تذكرني !

 





بحوث ودراسات منوعة أوراق بحثية ودراسات علمية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 02-07-2012, 02:06 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 19,630
افتراضي الثقافة الهدامة والإعلام الأسود

من هيروشيما إلى بغداد

ومن خراب الروح إلى العولمة





نزيه الشوفي


تمكنت الثقافة السوداء (عن طريق وسائل الإعلام) من تكثيف عمليات اقتحامها للدول والشعوب وثقافاتها القومية، ووجهتها نحو اتجاه واحد هو نسف الوقائع الحضارية والعقلية للشعوب مستخدمة في ذلك الأدوات المادية المتقدمة من علم وتكنولوجيا وتطبيقاتهما وفي مقدمة هذه الوقائع المستهدفة المنجزات التاريخية الروحية لهذه الشعوب، وهي ثمرة التأمل والتفكير والإدراك والوعي والمُثل أو القيم... بغية تمهيد السبيل إلى السيطرة الأخطر وهي ترويض العقل وصولاً إلى تخريبه وبالتالي تفكيك شخصية الفرد وصولاً إلى غاية أعلى وهي تخريب الكيان الاجتماعي للشعوب ومن ثمَّ نسف هويتها القومية وقطع الصلة مع تراثها والماضي أو التاريخ...

ابتدأت الثقافة السوداء بالعمل على تغيير أنماط السلوك البشري. وقد نجحت في هذا الجانب عن طريق وسائل الإعلام Nass - Media وعلاقاتها بالدول والأنظمة في العالم كافة وفي الوطن العربي خاصة. نجحت فيما تسميه تحديث المعارف على أساس "عولمي" أو الانسجام مع الأوضاع العالمية الجديدة وفي أولها التعليم... وذلك لكي تلعب هذه الثقافة الدور الأساسي المرسوم وهو توجيه التاريخ والدراسات العلمية في وطننا العربي... خاصة وأنها مُنيت بهزائم ذريعة في إطار الغزو الثقافي للأمة عن طريق الحداثة التي اقتصرت حتَّى الأمس القريب على الشعر ـ بقصيدة النثر الذي لا لون لها ولا طعم ولا رائحة ـ وعلّقت المشانق لأبي العلاء المعري والمتنبي وزهير والجاهليين، في فترة انطلاقها في الخمسينات من القرن الماضي... ثمَّ لجأت بعد حرب الخليج الأولى إلى تخطي جدار الشعر والتوجه إلى التعليم الذي يدار من قبل أنظمة تعليمية وتربوية تتلقى ولا ترسم، أي أنها تابعة وليست صاحبة قرار ومبادرة، ونذكر هنا أن جهوداً حثيثة بذلت في شتى جامعات الوطن العربي لتدريس المواد العلمية باللغة العربية (وهذا بند أساسي في ميثاق الجامعة العربية) إلا أن تدريس اللغة العربية في كثير من البلدان العربية قد أزيح لتحل اللغة الإنكليزية في المقام الأول حتَّى في المدارس الابتدائية... وهذا برأيي أخطر ما يمكن أن تواجهه الأمة العربية في كفاحها من أجل ترسيخ هويتها، حيث أن اللغة هي الوعاء الثقافي للأمة وأحد الركائز التاريخية التي تشكل هويتها القومية على الإطلاق... وبذا يتضح لنا السبيل الذي تسلكه هذه الثقافة السوداء في مسعاها لتخريب العقل العربي، ونسف اللغة والتاريخ، وصولاً إلى الاحتلال الكامل لإرادة الإنسان، وتحويله إلى سلعة أو رقم، ومن هنا لاحظنا حالات الانقراض والتنميط والتشيؤ في السلوك والتربية والتعليم.

أمَّا في مجال الفكر والأدب فقد أعلن القطب الأوحد عن دفن المنجزات التي حققها النظام الرأسمالي العالمي (الذي يسميه هذا القطب بالتقليدي) وكان قد طبّل لها مفكروها وزمّروا عبر نصف قرن ونيّف، أي منذ هيروشيما وحتى نهاية القرن العشرين ـ الذي بدأ بذبح العرب وانتهى بذبحهم على هذا النحو المأساوي الذي ما زلنا نشهده حتَّى اللحظة، بكل صمت المتفرج اليائس... وتجلّت هذه المنجزات في ظواهر الليبرالية، والنزعة العقلانية في الفلسفة والفكر، والديمقراطية المفتوحة والعلمانية و... الحداثة... وقد أضفت الإيديولوجيا طابعها على هذه الظواهر، كرد على إيديولوجية الآخر، سواء كان هذا الآخر المعسكر الاشتراكي الراحل، أم حركات التحرر القومي التي تصاعدت في مرحلة الخمسينات والستينات من القرن المنصرم وأضحت مركز الثقافة العالمية ثمَّ وبعد التراجعات المتلاحقة في سياسة الاتحاد السوفييتي حيال الثقافات القومية والروحية، تحول ميزان الارتكاز لتصبح ثقافة المركز هامشية منذ ثمانينات القرن الماضي وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي وتابعاته تفرّدت الثقافة الاستهلاكية الأمريكية والقطب الواحد بهذا العالم وشعوبه ومصائرها وثقافاتها وما إلى ذلك...

