تذكرني !

 





ما بعدَ السَّلفيَّة

"ما بعدَ السَّلفيَّة"* ــــــ 2 / 7 / 1436 هــ 21 / 4 / 2015 م ــــــــــ تمهيدٌ ----- هذا الكِتابُ لكاتبَينِ ومؤلِّفَينِ شابَّينِ،

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 04-21-2015, 07:49 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,187
ورقة ما بعدَ السَّلفيَّة


"ما بعدَ السَّلفيَّة"*
ــــــ

2 / 7 / 1436 هــ
21 / 4 / 2015 م
ــــــــــ

بعدَ السَّلفيَّة _13285.jpg


تمهيدٌ
-----

هذا الكِتابُ لكاتبَينِ ومؤلِّفَينِ شابَّينِ، يُحسبانِ على المنهجِ السَّلفيِّ في الجُملة، كما يُشهدُ لهما بسَعةِ الاطِّلاع، والدَّأَبِ في القِراءة وطلبِ العِلم، ولهما اهتمامٌ بالجانب الفلسفيِّ والفِكريِّ والنقديِّ، وقد صدَر هذا الكتاب في هذه الآونةِ العصيبةِ من تاريخ الأمَّة، ولاقَى انتشارًا واسعًا منذُ صدوره في هذا العام 1436ه- 2015م، وسبَّب لغطًا وجدلًا كبيرينِ.

والكتابُ مع ما فيه مِن سَرْدٍ ماتعٍ لتأريخِ المنهجِ السَّلفيِّ، وفوائدَ جمَّةٍ، إلَّا أنَّه بعدَ قِراءته بتأنٍّ يتَّضح أنَّ فيه بعضَ الأخطاءِ العِلميَّة والمنهجيَّة وبعضَ التقريراتِ الخَطيرة أيضًا، التي لا يَسعُ السُّكوتُ عنها. ومنذُ صدورِ الكتابِ تَعدَّدتِ التعليقاتُ عليه، ما بَينَ مُغالٍ في مَدْحِه، ومُفرِط في ذَمِّه، ومُتوسِّط معتدِل.

وفي هذا العرضِ والنقد؛ نشيرُ إلى أهمِّ تلك الأخطاءِ والتقريراتِ الخَطيرةِ التي وقَعَ فيها المؤلِّفان، بما يتناسب مع المقام، فليس الهدفُ مِن هذه الزاوية (كتاب الشَّهر- عَرْض ونقْد) تقديمَ دِراسةٍ عِلميَّةٍ نقديَّة وافية للكتاب، ولا تتبُّعَ كلِّ ما ورَدَ فيه، أو التَّفصيلَ في النقْد- كما يَفعل مَن يقومُ بدراسةٍ نقديَّة لكتابٍ في بحثٍ أو مقال- وإنَّما الهدفُ مِن هذا العرضِ والنقدِ هو بيانُ رَأيٍ مُجمَلٍ في الكتابِ مع بيانِ ما للكتابِ وما عليه على سبيلِ الإجمال الذي يُناسِبُ هدفَ هذه الصَّفحة؛ وذلك لرَسْمِ الخُطوط العريضةِ للنقد، ولتنبيهِ القارئ على بعضِ ما في الكتابِ مِن مآخذ وتوضيحِها؛ ليحذرَ منها، ومن أمثالِها.


أولًا: عرضُ الكتاب
------------

تألَّف الكِتابُ من مقدِّمة، وبعضِ إضاءات، ومفاتيحِ، وسَبعةِ فصول:

شرَحَا في المقدِّمة معنى السَّلفيَّة والمقصود بها، والمقصود بـــ (الما بعد)، والإضاءات عبارة عن صَفحةٍ فيها نصوصٌ ونقولاتٌ في النَّقل عن الصَّحابةِ وضرورةِ الأخْذِ عنهم مع الْتزامِ فَهمِهم، والمفاتيح كانتْ عبارةً عن كلماتٍ لعددٍ من الكتَّاب والمفكِّرين، فبدآ بكلمة لابن عُثيمين، ثم المسيري، ثم بول ريكور، ثم جان بودريار!

والفصل الأوَّل: كان عن السَّلفيَّة: المصطلح والمفهوم، فبيَّن المؤلِّفانِ مُصطلحَ السَّلفيَّة ومفهومَه، مع ذِكر أصول هذا المنهج، وهي: التوحيد، والاتباع، والتزكية، وتعداد قواعد المنهج وخصائصه أيضًا، وذِكْر عددٍ من الاختيارات الفقهيَّة التي صاغتْ هُويَّةً ثقافيَّة للسلفيِّين-بحسب المؤلِّفَينِ-، مثل: تغطية وجْه المرأة، وتقصير الثِّياب للرِّجال، وتحريم حَلْقِ اللِّحية، وتحريم الموسيقا. وتحدَّثَا عن السَّلفيَّة المعاصرة بين صِحَّة النَّسب وكَذِبه، وما يُسمَّى بـ(جدل النِّسبة)، وعن فَهم السَّلف، وعن مفهومِ الفِرقة الناجية، ثمَّ عن تصنيفات السَّلفيَّة المعاصِرة.

والفصل الثَّاني: كان عن تطوُّر السَّلفيَّة، وفيه تحدَّثَا عن ما أَسمياه بالتحقُّقات التاريخيَّة للسلفيَّة لجماعاتٍ وأفراد حاولوا الْتزامَ هذا المنهجِ السَّلفيِّ، منذُ الصَّحابة وإلى الآن، فتحدَّثَا عن القرونِ الثَّلاثة المفضَّلة (جيل الصَّحابة، والتابعين، وتابعي التابعين)، ثم فصَّلَا الحديثَ عن الجيل الرَّابع وبَدْء تأسيسِ مِعمار العقائِد السَّلفيَّة- وعَنَيَا به الجيلَ الذي أخَذَ عن القرون المفضَّلة وعاصَر اكتمالَ تشكُّل مُعظمِ الفِرق البِدعيَّة- كجيل الشافعيِّ وأحمد والثوريِّ وابن عُيينة والدارميِّ والبخاريِّ وغيرهم، وعرَضَا للسلفيَّة بينَ الجِيل الرَّابع وابن تَيميَّة، وفصَّلَا في الكلام عن ابن تيميَّة وأصحابِه ومدَى صِدقِ تمثيلِ ابنِ تيميَّة للمنهجِ السَّلفيِّ، ثم عن الشَّيخ محمَّد بن عبد الوهاب والدَّعوة النجديَّة ومدى صِدق تمثيلِها للمنهجِ السَّلفيِّ، وختمَا هذا الفصلَ بالحديثِ عن السَّلفيَّةِ بين حِقبتَين، وهو عن الوهابيَّة في الدولةِ السعوديَّة الثانية، وعدَّدَا فيه المتأثِّرين بالدعوةِ بحسَبِ تفاوُتِ ذلك التأثيرِ.

وفي الفصل الثَّالث: تحدَّثا عن السَّلفيَّة المعاصِرة، من حيثُ عواملُ النشأةِ والازدهارِ وظروفُهما، فذكرَا موجزَ تطوُّر السَّلفيَّة المعاصرة، وذكرَا عددًا من الدُّول كالسُّودان وليبيا وتونس والجزائر والمغرب... وغيرها، وآسيا وأوربا. وتحدَّثَا عن الدولة السعوديَّة الثَّالثة التي وَصَفَاها بأنَّها منصَّةُ إطلاق السَّلفيَّة المعاصرة. ثم تناولَا بالحديثِ التلقِّي المصري للسلفيَّة قَبلَ الصَّحوة، وعَلاقة صاحب المنارِ رشيد رضا بالدَّعوة الوهابيَّة -كما يُسمُّونها- وجمعيَّة أنصار السُّنة المحمديَّة التي أنشأها محمَّد حامد فِقي، الذي تَبنَّى أفكارَ ابن تيميَّة وابن القيِّم وابنِ عبد الوهَّاب، وأنَّ هذه الجمعيةَ بمنزلةِ الرَّابطة للسلفيِّين، وتناولَا كذلك الإخوان المسلمين وحرَكة الضُّبَّاط الأحرار. ثم تحدَّثَا عن جِيل الصَّحوة، وازدهار السَّلفيَّة، وسَردَا فيه بعضَ العواملِ التي أثَّرتْ في ازدهارِ السَّلفيَّة، وما كان بين السَّلفيَّة والإخوان، ثمَّ ما حصَل من الظُّهور الكبيرِ للسلفيِّين مع الربيع العربيِّ، وتنظيم صُفوفِهم، وزعَمَا أنَّ هذه الصحوةَ التي تَسبِقُ الأفولَ بسببِ توالي الضرباتِ والانشقاقاتِ والتحوُّلات على السَّلفيَّة.

أمَّا الفصل الرَّابع: فكان عبارةً عن قِراءةٍ في ما أَسْمَوْه الاشتغالَ المعرفيَّ للسلفيَّة، فتكلَّما عن الاشتغالِ السَّلفيِّ الحديثيِّ، والاشتغالِ الأُصوليِّ، وكذا الاشتغال الفِقهي، وعلوم العربيَّة، والعلومِ الإنسانيَّة، مُظهرين -بحسب رأيهما- الفقرَ أو القصورَ المعرفيَّ في هذه العلومِ باستثناءِ الاشتغال الحديثي!

والفصل الخامس: كان للحديثِ عن السَّلفيَّة ومُعضلة الإصلاح، فتحدَّثَا عن الإصلاحِ السِّياسي عندَ السَّلفيَّة، وعن السَّلفيَّة والعمل المسلَّح، والسَّلفيَّة والعملِ الثَّوريِّ، ثم تحدَّثَا عن الإصلاح الثَّقافيِّ عند السَّلفيَّة، وعن علاقة السَّلفيِّين بالمجتمع.

وكان الفصل السَّادس: للكلام عن السَّلفيَّة المعاصِرة وعوامِل الأفول برأيهما ، موضِّحَينِ أنَّهما لا يَعنيان بالأفولِ الموتَ أو والفناءَ، وإنَّما يقصدانِ بالأفول: التَّشظي المرجعي والنَّسقي، وضِيقَ الانتشار، وقِلَّةَ الأنصارِ، وأنَّ فُقدان الرموزِ أهمُّ معالمِ هذا الأفولِ. وسردَا عواملَ هذا الأفولِ، فتكلَّمَا عن داءِ التفرُّقِ، مُبيِّنَينِ خُطورتَه، وعن فُقدان الأجوبةِ لصلاحية السَّلفيَّة أو جاذبيتها. ثم تَكلَّما عن ما أَسْمياهُ (الفقر الرمزي)، ويَعنيانِ به فُقدانَ الأشخاص والرموز المؤثِّرين بعدَ موتِ الشُّيوخ الثلاثة (ابن باز، والألباني، وابن عثيمين) رحمهم الله تعالى. ثمَّ تَكلَّما عن قَنواتِ الدَّعم وعوائقِ التدفُّق، وعن تحوُّلات السُّلطة.

والفصل السَّابع والأخير: خصَّصاه للحديثِ عن (ما بعدَ السَّلفيَّة)، وهو الفصلُ الذي حمَل الكتابُ عنوانَه؛ مُحاولةً منهما لاستشرافِ ما بعدَ أفولِ السَّلفيَّة بزعمِهما، ومَن البديلُ الذي سيَشْغَلُ المساحةَ وسيحلُّ محلَّ السَّلفيَّة؟ وإلى أين ستذهب السَّلفيَّةُ، وما سيناريوهاتُ مستقبلِ الأفول -حسب تعبيرهما-؟ وللجواب عن هذين السُّؤالين ذكرَا نُقطتين؛ الأولى: المركَز بين الوَحدة والتشظِّي، وتحدَّثَا فيها عن: الاتِّجاه الأشعريِّ بطابعِه التراثيِّ الكلاميِّ الصُّوفيِّ، وعن اتِّجاهات الفِعل السياسيِّ والاتجاهات التنويريَّة الإصلاحيَّة. والنقطة الثانية: السَّلفيَّة ومساراتِ زمَن الأفول، وعرضَا أربعَ مساراتٍ يَريانِها بعدَ ذلك.

ثانيًا: نقْد الكتاب
-----------

وقَع الكاتبانِ في حُزْمةٍ من الأخطاءِ المنهجيَّة، وسنتناول نقْدَ الكتابِ من خلال سِتَّة مآخِذِ فقط، ونُدلِّل عليها:

1. التعريضُ بكِبار الأئمَّة والعلماءِ.

2. التَّشنيعُ على السَّلفيَّة والسَّلفيِّين.

3. التشنيعُ على مَنهجِ الشيخِ محمَّد بن عبدالوهاب وأتْباعه.

4. أخطاءٌ في مَسائلَ عقديَّة.

5. إثارةُ مسائلَ فقهيَّة خِلافيَّة وخلْطُها بمسائلَ كِبارٍ.

6. الجَهلُ بالواقِع السُّعوديِّ.

ولكن قبلَ البَدءِ لا بدَّ مِن الإشارة إلى عددٍ مِن القضايا:
-------------------------

1- كنَّا نسمعُ في عددٍ من المجالسِ الخاصَّة والمنتديات العامَّة، وبعضِ الأطروحات النَّقديَّة، وخاصَّة في السنواتِ الأخيرةِ مَن يُطالب بمراجعةِ الخِطاب السَّلفيِّ، وتجديدِ الخِطاب السَّلفيِّ، وحاجة الخطاب السَّلفيِّ للنقد، وأنَّه غيرُ صالحٍ لهذا الزمنِ، وقد ظهرتْ على وجهِه تجاعيدُ الهرَم. ونحن نقول: المراجعةُ مطلوبةٌ، والتجديدُ مفيدٌ، والنقدُ ضروريٌّ، لكن ما كنَّا نتوقَّع أنْ تكونَ نتيجةُ هذه المطالبةِ أنْ يَصدُر كتابٌ يُبشِّر بأفولِ السَّلفيَّة، وعنوانه: (ما بعد السَّلفية - قِراءة نقديَّة في الخِطاب السَّلفي المعاصر)؛ فالقِراءة النقديَّة مقبولةٌ، لكنَّ القِراءةَ الهدميَّة بحاجةٍ إلى قِراء نقديَّة هي الأخرى!

2- لمْ يُوفَّق الكاتبانِ في اختيارِ عنوانِ الكتابِ؛ فمُصطلح (الما بعد) مُصطلحٌ حداثيٌّ دخيلٌ لا يمتُّ للمنهجِ السَّلفيِّ بصلةٍ، وما كان يَنبغي لهما أن يُخضعَا الحديثَ عن السَّلفيَّة لمِثْل هذه المصطلحاتِ العصريَّة الشائِكة التي لها مُكوِّناتها المعرفيَّة الخاصَّة، لكنَّ تأثُّرَ الكاتبَينِ بالكُتَّابِ الغربيِّين وبالأسلوبِ الحداثيِّ الفلسفيِّ أدَّى بهما إلى اختيارِ مِثل هذا العنوان.

ولا أدلَّ على هذا التأثُّرِ مِن كثرةِ النَّقلِ والإشارةِ إلى هؤلاء الكتَّاب من أمثال: هنتر، وكاستوري سين، وتيم موريس، وبول ريكور، وجان بودريار، و(أوليفيه رواه صاحب أطروحة: ما بعد الإسلاموية) وغيرهم.

واستخدامِ عِباراتهم وتَكرارها مرارًا في الكتاب مِن مثل: البراجماتية، الإبستمولوجية، الأيديولوجية، الراديكالية، و(التفاحة المحرَّمة Forbidden Apple تفاحة آدَم، وهي أسطورةٌ يهوديَّة) وغيرها.

ومن النُّصوصِ التي تُوضِّح بجِلاءٍ تأثُّرَهما بكتابةِ الغربيِّين وتسرُّبَ أطروحاتِهم إلى فِكرهما، قولُهما (ص496): (عندما طرَح بعضُ الغربيين مِن دارسي الحركة الإسلاميَّة فِكرة ما بعدَ الإسلاموية = قصَد بها باختصارٍ: أنَّ التيارات الإسلاميَّة غير العنفية، ستندمِج أكثرَ في العملية السِّياسيَّة؛ ممَّا يؤدِّي لتنامي جيل بدأ في الظُّهور بالفِعل، وهذا الجيل يَتخلَّى شيئًا فشيئًا عن المكوِّنات الصُّلبة داخل الإسلاموية؛ سعيًا نحو اندماج أكثرَ في الحداثة، سواء بعد أسلمة هذه الحداثة، أو حتى بعد تنحيةِ فِكرة وجوبِ الأسلمة جانبًا، والقبول بمعاني! أكثرَ اتِّساعًا لفصلِ المُقدَّس الدِّيني عن الممارسةِ السياسيَّة، سواء كان هذا الفصلُ اعتقادًا، أو نوعًا من البراجماتيَّة طويلة المدى.
كانتْ هذه الفكرةُ جذَّابة، وصار الواقع يَحشُد بنفسِه أدلَّةَ صِدقها، خاصَّة مع تأمُّل المسار الذي سارتْ فيه حركةُ النهضة بتونس، ثم حدَثت التطوُّراتُ الأخيرة في مصر، والتي أدَّت لنوع من اهتزازِ الصورة يصعُب معه تحديدُ ما ستؤول إليه)،فالكاتبُ الغربيُّ صاحب فِكرة (ما بعدَ الإسلاموية) الذي نَعَتاهُ بدارسٍ للحركة الإسلاميَّة بَشَّر في كتابه (بأُفول التيَّارات الإسلاميَّة) واندماجِها في الحداثة، وصاحبَا كتابِ (ما بعد السَّلفية) بشَّرا (بأفول التيَّارات السَّلفية) واقترابها مِن الاتجاهاتِ الإصلاحيَّة التنويريَّة!

3- وصْفُ الكاتبَينِ (ص11) أنفسَهما أنَّهما بمثابةِ مُؤرِّخَينِ ومحلِّلَينِ للأفكار لا يُعفيهما من تبِعات ما في هذا الكتابِ من أخطاءٍ منهجيَّة ومُجازفات عِلميَّة، وتقريراتٍ خاطِئة، وغير ذلِك من المآخِذ؛ لأنَّهما لم يَلتزمَا بهذا؛ فأحيانًا يَتناولانِ بعضَ المسائل تناولًا فقهيًّا، ترجيحًا وتقويةً وتضعيفًا، وهذه ليستْ مَهمَّة مؤرِّخ الأفكار. ثمَّ إنَّ مِن أهمِّ صِفات مؤرِّخِ الأفكارِ العدلَ والإنصافَ، ومحاولةَ ذِكر الإيجابيَّات والسلبيَّات، والدوافِع والظروفِ المحيطةِ بالواقِع، وهو ما لم يُلحَظْ بالصورةِ الكافيةِ في الكتاب؛ فقدْ أعطى الكِتابُ تصوُّرًا سلبيًّا جدًّا عن الاتِّجاه السَّلفيِّ المعاصِر، فضلًا عن الاتِّجاهِ السَّلفيِّ في كثيرٍ مِن أطوارِه، كزَمَنِ الإمام أحمدَ وما بَعدَه إلى ابنِ تيميَّة، وما بعدَ ابن تيميَّة إلى ابن عبد الوهَّاب، وما بَعدَ ابن عبد الوهَّاب إلى ازدهار السَّلفيَّة المعاصِرة! وستأتي بعضُ الأمثلةِ على ذلك، وغفَل أو تغافَل عن الظُّروفِ والتحدياتِ التي تُواجهه خاصَّةً في بعضِ البلدان كمِصر.

4- أشار الكاتبانِ (ص15) إلى مَسؤوليتِهما المشترَكة عن كلِّ ما في الكِتاب، ونحن نُلقي العَتْبَ كذلك على إخوانِنا في مركز نماء؛ لأنَّهم يَتحمَّلون جزءًا من هذه المسؤوليَّة؛ فالمراكزُ البحثيَّة التي لها هدفٌ ورسالةٌ في المجال الفكريِّ والثقافيِّ -أو هكذا يَنبغي أن يكونوا- كمركز نماء وغيرِه، عليهم تَوخِّي الحذرِ فيما يَنشُرونه؛ كي يُسهِموا في البِناء والنَّماء.

5- هذا الكتابُ بُني على أساسِ أنَّ السَّلفيَّة آيلةٌ إلى الأفول، وهذه أطروحتُه، ويُلاحِظ القارئُ للكتابِ أنَّ هذه الفكرةَ كانتْ مُسيطرةً ومستصحبةً لدَى الكاتبَينِ مِن أوَّل الكتابِ إلى آخِرِه؛ فقد نصَّا (ص199) على أنَّ أفول السَّلفيَّة تفترضُه أطروحةُ هذا الكتاب، وأكَّدَا ذلك (ص432).

وثمَّةَ عدة أسئلةٍ أو استشكالات تَطرَحُ نفسَها على قارئِ الكتابِ والمتأمِّل فيه:

- هل أُطروحةُ الكتاب أصلًا هي منهجٌ سديد؟ وهل هي مُوافقةٌ للمنهج النبويِّ في مِثلِ هذه الأمور؟

- هل المؤلِّفانِ يَعتقدانِ صوابَ السَّلفيَّة كمنهج؟! وما موقعُهما من السَّلفيَّة بالتَّحديدِ؛ هل هما من الخُصومِ لها، أم الموافِقين كما نَحسبُهما؟ وهل تصوُّرهما عن المنتسبِين إليه تصورٌ صحيحٌ؟

- ماذا قَصدَا بكتابِهما هذا؟
--------------


- ألَيْسَ الأَوْلى من ذلك هو النُّصحُ وتلمُّس مواطِن الخلل، والدَّعوة لإصلاحها بالحِكمة بدَلَ التَّصنيف بهذه الطَّريقة، التي نَحسبُها تَصنيفًا كلاميًّا فلسفيَّا من نوعٍ جديد؟

- لو تحدَّثا عن أفولِ تحقُّقٍ مُعيَّن للسَّلفية –كما يُعبِّران- في بعضِ الجِهات أو البُلدان، أو شكلٍ خاصٍّ منها لكان أوسعَ لعُذرهما، ولكنَّ الكاتبين يَتحدَّثانِ عن أُفولِ السَّلفيَّة الفِكرة والمنهَج. وهو أمرٌ لا يَقضي منه العجَبُ مِن سلفيٍّ يَفهمُ معنى السَّلفيَّة!

6- لا يُعفي الكاتبَينِ مِن مَسؤوليتِهما عن التَّعميمِ الجائرِ الذي مارَساهُ ضدَّ السَّلفيِّين بعامَّةٍ قولُهم (ص14): (غرَضُنا مِن معظمِ صِيغ التعميم في الكتاب هو التعبيرُ عن نمطٍ سائدٍ منتشر داخلَ السَّلفيَّة، وإنْ لم يكن مُستغرقًا للسلفيَّة ولا حتى غالبًا، لكنَّه يبقى من الكثرة بحيث يجوزُ في العربية أن يُعبَّر عنه بلا استعمالٍ لعبارات الاستثناء؛ فإنَّ التعميم لا يُساوي الاستغراق، التعميم إشارةٌ إلى الكثير السائد، سواء كان مستغرقًا أم لا).

