تذكرني !

 





بحوث ودراسات منوعة أوراق بحثية ودراسات علمية

إضاءات على الإستشراق الروسي

الدكتورة: فاطمة عبد الفتاح إضــــاءات على الاسـتشـراق الروسي * دراســـــة *

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 02-19-2012, 11:14 AM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,072
افتراضي إضاءات على الإستشراق الروسي


الدكتورة: فاطمة عبد الفتاح





إضــــاءات على
الاسـتشـراق الروسي

* دراســـــة *


من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000
----------------



المقدمة


إن الاستشراق معرفة ذات جوانب متعددة، وإن أحد جوانب هذه المعرفة الأساسية كان الفضول المعرفي الذي هدف إلى دراسة الآداب العربية الإسلامية، والمجتمعات التي أنتجت هذه الآداب والحضارة الإسلامية، وبالتالي فإننا عندما نتحدث عن الاستشراق فإننا لن نتحدث عن شرق هندي أو شرق صيني، إننا نتحدث عن الشرق العربي المسلم.
لقد كانت إحدى إشكاليات المعرفة الأوروبية الغربية، أنها كانت تمتلك المنهج العلمي الموضوعي في النظر إلى مشاكل الغرب لكنها لم تكن تمتلك مثل هذا المنهج الموضوعي في التعامل مع الشرق العربي الإسلامي وآدابه وحضارته، بل اعتبر الغرب الأوروبي نفسه وصياً على العلم والمعرفة والحضارة، وكان يتعامل مع الشرق المسلم من خلال النظرة التي أنشأها الاستشراق الأوروبي الغربي عن الشرق العربي الإسلامي وحينئذٍ انتفت الديمقراطية، التي تعتبر أساس الحضارة الغربية ومارس الغرب الطغيان والفوقية في نظرته إلى الآخر، إلى الشرق المسلم، إن الحديث عن الاستشراق الروسي، يأتي في جانب منه لتبيين أن هذا الاستشراق الروسي، لم يقع في فخ الاستشراق الغربي المسيس، والذي كان أسبق من الاستشراق الروسي في الظهور زمنياً، وأنه غالباً، كان الفضول المعرفي الإنساني هو الذي يحكم هذا الاستشراق، ومع وجود الفارق الزمني بين الاستعراب الروسي والاستشراق الأوروبي الغربي، إلا أننا، لا نجد مبرراً كافياً، لأن يغمط هذا الاستعراب حقه في تسليط الضوء عليه ودراسته دراسة وافية، كتلك التي حظي به الاستشراق الغربي، سواء من قبل الأوربيين الغربيين أنفسهم أو من قبل الباحثين العرب. ويبدو أن هذا التجاهل للاستعراب الروسي، قد انطلق من الجهات الاستشراقية الأوروبية الغربية، إذ غالباً ما وُصِفَ هذا الاستعراب بأنه لا قيمة له، وازداد هذا التجاهل في فترة الاتحاد السوفييتي، ولاعتبارات أيديولوجية بحته، تم اتهام هذا الاستعراب بأنه ينفذ سياسة الحكومات في الوقوف إلى جانب شعوب العالم الثالث، والمشرق العربي المسلم جزء من شعوب هذا العالم، كما تم تجاهل الاستعراب الروسي من قبل الأوساط العلمية العربية الإسلامية نفسها، ولست أدري هل هي عقدة التفوق الأوروبي الغربي، والتي كرسها الغرب، وبأنه وحده الجدير بالاهتمام والدراسة والأخذ بآرائه وأحكامه العلمية بما فيها الاستشراقية، أو أن (الإلحاد) الذي كان في صلب الأيدلوجية السوفياتية كانا من الأسباب التي جعلت العلماء العرب المسلمين ينأون عن دراسة هذا الاستعراب وتسليط الضوء عليه وعلى جهوده العلمية، أم أن هذا الاستعراب نفسه لم يمارس دعايته كما فعل نظيره الأوروبي الغربي، عبر المنابر المختلفة.
في هذه الدراسة أحاول أن ألقي بعض الضوء على الاستعراب الروسي، وعلى الدور الذي قام به العلماء والباحثون الروس في فهم آداب الشعوب العربية الإسلامية ودراسة حضارتها، وبالتالي الإنسان الشرقي المسلم، الذي أبدع هذه الحضارة وهذه الآداب، وكيف تكونت الشخصية العربية الإسلامية في وعي الإنسان الروسي عبر استعراب العلماء الروس، آملةً أن أكون قد فتحت طريقاً يستطيع الباحثون سد الثغرات التي لم أستطع تداركها.



يتبع.........



المصدر: ملتقى شذرات


Yqhxhj ugn hgYsjavhr hgv,sd

__________________
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 02-19-2012, 11:16 AM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,072
افتراضي

مفهوم الاستشراق:




لقد تباين مفهوم الاستشراق واختلف بين المستشرقين الذين لهم باع طويل في هذا الحقل المعرفي، وبين المفكرين العرب الذين أبدوا اهتماماً واسعاً بالاستشراق خاصة بعد صدور كتاب أدوار سعيد (الاستشراق) بطبعته العربية عام 1981، وإن كان اهتمام الباحثين العرب بالاستشراق لا يعود في بداياته إلى كتاب إدوارد سعيد وإنما سبق ذلك مقالة أنور عبد الملك (الاستشراق في أزمة)، والتي نشرت في مجلة ديوجين عام 1963، ومن ثم في (الجدلية الاجتماعية) في باريس عام 1971 ثم في مجلة الفكر العربي عام 1983، ودائماً قُدَّمَ الاستشراق، وهنا لم يتم الحديث إلا عن الاستشراق الأوروبي الغربي، على أنه انتاج النظرة الأوروبية العنصرية تجاه الشرق، هذه النظرة التي تفترض حق الهيمنة والسيطرة على الشرق بداعي التفوق الأوروبي في الوقت الذي كان يعاني فيه من العجز نتيجة الاستعمار الأوروبي الغربي له، فقام المستعمِر بتوصيف المستعمرَ وإنشائه حسب مايحلو له ويخدم مصالحه، وكرس هذا الوصف في وعي الإنسان الأوروبي الغربي لأجيال عديدة.
يرى إدوارد سعيد الاستشراق أنه (أسلوب من الفكر قائم على تمييز وجودي (أنطولوجي) ومعرفي (أبستمولوجي) بين الشرق ((وفي معظم الأحيان)) و((الغرب)) وبإيجاز، الاستشراق، كأسلوب غربي للسيطرة على الشرق واستبنائه وامتلاك السيادة عليه)([1]).
ويعزو أنور عبد الملك ازدهار الدراسات الشرقية إلى ارتباطها بالاستعمار الأوروبي وسيطرته على بلدان الشرق الأقصى والعالم العربي فيقول: (إن الازدهار الحقيقي للدراسات الشرقية في القطاعين الرئيسيين اللذين هما الشرق الأقصى والعالم العربي يعود تاريخه بالدرجة الاولى إلى عصر التمركز الاستعماري، وبشكل خاص إلى السيطرة الأوروبية على "القارات المنسية" في أواسط القرن التاسع عشر، ثم في ثلثه الأخير)([2]).
أما المستشرقون أنفسهم، فيرون أن الاستشراق تم بدافع الفضول المعرفي للشعوب الأخرى، فيرى مكسيم رودنسون أن الاستشراق كان يعبرعن الرغبة (في توسيع الفلسفة الإنسية (هيومانيزم) لعصر النهضة، ففي نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، أرادوا أن يضيفوا إلى الحضارات النموذجية الكلاسيكية التي تستلهمها أوروبا حضارات أخرى)([3]). وهكذا أضافوا نماذج من الحضارات الشرقية، ولما أرادوا التوصل إلى معرفة تلك الحضارات معرفة علمية، نما الاستشراق وازدهر، ولكن إرادة المعرفة العلمية هذه بالحضارات الشرقية تمت عندما استطاع الغرب أن يغدو أقوى من الشرق، وبالتالي أصبح هذا الأخير موضوعاً مدروساً والغرب ذاتاً دارسة بعد أن أدرك الغرب تفوقه واختلفت العلاقات بين الشرق والغرب عما كانت عليه عندما كان الشرق مزدهراً والغرب يعاني من الضعف والانحطاط. وبالتالي فإن الاستشراق الغربي، ارتبط بالمشروع الاستعماري الفرنسي ـ البريطاني، والذي أصبح الاستشراق وجهه الثقافي.
وعادة يؤرخ لهذا الاستشراق منذ القرن التاسع عشر، وعلى أبعد حد نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، لذلك نرى أن مصطلح (استشراق) ظهر لأول مرة في قاموس الأكاديمية الفرنسية عام (1838م)، وظهرت كلمة (مستشرق) باللغة الإنكليزية حوالي عام (1779)م.([4])
ومن منطلق الهيمنة والوصاية التي نشأ في ظلها الاستشراق، من حيث هو الوجه الثقافي للمشروع الأوروبي الغربي الاستعماري فإن مهمة المستشرق الأوروبي كانت تكمن في (حجب الخطابات الشرقية ذاتها وإحلال خطاباتهم محلها، فهي وحدها المكلفة بتقديم صورة عن الشرق).([5]).
وبعد أن أدى الاستشراق الأوروبي الغربي مهامه، فإن مكسيم رودونسون يقترح التخلي عن استخدام مصطلحي ((استشراق)) و((مستشرقين)) بعد أن أصبحا أسطوريين، (ولذلك فسوف ندعوهما بالدراسات العالمة أو العلمية المتركزة حول تاريخ مجتمعات الشعوب المتموضعة شرقي أوروبا)([6]).
أما المستعرب الروسي أغناطيوس كراتشكوفسكي
(1883 ـ 1951)، مؤسس الاستعراب الروسي الجديد فيتخلى عن مصطلح الاستشراق منذ البداية، ويسمى (الاستشراق الروسي)، بـ(الاستعراب الروسي).

فيقول (العصر الجديد في تاريخ الاستعراب الروسي، يبدأ من المرسوم الجامعي سنة 1804 لأن هذا المرسوم أدخل تدريس اللغات الشرقية في برنامج المدارس العليا وأسس الأقسام الخاصة لهذه اللغات، وأما اللغات الشرقية في أوروبا الغربية في ذلك الزمان، فقد كانت المكانة الأولى بين اللغات السامية اللغة العبرية، أما عندنا في روسيا، فاللغات الشرقية في مفهوم الروس، كانت لغات الشرق الإسلامي، وشغلت اللغة العربية المكانة الأولى وقد أُنشأ قسم اللغة العربية في جامعة خاركوف بعد صدور المرسوم في عام 1804 م مباشرة)([7]).
هذا في حين أن أتش. أي. أر. جب. العالم بالدراسات العربية الإسلامية المعروف كان يفضل أن يسمي نفسه (مستشرقاً) على أن يسمي نفسه مستعرباً.
وجغرافياً كان الشرق يمتد ليشمل، الهند، وجزر الهند الشرقية، والصين واليابان، وكل مايقع شرق الخط الذي يقسم العالم جغرافياً إلى قسمين شرق وغرب، ولكن في النهاية، كان يتم الحديث دائماً في الاستشراق عن الشرق العربي المسلم، الذي كان موضوع دراسة المستشرقين، وهذا هو الشرق الذي يعنينا في هذه الدراسة، وبالتالي، فإنه يصح لدينا استخدام مصطلح (الاستعراب)، لهذا الحقل من الدراسات التي تناولت الشرق العربي الإسلامي وتصح تسمية (المستعربين) للذين درسوا الشرق العربي ـ الإسلامي من النواحي الثقافية والاجتماعية والسياسية، لأن (المستشرقين) كافة في نهاية المطاف، قد اختزلوا الشرق، بالعرب ـ المسلمين، الذين شكلت حضارتهم تحدياً وتهديداً للغرب الأوروبي الذي يُؤرخ لبدء الاستعراب الرسمي فيه بصدور قرار مجمع فيينا الكنسي عام (1312م) والقاضي بتأسيس عدد من كراسي الأستاذية للغات (العربية واليونانية والعبرية والسريانية) في جامعات (باريس وأوكسفورد وبولونيا وأفنيون وسلامنكا) أي أن الاستعراب كان رسمياً بقرار كنسي، ومن أعلى سلطة دينية مسيحية في الغرب، وقد كان ذلك بعد الحروب الصليبية. كما نرى أن اللغات التي تقرر تدريسها، هي لغات الكتب السماوية الثلاث، إضافة إلى لغة الحضارة اليونانية التي تعتبر أوروبا نفسها الوارث الشرعي لها.
ولكن تنفيذ هذا القرار عملياً، لم يتم إلا بعد قرن من الزمان تقريباً (إذ لم تتوفر العناصر البشرية المنفذة، كما لم يتوفر المال اللازم لتحقيق الحلم)([8]). فحتى عام (1453م) لم يكن هناك مسيحي أوروبي واحد يعرف اللغة العربية.
إن دراسة الشرق العربي ـ المسلم، جاءت بقرار كنسي، ونتيجة من نتائج الحروب الصليبية، التي كانت أيضاً بقرار ديني ولئن كانت دوافع الدراسات العربية الإسلامية، في حقيقتها دوافع استعمارية، فإن هذه الدوافع انبثقت من رحم الحروب الصليبية، التي كانت أول تجربة استعمارية خاضتها أوروبا خارج حدودها، حيث أسقط الغرب الأوروبي ضعفه على الشرق العربي الإسلامي، وحاول إيجاد حل لمشاكله المتفاقمة دينياً واجتماعياً واقتصادياً في هذه الحروب التي اجتاحت جيوشها الشرق العربي المسلم، فبعد أن تفشى الفساد في الكنيسة والمجتمع، رأى البابا أربان الثاني (1088 ـ 1099م)، أن من الضروري القيام بمغامرة مثيرة تضع العالم المسيحي بأجمعه أمام عمل وهدف مشترك، وكان خطابه في المجمع الكنسي في كليرمونت والذي دعاه لجلسة استثنائية في تشرين الثاني (1095م)، تعبيراً صريحاً عن الواقع المتصدع الذي يعيشه الغرب المسيحي، والرغبة الواضحة في وضع هذا الغرب أمام هدف عام واحد، فقد قال في خطابه أمام المجمع المذكور (انهضوا وأديروا أسلحتكم التي كنتم تستعملونها ضد إخوانكم، ووجهوها ضد أعدائكم، أعداء المسيحية، إنكم تظلمون اليتامى والأرامل، وأنتم تتورطون في القتل والاغتصاب، وتنهبون الشعب في الطرق العامة، وتقبلون الرشاوى لقتل إخوانكم المسيحيين، وتريقون دماءهم، دونما خوف أو وجل أوخجل، فأنتم كالطيور الجوارح آكلة الجيف، التي تنجذب لرائحة الجيف الإنسانية النتنة، ضحايا جشعكم، انهضوا إذن، ولا تقاتلوا إخوانكم المسيحيين بل قاتلوا أعداءكم الذين استولوا على مدينة القدس، حاربوا تحت راية المسيح، قائدكم الوحيد، افتدوا أنفسكم، أنتم المذنبون المقترفون أحط أنواع الآثام وهذه ((مشيئة الله))([9]). وأربان الثاني هو خليفة البابا غريغوريوس السابع اليهودي الأصل، والذي هو صاحب فكرة الحملة الصليبية لتحرير القدس، والتي حدد فيما بعد البابا أربان الثاني موعدها يوم(15 آب 1096)، والنص السابق يعكس لنا مدى التفسخ الذي أصاب المجتمع الأوروبي والذي جعل من المسيح محارباً.
لقد كانت الحروب الصليبية حلاً للمشاكل التي عانت منها الكنيسة الغربية، في صراع البابا غريغوريوس السادس، والبابا غريغوريوس السابع مع الإمبراطورين هنري الثالث وهنري الرابع في ألمانيا وما تبع ذلك من نزاع وقتال عانت منهما الكنيسة والمجتمع معاً إضافة للدافع الأساسي الآخر لهذه الحروب وهو (رغبة البابوية في إخضاع الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية لزعامتها)([10]). وذلك بعد الانشقاق الديني سنة
(1054م)، بين الكنيسة اللاتينية والكنيسة اليونانية، واستحكام النزاع بين الأباطرة البيزنطيين والبابوية في روما، يقول أرنست باركر ((وكان من الطبيعي أن يضحي الاستيلاء على بيت المقدس هدفاً لتحقيق أطماع المسيحية الغربية، ومن الطبيعي أن تتعلق به الكنيسة وتحاول أن تسير به قدماً، وذلك لحرصها على تحقيق حلمها بقيام كنيسة عالمية تخضع لسلطانها)([11])

إذن، تسيير الحملات الصليبية باتجاه الشرق العربي ـ الإسلامي، تحت ستار ديني، كانت غايته عمليّاً، البحث عن حل لمشاكل المجتمع الغربي المسيحي، وكذلك، إقامة كنيسة عالمية، بإخضاع الكنيسة الشرقية لسلطة روما، من خلال إيجاد هدف عام مشترك هو قتال المسلمين وتحرير بيت المقدس، وبالتالي فإن الحروب الصليبية في دوافعها وكذلك في أدواتها كانت أوروبية غربية، إذ تشكلت معظم جيوش تلك الحروب من فرنسا وإيطاليا واسكتلندا وألمانيا، بينما نرى أن أوروبا الشرقية قد عانت من هذه الحملات وهي تجتاح أراضيها متجهة إلى الشرق الإسلامي، فعندما زحفت فرقها خلال سهول هنغاريا، كانت تعمل السلب والنهب والاغتصاب، غير مبالية بديانة أصحاب البلاد، لقد كانت هذه الحروب هي التجربة الاستعمارية الأولى، التي خاضها الغرب لتحقيق المكاسب الآنفة الذكر، ومن هذه التجربة وهذه الحروب الاستعمارية انبثق الاستشراق الأوروبي الغربي، في الوقت الذي كانت فيه روسيا بعيدة عن هذه الحروب، وعن هذا السعي الاستعماري في الشرق العربي الإسلامي. لقد فوجئت الكنيسة الشرقية نفسها بهذا الزحف الغربي، إذ أن إمبراطور القسطنطينية (الكسي كومينين)، كان قد طلب إمدادات لمواجهة السلاجقة، ولكنه فوجئ بهذه الجيوش الجرارة، إذ أنه في الأساس لم تكن هناك مشكلة بين الكنيسة الشرقية والإسلام وكان الإسلام راعياً وحامياً للمسيحيين في دولة الإسلام، ولكن النزعة الأوروبية المركزية في السيطرة على الشرق العربي الإسلامي قد بدأت بالتشكل منذ ذلك الحين، إن المركزية الأوروبية التي نما في حضنها الاستشراق الأوروبي الغربي بنيت على الفكرة الأساسية الصليبية، إذ سعت المسيحية الغربية إلى جعل نفسها مركز العالم، بإخضاع المسيحية الشرقية، وتوحيد الكنيستين ولو بالقوة، وبالتالي تحقيق عالمية الكنيسة، بإخضاع العالم كله لسلطة روما، يقول ريتشارد سوذرن (نحن في الواقع جزء صغير من المسيحية في العالم، لكننا نزعم أن العالم كله مرغم على اتباع آرائنا، ونزعم أيضاً، أن هذا العالم يرتعد تحت وطأة توجيهاتنا)([12]). لم تكن هناك مشكلة بين المسيحيين والمسلمين في دولة الإسلام، إذ كان (المسيحيون في بلاد الشرق يرون أن حكم المسلمين أخف وطأة من حكم بيزنطة وكنيستها).([13])
ولم تكن هناك مشكلة بين المسلمين والكنيسة الشرقية (البيزنطيين) في نفس الوقت، ولكن بعد الحروب الصليبية الأولى ميز العرب المسلمون بين المسيحية الشرقية التي كانوا يتعاملون معها، ولم تكن لهم معها مشكلة، وبين المسيحية الغربية التي جاءت غازية بجيوش جرارة، وبعد أن أدركوا غاياتها، وأن المسيحية الشرقية ليست سوى تبرير للحملات الصليبية الغربية أصبحوا يطلقون اسم (الافرنج) على المسيحية الغربية، تمييزاً لها عن (الروم)، هذه التسمية التي كانت تطلق على المسيحية الشرقية المجاورة جغرافياً، لتعم جميع المسيحية. إلا أن الوضع اختلف بعد الحملات الصليبية، وأدرك العرب المسلمون، أن المشكلة ليست مع (الروم) المسيحية الشرقية، وإنما مع (الإفرنج) المسيحية الغربية، وسوف نرى أن المستعرب كراتشكوفسكي فيما بعد، قد استخدم هذه المصطلح (الإفرنج) في حديثه عن أوروبا الغربية.
إن معرفة الغرب للشرق العربي الإسلامي تمت بأوسع صورها من خلال الحملات الصليبية، وبالتالي فإن الاستعراب الأوروبي الغربي، كان نتيجة من نتائج هذه الحروب، ولذلك نرى أنه من الضروري التمييز بين استعراب نشأ هذه النشأة الاستعمارية وبين استعراب لم يكن كذلك بالنسبة لروسيا وغيرها، حيث تختلف الدوافع والغايات، ولأن هذا التمييز هو الذي يحدد موقفنا من الاستعراب بجانبيه الشرقي والغربي خاصة وأن بعض المؤرخين يعتقدون بأن النزاع الذي كان موجوداً بين القوتين الأعظم الكتلة الشرقية والكتلة الغربية له جذوره العميقة في النزاع بين الكنيستين في القرن الحادي عشر، ففي هذا القرن بدأ نشوء العالمين الشرقي والغربي (فلو نجحت الكنيسة اللاتينية في الإبقاء على كنيسة موحدة كاثوليكية حقيقية ومقبولة لدى الجميع، لكانت بلدان البلقان وروسيا الآن جزءاً من العالم الغربي فإن الانفصال بين روما والقسطنطينية لم يكن حدثاً محلياً، أو مجرد تاريخ من تواريخ الكنيسة، ولكنه كان حدثاً عالمياً هزَّ أركان العالم)([14]).
ونستطيع القول أن هدف الكنيسة الغربية، كان تحقيق عالمية العالم، ولو بالقوة من خلال الحروب الصليبية، ولعل العولمة الآن هي وجه آخر من وجوه هذا المشروع الموغل في القدم. .
إن إنشاء الشرق في ذهن الغرب، كان من خلال النتاج الفكري (الأدبي والتاريخي) الذي أعقب هذه الحروب، والذي امتزج فيه الواقعي بالوصف التاريخي الأسطوري لهذه الحروب، وبالتالي من الطبيعي، أن الاستشراق الأوروبي الغربي الذي ضربت جذوره في هذا النتاج الفكري، أن يكون محشواً بالمغالطات التي كرست فكرة التمايز بين الشرق والغرب فيما بعد.
لقد حث المبشر ريموند raymondas lulus (مجمع فيينا سنة 1311 على أن يتخذ قراراً كنسياً بإنشاء ست مدارس للغات الشرقية في أوروبة)([15]).
وكانت روسيا خارج هذا القرار الكنسي، لأن الحلفاء الممكنين للكنيسة الغربية (المغول والأرثوذكسية الشرقية)، أصبحوا أعداء قائمين من خلال إقبال المغول على الإسلام الذين ظن الغرب في البداية أنهم مسيحيون اجتاحوا الشرق العربي الإسلامي للقضاء على الإسلام فاستبشروا بهم خيراً، ومن خلال تعميق العداء بين الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية والكنيسة الغربية.
وبالتالي، فإننا عندما نتحدث عن الاستعراب الروسي فلن نتحدث عنه بوصفه نتيجة من نتائج الحروب الصليبية ولا كونه ممثلاً (للمركزية الأوروبية) وعقدة التفوق والهيمنة ولا من باب رؤية غابريللي، أن هذا الاستشراق (يرفع رسمياً الرايات المضادة للاستعمار من أجل إرضاء أبناء العالم الثالث)([16]).
وإنما لأن الاستعراب الروسي نما في ظروف مختلفة عن تلك التي ترعرع فيها الاستشراق الغربي، وكذلك لاختلاف دوافعه وغاياته في مرحلتي روسيا القيصرية ومابعد ثورة أكتوبر.
البدايات والدوافع:

لم تعرف روسيا الدين المسيحي قبل القرن العاشر الميلادي، عندما أرسل القيصر فلاديمير المقدس رسله إلى البلاد مستفسراً عن الأديان ليكون أحدها ديناً للدولة، وحسب المستعربة فرالوفا (إن سبب عدم اختيار الإسلام ديناً للدولة كان بسبب تحريم الخمر)، وقد ابتدأت معرفة روسيا بالشرق العربي المسلم، من خلال رحلات الحجاج المسيحيين إلى الديار المقدسة ومن خلال الرحالة والتجار، وكانت هذه المعرفة وصفية، ولم تختلف عن وصف الرحالة والتجار الغربيين الأوائل للشرق الإسلامي، ولعل من أوائل التجار الذين زاروا بلاد الشرق ومكثوا فيها فترة، التاجر الروسي أفاناس نيكتين، الذي امتدت رحلته إلى الشرق مابين (1466-1474م)، وزار فيها البلاد العربية ومكث فترة في بلاد فارس والهند، كما زار مسقط والصومال وتركيا، وألف كتاباً عن هذه الرحلة سماه (الرحلة إلى الأراضي الواقعة وراء ثلاثة بحور) كما شكلت الشعوب المسلمة المجاورة لروسيا مصدراً هاماً من مصادر معرفة الروس بالعالم الإسلامي والثقافة العربية الإسلامية، هذا وإن صلات روسيا مع بلدان الجوار الإسلامي، ولدت فضولاً لمعرفة الإسلام وتجليات الثقافة الإسلامية وفيما بعد، عندما أصبحت بعض هذه الشعوب الإسلامية ضمن الدولة الروسية فإن هذه المعرفة أصبحت ضرورية. وعلى الرغم من الحروب التي كانت بين روسيا وتركيا، فإن العداء لم يكن موجهاً ضد الإسلام كدين وإنما تجاه الدولة التركية، وتجاه التتار، وقد تم استغلال المسيحية من قبل الدولة الروسية والإسلام من قبل الأتراك لاستخدامهما كغطاء أيديولوجي لسياسة كل من الطرفين تجاه الآخر، وتعبئة شعب كل منهما ضد الآخر لتبرير الحروب القائمة بين الطرفين. وقد كان للجهل المسيطر في روسيا تسهيلاً لمهمة السلطة في تسخير العامل الديني في الحرب مع الأتراك، إذ لم تتجاوز نسبة المثقفين والفئة المسيطرة في روسيا آنذاك 3%، من سكان البلاد، وأن أغلبية الروس حتى عام (1860) كانوا عبيداً لا يقرأون ولا يفهمون سوى تعاليم الكنيسة وكلام القساوسة.([17])
وحقيقة الأمر أن الصراع بين روسيا وتركيا كان صراعاً سياسياً حول شبه جزيرة القرم وتوسيع النفوذ السياسي على البحر الأسود ولكن هذا الصراع لم يكن يوماً بدافع ديني أي من منطلق العداء بين المسيحية الشرقية والإسلام ولطالما اعتبر الروس أنفسهم شرقيين. وفي هذا نرى أن العالم العربي، الإسلامي، كان خارج دائرة هذا الصراع وبالتالي لم يكن هناك صدام بين روسيا والعرب المسلمين، ولم تتواجد الجيوش الروسية في أي زمان على أراضي العالم العربي الإسلامي، وإذا تواجدت فكان ذلك بدافع تقديم المعونة لبعض الحكومات القائمة (ففي أيام محمد علي، عندما أرادت إنكلترا أن تحتل الشواطئ المصرية، أرسلت الحكومة القيصرية الأسطول البحري الروسي، الذي اعترض محاولة إنزال مشاة البحرية الإنكليزية في الإسكندرية).([18])
وقد يبدو هذا الموقف مفهوماً في إطار العداء بين روسيا وإنكلترا وبين روسيا وتركيا حول شبه جزيرة القرم، ولكن المهم أيضاً، أنه لم يكن هناك عداء بين البلاد العربية الإسلامية وبين الروس، ولذلك فإنه يمكننا القول بأن من أسباب تميُّز الاستعراب الروسي عن الاستعراب الأوروبي الغربي، إنه لم يصدر عن مثل أرضية العداء بين الغرب والشرق الإسلامي، وإنما كان هذا الاستعراب بدافع الفضول المعرفي الإنساني، لأن المستعربين الروس أنفسهم يرون أن التراث الشرقي الإسلامي هو جزء من تراثهم. فيقول المستعرب بلوندين (نحن الروس، وجميع الذين في الساحة الروسية القيصرية السابقة، نحن شرقيون بأنفسنا، وجزء من أراضينا موجود في آسيا، وثلثي حدودنا مع دول آسيوية مثل تركيا والصين، وكذلك المناطق الإسلامية التي كانت قديماً ولايات للخلافة العربية)([19]).
لذلك فإن الدراسات الشرقية ليست دراسات لعالم بعيد أو غريب (وليست دراسات مرتبطة كثيراً بالسياسة الاستعمارية، في روسيا الحضارة الإسلامية جزء من تراثنا، أغلبية الناس في روسيا مسيحيون أرثوذكس، والدين الثاني في روسيا هو الإسلام لذلك نحن ندرس تراثنا لأن الحضارة الإسلامية جزء من تراثنا)([20]).
وإلى جانب الدوافع المعرفية للاستعراب الروسي، كان هناك اتجاه سياسي للدراسات العربية ـ الإسلامية، ارتبط بوزارة الخارجية والكنيسة وقد برز في وقت من الأوقات في بعض المناطق، مثل قازان، تعصب ديني من قبل الكنيسة وحملات التبشير الغربية، ترافق أحياناً بحملات التنصير بالقوة، والتي جاءت القيصرة ايكاترينا الثانية، لتترك للمسلمين التتار حرية اعتناق المسيحية أو الإبقاء على دينهم الإسلامي، وقد رافق هذا التعصب الذي عبرت عنه مجلة (التبشير المناهض للإسلام) مواقف مضادة من علماء مستعربين مثل بارتولد وروزن اللذين وقفا ضد الحركات العصبوية الدينية، وهذا الموقف من المستعربين الروس ضد التيار المتعصب لم نلمح له مثيلاً في استعراب الغرب الأوروبي، وهذا الموقف يعني أيضاً، أن الموقف والموقف المضاد ماكان ليسمح ببقاء صورة العربي المسلم في ذهن الروسي صورة أحادية الجانب، فتكون هي الطاغية والفاعلة، وبالتالي من الممكن القول أن التعصب الديني والعداء الديني لم يحكما نظرة وفعل الاستعراب الروسي، وبالتالي فإن دور الكنيسة الأرثوذكسية كان أقل بكثير من دور الكنيسة الكاثوليكية في الاستعراب وفي إنشاء صورة الشرقي المسلم بشكل مشوه لأنه بوجه عام (لم يكن الإسلام بالنسبة للكنيسة الروسية عدواً، وإنما كانت الدعاية ضد الإسلام ضرورية للكنيسة من أجل إقناع الناس بالمسيحية، وهذا غير مرتبط بتعصب شديد أو بأغراض سياسية واضحة، وبالتالي نستطيع القول عن هذا الصراع أنه كان مباراة ولم يكن كفاحاً).([21])
إذن، إذا كانت معرفة العالم العربي الإسلامي قد تمت بدافع كنسي في أوروبة الغربية وأحدثت معاهد الاستشراق بناء على قرار كنسي، باعتبار أن الإسلام يمثل خطراً أو تحدياً للآخر، المسيحي الغربي، بحيث بات (ضرورياً التعرف على الإسلام بشكل واقعي، وماكان ذلك سهلاً، هكذا نشأت مسألة تاريخية ماكانت معالجتها ممكنة بغير معرفة لغوية وثقافية واسعة لم تكن متاحة بادئ ذي بدء)([22]). فإنه لم تكن هناك مواجهة حقيقية تحمل هذا الطابع، طابع العداء والتحدي بين الكنيسة الشرقية في روسيا وبين الإسلام، لم يكن هناك إحساس بالخطر من الإسلام، فقد كانت بلاد وسط آسيا المسلمة تقع ضمن روسيا القيصرية، وبالتالي فقد درس الاستعراب الروسي الثقافة الإسلامية على أنها جزء من تراثهم وتعامل مع الواقع الإسلامي ككيان اجتماعي وواقع إنساني قائم، وبالتالي لم يتم الحديث عن عالم شرقي إسلامي غرائبي، لقد كان هذا الشرق الإسلامي مجاوراً وتم التعايش والاحتكاك معه والإفادة منه. وبالتالي فإن الإسلام مثل عنصراً تنافسياً وليس عدائياً للمسيحية الأرثوذكسية في روسيا، وهذا مختلف تماماً عن الموقف الذي صدر عن الكنيسة الأوروبية الغربية تجاه الإسلام والذي جاء بالحملات الصليبية، لقد تعايش الإسلام والمسيحية جنباً إلى جنب في روسيا، وبالتالي فإن نشأة الاستعراب الروسي لم تتم في حضن العداء الديني ولا من ضرورة دراسة الإسلام كعدو قائم يمثل خطراً واجتياحاً، ومن ثم لم يكن ضرورياً إنشاء صورة الشرق العربي الإسلامي كعدو كما هو الحال في الاستشراق الأوروبي، وإن كانت بعض المعلومات التي كانت ترد من خلال الرحالة والتجار لا تخلو من بعض الأسطرة للشرق العربي المسلم.
لقد شجعت الحكومات الروسية في العهود المختلفة دراسة التراث العربي الإسلامي وخاصة ذلك الذي يتعلق بالأقاليم الإسلامية الواقعة ضمن الدولة الروسية، وذلك لتوسيع المعرفة بالشعوب الإسلامية، وكانت المصادر الثقافية العربية تشكل ركناً أساسياً من مصادر معرفة شعوب القوقاز وآسيا الوسطى وحتى الروس، هذه المعرفة التي انعكست بشكل إيجابي لمصلحة روسيا كما يعترف بذلك المستعربون أنفسهم (كنا نعيش جنباً إلى جنب مع شعوب آسيا الوسطى لمدة طويلة وكانت معارفنا تزداد بهذا التعايش كنا نتطور تحت تأثير الشعوب الإسلامية وأظن الشعوب الإسلامية في بلادنا كانت تتطور تحت تأثيرنا).
لقد كان للاستعراب الروسي منذ البداية مدرستان متمايزتان، ارتبطت إحداهما بوزارة الخارجية الروسية، وقد ساهمت هذه المدرسة في خدمة القرار السياسي والمصالح الروسية الخارجية (كان هناك أيضاً في روسيا اتجاه للدراسات الشرقية لأغراض سياسية، مع تعصب ديني، ولكن في نفس الوقت. كان هناك من هو ضد هذه التيارات المتعصبة وضد الدراسات الشرقية الكنيسية غير الممتدة إلى وقائع تاريخية ثابتة، ونحن لا نرى هذا في أي دراسات شرقية خارج روسيا)([23]) والمدرسة الأخرى حملت الطابع المعرفي العلمي البحت، وحرص المستعربون فيها على استقلالية عملها وقد نشأت هذه المدرسة وما زالت في بطرسبورغ، حيث (بذلت جهود كبيرة من قبل العلماء في بطرسبورغ لتحقيق درجة من الاستقلال المهني ونشر الدراسات بعيداً عن التوجه السياسي).([24])
وفي بداية الاستعراب الروسي، تمت الاستعانة بعلماء من الغرب، كما كان الشأن بالنسبة للمجالات الأخرى المختلفة، فعندما بدأ القيصر بطرس الأول الإصلاحات في السياسة والعلوم والجيش ومختلف أوجه الحياة في روسيا، استعان بالخبرات الأوروبية من فرنسا وألمانيا وإنكلترا، ولكن الاستعراب الروسي مالبث أن أخذ بتكوين نفسه معتمداً على المصادر الشرقية الإسلامية مباشرة، بداية من خلال التبادل الثقافي الذي جرى والمعايشة المباشرة للموظفين والعسكريين الروس في مناطق الفولغا والبحر الأسود والقوقاز وآسيا الوسطى، ووصف هؤلاء هذه البلاد في الكتب والصحف شعراً ونثرا،ً إضافة إلى توافد أبناء هذه المناطق إلى بطرسبورغ وموسكو وتعلمهم في جامعاتها ومعاهدها، وقد كان هؤلاء الوافدين يعكسون قوة تأثير الثقافة العربية الإسلامية (فإن قوة تيار التراث العربي القديم في القوقاز استطاعت أن تحمل حتى أيامنا، اللغة العربية الفصحى التي لا تستخدم في التخاطب العام في موطنها في البلاد العربية، أما في شمال القوقاز فقد عاشت اللغة العربية حياة كاملة لا في الكتابة فحسب، بل وفي الحديث أيضاً)([25]). لقد كان للشعوب الإسلامية في وسط آسيا واحتكاكها المباشر مع الروس دوراً كبيراً في الاستعراب الروسي، إذ ساهمت في نقل الثقافة العربية الإسلامية مباشرة إلى الاستعراب الروسي دون المرور بالمصفاة الأوروبية الغربية، لقد صب التراث العربي الإسلامي مباشرة في مجرى الاستعراب الروسي دون تشويه أو إنشاء أو أسطرة صور وهمية عن الشرق العربي المسلم، وقد ساهم وجود المستعربين من العسكريين في القوقاز في ترجمة العديد من الآثار الأدبية العربية الإسلامية، إذ قام الجنرال بوغوسلافسكي بترجمة القرآن الكريم من العربية إلى الروسية مباشرة.
مصادر الاستعراب الروسي:

لقد استقى الاستعراب الروسي معرفته من خلال مصادر عديدة، تفاوتت في أهميتها وزمنها، بالنسبة لهذا الاستعراب ويمكن القول بأن هذه المصادر كانت:
أ ـ التجار والرحالة والحجاج المسيحيين الوافدين إلى بيت المقدس.
ب ـ المعرفة المباشرة للشعوب الإسلامية الواقعة ضمن الدولة الروسية.
ج ـ العلماء الباحثين من الروس والعرب على حد سواء، الذين رحلوا إلى البلاد العربية أو العرب الذين قدموا إلى روسيا لأسباب مختلفة منها السياسة ومنها العلمية.
د ـ المخطوطات التي انتقلت إلى خزائن المكتبات في روسيا، والتي كانت تمثل التاريخ الحضاري للثقافة العربية الإسلامية.
هـ- العلاقات بين الكنيسة الروسية الأرثوذكسية مع الكنائس الأرثوذكسية في الشرق العربي، فلسطين، لبنان، وغيرها، ووجود بعض المدارس الروسية المرتبطة مع هذه الكنائس، وإن كان ذلك بنسبة قليلة قياساً للحضور الأوروبي الغربي التبشيري في البلاد العربية الإسلامية.
إن بدء العمل الرسمي والمنظم في الدراسات العربية ـ الإسلامية، كان قد بدأ مع عهد القيصر بطرس الأكبر عندما تمت أول ترجمة للقرآن الكريم عام (1716) إلى اللغة الروسية، وقد قام بها الدكتور بيوتر بوستينكوف عن الترجمة الفرنسية للمستشرق الفرنسي ديوري عام (1643م)، تلا ذلك ترجمة أخرى عام (1776م)، ولكن أول ترجمة للقرآن من اللغة العربية مباشرة إلى اللغة الروسية كانت في عام (1878م)، والتي قام بها المستعرب سابلوكوف (1854 ـ 1880م)، والذي كان يتقن العربية إتقاناً جيداً، وقد تكررت طباعة هذه الترجمة في أعوام (1879-1898)، كما قام الجنرال المستعرب بوغوسلافسكي، المراقب الملازم للزعيم الأواري شامل، والذي عمل فيما بعد في السفارة الروسية في تركيا، قام بترجمة للقرآن من العربية إلى الروسية مباشرة في نهاية العقد العاشر من القرن التاسع عشر، وهي الترجمة الثانية للقرآن من العربية إلى الروسية مباشرة خلال القرن التاسع عشر، كما قام المستعرب أغناطيوس كراتشكوفسكي بترجمة أخرى للقرآن من العربية مباشرة إلى الروسية عام (1963م).
وقام المستعرب موخلينسكي (1808 ـ 1877م)([26]) بترجمة وتفسير القرآن إلى اللغة البيلاروسية والبولندية من أجل التتار المسلمين الذين كانوا على حدود بيلا روسيا وبولندا وليتوانيا.
تمت أول طباعة للقرآن باللغة العربية، في عهد القيصرة ايكاترينا الثانية في القرن الثامن عشر عام (1787م)، إذ برز في هذه الفترة اتجاه لتنصير المسلمين بالقوة من قبل المبشرين من إنكلترا واسكوتلندا، فتركت ايكاترينا أمر التنصير إرادياً لمن يشاء من المسلمين، وقامت بطباعة القرآن لتقديمه للشعوب الإسلامية الواقعة ضمن الإمبراطورية الروسية وتمت إعادة هذه الطبعة في أعوام (1793، 1790م). وكان المستشرق كانتمير (1673ـ1723م)، قد أدخل أول مطبعة ذات حروف عربية إلى روسيا، تم بواسطتها طباعة أول بيان رسمي للقيصر في عام (1722م). ومن الجدير ذكره، أن القيصرة ايكاترينا الثانية، كانت تحظى باحترام الشعوب المسلمة ضمن الإمبراطورية الروسية وقد اتصلت هذه الإمبراطورة بعلماء من دول مختلفة، كان منهم جمال الدين الأفغاني (1838 ، 1897م)، الذي قضى عدة سنوات في بطرسبورغ، قبل أن يذهب إلى إنكلترا وقد كان يعرف اللغة الروسية. وفي عهد القيصرة بُدئ بتدريس اللغة العربية في المدارس المختصة بتعليم اللغات الشرقية، إلى جانب البخارية والتترية والفارسية، وذلك بعد قرارها الصادر عام
(1772م) القاضي بتدريس اللغة العربية، وهنا نلاحظ أن قرار تدريس اللغة العربية في المدارس المختصة، كان قراراً حكومياً ولم يكن قراراً كنسياً، كالذي حدث في مجمع فيينا.