وشكَّلت هذه الظواهر تقاليدها وفكرها وخصائصها التي تميزت بها مجتمعاتها وترسَّخت فيها، إلا أنه عند نهاية الحرب الباردة وظهور القطبية الواحدية جاء الإعلان عن نهاية مرحلة الحداثة وبدء مرحلة جديدة هي "ما بعد الحداثة" كمنحى سياسي وثقافي شمولي، واقتصادي عالمي يندرج تحت لواء النظام العالمي الجديد... وقد عبّر غورباتشوف عن هذه الحالة حينما أطلق مصطلحه القائل "لا للإيديولوجية ونعم للمصالح" ليعلن بذلك انتهاء التفكير العقلي والوقائع الحضارية وقيام نظام عقلي مغاير... وقد وجدت هذه الحالة مريديها ودعاتها في وسطنا العربي رسمية وغير رسمية... فقد حمل الشيوعيون مبدأ إعادة التغيير التي انتهجها غورباتشوف "البيروسترويكا Perostroika" لتجاوز أوضاعهم الإيديولوجية المتناقضة والتنظيمية المركبة... وكانت هذه أول ردّة فعل (ميكانيكية) تتخذها شرائح إيديولوجية ملتزمة، موزاييكية التنظيم، حيال المصطلح الوافد والثقافة السوداء... فأعاد الكثير من الأحزاب السياسية والأفراد النظر بإيديولوجية الالتزام العقائدي، وتفكك موازينها وهي الآن في حالة عدم توازن في الخيارات، بين أن تبقى مخلصة لروح الماركسية، أو أن تنضوي تحت راية الإيديولوجيات القومية التي ناهضتها فيما مضى. أمَّا الشرائح الليبرالية الحداثوية والرومانسية الفكرية ذات الثقافة الغربية فقد دعت إلى اللحاق بركب العولمة وثقافة السوق، "ليكون لهم موطئ قدم في النظام العالمي الجديد قبل أن ترفسهم الأقدام".

إذاً، فالنظام الجديد (العولمي) هو نظام سياسي ـ اقتصادي وعسكري وثقافي، يسعى لابتلاع الطبيعة والبشر وهضمهم ثمَّ إعادة إنتاجهم على هيئة سلع... وقد ولد هذا النظام الجديد من رحم النظام السابق ـ الرأسمالي ـ ويعرفه الكاتب الأمريكي "توفلر" بأنه الثورة الثالثة أو موجة الحضارة الثالثة "على اعتبار أن الثورة الأولى هي الزراعية، والثانية هي الصناعية، أمَّا الثالثة فهي ثورة التكنولوجيا والمعلومات" التي تجعل العالم قرية كونية واحدة، أو سوقاً عالمية واحدة تخضع للأخطبوط الأكبر.
* التشيؤ والتنميط والانقراض...

جاء إعلان "فوكوياما" الياباني الأصل أمريكي الجنسية، عن نهاية التاريخ، إيذاناً ببداية مرحلة ما بعد الحداثة ودفن منجزات النظام السابق ووقائعه المادية والروحية... ودعا هذا الكاتب أحادي الرؤية إلى أن وقت الحلم ببدائل تاريخية قد مضى وقد سقطت هذه البدائل كلّها ميتة على عتبة الموجة الثالثة للحضارة الراهنة، وقال بأن ما عايشته البشرية فيما مضى ما هو إلا أضغاث أحلام طفولية، وما على البشر إلا الخضوع لواقع الحال، والانصياع إلى البنية المادية والروحية الجديدة (العولمية)...