لأنَّ التعميمَ المستعمَلَ في الكِتابِ هو تعميمُ أحكامٍ، وتعميمُ تصوُّراتٍ معيَّنة على أفرادٍ وجماعاتٍ مَعروفين، ويَنسحِبُ على مَن يُشابههم، ومِن هذه الحيثيَّة لا يجوزُ التعميمُ في الحُكم والتصوُّر؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى الظُّلم في الحُكم، والخطأِ في التصوُّر كذلك، خُصوصًا إذا لم يَظهرْ قصدُ التَّخصيصِ والاستثناءِ، أو لم يَكُن التخصيصُ مَعلومًا بداهةً. وأيضًا فإنَّهما يُنازعانِ في أنَّ هذا التَّعميمَ قدْ طبَّقاه على (الكثير السَّائد)؛ إذ بعضُ التصوُّرات التي ذَكرَاها ليستْ مِن هذا القَبيلِ، كما هو الشأنُ في تَصرُّفات حِزب النُّور المصري، التي أنْكَرها عليهم أوَّلَ مَن أنكرها السَّلفيُّون أنفسُهم، وبعضُهم كانوا من الحِزب نفْسِه! وليس حزْبُ النور- بطبيعةِ الحال وواقعِه- من (الكثير السَّائد) في مِصر، فضلًا عن أنْ يكونَ الكثيرَ السَّائد في واقِع السَّلفيَّة في السعودية وبقيَّة الدُّول.

7- تأثُّرُ الكاتبَينِ بالواقعِ المصريِّ والسعوديِّ -الذي كان مُحبِطًا للإسلاميِّين عامَّةً- أثناء كتابتِهما للكتاب كان واضحًا جدًّا على صَفحاتِ الكتاب، وطاغيًا على الفكرة، ولو كانت الكتابةُ في الفترةِ الماضية القريبةِ للحُكم المصريِّ أو الفترة الحالية في الحُكم السعوديِّ، لربَّما كانتْ نظرتُهما ونتيجةُ كتابتِهما مختلفةً، ولأثَّرتْ في أُطروحة قارئ الأفكار، وما هكذا تُقرأ الأفكارُ، وتُرصَد مسيراتُ الدَّعوات.

8- ثَمَّةَ دلالاتٌ عديدةٌ في الكتابِ تدلُّ على العَجلةِ في طَبْع الكتابِ وإخراجِه، دون التَّحريرِ اللَّائِق بمِثل موضوعِه وبِمثل مؤلِّفَيهِ، كالأقوالِ غيرِ المحرَّرة، والقُصورِ في التصوُّرِ والحصرِ لبعضِ الصُّورِ وفي ذِكرِ بعضِ الأعلامِ، أو ذِكرِ ما غيرُه أَوْلَى منه، وإلقاءِ الأحكامِ التي ليس عليها أدلَّةٌ ولا أمثلةٌ من الواقِع، حتَّى كثْرة الأخطاءِ النحويَّة والإملائيَّة والفنيَّة التي لا تُخطِئها عينُ القارئ!

وكان حريًّا بمَن يُريد أن يُخرج مِثلَ هذا الكتابِ ومِثل هذا الطرحِ أنْ يَطويَه لياليَ وأيَّامًا، بل شُهورًا وأعوامًا، قَبلَ أن يَطرَح ما فيه؛ فالتهيُّبُ فيما هو دون ذلك كان سَمْتَ العلماءِ ودأبَهم، وتأخيرُ التَّصنيف، وتأخيرُ إبرازِ بعض الكتُب، ومشاورةُ أهل العِلم- كان من مَنهجِ كثيرٍ مِن أكابرِهم.

فإذا وَقعتِ الأخطاءُ في الإملاءِ والنَّحوِ- وهو أيسرُ ما يُمكن تداركُه- فأخطاءُ استعجالِ النَّظرِ في الفِكرِ والأحكامِ- وهي أدقُّ وأخْفَى- مِن باب أَوْلى.

المآخِذُ على الكِتاب:
-------------

المأخذُ الأوَّل: التعريضُ بكِبار الأئمَّة والعُلماء

يَكفي العُقلاءَ أنْ تَنقُلَ لهم الكلامَ الخاطئَ دون الإشارةِ إلى موطنِ الخللِ؛ لظُهوره للعِيان، وهذه بعضُ النقولاتِ من الكِتاب، التي يَصدُق عليها هذا الأمرُ:

1- التَّعريض بالإمامِ أحمدَ واتِّهامه بالبغيِ.

ذَكرَا (ص95) ما جرَى بينَ الإمامِ أحمدَ وبين خُصومِه القائِلين: (لَفْظي بالقرآن مخلوقٌ)، ومنهم الكرابيسي، ثمَّ قالَا: (وقد قادَ هذا البغيُ إلى بغيٍ واسعٍ بعدَ وفاة أحمد رحمه الله حتى صارتِ المسألةُ مسألةَ محنة وفتنة بين القائلين باللفظ ومخالفيهم)!

2- المبالغةُ في وَصْفِ الحنابلةِ بالشِّدَّة على المخالِفين، ونقْلُ تكفيرِ بعضِ الحنابلةِ للأشعريَّة، مع عدمِ نقْل تكفيرِ الأشعريَّة لخُصومِهم.
ومن ذلك قولُهما (ص105): (فقد تكتَّل المنتسبون للحديث من الحنابلة ومَن يُوافقهم، ولم يكونوا يَقبلون أيَّةَ مخالفةٍ- ولو جُزئيَّة- في المسائل التي يُقرِّرون أنَّها السُّنَّة، مهما عظُم قدْرُ ذلك المخالِف، وما يَستدلُّ به مِن أدلَّة، ومهما كان موافقًا لأهل الحديث في مَشربِهم العامِّ في العقيدة والفقه)!

وقولهما (ص138): (لقد دارتِ الدورةُ من بعدِ اضطهاد أحمد، ثم ارتفاع الظُّلم عنه في مُدَّة الواثق، وانكماش الحنابلة بعدَه، ثم استطالتِهم على مُخالفيهم في الاعتقاد، صغيرة، كالطبري، وكبيرة كالأشاعرة وغيرهم، وحتَّى في الفقهيَّات، ثم انتهى الدَّورُ إلى سطوة الأشاعرةِ والمتكلِّمين، وانزواء الحنابلة)!

وفي (ص153 وما بعدَها) أطالَا الكلامَ جدًّا حول بغي الحنابلةِ على الأشعريَّة وتَكفيرِهم لهم، ونقلَا كلامًا لعالِمٍ حَنبليٍّ وصَفَاه بأنَّه (حنبلي مقدسي مغمور، وهو المشهورُ بابن الحنبلي)؛ فهل من العدلِ يا مُؤرِّخَ الأفكار أن تَنقُلَ تكفيرَ حنبليٍّ مغمورٍ للأشاعرةِ وتُحمِّلَ المنتسبين للحديثِ من الحَنابلةِ ومَن يُوافقهم تَبعاتِ كلامِه، ولا تَنقُل تكفيرَ الأشاعرةِ والمعتزلةِ للحنابلة، وبغيَهم عليهم؟! وكلُّ عارفٍ بالسِّياقِ التاريخيِّ يَعرِف وفرةَ ذلك، والكوائِنَ التي جرَتْ بسببِه.

ثمَّ إنَّه قد ذُكر في تراجِم الحنابلةِ منذُ الإمامِ أحمد إلى ابنِ تيميَّة قريبٌ من 1700 عالم أو يزيد- بحسَب ما أوردَه العلَّامةُ بكر أبو زيد في كتابه ((علماء الحنابلة))، وأغلبُهم سلفيُّون كما هو معلومٌ؛ فهل لمْ يَجِد المؤلِّفانِ من الحنابلةِ- مِن الجيل الرَّابع إلى ابنِ تيميَّة- إلَّا مَن ذَكرَا ليؤرِّخاهُ ويَنسُباهُ إلى الحنابلة؟! وهل هذا يليقُ بمؤرِّخ الأفكار؟! وهل هكذا تُقرأ الأفكارُ ويُستقرأ التاريخُ؟!

3- التعريضِ بابن تيميَّة.

ذكرَا (ص47) في مسألةِ صورة الرَّحمن أنَّ ابنَ تيميَّة انتصَرَ لأحمدَ على ابنِ خُزيمة، وأنَّ مِن طُرقِه في تغليطه لابنِ خُزيمة مجرَّد مخالفتِه لأحمد!

4- الزَّعمُ بأنَّ ابنَ تيميَّة يُمارِسُ سطوةً مذهبيَّة.

قالا (ص163): (فابن تيميَّة يَنقُل بعض الآراء عن السَّلف، ويُسلِّط عليها منظارًا تأويليًّا معينًا، يوافق الخلاصات السَّلفية أيضًا، التي توصَّل إليها في نفْس الباب، وفي بعض تلك الحالات يمارس ابنُ تيمية سطوةً مذهبية أحيانًا، فيما يتعلَّق بالمذهب الحنبلي بخاصة)!

5- تعرضُهما لابن باز في رُدودِه على الخُصوم.

رغْمَ اعترافهما بعِفَّة لِسانِه رحمه الله بقولهما (ص305): (وهو من أعفِّ رموز السَّلفيَّة المعاصرة لسانًا)، إلَّا أنَّه لم يَسلمْ مِن مِنقاش مؤرِّخِ الأفكار؛ لعلَّه يظفرُ بكلمةٍ خادشة منه، وفعلًا ظَفِر بقولٍ للشيخ عن ابن حزم في قولِه في المعازف، وأنَّه: (ممَّن تابَع الهوى وحادَ عن طريق الحقِّ) فعقَّبَا بعد ذلك: (ومِثل هذا إذا قيل في ابن حزم = يَسهُل بعدها أن نتصوَّر ما يمكن أن يُقال فيمَن يقول بقوله من المعاصِرين ممَّن هو أقلُّ هيبةً وحرمةً عند الناس من مِثل ابن حزم)، فهل بهذه الطريقة، وبهذا المعيارِ يُحكمُ على رُموزِ السَّلفيَّة وعُلمائِها ومَنهجِهم؟!
وحتَّى -لو سَلَّمنا جدلًا- أنَّ ابنَ باز أخطأَ في هذا؛ فهلْ لم يَجِدَا له إلَّا هذه الكلمةَ، ولم يَعثُرَا على كلامِه عن ابنِ حزم- كما في فتاوى اللَّجنة الدَّائمة- وأنَّه: (مِن العلماء المبرَّزين في الأصول، والفروع، وفي عِلم الكِتاب والسُّنة، إلَّا أنَّه خالَفَ جمهورَ أهل العِلم في مسائلَ كثيرةٍ أخطأ فيها الصَّواب؛ لجُمودِه على الظاهِر، وعدَم قولِه بالقياس الجليِّ المستوفِي للشُّروط المعتبَرة، وخَطؤه في العقيدةِ بتأويل نصوصِ الأسماء والصِّفات أشدُّ وأعظم). ثمَّ لقائل أنْ يقول: هذه العبارة لابن باز رحمه الله تعالى مِن الشِّدَّة المحمودةِ في مَوضعِها؛ خُصوصًا أنَّه لم يَقُلْ هذه الكلمةَ عن ابنِ حزمٍ وحْدَه صَراحةً هكذا كما تُوهِم عبارةُ المؤلِّفَينِ، بل إنَّ كلامَه كان عن مُبيحِي المعازفِ كابنِ حزمٍ وأبي تُرابٍ الظاهريِّ، وذلك عندَ تقديمِ الشَّيخ لكتابِ الشيخ حمود التويجري "فصْل الخِطاب في الرد على أبي تراب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــ
المصدر: ملتقى شذرات


lh fu]Q hgs~Qgtd~Qm juda

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 04-22-2015, 07:18 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,187
ورقة صورة (الاشتغال السلفي الفقهي) على (شاشة ما بعد السلفية)

صورة (الاشتغال السلفي الفقهي) على (شاشة ما بعد السلفية)
ــــــــــــــــــــــــــــ

(مشاري بن سعد الشثري)
ــــــــــــ

3 / 7 / 1436 هــ
22 / 4 / 2015 م
ـــــــــــــــ




(في ظلِّ عالمٍ مليءٍ بالاختلاف، والصراع، وتعارض الرغبات = فإنه ستنشأ إرادةٌ لتشويه الصور الذهنية، أو على الأقل صناعتها بصورة تتوافق مع رغبات الطرفِ صانعِ الصورة، حتى ولو لم يكن يعتقدُ أنه يُشوِّه الصورة، لكنه على الأقل يصنعها وينقلها كما يتصورها هو، وقد لا يكون تصوره هو عين الواقع)

أحمد سالم، صورة الإسلاميين على الشاشة (65)
-------------------------

لا أستطيع أن أكتم حماستي لاقتناء كتاب (ما بعد السلفية) لكاتبَيه أحمد سالم، وعمرو بسيوني - وفقهما الله – أول إعلانهما عنه عبر شبكات التواصل الاجتماعي، رغم اشمئزازي بدءًا من عنوانه، لكن الخطب يهون إذا ما استحضرنا أن العناوين ربما غلب على موضوعيتها عنصرُ الجذب، فلم ألتفت لذلك كثيرًا.. ولما صدر الكتاب وشرعت في مطالعته لفتني وشدني من فهرسه الفصل الرابع المعنون (قراءةٌ في الاشتغال المعرفي للسلفية)، وذلك لأن عنايتي في المقام الأول بالجوانب المعرفية تغلب نهمتي للأبحاث المتعلقة بالتأريخ للمصطلحات والتيارات، شدَّ من أزر نهمتي أن الكاتبَين ليسا أجنبيين عن السلفية، فهما من أبنائها الخبراء بمضامينها، إضافةً لاشتغالهما وعنايتهما بمختلف الجوانب المعرفية، فهذا يجعل لهذه المادة المسطورة وزنًا يفارق ما لو كان الكاتب طارئا على السلفية غير مشتغل بمعارفها.
وجدتُّني أطوي الكتاب سريعًا بغية الوصول إلى هذا الفصل، ولاسيما المبحث المتعلق بالاشتغال الفقهي عند السلفيين بحكم تخصصي، وفي الحقيقة أني في مسيري إلى مبتغاي يجتالني بعض ما أراه خللًا منهجيًّا عن سرعة المضيِّ، لكني أحرص على ألا أطيل المكث عنده بل أظلله المواضع المشكلة للرجوع إليها لاحقًا.

فما إن وصلت لمبتغاي وقد كنت أنتظر تقويمًا ونقدًا مبرهنًا أجد الكاتبَين قد تجاوزا عنصر المنهج في ضبط تحليل وتقويم الاشتغال الفقهي عند السلفيين إلى الاهتداء بإملاءاتِ الانطباعات العشوائية، سواءٌ في السيولة المعيارية، أو في قصة الحضور والغياب للأعلام والمواقف بحسب الأغراض المضمرة التي تحرِّك الدراسة ذات اليمين وذات الشمال، بوعي أو بلا وعي تبعًا لمدى سلطة فكرة تأفيل السلفية وغلبتها على مزاج النقد عند الكاتبَين.

كنت أنتظر أن أجد نقدًا ينهض بالفقه الذي يتمثَّله المنتسبون لمنهج السلف، والحال أن فيه جوانب من القصور قد تصل حدَّ الهزال أحيانًا، وهو ما لا ينازع في وجوده كثيرٌ من السلفيين، لكنَّ النقدَ المدوَّنَ في هذا الكتاب لا يزيد الأمر إلا ضياعًا حين غاب المنهج.
جاءت هذه الدراسة وهي تتغيَّا أن يخرج منها القارئ بأن السلفيَّةَ آيلةٌ للأفول بالتشظِّي المرجعي والنسقي، وهذه المقولة لو كانت نزيهةً مبرهنةً بمقدماتها لكان الملتزمون بمنهج السلف أول الفرحين بها، أو فلنقل: لفرح بها عقلاؤهم، نظرًا لكونها تمثل نظرة استشرافية لمستقبل الوجود السلفي ومركزيته، يستتبع رسمَ منهجيَّةٍ احتياطيَّةٍ تحُدُّ من هذا الأفول، ولكنَّ هذه الفكرة جاءت كثيرًا بصفتها أداةً موجَّهةً لتحريك مفاهيم البحث، ولو بدون قصدٍ من الكاتبين، ولم تكن - كما كان ينبغي - نتيجةً له، بل جاءت لتعيدَ تركيبَ السلفية في فيلمٍ جديدٍ يحمل عنوان: "مابعد السلفية"، أقرب إلى الأفلام التي درسها الباحث نفسه في كتابه الماتع "صورة الإسلاميين على الشاشة" الذي جاء الاقتباس المدون أعلاه من بين أوراقه.
هذه المقالة تتناول تحديدًا مبحث "الاشتغال الفقهي عند السلفيين" في كتاب "ما بعد السلفية"، وتحاول أن تبيِّن مضمراته، وتشرح كيف شكَّلت هذه المضمرات العرقَ النابضَ في تحليل المادة وتقويمها.
******

مدخلٌ
----
يبتدئ بحث بتقرير أن ابن تيمية يمثِّل (نقطة الانطلاق الصحيحة لتحليل التكوين الفقهي للسلفية المعاصرة) [310]، وينتقي البحث من جملة المحددات المنهجية في المجال الفقهي قضية الاجتهاد والتقليد والتمذهب، ويرى الكاتبان أن هذه القضية هي الأكثر حرجًا في الوسط السلفي المعاصر في المجال الفقهي.
وتسجِّل الدراسة أن البعد النظري في هذه القضايا لم يختلف القول فيه بين ابن تيمية وسائر التحققات بعده، وإنْ تفلَّت في بعضها، أما التفعيل فكان على أطوار:
أما في الاشتغال الفقهي لمشايخ الوهابية فـ (لا نجد الطابع التيمي حاضرًا، بل هو في الغالب فقه حنبلي تقليدي) [321].
وأما الشيخ محمد بن إبراهيم فـ (ظلَّ على النهج الحنبلي العملي في الاشتغال الفقهي، كما كان الوهابيون قبله) [325].
ثم الذي أتى بالجديد على الساحة العلمية والفقهية بخصوص هو (النموذج الوهابي المتأخر المتمثل في عبدالعزيز بن باز، ومحمد بن صالح العثيمين) [327] .. ولكنه مع ذلك (ظلَّ اجتهادًا في الإطار، اجتهادًا محافظًا) [344].

أما الألباني فهو (يمثل ذروة التطور السلفي في الاشتغال الفقهي الاجتهادي) [334]، وليس هو كاجتهاد الشيخين، فمع اقترابه من النموذج التيمي إلا أن اجتهاده مستند (إلى الدليل صرفًا، دون الاحتفال بالإطار الفقهي) [344].
ولا يُذكَر العلَّامة السعدي إلا بوصفه رافدًا من ضمن (روافد أمدت ابن عثيمين بهذا الاتجاه وذلك النزوع) [331].
وبعد ذلك يأتي الشيخ مقبل الوادعي بوصفه (أحد الاتجاهات الفقهية الشائعة داخل السلفية المعاصرة) [352].
هذا السداسيُّ (مشايخ الوهابية - ابن إبراهيم - ابن باز - ابن عثيمين - الألباني - الوادعي) هو ما ارتضاه الكاتبان ليكون مجسِّدًا لصورة الاشتغال الفقهي عند السلفيين ومشكلا لخارطته.
واعتمد البحث لتقويم الاشتغال السلفي هنا بمستوى وجود تفعيل النموذج التيمي، ومدى سلامته:
فأولًا يقرر البحث أن التعاطي الوهابي (يبدو أكثر تواضعًا واعترافًا بالفروق الإمكانية) [319].
والشيخ ابن إبراهيم كالوهابيين قبله في السير على النهج الحنبلي في الاشتغال الفقهي.
وابن باز يغلب عليه (الطابع المحافظ، والترجيح في إطار الأدلة القريبة) [371] وهذا التوصيف يتضمن إشارة مبطنة تشي بعدم عمق الترجيح عند ابن باز.

وابن عثيمين كان أقرب إلى المنهج التيمي (مع جودة الأدوات الفقهية) لكن ليس مطلقًا، بل (نسبيًّا) [344] وأدوات العثيمين في الفقه والأصول (أدوات جيدة) لكن ليس مطلقًا، بل (مقارنةً بأقرانه) [331]، وعن شرحه على الزاد فـ (الجودة الفقهية واضحةٌ فيه، نظرًا لتفعيله الآلة الفقهية والأصولية واللغوية في البحث) لكن ليس مطلقًا، بل (في حدود زاده منها، والذي هو أحسن من أقرانه)، وتفضيله على أقرانه - بطبيعة الحال - ليس مطلقًا، بل (من حيث الجملة) [368].
وقد طور كلٌّ من الشيخين ابنِ باز وابنِ عثيمين الاشتغال الفقهي السلفي، ولكلٍّ منهما اختيارات فقهية (ولكنها ليست بالجدة التي تعد فيها اختياراتٍ تستأهل الدرس والاعتناء) [371].
والألباني أحد (أقرب الأطياف السلفية قربًا من النموذج التيمي في الاشتغال الفقهي) لكن (مع فقر الأدوات) [344].
وهذا النموذج الثلاثي - ابن باز، العثيمين، الألباني - بأدواته المتراوحة بين الفقر والجودة النسبية و(على ما بينهم من اختلافات بينية، كان هو المشكلَ الرئيس والنموذج المحتذى للاشتغال الفقهي للسلفية المعاصرة في الأربعين عامًا الأخير، فيما نسميه حقبة الصحوة) [365].

ثم يُكرِه الكاتبان الوادعيَّ على الحضور في سياق التقويم الفقهي لاكتمال مهرجان التقزيم السلفي مع كونه (لا يحظى بوفرة من الأتباع أصلًا) [365]، وأدواتُه (لا تتعدى أنه مُحَدِّث، وعنده بعض الاشتغال في النحو) [365]، ولا يعرف السلفيُّون الوادعيَّ فقيهًا حتى ينال هذه المكانة السامقة في توصيف الاشتغال الفقهي، إلا أن الصورة التزهيدية المركبة التي تطمح إليها الدراسة لا تكتمل حتى يؤتى بالوادعي الذي يقوم فقهه على (فتاوى من صيد الخاطر) [352]، والذي (أخذ النظرية الحزمية الظاهرية مع فقر مدقع في الأدوات العلمية) [354]، ولا يقف الحد عند هذا، بل يبلغ الأثر الغريب الذي يصوِّرُه الكتاب عن الاشتغال السلفي الوادعي في المجال الفقهي وأثره على الاشتغال الفقهي عند السلفيين بأنه (يمثل قمة الراديكالية السلفية في الفقه مجاوزًا الألباني، ومنطلقًا بصورة طردية في تطوير الأخطاء السلفية في النظر الفقهي ومنهجيته إلى منتهاها، بما كان له من أثر سلبي على عموم الاتجاه السلفي في الاشتغال الفقهي) [355] .. ويتحدث البحث عن تصديره عددًا من تلاميذه في العالم الإسلامي، ويتساءل: (هل تسربت المباني الوادعية إلى الفقه السلفي لا شعوريًّا، أم أن الوادعي كان أكبر انعكاس واضح لتلك المباني الموجودة من قبل؟) [366].

هذه الصورة للاشتغال الفقهي عند السلفيين التي يلتقطها الكتاب صورةٌ قاتمةٌ مبعثرةٌ، ليس لها معيارٌ ضابطٌ يُحكِم أركانها، إلا أن يكون الاقترابَ من الأنموذج التيمي المتعلق بالقضية التي يراها الكاتبان الأكثرَ حرجًا في الوسط السلفي المعاصر في المجال الفقهي، وهي قضية الاجتهاد والتقليد والتمذهب، ومدى توفر الأدوات لبناء الأنموذج النظري وتفعيله من عدم ذلك، وهذا ما لا نراه صادقًا على تقويم هذا الاشتغال كما في الفقرة التالية.
******

السيولة المعياريَّة
-------------

السؤال الذي يُسجَّل هنا: هل هذا المعيار "الاقتراب من الأنموذج التيمي" الذي يفرضه السياق معيارٌ منضبطٌ في تقويم الاشتغال الفقهي عند السلفيين، على الأقل في السياق الذي تنحو إليه الدراسة؟

الجواب: لا.