ومفهوم اللغات الشرقية في الاستعراب الروسي يختلف عنه في الاستعراب الأوروبي الغربي فاللغات الشرقية في أوروبا، كانت اللغات السامية والمكانة الأولى بين هذه اللغات كانت للغة العبرية كونها لغة الكتاب المقدس، أما في روسيا، فاللغات الشرقية تعني لغات الشرق المسلم الواقع ضمن الامبراطورية الروسية أو المتاخمة لها، وشغلت اللغة العربية المكانة الأولى بين هذه اللغات. أما (العصر الجديد للاستعراب الروسي فيبتدأ من المرسوم الجامعي سنة (1804م)، لأن هذا المرسوم أدخل تدريس اللغات الشرقية في برامج المدارس العليا وأسس الأقسام الخاصة لهذه اللغات)([27])، وأنشئ أول قسم للغة العربية في جامعة خاركوف بعد صدور المرسوم مباشرة، وكان أول أستاذ يدرس اللغة العربية في هذا القسم سنة (1805م). هو الأستاذ (بيرندت)، (وكان يمثل التقاليد السامية الأوروبية الغربية، وهو من رجال الدين المسيحي).([28]) وتبع ذلك إنشاء قسم اللغة العربية في جامعة قازان في تتارستان، وقد قام بتدريس اللغة العربية فيما بعد في هذه الجامعة عدد من الأساتذة العرب، فقد درّس فيها، أحمد ابن حسين المكي، منذ (1852ـ 1854م)، ثم جاء بعد ذلك العربي الفلسطيني بندلي بن صليبا جوزي منذ (1871 ـ 1942م)، وهو من القدس، ولد وتعلم بها وكان هذا الأستاذ قد تعلم في مدينة قازان وحصل على دبلوم الدراسات العليا منها وحصل على رسالة الدكتوراة سنة (1899م) في (فكر المعتزلة)، وكتب مقالة (القرآن الكريم)، لموسوعة دينية أرثوذكسية، كما ألف كتاباً مدرسياً لتعليم اللغة الروسية للعرب، وألف كذلك قاموس (روسي ـ عربي)، كما كتب (أبحاثاً قيمة في مصادر عربية مهمة لتاريخ القوقاز، ومنها حركة بابك الخرَّمي، وحلل أخباراً في غزو الروس لمدينة (بردعة) في جنوب أذربيجان وترجم إلى اللغة الروسية ((مقتطفات من تاريخ أذربيجان)) من كتب اليعقوبي والبلاذري).([29])
ولـه من الكتب أيضاً (من الحركات الفكرية في الإسلام) و(تاج العروس في معرفة لغة الروس) و(أصل الكتابة عند العرب) و(جبل لبنان، تاريخه وحالته الحاضرة). وقد عاش جوزي طوال حياته في روسيا، وأهميته تنبع من كونه ألف عدداً كبيراً من المقالات وترجم مقتطفات من مصادر عربية مهمة لتاريخ القوقاز.
في عام (1819م)، تأسست جامعة بطرسبورغ، والتي ابتدأ تدريس اللغة العربية فيها منذ ذلك الوقت، وكان الشيخ المصري محمد عياد الطنطاوي، أول عربي يشغل كرسي اللغة العربية في هذه الجامعة بين أعوام (1847 ـ
1861م)، وقد شغله قبله الفرنسي ديمانج (1819 ـ 1822م)، والبولندي سنكوفسكي (1822 ـ 1847م)، لقد تفتحت شخصية الطنطاوي العلمية في القاهرة في الأزهر، إذ يقول في رسالة بعث بها إلى المستعرب فرين (فكان مكثي في مصر من سعادتي فحينئذٍ حضرت في النحو والفقه وغيرها ولاشك أن تعلم الثلاث سنين في طنطا أكسب لي بعض فهم، فكنت أفهم خصوصاً النحو وغيره أكثر من الفقه، فحضرت الأجرومية وشرح الشيخ خالد، وشرح القطر وشرح الألفية لابن عقيل وشرحها للأشموني، وشرح مختصر السعد في علم المعاني والبيان والبديع وشرح مطوله كذلك، وشرح جمع الجوامع في علم أصول الفقه وشرح السنوسية في علم التوحيد وشرح الجوهرة فيه الخ، وغالب حضوري على الشيخ إبراهيم الباجوري وهو اعلم أهل الأزهر الآن بلا نزاع))..

ثم عبرت هذه الشخصية إلى بطرسبورغ عاصمة روسيا القيصرية، لتقدم عصارة العلم والجهد في تعليم الآداب العربية الإسلامية وليتم على يدي الشيخ محمد عياد الطنطاوي تخريج عدد من المستعربين الروس، كانوا الأساس في تكوين مدرسة الاستعراب الكلاسيكية، فقد تتلمذ على الطنطاوي المستعرب (نقولا موخن) وغيره، وقد احتفل الأعلام الروسي بالطنطاوي عندما قدم إلى بطرسبورغ وكتبت عنه مقالة عرَّفَت به في صحيفة (أخبار سانت بطرسبورغ) في 22 آب عام 1840م، وَرَدَ فيها (تسألني عن هذا الرجل الوسيم في حلته الشرقية وعمامته البيضاء ولحيته السوداء كالقطران، وعيونه الحية المتقدة شرراً ووجهه المعبر الذكي المحترق لا بشمسنا الشمالية الباهتة الآن تستطيعون تماماً أن تتعلموا التحدث بالعربية دون أن تسافروا من بطرسبورغ)([30])، وبيَّن كاتب المقال أن هذا الرجل هو الشيخ محمد عياد طنطاوي الذي رحل من (شاطئ النيل) ليشغل الكرسي الخالي للغة العربية في معهد اللغات الشرقية التابع لوزارة الخارجية وقد وصفه كراتشكوفسكي بقوله: (فيا لها من زهرة نادرة تلك الشخصية التي تلألأت في روسيا القديمة)([31]). وقد جمع الطنطاوي خلال فترة عمله مجموعة من المخطوطات تقارب المائة وخمسين مخطوطة آلت إلى مكتبة جامعة بطرسبورغ، وحلَّ جزء منها في نطاق الاستخدام العلمي، كما اهتمت الأوساط الاستعرابية الغربية بالطنطاوي، ففي عام 1944 كتب محرر الطبعة العالمية المشهورة لدائرة المعارف الإسلامية التي تجدد صدورها بعد الحرب العالمية الأولى طالباً من كراتشكوفسكي أن يكتب له مقالاً عن الطنطاوي.([32])
وللطنطاوي العديد من المؤلفات المحفوظة في مكتبة المخطوطات في جامعة بطرسبورغ، بعضها كتبه لغايات تعليمية مثل (نظم تصريف الزنجاني)، و(تقييدات على شرح الأزهرية)، و(حاشية الكافي في العروض والقوافي)، و(نبذة عن تاريخ العرب)، و(حال في الأعياد والمواسم في مصر) و(فهرس الخلفاء والسلاطين) و(القاموس التتري العربي)، وكان البعض الآخر من مؤلفاته تأريخاً لأحداث مختلفة عايشها خلال فترة وجوده في روسيا مثل (تاريخ خمس وعشرين سنة من تتويج أبهة قيصر الروسيا نيقولا الأول)، و(تاريخ جلوس أبهة القيصر اسكندر الثاني على تخت روسيا)، وغير ذلك، ولعلنا نستطيع القول بأن أول دراسة في الاستغراب قام بها عالم عربي نستطيع أن نردها للطنطاوي، وذلك من خلال مؤلفه الذي كتبه في وصف روسيا وأهداه إلى السلطان عبد المجيد، وأسماه (تحفة أولي الألباب في أخبار بلاد روسيا)، وقد كتبه في عام (1850 مـ 1266 هـ)، ويتناول في الكتاب وصفاً تفصيلياً لرحلته من القاهرة إلى بطرسبورغ، ومتحدثاً عن انطباعاته خلال العشرة أعوام الأولى التي قضاها في روسيا، علماً بأنه سبق مؤلف الطنطاوي هذا مؤلف أقدم منه في وصف روسيا، هو كتاب (وصف الروسيا) للبطريرك مكاريوس الإنطاكي، يصف رحلته من سوريا إلى روسيا، والعودة منها والإقامة فيها، وكتبه ابنه بولصي الحلبي عام (1700م)، الذي كان مرافقاً له في هذه الرحلة.
وتعود أهمية كتاب الطنطاوي إلى طول إقامته في روسيا ومعايشته اليومية للروس واهتمامه بالتفاصيل والحوادث المختلفة التي استمرت عشرة أعوام كاملة، مكنته من دراسة الحياة في روسيا دراسة دقيقة، إضافة، إلى أن هذا الكتاب يصدر عن عالم شغل مناصب هامة في البيئة العلمية الروسية فإذا نظرنا إلى بعض عناوين مؤلفاته عن روسيا.
غير ذلك الكتاب لوجدناه يصف ويؤرخ حوادث مثل (تاريخ قدوم سعادة ولي عهد روسيا الأمير اسكندر مع خطيبته الأميرة ماريا وتزوجها)، و(تاريخ رجوع الدوق مكسميليان لهستنبرغ من مصر إلى بتربورغ) مما يعطينا فكرة عن الاهتمام الدقيق بتفاصيل ماكان يجري في روسيا آنذاك.
إن أهمية الطنطاوي تنبع من أنه كان معلماً ومتعلماً، فاعلاً ومتأثراً، ولعله أهم شخصية علمية عربية تواجدت في روسيا في القرن التاسع عشر وأثرت تأثيراً فعالاً في الاستعراب الروسي، وبنفس الوقت درست ووصفت الحياة في روسيا من خلال مؤلفاته المختلفة، وقد منحته الحكومة القيصرية وسام القديسة (حنة) تقديراً لجهوده العلمية في الاستعراب الروسي وقد علق الطنطاوي بعد تقليده الوسام، الذي يبدو على صدره في صورة رسمها لـه الفنان (مارتينوف) علق قائلاً:

إني رأيت عجباً في بطرسبورغ وأنه




شيخ من المسلمين يضم في الصدرحنّة([33])





وقد عانى الطنطاوي في نهاية حياته من الشلل في أطرافه السفلية، وتوفي عام (1861م)، ودفن في المقبرة التتارية الإسلامية قرب قرية فولكفو من ضواحي بطرسبورغ وله من العمر 50 عاماً.
وتعاقب بعد الطنطاوي عدد من الأساتذة العرب لتدريس اللغة العربية وآدابها في جامعة بطرسبورغ، فكان هناك سليم نوفل (1828 ـ 1902م)، وهو من طرابلس الشام وقد كان في الجامعة اعتباراً من عام (1860م)، وألف بعض الكتب التي لقيت نجاحاً وفي نفس الفترة درس العربية أحمد بن حسين المكي من (1856 ـ 1858م)، ثم عبد الله كلزي
(1819 ـ 1912م)، وهو من حلب قام بالتدريس أولاً في مدينة أوديسا فترة قصيرة، ثم أمضى بقية حياته في بطرسبورغ، وقد قام بترجمة بعض أشعار الشاعر الروسي كريلوف من الروسية إلى العربية، وله (كتاب لتدريس اللغة العربية ((المحادثة الروسية ـ العربية طبع عام 1868م)([34]). وإضافة إلى هؤلاء الأساتذة العرب المدرسين في الجامعة، تواجدت أحياناً بعض الشخصيات العربية الإسلامية التي لعبت دوراً في وسط الاستعراب الروسي فلأسباب سياسية تواجد مثلاً جمال الدين الأفغاني (1838 ـ 1897م)، والذي اتصل بالقيصرة ايكاترينا، ومكث في روسيا مدة أربعة أعوام ثم غادرها إلى إنكلترا، ثم ولنفس الأسباب قدم الأديب والصحفي والسياسي العربي رزق الله حسون (1825 ـ 1880م)، هرباً من الاضطهاد التركي واصلاً روسيا عام (1868م)، أملاً في مساعدة قيصر روسيا السكندر نيقولا ييفتش في إقامة دولة عربية، وقد مكث حسون في روسيا عدة سنوات، وعندما يئس من مساعدة القيصر الروسي غادر إلى إنكلترا، وفي فترة وجوده في بطرسبورغ، نظم حسون العديد من الأشعار التي حفظت في ديوان كما قام بنسخ بعض المخطوطات العربية الموجودة في مكتبات بطرسبورغ فقد نسخ لنفسه في عام
(1867م)، نسخة من مخطوط ديوان الأخطل الأموي، وتمت الاستفادة فيما بعد من هذه النسخة في تحقيق ديوان الأخطل وطباعته في بيروت، في إطار التعاون بين العلماء الروس والعرب، كما ترجم حسون أشعار (كريلوف) في الحكمة إلى اللغة العربية، وقد تحدث كراتشكوفسكي عن حسون([35])وقد تحدث كراتشكوفسكي عن حسون قائلاً:

(كان خطاطاً وسياسياً وشاعراً ومغامراً، وقد كان قومياً عربياً، فخاف على حياته وهرب من تركيا إلى روسيا عبر بلاد القوقاز، ولم يكن ذلك على ما يبدو بدون مساعدة ديبلوماسي روسي في القسطنطينية هو الجنرال يوغوسلافسكي، وكان حسون قد قضى عدة أعوام في بطرسبورغ حاول أثناءها في بساطة أو سذاجة أن يحصل على مساعدة القيصر الكسندر الثاني في تأسيس دولة عربية مستقلة، وعندما دبّ إليه اليأس والقنوط في محاولته تلك، رحل حسون إلى إنكلترا، وهناك استخدم الهجاء اللاذع وكلماته الملتهبة في الكفاح ضد السلطان التركي وحزب تركيا الفتاة، وتوني حسون في انكلترا في ظروف غامضة، ويقال أنه مات مسموماً عن طريق جاسوس للسلطان التركي. وقد كان حسون محباً للأدب وعالماً به، وقد زينت الكتب التي كتبها بخطه الجميل خزائن المحفوظات المختلفة، وكذلك قام حسون بترجمة أصيلة جداً لبعض أشعار الحكمة التي تظمها كريلوف الشاعر الروسي ونقلها من الروسية إلى العربية)([36]).
وفي بداية القرن العشرين حرر المصري محمد طلعت، جريدة عربية باسم (التلميذ)، في بطرسبورغ، ونشر كتاباً صغيراً يصف فيه انطباعاته عن روسيا.
وفي عام (1818م)، تأسس في بطرسبورغ المتحف الأسيوي التابع لأكاديمية العلوم، ولم يكن متحفاً بالمعنى المعروف، فقد كان لا يخزن إلا الكتب والمخطوطات الشرقية، وقد أصبح هذا المتحف اعتباراً من سنة (1938م)، يعرف باسم معهدالاستشراق، وكان أول أمين لهذا المتحف المستشرق خ.د.فرين. الذي يدين له الاستعراب الروسي بإرساء أسسه الأولى.
وقد تم في المتحف الآسيوي طبع أول فهرس للمخطوطات العربية، للمستعرب الألماني برنارد دورن
(1805 ـ 1881م)، الذي كان يتقن اللغة العربية ولغات شرقية أخرى ولد وتعلم في ألمانيا واستقدمته الحكومة القيصرية للتدريس في خاركوف عام (1829م)، ثم انتقل إلى بطرسبورغ وتولى الإشراف على مكتبة المتحف الآسيوي والمكتبة القيصرية. وفهرس دورن، أسبق من فهارس بروكلمان، ولم يكن حاجي خليفة قد أكمل فهارسه بعد عن المخطوطات العربية عندما ظهر فهرس دورن وكان الفهرس بعنوان (فهرس المخطوطات الشرقية في المكتبة القيصرية العامة في سانت بطرسبورغ)([37])، وصدر عام (1865م)، وله (فهرس الكتب العربية والفارسية والتركية المطبوعة في الأستانة وفي مصر وفي العجم الموجودة في دار الآثار الأسيوية).([38]) عام 1825م.

كما أعد المستعربان ف.ر. روزن وسالمان، فهرساً للمخطوطات العربية والفارسية والتركية في جامعة بطرسبورغ عام 1879م وقد بلغ عدد المخطوطات المفهرسة وقتئذٍ 300 مخطوطة.
أما في مدرسة استعراب موسكو، فإن اتجاه الدراسات العربية في منتصف القرن التاسع عشر، لم يكن بنفس المستوى الذي كان عليه في بطرسبورغ، وفي تلك الفترة، انتقل تعليم اللغة العربية إلى الصفوف الخاصة مثل معهد لازاريف، الأرمني الذي قام بتأسيس المعهد عام (1872م) ، وتم فيه تدريس اللغة العربية واللغة الأرمنية وكان الغرض من تدريس اللغة العربية، تأهيل الأشخاص الذين سيوفدون إلى الشرق لمهمات مختلفة والغاية إتقان المحادثة العادية، ولكن هذا المعهد وغيره، لعب دوراً هاماً فيما بعد بالنسبة للاستعراب العلمي. وكان أول مدرِّس للغة العربية في معهد لازرايف الأستاذ العربي مرقص الدمشقي (1846ـ1911م)، الذي تعلم في المدرسة اليونانية الدينية بالقرب من القسطنطينية، وأتم دراسته العليا في كلية اللغات الشرقية في بطرسبورغ (وعندما كان في السنة الرابعة في جامعة بطرسبورغ سنة (1867- 1868م) حصل على الميدالية الفضية من أجل البحث الذي قدمه عن الخليفة علي بن أبي طالب)([39]) وعندما تخرج من الجامعة كان مشروع معهد لازارييف قد خرج إلى الوجود، فكان مدرساً في المعهد، ثم رئيساً لقسم اللغة العربية في نفس المعهد، وهو أول عربي يصبح رئيساً لقسم اللغة العربية في موسكو، والثاني بعد الشيخ الطنطاوي على مستوى روسيا. وقد بقي رقص في معهد لازاريف منذ (1872- 1900)، إذ غادر بعدها إلى سورية بسبب اعتلال صحته وتوفي هناك.
إن أهم عمل قام به مرقص الدمشقي هو ترجمته لمخطوطة (رحلة مكاريوس الأنطاكي إلى روسيا)، من اللغة العربية إلى الروسية وقد طبعت هذه الترجمة عام (1900م)، وكانت المخطوطة تحوي أكثر من (555) صفحة، وهذه أول ترجمة للمخطوطة تتم من اللغة العربية مباشرة إلى اللغة الروسية، إذ سبقها ترجمة من العربية إلى الإنكليزية، وبالتالي فإن الروس لم يتعرفوا إلىهذا الكتاب باللغة الروسية إلا بعد الترجمة التي قام بها مرقص الدمشقي، وكان بدأ العمل في هذه الترجمة سنة (1881م) (وقدم جزءاً منها للتقييم إلى كلية اللغات الشرقية وقام بهذا التقييم المستعرب كركاس)([40]). وقد بُدئ بنشر ترجمة مرقص منذ عام (1896م)، وانتهى نشر المجلد الخامس سنة (1900م)، (وقد ساعده في هذا العمل أنه كان يعرف جيداً اللغة العربية الفصحى واللهجة السورية التي كانت المخطوطة مكتوبة بها).([41])، وأهمية هذا العمل بالنسبة للروس، أنه يقدم لهم صورة عن التاريخ الداخلي لروسيا في تلك الفترة التي قدم بها مكاريوس الحلبي إلى روسيا عام
(1700م).

وبعد مرقص الدمشقي تولى التدريس في معهد لازارييف م. عطايا (1852 ـ 1924م)، الدمشقي الأصل، والذي كان مساعداً لمرقص في تدريس اللغة العربية منذ عام (1873م)، واستمر بالتدريس في المعهد المذكور أكثر من خمسين عاماً وله كتاب مدرسي لتعليم اللغة العربية أعيد طبعه ثلاث مرات، في قازان عام (1884م)، وفي موسكو عامي (1910 ـ 1900م)، و لـه كتاب دراسي باللهجة السورية طبع عام
(1923م)، وكذلك قاموس (عربي ـ روسي)، وقد كان عطايا مشهوراً جداً في بيئة الاستعراب في موسكو.

