، ليلة النهر، ص15.
[33] المصدر نفسه، ص140.
[34] علي أحمد باكثير، واإسلاماه، ص52.
[35] علي أحمد باكثير، سيرة شجاع، ص128.
__________________


رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
الاتجاه, التاريخية, الإسلامي, باكثير, روايات

« النظريتان الشكلية والخلقية في النقد العربي | أشد من الماء حزنا »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
جزء حذفته الجزيرة من الاتجاه المعاكس بالإعادة بين إبراهيم حمامي ومجدي خليل 9-7-2013 Eng.Jordan أخبار عربية وعالمية 0 09-20-2013 12:40 PM
روايات تاريخية باطلة عبدالناصر محمود التاريخ الإسلامي 0 04-20-2013 06:41 PM
الدقائق الأخيرة قبل حمام الماء في برنامج الاتجاه المعاكس 16-04-2013 Eng.Jordan أخبار عربية وعالمية 0 04-17-2013 08:47 AM
روايات لا تصح في التاريخ الاسلامي محمد خطاب التاريخ الإسلامي 1 10-31-2012 09:48 AM
الاتجاه المعاكس - الفوضى الخلاقة والمشروع الأميركي 3/7/2007 Eng.Jordan مقالات وتحليلات مختارة 1 04-19-2012 12:56 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 08:57 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68