وبيانُه أن الكاتِبَين في سياق رسم الصورة السالفة بينوا أن هناك نهضة فقهية ظهرت في السعودية (مؤخرًا) .. ونحن حين نقرأ مركَّب "النهضة الفقهية" بعد قصة التزهيد هذه، وأنه فقه تقليديٌّ تارةً، نسبيُّ الجودة تارة أخرى، يستقي ترجيحاته من الأدلة القريبة تارةً ثالثة = فنحن نترقب نهضة فقهية عالية، ولتكن على أقل تقدير تفعيلًا للنموذج التيمي على وجه مقارب للكمال، لكن جاء السياق ليبين أن هذه النهضة الفقهية تمثَّلت في [370]:

1. جهود محمد بن أحمد باجابر وعامر بهجت في إقامة الدورات المركزة المختصرة، التي لا تخرج في بحثها الفقهي عن المذهب الحنبلي.

2. جهود فؤاد الهاشمي وجماعة الملتقى الفقهي على الإنترنت في التدقيق الفقهي وإجراء الدرس الفقهي المقارن وفق الضوابط الأصولية والفقهية الكلاسيكية مع التجديد في الطرح والأسلوب، والاعتناء بالترتيب والتقسيم والتهذيب.

3. جهود عبدالعزيز الشبل في الاعتناء بتنمية الملكة في الدرس الفقهي.

وهنا يحق لنا التساؤل: هل يَجسُرُ مَن يتصدر لتحليلِ وتقويمِ تاريخٍ فقهيٍّ امتدَّ عقودًا، على تقديم نهضة فقهية بهذه الصفة، على أنقاض جهود فقهية تسلسلت في عقود؟
بحثٌ فقهيٌّ مذهبيٌّ، وإجراءٌ للدرس الفقهي المقارن مع تجديد في الأسلوب، والاعتناء بتنمية الملكة، أهذه - مع حفظ قدر الجهود المذكورة وأصحابها - تقدَّم على أنها شواهدُ نهضةٍ فقهيَّةٍ على مستوى الاشتغال الفقهي عند السلفيين؟

من البدهي أمام هذه المفارقة أن يقال بأن هذا التعاطي مع منطلقات التقويم للاشتغال الفقهي عند السلفيين، أتى بحسب مضمراتِ دراسةٍ تطمح صراحةً إلى أن تؤرخ لأفول السلفية المعاصرة، وضمور غالب اشتغالاتها المعرفية يمثل أحد الأسباب الرئيسة لذلك، وهذه الفكرة - فكرة الأفول - يلح عليها الكتاب طولًا وعرضًا، لكن لا بحسب منطلقات علمية منهجية تُقوَّم بها المشاريع المعرفية.
وصدق الكاتبان:

(الواقع يشهد بأن مجالات العلوم الإنسانية وإمكانات تفعيلها سواء لفهم الواقع أو لخدمة العلوم الدينية = تُعَدُّ من أبرز وجوه الاشتغال العلمي المهجورة عند السلفية، وقد كان لهذا الهجر والتضييع عدة آثار سلبية، أهمها: أولًا: ضحالة الرؤى التي قدمها السلفيون لواقعهم ومجتمعاتهم، سواء من ناحية الكم أو من ناحية الكيف، فالسلفيون أظهروا ضعفًا واضحًا في مستويين أساسيين من مستويات العمليات العقلية المرتبطة بالأدوات العلمية، هما: مستوى التحليل والتقويم، بالإضافة للتفسير كمقدرة أولية ...) [392]
وهذا البحثُ عن الاشتغال الفقهي عند السلفيين تحديدًا صالحٌ لأن يكون أنموذجًا لغياب تفعيل العلوم الإنسانية في خدمة العلوم الدينية تحليلًا وتقويمًا.

إذا لم يكن هذا المعيار الذي يجعل الأنموذج التيمي في قضية الاجتهاد والتقليد والتمذهب هو المعيار الصالح لتقويم الاشتغال الفقهي عند السلفيين حسب السياق الذي تفرضه الدراسة، فما المعيار الذي تقدمه إذًا، وعلى وَفقه تتنزل التطبيقات النقدية المبثوثة في ممراتها؟

في الحقيقة لا نجد الدراسة مهمومة بهذا السؤال أصلًا، فهذه الدراسة عبارة عن محاولةِ مَنهَجَةٍ لاحقةٍ لجزئيات منتقَدَةٍ سابقةٍ عليها، ومن هنا نُظِم خيط الدراسة، واتَّسم بالسيولة المعيارية، فخرج الاشتغال الفقهي السلفي لذلك في سلسلة مبتكرة من صانع الصورة شُدَّت حلقاتها لبيان حكم مقرر سلفًا، وهو أن الاشتغال الفقهي عند السلفيين اشتغالٌ متواضعٌ لا يمثل رقيًّا فقهيًّا.

ونظرًا لغياب هذا المعيار الضابط ترى الإطلاقاتِ النقديةَ موزَّعةً على الصفحات بالتساوي، بلا التفاتٍ إلى القارئ الذي لا بُدَّ وأن ينقدح في ذهنه سؤال المنهج المتبع في هذه الإطلاقات الملقاة جزافًا.
ليس بمحظور أن يتجه الكاتبان لتقويم هذا العالم أو ذاك، بل النقد والإصلاح للواقع الفقهي مطلب، ولكنه مطلبٌ علميٌّ منهجيٌّ، وليس تحكيمًا لانطباعات مرسلة، ومن هنا كان يُفتَرَضُ في دراسةٍ كهذه أن تخاطب قارئها بخطاب مبرهن، لا أن يحترف الكاتبان مهنة موظفي الجمارك بنقد كل اسم عابر في فصول الدراسة دون تقديم ورقةٍ كاشفةٍ لمسبَّبات ذلك النقد، لا سيما والكاتبان لم يُعرفا باشتغال فقهي، وهذا ليس بمشروط في تقديم النقد، ولكنه يبعثهما على ضخِّ مزيدٍ من البرهنة على مطلوبهما، خاصة وأنه متعلق بنقدٍ مباشرٍ لأعيان ومناهج.

في ضمن الإطلاقات التقويمية اللامبرهنة، يأتي الشيخ محمد المختار الشنقيطي في نظر الكاتبين على أن شرحه للزاد (يكشف عن تفقه متوسط العمق ومحافظ مذهبيًّا، وهو حالة ليست بالكثيرة في الوسط السلفي بعامة، والسعودي بخاصة، الذي تغلب عليه الدروس التقليدية، غير المعمقة في الفقه) [370].
الألباني فقير الأدوات، وأدوات العثيمين جيدة نسبيا بالنظر لأقرانه، وابن باز يرجح بالأدلة القريبة، والشنقيطي في درسه متوسط العمق، وهلمَّ جرًّا، كل هذا يأتي بلا تكلُّف عناء البرهنة.
قارئ هذه الدراسة لم يأتِ إليها ليحفظ جدولًا لضَربِ الأعلام، بل ليقف على معادلات منهجية مبرهنة للتحليل والتقويم، وهذا ما غفلت عنه هذه الدراسة في كثير من مواضعها.

هذا البحث يعاني من سيولة معيارية حادَّة، لم يُراعِ فيه الكاتبان منهجًا منضبطًا، كما لم ينظَر فيه بتمييزٍ بين مجالات العطاء الفقهي والاشتغال السلفي فيها بحثًا ودرسًا وإفتاءً، ولو كان هذا التقسيم مراعًى لكان التقويم خيرًا وأقومَ مما هو عليه، وكان هذا الغياب بطبيعة الحال مجرِّئًا لاستطالة النقد وتمدده، كما أعانت هذه السيولةُ الكاتبين على استحضار أسماء وتشريد أخرى، وسيأتي بيان ذلك.

هل البحث يدرس الاشتغال الفقهي عند السلفيين في الجانب البحثي؟
---------------------------------

إذًا فأين مثلُ بكر أبو زيد، ودبيان الدبيان، والرسائل الجامعية المتقنة، لماذا لا نراها في صلب التقويم للاشتغال السلفي إلا بإشارات خجولة، كما في الرسائل الجامعية، أو بتغييب تام كمنجزات الشيخين بكر أبو زيد والدبيان.

هل البحث يدرس الإتقان الفقهي وامتلاك الأدوات المعرفية، بصرف النظر عن التقيد بمذهب أو عدمه، وبصرف النظر عن التأثير في الساحة السلفية من عدمها؟

إن كان: نعم، فلماذا تم الترحيل الكلي للشنقيطي - بعد التنزل جدلًا بضعف تأثيره، والتزامه بمالكيته - والترحيل الجزئي لابن إبراهيم - مع كون عطائه الفقهي لا يقتصر على الاشتغال الحنبلي كما تدعيه الدراسة -، ولم يجعل الكاتبان لهما في تقويم الاشتغال الفقهي عند السلفيين موقعًا لائقًا بوزنهما المعرفي والفقهي؟

وإن كان: لا، فما هذه النهضة الفقهية التي تتطامن لدورات مختصرة مقدمة في الفقه المذهبي ولا تلتفت لمثل العلامتين ابن إبراهيم والشنقيطي؟

سؤالاتٌ كثيرةٌ حائرةٌ أفرزتها هذه السيولة المعيارية التي طاشت بيد النقد هنا وهناك.

هذا البحث مثلًا يصوِّر ابن إبراهيم بأنه ظل على النهج الحنبلي العملي في الاشتغال الفقهي لذلك لا داعي لاستحضاره بوصفه فاعلا في الساحة الفقهية السلفية، فلا ينال من هذا التقويم سى سطرين، بينما يرى عبدالفتاح أبو غدة أن رسائل وكتابات ابن إبراهيم (تتميز بالعمق والدقة والشمول والاستدلال والجزالة التامة، وجلها في المشكلات العلمية العويصة) ويرى في فتاواه ورسائله (نماذج حية ناطقة بعمق نظره في الفقه الإسلامي) .. ومعلومٌ موقف أبي غدة من السلفية، لكنه الفرقُ بين معايرة العطاء الفقهي بالأمور الشكلية والإطارات العامة، وبين تخلُّل أعطاف الفقه واستنهاض مقوماته الصلبة في تقويم الأعلام والمواقف.

وكما تسببت السيولة المعيارية في حضور أسماء وغياب أخرى فقد تسببت في انفصام الرؤية حيال شخصية واحدة .. وهنا يأتي الطريفي في سياقين:

أما السياق الأول ففي هذا المبحث المخصص لتقويم الاشتغال الفقهي عند السلفيين يأتي الطريفي في صورة متواضعة مع العدوي والعلوان (كنماذج قريبة جدا من طريقة الألباني في التفقه، من حيث اعتماد ظواهر الأدلة وآثار الصحابة، والجرأة على مخالفة المذاهب الفقهية، ولاحظنا في الوقت الذي يبنون فيه القول المخالف للجماهير على أثر أو أثرين يغفلون عن دلالة شيوع القول الفقهي الذي يخالفونه في الطبقات الفقهية المتتالية، وما قد يكون معه من انتشار القول والعمل، على نحو قد لا تقوى تلك الآثار لمقاومته) [368].
بينما في سياق الحديث عن الفقر الرمزي لدى السلفية يذكر الكاتبان أن (الطريفي أشبه بنموذج الرمز الذي كرسه ابن باز وابن عثيمين، من حيث كونه ممثلا للاتجاه الفقهي والفكري والسياسي السلفي العام للتيار) [660].
فالطريفي يأتي لمامًا بصورة فقهية متواضعة حين تقويم الاشتغال الفقهي، ويأتي في مقام آخر أشبه بنموذج الرمز الممثل للاتجاه الفقهي العام، وذلك في مقام الحدِّ من رمزية أعلامٍ آخرين، وذلك لا يُفسَّر إلا بما قدمتُه من طغيان الأغراض المضمرة على المنطلقات المنهجية.
******

استراتيجية خط الرجعة
--------------

تجاوزًا للشخصياتِ المجمرَكَةِ وجداولِ ضرب الأعلام لننظر إلى الإطلاقات المرسلة المتعلقة بتوصيف السلفيين بعامَّةٍ في اشتغالهم الفقهي.
والكاتبان قد وضعا لهم في صدر هذه الدراسة خطَّ رجعةٍ لكلِّ نقدٍ يُسلَّط على العمومات المبثوثة فيها، وهذا إن دلَّ على شيء فعلى علمهم بطغيان التعميمات في هذه الدراسة التي لا يقوم ساقها إلا بسيلٍ من التعميمات المنفلتة ليمتلئ بها جوف القارئ.

خطُّ الرجعة هذا الذي مفاده أن صيغ التعميم لا تستلزم الاستغراق، وأن التعميمَ مجردُ إشارة إلى الكثير السائد، سواء كان مستغرقًا أو لا = لا يعفي الكاتبين من التبعة، ونصُّ ابن تيمية الذي استشهدا به نص محكَمٌ غير أن القول فيه مقيَّدٌ، وذلك بقول ابن تيمية: (من فصيح الكلام وجيده: الإطلاق والتعميم عند ظهور قصد التخصيص والتقييد) .. فإذا لم يظهر قصد التخصيص والتقييد، فليس التعميم مع إرادة عدم الاستغراق من فصيح الكلام وجيده .. خطُّ الرجعة هذا الذي أراد به الكاتبان الخروج من معرَّة التعميمات هو إلى أن يكون إدانةً للدراسة أقرب منه إلى أن يكون غطاءً حافظًا لها، هذا السلوك يوحي القارئ الفطن أن الكاتب يريد شحن القارئ بتعميمات مرسلة، ولكنه يخجل من تهمة التعميم، فكانت هذه الاستراتيجية الوقائية مناسبةً لأن تُصدَّر بها هذه الدراسة.

وأيًّا ما كان فمحل النقد على تلك الإطلاقات في تقويم المواقف الكبرى والمنهجيات المعرفية والشخصيات السلفية الفقهية دون برهنة تتلاءم مع حجم الدعوى بصرف النظر عن سلامة غلافها، كقولهم: (هذه الأدوات - العلم بالعربية، والآثار، والإجماع والخلاف - جميعها يفتقر إليها الاشتغال السلفي في الفقه) [363] .. (السلفية تبنَّت دعوةً دون امتلاك آلاتها) [357] .. (لا يبدي السلفيون مرونةً في التعامل مع الاتجاهات الاجتهادية المعاصرة في مجال المقاصد والقواعد الفقهية، وينظرون إليها بريبة باعتبار أنها مجرد ستار للتخلص من سلطة النص والخروج عن السنة إلى التمييع والتساهل، مع عدم التفريق بين ما هو كذلك من المناهج، وما هو تفقهٌ صحيح يعتمد قواعد شرعية مصلحية دل عليها الوحي، وتطبيقات الفقهاء من السلف والخلف) [359] .. (... الكتب والمتون الفقهية التي لا يفهمها أغلب السلفيين) [373] .. (إن هناك عسرا شديدا يصل إلى حد التعذر في الاطلاع السلفي على كتب الفقه المذهبية التقليدية متوسطة الصعوبة ككتب الشربيني الشافعي والموصلي الحنفي مثلًا) [375] .. كل هذه الإطلاقات تأتي مرسلة، لا يدعمها سوى استقراءات ناقصة وانطباعات ذاتية.

ومن ذلك قول الكاتبَين: (الفقه السلفي بسيط، لا يحب التفصيل ولا تعداد الحالات، يميل إلى المباشرة، والقول الواحد، وعدم التعقيد اللفظي، أو المعنوي. وقد يكون السبب في ذلك نشأته في طوره الحديث في أجواء البداوة في نجد) [375] فكيف يريد الكاتبان من القارئ أن يتلقى مثل هذا التوصيف، مع هذا التسبيب المليح الذي يربط بين بساطة الفقه السلفي وأجواء البداوة النجدية!
هذا التوصيف الصحفي للفقه السلفي بالبساطة ومجافاة التفاصيل وتعداد الحالات يجرُّ إلى قصة أخرى في هذا البحث، بعد أن تطرقنا إلى قصة السيولة المعيارية، ألا وهي:
******

قصة الحضور والغياب
-----------------

ما المعيار الذي تمثَّله الكاتبان في تحضير وتغييب أعلام الفقه السلفي ومجالاته وقضاياه؟
سأقدِّم بذكر النتيجة على سرد أحداث القصة، وهي ذات النتيجة المدونة أعلاه، المتمثلة في رعاية الأغراض المضمرة لدراسةٍ تؤرِّخ لأفول السلفية، بعيدًا عن المنطلقات المنهجية في تقويم الاشتغالات المعرفية، ونظرًا لذلك تُعطى تأشيرةُ الدخول لبعض الأعلام والقضايا دون بعض.
أمَّا لماذا جرَّ التوصيف للفقه السلفي بالبساطة لهذه القصة، فلأن التساؤلَ الموجه لهذا الإطلاق: ما مجال مجافاة الفقه السلفي للتفاصيل؟

البحث يرمي تحديدًا إلى ما يتعلق ببحث النوازل والمستجدات في الفقه السلفي، (فنظرًا لتعقُّد أغلب النوازل فإن الاشتغال الفقهي السلفي يواجه صعوبات شديدة في بحثها، فهو يميل في الغالب إلى تبسيط النوازل، وإزاحة أو تعطيل المعطيات والجوانب التي لا يقدر على التعامل معها، بحيث يتمكن من إعطاء حكم مباشر صريح بسيط، لا يتسم بالتفصيل الشديد، والإدارة مع العلل) [375].

وأنا أتساءل هنا: أي "تبسيط" يعنيه الكاتبان؟

الظاهر من سياق البحث أن المقصود ليس منحصرا في الإيجاز والاتساع الخطابي، بل يتجه في المقام الأول إلى ضمور العملية الاجتهادية نفسها، فهي تفرُّ من تحمل تبعة النظر الاجتهادي في النوازل لتلقي بحكم موجز لا يراعي الأقيسة ومقاصد الشريعة ونحوها.
وهذا إن كان هو المقصودَ فهو ناتجٌ عن قصور في الاطلاع على النتاج السلفي في حقل النوازل والمستجدات، أو قصورٍ في تحقيقه، فأين هو عطاء أعلام السلفيين، السعدي، وابن عثيمين، وابن باز، وبكر أبو زيد، وغيرهم من أعضاء المجامع والمصارف في المسائل النازلة؟
العلامة السعدي مثلًا الذي أعرضت عنه الدراسة تمامًا إلا بصفته رافدًا لابن عثيمين = له من البصر بمقاصد الشريعة وقواعدها، والاطلاع على الواقع المعاصر، والنظر في المسائل المستجدة بفقه مكين، ما نال به رتبة عليَّة في الفقه، ولكن الدراسة أعرضت عنه، في مقابل استجلابها الشيخ مقبل الوادعي.
الشيخ بكر أبو زيد له أيادٍ بحثية في النوازل المعاصرة، لكنه لم يظهر في كل مباحث الاشتغال المعرفي عند السلفيين من هذا الكتاب إلا في سطر واحد، فهو حاضرٌ في مخيال الكاتبين لكن لا في مجال تخصص الرئيس الذي كتب فيه أبحاثًا، وتولى فيه مناصب عليا، بل يخرج من الكاتبين بقولهم: (كان لأحد أعلام سلفية نجد الشيخ بكر بن عبدالله أبي زيد اشتغالٌ لغويٌّ وأدبيٌّ)! [384].
يغيب الشيخ بكر بمنجزاته الفقهية وأدواته المعرفية، وتُعطى التأشيرة لبعض من له حضور فقهي سلفي متواضع ليقال عنه: (ليس هناك ما يُدلِّل على تمكنه العلمي) ويقال عن آخر: (خبرته بالنصوص الفقهية أقل جودة)، وهكذا تجد التحضير لكل شخصية تحقق احتياجات الدراسة وتوسع دائرة العينة المنتقَدَة.
وإن تعجبْ فعجبٌ هي ملاحقة الكاتبَين لآحاد الشخصيات السلفية في الشبكات العنكبوتية وإن لم تكن ذا حضور شائع في الواقع العلمي السلفي، مع إعراضٍ عن شخصيات فقهية سلفية مثل الشيخ دبيان الدبيان الذي وضع في الفقه أزيد من 30 مجلدًا، ثلاثة عشر مجلدًا في فقه الطهارة، وعشرين مجلدًا في المعاملات المالية المعاصرة، وليس الشأن في منجز الدبيان أنه منجزٌ كمِّي فحسب، بل يحضر هنا بصفته في المقام الأول نتاجا فقهيا سلفيا، فكيف يغيب هذا المنجز بمثل هذا الوزن عن دراسة تطرح نفسها بأنها تقوِّم الاشتغال الفقهي السلفي؟

مثل هذا العطاء لا يُتجاوز بحجة عدم التزام الدراسة للاستغراق، فالدبيان بمنجزاته البحثية الضخمة لا يحسن تجاوزه في الوقت الذي يستورد فيه من لا يمثل إنتاجه عشر العشر مما كتبه، ولكن الشأن أنها شخصية خارجة عن محل البحث، لكونها لا تحقق الأغراض المضمرة لهذه الدراسة الموجَّهة.
******

الرسائل الجامعية ورصاصة الرحمة
---------------------

قبل أن يُسدل الكاتبان الستارَ على هذا الاشتغال الفقهي السلفي أشارا في بضعة أسطر إلى نهضة سلفية أخرى فيما يتعلق بفقه المستجدات الفقهية عمومًا وفقه المعاملات المالية خصوصًا، ولكنها أسطرٌ عابرة حُيِّدتْ عن مركز التوصيف إلى هامشه، وتهجيرُ مثل هذه المنجزات الكبرى المتمثلة في مؤسَّساتٍ وكليَّاتٍ وأبحاثٍ من خلال إشارة عابرة يُعدُّ من النقائص المركزية في هذا التقويم للاشتغال الفقهي عند السلفيين، ومثل هذا التهجير أضحى سمتًا لتقويم هذا الاشتغال.