وهكذا مارس الأساتذة والعلماء العرب دوراً مهماً في الاستعراب الروسي، من خلال تواجدهم لتدريس اللغة العربية وآدابها في الجامعات والمعاهد الروسية المختلفة، ومن خلال المؤلفات التعليمية وغير التعليمية التي قاموا بنشرها في بيئة الاستعراب الروسي وكذلك من خلال الترجمات التي قاموا بها من العربية إلى الروسية وبالعكس وكذلك مارس بعض هؤلاء العلماء الاستعراب، لأول مرة كعرب ومسلمين ودارسين للآخر وواصفين لـه، وذلك عندما قاموا بتأليف الكتب عن البلاد التي عاشوا فيها، ليس وصفاً جغرافياً، وإنما وصفاً حياتياً يومياً، فكان العربي ذاتاً دارسة ومحللة لما حولها في البيئة الأجنبية، وبالتالي تركوا بصمات هامة فكان لمساهماتهم في الاستعراب الروسي دوراً كبيراً في تكريس صورة الشرقي المسلم في وعي الروسي، بأقل ما يمكن من الأخطاء والتشويهات والصور المغلوطة التي تمت في الاستعراب الغربي، عندما مارس هذا الاستعراب دوره بصورة أحادية في إنشاء صورة الشرقي المسلم في ذهن الأوروبي الغربي.
وقد ساهم أبضاً في تكريس هذه الصورة الإيجابية للشرقي المسلم في الاستعراب الروسي وبالتالي الثقافة الروسية، ارتحال العديد من المستعربين الروس إلى البلدان العربية في أزمنة مختلفة طالبين للعلم ودارسين للحضارة والمجتمعات العربية الإسلامية، من خلال المعايشة المباشرة، ثم عادوا إلى جامعات بلادهم لتدريس الأوجه المختلفة للآداب العربية الإسلامية، والحضارة الإسلامية. وكثيراً ما عقد هؤلاء صلات وصداقات استمرت أمداً طويلاً مع العلماء والمثقفين العرب، الذين تتلمذوا على أيديهم أو تعرفوا عليهم، وتم إنجاز العديد من أشكال التعاون العلمي بين هؤلاء وأولئك.
فقد ارتحل إلى مصر سنة (1835)، المستعرب انطوني موخلينسكي(1808- 1877م)، وتتلمذ على يد العالم والشاعر عبد الرحمن الصفتي، وأهدى هذا الأخير ديوانه الشعري لموخلينسكي والمحفوظ في خزانة محفوظات مكتبة جامعة بطرسبورغ، وكتب موخلينسكي عن هذا الديوان، "هذا أثر مدرسي في اللغة العربية في القاهرة المصرية الأستاذ عبد الرحمن الصفتي، وهو الأستاذ في الأزهر، وكذلك محرر في مطبعة يولاق الموجودة بالقرب من القاهرة- وهذا الأثر مقدم هدية لتلميذه انطوني مورخلينسكي سنة 1835 في شهر يناير".
لـ كما عقد موخلينسكي، أثناء وجوده في مصر صداقة مع الشيخ محمد عياد طنطاوي ولعلها كانت سبباً في استقدام الطنطاوي إلى روسيا واستمرت هذه الصداقة أثناء وجود الطنطاوي وتدريسه في بطرسبورغ.
- كما ارتحل في بداية العقد السابع من القرن التاسع عشر إلى سوريا ومصر ولبنان، المستعرب فلاديمير كركاس، وهو من بيلاروسيا (1835- 1887م)، وقد أبدى اهتماماً باللهجة العامية، وجمع في فترة وجوده في سوريا ولبنان أكثر من (500) مثل شعبي، وكان سباقاً بين المستشرقين الروس والغربيين على حد سواء إلى الاهتمام بلغة التخاطب اليومي. كما أنه بدأ بطباعة مخطوط (تاريخ أبي حنيفة الدينوري)، وكان المخطوط قد وصل إلى مجموعة القسم التعليمي في وزارة الخارجية، ومن ثم إلى مكتبة معهد الاستشراق، من خلال السفير الروسي (ايتالينسكي) في استانبول، والذي تعلم اللغة العربية في تركيا، وأصبح مولعاً بجميع المخطوطات. وقد تمت مقابلة هذا المخطوط قبل طباعته مع صورة أخرى له موجودة في مكتبة ليدن بخط المؤرخ ابن العديم الحلبي.
وقدم أقام كركاس في البلاد العربية ثلاث سنوات. كذلك ارتحل المستعرب كراتشكوفسكي وغيرهم كثير...
إن هذا التفاعل بين البيئة العلمية الروسية والبيئة العلمية العربية، انعكس بشكل إيجابي على الاستعراب الروسي، وجعل تعلم اللغة العربية وآدابها والثقافة العربية الإسلامية من قبل دارسيها الروس أقل صعوبة عندما أخذوا كل ذلك مباشرة من أبناء الثقافة الإسلامية وكذلك فقد عايش المستعرب الروسي شخصية العربي المسلم عالماً ومثقفاً وإنساناً عادياً مباشرة وكان هذا من أسباب عدم تشويه صورة الشرق العربي الإسلامي، فانتفت الأساطير والصور الوهمية، وكان فكان أن تجلى الاستعراب في أطره المعرفية الإنسانية.
لقد اعتبر المستعرب الروسي الكبير كراتشكوفسكي أن أهم شخصيتين أثرتا في الاستعراب الروسي هما الشيخ محمد عياد الطنطاوي ومرقص الدمشقي، يقول: (وإلى جانب عمالقة عملنا الاستعرابي أمثال فرين وروزن، وإلى جانب الروس، يقف عربيان عملاً في روسيا، أولهما الشيخ الطنطاوي المصري، وثانيهما مرقص الدمشقي)([42]).
وكما أثمر التعاون العلمي بين العلماء الروس والعرب في تقديم الصورة الحقيقية الموضوعية عن الشرق العربي الإسلامي، فقد ساهم أبناء العربية أنفسهم في إخراج تراثهم المخطوط إلى حيز النور، فكانت المراسلات ورحلات التحقيق العلمي قائمة باستمرار بين المستعربين الروس والعلماء العرب، فمن خلال التعاون بين العلماء والروس في بطرسبورغ والعلماء في العرب في بيروت خرج مخطوط ديوان الأخطل الأموي إلى النور في القرن التاسع عشر، يقول كراتشوفسكي عن هذا العمل (على أن الصعوبات لم تكن بالقليلة، ولاسيما الصعوبات الفنية، فقد كان من غير الممكن في ذلك الوقت أن يرسل مخطوطنا إلى بيروت، والصور الشمسية لم تكن شائعة آنذاك. وهنا أقترح روزن حلاً للخروج من هذه المسألة، وبناء على هذا أعدّ الصالحاني([43])، طبعة المخطوط حسب نسخة حسون، وأرسل مسودة الطبع إلى بطرسبورغ، حيث قام روزن بمقارنتها مقارنة كاملة مع أصل المخطوط، وأضاف إليها جميع الملاحظات والتعليقات التكميلية وخرجت الطبعة بسرعة في بيروت، وكان قد بُدئ بطبعها عام 1891، وبعد عام انتهى طبع أربعة أجزاء تضمنت كل مخطوطنا مع تعليقات تفصيلية دقيقة وبدأ العمل في إعداد الفهارس وتصحيح النص الإضافي وقد نشرهما الصالحاني كليهما في عام 1905 و1907 مستفيداً من خدمات الطباعة الفوتوغرافية)([44])
إن هذا النص يعكس بوضوح التعاون الذي كان يتم بين العلماء العرب والعلماء الروس في تحقيق وطبع المخطوطات العربية في البلاد العربية. إن تطلب الأمر ذلك وأن التراث العربي من خلال مخطوطاته كان الاطلاع عليه والعمل فيه متاحاً للعلماء العرب كما هو متاح للمستعربين الروس، وهذا جعل كما قلت سابقاً، الخطأ في أقل حدود ممكنة فأبناء العربية ساهموا في تحقيق تراثهم ونشره، علماً بأن المستعرب روزن بالنسبة لمخطوط الأخطل، كان قد بذل خمسة عشرعاماً من الجهد في دراسة مخطوط الأخطل ولكنه لم يجد غضاضة، ولم يكن محكوماً بعقدة التفوق الأوروبي في التعامل والتعاون مع عالم عربي، وأن تسود بينهما علاقة الاحترام (وقد اتفق ظهور هاتين الطبعتين مع بداية دراستي عند روزن، فأراد أن يرجع من جديد إلى الشاعر الذي أهداه منذ 15 عشر عاماً ليس بالقليل من الوقت والعمل وقد كان الصالحاني يحب روزن ويحترمه).([45])
إضافة إلى أن الاستعراب الروسي، لم يكن انتقائياً في تعامله مع المصادر والمخطوطات العربية، وبما يوظف هذه الانتقائية لخدمة أهداف استعمارية، كتلك التي كانت للاستعراب الأوروبي الغربي في تعامله مع التراث العربي الإسلامي، والعالم العربي الإسلامي في نفس الفترة، يقول كراتشكوفسكي (وأخذنا عاماً كاملاً ندرس باجتهاد القصائد البدوية الأصيلة.. التي تعكس بوضوح حياة الخلافة في القرن السابع والثامن وتعرِّف جيداً بتقاليد الجاهلية برمتها)([46]).
ونستطيع القول أن الاستعراب الروسي قد اختط لنفس نهجاً مغايراً، لما كان يحدث في الاستعراب الأوروبي الغربي، وأن التواصل بين العلماء العرب والمستعربين الروس بقي مستمراً وفعالاً وكان أحد تجلياته الإفادة من المكتبات العربية العامة والخاصة، التي كانت تفتح ذراعيها للباحثين والعلماء والمستعربين الروس للإفادة منها، وإظهار التراث العربي الإسلامي والتجليات المختلفة للحضارة العربية الإسلامية وكان أمناء هذه المكتبات وأصحابها يقدمون خدماتهم عن طيب خاطر.
وقد أظهر هذه الصورة الإيجابية عن العربي المسلم وطريقة تعامله مع العلماء والدارسين الأجانب، المستعرب كراتشكوفسكي فيتحدث إبان رحلته إلى الشرق عن هذه المكتبات قائلاً: ((وكل مكتبة سواء أكانت كبيرة أم صغيرة، غنية أم متواضعة، كان لها طابعها الخاص، إلا أنها جميعها كانت تقابل بترحيب زوارها الجدد، وتكشف لهم كنوزها بسعادة وطيب خاطر)([47])
وإلى جانب هذا العمل الإيجابي في الاستعراب الروسي، المنفتح بوعي وفهم إنساني للحضارة والتراث الإسلامي والعربي، فقد برز بين الحين والآخر في بيئة هذا الاستعراب من كانت لهم مواقف معادية للإسلام، سواء بين العلماء الروس أو الأساتذة العرب، فمن العرب الذين كان لهم موقف سلبي من الإسلام وكانوا في الجامعات الروسية سليم نوفل (الذي سمح مراراً لنفسه في كتبه بالنيل من الرسول محمد ومن الإسلام، وقد احتج السفير التركي على ذلك وطلب مصادرة كتبه)([48]) وكراتشكوفسكي نفسه لا يخفي امتعاضه من سليم نوفل، الذي يراه موظفاً في الخارجية الروسية أكثر منه عالماً، على الرغم من دوره التعليمي في تدريس اللغة العربية فيقول عنه (وقد حقق لنفسه في وزارة الخارجية الروسية درجة كبيرة من الوظيفة وتسلم كثيراً من الرتب والأوسمة.. وصار روسياً لدرجة أن أولاده نسوا اللغة العربية، وهو نفسه انصرف عن الاشتغال بالأدب، ولكنه نشر بعض الكتب في الفقه الإسلامي باللغة الفرنسية، لكنها لم تكن كتباً علمية، بل اقرب إلى الكتب السياسية التي تحمل ظله)([49])
وقد مثلت المواقف المتعصبة المناوئة للإسلام مجلة (التبشير المناهض للإسلام)، وقد تصدى للرد على هذه المواقف المتعصبة التي برزت في هذه المجلة ، المستعرب بارتولد (1869 ـ 1930م)، فيقول: (إن الحضارة الإسلامية هي ظاهرة تاريخية ليس من البساطة بمكان، لكي يتناولها المرء بمقالة أو بحث صغير)([50])، هذا على الرغم من أن هناك فئة وجهت الاتهام لبارتولد نفسه، في زعمه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ألف القرآن مع مسليمة الكذاب، وأن المستعرب بيلايف، قد ردد هذه المزاعم، وينفي هذه التهمة عن بارتولد عدد من المستعربين، منهم المستعرب المعاصر أنس خاليدوف، فيرى أن هذه المزاعم ترجع إلى سوء فهم لبارتولد في بحثه (مسيلمة)، فيقول: (إن بارتولد كان مفكراً حديثاً وباحثاً، وغير مسلم، فكان أن قام بالمقارنة بين الديانات، ومحاولة فهم كل شيء ضمن أصوله التاريخية والموضوعية، وأما ما ردده يفغيني بيلايف المستعرب من موسكو فقد كان في إطار تقديم وجهة نظره تجاه الإسلام في إطار حركة انتقاد الأديان التي برزت في العشرينات والثلاثينيات فكان أن أخذ ما كتبه بارتولد، وقدمه من وجهة النظر اللادينية هذه، وكأن بارتولد هو الذي قالها، وأظن أنه لم يكن منصفاً لبارتولد لم يكن بارتولد معادياً للإسلام، لقد كان باحثاً موضوعياً).([51])
لقد درس بارتولد (تاريخ الشرق)، في جامعة بطرسبورغ عام (1892م)، وكان (عضواً في أكاديميات مختلفة مثل تركمانيا، باكو، أذربيجان، عشق أباد، قازان، وله مؤلفات في تاريخ الإسلام والخلافة العربية)([52]). وجمعت أكاديمية العلوم في روسيا الأعمال الكاملة لبارتولد في عشر مجلدات والحادي عشر للفهارس ومنها كتاب (الإسلام)، الذي طبع عام 1918م، وكتاب (الحضارة الإسلامية)، و(العالم الإسلامي)، وغيرها.
أما في إطار المؤتمرات فقد عقدت عدد من مؤتمرات الاستعراب العالمية في روسيا، وأولها كان المؤتمر الثاني لمؤسسة المستشرقين العالميين في بطرسبورغ عام (1876م)، وكان المستعرب روزن رئيساً لهذا المؤتمر، كما عقد المؤتمر مرة ثانية في طشقند عام (1957م).
إن الاستعراب الروسي، في دراسته للشرق العربي الإسلامي كان ذا طابع موضوعي، فنظر إلى ثقافات الشعوب الأخرى نظرة مساواة، ومن منطلق المعرفة الإنسانية، ومن ميزاته أنه لم يعامل بازدراء ثقافات الشعوب الشرقية المسلمة، ولم يمارس عليها الوصاية أو الهيمنة.
وكان من الطبيعي أن ينعكس الانفتاح على ثقافات الشعوب الإسلامية، العربية وغير العربية والتي عبرت عنها الحضارة الإسلامية في التراث والنتاج الأدبي والفكري للمثقفين والأدباء الروس عبر المراحل الزمنية المختلفة، وبدءاً من معرفة الروس للقرآن الكريم من خلال الترجمات الأوروبية بادئ الأمر، وشكل تأثر المثقفين الروس بالتراث الإسلامي الشرقي ونظرتهم الموضوعية في التعامل مع شعوب الشرق المسلم، دوراً هاماً في رؤية الإنسان الروسي للشرق الإسلامي وتعامله معه كما شكل ذلك الأسس الراسخة للتقاليد الاستعرابية الروسية، التي يعتبر الاستعراب القائم حالياً في جامعات ومعاهد روسيا امتداداً لها لاسيما أن عدداً من المفكرين والأدباء الذين تأثروا بالحضارة الإسلامية كانوا أعلاماً ورموزاً قومية بالنسبة لروسيا مثل الشاعر بوشكين والمستعرب أغناطيوس كراتشكوفسكي.



([1]) ص 38 الاستشراق ـ إدوارد سعيد.

([2]) ص 71 الاستشراق في أزمة ـ أنور عبد الملك.

([3]) ص86 مقالة مكسيم رودنون في (الاستشراق بين دعاته ومعارضيه)، هاشم صالح.

([4]) ص 88 مكسيم رودنسون.

([5]) ص 203 ـ الاستشراق بين دعاته ومعارضيه.

([6]) ص113 ـ المصدر السابق.

([7]) تاريخ الاستعراب الروسي ـ كراتشكوفسكي فرالوفا.

([8]) ص 119 سوذرون ـ صورة الإسلام في أوروبا .

([9]) ص 244 بابوات من الحي اليهودي.

([10]) ص 22 تاريخ العلاقات بين المشرق والمغرب ـ عاشور.

([11]) ص 16 الحروب الصليبية ـ أرنست باركر.

([12]) ص 126 سوذرن.

([13]) قصة الحضارة ـ ول ديورانت.

([14]) ص 177 باباوات من الحي اليهودي.

([15]) ص 150 الحروب الصليبية ـ باركر.

([16]) أوردها سوذرن ص 19.

([17]) فرالوفا.

([18])بلوندين.

([19]) بلوندين.

([20]) بتروفسكي.

([21]) بتروفسكي.

([22]) ص 37 صورة الإسلام في أوروبة وسوذرن.

([23]) بتروفسكي

([24]) بتروفسكي.

([25]) ص 196 مع المحفوظات العربية ـ كراتشكوفسكي.

([26]) فرالوفا.

([27]) تاريخ الاستعراب الروسي ـ كراتشكوفسكي ـ ترجمة فرالونا.

([28]) نفس المصدر.

([29]) تاريخ الاستعراب الروسي- ترتشكوفسكي.

([30]) ص 143 مع المخطوطات.

([31]) ص 144 نفس المصدر.

([32]) ص 147 مع المحفوظات.

([33]) ص 144 مع المخطوطات العربية.

([34]) تاريخ الاستعراب الروسي.

([35]) ص 21 مع المخطوطات العربية.

([36]) ص 144 مع المخطوطات.

([37]) ص 114 المجلد الخامس ـ مقتطفات من المؤلفات الكاملة لكراتشكوفسكي.

([38]) ص 65 تاريخ التراث العربي فؤاد سزكين.

([39]) ص162 مقتطفات من المؤلفات الكاملة- كسراتشكوفسكي.

([40]) ص 114 المجلد الخامس ـ مقتطفات من المؤلفات الكاملة لكراتشكوفسكي.

([41]) ص 114 نفس المصدر.

([42]) ص 222 مع المخطوطات.

([43]) أنطوان الصالحاني ـ أستاذ في جامعة القديس يوسف.- رزق الله حسون ـ الآنف الذكر.

([44]) ص 216 مع المخطوطات.

([45]) ص 216 مع المخطوطات.

([46]) ص 216 نفس المصدر.

([47]) ص 38 مع المخطوطات.

([48]) ص 187 مع المخطوطات.

([49]) ص 187 المصدر السابق.

([50]) مجلة الفكر العربي- بارتولد والحضارة العربية الإسلامية عدد 31.

([51]) لقاء خاليدوف.

([52]) ص 63 موسوعة المستشرقين موسكو 1977 ترجمة فرالوفا.
__________________
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 02-19-2012, 11:17 AM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,072
افتراضي



بوشكين
والأثر الشرقي ـ الإسلامي:


تجلت تأثيرات الثقافة الشرقية الإسلامية لدى الكسندر بوشكين (1799 ـ 1837م)، شاعر روسيا العظيم والذي يحلو للروس تسميته بـ (شمس الشعر الروسي)، تجلت هذه التأثيرات في أدبه وخاصة مجموعته الشعرية (قصائد شرقية)، وذلك من خلال قراءته لترجمة القرآن باللغة الروسية وكان أعد هذه الترجمة الأديب فير يوفكين وصدرت في أواخر القرن الثامن عشر، وكذلك من خلال معايشته لشعوب القوقاز المسلم طيلة أربع سنوات هي مدة نفيه إلى الجنوب بعد صدور أمر القيصر بذلك وبوشكين شاعر وجداني (تنصاع له جميع عناصر الوجود. بوشكين الثائر وسع كثيراً حدود النشر الروسي والعالمي)([1])، يقول بوشكين عن تأثير العرب المسلمين في الثقافة الأوروبية (أن العرب في إسبانيا وهبوا للشعراء الأوروبيين الوجدان والعفوية في الحب)([2]). ويقول(هناك أمران أساسيان أثرا تأثيراً حتمياً على روح الحياة في أوروبا وهما غزو العرب للأندلس والحروب الصليبية)([3])
إن بوشكين نفسه تأثر بالثقافة الإسلامية، وقد ظهر تأثره وإعجابه بالقرآن الكريم بوضوح في القصائد التي اقتبسها من الآيات القرآنية وضمنها مجموعته الشعرية (قصائد شرقية)، وبوشكين بما لـه من مكانة عظيمة لدى الشعب الروسي وتأثيره القوي في الأجيال المتعاقبة، وبما له من مكانة هامة في الأدب العالمي، ساهم في نشر المعاني السامية للمثل الإسلامية والقيم الرفيعة التي تضمنها أدبه وكذلك في تصويره للشرقي المسلم كشخصية إنسانية إيجابية فاعلة في الحياة، يقول بوشكين في إحدى قصائده التي عنوانها (قبسات من القرآن).([4])
أقسم بالشفع والوتر


أقسم بالسيف والحرب المحقة


أقسم بنجمة الصبح


أقسم بصلاة المساء.


نلاحظ هنا الأثر والاقتباس من سورة (الفجر)، يقول تعالى: ((والفجر وليال عشر، والشفع والوتر)، ونرى كيف استطاع بوشكين أن يستبدل (الواو) للقسم بكلمة أقسم مبتدئاً بها كل عبارة من العبارات السابقة بدلاً من (الواو) التي ترددت في السورة الكريمة، وهذا يدل على فهم لما قرأه وتذوقه وأنه استطاع أن ينفذ إلى المعاني حتى من خلال الترجمة ويقول في نفس القصيدة: ([5])
لا أنا لم أهجرك


من ترى في ظل الطمأنينة


أدخلت محباً شخصه


وحميت من العسف المبين


ألست أنا يوم السغب


من سقاك مياهاً صحراوية


ألست من أعطى لسانك


سلطاناً عظيماً على العقول


نرى هنا أن الاقتباس تم من سورة (الضحى)، فقد اقتبس (عبارة لا أنا لم أهجرك) من الآية الكريمة: (ماودعك ربك وما قلى)، واقتبس العبارات: (الثانية والثالثة والرابعة)، من قولـه تعالى: (ألم يجدك يتيماً فآوى ووجدك ضالاً فهدى)، والعبارتين (الخامسة والسادسة) من قوله تعالى في سورة البلد (وإطعام في يوم ذي مسغبة).
يقول بوشكين في المقطع الثالث من نفس القصيدة: ([6])
تشجع واهجر الباطل


أتبع بشجاعة طريق الحق


أحب اليتامى وقرآني


اقتبست هذه العبارات من سورة (العلق): (أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى)، إلى قوله تعالى: (كلا لا تطعه واسجد واقترب).
أما المقطع التالي:
يا نساء النبي الطاهرات([7])


أنتن عن كل النساء مميزات


فيكاد يكون ترجمة لقوله تعالى في سورة النساء الآية
(31): (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء)، وقوله:

في الظل الجميل للسكينة


عشن بتواضع. فرض عليكن([8])


أيتها العذارى الحجاب


فهو مقتبس من قوله تعالى في سورة النساء أيضاً الآية
(32): (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى)

وقوله:
احفظن قلوبكن الآمنة([9])


كي لا تلامس وجوهكن


نظرات الأرذال الماكرة


مقتبس من قوله تعالى في سورة الأحزاب الآية (28): (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيما).
وفي المقطع الثاني من قصيدة (قبسات من القرآن)، يقول بوشكين:
وأنتم يا ضيوف محمد


متقاطرين إلى أماسيه


احترسوا أن لا تكدر


بهارج الدنيا نبيي


في الشباب أفكار تقى


هو لا يحب المتبهرجين


ولا كلام المتكبرين والفارغين


شرفوا مأدبته بخضوع


وبعطف عفيف


جواريه الفتيات


لقد اقتبس هذا المقطع كاملاً من سورة الأحزاب الآية
(52): (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين انيه ولكن إذا دعيتم فادخلوا، فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث، إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق، وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب، ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن، وماكان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً، إن ذلكم كان عند الله عظيما).