*والعولمة من حيث هي نظام عالمي جديد، تسعى أول ما تسعى إلى نسف عدوها (رقم واحد) وهو الهويات القومية التي تنظر إليها على أنها الصخرة الكأداء الهائلة التي تقف في طريق انتشار تلك القرية الكونية المنفلتة من حبال الماضي وحضورها في الواقع الراهن تأسيساً لمستقبل منسلخ عن تاريخه... وعليها، والحالة هذه نسف كل الهويات عدا هوية واحدة هي: هوية السوق واستبضاع الإنسان الرقم أو السلعة... وهذا هو محور فلسفة العولمة (التشيؤ والانقراض والتنميط).

وقد تكيّف عدد كبير من دول أوروبا مع هذه الموجة وخاصة تلك الدول التي انهارت أنظمتها بعد تفكك بناها ومؤسساتها في شرق أوروبا، فيما وقفت دول عديدة في غرب أوروبا موقفاً مناهضاً لهذه الظاهرة لما تحمله في طياتها من خطر على الأخلاق والقيم الوطنية، والهوية، وكل ما تشكل تاريخياً في مجتمعاتها لتحمل كلها قيم السوق وثقافة التشيؤ... وفي مقدمتها فرنسا وألمانيا وبعض دول النورماندي والأراضي الواطئة... فقد حذّر وزير خارجية فرنسا الأسبق (جاك فوبو) من ترك الأبواب الفرنسية مشرعة أمام فيضان الثقافة الأمريكية وخاصة الأفلام الأمريكية كما حذّر من غزو الثقافة الجماهيرية لشرائح المجتمع الفرنسي ونبّه إلى مخاطر النتاج السمعي والبصري مقابل زيادة الإنتاج الهوليودي الذي غطى العالم وراكم الأرباح الطائلة دون أن تدخل أوروبا إلى ميزانياتها أي ربح يساوي جزءاً من الأرباح الأمريكية. وقال فوبو: "أن المعركة ليست معركة الماضي بل هي معركة المستقبل وأن قلاعنا الثقافية مهدّدة من هذه الناحية لذا علينا أن ندافع عن ثقافتنا الخاصة وهذا ليس انغلاقاً عن التعدّدية الثقافية وهذا مطلب حر"([1]).ونسوق مثالاً آخر على مسألة تعانيها المجتمعات الأوروبية الآن، نتيجة تغلغل موجة العولمة، وهي مسألة أو مشكلة المرأة. فبعد أن كافحت أوروبا منذ القرون الوسطى وحتى منتصف القرن الماضي من أجل تجاوز المقولة القروسطية (الإقطاعية) التي تفيد بأن "البيت لمن تلد والفريسة لمن يصطاد" استطاعت المجتمعات الأوروبية زج المرأة في معركة الحياة مع الرجل، نداً بند، وفي فعاليات المجتمع وحراكه كافة، ونالت حقوقها المساوية والموازية لحقوق الرجل، فيما أصبحت الآن فاقدة تماماً لهذه القيمة بل ولهويتها أيضاً بفعل ظاهرة الموجة الثالثة للحضارة وثورتها التقنية والمعلوماتية فأصبحت المرأة سلعة لكنها سلعة من نوع آخر، إذ تحولت من (النصف الآخر والجميل للمجتمع) والمنتجة الفاعلة في الاقتصاد الوطني إلى أنثى منتجة للغريزة واللذة والمتعة الجنسية معاً.

وفي مجتمعاتنا العربية، وإن لم تصل المرأة في مجتمعاتنا إلى هذه الدرجة الخطيرة، إلى أن ظاهرة تسليع المرأة وحرفها عن كونها من أمة لها قيمها [التي لم تكن فيها مظلومة أو مسفهة بل أن الرجل إذا أراد الفخر والاعتداد فإنه يتغزّل بها] منتشرة بصورة قد تكون حادة في مكان وضعيفة أو معدومة في مكان آخر...

في الوقت الذي لا تبدي فيه جامعاتنا وأكاديمياتنا قدرة على التحصين أو المواجهة المفاهيمية أو الفكرية أو الإنتاج المعرفي على هذا الصعيد لتعيش مجتمعاتنا هذه الحالة من الاضطراب المركب...

وفي إطار مرجعيات العولمة الأساسية الأخرى، الموجهة إلى الشرق كمقدمة للانقضاض على هويتها، فقد جعلت هذه الثقافة الإسلام قسمين: الإسلام الأصلي، والإسلام الأصولي...