وقد كان من المنتظر من هذه الدراسة المتصدرة لوضع الاشتغال الفقهي عند السلفيين في الميزان أن تعرف للميزان قدره، وأن تتناول بنظر منهجي الدراساتِ الفقهيَّةَ التي صدرت في موضوعات كثيرة جدًّا تغطي أبواب الفقه الإسلامي والنوازل المعاصرة، غير أن الكاتبَين أطلقا رصاصة الرحمة في ورقة ونصف على مئات إن لم تكن آلاف الرسائل الجامعية، بمثل النهجِ السالفِ وصفُه من الإرسال الخالي عن البرهنة، فهناك (الرسائل الوصفية التي تصف منهج فقيه معين، والغالب على هذه الرسائل قلة النفع والابتكار، وأقصى ما ينتفع به منها أن تجمع أقوال الفقيه أو المدرسة المعينة، وفيها الرسائل الموضوعية كبحث مسائل باب معين، كأحكام الفسق أو الكلام أو الديات أو بحث مسألة معينة من المسائل الكبيرة أو النوازل، والحقيقة إن الغالب الأعم من هذه الرسائل مجرد سرد للمصادر والأقوال والأدلة دون ابتكار ولا روح فقهية حقيقية) [377-378]، ثم يمضي الكاتبان بلا تكلُّف عناء البرهنة، كما هو معتاد.
ويشير الكاتبان إلى (أن هناك استثناءات قدم فيها الباحثون نفسًا فقهيا فريدا، وأبانوا عنه أدوات جديرة بالتقدير، سواء من جهة جدة الموضوعات المبحوثة، والتفنن في تقديمها وعرضها، أو من جهة الاقتدار والكفاءة العلمية) .. وهذا في الحقيقة يبعث على تساؤل مهم، وهو: متى كان التميز حالًا شائعةً أصلًا؟ سواء في السلفية أو في غيرها، بل في شتى الأطياف الإنسانية في مختلف المجالات المعرفية .. فالنقد بأن المتميز من الرسائل الجامعية في حكم النادر في سياق الإيجاع النقدي للاشتغال الفقهي السلفي يفترض أن الأصل هو شيوع التميز، وهذا ما لا يكون، لا في السلفية ولا في غيرها، والعبرة حينئذ ليس في النظر في الغالب، بل في وجود هذا التميز ورعايته وتعميم الإفادة منه، ثم في الحالة الفقهية بعامة بشتى تجلياتها.

ومثلُ هذا: الحطُّ من الأدوات المعرفية للسلفية مقارنةً بأدواتِ مثلِ ابن تيمية وابن حزم، فهذه مغالطةٌ لو أديرت على الكاتبين أنفسهما لاحتلَّا رقمًا متأخرًا في تقويم الأدوات المعرفية، مقارنة بالمكنة التيمية والحزمية، فلماذا يُستطال على الاشتغال الفقهي عند السلفيين عامتهم بمثل هذه المقارنات؟

كان من المنتظر أن يكون معيار النقد والمحاكمة للاشتغال الفقهي السلفي خاضعًا لاعتبارات محكَمة، تتدلى منها التطبيقات النقدية تدليًّا ممنهجًا: فقه وتصور الأقوال والمذاهب الفقهية، استثمار أصول الفقه المعتبرة في التخريج الفقهي، استعمال الجهاز المصطلحي الفقهي، دراسة النوازل والمستجدات بمنهجية جارية على طرائق الفقهاء الحرص على دقة العزو وتصور الأقوال، الأصالة في الوصول للمصادر ... هذه وغيرها لم تنل حظَّها من الصدارة النقدية في تقويم الاشتغال الفقهي.
******

أخيرًا
----

أردت بهذه الكتابة التعليقَ على ما رأيته من إطلاقاتٍ فطيرةٍ لم تأخذ حظها من الفحص، ولا تأيَّدت بالبرهنة، بل صيغت بعينٍ تتحسَّس المكاسر وتختزل الحقائق، مع آراء أخرى متعلقة بمسائل من الفقه والنظر أرسل الكاتبان القول فيها بلا تكلُّفِ عناء التحقيق، أعرضتُ عنها لتمثيلها تصورات جزئية حول قضايا تفصيلية، والشأن هنا في المنهجية المتحركة والأغراض الساكنة في أطراف هذا المبحث.
وأمرٌ أخيرٌ أشير إليه، وهو ما كنت أحبُّ للكاتبَين التجافي َعنه، وهو التساهل في إلقاء الجمل المعلَّبة في تقويم الأعلام، بل بلغ الحال بهما إلى إرخاء النقد وإطلاقه مع التحرز في الثناء وتقييده، حتى استُكثر على قامة فقهية بمنزلة ابن عثيمين أن يُثنى على فقهه وأدواته المعرفية بدون تقييداتٍ (نسبيًّا، من حيث الجملة، في حدود زاده).

ولم يكتف الكاتبان بنقد ما شهداه، بل أعملوا مادة القياس في النقد، وذلك حين تقييمهم لدورة فقهية لأحد الشخصيات السلفية، فلم يكتفيا بما شهدوه من عطائه الفقهي، بل اشتاقت حواس نقدهم لتشمل دورة له في شرح كشاف القناع، فقالا: (المعهود من مكنة بالي المعروفة في لقاءاته ودروسه المشاهدة تسكك في جودة تلك الدروس الفقهية بحيث تناسب عناوينها ومستويات المواد التي تتناولها، وإن كنا لم نطلع عليها) [369]، وهذا لا يفسره إلا الرغبة في الملاحقة النقدية والجمركة الماشطة لكل الأعلام الواردة في هذا المبحث.

وهذا الباب من النقد، أعني باب نقد الأعلام، يُحوِج الناقد إلى تحرٍّ وأناةٍ، مع اتزانٍ نفسيٍّ يتخلص به من نوازع الهوى وغُلَوَاء النقد، ولو كان النقد حقًّا، لا سيما إذا كان هذا التقويم متعلِّقًا بأعلام قضوا في تحصيل العلم ونشره عقودًا .. وليس هذا بحائل دون النقد، لكن ليس على هذه الشاكلة التي سبق عرضها، فهذا النهج إن لم يلحق الضرر بالقارئ فلن يفيده إلا التدرُّب على الاستطالة .. والله تعالى أعلم

-------------------------------------
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 04-23-2015, 07:30 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,187
ورقة معضلة التناقض وأزمة التقييم في الخطاب إلى ما بعد سلفي

معضلة التناقض وأزمة التقييم في الخطاب إلى ما بعد سلفي
ـــــــــــــــــــــــــــ

(مشاري بن سعد الشثري)
ـــــــــــــ

4 / 7 / 1436 هــ
23 / 4 / 2015 م
ــــــــــــ




بسم الله الرحمن الرحيم
------------------


معضلة التناقض وأزمة التقييم في الخطاب إلى ما بعد سلفي



بيِّنٌ أن خطاب "ما بعد السلفية" خطابٌ تدشينيٌّ لإحدى مسارات زمنِ الأفول، زمنِ ما بعد السلفية، فالكتاب يفترض أن السلفية ستتنوع بعد تشظِّيها إلى أربع مسارات .. رابعُها مسارُ (مَن يمارس مراجعاتٍ على نفس المكون التراثي العقدي والفقهي، بالإضافة لمراجعاتٍ تتعلق بالأجوبة على الأسئلة الآنية والتحديات الواقعية)، وهذا المسار هو الذي يمثِّل حجرَ زاويةِ المسارات، فـ (الإشكال الأساسي يكمن في المراجعات التي سيجريها أصحاب المسار الرابع)، ومحلُّ الإشكال أن هذا المسار خلافًا للمسارات السابقة لا يحافظ على المكون التراثي العقدي والفقهي، بل يطرح مراجعاتٍ عليه، ولذلك (يكون هذا النمط من المراجعات مؤذنًا بميلاد تحقِّقٍ تاريخي جديد للنسق المنهجي الذي يظلل هذه التحققات) [687].

وما دام هذا الكتاب "ما بعد السلفية" قد قدَّم مراجعاتٍ على المكون السلفي التراثي العقدي والفقهي كما هو معلومٌ لكل من أدار نظره فيه، فالكاتبان يقدمان بخطابهم في هذا الكتاب مشاركةً تأسيسيةً لنمطٍ يؤذن بميلاد تحقق تاريخي جديد للسلفية، لكن هذه المراجعة لم تكن ممنهجةً بقواعدَ وتأصيلاتٍ، بل شابَها ما تشبَّعت به سوابقُها من المحاولات المناوئة للسلفية التي قدمت نظرات ناقدة للسلفية بكثير من السيولة المعيارية، والانفلات المنهجي، والانطباعات المرسلة.

المؤسفُ حقيقةً ليس متعلقًا بطبيعة هذه المراجَعة، بل في الشخصية المراجِعة، فبدلًا من تصدُّرِ أخوينا لمراجعةٍ محفوفةٍ بلغة الأخوة الحادبة والحرص على الخير والهدى ونفع المسلمين، رأيناهم يقيمون مقصلة للمتصدرين للعلم والدعوة والمشتغلين بهموم الواقع الإسلامي .. لم تأتِ سياقات الكتاب حافزةً على المراجعة بل أتت مزاحِمةً طاردةً مُذْكاةً بنار التقريع والاستهانة.

هذه الورقة تفترض ابتداءً أن كثيرًا من مباني هذا الكتاب لم يُبنَ على أساسٍ مكينٍ، بل كان محاولةَ حشدٍ لا واعيةٍ لجملةٍ من التصوُّرات الناقدة للسلفية المعاصرة، تمَّ نظمُها بأوعية لاحقة سيطرت على حدود تفكير الكاتبَين وتصوراتهما، ولم تكن الرؤية المنهجية المتزنة هي المولِّدةَ لمسارات الكتاب.

أراد الكتاب أن يقدم رؤية نقدية للسلفيَّة ففقد في طريقه كثيرًا من رساليَّته، ومنهجيَّته، وإنصافه .. وهذه الورقة تطمح أن تقدِّم لقارئها بعض سمات هذا الخطاب الما بعد سلفي من خلال جمعٍ من الشواهد المتعلقة بالكتاب والكاتبَين، لتجسِّد معضلة التناقض وأزمة التقييم التي شَرِق بها هذا الكتاب لعلَّها أن تنتزع كاتبَيه من (حالة السبات الوثوقي).





******



معضلة التناقض

لا يكاد يسلم من التناقض أحدٌ، فلماذا البحث في شواهده هنا؟

جواب ذلك أن التناقض لم يقع هاهنا بصفته حالًا عارضةً بريئةً، بل الذي أنبته رغبةٌ وثَّابةٌ في كسر عمود السلفية المعاصرة، أدَّت بالكاتبين إلى انعطافاتٍ حادَّة على مستوياتٍ من النظر جسَّدت ما يمكن تسميته بمعضلة التناقض في الخطاب المابعد سلفي .. ولهذه المعضلة تمثُّلاتٌ، وفيما يلي كشفٌ لها:



أولًا: التناقض التقييمي

وقد ابتدأتُ بهذه السمة لأن شاهدَها يقوِّي الافتراض الذي تقدمه هذه الورقة، وتبين كيف أن روح الكتاب التي سيطرت على الكاتبَين تجعل من التناقض التقييمي مقبولًا في حال وافق اتجاه الدراسة.

قصة هذه السمة أن لأبي فهر أحمد سالم مقالًا في ملتقى أهل التفسير بعنوان: "المبدعون المجددون من أهل العلم المعاصرين"، سمَّى فيه 25 عَلَمًا، رأى أن دائرة تحريرهم تتعدَّى (تحرير أفراد المسائل حتى تصل إلى تحرير شيء من مناهج البحث والنظر، إضافةً إلى ما يعكسه هذا على تحريرهم للمسائل من جدة وابتكار)، وقال: (المجددون هي سمة عندي لا يستحقها إلا من يستطيع العودة بعلمه عودة تامَّةً أو غالبةً إلى ما كان عليه الصدر الأول فالأمثل فالأمثل).

وأكثر هذه القائمة هم من أهل السنة الملتزمون بمنهج السلف .. لكن هذا لا يهمني الآن، بل الذي يهمني أنه سمى منهم:

1. محمد العثيمين: ولما طُلِب منه أن يسمي ما يراه مقدَّمًا أو كان على شرطه من كتب هؤلاء المجددين، سمى من كتب ابن عثيمين: (الشرح الممتع).

2. يعقوب الباحسين[1].

هذا كان قبل تدشين الخطاب المابعد سلفي، أما في "ما بعد السلفية" فيأتي الثناء على "الشرح الممتع" مثقَلًا بقيود واحترازات: (الجودة الفقهية واضحة في كتاب العثيمين، نظرًا لتفعيله الآلة الفقهية والأصولية واللغوية في البحث، في حدود زاده منها، والذي هو أحسن من أقرانه من حيث الجملة) [368] .. وأما اختياراته الفقهية فـ (ليست بالجدة التي تعد فيها اختياراتٍ تستأهل الدرس والاعتناء) [371].

كان العلامة ابن عثيمين بشرحه الممتع قبل هذا الكتاب مجدِّدًا، وكان في تحريره للمسائل جدة وابتكار، لكن اختياراته هنا ليست بالجدة التي تستأهل معها الاعتناء، وأما كتابه فجودته واضحة لتفعيله الآلة المعرفية في حدود زاده الذي بلغ به أن يكون من حيث الجملة أحسن من أقرانه، فأين هي قصة العودة بالعلم إلى الأمر الأول!

وأما يعقوب الباحسين فبعد أن كان في تلك المقالة مبدعًا مجددًا، يأتي في هذا الكتاب بصورة متناقضةٍ تمامًا، وذلك في سياق قول الكاتبَين حين حديثهم عن الاشتغال السلفي الأصولي: (أبرز المتخصصين المتمكنين السعوديين أو الذين في السعودية كيعقوب الباحسين وعبدالكريم النملة، لم يبذلا جهودا تجديدية حقيقية في العلم، وليسا بمحرِّرين للطريقة السلفية يعون التداخلات بين الكلام الأشعري والاعتزالي وبين أصول الفقه) [299].

يعقوب الباحسين في تلك المقالة مبدعٌ مجددٌ تعدَّى تحريره إلى شيءٍ من مناهج النظر، واستطاع العودة بعلمه عودةً تامَّةً أو غالبةً إلى ما كان عليه الصدر الأول، وهنا نراه لا يبذل جهودًا تجديديةً حقيقيةً، ولا يعي التداخلات الكلامية في المدونة الأصولية!

فانظر كيف تتحكَّم رسالة الكتاب في عامل النقد ومستواه .. وأقرب من هذا الانعطاف زمنًا انعطافٌ آخرُ محيِّرٌ في باب التقييم للاتجاهات والأشخاص ، وذلك أن الكاتب في كتابه "اختلاف الإسلاميين" قرَّر أن بين سلفية الإسكندرية وبين التيارات المسماة بالسرورية فروقًا مؤثرةًفي الرؤى والاختيارات، وإن كانت جميعًا تنتظم في إطار الحركية [63]، بينما في كتاب "ما بعد السلفية" وبعد سياق واقع حزب النور الذي مرَّ بانتكاسةٍ مُرَّةٍ يقرر الكاتب الاكتفاء بعرض تجربة حزب النور، ويذكر من أسباب ذلك (أنه نموذج كل النماذج كما يقال، فالنماذج المتنوعة للاشتغال السياسي الحركي قد مرَّ عليها هذا التيار وتقلَّب بينها، وقراءة حالته في تطوراته تعد نموذجًا لهذا التيار كله) [468] .. فانظر كيف تنطمر تلك الفروقات المؤثرة في جنب تقديم حزب النور بأطواره كمُمَثِّلٍ لشتَّى تجليات الاشتغال السياسي الحركي للسلفيين.



ثانيًا: التناقض الدلالي

صيغ التعميم - في الخطاب الما بعد سلفي - تعبِّر عن نمط سائد منتشر، وإن لم يكن مستغرقًا ولا حتى غالبًا، فلك أن تعمِّم أحكامك التقويمية على الأفراد والجماعات وإن كانت الكفَّةُ راجحةً لنقيضها، (فإن التعميم لا يساوي الاستغراق، التعميم إشارة إلى الكثير السائد، سواء كان مستغرقًا أم لا، وجلُّ ما تسمعه في نقد التعميمات = خطأ وعجمة لسانية) [14-15] .. هذا التقرير يمثل استراتيجية خطِّ رجعةٍ للكتاب، حيث إنه يتضمَّن كثيرًا من العمومات المنفلتة التي يحتاجها الكتاب في صياغة رؤيته الموجَّهة، ومع ما في هذا التقرير وإنزاله على إطلاقات الكتاب من مغالطة إلا أننا نرى الكاتبَين قد تأرجحا، ففي حين يجعلون من هذا التقرير وقاية نقدية لإطلاقاتهما، فهم لا يراعونه في التعامل مع إطلاقات غيرهما، وأنا أورد بعضَ الشواهد على ذلك:

أمَّا الشاهد الأول فقد ذكر الكاتبان أن هناك حالة ارتباك أصابت كثيرًا من الباحثين المعنيين بشأن الحركات الإسلامية حين يتناولون السلفية تناولًا مفاهيميًّا، وساقا على سبيل المثال قول أ. هاني نسيرة: (للسلفية آليات استدلالية خاصة بها، ترفض فيها القياس والاستحسان والإجماع)، ثم علَّقا بما نصه: (تأمَّلْ في هذا الكلام العجيب ودلالته شديدة الوضوح على الارتباك والخلل المعرفي الذي يسود هذه الدراسات عن السلفية) [23].

هذا التقريرُ صحيحٌ في ذاته، لكنه حسب رؤية هذا الكتاب فينبغي ألا يكون كذلك.

بيانُه أن الكاتبَين قد قرَّرا أن الشيخ الوادعي (ينكر القياس والإجماع، ليكتفي بنصوص الكتاب والسنة في الفقه والإفتاء) [251] .. هذه واحدة

وثانية: قرَّر الكاتبان أن الوادعي كان (له أثر سلبي على عموم الاتجاه السلفي في الاشتغال الفقهي) [355]، وقالا: (إن هناك تسرُّبًا وادعيًّا في اللاوعي بالذات، فإن كثيرًا من مفاهيم الوادعي حول الفقه هي مفاهيم شاعت في الأوساط السلفية) [365].

وعليه، فما دام أن التعميم يُكتفَى فيه بالكثرة وإن لم تكن مستغرقة ولا غالبة، وأن الوادعي ينكر القياس والإجماع، وأن للوادعي أثرًا سلبيًّا على عموم الاتجاه السلفي في الاشتغال الفقهي = فإن قول أ. هاني نسيرة (للسلفية آليات استدلالية خاصة بها، ترفض فيها القياس والاستحسان والإجماع) قولٌ - حسب معطيات الخطاب المابعد سلفي - صحيحٌ بامتياز.

ولعلَّ قائلًا أن يقول إن الكاتبين قصدا كثيرًا من مفاهيم الوادعي، وليس بالضرورة أن يكون من هذا الكثير رفضُ القياس والإجماع، وهنا يتولى الكاتبان مهمة الإجابة، ليقولا: (الوادعي الذي يقارن القرآن بالمتون الفقهية ... والذي ينكر القياس والإجماع وهما الدليلان قليلا الجدوى في الاشتغال الفقهي السلفي بعموم، سواء قالوا بحجيتهما أم لم يقولوا = هو في كل ذلك ممثل لاتجاه سلفي شائع، وليس حالة فردية) [366].

فلماذا يطالبنا الكاتبان بعد ذلك بتأمل هذا الكلام العجيب الدال على الارتباط والخلل المعرفي في التعاطي مع السلفية، والحال أنه منساقٌ مع أبجديات الخطاب الما بعد سلفي؟!

لكن لما كان ذاك التقرير آتيًا لتحقيق غرضٍ وظيفيٍّ لا منهجيٍّ، تُطالِعُ في جنبات الكتاب بعض حالات الارتباك في تفعيله، ومثلُ هذا التقريرات التي تمليها الأغراض الوظيفية دون رعاية للأبعاد المنهجية تُفسِدُ العلم وتجعله شَرَعًا لكلِّ طاعن، فما دام أنه يُكتفى في التعميم أن يُطلق على نمط منتشر وإن لم يكن غالبًا فيمكننا أن نرسل إطلاقات فجَّة متعلقة بالعلوم الإسلامية وأعلام المسلمين، يمكننا أن نقول مثلا: إن فقهاء المسلمين علماءُ سوء، والفقه الإسلامي فقه سطحي لا التفات له إلى العلل والمقاصد، وذلك أن وجود علماء السوء في شريحة الفقهاء وإن لم يكن كليًّا ولا غالبًا لكنه يمثل نمطًا سائدًا إذا استعرضنا التاريخ الإسلامي، وأما الفقه فكثيرٌ هم الكَتَبة في الفقه ممن تسيطر عليهم نزعةٌ ظاهريةٌ تُعرِضُ صفحًا عن توخِّي علل ومقاصد الأحكام، وهلمَّ جرًّا من أشباه هذه الإطلاقات.

وقريبٌ من هذه الممارسة الوظيفية المنفلتة نرى الكاتبَين في سياق نقدهما لتعامل السلفيين مع مرجعية فهم السلف يقرران تقريرًا سائلًا جرَّهما إليه محض المماحكة، وذلك بقولهم: (إن أول خطوات انتزاع السلفية المعاصرة من حالة السبات الوثوقي التي تعيش فيها هي أن نبين للمنتسبين لها حقيقة صلبة، وهي أن السلفي لم يحل مشكلة التنازع التأويلي للكتاب والسنة بأن يرد الناس لفهم السلف، والسبب في أن المشكلة لم تحل بذلك يعود إلى أن ضبط أقوال السلف ومقاصدهم وأحوال هذه الأقوال اتفاقًا واختلافًا ثبوتًا ودلالةً = يمر بالضرورة عبر الذات المتلقية الناظرة في كلام السلف. وبالتالي فإن أقوال السلف نفسها ستعاني نفس إشكالية التنازع التأويلي) [11] .. لمثل هذا التقرير قلتُ بأن هذه المراجعة التي يقدمها الكتاب هي من جنس سوابقها من المحاولات المناوئة للسلفية التي قدمت نظرات ناقدة للسلفية بكثير من السيولة المعيارية والانفلات المنهجي والانطباعات المرسلة، هذا التقرير من جنس التقرير القاضي بتجاوز ظواهر النصوص لكونها (تختلف عند القارئ نفسه بحسب أحواله وأطواره) [علي حرب، نقد الحقيقة: 6] .. أراد الكاتبان أن يطبَّا زكامَ خطابٍ فأحدثا به جذامَ منهج!

أما الشاهد الثاني فكان من نصيب الإمام أحمد، فقد أطلق الإمام أحمد وصف التجهم على من يقول: (لفظي بالقرآن مخلوق)، فاعترض الباحثان على ذلك، وقالا: (ورد فعل أحمد وجوابه غاية ما يمكن بعد تخطئته أن يُعتذر عنه، وأن تتم تخطئة إطلاقه للتجهم على القائلين بهذا القول دون تفصيل) [95]، ولم يكتفيا بالوقوف عند حدِّ هذا التخطئة الغافلة، بل أسرفا حتى وصفا الإمام أحمد من أجل هذا التعميم بالبغي وعدم العدل، وأن هذا البغي قاد بعد وفاته (إلى بغي واسع) [95]، وقرَّرا تحمُّلَ الإمام أحمد لمسؤولية بعض تصرفاته تجاه أهل البدع (التي أعانت بعد ذلك على تطور تيار الغلو الحنبلي في القرنين الرابع والخامس) [191].

يظن الكاتبان أن من التجرد للحق والبسالة البحثية أن تتخطى رقاب الأئمة وتأتيَ على مثل الإمام أحمد بهذه الشناعة، بل يأخذان على السلفية أنها لم تستطع (الرجوع بالتخطئة على موقف أحمد رحمه الله) [95]، وهذه المراهقة النقدية هي التي جرَّأت الكاتبَين على كثيرٍ من الخطل .. والمهم هنا أن الكاتبَين لم يتعاملا مع إطلاق الإمام أحمد حسب فلسفتهما التعميمية، بل حاكما إطلاقه واعترضا على عدم تفصيله، وتعاملا معه بما يرونه خطأً وعجمةً لسانيَّةً.