وفي القصيدة (6) يقول بوشكين:
ليس عبثاً أنكم ظهرتم في الحلم لي


برؤوس حليقة في المعركة


وسيوف مدماة


في الأسمال، على القلاع، على الأسوار([10])


أن هذا المقطع مقتبس من قوله تعالى في سورة الفتح الآية (26): (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق، لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون، فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحاً قريبا).
أما القصيدة التالية:
انهض أيها الوجل


في كهفك المصباح المقدس


يشتعل في الصباح.


بصلاة قلبية


أبعِدْ أيها النبي


الأفكار الحزينة


والأحلام الخبيثة.


بتواضع حتى الصباح


أقم الصلاة


واتل الكتاب السماوي


حتى الصباح.([11])


إن القصيدة السابقة مقتبسة من قوله تعالى في سورة المزمل: (يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً نصفه أو انقص منه قليلاً، أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا).
وهكذا نرى عمق تأثر بوشكين وإعجابه بالقرآن الكريم إلى درجة الاقتباس الكامل لمعاني الآيات الكريمة في بعض مقاطع قصائده. وفي قصيدة (النبي)([12])
يكرر الشاعر كلمة (الصحراء) مقترنة بتراكيب مثل (الظمأ الروحي) و(ارتجاج السماء) و(طيران الملائكة العلوي) مما يوحي لنا بالظمأ الروحي لمجتمع ماقبل الإسلام الذي كان يتيه في ظلام الوثنية، ثم جاء الإسلام ليحدث الهزة الكبرى (ارتجاج السماء) في تاريخ المجتمع العربي هذا الدين الذي كان رسالة سماوية (طيران الملائكة العلوي) وكان جبريل (الملاك) يتلو الوحي على الرسول الكريم.
وأعتقد أن هناك مفارقة واضحة بين موقف بوشكين من القرآن الكريم وإعجابه واقتباسه من آياته وبين موقف مستشرقي أدوار سعيد ومنهم شاتوبريان الذي يقولِ: (لقد كان القرآن "كتاب محمد" وهو لم يحتو على أي مبدأ للحضارة، أي تعليم يسمو بالشخصية)([13]) أو قول وليم روبرتسن سميث (أن هذه الديانة قد حملت تحت جناحيها كثيراً من الأفكار البربرية والباطلة التي لابد أن محمداً نفسه أدرك أنها غير ذات قيمة دينية، والتي أدخلها رغم ذلك في نظامه من أجل أن يسهل انتشار معتقداته المذهبية المعدّلة المصلحة)([14]).
أما تأثر بوشكين بالحياة الشرقية الإسلامية فقد برز في قصائده التي كتبها عندما كان في القوفاز في فترة نفيه ففي قصيدة (طلسم) المؤرخة عام (1826)، يقول:
هناك حيث البحر دوماً ينطوي


فوق صخور الصحراء


حيث يشع البدر دفئاً([15])


فمن خلال استخدامه للأضداد (البحر، الصحراء)، (صخور الصحراء)، (البدر، الدفء)، كأن بوشكين يطالبنا بفك طلاسم غايتها فيوحي لنا بالماء (البحر) الذي يتراءى (سراباً) في الصحراء والبدر يشع (دفئاً) والمألوف أن (البدر) يوحي (بالبرودة) والشمس هي التي توحي بالدفء.
ومن أجواء المسلمين في القوقاز تظهر مفردات مثل (الحريم، الطلسم، الحنان، المنعم) لتعكس الأجواء الأسرية الآمنة التي يعيشها المسلم الشرقي يقول:
في أجمل وقت من عتمة المساء


حيث يمضي المسلم أيامه


في الحريم منعما


هناك سلمتني ساحرة


بحنان طلسما([16])


إن هذه المقاطع تعكس لنا الحالة الكئيبة التي يعانيها الشاعر في منفاه وغربته عن وطنه في الوقت الذي ينعم فيه رب الأسرة المسلم بالدفء في بيته، وطلسم الساحرة الحنون، لم يرتبط بالشعوذة واجتراح المعجزات، فهو لن يدفع المرض ولا الموت، ولن يحمل المنفي إلى الأهل والوطن، ولكنه ذو تأثير معنوي يحمي من ألم جراح الخيانة والهجر.
إن هذه المفردات التي استعملها بوشكين في قصيدته لم تحمل لنا معنى الشرق المسلم الأسطوري، ولا الحريم المشبع بالجنس ونزوات الرجال، ولكنه استعمل هذا للتعبير عن (الحريم) بمعنى (الأسرة) ومنعماً بمعنى (آمناً مطمئناً). نفس المفردات كانت تعبر لدى أغلب المستشرقين الغربيين عن نزوات الشرق المسلم بحريمه (الجنس)، ومنعماً (عابثاً لاهياً)، إن شرق بوشكين المسلم هنا هو شرق القوقاز، وفصيح هذا، وهنا نرى أن الشرق المسلم كان شرقاً قريباً، عايشه الشاعر وأعجب بشخصياته، فعندما يتحدث عن الحريم فهو لا يحمِّل المعاني الايهامات الجنسية، والقمع للمرأة، بحيث لا تعني إلا المتعة فقط. بل هي المرآة الفاعلة في أسرتها شأنها شأن النساء الأخريات، التي تمنح الطمأنينة والحنان إن شرق بوشكين ليس شرقاً متخيلاً وهمياً بل شرق يمور بالحركة ويبدع الشعراء.
أحب القرم أبناءُ سعدي


حيث أبدع هنا يوماً


فصيح الشرق دفاتره


وأدهش بقجه سراي([17])


وفي قصيدة (الفارس الفقير)، نستذكر الحروب الصليبية ونستذكر شخصية (بطرس الناسك) الذي لعب دوراً في تلك الحروب الصليبية الأولى فقام بقيادة الحملة الشعبية إذ أن هذا الناسك كان قد سار إلى الأراضي المقدسة في فلسطين للحج، ولكنه قفل عائداً إلى أوروبا دون أن يتمكن من الوصول إلى بيت المقدس بسبب مضايقات السلاجقة) ([18]) وهناك روايات تقول بأنه تمكن من الوصول إلى بيت المقدس، وشاهد مضايقات السلاجقة للحجاج الأوروبيين، وعندما عاد إلى بلاده، قام بتضخيم تلك الإساءات التي كانت تلحق بالحجاج وقام بالتحريض لإشعال الحماس الديني في أوروبا لتخليص قبر المسيح ثم قاد الحملة الشعبية الصليبية في إطار الحملة الأولى، وكانت حملته تتكون من المعدمين وأرقاء الأرض، وكان هؤلاء يعتقدون أنه قديس وأن إرادة الله قد حلت فيه.
فيقول بوشكين في قصيدة (الفارس الفقير):
عاش في الدنيا فارس فقير


صموت بسيط


مظهره عابس وشاحب


لكنه بروحه شجاع ومخلص


كان قد رأى رؤيا


لا يصدقها العقل


انحفرت في قلبه


بانطباع عميق


ويتابع بوشكين قائلاً:
مسافراً إلى جنيف


على الطريق عند الصليب


رأى العذراء مريم


أم السيد المسيح


من حينها محترقاً بروحه


لم ينظر إلى النساء


وحتى اللحد لم يشأ


أن يكلم واحدة


لا يني أبداً يصلي


للأب والابن وروح القدس


لم يحدث هذا الفارس


كان إنسانا عجيبا


هاهم الفرسان


للقاء الأعداء المرتعدين


في سهول فلسطين


اندفعوا داعين السيدة


هتف بانفعال


(يانور السماء، يا روز القديسة).


ولكن حشود المسلمين


جرفته من كل الجوانب([19])


كيف صور بوشكين هذا (الفارس الصليبي)، لقد انصاع في حربه هذه لدوافع (لا يصدقها العقل)، وكان هذا الفارس (إنساناً عجيبا)، إن العجيب الآن والمدهش، وغير المنطقي، ليس الشرقي المسلم، وإنما هذا الفارس الأوروبي، الذي لم يكن هناك أي مبرر عقلي أو منطقي لقيامه بهذا الغزو، وهذه الحروب التي خاضها مدفوعاً برؤيا خرافية وهمية، وكان يعتقد أنه منتصر لا محالة، مدفوعاً بعقدة تفوقه ووهم انتصاره، لأن هؤلاء المسلمين الشرقيين سوف يرتعدون خوفاً تحت وطأة الغزو الأوروبي الصليبي في سهول فلسطين ولكن الواقع كان شيئاً آخر، فقد صدم هؤلاء الفرسان الصليبيون بمقاومة المدافعين من المسلمين عن المدينة المقدسة في هذه الحروب غير المبررة دينياً والتي رأى بوشكين، أنها لم تلق استجابة من السماء.
وهكذا يصور بوشكين، انتصار الشرق على الغرب، وهذا مخالف تماماً لكل ما ألفناه عن صورة الشرق والشرقي المسلم في الأدب الأوروبي الغربي، وفي التراث الاستشراقي الأوروبي وهنا يتمايز مرة أخرى الاستعراب الروسي. وهنا نرى كيف تأثر الأدباء الروس بالشرق ولم ينكروه أو يحاولوا ازدراءه وإذا عرفنا مكانة بوشكين لدى الشعب الروسي وتأثيره الفعال والمستمر على الأجيال المتتابعة، أدركنا بعمق كيف تكرست صورة الشرق المسلم في وعي الروس، ومن منطلق التماثل الإنساني وليس التمايز.
وفي قصيدة (مسلم فقير): يقول بوشكين:
محمد، هذا هو اسمه، يرعى


بجد كل يوم النحل والقطيع


والكرم المنـزلي


لم يعرف ماهو الكسل([20])


إن الشرقي المسلم إنسان إيجابي، مجِّد مفعم بالعمل والحركة وليس الرجل الكسول الخامل المستسلم لرغباته الذي قال عنه سميث (مجهد، الانتقال من مكان إلى مكان بالنسبة إليه إزعاج صرف، وهو لا يشعر بمتعة في بذل الجهد كما نشعر نحن، ويتذمر من الجوع والتعب بكل قواه كما لا نفعل نحن وليس في وسعك أن تقنع الشرقي أبداً أنك حين تترجل عن راحلتك قد تكون لديك رغبة أخرى سوى أن تجلس القرفصاء على بساط فوراً وتستريح تدخن وتشرب)([21]).
والشرقي المسلم عند بوشكين، كريم ومحارب شجاع متفاعل مع الحياة ومتطلباتها، فهو لايبخل على ضيوفه ويوفر لهم الإقامة والطعام، وعندما لا يكون في معركة أو عمل فهو ينعم بالهدوء مع أسرته التي يرعاها آمناً مطمئناً. إن قصيدة بوشكين (أسير القوقاز) تعكس هذه المعاني السابقة:
مع عائلته آمناً


في أوقات المطر


يدخل عليه طارق متعب


يجلس على النار من وجل


عندها ينهض رب البيت


ملاطفاً إياه بود وتحية


ويقدم للضيف كأساً شذية


من نبيذ لذيذ


وتحت عباءة لباد ندية، في منزل


مدخن يتذوق المسافر نوماً آمناً


ويغادر في الصباح


المأوى الليلي المضياف([22])


إن الأسير الروسي يتحدث بإعجاب وحب عن هؤلاء الشرقيين المسلمين:
لاحظ الأسير بين الجبليين


إيمانهم وعاداتهم وأخلاقهم


أحب بساطة حياتهم


كرمهم وتعطشهم للقتال


سرعة حركتهم الحرة


وخفة أرجلهم وقوة سواعدهم([23])


هذه هي الصورة التي يبثها الأدباء الروس في الوعي العام الروسي عن الشرقيين المسلمين، وأعتقد أنها مختلفة تماماً عن صورة الشرقي المسلم التي يقدمها المستشرقون الأوروبيون الغربيون (والشرقيون وخصوصاً المسلمين كسالى وحياتهم السياسية نزوية مشبوبة ولا مستقبل لها)([24]).
يقول شاتوبريان عن المسلمين الشرقيين: (عن الحرية لا يعرفون شيئاً، من الاحتشام ليس لديهم شيء، القوة: هي ربهم).([25])
لقد ارتبطت صورة الشرقي المسلم في الآداب الغربية بشخصية الشاذ والمنحرف والكسول الهروب الماكر الذي لايني يخدعك ويفتك بك عند اللزوم. هذه الشخصية هي التي يجب أن ينوب الغرب الأوروبي عنها في اتخاذ قراراتها وتحديد مصيرها ورسم مستقبلها.
إننا عند بوشكين نرى صورة مختلفة، فالشرقي المسلم إنسان إيجابي، حركته دائمة، لا يعرف الكسل، يحلُّ به ضيفه مساءً، فيلقى الحفاوة والترحيب، فينام مطمئناً آمناً ويغادر صباحاً متابعاً طريقه. وعندما ينظر بوشكين إلى العادات والتقاليد المختلفة لا ينكرها، فلا يصورها بالعجائبية والشاذة وإنما يحترمها، لأن الاختلاف هنا ناجم عن اختلاف الشعوب، إنه الاختلاف والتمايز المباح والأساسي في الحياة الإنسانية، الذي يفرض احترام كل شعب لعادات وتقاليد الشعوب الأخرى بغض النظر عن اللون والديانة والانتماء. إن الشرقي المسلم في قصائد بوشكين لم يمارس الطغيان تجاه الآخر حتى وإن كان هذا الآخر سبية من سبايا الخان التترية فنرى أنه ترك لها حرية العقيدة، في نفس الوقت الذي اعتنقت الإسلام سبية أخرى، ولكن ليس بدافع القسر وإنما بدافع الحب. يقول بوشكين على لسان (زريمة) الجورجية الحسناء في قصيدة (الأغنية التترية).
لم أولد هنا، بل بعيدا


بعيدا، ولكن الأيام الغابرة


حاضرة بعمق أشياؤها


في مخيلتي حتى الآن


أذكر الجبال في السماوات


السيوف العنيفة في الجبال


غابات البلوط الكثيفة


قانون آخر عادات أخرى ...


أقسمي (ولو أنني لأجل القرآن)


بين سبيات الخان


نسيت عقيدتي القديمة


ولكن عقيدة أمي كانت عقيدتك([26])


فهذه امرأة تركت عقيدتها القديمة (المسيحية) لأجل القرآن، دون إكراه وهذه ماريا السبية الأخرى بقيت على عقيدتها، بل وتمارس شعائرها دون خوف، أبقت على صليبها ومارست صلاتها في وحدتها:
قناديل النور الموحش


تومئ، حزيناً يبدو


وجه الفتاة الوديعة الطاهر


والصليب عنوان الحب المقدس([27])


وفي قصيدة أخرى يقول بوشكين:
بدا لي أنها وصية القدر


تحدثت بكلام صريح


أين اختفى الخانات؟ أين الحريم


الكل هادئ، الكل كئيب


الكل تغير


ويبتهج نظري النهم


ثانية أمواج القرم


بلد ساحر! متعة العين!


كل شيء حي هناك([28])


إن الشعوب عند بوشكين تتغير وتتقدم، تتحرك إلى الأمام، فالتقدم خصيصة من خصائص الإنسانية. فلا يثبت بوشكين الشرقي المسلم عند لحظة تاريخية معينة، فهو لا يتحدث عن شرق سكوني، بل عن شرق حيوي حيث قانون التطور والتغير يحكم جميع الشعوب، وهذا ما لم يقله المستشرق الغربي عن الشرق المسلم.
إن بوشكين بعد أن عايش الشرق المسلم من خلال القوقاز، يرى أن شرق الخانات والحريم والقصور قد تغير، لأن الشعوب تعيش متغيراتها وفق الأزمنة المختلفة. وينهي بوشكين القصيدة بإمكانية التعايش بين العالم الإسلامي والعالم المسيحي، وليست إمكانية السيطرة والهيمنة هي التي تحكم تفكير الأديب الروسي، بل إن الشعوب على اختلافها يمكن تتلاقى يقول:
ولذكرى ماريا البائسة


أمام نافورة مرمرية


في زاوية القصر المنعزل


وفوقها صليب يظلل


الهلال المحمدي([29])


هذه هي رؤية أعظم شاعر روسي للشرق المسلم، وهذه رؤيته للإسلام وللقرآن، هذه هي الصور عن الشرق الإسلامي التي كرسها من خلال شعره في وجدان الروسي المثقف، والمواطن العادي، وأورثها للأجيال المتعاقبة.
وبعد الحديث عن نموذج من الأدباء الروس في القرن التاسع عشر نرى كيف أن موقف الاستعراب الروسي الكلاسيكي من الشرق المسلم.



كراتشكوفسكي والشرق الإسلامي.