أمَّا الطريق إلى ذلك، فقد كان عبر الجهات التي غذتها ودعمتها وموَّلتها منذ الخمسينات وجهزتها للوقوف في وجه المد التحرري القومي وطوّرت هذه الفئات وجهزتها لإنتاج مشروعها الجديد، فكانت بداية البدء من أفغانستان هذه المرة حيث بدأت تنفذ مشروعها هذا تحت شعار محاربة الأصولية الإرهابية، متحركة في المسارين فلسطين وأفغانستان ضمن استراتيجية واشنطن الجيوبوليتيكية وقد أنتجت هذه الفئات وقامت باستخدامها ضد الحكم الشيوعي في أفغانستان وساعدتها في ذلك دول إسلامية وعربية معروفة فيما مضى والآن تحارب منتجها، فهذه الأصولية هي أحد إنتاجياتها وثقافتها، وأن الإسلام واحد بمنابعه الفاضلة ومقاصده السمحاء وهو نسف الهوية التاريخية، في ظل نظام اقتلاع الهويات التي أنتجت تاريخاً وفلسفة امتلكت كل أسباب المدنية والحضارة، في ظل هذا النظام تتشكل معوقات فعلية للتاريخ والهوية، ربَّما ستكون إيديولوجية ـ فكرية تُلغي كل الهويات عدا هوية قاتلة هي: الاثنية والمذهبية والطائفية تستجيب لما يُراد لهذه الأمة من تخلّف وتدمير وبقائها دون تمثل لاستراتيجية تستجيب لمقتضيات التقدّم الأساسية، معرفية، ثقافية، وإيديولوجية واقتصادية في قائمة أولويات إعادة بناء الهوية التي يستهدفها نظام العولمة الراهن وإقصاء الماضي عن الحاضر والحاضر عن المستقبل بالقطبية المعرفية الكاملة (الماضي لاحتوائه لحظات حضارية متقدمة وغاية في الأهمية المعرفية، والحاضر كنتاج من المنجزات الحضارية) وتعمل العولمة الآن على فصله عن أن يكون توصيفاً لحالة حضارية... وكأنها تريد أن تُقصي الأمة عن ماضيها، وتملي على الماضي كيفية فهمه، وتدخل الحاضر المركب المضطرب بالماضي بتقديم الأداة التكنولوجية المتطورة لنسف هذا الماضي وقطع الجذور. لقد كانت استجابة الفئات المبهورة بالغرب فيما مضى، حتَّى في عصر النهضة العربية حيث ازدهرت فيه أفكار الغرب الأوربياني، أو عصر ترجمة هذه الأفكار بل وتبنيها، كانت كبيرة، لكنها لم تكن فاعلة كما تبين فيما سبق، إلا أن استجابة فئات عربية ومتوسطة ودنيا، لظاهرة العولمة والقرية الكونية، تسهل على النظام الجديد ابتلاع العرب، هذه الفئات التي تعيش على تخوم سياسة القطب الواحد وإسرائيل، افتقدت الانتماء والهوية، وتأسس الآن لمرحلة انهيار عربي، يقود إلى حطام عربي (كما يسميه د. طيب تيزيني) أو قاع عربي... وانتمت إلى المجتمع الاستهلاكي، مجتمع يستهلك ولا ينتج، مجتمع مُصنع غربياً ويستهلك عربياً، وثقافة منتجة غربياً وتستجيب عربياً... وبذا نشاهد هذا الحطام على هيئة تنميط رقمية... إلى تحويل البشر إلى أرقام.. وبعد فوكوياما، جاء دور صموئيل هنتينغتون ليعلن عن صدام الحضارات أو صراعها، أي صدام الحضارة الثالثة مع عدوها الأساسي وهو القوميات، أو الثقافات القومية وقد حدد هذا العدو بالاسم هو: الثقافة العربية والإسلامية... وتلتها دعوة أو بيان ستين كاتباً أمريكياً في فبراير من العام 2002، لتؤكد خطورة هذا التوجه الثقافي للموجة الحضارية الثالثة /فظيعة الذكر/... وحاول فوكوياما وهنتينغتون (كلاهما وبمساعدة البنتاغون) وضع صيغة تفسيرية للصراع في القرن الواحد والعشرين قائمة على العامل الثقافي كمحور للصراع، فهما بنظريتهما يروجان للثقافة الغربية والأمريكية وتعميم ثقافة الغرب وأمريكا على المجتمعات الأخرى من خلال أنظمة العولمة. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي وضرب العراق اعتبر هذان المنظران التابعان للبنتاغون بأن نبوءتهما قد تحققت أي أن التاريخ انتهى لصالح أمريكا والحضارة اللاتين ـ أمريكية أو الكالفينية التي مرَّ ذكرها معنا سابقاً....