وأما الشاهد الثالث فراح ضحيته الإمام البربهاري، فقد أورد الكاتبان قول البربهاري: (إذا سمعت الرجل تأتيه بالأثر فلا يريده، ويريد القرآن، فلا تشك أنه رجل قد احتوى على الزندقة، فقم من عنده ودعه) .. ثم انتقداه بما حاصله غَلَطُ إطلاقِ هذا التوصيف من البربهاري، إذ كيف يطلقه وقد يكون الباعث على رد الأثر باعثًا صحيحًا؟ ومن ضمن ما جاء في نقدهما لهذا الإطلاق قولهم: (لم يشترط البربهاري في معيارية ذلك الأثر شرطًا، كأن يكون صحيحًا، أو مشهورًا، أو مقبولًا، أو مجمعًا عليه، أو عن الفرق بين الأثر الذي هو حديث نبوي، أو الأثر الذي هو قول صحابي، أو من بعده، أو أحمد، أو غيره من أهل الحديث) [114].

هل يُعقَل أن يريد البربهاري بمقالته تلك ما يشمل الأثر الضعيف، أو الاحتجاج بقول كل عالم مثلًا؟!

وهل انتقاده بمثل هذا إلا عجمة لسانية أفرزها سياق الحط على معمار البربهاري؟!

هنا يغيب أنَّ نقدَ التعميماتِ عجمةٌ لسانيَّةٌ، وأنَّ من فصيح الكلام وجيده الإطلاقَ والتعميمَ عند ظهور قصد التخصيص والتقييد!

واستطرادًا أقول: الخطاب الما بعد سلفي الذي يتخذ من وظيفة مؤرخ الأفكار جُنَّةً لأساليبه العجاف في التعامل مع العلماء قديمًا وحديثًا يتحدَّث عن البربهاري بسياقٍ لا يخرج به قارئ الكتاب إلا بالتقليل من شأن هذا الإمام الذي جدَّ في نصرة السنة، قارِن مجموع كلامهم عنه وطبيعة خطابهم وتناولهم لهذا الإمام بالخطاب الذي قدَّمه سلطان العميري في مقالته المنشورة على الشبكة بعنوان: "تعقبات على كتاب شرح السنة للإمام البربهاري"، حيث اتخذ من العلم والأدب عُدَّةً لكتابته النقدية لكتاب هذا الإمام، ثم ختم مقالته بتقرير أن الأخطاء التي وقعت في كتاب هذا الإمام مما يجب إنكاره وبيان خطئه، ثم قال: (ولكن هذا لا يعني اتهام الإمام البربهاري، أو القدح في عمله أو دينه، ولا يبرر لأحد أن يتطاول عليه، أو لا يلتزم بالأدب معه، وإنما غاية ما يدلُّ عليه بيان الخطأ ولزوم إظهار مخالفته لمقتضيات النصوص الشرعية، مع حفظ حقوق الإمام البربهاري، ومراعاة مكانته وقدره وجهوده) قارن هذا بخطاب يصف تقريرات البربهاري أنها (بطريقة أو بأخرى محاولة تشكيل جيتو حنبلي، ومجتمع يتسم بالنقاوة والطهورية الاعتقادية) [113].

أما الشاهد الرابع فيتعلق بتقييم الخطاب الصحوي وتصوره عن الغرب، وهنا تذهب فلسفة التعميم غير المستغرق ولا الغالب إلى الفناء، حيث يقدِّم الكاتبان نظرة نقدية للتصور الصحوي عن الغرب، ويصفانه لذلك بعدم معرفة الآخر، وإذا نظرنا في محصلة نقدهما وجدناه مجرَّد نقدٍ جافٍّ لتعميمات، فهما ينتقدان الخطاب الصحوي الذي يرى المجتمعات الغربية وضعيةً لا روحانيةً، منحلةً أخلاقيًّا، وينتقدان هذا التصور الشامل لـ (النواميس غير المضبوطة بضابط) [587]، وفي خصوص الانفلات الجنسي يعترضان على الخطاب الصحوي بأن (ذلك ليس صفة أصيلة في كل الغرب، ولا في النماذج المركزية فيه) [588].

فإذا كان الانحلال الخلقي سائدًا في المجتمع الغربي فما الذي يمنع من توصيفه بذلك، وكيف يُعترض عليه بأن هذا ليس منطبقًا على كل الغرب، وأين هي طبيعة التقييم التعميمي الما بعد سلفي من هذا النقد للخطاب الصحوي؟

لمثل هذه الشواهد قيل بأن فلسفة التعميم تلك ليست منهجية، وإنما أتت لغرضٍ وظيفيٍّ يضفي على الظلم تأويلًا، ويجرِّئه على البغي، من جنس قول الكاتبَين: (السلفي يُنزِل كل ذنب في الدين بمنزلة أعظم ذنب فيه، فالحليق والمدخن والمقصرة في حجابها، كل هؤلاء عنده من نفس جنس المنافقين والزناة والسكارى، إن لم يكن بلسان المقال فبلسان الحال) [600]، وهما إن تخلصَّا من هذه المهاترة الصحفية بأنهما يعنيان نمطًا سائدًا وإن لم يكن مستغرقًا ولا غالبًا، فللمعادي لأهل الإسلام أن يقول بأن المسلمين سُرَّاقٌ، قتلةٌ، وظَلَمة، وما شاء وراء ذلك، فإذا ما عُورض قال: أنا إنما أتحدث عن نمط سائد غير مستغرق ولا غالب! ولا شك أن كثيرًا من المسلمين تنطبق عليهم هذه الصفات، فكيف المخلَصُ من ذلك؟

ثم إن فلسفة التعميم هذه إذا كانت تبيح للخطاب الما بعد سلفي أن ينقد السلفية اتكاءً على كثيرٍ غير غالب، ففي المقابل ربما أتانا كاتبٌ تبجيليٌّ بذات المنهج ليمدحها اتكاءً على الكثير المقابل، وها هنا تكون صورة الواقع تبعًا لهوى الناقد، فهذه الفلسلفة التعميمية - على فرض صحتها - لا تعين على إحكام رسم صورة المشهد، بل هي أداة للانتقاء بين كَثرتين!



ثالثًا: التناقض الوظيفي

كما تناقض الخطاب الما بعد سلفي تقييميًّا، ودلاليًّا، فقد تناقض وظيفيًّا، فتارة نراه يتعامل مع المفاهيم بصفته مؤرخًا للأفكار، وثانيةً بصفته فقيهًا، وثالثةً بصفته فيلسوفًا، وأمورًا بين ذلك كثيرا.

(في هذا الكتاب نؤرخ للأفكار ونحللها) [11] .. هذا أولُ تمثُّل وظيفي للكاتبين يقرران فيه أن وظيفتهما تأريخ الأفكار وتحليلها، ويلحُّ الكاتبان على بيان وظيفتهما هذه في كثير من المواضع، فمثلًا حين تحدَّثا عن معيار الخروج من إطار السلفية المعاصرة، واستعارا من الشاطبي ضابطًا لذلك، عادا ليؤكدا للقارئ أن عملهم هذا ليس حكمًا قيميًا: (ونؤكد مرةً أخرى: هذا التصنيف معرفيٌّ وليس عقديًّا، بمعنى أن الغرض منه هو الفصل المعرفي بين السلفية المعاصرة وبين التيارات الأخرى، والذي لا بد لمؤرخ الأفكار من القيام به، وليس نفيًا لشرف النسبة لعقيدة السلف ومنهجهم عن غير السلفيين) [74] .. وحين تحدثا عن ابن تيمية وذكرا أنه يشكل فارقًا بين مرحلتين قالا: (هذا حكمٌ معرفي وموضوعي بغض النظر عن الحكم القيمي على هذا التغيير أصلًا) [157] .. وعن مدى صحة تمثل ابن تيمية لمذهب السلف يقول الكاتبان: (لن نعتني هنا بتحرير هذه القضية، فليست موضوع بحثنا، لكننا نريد هنا معالجة القدر الذي يفيد في فهم تطور السلفية، وعلاقة هذه التحققات التاريخية بالتحقق الأخير) [160].

هذه جملةُ مواضعَ بيَّن فيها الكاتبان طبيعة وظيفتهما في الكتاب، فهل التزما بها؟ للجواب عن ذلك مقامان:

الأول: أن واقع الكتاب يشهد أن الكاتبين لم يلتزما بذلك، بل تأرجحت وظيفتهما وتناقضت، فكثيرًا ما يبدي الكاتبان حكمًا قيميًّا على المفاهيم المبثوثة، بل ربما كان هذا هو الغالب، فلم التوكيد في مواضع على كون وظيفتهما تأريخ الأفكار؟ يجيب عن ذلك:

المقام الثاني - وهو المهم -: أن هذا التناقض تناقضٌ موجَّه، فالباحثان في كثيرٍ من المباحث المركزية التي تشكِّل كبرى المفاهيم السلفية يلبسان جُبَّة الباحث المؤرخ الذي لا يلتفت لنقد ما يقوله الناس، لكن في المباحث المتعلقة بعرض النتاج السلفي يتحول هذا المؤرخ البريء إلى ناقدٍ شرسٍ.

مارس الكاتبان تقويمًا عريضًا للتحقق السلفي الوهابي، وأسرفا في نقده، وجعلا من الممارسة الوهابية مرجعًا أساسيًّا من مراجع الغلو، في ذات الفصل، وفي سياق حديثهما عن التكفير بالاستغاثة بغير الله والتأسيس الوهابي لهذا التكفير يتساءل الكاتبان: (هل يمكن القطع بإثباته للسلف، وبالتالي يكون معتقدًا سلفيًّا ويُخرج المخالف فيه من السلفية؟ الجواب: ليست هذه وظيفة مؤرخ الأفكار، وإنما هذا بحث الفقيه والكلامي) [178]

وفي مدى صدقية تمثيل أهل الحديث للصحابة في أبواب التوحيد القدر يقول الكاتبان: (إذا اعتبرنا أننا في هذا الكتاب نؤرخ للأفكار ونحللها فقد انطلقنا من مسلمة أن أهل الحديث في أبواب التوحيد والقدر أصدق تمثيلًا للصحابة ومنهجهم من الأشاعرة والماتريدية، وهي مسلَّمةٌ لا يهم إن كنا نرى على المستوى الذاتي صحتها من عدمه، فنحن نسلِّم بها هنا تنزُّلًا) [11].

فاعجَبْ حين يستعرض الكاتبان آحاد الأدلة ويُعمِلان النظر في تزييفها في مسائل جزئية، ويمرَّان في قضية تمثيل أهل الحديث للصحابة، ومسألة تكفير المستغيث بغير الله تعالى مرورَ استحياءٍ منزوعَ الرساليَّة!

يبلغ التجافي عن الوظيفة التأريخية حدًّا ينص فيه الكاتبان على أن إظهار الخلل السلفي من مقاصدهما، فأين هو التجافي عن الأحكام القيمية؟!

يقول الكاتبان: (... ونقد هذه الفكرة ليس فقط يفيد من ناحية بيان الخلل الحاصل في تصور إصلاحي عند فصيل من فصائل السلفية المعاصرة، ولكنه أيضًا يظهر الخلل الحاصر في التكوين المعرفي للاتجاه السلفي، كما هي خطة هذا الفصل كله) [557] .. وحين حديثهم عن برنامج السلفية وجهاز أجوبتها قالا: (نرمي من خلال استعراضها ونقدها الكاشف عن خلل كثير من مبانيها إلى الكشف عما نعتقد أنه سيكون سببًا فيما نعتقد أنه سيكون أفولًا للسلفية المعاصرة، عن طريق فشل أجوبتها الثقافية - العلمية -، وغير الثقافية - الحركية والقتالية - ...) [432].

مؤرخ الأفكار في الخطاب الما بعد سلفي إذًا ليس مجرَّدَ ناقلٍ أمينٍ للمعلومة، بل رأيناه يعيد تركيب المشهد، وينهض لتقييم تفاصيله وجزئياته، وهذا ما حَفَز لاختبار محاولة التركيب هذه، ليكشف لنا الاختبار عن خللٍ بالغٍ على مستوى التصورات والتقييمات، خاصةً وأنَّ هذا الخطاب يتحدث عن مشهدٍ كبيرٍ جدًّا، يتمدَّدُ في بلدان كثيرة، ويعود لأزمنة ممتدة، وله أنشطة وعقول واتجاهات، كلُّ هذا يجعل أيَّ تأريخ له معرَّضًا للاختزال والانتقاء بحسب رغبات المؤرخ، وإن تظاهر بالحياد.

******



أزمة التقييم

كان لتقييم الكاتبَين عدة مظاهر توزعت بين أروقة الكتاب، لم يكن التقييم فيها منساقًا في أوعية ضابطة، ولا جاريًا على سنن المنهج، ولا العدل، بل جاء بصفته أزمةً من أزمات النظر النقدي الذي تمثَّله الخطاب الما بعد سلفي .. ولهذه الأزمة تمثلاتٌ تتعلَّق بتقييم المنجَز تارةً، وتقييم الأفراد والجماعات تارةً أخرى، وفيما يلي كشفٌ لهذه التمثُّلات:



أولًا: اختزال المنجَز

كان من المفترض أن يكون الكتاب عدلًا في تقويمه ما دام يدَّعي كاتباه أن مهمتهم فيه تأريخ الأفكار وتحليلها، فهذا يستلزم منهما اتزان النظر في جانبَي المدح والقدح .. بدهيٌّ أنه ليس بشرطٍ أن تكون الصفحات موزعة عليهما بالتساوي، بل العدل أن ينال كلُّ جانب حقَّه من النظر .. لكن واقعَ الكتاب يدعم ما تفترضه هذه الورقة من أن ما سيطر على عقل الكاتبين من انتقاص السلفية كان هو المحرِّكَ الأكبرَ لمادة خطابهم.

يُستدلُّ على ذلك بأن الكاتبَين حين اتجاههم لحقلٍ نجد عبارتهم تتسع للنقد وتضيق جدًّا عن الثناء والاعتراف بالمنجَز وإن كان جليلًا، ولذلك شواهد:

أمَّا الأول فمعلومٌ أن الاشتغال السلفي في علم الأصول شهد ضمورًا كبيرًا بين طلابه وعلمائه، وذلك مُدرَكٌ حين نرى واقع النشاط التأليفي الحر والبحث الأكاديمي والدروس العلمية، وهذا يقرُّ به السلفيون أنفسهم قبل غيرهم، بل بلغ الحال بكثيرٍ منهم إلى أن زهَّد في العلم نفسه، ولذلك أسباب عدَّة [انظر بعضها في: استدلال الأصوليين بالكتاب والسنة على القواعد الأصولية لعياض السلمي: 6]، وهذا حين يوصف فبقدرٍ من التعقُّل دون إسراف نقدي يزعم معه الكاتبان أنه (ليس هناك اهتمامٌ سلفيٌّ حقيقيٌّ بأصول الفقه، تلك الحقيقة الراسخة الأولى التي يصح معها أن نسائل العنوان نفسه سؤالًا وجوديًّا، عن مدى وجود اشتغال سلفي بأصول الفقه أساسًا؟) [289]، ودون مماحكة استعلائية تتحدث عن مثل ابن عثيمين بأن (في بعض مباحثه الفقهية ما يشي باطلاعه الأصولي إلى مستوى "روضة الناظر" لابن قدامة)! [293].

فمع ما عانته السلفية من ضعف الاهتمام بأصول الفقه، فإن ذلك لا يعني مدَّ النقد ليبلغ التساؤل حول وجود اشتغال سلفي في الأصول أصلًا، بل الشأنُ أن يُقال بأن هذا الضعف وإن كان متحققًا، لكن شواهد الواقع خلال السنوات الماضية تُرشِد إلى أن الاهتمام السلفي بعلم الأصول يتصاعد شيئًا فشيئًا، إنْ على المستوى البحثي، أو التدريسي، وكذلك النشاط الأكاديمي، شأنُه في ذلك شأن سائر العلوم التي نرى السلفية تمدُّ النظر فيها وتسعى في النهضة بها، سواء في ذلك ما كان من علوم الآلات أو الغايات.

سطحية التعامل هذه حين تعرض عن الحفر في الإشكالات المعمَّقة في التداول السلفي الأصولي، وتتجاوز السؤالات المنهجية المطروحة عن مدى فاعلية أصول الفقه في الاستثمار الفقهي، ومدى نجاعة الاستغناء بالمعالجات الفقهية عن المدونة الأصولية ما دامت تبحث غالبًا عن أصول مقدَّرة في الأذهان، وهل يمكن تجريد أصول للسلف تباين المناهج الكبرى الممثِّلة للمدارس الأصولية المشحونة بالكلاميات، هذه وغيرها من الإشكاليات لا تنال حظَّها من النظر، لأن خطة هذا الفصل هو إظهار الخلل، لا الدراسة المنهجية للإشكاليات الحقيقية عرضًا ونقدًا.

بعيدًا عن هذا، فالخطاب الما بعد سلفي يلحظ تناميًا في الاشتغال السلفي الأصولي، لكنه لا يعطي لهذا الاشتغال المتنامي سوى ثلث صفحة من أصل عشرين يقول فيها: (ثم عرفت السعودية في الربع قرن الأخير نشاطًا أصوليًّا متمثلًا في أقسام أصول الفقه في جامعاتها، والتي أنتجت أقسام الدراسات العليا فيها عددًا هائلًا من رسائل الماجستير والدكتوراه في موضوعات أصول الفقه المختلفة، مع الاشتغال بتحقيق كتب أصول الفقه الحنبلية بالدرجة الأولى) [293] ثم يمضي سريعًا، بلا إضفاءِ أثرٍ لهذا الواقع في تقويم الاشتغال السلفي.

ألم يكن الحقيقُ بدراسةٍ تتناول واقع السلفية الحالي وتنظر في عوامل أفولها أن تسلط النظر على الواقع ولا تستغرق في التاريخ؟ أليست هذه صورة عكسية حين يقوَّم الاشتغال الأصولي ويُعطى نتيجة متدنية بمعيار منقلب لا يعطي الواقع الذي تعيشه السلفية سوى إشارة عابرة؟

وقبل أن أنتقل إلى الشاهد الثاني أذكر أنه لا حاجة حين تقويم مستوى الاطلاع الأصولي للعلامة ابن عثيمين أن يُبحث في بعض مباحثه الفقهية عن بعض اختياراته الأصولية لنقف على فتحٍ جليلٍ مفاده أن في بعض أبحاثه ما يشي إلى أن مستوى اطلاعه يبلغ روضة الناظر!

فزيادةً على ما في هذا التعبير من لوثة استعلاء، فهل من رعاية المنهج واحترامه أن يُستنتج الاطلاع الأصولي لابن عثيمين من خلال كلامه في مسألة الإسبال ويتم الإعراض عن كتبه ودروسه الأصولية!

هل من المنهج أن تتم ملاحقة "نهاية المطلب" للجويني ليُنظر في مستوى اطلاعه الأصولي ويُعرَض عن "البرهان"، أو يُنظَر في ذخيرة القرافي بحثًا عن ما تناهت إليه نهمته الأصولية دون التفات بـ"نفائس المحصول"؟!

هذا الاستلقاء البحثي لو أنه قام بمراجعة كتب الشيخ: الأصول من علم الأصول، وشرحه له، وشرحه الصوتي لمعاقد الفصول، والمكتوب لمختصر التحرير، وغيرها = لخرج بنتيجةٍ أكثرَ تعقُّلًا، وقد كان أيسرَ للكاتبَين أن يطالعا فهرسَ المراجع الذي ألحقه الشيخ بكتابه الأصولي الذي ألفه للمعاهد العلمية ليجدوا أن مراجعه تضمُّ: (شرح مختصر التحرير، منهاج الوصول للبيضاوي وشرحه، شرح جمع الجوامع للمحلي مع حاشية البناني، روضة الناظر لابن قدامة مع شرحه لابن بدران، المسودة لآل تيمية).

الشاهد الثاني على اختزال المنجَز أن الكاتبَين لما عرضا للاشتغال السلفي الفقهي في 71 صفحة [310-381] اعتنيا بتأريخ هذا الاشتغال، ونفخا في نقده مع إعراضٍ شبهِ تامٍّ لمنجزاته، فالمنجَز كعادته لا يأتي في صلب المادة، بل إنما يأتي - إن أتى - استطرادًا، وهذه المرة أتت الإشادة مرتين، كلُّ مرة في نصف صفحة، ليكون مجموع المنجز صفحةً من إحدى وسبعين صفحة!

أما المرة الأولى فكانت المنجَزُ فيها غريبًا إذا ما قيس بالجهود التي سُلِّط عليها النقد، وذلك حين كان المنجَزُ عبارةً عن دورات في الفقه الحنبلي، وموضوعات إنترنتية، وبعض الدروس المحلاة باسم الملكة الفقهية، وأنا أُعرِض عنه هنا، لأنه مدحٌ بما يشبه القدح، ففاتنا إذًا من هذا المجموع نصف صفحة، وبقي النصف الآخر، وهو المتمثل في قولهم: (ونشير هنا إلى نهضة فقهية سلفية فيما يتعلق بفقه المستجدات الفقهية عموما وفقه المعاملات المالية المعاصرة خصوصا، وقد ساعدت عليها حاجة سوق المصرفية الإسلامية الخليجية للتأصيلات الشرعية، وقد برزت عدة أسماء سلفية في هذا المجال، نذكر منها [عبدالرحمن بن] صالح الأطرم، وسعد الخثلان ويوسف الشبيلي من السعودية، وعلي السالوس من مصر، والحقيقة أن المشاركة السلفية في هذا المجال تعد مشاركة مميزة وفعالة، تجاوزت كمًّا وكيفًا جهود الأزاهرة المصريين وتلامذتهم من الفقهاء المنتسبين للإخوان المسلمين، ليكون الجيل الثالث من الإنتاج الفقهي المؤثر في ساحة المستجدات الفقهية والمعاملات المصرفية = سلفيًّا بصورة ظاهرة) [377] ثم مَضَيا!

وما تقدَّم في الشاهد الأول يُساق هنا، إذ كيف والحال أن الكتاب يبحث في توصيف السلفية المعاصرة، يستغرق في مرحلة مضت، ويسلط نقده عليها، ولا يَهَب المنجَز الحاضر شيئًا.

ثم إن هذا المنجَزَ ليس منجزًا متواضعًا يُشار إليه في بضعة أسطر، فأولًا هو يرفع عن السلفية التهمة الجائرة بالعجز الفقهي التي رماها الكاتبان على السلفية والتي استظهرا أن من أسبابها نشأة هذا الفقه (في طوره الحديث في أجواء البداوة النجدية)! [375] - هذا الاستجلابُ الضامرُ لمفهوم البداوة في توصيف الفقه الإسلامي شائعٌ في المدونات الحداثية والكتابات الصحفية - ولكنه لا يكفي لرفعها عند الكاتبَين، وثانيًا فإن البحث في المعاملات المالية المعاصرة يمثِّلُ عَصَب الفقه المعاصر، حتى صارت أنظار الفقهاء فيه مناهجَ ومدارسَ، ومع ذلك لا ينال من هذا الكتاب سوى نصف صفحة، ولك أن تقلِّب النظر في علل ذلك.