إذا كان بوشكين شاعر روسيا العظيم، فإن كراتشكوفسكي (1833-1959) يعد بحق، شيخ المستعربين الروس. ولد اغناطيوس كراتشكوفسكي في (فيلينوس)
(1833 ـ 1959)، يعد بحق شيخ المستعربين الروس أغناطيوس كراتشكوفسكي (1833ـ1959)، ولد في (فيلينوس) عاصمة (ليتوانيا)، وعاش في طشقند مع أبيه حتى عام (1888)، وتعلم فيها، ثم أنهى تعليمه الجامعي في جامعة بطرسبورغ عام (1905)، في قسم اللغة العربية في كلية الدراسات الشرقية، وكانت رسالته للماجستير عام (1906)، عن الشاعر (الوأواء الدمشقي)، وخلال تحضيره لرسالة للماجستير في شهر تموز من عام (1908)، وصل إلى بيروت في رحلة إلى الشرق كان قد اقترح عليه القيام بها أستاذه المستعرب روزن (1849-1908) وفي الشرق العربي التقى كراتشكوفسكي بالعديد من العلماء والأدباء والمفكرين العرب، والمستعربين من أوروبا الغربية. ففي جامعة القديس يوسف في بيروت، التقى بالمؤرخ البلجيكي لامنس، والفرنسي رونزفال والإيطالي نللينو، ومن العلماء العرب، التقى بالأب لويس شيخو، وجورجي زيدان، ومحمد كرد علي، وأمين الريحاني، وإسعاف النشاشيبي وغيرهم، واستمرت صلاته مع بعضهم بغرض التعاون العلمي. عمل كراتشكوفسكي أميناً لمكتبة اللغات الشرقية في جامعة بطرسبورغ، وأستاذاً اللغة العربية في نفس الجامعة وفي عام 1921 انتخب عضواً في أكاديمية العلوم السوفيتية وانتخبه المجتمع العلمي بدمشق عام (1923) عضواً فيه. كما كان عضواً في العديد من الأكاديميات والجمعيات العلمية.
لقد وقف كراتشكوفسكي معظم آثاره العلمية إن لم تقل كلها للآداب العربية وخدمتها وقد اهتم كراتشكوفسكي بالدرجة الأولى بالمخطوطات العربية والكشف عنها وتحقيقها فكان له الفضل في اكتشاف مخطوط (المنازل والديار) للأمير السوري أسامة بن منقذ وكذلك مخطوط (رسالة الملائكة) لأبي العلاء المعري وقام بنشر كتاب (البديع)، لابن المعتز.
وتجلى موقف كراتشكوفسكي من الحضارة العربية الإسلامية في كل ماكتب، وكتابه (مع المخطوطات العربية) يعتبر سيرة ذاتية له، إلا أننا نستطيع أن نعتبره الأثر الفني الذي قدم فيه بتنوع وغزارة مواقفه المختلفة تجاه العديد من القضايا المتعلقة بالشرق العربي الإسلامي، وأنه من خلال هذا الكتاب قدم موقفاً شاملاً من الشخصية العربية الإسلامية ومن الحضارة والتراث العربي الإسلامي.
إن كراتشكوفسكي من خلال المخطوطات لا يستعيد الماضي فقط، ولا يتعامل معه كحقبه ميته منقطعة عن الحاضر، وإنما يجعل الحياة تنبعث من ثنايا المخطوطات، كما تنبعث من شخصياتها، ضمن ظروفها التاريخية وفي تعامله مع هذه المخطوطات، ينبثق إحساس العالِم العميق بالمسؤولية العلمية التاريخية التي تحتم عليه الموضوعية في التعامل مع التراث الإنساني بغض النظر عن جنس ودين مبدعي هذا التراث. يقول: (فما إن تتذكر هذه المخطوطات أو تهم بالحديث عنها، حتى تهب على الفور سلسلة من الأشخاص من القرون البعيدة الماضية، ومن الأعوام القريبة من حياتك الخاصة)([30]).
ويقول (المخطوطات تهمس وأنا أدقق النظر فيها باهتمام)([31]).
إن كراتشكوفسكي يقوم بعملية إحياء واستحضار للماضي، وربط بين الحاضر والماضي ولكنه ليس الإحياء بغرض استمرارية هذا الماضي في الزمن الحالي، وإنما إحياء غايته وضع كل حادثة في ظروفها التاريخية. إن العالِم يربط حياته بعمله العلمي ويجعله المتحكم الوحيد في حياته، ولكن المخطوطات تكون أحياناً عنيدة وتجد نفسك عاجزاً عندما تسألك بقوة وتحكم (ومن ذا الذي سيتحدث بعدك عن هذا؟ أترى أعطيناك الحق في أن تطوي هذا بانطوائك، إنها أوامر العلم الخالد على مدى القرون أوامر جدية ولسوف تنحني لها إرادتك في آخر الأمر)([32]).
إن المستعرب هنا لا يستطيع تجنب مسؤولية علمية ملقاة على عاتقه في الكشف عن التراث الحضاري الإنساني، أياً كان هذا التراث شرقياً، أو غربياً، إسلامياً أو مسيحياً، إن منطلق كراتشكوفسكي في التعامل مع الدراسات العربية الإسلامية هو منطلق علمي، ولا أوامر توجهه أو تتحكم به إلا أوامر العلم الخالد وهنا ينفي كراتشكوفسكي إمكانية ربط هذه الدراسات وهذا الاستعراب بأوامر من أي نوع، سياسية أو دينية إنه استعراب علمي، ذو بعد إنساني، ولعل هذه ميزة من ميزات الاستعراب الروسي، أنه غير مسخر إلى حد كبير لأهداف سياسية أو دينية.([33])
يقول كراتشكوفسكي (وهنا تسمع في هدوء حفيف أوراق الكتب والمخطوطات على المناضد وهنا أيضاً رويداً رويداً، وخطوة خطوة، وسطراً سطراً، يخلق العمل العلمي، الذي تخرج نتائجه من بين هذه الجدران العالية إلى تلك الشوارع المضطربة خارج جدران هذه المكتبة لتنشرها صفحات الجرائد والمجلات في كل البقاع، ولتستقر هذه النتائج أيضاً في بطون الكتب على رفوف هذه المكتبة العامة)([34])، إن المستعرب كراتشكوفسكي يدرك أهمية دوره في تكوين الوعي العام الروسي عن الشعوب الأخرى، وعن الشرق العربي الإسلامي، فنتائج أبحاث المستعربين لن تأخذ طابعها الأكاديمي فقط، وإنما سيكون لها دوراً تاريخياً فعالاً في تكوين الفكرة عن الآخر والتعامل معه، لأن نتائج بحوث المستعربين سوف تخرج إلى الشارع الروسي وتكون في متناول جميع القراء من خلال الصحف والمجلات. وهنا يبرز الدور الإنساني للبحث الاستعرابي وضرورة موضوعيته في تقديم الآخر لأبناء بلده وللإنسانية، وبالتالي سيكون للاستعراب دوراً مهماً في التعامل الإنساني بين الشعوب، ومن جهة ثانية فإن هذه النتائج للبحوث الاستعرابية ليست آنية التأثير، وإنما سوف تورث للأجيال وسوف تكون جزءاً من الأدب الفكري الإنساني يتداولونها جيلاً بعد جيل. يتم تداولها، إن هذه الأبحاث سوف تستقر في بطون الكتب، على رفوف المكتبات، وسوف تكون من العوامل المؤسسة لثقافة المستعرب أو الباحث أو القارئ العادي القادم. فالمستعرب إما أن يُوَرُث الصورة السلبية المشوهة، وإما أن يقدم الصورة الحقيقية من خلال موضوعية أبحاثه، وبالتالي سوف تمنح هذه الأبحاث العلمية علاقات الشعوب طابعها الإنساني الحقيقي البعيد عن التشويه والتزييف المتعمد، بهدف إظهار التفوق لشعب على آخر وبالتالي تبرير السيطرة عليه كما فعل الاستشراق الغربي إلى حد كبير.
لقد عقد كراتشكوفسكي صداقات أبدية مع شخصيات مخطوطاته، مع العلماء والأدباء العرب الذين أبدعوا تلك الآثار الفكرية الحضارية (أولئك الأصدقاء الذين لا يستطيع أحد أن ينتزعهم منك، حتى الموت نفسه لا يملك سلطاناً عليهم، إن فصولاً بأكملها من التاريخ كانت مجهولة ثم انفتحت لك، وإن كثيراً من الشخصيات قد خرجت من صفحاتها وكأنها حية وتجسدت أمامك فرأيتها رؤية العين)([35]).
إن المستعرب الروسي لا يقوم بإحياء الماضي ليجعله بديلاً للحاضر أو ليجعل الحاضر استمراراً لهذا الماضي أو إطالة له. الماضي، الذي مارس العرب المسلمون فيه دورهم الحضاري في الإرث البشري، والذي يحكم المستشرقون الأوروبيين، بأن الشخصية العربية الإسلامية قد أبدعت فعلها التاريخي وانتهت، وماتت بانتهاء الفعل التاريخي الماضي للشخصية العربية الإسلامية، وبالتالي فإن هذه الشخصية غير قادرة على ممارسة الفعل الحضاري مرة أخرى، وبالتالي فإن إحياء المستشرق الغربي للماضي العربي الإسلامي هو إحياء من باب استمرار الماضي في الزمن الحالي، وأن العرب المسلمون مازالوا يعيشون في تلك الفترة من الفعل الحضاري الذي مضى عليه قرون. أقول أن إحياء المستعرب الروسي لشخصيات مخطوطاته ليست من باب الفعل الأوروبي الغربي ذاته: وإنما من باب ربط الماضي بالحاضر، إذ عاش في الماضي الزاهي شخصياته العلمية المبدعة، وفي الحاضر الآن تنبعث الشخصية العربية الإسلامية لتمارس دورها في التاريخ الحالي، فهي ليست شخصية محكومة فقط بالماضي، وإنما هي شخصية حية تقوم بفعلها التاريخي وضمن شروطها التاريخية، فيقدم كراتشكوفسكي شخصيتين عربيتين إسلاميتين، واحدة منذ قرون من الماضي البعيد، والأخرى عايشها وتعامل معها: يقول: كراتشكوفسكي:
(وقد تذكرت بابتسامة حياة التبريزي التي قضاها في بغداد كأستاذ في المدرسة النظامية المجيدة، وكيف أنه بعد موته، كان الناس يشيرون إلى معجم كبير قد حمله أيام شبابه على ظهره من تبريز إلى بلاد الشام، لكي يدرس عند شاعر وعالم مشهور أعمى هو أبو العلاء في المعرة بالقرب من حلب، ويبدو ظهر المعجم كأنه أصابه البلل بالماء، والسبب في هذا يرجع إلى طول الفترة التي قضاها المعجم محمولاً على ظهر التبريزي فأصابه العرق الذي نتحه ظهره)([36]) إن كراتشكوفسكي يقدم لنا الشخصية الإسلامية شخصية إنسان ساع للعلم لا يتوانى في سبيله من تجشم عناء السفر، حاملاً كتبه من تبريز إلى الشام ليتتلمذ على يدي أبي العلاء فالمسلم طالب للعلم متابع له هذا عن عالم من الماضي، وعن الحاضر، يحدثنا عن العلماء المعاصرين أحفاد أولئك العلماء الدؤوبين ضمن الشروط التاريخية، فهو يصف المكتبات العربية خلال رحلته إلى الشرق العربي المسلم فيتحدث عن مكتبة الأزهر وعن المكتبة الخديوية وعن إتاحة فرص الانتفاع بالمخطوطات للباحثين دون تعقيدات كثيرة في مكتبة الأزهر قياساً إلى تعليمات المكتبة الخديوية الصارمة (وها أنا أسرع إلى مكتبة الأزهر والأزهر هذا هو أكبر مدرسة إسلامية أسست في القرن العاشر للميلاد. وفي المساء ذهبت إلى الشيخ وأخذت منه بلا صعوبات كثيرة بعض المخطوطات إلى منزلي.([37])
هذا عن بعض مكتبات مصر وفي بيروت يتحدث عن المكتبة الشرقية في جامعة القديس يوسف فيقول(وكان يحزنني أن أقرأ بعد وصف بعض المخطوطات القيمة التي أعرفها عبارة مختصرة. Disparu durant laguerre. (فقدت في زمن الحرب)، إن البربرية الحديثة لم ترحم هذه المجموعة أيضاً، التي كانت في سوريا أحسن ماوجد منها من حيث ترتيبها.. والعادات المتبعة في المكتبة أنظمة وعادات بطريركية حقاً فلو أنني أردت أن أستعير منها أي كتاب إلى منزلي فإن كل مايلزمني هو أن أسجله بنفسي في دفتر كبير ملقى مفتوحاً على المنضدة).([38]) هذا جانب آخر من جوانب الشرق العربي الحديث يصوره كراتشكوفسكي إنها الاهتمامات الفكرية وإحدى صورها المكتبات العامة، كما يصور اهتمام الأديان، إسلام ومسيحية، بهذه الصروح الحضارية والحفاظ على الكنوز القديمة المحفوظة فيها، فهذه مكتبة الأزهر وتلك مكتبة جامعة القدس يوسف، والمكتبة الخديوية، ومكتبة الإسكندرية، إضافة إلى المكتبات الخاصة مثل مكتبة أحمد تيمور في مصر، والمكتبة الخالدية في القدس، وفي حلب المكتبة المتربولية المارونية. (وكل مكتبة سواء أكانت كبيرة أم صغيرة، غنية أم متواضعة، كان لها طابعها الخاص، إلا أنها جميعاً كانت تقابل بترحيب زوارها الجدد وتكشف لهم كنوزها بسعادة وطيب خاطر)([39]).
إن كراتشكوفسكي يعكس صورة الشرق المعاصر المهتم بالفكر والأدب والثقافة، اهتماماً رسمياً ودينياً وشخصياً، وصورة الشرقي المنفتح على الآخر، ذو الاهتمامات العلمية. إن النهضة الحديثة للشرق العربي المسلم تظهر بوادرها في كل مكان، (وفي الصيف عندما غادرت بيروت ورحلت إلى أماكن أخرى فهناك كان معلمو القرى وصحفيو المدن الصغيرة ومراسلو الجرائد وأطباء القرى كل هؤلاء قابلوني هناك بود وترحاب وكان الحوار بيننا يستغرق عدة ساعات بعد أول لقاء بهم وكانوا جميعاً يتأججون والثورة تتقد في نفوسهم وفي خيالهم حلم بالتحرر الوطني)([40])
إن كراتشكوفسكي في حديثه عن الشرق المعاصر، الشرق العربي المسلم، يقدم صورة تختلف اختلافاً كبيراً مما قدمه ورسمه الأوروبي الغربي، ففي نفس الوقت الذي تواجد فيه كراتشكوفسكي في مصر وسوريا ولبنان، كان هناك علماء غربيين مثل البلجيكي لامنس، والفرنسي رونزفال وغوتهيل، والإيطالي فيللينو، ومارك ليدزبارسكي، إلا أن الحديث عن شخصية الشرقي المسلم، وتقديمها إلى العالم اختلفت اختلافاً بيناً، بين هذا وأولئك، إذ غالباً كان المستشرقون الأوربيون الغربيون ينظرون إلى الشرق المسلم على أنه مكان للمغامرة الجنسية والمتعة (فقد كان الشرق مكاناً يذهب إليه المرء بحثاً عن تجربة جنسية لا تنال في أوروبا. وليس ثمة من كاتب أوروبي، أو كاتبة أوروبية، كتب عن الشرق أو سافر إليه في مرحلة ما بعد 1800م، استثنى نفسه من هذا البحث)([41])
إن شرق كراتشكوفسكي هو الشرق الناهض الذي يمور بالحركة والحياة، الشرق المتنور حيث الصحف والكتب والمكتبات والمعلمون والأطباء، إن الشرق لم يمت بانتهاء حقبة حضارية، إنه ينهض ليمارس دوراً في الحياة البشرية إنه شرق من نمط آخر مختلف عن شرق الأوروبي الغربي الذي مازال غارقاً في سباته، الشاذ، الكسول، المنغلق، الذي لا يوحي بالحياة فيه إلا (النقوش وزريق الطيور هما الشيئان الوحيدان في مصر اللذان يدلان أي دلالة على الحياة)([42])، إن الشرق المسلم عند كراتشكوفسكي ليس الشرق الذي يقصده الأوربيون الغربيون للبحث عن متع جنسية لم يتذوقوها في بلادهم (وبمرور الوقت أصبح "الجنس الشرقي" سلطة تعادل في سوائيتها أي سلعة أخرى في المتناول ضمن الثقافة الجماهيرية، بحيث أن القراء والكتاب كانوا يستطيعون الحصول عليها إذا رغبوا في ذلك، دونما حاجة إلى الذهاب إلى الشرق)([43]).
هكذا صور المستشرقون الأوروبيون الغربيون الشرق المسلم، وتمت تقديم هذه الصورة للقراء وللأجيال المتعاقبة. وإذا كانت هذه صورة الشرق المسلم التي ورثتها الأجيال الأوروبية عن مستشرقيها، فإن ما أورثه المستعربون الروس لخلفائهم كان أمراً مختلفاً، يقول كراتشكوفسكي في حديثه عن أبي العلاء المعري:
(وكنت قد ورثت هذا الاهتمام الشديد بأبي العلاء المعري من معلمي روزن الذي كان في آخر أيامه شغوفاً بهذا الفيلسوف المتشائم اللاذع السخرية والحقيقة أن أبا العلاء المعري ينفذ إلى أعماق النفس البشرية بتحليله الدقيق المتشائم، بابتسامة ساخرة لينة يحاول أن يكتم مرارة اليأس وسواد أفكاره)([44]) إن هذا الاهتمام بالمفكرين العرب المسلمين، وبالشخصيات العلمية العربية، كان يتقاسمه المستعرب الروسي مع الباحثين العرب، حيث كان يتم النقاش وتبادل الآراء حول الموضوعات المختلفة مثار النقاش، أو المخطوطات مدار الجدل، وفي هذا لم يكن المستعرب الروسي يصدر في حكمه وآرائه على التراث الثقافي للعرب المسلمين من نظرة أحادية، وإنما من خلال الحوار مع أبناء هذا التراث أنفسهم، وهذا كما قلت مدعاة لأقل مايمكن من الخطأ من جهة، ومن جهة أخرى يدل هذا التعاون بين الروس والعرب، أن المستعرب الروسي نظر إلى رجل العلم العربي من موقع الندية والتكافؤ وليس من منطلق التفوق، ونظرة الوصاية التي انطلق منها المستشرق الأوروبي، الذي اعتبر أن هذا الشرق المتخلف، لا يملك أن يدير شؤون نفسه، فهو يحتاج لمن يفكر عنه وينظمه، لأنه غير قادر على التفكير العلمي والإبداع، ويفتقر إلى الدقة، الشرقي الفوضوي الذي عبر عنه شاتوبريان بقوله: (عن الحرية لا يعرفون شيئاً عن الاحتشام ليس لديهم شيء، القوة هي ربهم، وحين تمر بهم فترات طويلة لا يرون فيها فاتحين، يطبقون عدالة السماء، فإنهم يبدون مثل جنود دون قائد، مثل مواطنين دون مشرعين، مثل عائلة دون أب)([45]) ويقول كرومر (قال لي سير الفرد لايل مرة إن الدقة كريهة بالنسبة للعقل الشرقي، وعلى كل إنسان انجلو. هندي أن يتذكر هذا المبدأ الأساسي. والافتقار إلى الدقة. الذي يتحلل بسهولة ليصبح انعداماً للحقيقة هو في الواقع الخصيصة الرئيسية للعقل الشرقي. الأوروبي ذو محاكمة عقلية دقيقة، وتقريره للحقائق خال من أي التباس، وهو منطقي مطبوع، رغم أنه قد لا يكون درس المنطق، وهو بطبعه شاك ويتطلب البرهان قبل أن يستطيع قبول حقيقة أي مقولة. ويعمل ذكاؤه المدرب مثل آلة ميكانيكية. أما عقل الشرقي، فهو على النقيض مثل شوارع مدنه الجميلة صورياً، يفتقر بشكل بارز إلى التناظر ومحاكمته العقلية من طبيعة مهلهلة إلى أقصى درجة ورغم أن العرب القدماء قد اكتسبوا بدرجة أعلى نسبياً علم الجدلية (الديالكتيك) فإن أحفادهم يعانون بشكل لا مثيل له من ضعف ملكة المنطق، وغالباً ما يعجزون عن استخراج أكثر الاستنتاجات وضوحاً من أبسط المقدمات التي قد يعترفون بصحتها بدءاً)([46]).
إذاً هذا هو العقل العربي، المحدود، الفوضوي، غير المنطقي، الذي رآه المستشرق الغربي يقابله العقل الأوروبي الذكي، المنظم الدقيق، الذي يجب أن يقوم بعبء نهضة الشرق من خلال الوصاية عليه واستعماره أما المستعرب كراتشكوفسكي فيقدم لنا شخصية إسلامية تعامل معها عن قرب هي شخصية الشيخ المحمصاني، أحد خزنة مكتبة الأزهر، في معرض حديثه عن مخطوط رسالة الملائكة لأبي العلاء (لكن الشيء الذي لم أستطع فهمه من أمر هذه الرسالة، هو السبب في أنها لا تذكر إلا نادراً، ولماذا كانت نسخ مخطوطاتها الأخرى مجهولة تماماً؟ ولم أكن أنا وحدي الذي عجبت لهذا الأمر، بل قد شاركني في هذا العجب أيضاً الشيخ المحمصاني، أحد خزنة المكتبة الذي كان يقوم دائماً بإعطاء المخطوطات وكنا نتحاور مراراً عن مختلف الموضوعات الأدبية، بل وعن مدى صعوبة تعلم اللغة الفرنسية)([47]). إن كراتشكوفسكي قدم الشخصية العربية المسلمة هنا، شخصية إنسان ذو عقل منفتح، يتحاور ويناقش ويتفاعل ايجابياً مع الآخر ويطور نفسه وينفتح على ثقافات الآخرين من خلال تعلم لغاتهم ومحاولة التغلب على صعوباتها التي كانت مشتركة بين الروسي والعربي المسلم ويقدم كراتشكوفسكي شخصيةعلمية عربية لبيئة الاستعراب الروسي تمثل دقة وتنظيم العقل العربي، فيتحدث عن المراسلات التي كانت تتم بينه وبين العالم الأديب أحمد تيمور باشا بشأن مخطوط أبي العلاء المعري (رسالة الملائكة)، فيقول: (وعندما تجددت الروابط العلمية الدولية بصعوبة وإصرار، وجدت على غير انتظار زميلاً في العمل متحمساً ومحباً لأبي العلاء تحمس روزن وتلميذه الأصغر. هذا الزميل هو أحمد تيمور باشا، المصري صاحب أحسن مجموعة خاصة من المخطوطات في القاهرة، كان قد جمعها بحب كبير وسعة معرفة كان هذا العالم كريماً لدرجة عجيبة فقد كشف كنوزه لمختلف العلماء من مختلف البلاد، وكان متواضعاً نادر الوجود فقد كان يجعل من نفسه زميلاً في العمل لمن يراسله من العلماء إذا أحس بأن لدى هذا المراسل تذوقاً للأدب العربي، وكانت مجموعة هذا العالم تحتوي مخطوطاً آخر عن (رسالة الملائكة) فبدأت بين القاهرة ولينغراد مراسلات حية. ومن جديد ثارت مناقشة حول مختلف الأشكال وتبيان الإشارات والافتراضات المتعلقة بها. وعلى تلك القصاصات النظيفة المستطيلة التي كتبت بخط شيخ عجوز لكن بحروف جميلة واضحة كان أحمد تيمور باشا من أسبوع لأسبوع يرسل إلي بأفكاره واقتباساته في رده على أسئلتي، أو يرسل إلي مايخطر بفكره هو نفسه، وفي كل مرة بنشوة مضطرمة كنت أفتح خطاب تيمور باشا الذي كنتُ أجد فيه مراراً الجديد من الاكتشافات، بل كنت أجد أحياناً وبدون توقع شعراً وأمثالاً وأقوالاً، كنت في ذلك الوقت أشد ما أكون حاجة إليها لتوضح تلميحات أبي العلاء التي تعبنا أعواماً عديدة في محاولة كشفها وتبينها)([48]) إن الفرق واضح جلي بين تقديم الاستشراق الأوروبي الغربي للشخصية العربية المسلمة، وبين تقديم الاستعراب الروسي لنفس الشخصية. إن الأول يورث الرغبة في التملك والسيطرة والاستعمار، لعدم كفاية العقل العربي على إدارة شؤونه وتنظيمها، يورث الثاني التكافؤ في التعامل والاحترام لعقول الآخرين وشخصياتهم، وإنصافهم من خلال التعامل من موقع التكافؤ الإنساني، الذي سمح بالتعاون العلمي بين المستعرب الروسي والعالِم العربي. إن الشخصية الإسلامية المحبة للعلم الواعية، لم تقتصر فقط على عدد محدد من العلماء، وإنما برز الاهتمام الثقافي حتى لدى أولئك الذين يديرون أعمالاً ومصالح أخرى. يقول كراتشكوفسكي (فقد أردت أن أتعرف على حبيب الزيات الذي كان يعمل بتجارة الفاكهة المجففة وتصديرها إلى جميع أنحاء العالم ولكنه كان ينتهز كل دقيقة من أوقات فراغه ليبحث في المخطوطات وقد كان عالماً دقيقاً ذواقاً ومحباً للمخطوطات، وبكل هذه الموهبة التي أوتيها كان يختلس من المخطوطات القديمة صوراً منسية تتصل بالثقافة العربية ثم يعمل على إحيائها في مقالاته المتعددة التي طبعت في مابعد)([49]).
إذن، هذه هي نماذج العقل العربي التي يقدمها الاستعراب الروسي لقرائه، العقل الذي ساهم في إخراج تراثه المخطوط إلى النور من خلال تبادل الآراء والنقاش والتعاون العلمي مع العلماء الآخرين وإذا كان هناك ثمة عمل إحيائي للتراث العربي الإسلامي فقد قام العلماء العرب متعاونين في مرات عديدة مع العلماء الأجانب، تعاون الأكفاء لا تعاون الأوصياء. إن حرية التفكير وإتاحة حرية التعبير للعقل العربي تمت ممارستها بأوسع صورها في عصور ازدهار الحضارة العربية والإسلامية، هذا ما أراد المستعرب الروسي قوله عندما قرأ الأبيات التالية للأخطل الأموي:
ولست بآكل لحم الأضاحي



ولست بصائم رمضان طوعاً


كمثل العير حيِّ على الفلاح



ولست بقائم أبداً أنادى


وأسجد عند منبلج الصباح.