فرأى هنتينغتون أن ليس هناك ثقافة أكثر قوّة وكفاءة وأكثر قدرة على التحدّي ومواجهة الغرب إلا الحضارة الإسلامية والكونفوشيوسية اللتان ترفضان الانقياد للغرب وحضارته كما ترفضان برامج العولمة ودعوتها للهيمنة على شعوب الأرض... ولذلك استخدم هنتينغتون مفهوم الثقافة بمعنى الحضارة (والحضارة لديه تعني الثقافة وهذا خطأ منهجي ومعرفي تاريخي يلم به تماماً لكنه يكابر على ارتكاب الخطأ من أجل مأربه الذي يرمي إليه وهو إيجاد فلسفة للصراع ومبررات إيديولوجية ثقافية معرفية حتَّى ولو غالط أهل الأرض كلهم والثقافة والحضارة كلتيهما...) وذلك لينسف الماضي كله بقيمه ومعتقداته ورموزه وأفكاره... وصور الصراع أو الصدام الذي سيحدث في القرن الواحد والعشرين على أنه سيقتصر فقط على الحضارة الغربية من طرف والحضارتين الإسلامية والكونفوشيوسية من طرف آخر.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن هنتينغتون ـ عندما يتحدث عن الصراع بين الحضارات الدينية ـ يتجاهل عن قصد وإصرار مبيتين للصراع بين اليهود والعرب أو بين اليهودية وعدوها الأول المسيحية، وأنكى من هذا أنه لم يستخدم الدين كمعيار للتصنيف إلا عندما يتحدّث عن الدين الإسلامي أو الحضارة الإسلامية... وفي تصنيفه الحضارات عبر معايير مخالفة للمنهجية العلمية والتاريخية تماماً فإنه يصنف الحضارات استناداً لمناطق جغرافية أو بيئية أو عرقية أو دينية وهذا لا يتفق مع تطلّب تحديد المعايير والمفاهيم حتَّى يكون التصنيف منطقياً متسقاً أي تصنيف الحضارات ـ على سبيل المثال ـ على أساس ديني كمعيار واحد، وهذا ما افتقر إليه هنتينغتون في هذا المجال، ومثال ذلك حينما يتم استخدام الدين كمعيار واحد وعليه يجب أن يكون تصنيف الحضارات على الشكل التالي: الحضارة المسيحية والحضارة الإسلامية والحضارة البوذية والهندوسية والحضارة الكونفوشيوسية وهذه تشير إلى الحضارة الصينية واللاتينية الأمريكية لماذا؟ إنَّ الثقافة أو الهوية الثقافية والتي في أوسع معانيها الهوية الحضارية هي التي تشكل نماذج التماسك والتفكك والصراع في عالم ما بعد الحرب الباردة. ويقع كتابه صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي في خمسة أجزاء رئيسية وكل هذه الأجزاء هي محاولة لتطوير نتائج ذلك الافتراض وهي أن العالم اليوم متعدّد الأقطاب والثقافات، وإن التحديث مختلف عن الغربنة. إنَّ توازن القوى بين الحضارات أخذ في التغير، الغرب يتقهقر في نفوذه النسبي وإن الحضارات الآسيوية تقوم ببناء وتوسيع قواها الاقتصادية والعسكرية والسياسية، والعالم الإسلامي يشهد انفجاراً سكانياً بعيد المدى في تأثيراته على مستقبل الدول الإسلامية ومصحوب بنتائج عدم استقرارها من جهة وعلاقاتها مع الحضارة الغربية من جهة أخرى. إنَّ نطاقاً عالمياً أساسه التنوع الثقافي أو الحضاري أخذ في الانبثاق: هناك مجتمعات تتقاسم روابط ثقافية تتعاون مع بعضها البعض والدول تجمع نفسها حول الدول الأساسية الرائدة أو الكبرى من نفس حضارتها أو ثقافتها. إنَّ دعوات الغرب إلى العالمية تضعه دائماً في صراع مع الحضارات الأخرى وبشكل أكثر أهمية وخطورة وتحديداً مع الإسلام والكونفوشيوسية وعلى المستوى الإقليمي حروب خطوط الصدع والتي تقع بشكل رئيس بين المسلمين وغير المسلمين، تؤكد الحشود التي تؤديها دول تشاطر حضارتها وتهدد بتوسيع حدود الصراع ممَّا يجعل الدول الكبرى تسعى إلى إنهاء تلك الصراعات. إنَّ حياة الغربيين تعتمد على الأمريكيين وهم يعيدون تأكيد هويتهم ـ الثقافة الغربية ـ وإن المجتمع الغربي قد هيّأ نفسه على اعتبار أن ثقافتهم ثقافة متميزة، وقد اتحدوا لغرض تجديدها وصياغتها ضد التهديدات من المجتمعات غير الغربية. ومن خلال صياغة هذه الأجزاء الخمسة ينطلق هنتينغتون بترويج فكرة صدام الحضارات مؤكداً في سياق أطروحاته على فكرة أساسية وهي أن الصدام