تذكرني !

 





لماذا تجرأوا علينا ؟ !

لماذا تَجَرَّأُوا عَلَينا ؟ ! ـــــــــــ (د. ياسر حسين حشيش) ــــــــــــ 27 / 4 / 1439 هــ 14 / 1 / 2018 م ــــــــــــ

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 01-14-2018, 12:49 PM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 28,451
ورقة لماذا تجرأوا علينا ؟ !


لماذا تَجَرَّأُوا عَلَينا ؟ !
ـــــــــــ

(د. ياسر حسين حشيش)
ــــــــــــ

27 / 4 / 1439 هــ
14 / 1 / 2018 م
ــــــــــــ

لماذا تجرأوا علينا post-2520-0-40223100-1350761583.png


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
---------------------

أَجْلِسُ كَثيرًا وأتَفَكَّرُ: لماذا وَصَلَت جُرْأَةُ اليهودِ "وحُلَفَائِهِم الأمريكان" إلى هذه الدرجة في الوقت الحاضر؟! وقد ظَلُّوا طيلة مائة سنة -بل أكثر- يحرصون أشد الحرص على إبعاد الدين عن الصراع بينهم وبيْن المسلمين؛ حتى "وعد بلفور" كان بـ"وطن قومي" لليهود في فلسطين، مع التناقض الواضح بيْن معنى الوطن القومي الذي لا تتعدد فيه الجنسيات والقوميات واللغات، وبيْن كونه لليهود الذين يجمعهم رابط واحد فقط هو الدين!

والحقيقة التي لا شك فيها: أنها دولة دينية بكل اعتبار؛ جمعت شراذم اليهود مِن كل جنسٍ ولونٍ -على اختلافهم- بجامعٍ واحدٍ، هو الديانة اليهودية، والتي يحاولون دائمًا أن يصبغوها بصبغة "القومية!"؛ إلا أنهم في وقتنا الراهن يعلنونها دينية صريحة!

وتجرأوا على القدس بمعاونة "ترامب" وفريقه، ثم هم يعلنون صراحة التجرؤ على "المسجد الأقصى"، وأنه لا وجود لهم إلا بـ"القدس"، ولا وجود للقدس إلا بـ"الهيكل"!

فما الذي حدث ليعلنوها دينية صريحة بكل وقاحةٍ وتبجح؟!
ـــــــــــــــــــــــــــ

حتى إن الحاخام اليهودي الذي حضر احتفال عيد "الحانوكة" اليهودي في "البيت الأبيض" بحضور الرئيس الأمريكي -والذي أوقد "الشمعدان" فيه أحفاد "ترامب"، في إشارة واضحة إلى علو اليهودية- قال: "إننا نأخذ حقوقنا مِن الدين، وليس مِن الدولة!".

فقلتُ في نفسي -ثم أقول لإخواني-: ما تجرأوا علينا إلا بأسبابٍ، أهمها: طمأنينتهم مِن الضعف المتناهي للعمل الإسلامي في البلاد الإسلامية كُلِّها، وانتقال الصراع معهم إلى صراعٍ داخل المجتمعات نفسها، بفضل الحركات والجماعات المُوَجَّهَة مِن الأعداء، بعلمٍ أو بدون علمٍ منها، وصار بها العمل الإسلامي مُحَارَبًا مكروهًا مِن كثيرٍ مِن أبناء الأُمَّة، والصدام الحاصل بيْن الدُّوَل والأنظمة مِن جهةٍ، والحركاتِ المنتسبةِ للعمل الإسلامي مِن جهةٍ ثانية؛ بدلًا مِن المُحَافَظَة على تماسك الدولة والمجتمع؛ صار العدو الإستراتيجي لكلٍّ مِن الفريقين هو الفريق الآخر! مما كرَّس الانقسام الطائفي داخل المجتمعات، ومِن خلاله تتعرض الهوية الإسلامية والثوابت الإسلامية لمحاولات الهدم المستمرة.

وصار كثيرٌ مِن "النخبة" لا يستحيون مِن إعلان عداوتهم لثوابت الدين في العقائد والأعمال والأخلاق؛ ابتداءً مِن قضايا التوحيد المختلفة، ومرورًا بالحجاب والأخلاق، وانتهاءً -وليس نهايةً- بمنزلة القدس والمسجد الأقصى -الذي يبشِّر البعض بهدمه عن قريبٍ بلا حياءٍ!-.