أمَّا الشاهد الثالث فكان من نصيب البحث في الإصلاح الثقافي عند السلفية، فمع هذا التنامي المشاهَد في اهتمام السلفية بالإصلاح الثقافي إلا أن إظهار الخلل الحاصل في التكوين المعرفي للاتجاه السلفي يمثل (خطة هذا الفصل كله) [557]، وبالتالي فالحديث عن المنجَز ولو كان هو الواقع الحالي للسلفية ليس بذي بال، بل يأتي استطرادًا أو إشارةً، وعلى ذلك سار البحث في الإصلاح الثقافي، فقد تسلَّط هذا المبحث على التقليل من شأن الإصلاح الثقافي السلفي بعامَّة، مع تحديد عطاء محمد قطب وسفر الحوالي كعينة مجهرية، ويتمُّ الغضُّ عن المنجَز الحالي إلا بإشارة عابرة مفادها: (من الصحيح أنه نشأت مؤخرا هبة جديدة من الشباب السلفي تسعى لتجويد أدواتها المعرفية في العلوم الإنسانية والاجتماعية، وحتى العلمية، بالإضافة لاطلاعها على واقع عصرها، وصاحب ذلك تأسيس العديد من مراكز الأبحاث الجديدة، ولكن الطريق ما زال طويلًا أمام هذه الجهود حتى يكون نتاجها نتاجا قادرا على مضارعة نتاج العلمانيين في تلك المجالات، ولكن الخطوة في نفسها مقبولة ومطلوبة بلا شك) [574].

أن يكون الطريق ما زال طويلًا فهذا أمرٌ لا علاقة له بالتقويم المجمل للسلفية، فالشأن أن هناك هبَّة جديدة ترتفع بهذا الإصلاح رتبة، وهذا ما يتعارض مع نزوع الكاتبَين إلى ملاحقة الخلل وجعله لوحده عنوانًا على مآل السلفية المعاصرة.



ثانيًا: إعادة تأويل المنجَز

هذه السمة تعني إعادة تأويل المنجَز القائم بما يخرجه عن أن يكون مكتسبًا سلفيًّا .. ومن شواهده أن الكاتبَين حين تحدَّثا عن الاشتغال السلفي بعلوم العربية، وبيَّنا تواضع الاشتغال السلفي بعلوم العربية بما يصل إلى حدِّ الهجر لبعضها، ذكرا أن السلفيين (يعتنون بدرجة ما بالنحو، ثم بدرجة أقلَّ بالبلاغة، ثم بدرجة أقلَّ جدًّا بالصرف) [382]، ومع كونهما لم يرفعا من شأن الاهتمام السلفي بالنحو، بل هو اهتمامٌ (بدرجة ما) فقط، إلا أن ذلك أثار حفيظة النقد لديهما، فكان أن أُعيدَ تأويلُ هذا الاهتمام ليتعلق بتجنب اللحن فقط، وعن ذلك قالا: (وربما يفسر الاهتمام بالنحو أمران: النشاط السلفي في مجال حفظ القرآن، والقراءات، وهذا يساعد على تقويم اللسان من جهة، ويدفع لدراسة النحو لتجنب اللحن من جهة أخرى .. والنشاط السلفي الدعوي الذي الدعوي الذي يقبح فيه بالخطيب أن يلحن في الخطبة كثيرًا) [382].

إذًا فالسلفيون لم يعتنوا بالنحو إلا لاشتغالهم بحفظ القرآن، والقراءات، ولئلا يزلَّ لسانُ خطيبهم فيلحن كثيرًا .. فأين هو فقه الوحي؟!

يأتي هذا التفسير في ضمن السياق التحقيري العام الذي استبطنه الكاتبان في تقويم الاشتغال السلفي بالعلوم والمعارف، فحتى هذا الذي يلهج به شيوخُ السلفية مفتتحَ دروسهم النحوية بأن الغرض الرئيس من تعلم النحو هو فهم الكتاب والسنة = لم يقنع به الكاتبان، ليستقيم لهما معمارهما النقدي للاشتغال السلفي المعرفي.

وفي صورة باردة من صور إعادة تأويل المنجز قرر الكاتبان أن السلفية المعاصرة تعيش خصومات أحمد وابن تيمية، وذكرا أن هذا مفارقٌ لما كان عليه الشأن في الأمر الأول من كون العقيدة عقيدةً يحياها الإنسان لا كما تحول الأمر منذ طبقة أحمد وإلى طبقة ابن تيمية من جعل العقيدة موضوعَ درس وسجال.

(ما بين العقيدة كحياة، والعقيدة كعلم) [97] يستفتح الكاتبان بهذه العبارة مبحثًا يبينان فيه أن العقيدة كانت عقيدةً يحياها الإنسان، فلم يكتب الصحابة رسائلَ فيها ولا عقدوا دروسًا عنها، ولا تأتي العقيدة كعلم إلا كشذرات حول سؤالات هنا وهناك، حتى أتت فتنة خلق القرآن، فـ (دفع الإمام أحمد بالسجال الكلامي إلى ذروته) [98]، ثم أتى ابن تيمية وقسَّم (الكلام والجدل إلى محمود ومذموم، وأنشأ معمارًا كلاميًّا بمنطلقات سلفية، ليكمل ما افتتحه أحمد) [99] .. وهكذا يظهر هذان الإمامان بهذه الصورة التي تبتعد بالعقيدة عن حاقِّ موضعها، ويُساق الكلام وكأن الإمام أحمد انتقل بالعقيدة لتكون محلَّ نزاع معرضًا عن أن تكون حياة يحياها الإنسان، كان الواقع العقدي حياةً فاعلةً حتى جاء الإمام أحمد ليحول بسجاله العقيدةَ من كونها حياةً فاعلة لتكون سجالًا ومجادلة، ويأتي ابن تيمية ليكمل ما افتتحه أحمد!

يتحاشى الكاتبان تقييم ذلك (وبعيدًا عن مسألة هل كانت الظروف تستدعي ذلك أم لا) [99]، ويختمان المبحث بأنه لا ينبغي أن نتعدى في خطابنا المجتمعي إلى النزاع الكلامي (إلا إن انتشرت الأهواء الكبرى بين العامة وكان ميزان الصلاح والفساد يوجب الدخول في هذا الباب، والمفاصلة المصلحية على أساسه) [100]، وهل كان صنيع الإمامين إلا ذلك؟ فلم الإعراض صفحًا عن تقييم نوعية السجال التي بلغاها، وسياق المبحث وكأنَّ نكسةً في التعاطي العقدي قد جنتها أيديهما؟!

وإيغالًا في هذا السياق الأجوف يعود الكاتبان بشائبةِ تهوينٍ من شأن غالب المنجز العقدي التيمي، وذلك بقولهما في سياق حديثهما عن ابن تيمية:(تحول الاشتغال العقدي درسًا وسجالًا حتى أصبح مركز مشروعه، وحتى كتب في ذلك ما نحسب أن لو اختصره إلى الربع لما كان ذلك تقصيرًا في البيان، ولعل ما حكي من أنه ندم في آخر عمره على اشتغاله بغير القرآن يرجع لهذا الباب) [99]، فهذا الندم التيمي يتم تأويلُه وصرفُه من سياقه العفوي ليكون واقعًا على ثلاثة أرباع المنجَز العقدي!

كان ابن تيمية واعيًا بوزن عطائه العقدي، الذي كان يناقش فيه أعتى الفرق العقدية في زمنه، ويلبِّي فيه حاجات أهل زمانه ويجيب على السؤالات الواردة عليه من أمصار المسلمين، تدمر وواسط وغيرها، ولم تكن مؤلفاته العقدية رسالةً جامعيةً حشاها صاحبها بالمتطلبات الأكاديمية حتى يرى الخطابُ الما بعد سلفي أن ثلاثة أرباعه مما يُندَم على الاشتغال بمثله!

هذا، ومن العجب أن يَصدُرَ النقد بمثل هذا ويُـمَدَّ ليجعلَ أصلُه خطابَ الإمام أحمد مرورًا بابن تيمية وانتهاءً بالسلفية المعاصرة، من العجب أن يصدر ممن كتب (اختلاف الإسلاميين، الدرس العقدي العاصر، ما بعد السلفية)، ولكأنَّ هذه المنجزات تُقدِّم رؤيةً إيمانيَّةً تجعل من عقيدة الإنسان حياةً يحياها يلتئم فيها العقل والقلب والحس الوجداني!

فبدلًا من الدَّأب على ما يعيد الناس إلى الدين الأول، يأتي مثل هذا الخطاب بهذه السمات ليزيد من دائرة الجدل، ويطيل طريق الإصلاح، فأين تلك (الأوزان النسبية) التي لم يكن من الصواب في نظر الكاتبين أن تُعطيها السلفية المعاصرة لـ (خصومات أحمد وابن تيمية) [99]؟



ثالثًا: الإعراض عن المنجز

المنجَز بعد التسليم بوجوده إما أن يُختزَلَ القول فيه، أو يُعاد تأويله بما يخرجه عن كونه منجَزًا، وثالث الطرق أن يتم الإعراض عنه كأن لم يكن، ولا يسلم من هذا إلا القليل.

وثمة شواهد على هذا الإعراض:

منها: إعراض الكاتبين التام عن الاشتغال السلفي النوعي في حقل الدراسات القرآنية الذي امتدَّ أثره على مستوى الأبحاث، والرسائل الأكاديمية، والدروس العلمية، والندوات والمؤتمرات المحلية والعالمية، وهذا الإعراض مع هذه النهضة العلمية التي يشهدها هذا الحقل المعرفي على مستوى الأفراد والمؤسسات يعسر تفسيره بغير ضمور النزاهة النقدية التي تمثَّلها الكتاب.

ومن شواهده في جانب الإصلاح الثقافي: وقوفُ الكاتبين عند محمد قطب وسفر الحوالي مع الإعراض عن النتاج السلفي الثقافي الآتي بعد ذلك على مستوى الأفراد والمؤسسات، وكان الوجهُ أن يُعتنى باليوم السلفي دون الاستغراق في أمسِه، اكتفى الكاتبان بإشارةٍ عجلى لهبة بحثية لمراكز سلفية، وقد تقدم ذكر ذلك، وأما الأفراد فأعرض الكاتبان عن شخصيات محورية في العطاء الثقافي المعاصر، ولعل أجلى مثال لذلك يتمثَّل في الإعراض عن إبراهيم السكران، الذي يمثِّل نقلةً نوعيَّةً لطبيعة الخطاب السلفي المعاصر ومستوى عطائه في الحقل الفكري والثقافي، كما نلحظه في كتابه "التأويل الحداثي للتراث"، وغيره من الكتب والأبحاث والمقالات، لكنَّ هذا المنجَزَ النوعيَّ لا يحظى بحضورٍ يوازي تأثيره حين تقييم الإصلاح الثقافي عند السلفيين.

ومن شواهد الإعراض ما يتعلق بقصة الحضور والغياب للأعلام والمواقف بحسب الأغراض المضمرة التي تحرِّك الدراسة ذات اليمين وذات الشمال، بوعي أو بلا وعي تبعًا لمدى سلطة فكرة تأفيل السلفية وغلبتها على مزاج النقد عند الكاتبَين، القصة التي سبق تفصيل أحداثها في مقالة (الاشتغال السلفي الفقهي على شاشة ما بعد السلفية).



رابعًا: النقد الانطباعي

كثيرًا ما يأتي النقد في الخطاب الما بعد سلفي انطباعيًا غير متدثرٍ بمنهج، مضمَّخًا بنبرة استعلاء غير محمودة ممن يتصدَّى لعملية الإصلاح الدينيِّ عامَّةً، والسلفيِّ خاصةً.

طلبةُ العلم السلفيين في نظر الكاتبَين (يتسمون بالفقر الكامل في علوم الآلة والفقه المتني القديم) [647]، والكتب والمتون الفقهية (لا يفهمها أغلب السلفيين) [373] .. وهناك عسر شديد (يصل إلى حد التعذر في الاطلاع السلفي على كتب الفقه المذهبية التقليدية متوسطة الصعوبة ككتب الشربيني الشافعي والموصلي الحنفي مثلًا) [375] والعلم بالعربية، والآثار، والإجماع والخلاف (جميعها يفتقر إليها الاشتغال السلفي في الفقه) [363]، و(السلفية تبنَّت دعوةً دون امتلاك آلاتها) [357]، وإذا كان مقبل الوادعي قد أخذ النظرية الحزمية الظاهرية مع فقر مدقع من الأدوات العلمية، فهذا (قريبٌ من إشكالية السلفية النسقية عمومًا مع ابن تيمية) [354] بما يعني أن السلفيين قد أخذوا النظر التيمي مع فقر مدقع في الأدوات .. هكذا يأتي النقد مرسلًا انطباعيًّا في الخطاب الما بعد سلفي.

وعن فهم ابن تيمية، فقد سئل عمرو بسيوني أحد مؤلفَي الكتاب في صفحته ببرنامج "الآسك" عن أبرز من يراه من المشايخ المعاصرين ضبطًا لكلام ابن تيمية، وفهمًا له، وتطبيقًا لأصوله، فأجاب: (الغفيص، والحوالي، وعبدالباسط الغريب، وسلطان العميري، وأحمد سالم، والفقير)، وهذا الجواب أستحضره هنا لا إقرارًا به، ولا مزاحمةً له، ولكن ليُستعان به على تحليل طبيعة الكاتب الذي كان من وصفه ووصف صاحبه للسلفيين ما سُقته، والعلم أرزاق.

وعلى مستوى الأعيان نجد أحكامًا تقويميَّةً مرسلةً لمستوى الألباني، وابن عثيمين، وابن باز، وغيرهم .. فابن باز يغلب عليه الترجيح (في إطار الأدلة القريبة) [371] وهو إنما (يملك أدوات علمية معقولة فقط، بحيث تدخله في زمرة الفقهاء) [473]، وابن عثيمين يتسم بجودة الأدوات الفقهية (نسبيًّا) [344] (مقارنةً بأقرانه) [331]، واختياراته هو وابن باز (ليست بالجدة التي تعد فيها اختياراتٍ تستأهل الدرس والاعتناء) [371].

والألباني أحد (أقرب الأطياف السلفية قربًا من النموذج التيمي في الاشتغال الفقهي) لكن (مع فقر الأدوات) [344].

وليس محلُّ البحث هنا في حسم مادة نقد الأعلام، لكن على أن تكون لتلك التقييمات اعتباراتٌ منهجيَّةٌ ترشِّد من مادة النقد المودعة في هذا الكتاب، تحترم العلم وتحفظ للموضوعية قدرها، لا بمثل هذه الصورة المجتزأة التي تقوم على ساق الانطباعية.

وهذا الأسلوب النقدي المتواضع يلقي في أرض قارئه بذور الاستهانة والاستطالة، التي لا تقف عند حد المعاصرين، بل يمدُّها لو شاء إلى أهل العلم المتقدمين، فربما طالعنا في قابل الأيام من ينظر نظرًا أحاديًّا يتخذ من الاختزال في النقد والتقويم منهجًا، فيقول بأن ابن قدامة في المغني مجرَّدُ جامعٍ لأقوال الفقهاء مع موازناتٍ عجلى حسب العلل القريبة والآثار المبذولة بلا عرضها على مشرحة النقد الحديثي، وصاحب الشرح الكبير مجرد منسقٍ فنيٍّ للمغني، ومشروع النووي في المجموع مشروعٌ خديج فزيادةً على عدم كماله فإن لا نرى فيه مناقشات عالية بل هو جارٍ مع نهاية الجويني وبيان العمراني مع أقوال الشاشي وابن سريج، وذكره لأقوال المذاهب الأخرى ليس بمحقَّق، وابن عبدالبر محدث يروي الآثار ويجمعها في الاستذكار على الموضوعات ويفرقها في التمهيد على الأسانيد، وابن تيمية ليس له بناء فقهي يشدُّ أولُه آخرَه، بل هي فتاوى مفرقة جمعت على غير قانون ثابت، مع تحريرات هنا وهناك، ومجموعة أقاويل تنقل بلا استدلال في كتب تلاميذه ... وهكذا إلى آخر ما يمليه منهج الاختزال النقدي من فساد لهيبة العلم وذائقة المتعلم.



خامسًا: البغي

وللبغي في خطاب ما بعد السلفية صورٌ وشواهد، فمنها:

الحكم على الفقه السلفي بالعجز، لكن لا بمجرد الحكم بذلك يكون الخطاب بغيًا، بل بالتركيب الآتي:

استفاض الكاتبان في بيان موقف السلفية من المشاركة السياسية والدخول في العملية البرلمانية، وذكرا أن مناطات القول السلفي بحرمة المشاركة (تجسيدٌ للخلل الفقهي السلفي الذي سبق الكلام وله، المفتقر للتحليل والتفصيل، المائل إلى البساطة والتسطيح، قليل التفعيل للنظر المصلحي) [413].

وإذا سرنا مع الكاتبَين لنقف على حقيقة هذا العجز، نجدهم قد ذكروا أن السلفية كان لها اتجاهان، مبيحٌ ورافضٌ، أما المبيح فخارجٌ من هذا العجز المدَّعى، لأن سبب التوصيف بالعجز ضمور المناطات المحرمة، فها هنا خرجت شريحة عريضةٌ من معرَّة العجز هنا .. يبقى النظر في الاتجاه الرافض للمشاركة، ونجد الباحثين يقرران أن لهذا الاتجاه طريقين في تقرير هذا المنع، الطريق الأول بناؤه على المصلحة، والكاتبان يرونه قولا فقهيا سائغا، والطريق الثاني التحريم المطلق لعلل ذاتية، والمناطات المذكورة هي: أنها تستلزم التلبس بالكفر (وهذا التعليل يجري على قواعد بعض السلفيين النجديين، ومقبل الوادعي الذي له كلام كثير في هذا، ثم الجهاديين بصفة أخص) [414]، والمناط الثاني أنها تستلزم مفاسد أخرى كالتحزب ومجالسة الكافرين. قالا: (وهذا المعنى مشترك عند كثير من رموز السلفية العلمية، بل هو الغالب حتى على رموزها كابن باز وابن عثيمين والألباني وغيرهم، وهذا فضلا عن المدخلية الذين يعدون الحزبية من أكثر وأوكد البدع انتشارا بين الدعاة)[422] .. ثم ساقا أقوالًا لابن باز وابن عثيمين وغيرهما على حرمة الانتماء للأحزاب، مع أن تلك النقول تخلو عن ربط هذا بالمشاركة السياسية، بل هي نقول تبحث مسألة منفكة عن الدخول في العملية البرلمانية، بل إن ابن باز وابن عثيمين ممن يرى جوازها، لكن هكذا قُدِّر للسياق أن يكون!

وعن استلزامه مجالسة الكافرين فهذا يقرره الجهاديون.

على ما مضى، فإن ما نفخ فيه الكاتبين من عجز فقهي إنما يتمثل في أحد قولَي السلفية .. بل في مناطٍ لأحد قولَي السلفية، لا يقول به إلا ندرة منهم، فلمَ البغي على الفقه السلفي حين يذكر الكاتبان أن هذا هذا التقرير (يأتي بمثابة التطبيق العملي لذلك التكوين العلمي حين يتم تشغيله في مواجهة الإشكالات الواقعية والتحديات الآنية بما ينتج علبة الأدوية السلفية: برنامج السلفية وجهاز أجوبتها، التي نرمي من خلال استعراضها ونقدها الكاشف عن خلل كثير من مبانيها إلى الكشف عما نعتقد أنه سيكون سببًا فيما نعتقد أنه سيكون أفولًا للسلفية المعاصرة عن طريق فشل أجوبتها الثقافية -العلمية-، وغير الثقافية -الحركية والقتالية- في تحقيق الفعالية في مواجهة الواقع وجذب الجمهور) [432].

ومن شواهد البغي المؤلمة التي لم نكن نتلقاها إلا من بنادق الحداثيين قولُ الكاتبين: (إن كلَّ حسابات التيار الإسلامي - التي يسميها تقليلًا للشر - هي حساباتٌ ماديَّةٌ) [506]، فهذه كلِّيَّةٌ جائرةٌ لم يُراع فيها القيام بموجب الحق من القول بالعدل والشهادة بالقسط واتقاء بخس الناس أشياءَهم، طَعَنا في حسابات الإسلاميين بما لا يجدر أن يصدر عن رجل يبغي للناس صلاحًا وهدًى.

لاذَ الكاتبان بالصمت في مواقفَ سياسيةٍ كثيرةٍ في لحظاتٍ حسَّاسةٍ مرَّت بها مصر أيام الربيع العربي لحسابات مصلحية شرعية قدَّراها، فهل يرضيان بأن يقال لهما بأن هذه مجرد حسابات مادية يبحثون بها عن مصالحهم الشخصية؟

وهل يرضيان أن يقال لهما: أنتما شجعان في التشنيع على العلماء والدعاة الناشطين في العمل الإسلامي الذين لا حول لهم ولا قوة، وتسكتون عمن بيده الأغلال؟

فإن كانا يأنفان من سماع مثل هذا، والحال أنها حساباتٌ في مواقف جزئية، فكيف تبغي ألسنتهم زاعمةً أن كلَّ حسابات التيار الإسلامي التي يسميها تقليلًا للشر حسابات مادِّية؟

أليست هذه الاتهامات الجائرة مما يتلظَّى لها الفؤاد، ويندى لها الجبين؟!

******



(ما نرجوه هو ما نؤكده دائمًا، وهو الانفتاح الواعي على المجتمع، ونشر الدين العام، والحق المحكم المؤثر في عمل الناس، مع الاشتغال بتطوير الأدوات والأسس المعرفية، وبذل أقصى الجهد لمعرفة الدين الأول لذي بعث الله به نبيَّه صلى الله عليه وسلم، واللسان الذي أبان به الوحيُ عن هذا الدين الأول، والصبر على كل ذلك، وترك الاستطالة بالحق أو بالباطل) [691].

الخطاب الما بعد سلفي للأسف لا يسعفُ بتحقيق هذا الرجاء، فبدل أن يستحث السلفية المعاصرة لتقويمِ خطابها والرقيِّ بمعارفها، أتى بخطابٍ كان من سمته ما تقدَّم تفصيله في هذه الورقة، وإذا كان هذا الخطاب التدشينيُّ يبتدئ مسيره بهذا الحُطام المنهجي، فعلى أيِّ حالٍ يريد الكاتبان من جمهرة السلفيين أن يتلقَّوه؟

النقد أيًّا كانت رتبته ثقيلٌ على النفوس، لكنه إذا سيق مساق العلم والعدل، وحفظ منازل الناس، والتجرد من حظوظ النفس، فإن النفوس تتقبله وتتهادى إليه أسماعها.

كنَّا نريد أن يكون هذا الخطاب لبنةً في طريق الإصلاح لخطاب السلفية المعاصرة فكان أحدَ بوائقها، جاء مشوِّهًا للصورة ولم نَرَه يقدِّم قراءةً أمينةً لها، يتحدَّث عن خطابٍ امتدَّ عقودًا واتَّسع ليشمل رقعةً واسعةً من هذا العالم بخطابٍ متواضعِ الأدوات يتَّخذُ من وحي خاطره منبرًا لإطلاق الأحكام والتقييمات.

ومع ذلك، ستظلُّ السلفية المعاصرة ترقُب قراءةً متأنيةً لخطابها، حسنةَ التصوُّر لمشهدها، حافظةً لـمُنجَزها، ومقوِّمةً لـمُعوَجِّها .. قراءةً رساليَّةً تقوم بالقسط وتشهد لله ولو على نفسها .. قراءةً تُعنى بالتصحيح، وتجادل بالحجة والبرهان، وتُصلِحُ بما يجمع النفوس ويؤلف بين القلوب ويسعى حقًّا في العودة بالناس إلى الدين الأول .. قراءةً لايحيد بها عن سبيل إصلاحها اشتغالٌ بإلقاء الأوصاف على الناس، والتقليل من شأنهم، والتزهيد بمنجزاتهم .. قراءةً لا يمنعها هيبةُ أحدٍ أن تقولَ بحقٍّ إذا رأته أو شهدته، بمداد العدل ولسان الحكمة، (ومن يُؤتَ الحكمةَ فقد أوتي خيرًا كثيرًا).