في القرن الواحد والعشرين سيكون بين الغرب من جهة والإسلام والكونفوشيوسية من جهة أخرى باعتبارهما ثقافتين أو حضارتين تؤكدان على هويتهما الثقافية رافضتين الانصياع للثقافة الغربية... وبهذا هو يروج الصراع مع الشرق المحدّد لديه بالإسلام والصين، لصالح الغرب والأمريكان. وفي هذا بُعد سياسي خطير يستهدف إخضاع الشعوب الأخرى للسياسة والمصالح الأمريكية، أمَّا ما يتعلّق بافتراض هنتينغتون فإنه يقوم على أساس المصدر الرئيسي للصراع بعد الحرب الباردة فهو لن يكون صراعاً إيديولوجياً أو اقتصادياً إنما يكون صراعاً ثقافياً، ونظراً لأهمية الهوية الثقافية للمجتمعات الإنسانية فإن هنتينغتون يرى أن هذا العالم المتغيّر الذي يشهد صراعاً ثقافياً في المستقبل وصراعات أخرى على المستوى المحلي والتي ستكون بين ثقافات محلية تنطوي تحت حدود إقليمية أو الدولة وهي في الأساس ذات صيغة عرقية، أمَّا على مستوى العلاقات الخارجية فيرى أن صدام الحضارات سيكون عنوان العالم في المرحلة المقبلة كما أن المسائل الاستراتيجية ترتبط بتنوّع واختلاف الثقافات، وكان جورج بوش الأب يرى أن المستقبل سيكون مستقبلاً أمريكياً وأن النظام العالمي الجديد هو مجرّد إمكانية وطموح وفرصة متاحة الآن وسيكون حقيقة في المستقبل المنظور... وقال: "فبين أيدينا إمكانية استثنائية لم تنعم بها سوى أجيال قليلة، ألا وهي إمكانية بناء نظام دولي جديد وفقاً لقيمنا نحن ومثلنا نحن وليس في الوقت الذي تتقوّض فيه من حولنا النماذج والتقنيات القديمة ومُثل وقيم الآخرين"... وهذا ما قام بتوكيده وأدلجته هنتينغتون وفوكوياما لانهما ـ وبوش ومن قبله ومن بعده ـ هم في خدمة الاستراتيجية الأمريكية ومستقبلها. والثقافة التي يروّج لها الرئيس الأمريكي تتمثل في الحرية السياسية والاقتصادية وشرعية السلطة القائمة بالاتفاق الشكلي بين الحكام والمحكومين وحقوق الإنسان أو ما أسماه (الليبرالية الديمقراطية) والتي يجب نشرها في كل بقعة من بقاع الأرض ـ بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ودول شرق أوروبا ـ وعندما يتحقق هذا الانتشار فإن البشرية تكون قد وصلت إلى نهاية التاريخ. وهنا تبدأ أنظمة العولمة بالإحساس بنشوة الانتصار والتمدّد... إذن إنَّ فكرة الصراع التي تعبّر عن تصورات السياسة الأمريكية تقوم على الصدام بين الإسلام والغرب، إذن إنَّ ما جاء به هنتينغتون حول صدام الثقافات (بين الغرب والإسلام) يندرج في إطار السياسة الأمريكية تجاه المسلمين، ولعل هذا سيظهر عندما يصف هنتينغتون بأن الإسلام ومنذ البداية كان دين سيف وديناً يدعو للجهاد كوسيلة أساسية لمحاربة الأعداء وبهذا فإن الصراع بين المسلمين والغرب قديم، وهو ما سوف يكون ممتداً في القرن الواحد والعشرين لكن هذه المرة يجد نفسه ـ أي الإسلام ـ متحالفاً مع الكونفوشيوسية كثقافتين متفقتين في رفض النموذج الغربي على الرغم من الاختلاف بينهما في مسائل كثيرة. من هنا جاء تركيز هنتينغتون على مبدأ الصراع وتبريره. ثمَّ فلسف مقولته بأن العالم الإسلامي يشهد نمواً سكانياً بعيد المدى في تأثيراته على مستقبل العالم الإسلامي نفسه وعلى علاقاته مع الحضارات الأخرى. فهذا النمو في تصاعد مستمر ويأخذ أبعاداً خطيرة على مستقبل العلاقة مع الغرب ممَّا يجعل هذا النمو عاملاً أساسياً ومهماً في مدّ الصحوة الإسلامية بالعناصر الشابة النشطة المؤمنة بقيمة الحضارة الإسلامية وهذا سوف يشجع التطرّف وهجرة العناصر الشابة المدرّبة من المسلمين إلى أوروبا ـ التي تعاني من مشكلات كثيرة في هذا الإطار ـ ممَّا تتصاعد الصعوبة معها بخاصة إذا ما علمنا أن المجتمع الغربي نفسه لم يعد قادراً على استيعاب هذا التنوّع الثقافي، وأن الصحوة الإسلامية سوف يصيبها الكثير من الضعف بينما يضع الإسلام حسب اعتقاده حل إشكاليات التسلّط السياسي والتخلّف الاقتصادي