ولكني سأشربها شمولا


فعلق عليها قائلاً (على أن الشاعر لم يعاقب على هذا الهجاء لتحريم الإسلام الخمر، وللصوم والحج والآذان، وقد هدأ غضب الخليفة ببيتين، ليسا أقل دعابة، وفيهما صور الشاعر حالته تحت تأثير الخمر. أعطتني هذه الأبيات. القدرة على فهم العلاقات الداخلية للخلافة بصورة أكبر مما أعطتني إياه بعض الصفحات عن ((تاريخ الإسلام)) للعالم ميولر، الذي قرأته أكثر من مرة.وبالطبع فإن هذه الأشعار متجاسرة ولذلك فإنها عندما ظهرت مطبوعة لأول مرة في بيروت في العقد العاشر من القرن الماضي، كان من غير الممكن أن تمر دون رقابة المطبوعات التركية، إلا بواسطة وضع نقطة على كلمة "العير" التي وصف بها الشاعر المؤذن فصارت كلمة لا تؤلم المسلمين هي كلمة "الغير" وهكذا كانت رقابة المطبوعات التركية في القرن 19 أكثر تشبثاً من خليفة دمشق في القرن الثامن)([50]).
إن أحد أهداف استعراب كراتشوفسكي، هو فهم العلاقات الداخلية في الدولة العربية الإسلامية، بين الإسلام والأديان الأخرى التي كانت تعيش ضمن الخلافة العربية. وخلص كراتشوفسكي من هذه الأبيات إلى أن الإسلام في هذه الدولة العربية الإسلامية أتاح الحرية الكافية للأديان الأخرى للتعبير عن الرأي، ومعروف أن الأخطل كان نصرانياً. وحرية التعبير التي مارسها الأخطل إلى درجة وصفها كراتشوفسكي بأنها متجاسرة، أمام الخليفة المسلم، الذي يمثل أعلى سلطة دينية وزمنية في ذلك العصر، هذا الخليفة الذي ضمن حرية التعبير للأدباء فلم يعاقب الأخطل وحُفِظَتْ أبياتُه على مدى العصور، إن هذا الموقف لا يصدر عن عقل منغلق متعصب. بل عن عقل حر منفتح وقارن كراتشوفسكي موقف الخليفة مع موقف الرقابة التركية على المطبوعات بعد أحد عشر قرناً وبالتالي فإن قمع حرية الرأي تهمة لا يلصقها كراتشوفسكي بالعقل العربي المسلم في القرن الثامن، وإنما بالعقلية التركية في القرن التاسع عشر، وهذه لفتة عز نظيرها لدى المستشرقين الغربيين الذين ألصقوا تهمة العقل المنغلق على ذاته وعلى الآخرين بالمسلم إطلاقاً، بغض النظر عن الشروط التاريخية التي عاشها المسلم في الأزمنة المختلفة. إن كراتشكوفسكي، من خلال استعرابه، يقدم حرية تفكير الأفراد في الدولة العربية الإسلامية على أنها جزء من تفكير الدولة، وإتاحة التعبير الفكري سواء للمسيحيين (الأخطل) أو للمسلمين، ففي حديثه عن مخطوط (رسالة الملائكة) لأبي العلاء المعري يقول: (أصبح واضحاً لي من السطور الأولى، لماذا كانت هذه الرسالة قليلة الشهرة إلى هذا الحد: فلو كان عند العرب فهرس للكتب الممنوعة والمحرمة. لاحتلت فيه هذه الرسالة مكاناً مرموقاً. والواقع أنها كما يبدو من شكلها تتحدث عن موضوعات نحوية، وتتناول أيضاً، نقطة جديرة، لها اهتمام كبير من الناحية الدينية، هي مسألة الصور الإعرابية المختلفة لأسماء الملائكة مصحوبة باقتباس من القرآن والشعر، وكما هي العادة تذكر أسماء مشهورة في الأدب مع تلميحات أدبية لا تحصى، إلا أن هذا ليس سوى غطاء الرسالة والشكل الخارجي لها أما في الحقيقة فإن الرسالة التي تبدو من الخارج رسالة نحوية: تقليدية، تخفي وراءها هجاء لاذعاً، وسخرية فكرية شديدة، من فهم بعض المسلمين لحقيقة الملائكة، وهذه الطريقة الساخرة لأبي العلاء هي نفسها طريقته في رسالته المشهورة "رسالة الغفران" حيث نجده بسخريته اللاذعة نفسها يتهكم بالوصف التقليدي القديم للحياة بعد الموت)([51]). وكراتشكوفسكي لا يقدم للقارئ فقط مسألة حرية التفكير والتعبير لدى العرب المسلمين، وعدم وجود تحريم أو منع للأفكار والكتب، بل ويتبع ذلك بصورة مقارنة لما مارسته الكنيسة من منع تجاه نفس الأفكار المطروحة تقريباً لدى أبي العلاء. فيتحدث عن مخطوط وقع له ويعود إلى العام 272هـ (وقرأت بانتباه عظيم في ذلك الكتاب، حيث يتحاور الشيطان مع الموت، وأدركتُ لماذا لم تدرجه الكنيسة في قانونها، ففي هذه المخطوطة تنعكس. بوضوح قوي المشاعر الإنسانية بطريقة تخالف دستور الرهبان)([52]). إن كراتشكوفسكي يقدم للقارئ صورة أخرى من صور حرية التفكير والتعبير المتاحتين لدى العرب المسلمين فرسالة أبي العلاء المعري لم تحظ بالشهرة، إلا أنها بنفس الوقت قد تمت المحافظة عليها فلم تحرق، أو تمنع، أو يعاقب صاحبها، وإنما بقيت حية طيلة قرون عديدة.
إن الحديث عن حرية الرأي والتفكير لدى المسلمين والمسيحيين في الخلافة العربية لا يعكس فقط المناخ الإيجابي لتفتح التفكير العربي، ولكافة الأديان، فقط، وإنما يعطي صورة أيضاً بأنه لم تكن هناك مشكلة بين المسلمين والمسيحيين الذين يعيشون في كنف الخلافة العربية، ويعكس جو التسامح الديني الذي كان سائداً في المجتمع والدولة على حد سواء.
إن ديمقراطية التعبير وحرية التفكير في الحضارة الإسلامية العربية هي التي أتاحت الإبداع للمفكرين والعلماء العرب، فأثروا الحضارة الإنسانية، وأصبحت هذه الحرية تقليداً في الدولة العربية الإسلامية، إلى أن دخلت العناصر الأجنبية على التفكير المتسامح، في عصور الظلام الاستعماري، فمارست الاضطهاد الفكري.
وعن علاقة المستعرب الروسي مع العلماء العرب، يتحدث كراتشكوفسكي عن أحمد تيمور باشا (الذي كان يجعل من نفسه زميلاً في العمل لمن يراسله من العلماء، إذ أحسّ بأن لدى هذا المراسل تذوقاً للأدباء لعربي)، وقد اكتشف كراتشكوفسكي نفسه فيما بعد، أن هناك مخطوطاً آخر لـ(رسالة الملائكة) موجوداً في المكتبة الخاصة لأحمد تيمور باشا، وتمت المراسلات بينهما حول هذا المخطوط، فكان تيمور يجيب عن الأسئلة المختلفة للمستعرب الروسي، أو يرسل إليه بأفكاره واقتباساته وآرائه بطيب خاطر. وهكذا ساهم الشرقيون أنفسهم مع المستعربين من خلال إبداء آرائهم وملاحظاتهم وتوضيحاتهم في إخراج تراثهم إلى النور.
لقد طابق الاستشراق الأوروبي الغربي بين شخصية المسلم المنفتحة في عصور ازدهار الحضارة العربية الإسلامية، وبين العقلية الإسلامية المنغلقة في زمن الاستبداد التركي وجعلها شيئاً واحداً، بحيث أضحت هذه الشخصية مرتبطة بصفات محددة وثابتة منغلقة وغير قابلة للتطور، وأصبح هذا الانغلاق والتخلف خاصتين من خصائص شخصية المسلم الشرقي غير قابلة للتغير أبداً.
إن من دوافع الاستعراب الروسي، فهم الشعوب و الحضارات الأخرى، ليس بدافع غرائبية هذه الشعوب، وإنما لقناعة هذا الاستعراب بأن حضارات الشعوب نتاج المجتمعات المختلفة تصب في النهاية في مجرى التاريخ الحضاري الواحد للمعرفة البشرية الذي تتعدد روافده بتعدد الشعوب واختلافها وتمايزها وإن دراسة حضارات الشعوب وإبداعها لا ينم عن ذوق ذاتي لمعرفة المجهول من المجتمعات الأخرى، وإنما عن إحساس بالمسؤولية تجاه ضرورة التوصل البشري الإنساني من خلال التعريف بثقافات الشعوب المختلفة، وتقريب شخصية الآخر كي لا يكون بمنأى عن الأحكام الموضوعية، وبالتالي يساهم الوهم والأسطورة في تكوين هذه الشخصية والحكم عليها فيقول كراتشكوفسكي (وإني لشديد الرغبة في أن أفهم بعمق موضوع علاقات العرب مع الشعوب المغلوبة في البلاد التي استولوا عليها، وأريد أن أفهم الروابط بين المسلمين والمسيحيين)([53]).
فإذا كانت مسألة العلاقات بين المسلمين والمسيحيين لدى الاستشراق الغربي قد قيمت سلفاً، من خلال الركام الثقافي الذي أفرزته الحروب الصليبية، وقُدِّم هذه الركام صورة مشوهة عن هذه العلاقات، فإن علاقات المسلمين والمسيحيين لم تكن قد قيمت في الاستعراب الروسي من خلال الحروب الصليبية. وإنما عمل المستعربون الروس بدأب لفهمها ومعرفتها من خلال دراسة المصادر الأساسية التي شكلت التاريخ العربي الإسلامي وثقافته بتجلياتها المتعددة. وتم تقييم العلاقات بين العرب وشعوب البلاد التي فتحوها تقييماً موضوعياً فعن وجود العرب في الأندلس، ودورهم في الثقافة الأوروبية وتأثيرهم الفعال، يقول كراتشكوفسكي (فعبر جسر العرب هذا دخل جميع مشاهير اليونان كأرسطاليس وإقليدس وبطليموس وغالينوس وأبو قراط إلى أوروبا، التي ما تعرفت بهم، إلا بواسطة نقل مؤلفاتهم من العربية إلى اللاتينية حتى جاء عصر النهضة، أما عدد المؤلفات العربية الأصل العلمية المترجمة إلى اللاتينية فكان كذلك كبيراً)([54]) ويقول: (وبطرد العرب نزفت إسبانيا دماءها)([55]) إن العرب كانوا روح إسبانيا.
وعندما يتحدث عن دخول العرب إلى الأندلس، لا يصفهم بالغزاة، وإنما يتحدث عن الفاتحين والفتح والفتوح العربية يقول: (وسرعان ما سقطت قرطبة وطليطلة في أيدي العرب، وسارت حركة الفتح إلى الشمال)([56]). ويصف خالد بن الوليد بالقائد الفاتح (وكان باعث هذا الإحساس ذكريات تاريخ قديم يتصل بالقائد العربي المشهور خالد بن الوليد فاتح الشام في القرن السابع الميلادي)([57]) كما يتحدث عن ظاهرة انتشار اللغة العربية في كل البلدان التي فتحها العرب المسلمون حيث: (أخضعت هذه اللغة كل العالم الذي دان بالإسلام، وهي ظاهرة نادرة نوعاً ما في تاريخ فتوح الشعوب غير المتحضرة للأقطار المتحضرة)([58]). إذن هكذا يقدم المستعرب الروسي عملية توسع الإسلام في مختلف أنحاء العالم، وهكذا يصف القادة العرب المسلمين، وشتان بين تعابير مثل (الاستيلاء) و(الغزو) وبين تعابير (الفتح، الفاتح……)، ذلك أن هذا المستعرب، لا يصدر في كلامه عن موقف مسبق، ولا عن فكرة عدائية ثابتة وإنما يضع الأمور في نصابها، وهذا مايجعل منه باحثاً ومستعرباً منصفاً، يحمل مسؤولية علمية وتاريخية لا علاقة لها بدوافع غير دوافع المعرفة الإنسانية. يقول: (إنني لا أخفي أنني أردت أن أقوم بشيء من الدعاية لميدان عملي، وأن أتحدث بملء صوتي عن علم اللغات والآداب الشرقية لقد أردت أن أبين قدر طاقتي، كيف أن ثمة أناساً يعملون في هذا الميدان، لا لمجرد أن لديهم ذوقاً ذاتياً غريباً على حد تعبير بعضهم، يجتذبهم إلى هذا العمل، وأن هؤلاء الناس يطوفون بهذا الميدان لا بدافع الولع بالغرائب، وأنهم ليسوا بزهاد وينعزلون عن الحياة)([59]). إن الدافع لاستعراب كراتشكوفسكي وغيره من المستعربين الروس لم يكن بدافع الولع بغرائبية الشرق وإنما هو عمل معرفي يتصل بحضارات الشعوب الإسلامية وإذا كان الشرق عالماً عجيباً يُدرسُ لعجائبيته هذه، وللصور الخيالية التي ارتبطت في ذهن الغرب الأوروبي عن هذا الشرق الذي كان مزدهراً، والآن أصبح أسطورة ميتة لا حياة فيها، لأن سنوات الازدهار الحضاري انتهت، وانتهى معها الشرق العربي المسلم، وانتهت معهم لغتهم التي أصبحت لغة ميتة لا تواكب تطورات الحضارة المعاصرة. إن الاستشراق الغربي يكرس فكرة موت هذا الشرق حضارة ولغة وأن الغرب هو الذي سيبعث فيه الحياة. إن الشرق نفسه غير قادر على الانبعاث من جديد.
وهنا يختلف الاستعراب الروسي عن الاستشراق الأوروبي الغربي إذ (توجد في العائلة البشرية الكبرى، أمم يعتقد حسب الرأي السائد بأنها لم تعد تلعب دوراً نشيطاً في التطور الحضاري العام ويورد كل باحث في هذا المجال تحفظاً يؤكد فيه أن موضوع بحثه يتسم بأهمية (أكاديمية)، فقط، وليس له شأن يذكر بالنسبة للواقع العصري وعندما يبدي هذا الباحث إعجابه الشديد بالماضي المجيد، غالباً ما يغيب هذا الواقع العصري عن باله، فلا يرى، كيف تقوم، على أنقاض الماضي، حياة جديدة تمنح البشرية مفاجآت لا تتميز أحياناً بصفة أكاديمية على الإطلاق، والعرب هم من بين تلك الأمم)([60]). إنه الشرق المتجدد (الشرق العربي الحي)([61]).

([1]) جريدة البيان ـ فر الوفا ـ 2 أكتوبر 1989.

([2]) ـ فر الوفا 131 ـ المؤلفات الكاملة لبوشكين ـ مجلد 11 ص 36 طبعة 1949

([3]) ـ فر الوفا.

([4]) ص 20 ـ قصائد شرقية.

([5]) ص 28 قصائد شرقية.

([6]) ص 28 قصائد شرقية.

([7]) ص 28 نفس المصدر.

([8]) ص 28 نفس المصدر.

([9]) ص29 قصائد شرقية.

([10]) ص33 المصدر السابق.

([11]) ص 35 قصائد مشرقية

([12]) ص 35 قصائد شرقية.

([13]) أوردها أدوار سعيد في ص 186 من كتاب الاستشراق.

([14]) أوردها سعيد في ص 243.

([15]) ص 47 قصائد شرقية

([16]) ص47 المصدر السابق.

([17]) المصدر قصائد شرقية. ص51.

([18]) العرب والروم واللاتين في الحروب الصليبية ص154.

([19]) ص 69 قصائد شرقية.

([20]) قصائد شرقية ص81.

([21]) أوردها سعيد في ص 244 الاستشراق ل.وليم روبرتس سميث.

([22]) ص 109 قصائد شرقية.

([23]) ص 104 نفس المصدر.

([24]) ص 192 أوردها سعيد الاستشراق.

([25]) ص 187 الاستشراق.

([26]) ص 175 ـ 178 قصائد شرقية.

([27]) نفس المصدر.

([28]) ص 185 ـ 187 قصائد شرقية.

([29]) ص183 قصائد شرقية.

([30]) مع المخطوطات.

([31]) ص 27 المصدر السابق.

([32]) ص 213 نفس المصدر.

([33]) ص 18 نفس المصدر.

([34]) ص18 مع المخطوطات.

([35]) مع المخطوطات.

([36]) ص 23 المصدر السابق.

([37]) ص 37 نفس المصدر.

([38]) ص 34 مع المخطوطات.

([39]) ص 38 نفس المصدر.

([40]) ص 32 نفس المصدر.

([41]) ص202 الاستشراق- سعيد.

([42]) أوردها سعيد- الاستشراق- ص197.

([43]) ص 203 الاستشراق سعيد.

([44]) ص 40 مخطوطات.

([45]) ص187 الاستشراق إدوار سعيد.

([46]) أوردها سعيد في ص 69-70 الاستشراق.

([47]) ص 41 مع المخطوطات.

([48]) ص 43-44 مع المخطوطات.

([49]) ص 46 نفس المصدر.

([50]) ص 214 المخطوطات.

([51]) ص 41 نفس المصدر.

([52]) ص 19 مع المخطوطات.

([53]) ص 30 المصدر السابق.

([54]) ص 73 دراسات في تاريخ الأدب العربي منتخبات كراتشكوفسكي

([55]) ص 75 المصدر السابق.

([56]) ص 53 المنتخبات.

([57]) ص 38 المخطوطات.

([58]) ص 4 المنتخبات.

([59]) ص 15 مع المخطوطات.

([60]) ص 8 بحوث سوفيتية في الأدب العربي.