مشاري بن سعد الشثري

2 - 7 - 1436 ه


-------------------------------


[1] http://vb.tafsir.net/tafsir16930/#.VTUJaPmsWH5

يُنظرُ أصل الموضوع، مع المشاركة الثالثة والعشرين، ويمكن الوقوف على المقالة في أرشيف ملتقى أهل التفسير بالمكتبة الشاملة.


ــــــــــــــــــــــــــــــ
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 04-24-2015, 08:24 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,187
ورقة السلفية السائلة

السلفية السائلة
---------

"مفهوم السلفية في مسارب "ما بعد السلفية"
-------------------------

(عبدالله العجيري)
ــــــــــــ

5 / 7 / 1436 هــ
24 / 4 / 2015 م
ــــــــــ



اعتراف
-------

لي مدة ليست بالقصيرة لم أكتب فيها شيئاً ذا بالٍ، لذا فإني أشعر بثقل القلم في يدي، وأجده يزداد ثقلاً حين يَهِمُّ بكتابة نقديةٍ لأصدقاء لهم في القلب مكانة، (ولو كان قول ما يراه الإنسان حقا يترك لشيء= لتركته كرامة لصحبة أخشى فقدها. لكن الحق أمانة وإذا لم يوجد من يقوم به= لم يجز تركه لوجه أحد من الناس)، وأنا على ثقةٍ تامةٍ أن ما سأكتبه لن يؤثر على صحبةٍ أو يزيل وداً.

البداية
---


حين بدأت بمطالعة كتاب "ما بعد السلفية" للصديقين ش. "أحمد سالم" وش. "عمرو بسيوني"، كنت حريصاً على أن تتخلق في نفسي انطباعاتي الذاتية عن الكتاب بعيداً عن ضغط تأثير انطباعات الآخرين، خصوصاً وأنا أعلم أن الكتاب سيكون كتاباً جدلياً بامتياز، وسيحدث جدلاً في المشهد الفكري والشرعي بشكل عام، وفي الداخل السلفي بخاصة. والذي ستتشكل فيه بؤر ممانعةٍ ذاتيةٍ طبعيَّةٍ من النقد والمراجعة، فبعض النفوس قد لا تحتمل النقد، وبعضها قد تحتمله ولكن لا تحتمل أن يكون معلناً. وأجدني -بحمد الله- كما أجد غيري ميّالاً إلى استيعاب الممارسة النقدية واسع الصدر لها بل داعياً ومرحباً بها كونها ضرورة لتصحيح المسار، ومعالجة الأخطاء، وإذا أنت لم تسمح للمحب القريب بالمراجعة والنقد فاحتمل جناية البعيد بالبغي والتشويه.

ومع قناعتي بأهمية الفعل النقدي إلا أنه لا يعني الرضا بأي نقد وقبول أي مراجعة بل أجدني متشوفاً جداً للتعرف على المضامين النقدية ذاتها، وتقييمها من جهة الصواب والخطأ، بل وفرز ما كان خطأ وصواباً إلى درجات بحسب رتبها من جهة القطع والظن، ثم التفاعل معها بحسب درجاتها حماسةً لما أجزم بصوابه، وحماسةً بالضد لما أجزم بخطئه، في مقابل شيء من الفتور حيال بعض الأفكار الأقل درجة.

نعم كانت تتسرب إليّ بعض المواقف الساخطة على الكتاب من هنا وهناك والتي كانت تعبر في كثير من الأحيان عن حالة من الغضب دون أن تقدم في كثير من الأحيان مبررات واضحةً لهذا الغضب، أو تقدم مبررات لا ترقى لمستوى وطبيعة الغضب. فجاء بعض ما كُتب حول الكتاب وكأنه مجرد تقرير وصفي للكتاب ولكن بلغة غاضبة متوترة.

وأعترف أني كنت متحيزاً للكتاب تحيزاً ناشئاً عن طبيعة الود والعلاقة الجميلة التي تربطني بالأخوين الكريمين، ولذا فكنت أقرأ الكتاب قراءة من يُحسن ظنه بصاحبه، خصوصاً في تلك المواضع المجملة التي تفتح لتعدد الفهوم مجالاً، أو مواضع الحياد التي أدرجها الكتاب تحت بند (تأريخ الأفكار) وهو الموقف الذي أرى أن الأخوين الكريمين لم يلتزماه حقيقةً فجاءت تلك التحيّدات في مواضع لا تناسب الرسالية المعهودة منهما، وظلت مع ذلك (تقييمات الأفكار) في غيرها متناثرة في مواضع متعددة في طول الكتاب وعرضه. نعم لم يرق لي تصنّع الحياد بين السلفية والأشعرية في مسألة تأويل الصفات، والقبول بالموقف السلفي فيها تنزلاً، أو تحقيق موقف الصحابة من مسألة الاستغاثة بغير الله، وهل بالإمكان القطع بإثبات التكفير به عنهم؟ لكني لم أقرأها قراءة من يفتش بين السطور، ويتطلب معنى غائباً، ويتساءل لعل وراء الأكمة ما وراءها، بل أنا أعرف صاحبيّ وأنهما ليسا أشعريين متسترين، أو دعاة لقبوريةٍ في طور تقية.

أنهيت الكتاب سريعاً لأعاود التهامه مرة ثانيةً. ولست أكتم سراً إن قلت أني شعرت بمرارةٍ وقلقٍ عميقٍ حيال كثيرٍ من المسائل والمباحث، وكنت مهموماً بدرجة أكبر بتلك المسائل العلمية المشكلة والتي لم تصادف في تقييمي منهج أهل السنة والجماعة، أما جدليات وصف واقع المشهد السلفي وتجلياته المعرفية والإصلاحية ومدى دقة التقييمات التي قدمها الكتاب في هذا المضمار فهي مسائل وإن وقع فيها ما أعده تجاوزاً وما يصلح أن يكون مادة دسمةً للمراجعة والبحث بل والانتقاد لكنها احتلت في نفسي موقعاً متأخراً نسبياً، بل لو كانت مشكلة الكتاب في هذه الدائرة فقط لهان الأمر عليّ والله مع شدته في نفسه. فضلاً عن تلك الرؤى والأفكار الاجتهادية التي يُمكن أن يكون الأخوان مصيبين فيها فعلاً.

وكتاب تقارب صفحاته السبعمائة صفحة لا يمكن أن يتم التعرض لكافة أفكاره ورؤاه وتقديم رؤية نقدية متكاملة من خلال مقالة مفردة، بل يحتاج الأمر إلى كتاب موازٍ أو سلسلة مقالات متتابعة يكمل بعضها نقص بعض لتغطي كافة مساحات الكتاب وهي مساحات شاسعة فعلاً، وأرجو أن تقدم هذه المقالة رؤية نقدية متحلية بالعلم والعدل والموضوعية لواحدة فقط من تلك الأفكار الموجودة في الكتاب. والتي أرى أنها شكلت أحد المرتكزات التي قام عليها، وواحداً من أهم القضايا التي قدم فيها مراجعةً ورؤيةً جديدة، وهو مفهوم السلفية ذاتها، وموقعها من خارطة المسلمين، ومدى أهمية وجود السلفيين في عالم اليوم بل وفي التاريخ الماضي والمستقبل.



السلفية بين رؤيتين
------------

حين تناول الكتاب "مصطلح السلفية" قدّم مفهوماً يتضمن قدراً من الزيادة والخصوصية على ما هو موجود في الكتابة السلفية، وهو ما أنتج اختلافاً في تحديد موقع السلفية من الخارطة الإسلامية، وما الذي يمكن أن يتولد من إزاحة هذا التيار عن الخارطة بالكلية. "السلفية" في الذهنية السلفية هي معنى مطابق "لمفهوم أهل السنة والجماعة" بمفهومها الخاص، وهو -أي اسم أهل السنة والجماعة- اسم عريق في تاريخ الإسلام، وهو من ألوان التميزات العقدية المبكرة والتي تواضع أهل السنة عليها كشعار مميز عن الفرق البدعية في الأمة، وكُن على ذكرٍ لهذا المعنى واستحضر في نفسك عبارات السلف في استعمالاتهم لهذا الشعار المميز، بل استحضر عامة التداول العلمي لهذا المصطلح في المدونة العقدية قديماً وحديثاً، فإنه سيكون نافعاً فيما سيأتي إن شاء الله.

ويمكن القول إجمالاً أن هذا التميز عائدٌ في أصوله إلى المكون العلمي والمنهجي للسلفية، فالأصل في التداول السلفي لمصطلح السلفية أن تستعمل كتعبير عن منهج خاصٍ في النظر والاستدلال يُفرز مكوناً علمياً يمثل قائمةً من المحكمات الشرعية، وهي مع تلك الأسس المنهجية تمثل حالة الفرق بين الخط السلفي السني والتيارات الخارجة عنها، وهذا المنهج هو في حقيقته التزامٌ واجبٌ بهدي السلف الصالح، والذي يمثل فيه صحابة النبي صلى الله عليه وسلم المركز وتدور في فلكه مقولات ومواقف التابعين وتابعيهم. وهذه الرؤية السلفية للسلفية لم تغب عن الكتاب، بل أورد الكاتبان بعض المقولات لسلفيين يعبرون فيها عن هذه الرؤية لمفهوم السلفية.

أما رؤية الكتاب ذاته في تحرير واستعمال مفهوم السلفية فوقع فيه قدر من الاضطراب والإشكال، فقد ظل الكتاب يراوح في استعمالاته للسلفية بين اعتبارها وصفاً إجرائياً وتأريخياً للتعبير عن طائفة من طوائف الأمة لها تميزها العقدي الذي لا يلزم أن يكون صواباً في نفس الأمر، وبين اعتبارها مفهوماً شرعياً ومنهجياً يتضمن قدراً من المدح والامتياز بالاعتزاء إلى السلف الصالح وضرورة وضع اشتراطات شرعية خاصة لتصحيح مثل هذا الانتساب. إضافةً إلى المراوحة بين الطبيعة العلمية للخطاب السلفي وكونه يمثل رؤية منهجية تفرز مقولاته العلمية، وأخرى تست*** المكون العملي وتجعله شرطاً في صدق الانتساب للخط السلفي، ففي أول صفحة من الكتاب مثلاً بل في أول جمله يصادف القارئ العبارة التالية في سياق شرح السلفية: (السلفية: هي طلب ما كان عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي منهج يُطلب وليست حقيقةً تحاز، وكل سلفي فهو كذلك من حيث إنه يطلب التشبه بالسلف ومنهجهم، لا من حيث إنه سلفي حقاً، ومن زعم اكتمال سلفيته=كذب. والسلفية المراد بها: الإيمان بما أجمعت عليه صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، إيماناً بالقول والعمل) [9]. ويزيد الأمر وضوحاً في إدخال المكون العملي في لب المفهوم السلفي: (فإن السلفية ليست مجرد مضامين معرفية من حازها=فهو سلفي!) [11] وذلك عقب الحديث عن ضرورة طلب الدين الأول ليس في بابي التوحيد والقدر فحسب بل في غيره من أبواب الأحكام والأخلاق والسلوك. ويؤكد هذا المعنى بقوله: (بل إن من أعظم البلايا: أن تتحول السلفية إلى حالة معرفية مجردة، ليس معها مقتضياتها الإيمانية من التحقق بأعمال القلوب، وعبادات الجوارح، ومكارم الأخلاق) [11] لكنه يعود فيقول: (السلفية اسم يصدق على مفهوم معرفي/إبستمولوجي منهجي، ويصدق على تحققات تاريخية لأفراد وجماعات حاولوا التزام هذا المنهج المعرفي ومقتضياته التطبيقية) [81]. وما من شك أن لاستجلاب المكون العملي بمختلف تجلياته الأخلاقية والسلوكية والحكمية في تحرير مفهوم السلفية آثاره العلمية والعملية، وأن فروض الالتزام السلفي تبعاً لذلك ستكون بلا شك أوفر وأكثر، ودائرة الإخلال بسلفية الشخص ستكون بطبيعة الحال أوسع وأكبر.

ومع قناعتي بأن أصل إدخال مكون العمل في اسم السلفية أو أهل السنة ليس فيه كبير ضيرٍ إذا ما تحرر قدر هذا المكون ومنزلته مما أدخل فيه. بل إن أصل هذا الإدخال مسألة حاضرةٌ فعلاً في الوسط السني السلفي، وهو محل تداول كبير في مصنفاتهم ومدوناتهم بل ومتونهم العقدية، يتم فيها الإشارة إلى مسائل الأخلاق والعمل والتزكية كمكونات لمنهج أهل السنة والجماعة. ففي واحدٍ من أشهر المتون العقدية السنية المركزية مثلاً، والتي يتخرج عليها عامة طلبة العمل في الأوساط الشرعية السلفية -أعني العقدية الواسطية لأبي العباس ابن تيمية- جاء النص في آخرها على (جماع مكارم الأخلاق يتخلق بها أهل السنة والجماعة)، فالمقصود أن سائر هذه المكونات حاضرة فعلاً في كثير من الكتابات العقدية المختصرة والمطولة في الإطار السلفي يتم من خلالها التأكيد على أن طريقة السلف ليست تصورات نظرية فقط، وإنما هي علم وعمل، وأن المرء يزداد لحوقاً بالسلف بقدر اعتقاده وعمله. فإذا كان الأمر كذلك ولم يكن ثمة إشكال مبدئي من دخول مكون العمل في المفهوم، فأين المأزق والإشكال؟ في ظني أن القضية التي لم يتم تحريرها بشكل دقيق في الكتاب هي تحرير منزلة هذا المكون العملي من اسم (السلفية) أو (أهل السنة والجماعة)، فالمكونات المؤسسة لهذه المفاهيم ينبغي التمييز بين رتبها ومدى تأثيرها في إعطاء الاسم وسلبه، إما إعطاءً وسلباً مطلقاً أو إعطاء ً وسلباً نسبياً. فلدينا (نواقض للمفهوم) و(أسباب القصور في تحقيق المفهوم) فالإسلام مثلاً له نواقض يخرج بها المرء من دائرته كالشرك بالله وسب النبي صلى الله عليه وسلم والطعن في الدين وجحد معلوم من الدين بالضرورة وهكذا، وله أسباب لا ترفع الاسم بالكلية لكن ينقص من الوصف بقدر ما ارتكب من هذه الأسباب الموجبة لنقصان الوصف، فكذا مفهوم أهل السنة ومنهج السلف له نواقض كتعطيل الصفات وإنكار القدر والقدح في حجية النقل يخرج بسببها المرء من دائرة أهل السنة، وله أسباب تنقص من اتصاف المرء بالسنة وطريقة السلف بقدر ما قصر في الاجتهاد في أعمالهم وأخلاقهم دون أن توجب خروجه من الدائرة السنية أو السلفية بإطلاق، ولئن جاز لغةً نفي اسم السنة والسلفية عنه باعتبار انتقاصه من كمال السنة الواجب لكن لا يصح اعتقاد انتفاء الاسم عنه مطلقاً، بخلاف من أتى بناقض من نواقضه فإن الاسم يزول عنه ولو قُدّر أنه جاء بعد ذلك بشيء من شعبه وفروعه. وهذا أحد مواضع الافتراق عما قرره الكتاب قائلاً: (ومن نفى الاسم عن غيره بسبب مخالفة هذا الغير لما أجمعت عليه الصحابة إجماعاً قطعياً، فهذه طريقة صحيحة ما دام ينفي كمال التسلف الواجب؛ فإنه ليس ثم رجل له حظ من الإسلام إلا وله حظ من السلفية بقدر ما معه من الإسلام، وكما صدرنا كلامنا= فإنه لا تكمل سلفية رجل ما دام معه شيء من مخالفة السلفية في القول أو العمل، كما أنه لا يكمل إسلام رجل ما دام ضيع شيئاً من الدين الواجب علماً أو عملاً) [10] فالتسوية بين مكون العلم والعمل هنا في منح وسلب اسم السلفية مشكل، إذ التقصير في المكون العملي فقط بالوقوع في الذنوب والمعاصي لا يصح أن يكون ناقضاً ينتقض بسببه المفهوم بالكلية فيخرج المرء به من إطار أهل السنة والجماعة وبالتالي من السلفية، بخلاف أصول علمية معينة فإنها تصحح ذلك الإخراج لا على وجه نفي كمال التسلف الواجب فحسب بل بسلب اسمه المطلق. ومثل هذا التناول الذي مارسه الكتاب حيال مصطلح (السلفية) -وهو مصطلح خاص وضع للدلالة على معنى مخصوص- يمثل إعادة إنتاج اصطلاحي يعود بالإبطال على الفائدة التي وضع هذا المصطلح لأجله، ولتندرس ملامحه بما يصحح إلباسه على من قصد واضعه عدم إلباسه، فالمعتزلة والخوارج والشيعة والقدرية كلهم يمكن أن يكونوا سلفيين باعتبار وإن لم تكمل سلفيتهم، والسلفيون كذلك من أصحاب الذنوب والمعاصي ليسوا سلفيين باعتبار.

ومع ظني أن هذه المسألة جديرة بالتحقيق والتحرير، وأن قدراً مما حرره الكتاب فيها لا يخلو من إشكال، فقد ظللت أتساءل هل نحن أمام مخالفة اصطلاحية مغتفرة؟ أم أن هذه الرؤية الاصطلاحية، استتبعت مواقف علمية تُخرج الأمر عن إطار الخلاف التعريفي؟



الفرقة الناجية بين تصورين
----------------

يتكئ الخطاب السلفي عادةً في تقرير رؤيته لحقيقة السلفية ومفهوم أهل السنة والجماعة على جملة من النصوص الشرعية، يقف على رأسها حديث "الفرقة الناجية"، وهو حديث تناوله الكتاب بطبيعة الحال ليقدم مرةً أخرى رؤية مخالفة للإرث السلفي، وليشحنه بمضامين ستحدث في تقييمي ارتباكاً عميقاً في تحقيق طبيعة هذه الفرقة، وطبيعة النجاة المقصودة، وضرورة وجود طائفة مخصوصة برؤية عقدية مميزة عن بقية طوائف الأمة في خارطة الإسلام، وصلتها باستبقاء الحق في هذه الأمة.

الرواية التي اعتمدها الكتاب هي رواية أصحاب السنن من طرق عن أبي هريرة ومعاوية وأنس بن مالك وغيرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: هي ما أنا عليه وأصحابي).

ابتدأ الكتاب بإيراد وجهة النظر السلفية في هذا الحديث، حيث قال بوضوح: (تذهب السلفية المعاصرة، تبعاً لشيخ الإسلام ابن تيمية بدرجة أساسية، إلى أن هذا الحديث هو في قسمة فرق المسلمين، وأن الخلافات الواقعة بين المسلمين في العقائد هي مورد القسمة والافتراق، وأنه ثمّ فرقة واحدة هي الناجية يوم القيامة غير متوعدة بعقاب من هذا الوجه، وهي الفرقة التي التزمت بما عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في أصول الاعتقاد، وترى السلفية أنها هي هذه الفرقة وأن باقي الفرق التي تخالفها في الاعتقاد هي من الفرق النارية) [51]. وهذه الرؤية هي رؤية مطابقة فعلاً لتصور السلفيين لطبيعة هذه الفرقة، وإن كان ثمة تحفظ على الإيحاء بأنها تصور فريد للسلفية المعاصرة، أو أنها ناشئة من أثر الخطاب التيمي، فإن هذا التصور شائع جداً قبل السلفية المعاصرة، بل هو تصور تتبناه حتى التصورات غير السلفية، وهو ناشئ أصالة من منطوق الحديث ومفهومه، ومن واقع الأمة المسلمة ذاته، ومن معجم عقدي تأريخي راصد للحالة. ومرورٌ سريع على الكتابات المؤرخة لظاهرة الافتراق في الأمة -سلفية وغير سلفية- بل ومطالعة عجلى لكثير من المدونات العقدية -السنية وغير السنية- سيلحظ حديثها المكثف عن طائفة عقدية مميزة، في مقابل فرق منحرفةٍ عنها، بل إن هذا المعنى المكثف قد يتم تركيزه أحياناً وتضمينه بعض عناوين هذه المدونات.

أما الرؤية التي يتبناها الكتاب في تحديد طبيعة هذه الفرقة فقد جاء ليقرر (أن هذه الفرق كلها متوعدة بالنار إلا فرقة واحدة، هي ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وهذا المعنى لا إشكال فيه؛ فالثابت بالأدلة القطعية أن من خالف ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في العلم والعمل أنه يكون متوعداً بالنار، وليس في هذا الحديث إلا إجمالٌ لما فصلته الشريعة في أحكامها المختلفة أمراً ونهياً وإخباراً) [55]، وعليه فقد كروا بالنقد على التناول السلفي المعتاد لمثل هذا الحديث والذي عدوه الفهم الأخطر لهذا الحديث والذي أتى بالخلل في التصور (وهو فهم من عيّن مجموعة من الأبواب أو المسائل كأصول الدين أو أصول مسائل الاعتقاد، وجعلها حصراً وقصراً مناط الافتراق، وبالتالي جعل من التزم فيها قولاً معيناً كان من الفرقة الناجية دون من خالف فيها، وهذا الفهم غلط ظاهر، فإن الحديث أتى في كل ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من العلم والعمل، وهذا يشمل أصول الاعتقاد وفروعه وأصول الشرائع والأعمال وفروعها وسائر أبواب الأخلاق والمعاملات؛ فإنها كلها يجب فيها التزام ما كان عليه النبي صلى الله علي وسلم). بل قالوا بوضوح شديد: (مصطلح الفرقة الناجية مرادف تماماً لمصطلح الإيمان الكامل بالواجبات؛ أي إن المراد به تحقيق الموافقة التامة لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم في العلم والعمل وتجنب سائر المخالفات التي تجعل هذه الموافقة ناقصة وتوجب الوعيد بالنار، وهذا المفهوم بهذه الصورة مفهوم ذهني لا يكاد يتحقق في الخارج إلا في السابقين المقربين ممن يقبضهم الله، وقد تقبل حسناتهم وغفر لهم خطاياهم في الدنيا، وقد أدركت الحق الواجب كله لم يفتهم منه شيء وهي منازل النبيين لا غير أما كل مؤمن يلقى ربه وقد اكتسب خطيئةً، فليس من الفرقة الناجية، بل يبقى متوعداً بالنار حتى يعذر بتأويل، أو تغلب حسناته سيئاته أو يغفر الله له أو يشفع به الشافعون إلى آخر موانع إنفاذ الوعيد. ومن هنا يظهر: أن استحضار هذا الحديث في أبواب العقائد ينبغي ألا يزيد استحضاره في أبواب العبادات والمعاملات والأخلاق، وأن استحضاره على معنى أن طائفة من الناس حققت القول أو العمل في باب معين – دون غيره- تكون هي الفرقة الناجية دون ما عداها= غلط ظاهر) [56].