والضعف العسكري ولعلّ الاستثناء الوحيد لذلك قد يأتي من كل من أندونيسيا وماليزيا إذا نجحت هذه البلدان بالحفاظ على تحقيق معدلات عالية للتنمية، وعندما يكون تقديم ـ نموذج إسلامي ـ للتنمية فإنه سوف ينافس النموذج الغربي والأسيوي ويتنبأ بظهور حركة إيديولوجية ذات طابع قومي متطرّف يعقب أفول الصحوة الإسلامية، ويرى أنها لا تكون على وفاق مع الغرب لأنها ستضع على عاتق دول الحضارة الغربية مسؤولية إفشال الحل الإسلامي وبمعنى آخر فإن طبيعة العلاقة الهدّامة قد تزداد حدّة أو تقل بحسب بعض المتغيّرات المرتبطة بالمجتمعات الإسلامية لكنها تبقى ذات طابع متناقض وأكّد هذا الكاتب العنصري ـ في سياق اعتقاده بتصاعد الصدام بين الإسلام والغرب ـ على إزاحة أو غياب الدولة القوية القائدة في العالم الإسلامي، لأنَّ هذا الغياب سوف يسهل قيام الصدام الحضاري، ويسوق مثالاً على ذلك من تجربة الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفييتي التي مارست كدولتين قائدتين في إطار حضارتهما دوراً أساسياً في توجيه سلوك الدول التابعة لهما، وهذا يمنع تصعيد أي صراع إلى درجة المواجهة العالمية، وفي غياب الدولة القائدة في المجتمعات الإسلامية تتعدّد الجبهات التي ستفتحها الدول الإسلامية مع باقي الحضارات فضلاً عن التنافس على دور الدولة القائدة في العالم الإسلامي الذي سيقود إلى صراع بين الدول الإسلامية([2]). وكذلك اختلال التوازن السكاني والتنمية الاقتصادية والتغيّر الثقافي ودرجة الالتزام الديني وأن حالة العداء هذه ستتزايد حدّتها بسبب عدّة عوامل أهمها: ازدياد هجرة المسلمين إلى الغرب بسبب النمو السكاني المتصاعد وعدم كفاية الموارد ولهذا نبّه إلى خطر الصحوة الإسلامية التي عززت من ثقة المسلمين بأنفسهم وأظهرت تميّز هويتهم الثقافية عن غيرهم على حد قوله. أمَّا فكرة العولمة فهي تقوم لديه على ترويج فكرة عالمية ثقافة الغرب، وفرض تفوقه العسكري والاقتصادي على العالم كأن المعسكر الشيوعي العدو المشترك للإسلام والغرب ممَّا دفع كل طرف لفرض هيمنته على الآخر. وهذا لا يستثني الدول الإسلامية التي تؤيّد واشنطن، وتعتمد عليها عسكرياً أو اقتصادياً لأنَّ الغرب يستشعر مخاطر الإسلام الكثيرة وأهمها انتشار أسلحة الدمار الشامل فيها والإرهاب وموضوع الهجرة غير المرغوب فيها، وقد زادت أحداث 11 سبتمبر 2001 مخاوف الغرب والولايات المتحدة الأمريكية التي وجدت الذرائع المناسبة (بل المفتعلة والتي تقف وراءها سي أي ايه والموساد) في إعلان مواقفها السياسية المعادية للعرب والمسلمين صراحة وتحت يافطة محاربة ما تسميه الإرهاب معتبرة ما حدث يمثل تحدياً وإعلان حرب ضدهم، متجاهلة ومتغافلة عن سبب ودوافع هذه الأفعال وهو السياسة الأمريكية الظالمة تجاه العرب والمسلمين والمجتمعات النامية بشكل عام، وقد كان الغرب وأمريكا ولم يزالا سبباً رئيساً في تخلّف هذه المجتمعات وفقرها ويقومان الآن بتصدير ثقافتهما وطرائق أنظمتها السياسية والاقتصادية والإعلامية عبر العولمة، التي تعالت أصواتها في السنوات الأخيرة وبخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتفرّد القطب الواحد والمتوحش في السياسة الدولية. ويشير هنتينغتون إلى أن حضارة الغرب ستبقى الأكثر قوة محتفظة بحالة جيدة وهي تدخل الألفية الثالثة. وأن الحضارة الغربية هي الوحيدة بين الحضارات التي كان لها تأثير هائل وتصفوي على كل حضارة نتيجة للعلاقة بين قوة وثقافة الغرب وقوة وثقافات الحضارات الأخرى، لذا فإن فكرة قوة الحضارة الغربية هي التي تؤهلها لأن تكون أكثر انتشاراً بين حضارات العالم والعكس بالعكس... لذا فإن القضية الأساسية بين الغرب وباقي العالم هو التنافر بين جهود الغرب لتكريس عالمية الثقافة الغربية وبخاصة أمريكا (ص28)، وبين الحضارات الأخرى التي تؤكد على خصوصيتها الثقافية والحضارية.