([61]) ص 62 المخطوطات.
__________________
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 02-19-2012, 11:18 AM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,072
افتراضي

المستعربون الروس المعاصرون:

إن الاستعراب الروسي المعاصر هو امتداد لمدرسة الاستعراب التي أسسها المستعربون الأوائل، اعتباراً من بدايات القرن الثامن عشر وحتى بدايات القرن العشرين، ويعتبر كثير من المستعربين اليوم أنفسهم خريجي مدرسة الاستعراب الروسية الكلاسيكية. وقد استمر هؤلاء بالتعريف بالتراث العربي الإسلامي والحضارة العربية الإسلامية، سواء عن طريق تحقيق المخطوطات وطباعتها، أو إعداد الفهارس التي تعرف بهذه المخطوطات، أو عن طريق تأليف الكتب والدراسات المتنوعة أو عن طريق الترجمات المختلفة التي تعكس وجوه الفكر العربي الإسلامي قديماً وحديثاً. فقد قام المستعرب ميخائيل بتروفسكي، بتأليف كتاب (قصص الأنبياء في القرآن)، وكذلك كتاب (لغة الفن الإسلامي)، فدرس في الأول، ليس فقط قصص الأنبياء في القرآن وإنما أيضاً المعلومات التاريخية الواردة في القرآن، لمحاولة فهم القصص فالقرآن برأي بتروفسكي (يقدم النص لقوم يعرفون هذه القصص ويعمل على أن يقدم لهم التفسير لهذه القصص. إن القرآن لـه صلات واتصالات بقلب الحضارة العربية الإسلامية، والإنسان الذي لا يعيش في هذه الحضارة لا يقدر أن يفهم القرآن، حتى بمساعدة عدة ترجمات بعدة لغات، وقد حاولت في هذا الكتاب إعادة بناء المعلومات التاريخية الموجودة عند العرب في وقت البعثة المحمدية، وهذا شيء مهم لتقدمه للقراء والمثقفين في روسيا)، إن المستعربين الروس الآن يستمرون في ممارسة دورهم في التعريف بالحضارة العربية الإسلامية، أدباً وفناً، فعن كتاب (الفن الإسلامي) يقول بتروفسكي: (هو محاولة لترجمة الفن الإسلامي إلى مفاهيم الإنسان الذي يعيش ظروف الحياة الأوروبية، وبرغم أن الحضارة الإسلامية قريبة جداً إلى الحضارة الأوروبية، فإن الإنسان في روسيا وفرنسة وأمريكا لا يفهمون بشكل مباشر قيمة الفن الإسلامي، وموضوعات الفن الإسلامي، إن أي أمريكي يفهم جيداً الفن الياباني، وكل مثقف أوروبي يستطيع أن يفهم جماليات الفن الياباني أو الهندي أو الصيني، أما الفن الإسلامي، فإن غالبية الناس خارج العالم الإسلامي غير قادرين على استيعاب جماليات هذا الفن، وهذا شيء مؤسف، ومن واجبات وأهداف الدراسات العربية في روسيا كانت دائماً محاولة عبور الفرق الموجود بين الحضارات).
إن الأهداف المعرفية الإنسانية للاستعراب الروسي تستمر من خلال المستعربين الجدد، فتتوسع آفاق هذا الاستعراب ومهماته، لتشمل أيضاً إلى جانب الدراسات الفكرية الأدبية والثقافية المتنوعة، تشمل الفن الإسلامي والتعريف به، ليتمكن الأوروبي من استيعاب جماليات الفن الإسلامي الذي تشكل في صميم الحضارة العربية الإسلامية، وشكل منعطفاً مهماً في التراث العالمي، وتتجلى مرة أخرى، القيمة الإنسانية للاستعراب الروسي عبر العلماء المعاصرين، عندما تستمر مهمة تقليص الفروق بين الحضارات للشعوب المختلفة من خلال التعريف بها، وكشف جوانبها المجهولة.
إن الدراسات الاستعرابية الروسية بقيت في الماضي بمنأى إلى حد كبير، عن تأثير القرار السياسي، وإنها الآن غير مرتبطة بالسياسة الاستعمارية ويعتبر المستعربون الروس المعاصرون، أن الحضارة الإسلامية في روسيا هي جزء من التراث الروسي، على الرغم من أنه في الأوقات المختلفة، برز أحياناً الاتجاه السياسي في الدراسات العربية الإسلامية، من خلال المعاهد التعليمية التي ارتبطت بوزارة الخارجية والكنيسة، والتي كانت تمثلها، في قسم منها، مدرسة الاستعراب في موسكو وبالمقابل فإن اتجاه الدراسات الأكاديمية والثقافية غير المرتبط بالسياسة، كان موجوداً ومستمراً في مدرسة الاستعراب في بطرسبورغ، حتى إبان العهد السوفييتي. فيقول بتروفسكي: (نحن شرقيون إلى درجة كبيرة ونفس الشيء مع الكنيسة، الكنيسة الأرثوذكسية الروسية كنيسة شرقية، وطبعاً الكنيسة الشرقية أقرب للإسلام وفي فهم الإسلام). رغم أنه في فترة من الفترات، كان هناك في بعض المناطق مثل قازان صراع بين الكنيسة الروسية والإسلام، ترافق مع تعصب ديني، ولكن كان يوجد دائماً من يتصدى لمثل هذه الاتجاهات، وليس فقط في الدراسات الأكاديمية، وإنما أيضاً في الثقافة الموجهة للجماهير، برز هذا الاتجاه في القرن التاسع عشر على يدي مستشرقين مثل روزن ثم بارتولد، واستمر في القرن العشرين يقول بتروفسكي (عندما نجد الأساتذة في الجامعات، يكتبون ضد الناس الذين يستخدمون الدراسات الشرقية كوسيلة لخدمة الأيدلوجية، فإن هذا التوجه، يكون تراثاً لنا من هؤلاء الأساتذة من القرن التاسع عشر، لذلك ممكن القول أن دور الكنيسة الروسية في الحملة ضد الإسلام، أقل بكثير من دور الكنيسة الكاثوليكية، لأن الإسلام بالنسبة للكنيسة الروسية لم يكن عدواً، وإنما منافساً، فقد كانت الدعاية ضد الإسلام (مثلاً) ضرورية، من أجل إقناع الناس بالمسيحية، وهذا غير مرتبط بتعصب شديد وأغراض سياسية واضحة، ولم يكن هذا الأمر على مستوى فكري، وإنما هو أشبه بالمباراة منه بالعداء في حرب). ويرى بتروفسكي، أنه حتى في فترة العهد السوفياتي، كانت هناك دراسات إسلامية، تمت في مدرسة استعراب بطرسبورغ، بالرغم من المعوقات السياسية لمثل هذه الدراسات في تلك الفترة. إلا أن المستعربين في بطرسبورغ استطاعوا أن يقدموا هذه الدراسات تحت عناوين أخرى، مثل الأدب أو الفلسفة الخ فكان هناك كتب ودراسات ونشر لنصوص إسلامية مختلفة، ومن ثم فإن اتجاه هذه الدراسات الإسلامية، أصبح أقوى عندما (أدرك المسؤولون في موسكو، أنه من أجل القرارات الصحيحة، يجب معرفة ماهو الإسلام بصورة صحيحة، وليس من وجهة نظر سياسية، وأصبح هناك إمكانية لنشر الكتب والنصوص عن الإسلام) وقد تم هذا في الجامعات والمعاهد المختلفة في بطرسبورغ وموسكو على حد سواء. (هذا في وقت كان فيه الأكاديمي بريماكوف مديراً لمعهد الدراسات الشرقية في موسكو، فقد تم نشر العديد. من المقالات والكتب والدراسات عن الاسلام وقمنا بنشر عدة معاجم وكل ذلك استناداً إلى دراسات علمية). وتمت ترجمة هذه المعاجم إلى لغات الشعوب الإسلامية الواقعة ضمن روسيا، فترجمت إلى الأذربيجانية وغيرها من لغات الشعوب المسلمة ويصر المستعربون الروس المعاصرون على الاستمرار في استعمال مصطلح (الاستعراب) الذي يعبر عن الدراسات العربية الإسلامية، وليس مصطلح الاستشراق، لأن الاستشراق من الممكن أن يستنفذ غاياته وأهدافه. وكما كان هناك استشراق في البلدان الغربية، يقول: بتروفسكي (يمكن أن يكون هناك استغراب في البلدان الشرقية). وإن الاستعراب، هو (موضوع يمكن أن يستمر للأبد، لأن دراسة الأدب بصورة عامة، والأدب العربي جزء من التاريخ العام). ويعتبر بتروفسكي أن (التقسيم شرقي وغربي، هو تقسيم غير إنساني)، لأن الاستعراب الروسي، غير مرتبط بزمان أو مكان معين وإنما المستعربون الروس (مرتبطين بالبشرية، بالأبدية، و المعاني الخالدة).
كما يعتبر المستعرب فلاديمير بالوتسين، الباحث في معهد الاستشراق في بطرسبورغ أن المستعربين في بطرسبورغ يمتلكون مدرسة استعراب خاصة بهم، ويعتبرون أنفسهم تلاميذ المستعرب الكبير كراتشكوفسكي يقول فلاديمير بالوتسين (منذ زمن طويل، نحن لدينا مدرسة استعراب خاصة بنا ونعتبر تلاميذ كراتشكوفسكي، أما الباحثون الذين يعملون في مجال التاريخ المعاصر فأغلبهم في موسكو، أما نحن في بطرسبورغ فإننا نتبع طريقة كراتشكوفسكي أي الاستعراب الكلاسيكي). على الرغم من بروز اتجاه لدراسة الآداب العربية الحديثة في جامعة بطرسبورغ.
وفي معهد الاستشراق في بطرسبورغ، يعمل أكثر من مئة باحث، يدرسون الآداب الشرقية بمختلف فروعها. إلا أن الهدف الذي يوجه هذه الدراسات، هو، كما يقول بالوتسين (تلبية إرادة المعرفة)، ولا ينكر المستعربون المعاصرون الدور الفعال، الذي لعبته الحضارة الإسلامية في الحضارة الروسية، يقول بالوتسين (لقد أثرت الحضارة العربية والإسلامية ككل، في الحضارة الروسية، لدرجة ما كنا نعيش جنباً إلى جنب مع شعوب آسيا الوسطى لمدة طويلة وكانت معارفنا تزداد بهذا التعايش، وكل زيادة معرفة تساهم في تطور الشعب كنا نتطور تحت تأثير الشعوب الإسلامية وأظن الشعوب الإسلامية في بلادنا كانت تتطور تحت تأثيرنا)، وحتى اللغة الروسية يوجد بها كثير من الكلمات العربية التي عبرت إلى التركية ومن اللغة التركية انتقلت إلى اللغة الروسية والتأثير المتبادل كان يجري دائماً.
ويرى المستعرب أنس خاليدوف، رئيس قسم اللغة العربية في معهد الاستشراق في بطرسبورغ، الذي وضع فهارس المخطوطات العربية الموجودة في مكتبة المعهد والمطبوع بموسكو عام 1968 حيث تجاوز عدد المخطوطات في فهرس خاليدوف 10500 مخطوطة كما يعتبر من أعماله الهامة الأخيرة، تحقيقه لكتاب (الأوراق) لأبي بكر محمد بن يحيى الصولي، الذي صدرت طبعته الأولى عام 1998 يعتبر خاليدوف أن عهد الاستعراب الروسي قد خطا خطوات واسعة مع المستعرب فيكتور روزن، وأن الدور الأكبر في الاستعراب الروسي كان للأكاديمي كراتشكوفسكي الذي أرسى أسسه في الجامعات، ويرى خاليدوف أن الاستعراب العملي الذي ارتبط بالقرار السياسي، فقد كان محدود الدور، وأن الدراسات الشرقية في مختلف مستوياتها كانت تنطلق من منظور إنساني. يقول (أما الاستشراق في الجامعات، فهذا موضوع علمي، أن المقارنة بين الثقافات على نفس المستوى غربية، كانت أو شرقية، صينية أو يابانية، كلها في مستوى واحد، ومن منظور إنساني). كما يرى خاليدوف أن كراتشكوفسكي قد جعل للاستعراب الروسي خصائص مميزة عن الاستعراب الغربي، إذ نأى بهذا الاستعراب عن نظرة الاحتقار التي كان ينظر بها الغرب إلى الشرق، نتيجة إحساسه بالتفوق المادي، ومن منطلق التفوق المادي هذا، استطاع الغربيون أن يدَّعوا لأنفسهم، ومن موقع القوة، حتى التفوق الروحي والثقافي على الشعوب الأخرى.
ولم يكونوا ملزمين لتخفيف عدائهم تجاه الشرق لأن الشرق كان يعيش ضعفه والغرب امتلك القوة والتطور أما المستعربة أولغا باريسوفنا فرالوفا التي شغلت مدة خمسين عاماً، منصب رئيسة قسم اللغة العربية في جامعة سانت بطرسبورغ ولها العديد من الأبحاث والكتب والترجمات في مختلف أنواع الدراسات العربية الإسلامية. فقامت بترجمة مجموعة من قصائد الشعراء الجاهليين ومقامات الحريري وأهم كتبها الأدب العربي في سوريا ومصر في عصر النهضة، وكذلك رسالتها في الدكتوراه عن الكامل في التاريخ لابن الأثير كما ترجمت إلى الروسية مقتطفات من أعاجيب المخلوقات وغرايب الموجودات للقزويني، وكذلك معجم لياقوت الحموي، كما قامت بإعداد فهرس مخطوطات مكتبة جامعة سانت بطرسبورغ، ومن الأدب العربي الحديث ترجمت رواية زينب لمحمد حسنين هيكل وقصص لمحمد تيمور وجبران خليل جبران، وغيرهم وقد برز اتجاهها التدريسي في تدريس اللغة العربية الفصحى وقد تتلمذت فرالونا على المستعرب كراتشكوفسكي، وقامت بتدريس طلابها في الجامعة الكتب العربية المتعلقة بالتاريخ في القرون الوسطى مثل (ابن الأثير، والطبري، والواقدي) كما قامت بتدريس تفسير القرآن الكريم، معتمدة تفسير (البيضاوي والسيوطي).
وترى فرالوفا: (أن في أوروبا، كان هناك خوف من الإسلام، منذ القرون الوسطى، إذ كانت هناك شخصيات مسيحية كانت خائفة من تأثير القرآن، كما تولد شعور بالحسد لدى الأوروبيين تجاه العرب المسلمين نتيجة المقارنة بين الحياة المتطورة للحضارة العربية الإسلامية في الأندلس مع الحياة المتخلفة في أوروبا، رغم أن أوروبا أخذت الكثير من الثقافة العربية)، وتقول: (وأنا في محاضراتي للطلبة الروس في الجامعة، أشير دائماً إلى كتاب [تأثير الإسلام على أوروبا في القرون الوسطى] للاسكتلندي مونتغمري واط الذي يقول: ((علينا أن ندرك إلى أي درجة نحن الغربيون مدينون للعرب من ناحية الحضارة ولو أسررنا هذه الحقيقة، فهذا بدافع من كبريائنا الكاذبة))، وفي مؤتمر (اتحاد المستعربون المتخصصين في الدراسات الإسلامية الذي عقد في جامعة (أوترخت) في هولندا عام (1990م)، قدمت فرالوفا موضوع (القصائد الشعبية باللهجة العربية في مالطا والفلكلور العربي)، وهي ترى في هذا البحث أن أساس الكلام المالطي هو اللغة العربية، كما ترى أنه لا يمكن أن يكون هناك نهاية للاستعراب، طالما الشعوب والآداب العربية موجودة (لأن هناك أدباء جدد والشعوب العربية موجودة وبالتالي فإن دراسة آداب وثقافة هذه الشعوب موجودة، إلا إذا كانت نهاية العالم عندئذٍ ينتهي الاستعراب).
أما المستعرب بلوندين في جامعة بطرسبورغ، فيرى أن أساس أهداف الاستعراب الروسي هو التعريف بالحضارة العربية الإسلامية ودراستها من خلال (ترجمة المخطوطات التي تتعلق بتاريخ وآداب العرب المسلمين)، وأن هذه الترجمات كانت تتم من خلال التعاون بين العلماء العرب والعلماء الروس. كما يعطي ميزة لبيئة الاستعراب الروسي على الغربي، وهي التسهيلات التي كانت تقدم للباحثين العرب لدراسة تراثهم من خلال المخطوطات الموجودة في خزائن المكتبات في روسيا، وفي جميع الأوقات، يقول عن هذه المسألة: (لم يواجه الباحثون أي صعوبات في دراستهم وأبحاثهم على المخطوطات العربية، وإن من أهداف الاستعراب الروسي، هو إعادة هذه المخطوطات إلى الدول العربية بتحقيقها وإصدارها في كتب، إن المكتبات في أوروبة الغربية لا تعطي للباحثين العرب فرصة التعامل بسهولة مع تراثهم من خلال معاينتهم للمخطوطات العربية) وإن صلات العلماء العرب المسلمين والعلماء الروس لم تنقطع (منذ كان الشيخ طنطاوي أستاذ في جامعة سانت بطرسبورغ. هذا التعاون مازال قائماً بأوجه مختلفة، وإن كان الوهن قد اعترى هذه العلاقات في الفترة الأخيرة، ولكن نحن كمستعربين روس نظن أن هذه الفترة مؤقتة وقصيرة، ونبذل كل الجهود لنعبر هذه الحواجز المصطنعة الموجودة بيننا).
وأخيراً، نستطيع القول أن الاستعراب الروسي عكس الجوانب الإيجابية والسلبية في الشرق العربي المسلم ولكن لم يصدر في مواقفه عن رأي متعصب ولم يتزود سلفاً بفكرة ثابتة عن هذا الشرق وإنما عايشه واقعياً فصادف النماذج المختلفة. وعندما تم التعامل مع التراث العلمي العربي الإسلامي وتحقيق المخطوطات والأدب القديم فإن ذلك كان يتم في أحيان كثيرة من خلال التعاون بين العلماء الروس والعلماء العرب وساهم العرب أنفسهم في التعريف بالثقافة العربية الإسلامية وتدريس العربية في جامعات ومعاهد الاستعراب الروسي كما تم ربط الماضي بالحاضر والاهتمام بالأدب العربي المعاصر وأرسى المستعربون الأوائل أسس مدرسة الاستعراب الحالية التي يعتبر المستعربون الروس المعاصرون أنفسهم فيها امتداداً لأولئك المستعربين الأوائل الذين وقفوا جهودهم وعلمهم على أن يكون الاستعراب الروسي بعيداً عن أي دوافع غير الدوافع المعرفية العلمية فكانت صورة العربي المسلم مبشرة بالنهضة الحديثة راغبة في تجاوز واقع التخلف إنه الشرق المسلم الحي الذي يسير بحركته دائماً إلى الأمام وأخيراً أقول أنه يحق لنا التمييز بين استعراب أوروبي غربي ارتبط وكرس نفسه في معظم الأحيان لخدمة القرار السياسي الاستعماري فلم يظهر من الشرق المسلم إلا صورة السلبية، ولم يكتفِ بذلك بل وقام بتضخيم هذا السلبي ونشره عبر وسائله المختلفة ليعطي مبرراً لإحساسه بالتفوق والتمايز وليقرر هيمنته على هذا الشرق وحق الوصاية عليه وبين استعراب كان يظهر الإيجابي والسلبي وتعامل مع الشرق المسلم ومن وجهة النظر المعرفية الإنسانية ووضع التخلف ضمن ظروفه وأطره التاريخية ثم أظهر صورة العربي المسلم كإنسان قادر على تجاوز واقعه في حركته إلى الأمام لقد كان الاستعراب الروسي فعل استكشاف ومعرفة للآخر في إطار التبادل المعرفي والحضاري وليس فعل إنشاء كما هو حال الاستشراق الغربي ولا أجد أفضل من مقولة الأديب العربي المصري محمود تيمور التي تحدث فيها عن المستعرب كراتشكوفسكي وأجدها تنطبق على الاستعراب الروسي، يقول: ((وغمرني شعور لطيف فيه شيء من الزهو لوجود مثل هذا الصديق لنا معشر العرب في بلاد نائية قد وقف حياته على خدمة آدابنا وإعلاء كلمتنا فإن رجلاً قصر حياته على نشر ثقافتنا العربية في العالم الغربي وأوسع لنا الطريق لنتبوأ مكانتنا بين آداب الأمم العالمية لجدير بأن يحتل في قلوبنا أكبر مكانة)).


qq




المصادر والمراجع:


1 ـ القرآن الكريم.
2 ـ مع المحفوظات العربية ـ كراتشكوفسكي ـ تعريب د.محمد منير مرسي ـ دار النهضة العربية ـ القاهرة ـ 1969.
3 ـ تاريخ الاستعراب الروسي ـ كراتشكوفسكي.
4 ـ صورة الإسلام في أوروبا في العصور الوسطى ـ ريتشادر سودريه ـ تعريب د.رضوان السيد ـ معهد الإنماء العربي ـ بيروت ـ 1984.
5 ـ الاستشراق ـ إدوارد سعيد ـ تعريب كمال أبو ديب ـ مؤسسة الأبحاث العربية ـ بيروت ـ الطبعة الرابعة ـ 1995.
6 ـ الاستشراق بين دعائه ومعارضين ـ ترجمة وإعداد هاشم صالح ـ دار الماضي ـ بيروت.
7 ـ الحروب الصليبية ـ ارنست باكير ـ تعريب د. الباز العريني ـ دار النهضة العربية ـ بيروت ـ الطبعة الثانية.
8 ـ بابا وات من الحي اليهودي ـ يواكيم برنز ـ تعريب خالد أسعد عيسى ـ دار حسان ـ دمشق ـ 1983.
9 ـ تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب في العصور الوسطى ـ د. سعيد عاشور ـ دار النهضة العربية ـ بيروت ـ 1976.
10 ـ قصة الحضارة ـ
11 ـ مقتطفات من الأعمال الكاملة ـ كراتشكوفسكي ـ
12 ـ موسوعة المستشرقين عبد الرحمن بدوي ـ دار العلم للملايين ـ بيروت طبعة ثالثة 1993.
13 ـ مجلة الفكر العربي ـ العدد 31 ـ بيروت 1983.
14 ـ جريدة البيان 2 أكتوبر 1989.
15 ـ المؤلفات الكاملة ـ بونشين ـ 1949.
16ـ قصائد شرقية ـ بوشكين ـ ترجمة: طارق مردود ـ دار علاء الدين ـ دمشق 1999.
17 ـ العرب والروم واللاتين في الحرب الصليبية الأولى جوزيف نسيم، دار النهضة العربية ـ بيروت.
18 ـ دراسات في تاريخ الأدب العربي ـ منتخبات ـ كراتشكوفسكي ـ دار النشر (علم) ـ موسكو ـ 1965.
19 ـ بحوث سوفيتية في الأدب العربي ـ دار التقدم ـ موسكو 1978.
20 ـ تاريخ التراث العربي ـ فؤاد شكرين ـ الهيئة العامة للتأليف والنشر ـ ترجمة درعا. فهمي أبو الفضل ـ القاهرة 1971.
21 ـ لقاءات مع عدد من المستعربين الروس ـ بطرسبورغ ـ 1998.

qqq




الفهرس


المقدمة5
مفهوم الاستشراق:9
البدايات والدوافع:21
مصادر الاستعراب الروسي:28
بوشكين والأثر الشرقي ـ الإسلامي:53
كراتشكوفسكي والشرق الإسلامي.66
المستعربون الروس المعاصرون:66
المصادر والمراجع:66
الفهرس.. 66
__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
الإستشراق

« المــرأة العــــراقيــــة ورهانات التطــــور التنمـــوي | عبد الله النديم سيرة عطرة… وحياة حافلة »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ضحايا العدوان الروسي عبدالناصر محمود أخبار منوعة 0 11-01-2015 07:33 AM
العراب الروسي عبدالناصر محمود مقالات وتحليلات مختارة 0 03-28-2014 07:46 AM
الأدب الروسي Eng.Jordan شذرات موسوعية 0 04-29-2013 01:39 PM
إضاءات من توماس أديسون Eng.Jordan الملتقى العام 0 04-19-2012 10:09 AM
فرش إضاءات للمصممين Eng.Jordan الصور والتصاميم 0 04-01-2012 09:44 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 08:50 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68