هذا هو التصور الذي تبناه الكتاب في تعليقه على مفهوم الفرقة الناجية، وأنه ليس ثمة فرقةٌ متميزةٌ حقيقيةٌ يصدق عليها وصف النجاة، وإنما مقصود الحديث أن عندنا إيماناً قد جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فمن أتى به جميعاً فهو ناجٍ ومن خالفه جميعاً فهو هالك، ومن أتى ببعض وخالف بعضاً فهو ناجٍ بما أتى منه هالك فيما قصر. وأن مفهوم الفرقة الناجية لذلك لا يعدو أن يكون مفهوماً ذهنياً لا يكاد يتحقق في الخارج إلا في السابقين المقربين، وهو وصف لا أدري ما المساحة التي يغطيها وهل يشمل جميع الصحابة مثلاً أم يختص ببعضهم دون بعض أم أنها أضيق دائرة فلا تشتمل إلا على النبيين لا غير.

هذا الفهم للحديث، وهذا التحديد لطبيعة الفرقة الناجية غلطٌ ظاهرٌ، وهو معنى غريب لا أعلم أحداً من أهل العلم أشار إليه أو قال به، وظاهر الحديث لا يساعد عليه مطلقاً. والذي أوجب للكاتبين الوقوع في هذا الغلط الظاهر أنهم خلطوا بين معنى النجاة المطلقة، وبين نجاة خاصة إضافية في باب معين خاص. فامتداح الشارع في هذا الحديث للفرقة الناجية إنما هو لمكون مخصوص من مكونات النجاة لا ترتيب النجاة المطلقة لمن أتى بهذا المكون، فمقصود الحديث امتداح المكون المنهجي العقدي والذي يحقق الوحدة المطلوبة شرعاً في مقابل ذم الافتراق البدعي الناشئ من الإخلال بذاك المكون المنهجي، وبالتالي فالحديث جاء بامتداح الفرقة التي حصلت هذا المكون وأعطته وصف النجاة دون الفرق الأخرى التي لم تحققه فتوعدت بالهلاك. وهو فهم ظاهر جداً من الحديث.

فالافتراق المشار إليه في الحديث هو افتراق في الدين لا على مستوى الذنوب والمعاصي العملية فإن هذه بمجردها لا توجب افتراقاً وإنما الموجب للافتراق هي الأهواء البدعية، يدل على ظهور هذا المعنى من هذا الحديث ما يلي:

- تشبيه الافتراق الواقع في الأمة بالافتراق الذي وقع للأمم السالفة (اليهود والنصارى) ولم يكن ذاك الافتراق افتراقاً بمجرد مقارفة بعض أفراد تلك الأمم للذنوب والمعاصي، بل هو افتراقٌ وتحزبٌ على مكونات عقدية ومنهجية متباينة، أوجب حالةً من التشظي في الدائرة النصرانية والدائرة اليهودية، وواقع هذه الديانات وتاريخها شاهد على موجب هذا التفرق.

- لو سلمنا لذاك الفهم الغريب الذي أورده الكتاب في شرح الحديث وأن الفرقة الناجية لا تصدق إلا في حق من أتى بالإيمان الكامل الواجب، فالافتراق سيكون حتماً بسبب التقصير في الإتيان بذاك الإيمان الكامل، فكل إخلال في مكونات الإيمان وشعبه ستستتبع فرقاً بعددها، فكما أن لدينا فُرقة وقعت بسبب إخلالٍ في المكون العقدي والمنهجي وهو ما نتفهم معناه ونتعقله، فثمة فُرقة وقعت أيضاً للإخلال بالمكون العملي بالإتيان بالذنوب والمعاصي، فيصح إذن أن يقال أن من الثنتين والسبعين فرقة، فرقة الزواني، وفرقة المرابين، وفرقة الكذبة، وفرقة مدمني الخمر .. الخ، بل ثمة فرق بعدد كل نقص متصور على الإيمان الكامل الواجب، وهو معنى باطل لا يحتمله الحديث، والعجيب أن الكتاب أشار إلى احتمال تفسير الحديث به، فقال: (ونفس التعداد يحتمل أن يكون مقسوماً على شعب مختلفة من الاعتقادات والأقوال والأعمال، على غرار شعب الإيمان، وقد يكون وفق موارد أخرى الله أعلم بها) [57]. يوضح بطلان هذا التصور:

- أن مجرد الوقوع في الذنب والمعصية لا يوجب افتراقاً، وإنما الافتراق الذي تتناوله النصوص الشرعية بالذم هو ما كان ناشئاً عن التبدلات المنهجية في مسارات النظر والاستدلال وما تفرزه هذه المسارات من انحرافات في مكون العلم والعمل لا أن الفرقة تقع لمجرد خطأ في العلم والعمل. ولم يكن الصحابة فمن بعدهم يتعاملون مع المذنبين باعتبارهم محدثين فُرقةً في الأمة، بل هو معنى يتناول لوناً مخصوصاً من ألوان الانحراف، الموجب لوقوع الفرقة في الدين. والتفريق في التعامل بين أصحاب الذنوب والمعاصي، وأهل البدع والأهواء في التراث السلفي أشهر من أن يوضح وأن ينبه إليه. بل لو تأملنا واقع الذنوب والمعاصي في حياة أفراد الأمة لوجدنا أنها لم تزل حاضرةً ولم توجب افتراقاً كما هو مشاهد حتى اليوم بخلاف الإخلال والانحراف البدعي والذي أوقع ذاك الافتراق الديني المذموم.

- ولذا فإن السلف الصالح حين استعملوا اسم السنة كاسم مميز لهم دون سائر الطوائف البدعية فإنهم لم يستعملوه بقصد الإشارة إلى الإصابة الكاملة للسنة في جليل أمرها ودقيقه، فمن قصر في شيء من شأنها رفعوا عنه اسم السني بل استعملوه أصالة للإشارة إلى مكون ديني مخصوص متى توافر للشخص ولو كان مقصراً صح استعمال الاسم في حقه ومتى قصر في ذاك المكون استحق نزعه وسلبه، ولم يقع من أحدهم ولا ممن تلاهم تسييل لمعنى السنة ليحدثنا عن موافقة أهل البدع في بعض شأن السنة كونهم مسلمين، وما من مسلم إلا ولديه قدر من تحقيق السنة، وعليه فإن أهل البدع يدخلون في مسماها باعتبار الموافقة ويخرجون منها باعتبار المخالفة، تماماً كالسني العاصي فإن معصيته لا تكون من السنة، فهو سني من وجه وخارج عن السنة من وجه، فمثل هذا الاستعمال المائع لم يكن وارداً على أذهانهم قط، وليس له حضور في استعمالاتهم، وهو يُفقد شعار السنة الفائدة التي وضع لأجلها، بل لهم من الاستعمالات الكثيرة الدالة على إعطائهم اسم السنة لبعض العصاة دون أهل البدع ما يكشف عن مفهوم هذا الاسم ومكوناته المركزية.

- يؤكد خطأ ذلك التفسير الذي تبناه الكتاب لمفهوم الفرقة الناجية أن الحديث جاء ليكشف عن وقوع إشكالية دينية عميقة مستقبلية في حياة هذه الأمة وهي تشظيها إلى فرق=طوائف=كانتونات دينية تمثل جيوباً عقدية في واقع الأمة، وأن ثمة فصيلاً منها قد حقق امتيازه العقدي عليها جميعاً لالتزامه هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أما وقوع الذنوب والمعاصي وارتهان النجاة بمجانبتها جميعاً بتحقيق الإيمان الكامل فمعنى أجنبي تماماً عن الحديث، ولا تحتمله طبيعة النبوءة النبوية إذ الذنوب والمعاصي واقع مشاهد حاضر في مجتمع الصحابة وإنما الحديث يتناول ظاهرةً دينية مستقبلية.

- ولو فسر الحديث بذاك التفسير المذكور في الكتاب فكل الطوائف الإسلامية سيلحقها الذم الوارد فيه لإيقاعها للفرقة المذمومة، فأهل البدع واقعون في الافتراق المذموم، وأهل السنة بمن فيهم من أصحاب الذنوب والمعاصي واقعون فيه أيضاً، فلا نجاة لطائفة من طوائف الأمة من إحداث الفرقة المذمومة.

وبكل حالٍ فليس ثمة ما يُحوج للخروج عن هذا الظاهر للحديث، وتوهم أن الحديث قصد التنبيه إلى النجاة المطلقة لهذا الفصيل لمجرد تحقق هذا الامتياز العقدي إذ هذا غير مقصود أولاً في الحديث، ولا هو مفهوم لمن تناول الحديث من أهل العلم ثانياً، ولا هي الرؤية التي يتبناها السلفيون، بل هي رؤيةٌ تعود على فائدة الحديث ومعناه بالإبطال. إذ الحديث جاء بذم الافتراق وتحذير الأمة منه وهو معنى كما سبق لا يكون بمجرد مقارفة الذنوب والمعاصي، بل يكون بموجبات أخرى تحدث هذه الفرقة المذمومة، أما الحديث عما به تتحقق النجاة المطلقة فليس مراداً للحديث أصلاً، وإنما جاء الحديث بالتنبيه إلى سبب من أسباب النجاة يتوافر لطائفة من هذه الأمة دون بقية طوائفها، وتوافر هذا السبب لا يلزم منه ضرورة تحقق وعد النجاة بإطلاق إذ هو موقوف على شروط وانتفاء موانع كسائر نصوص الوعد، وغيابه أيضاً غير مستوجب ضرورةً للهلاك فهو الآخر لا يكون إلا بتوافر شروطه وانتفاء موانعه كسائر نصوص الوعيد، وهو معنى ليس فيه أدنى إشكال ولا تنشأ منه لوازم فاسدة.

وفي ضوء ذاك المعنى الغريب الذي فهم به الكاتبان هذا الحديث، قالوا في الحاشية: (سواء أكانت هذه الفرقة هي أهل السنة والجماعة، أو أهل الحديث، أو المعتزلة، أو الأشاعرة، أو الشيعة، أو غيرهم. فكل فرقة وافقت النبي في باب من أبواب ما جاء له فهي ناجية في هذا الباب، وكل فرقة خالفت النبي في باب من الأبواب فهي الهالكة –هي في النار، يعني متوعدة- في هذا الباب. وفق هذا التصور فقد يكون أحمد بن حنبل من الفرقة الناجية في باب، والقاضي عبدالجبار من الفرقة الناجية في باب أو مسألة، وكلاهما من الفرقة المتوعدة بالنار في أبواب أخرى حصل فيها الذنب المحض، أو الخطأ الموقوفة مغفرته على العذر، وإنما تكون إمامة أحمد باعتبار كثرة صوابه وهدايته المشهود بها لا باعتبار نجاة بالتصور الافتراقي) [56].

وبعيداً عن التمثيل والمقارنة بين الإمام أحمد والقاضي عبدالجبار، وهي مقارنة مستفزة ومثيرة فعلاً، وكأن التمثيلات ضاقت إلا بحشر رجلٍ بقدر الإمام أحمد وجلالته في هكذا سياق، فحقيقة هذا الكلام إلغاء لمفهوم الافتراق والنجاة في الحديث، وتذويب لملامح الفرقة الناجية، بل والفرق الهالكة، إذ يصح في ضوء هذا الفهم القول بأن كل الفرق ناجية، وكلها هالكة أيضاً، وذلك بحسب موافقتها للهدي النبوي، وهو المعنى الذي صرح به الكتاب فعلاً تحت ذريعة الوهم المسيطر أن النجاة والهلاك في الحديث نجاة مطلقة وهلاك مطلق، في حين أن الحديث لم يتناول هذا المعنى أصلاً، وإنما الحديث يتناول الحديث عن نجاة وهلاك في باب ديني معين مخصوص. مع اعتبار شروط وموانع النجاة المطلقة والهلاك المطلق. فأصحاب الفرقة الناجية= أهل السنة والجماعة= السلفيين قاموا بهذا الباب الديني العقدي على الوجه المطلوب وبالتالي توفر لهم من مقومات النجاة ما لم يتوفر لغيرهم، فهم موعودون بالنجاة بشرطه كما أن غيرهم ممن أخل بهذا المكون متوعد بالهلاك بشرطه أيضاً. ومع أن المؤلفين يفهمان ويصرحان أن أهل العلم لا يقصدون نجاة مطلقةً حين يتحدثون عن فرقة ناجية من بين سائر الفرق، إلا أنهما يناقشان هذا المعنى، ويجتهدان في رده بحماسة وكأن أحداً قال به، أو أنه لازم لطريقة أهل العلم المعروفة في فهم الحديث.



أهمية السلفية وجوداً وعدماً

والأكثر خطورةً وأهميةً مما سبق جميعاً هو معالجة الآثار العلمية والعقدية المترتبة على فهم المؤلفين لحديث الافتراق، فهل نحن أمام غلطٍ في فهم حديث لا تتجاوز آثاره العلمية حالة الغلط هذه، أم ثمة غلط متولد سيكون له تأثير في واحد من التصورات المنهجية السنية؟

أخشى أنه تسرب للباحثين فعلاً خلل منهجي هنا ولا أجزم، إذ السؤال الأكثر أهمية بالنسبة لي: هل ثمة وجودٌ فعلاً لطائفة معينةٍ مخصوصةٍ التزمت الهدي الأول في المنهج والاعتقاد؟ دع عنك الحديث عن الذنوب والمعاصي، فإن هذه لم يسلم منها بعض أصحاب الهدي الأول –أعني صحابة النبي صلى الله عليه وسلم- مع اتفاقنا على أنهم كانوا يتلقون عن نبيهم صلى الله عليه وسلم تصوراً عقدياً موحداً يمثل محكم التقريرات العقدية والمنهجية السنية، ولم يقع لهم بسبب منظومة العقائد هذه لونٌ من الافتراق البدعي المذموم، من جنس ما وقع في زمانهم من الجيل التالي. السؤال ثانياً: هل ثمة تيار عقدي مخصوص سارٍ في تاريخ الأمة من جيل صحابة النبي صلى الله عليه وسلم كان ولا يزال يعتقد ما اعتقده النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟ أم أن الحق العقدي الذي كان عند الصحابة تفرق وتشظى بعدهم في طوائف الأمة المختلفة فما عاد يحوزه كله فصيل منها دون آخر؟

هذا السؤال المنهجي في تقييمي هو السؤال الأكثر خطورةً، والذي تترتب عليه آثاره العلمية الخطيرة، بإعادة ترتيب كاملة لمنظومة التعامل مع آراء الفرق الإسلامية باعتبارها فضاءً محتملاً للحق، والسعي في تطلب هذا الحق في تلك الفضاءات، مع تنوع عقائدها واتجاهاتها ومساراتها في البحث والنظر. وأن انفراد أهل السنة والجماعة برأي عقدي دونهم لا يلزم منه أن يكون هذا الرأي هو الحق الموافق للهدي الأول في نفس الأمر. والذي أخشاه فعلاً أن يكون الباحثان يتبنون في هذه المسألة رؤية عقدية مباينة تقول بأن الحق بكافة تشكلاته علمية وعملية قد توزع في الأمة فحفظه إنما يكون بحفظ مجموع الأمة لا بحفظ طائفة مخصوصة منه، وهذا المعنى جاء في أكثر من موضع منها:

o (فالحق مفرق في أمة محمد لا يجمعه كله واحد بعينه ولا جماعة بعينها، ولا يفوت جميعه الأمة كلها حتى لا يدركه منهم أحد، فالحق كله فيهم كلهم، وليس واحد منهم يجمعه كله) [67].

o (كما أن الحق أن حفظ الدين ليس مستلزماً لحفظ السلفية؛ لأنه ليس موقوفاً عليها من كل وجه، فحفظ الدين يحصل في شعب عديدة، في الاعتقاد، والأعمال، وليس كل ما تتبناه التحققات التاريخية للسلفية من اختيارات في تلك الأبواب يمكن القطع أنه هو الدين الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وفهمه الصحابة) [637].

وهذه غمغمة في مقام لا يصلح فيها إلا الوضوح والبيان التام، فروح البحث تسرب للقارئ أن المؤلفين يريدان إفهامه أنهما ينتقدان أحد الأوهام السلفية -أعني طهورية العقيدة والمنهج-، لذا جاء مبحث حديث الفرقة الناجية والطائفة المنصورة لتصحيح هذا التصور، وأنه لا وجود لطائفة معينة مخصوصة في الخارج تحقق لها ما لم يتحقق لبقية الفرق الإسلامية من حسن التصور والمعتقد والعمل، والذي يمثل خطاً قائماً وموجوداً فعلاً في حياة الأمة، ويمكن التعرف عليه والدخول فيه. فهل نحن أمام محاولة لتأميم العقيدة السنية الصحيحة بانتزاع قنوات الإنتاج العقدي السليم من دائرة أهل السنة خاصة وتحويلها ملكية عامة مشاعة بين مختلف الطوائف الإسلامية؟

ولست مهموماً هنا بمناقشة مشكلات التعرف على تلك المنظومة العقدية المميزة وكيفية التوصل إليها، وهي أحد الإشكاليات البحثية القائمة فعلاً في الكتاب والجديرة بالمناقشة، والذي حرر فيها الكتاب موقفاً شديد الإشكال تحت تقريرات من جنس:

o أثر الذات المتلقية الناظرة في كلام السلف، وإشكالية التنازع التأويلي لتراث السلف.

o موقع الإجماعات العقدية التالية لجيل الصحابة، وكيفية التخريج العقدي على مقولاتهم.

o استحالة الوصول إلى دين مصفى كالذي تركه النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة.

o انعدام المطابقة العقدية بين مختلف التحققات السلفية.

لست حريصاً الآن على مناقشة هذه القضايا مع شديد استغرابي من إيراد الكتاب لها على نحو لا يخلوا من إجمال لا يصلح بتاتاً، إذ ما الفارق الموضوعي مثلاً بين حديث الكتاب عن تأثير الذات المتلقية الناظرة في كلام السلف وإشكالية التنازع التأويلي لتراثهم، وبين مشكلاتنا مع العلمانيين في دعواهم أن النص مقدس والفهم غير مقدس، وأن الوحي الإلهي يتأنسن بفعل الفهم البشري، فالجواب هنا عين الجواب هناك، والإشكالية هي ذات الإشكالية. وأعلم أن جوابات مثل هذا الاستشكال حاضرة عند المؤلفين، بل سمعتها منهم مراراً في سياق نقد الأطروحة العلمانية، فليتهم حرروا هذا الموضع على نحو مفصل قفلاً لباب شبهةٍ أن تلج، ولئلا يتسرب لوهم المتلقي أنه مع التسليم بمعيارية فهم الصحابة مثلاً فإن الوصول لفهم مطابق لهذا المعيار غير مقدور عليه لأنه لا يخرج عن كونه عملاً بشرياً عرضة للخطأ فيترتب عليه التشكيك في جملة عريضة من مقررات ذلك الجيل المقطوع بها.

عموماً ليس من غرضي هنا بيان مشكلات مثل هذه الإطلاقات السالفة وما يترتب عليها من لوازم خطيرة وباطلة، وإنما غرضي الآن تثبيت مسألة وجود هذه المنظومة المنهجية العقدية، لا كيفية التعرف عليها، وما قد يعرض من إشكاليات في طريقة التعرف عليها، إذ هو سؤال تالٍ على الإقرار بمسألة الوجود، كما أن البحث الأنطولوجي (علم الوجود) سابق للبحث الإبستمولوجي (علم المعرفة). وهو ما لم يتضح لي موقف الأخوين الكريمين منه على وجه مطمئن، فهل الحق المفرق في أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم يشمل الحق العقدي فلا يكون لفصيل عقدي من الأمة تميز على مستوى النقاوة العقدية على بقية الفصائل إلا تميزاً بمقدار الكم أما تمام التميز بحيث يصح أن يقال أن الحق العقدي لا يخرج عنها وقد يوافقها غيرها على بعضه وإن لم يطابقها فيه؟ وهل لحفظ السلفية أثر حقيقي في حفظ الحق ولو من الوجه العقدي دون بقية الأوجه؟ أم أنه لا ارتباط بين حفظ السلفية وحفظ الحق في الأمة بحيث لو قدر أن السلفية زالت من الوجود بالكلية فسيظل الحق قائماً موجوداً فيها؟

الرؤية التي أتبناها عن يقين أن هذا الفصيل قائم موجود فعلاً، وأنه على خلاف بقية فرق الأمة قد حقق الامتياز العقدي والمنهجي المطلوب، وأنه يمثل الفرقة التي وعدها الشارع بالنجاة في مقابل توعد بقية الفرق المخالفة بالهلاك، من غير اعتقاد أن ذلك موجب لنجاة كل فرد منهم على جهة الإطلاق، ولا إنفاذ وعيد الهلاك لكل من كان خارجاً عنها، ودون اعتقاد عصمة أفرادها من الوقوع في الذنب والمعصية أو حتى خطأ بعضهم في بعض المكون العلمي مما لا يخرج به المرء من هذه الفرقة. وبناءً عليه فإن وجود هذه الفرقة المخصوصة المعينة في جسد الأمة ضرورة لقيامها بحقٍ لا يشركهم فيه غيرهم، وأنه لو قدر زوالهم من المشهد بالكلية فسيزول قدر من الحق يقيناً، بخلاف زوال غيرهم فلن يلزم منه زوال شيء من الحق. هذا ما أراه وأعتقده، ولولا أنه قد تسرب إلى وهمي المعنى الفاسد من خلال قراءة الكتاب لما كتبت هذه المقالة، فإن هذا السؤال لم يكن وارداً في ذهني مطلقاً قبل قراءة الكتاب وإنما دفعني إلى إيراده ما رأيت فيه من سياقات موهمة وإشكالات. مع التأكيد والتذكير بأن قراءتي هي قراءة من يحسن الظن، ويسعى في حمل الكلام على محامل مقبولة، لكن ظلت هذه المسألة تتأرجح في ذهني وتميل بي إلى نسبة القول الفاسد، ويكفيني منهما أن ينكرا هذا الوهم الفاسد، ويصرحا بقول بيّن واضح لا غمغمة فيه أن وجود السلفية=أهل السنة والجماعة يمثل ضرورة دينية في حياة الأمة، وأنه لا يتصور حفظ الحق على وجه التمام دون وجودها. وأجدني في غنى عن التنبيه إلى أني لا أعني بالسلفية فقط تلك الأحزاب والتجمعات القائمة، التي حملت اسم السلفية. بل مرادي تلك المدرسة الممتدة في عمق التاريخ، والتي من أعيانها أئمة الإسلام من التابعين فمن دونهم، ممن يسميهم المؤلفان (أهل الحديث)، والتي يقابلها سائر الفرق البدعية المعروفة.

وبعبارة أوضح: هل يرى المؤلفان أنه من الممكن أن نجد شيئاً من الحق فات أهل الحديث، ثم أدركته الأشعرية، أو الماتريدية، أو المعتزلة، أو الشيعة، أو الخوارج ونحوهم؟



سؤال يقلقني جواب الأخوين الفاضلين عنه.

-----------------------------
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
السَّلفيَّة, تعيش

« أفعال العباد بين السلف والمتكلمين | صفات الخوارج في السنة النبوية »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تعيش 15 عاماً دون استخدام النقود عبدالناصر محمود أخبار منوعة 0 03-01-2015 08:48 AM
الأنبار تعيش مأساة عبدالناصر محمود أخبار عربية وعالمية 0 02-12-2015 07:55 AM
كيف تعيش الحياة بسعادة؟؟؟ صباح الورد الملتقى العام 0 11-17-2012 09:06 AM
إماراتية تعيش مع 270 حيواناً في منزلها Eng.Jordan الملتقى العام 0 05-03-2012 11:00 AM
كيف تعيش أسعد الناس ؟ Eng.Jordan الملتقى العام 0 01-09-2012 06:38 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 05:14 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68