وتدور فكرة هنتينغتون حول مستقبل الصراع على اعتبار أن الصراع آت لا ريب فيه، وسيكون صراعاً ثقافياً وليس إيديولوجياً أو طبقياً هذه المرّة، ويأخذ طرقاً مختلفة من أبرزها الغزو الثقافي عن طريق العولمة دون الاكتراث بحركة التاريخ وأحداثه وبخاصة تاريخ الثورات والانتفاضات الشعبية على غرار ثورة الصين وثورة فيتنام والجزائر وكوبا وانتفاضة الأقصى ومقاومة الشعب العراقية المتصاعدة... ولم يكتف هنتينغتون بتجاهل هذه الثورات والحراك التاريخي للشعوب (ولعل هذا ما لا يؤمن به الأمريكان على الإطلاق لأنَّ رب الجند يحميهم دوماً من أعدائهم: العرب والمسلمين) بل زاد أكثر بنكرانه حقائق التقسيم الطبقي وأكثر منه رأى أن الهوية الثقافية تشكّل نماذج التماسك والتفكك والصراع في عالم ما بعد الحرب الباردة (ص30).

لقد قدّم هنتينغتون الإسلام على أنه العدو الأول للغرب، وهذا لا يعود لأسباب ذاتية ولا لأنه ينتمي إلى معسكر المتوجسين من خطر الإسلام كما رأى البعض، بل لأنَّ الموجه الإيديولوجي ـ الأمريكي ـ قد قرر تنفيذ خطط أمريكا التوسعية أو الجيوبوليتيكية فهيأ لها منظرين على شاكلة ص. هنتينغتون هذا. وقد أعطى مبرّراً مباشراً أو عيانياً كما ابتدع، ظاهرة الصحوة الإسلامية لدى العالم الإسلامي والعربي تحديداً حيث يعتز هؤلاء بحضارتهم وثقافتهم الأمر الذي سيقود إلى صدام حضاري ولذلك راح يهاجم الإسلام معتبراً إياه ديناً عدوانياً بطبعه انتشر بحد السيف ويحاول فرض ثقافته على الآخرين بالقوة...

([1]) اللوموند 7/10/1993 ويرتكز نهج هذه الدعوات على تسويق المصطلحات التي لا تخصّنا ولسنا نحن منتجيها كما أنها لا تخص العقل.

([2]) صراع الحضارات، ص29.
__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« الإسلام في التدافع مع الصهيونية | بحوث ودراسات علمية »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
هؤلاء الأشخاص يتحكمون في نقل المعلومات والإعلام Eng.Jordan أخبار منوعة 0 12-23-2016 02:41 PM
وكالة الاستخبارات الأمريكية cia والإعلام عبدالناصر محمود مقالات وتحليلات 0 08-19-2016 07:04 AM
الحكومة والإعلام يغذون الكراهية عبدالناصر محمود المسلمون حول العالم 0 11-13-2015 07:21 AM
كتاب الثقافة الهدامة والإعلام الأسود من هيروشيما إلى بغداد ومن خراب الروح Eng.Jordan كتب ومراجع إلكترونية 0 01-20-2013 10:06 PM
التعليم والإعلام عبدالناصر محمود مقالات وتحليلات 0 01-10-2013 07:04 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 08:38 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67