وبعد أن كانت "القومية" هي الراية المُعلَنة في الصراع "العربي - الإسرائيلي" تخافتْ ذلك إلى راية: "الوطنية"، ويظل المسلمون إلى يومنا هذا لا يرفعون راية "الإسلامية" في مواجهة مكر اليهود والصليبيين.

ومع التَنَبُّهِ لقولِ الله -تعالى-: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) (الشورى:30)، وقوله -عز وجل-: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) (آل عمران:165)، لا بد لنا أن ننظر إلى مشاكلنا الداخلية التي سلـَّط الله الأعداء علينا بسببها بهذه الطريقة، عَدْلًا منه وحكمة (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) (فصلت:46).

فمِن هذه المشاكل:
=========

أولًا: البغي:
______

بغي القوي على الضعيف، وبغي الحكام على المحكومين، وبغي مَن يخالف الحُكَّام على مَن يقدرون عليه مِن أتباعهم، وبغي الأغنياء على الفقراء، وبغي المسئولين الإداريين -حتى داخل حركات العمل الإسلامي، وليس في الدُّوَلِ فقط- على بعضِهِم، وعلى من تَحتَهم، وعلى من خَالَفَهم! وبغي الجماعات بعضها على بعضٍ.

فإن الاستطالة على المسلمين في دمائهم وأموالهم وأعراضهم صارت أمرًا مألوفًا في المشارق والمغارب، وصار التنافس على الدنيا والرياسة فيها، والوَجاهة والمال والجنس، وسائر الشهوات هو الصورة الحاكمة على جوانب حياة المسلمين! قال الله -عز وجل-: (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) (البقرة:213)، وقال: (وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) (الشورى:14).

والذي يؤدي إلى البغي: الكِبْرُ المُنافِي للتواضع، والتنافُسُ على الدنيا؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا، حَتَّى لَا يَفْخُر أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا الفَقْرَ أَخْشَى عليكُمْ ولكنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ الدّنْيا عَلَيكُمْ كما بُسِطَتْ على مَنْ كانَ قبلَكُم؛ فَتَنافَسُوها كَما تَنافَسُوها، فتُهْلِكَكُمْ كما أهلَكَتْهُم) (متفق عليه).

وصدق الرسول الرءوف الرحيم -صلى الله عليه وسلم-؛ فإن التنافس في الدنيا -على رياستها ووجاهتها- مِن أعظم أسباب هلاكِ مَن هَلَك.

وتَأَمَّلْ في التاريخ... كيف كان قتل عثمان -رضي الله عنه- ظُلمًا وبَغْيًا، ومُنافَسَةً ممَن قتلوه على رياسةٍ أرادوها، وليسوا أهلًا لها! وما جَرَّهُ على الأُمَّةِ مِن الفتنة التي لم تُصِب الَّذِين ظَلَمُوا خَاصَّةً؛ بل عَمَّت الصالحين وغيرَهم، وتعَطَّلَت الفتوحات مُدَّةً، بسبب ما حدث مِن قتالٍ وفتنٍ، وذلك بسبب أهل الدنيا الذين أشعلوا نار البغي، ووقعت الحرب بيْن الفريقين، وكلاهما يحاول إطفاءها، فَقَدَّرَ اللهُ ومَا شَاءَ فَعَل.

وتَأَمَّلْ كذلك حال المسلمين قبْل سقوط "بغداد" في أيدي "التتار"؛ ذلك السقوط التاريخي الذي ما سُمِعَ في التاريخ بمذبحةٍ مِثْلِه، فإنه قُتِلَ فيه مع الخليفة وحاشيته على أقل التقديرات ثمانمائة ألف، وقيل ألف ألف وثمانمائة ألف! (البداية والنهاية لابن كثير، 13/ 200).

وتَأَمَّلْ في حال المسلمين في هذه الفترة؛ فما حرَّكوا ساكنًا، بل ظَلَّ كُلُّ أميرٍ ومَلِكٍ مشغولًا بمُلْكِهِ ومَلَذَّاتِه وصراعاته، حتى الخليفةُ نفسُه -كما يذكر "ابن كثير"- أنه بينما كانت جاريةٌ تَرْقُصُ بيْن يديه إذ أصابها سَهْمٌ فَقَتَلَها!

وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلا بِاللهِ! "التتار" على أبواب "بغداد"، والملوك مشغولون بدنياهم، ورقص الجواري بيْن أيديهم! حتى دُخِلَت عليهم البلاد؛ فَقُتِلُوا شَرَّ قِتْلَةٍ، وقد نَصَحَ الخَليفَةَ وُزَرَاءُ السوء بالخروج إلى "هولاكو" بالهدايا والتُّحَفِ، فَقَبِلَ صاغِرًا؛ فأُهِينَ أعظمَ إهانةٍ، حتى قُتِلَ -رحمه الله وغفر له، ولجميع المسلمين والمسلمات-.

كذلك مَن تَأَمَّلَ أحوالَ "ملوك الطوائف" في "الأندلس" قبْل سقوطها الذريع في أيدي الفرنجة، وما فعلوه بأهلها مِن الظلم والقتل، وانتهاك كل الحرمات، وأعظمها فتنتهم عن دينهم؛ رأى كيف كانت الصراعات بينهم، ومولاتهم النصارى على بعضهم بعضًا، مِن أعظم أسباب الانهيار!

فالتنافس على الدنيا سبب البغي، والبغي سبب الاختلاف والفرقة، وهي سبب الضعف وذهاب الريح وتَسَلُّطِ الأعداء.

ولا علاج لذلك إلا بإخلاص النية لله -سبحانه وتعالى-، والتنافس على الآخرة، كما أمَرَنا اللهُ -سبحانه وتعالى- فقال: (لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) (الصافات:61)، وقال: (خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) (المطففين:26).

فالتنافس على الآخرة لا ي*** حَسَدًا ولا حِقْدًا، ولا ضغائن ولا بَغْيًا؛ وإنما يثمر حُبًّا صادقًا، وتآلفًا وإخاءً، ووحدةً في الصَفِّ، وقُوَّةً أمام الأعداء.

والحقيقة: أن كثيرًا مما يجري بيْن الاتجاهات الإسلامية المعاصرة مِن اختلافاتٍ مريرةٍ -على المناهج والأفكار، والأولويات، والأعمال- سببه البغي، وحب الرياسة وكثرة الأتباع؛ وإلا لما أثمرت هذه الثمار المُرَّة في التعاملات التي تجري بيْن هذه الاتجاهات وأفرادها!

ومِن أعظم أسباب العلاج وأهمها: أن نعلم حُرْمَة المسلم، وحرمة البغي والاستطالة عليه أيًّا مَن كان، ما دام قد بقي في دائرة الإسلام ولم يخرج منها إلى الكفر، بل في حقيقة الأمر لا يبغي المسلمون على الكفار المُعَاهَدين، بل ولا على الحربيين؛ وإنما يعاملونهم بشرع الله -عز وجل-، والبغي قد نهى الله عنه (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ) (النحل:90).

فلنتعامل بشرع الله مع مَن عامَلَنا به، ومَن لم يُعَامِلْنا؛ فما عاقَبْتَ مَن لم يَتَّقِ اللهَ فيك بمثل أن تتقي الله فيه!

والحَذَرُ واجبٌ في تناول أحوال المُخَالِفِين مِن الوُقوعِ في الغِيبة باسم: "النصيحة!".

ومِن تَلَمُّسِ العَثَرات والفَرَحِ بالسَّقَطَاتِ تحت شعار: "بيان الحق!".

ومِن خديعة الشيطان بالتنافس على المنازل والرياسات الدنيوية تحت شعار: "الحرص على إمامة المُتَّقِين!".

ووالله إن النصيحة للمسلمين واجبة، وكشف الباطل وبيان الحق واجب، والحرص على إمامة المُتَّقِين مِن صفات عباد الرحمن -وإن لم تكن بالضرورة عن طريق الرياسة عليهم-؛ فكم مِن إمامٍ للمُتَّقِين وهو في زمرة المغمورين الخاملين، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ) (رواه مسلم)، ولكن المشكلة الحقيقية في "النية والإخلاص"، والزهد الحقيقي في الدنيا، وترك البغي والاستعلاء.

وإلى مقال آخر -إن شاء الله- نستكمل فيه أسباب هذه المشاكل وعلاجها.










ــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: ملتقى شذرات


glh`h j[vH,h ugdkh ? !


عبر عن رأيك بالمحتوى عبر حسابك في الفيسبوك
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 01-14-2018, 12:55 PM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 28,451
ورقة لماذا تجرأوا علينا ؟ ! ( 2 )

لماذا تَجَرَّأُوا عَلَينا؟ (2)
ـــــــــــ

(د. ياسر حسين حشيش)
ــــــــــــ

27 / 4 / 1439 هــ
14 / 1 / 2018 م
ــــــــــــ





الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
____________________________

فقد ذكرنا في المقال السابق أن مِن أعظم أسباب الضعف الذي حَلَّ بالأُمَّةِ: وجود البغي بيْن أبنائها، وانتشار هذا المرض الخطير، ونتناول في مقالنا اليوم سببًا ثانيًا، هو مِن أعظم أسباب الضعف والفساد وتَسَلُّطِ الأعداء، وهو: "الجهلُ، ونَقْصُ العِلْمِ، واتِّخَاذُ الرؤوسِ الجُهَّال"، قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ؛ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا: اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا؛ فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا) (متفق عليه).

ولقد بَيَّنَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- لنا أن حُصُولَ الفسادِ في الأرض -وأعظمُ فسادٍ هو فسادُ الاعتقاد، بالشِّرْك- سَبَبُه: نَقْصُ العلم تدريجيًّا؛ فلقد كان أول شِرْكٍ وَقَع على ظهر الأرض بسبب موتِ العلماء، فبدأت البِدَع في الظُّهُورِ، روى البخاري عن ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- في قوله -تعالى-: (وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) (نوح:23)، قال: "أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِن قَومِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أوحى الشيطانُ إلى قَومِهِم أن انْصِبُوا إلى مَجَالِسِهم التي كانوا يَجْلِسُون أَنصَابًا، وسَمُّوهَا بأسمائِهِم، فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَد، حتى إذا هَلَكَ أُولَئِكَ ونُسِخَ العِلْمُ -أي زال العلم- عُبِدَت".

فأنتَ ترى كيف كان نَقْصُ العِلْمِ سَبَبًا لظُهُور البِدْعَة العَمَلِيَّةِ أولًا -وهي بدعة التماثيل التذكارية للصالحين والكبار-، ثم تَحَوَّلَت إلى بدعةٍ اعتقاديةٍ، بِظَنِّ التَوَسُّل بهم، في الاستسقاء وغير ذلك من الحاجات، فلما ماتَ تلامِذَةُ العُلَمَاء وزاد الجهل جِدًّا، ونُسِخَ العِلْمُ ظهرت البِدَع الكُفْرِيَّة الاعتقادية، وظهر الشِّرْكُ صريحًا -والعياذ بالله- حتى سَمُّوهَا آلهة!

وقد جعل الله -عَزَّ وَجَلَّ- الجهلَ صفةً للكُفَّاِر والمُنَافِقِينَ، قال الله -تعالى-: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ) (التوبة:6)، وقال -تعالى-: (وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ) (المنافقون:7)، وقال -تعالى-: (وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (المنافقون:8)، وقال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) (متفق عليه).

فَقِلَّةُ الفِقْهِ في الدِّين تُؤَدِّي إلى الشَرِّ والفَسَادِ، والبِدَعِ والنِّفَاقِ، وكُلُّهَا أسبابٌ في ضَيَاعِ الأُمَّةِ وتَمَزُّقِهَا.

ولو تَأَمَّلْنَا ما وَقَعَ في التاريخ، كيف كان ظُهُور البِدَعِ والنِّفَاقِ وانْتِشَارُ الجَهْلِ سَبَبًا لِتَسَلُّطِ الأعداء! فقد كان سُقُوطُ "بَيْتِ المَقْدِسِ" في يد الصليبيين بعد ظُهُورِ الدولة الباطِنِيَّةِ -المُسَمَّاة بـ"الفَاطِمِيَّةِ"- وتَسَلُّطِها على كثيرٍ مِن بلاد المسلمين، في مِصْرَ وإفريقيا والحِجَاز، وأَجْزَاءٍ مِن الشام، ولم ترجع "القُدْسُ" للمسلمين إلا بعد زوال هذه الدولة المُنَافِقَة على يد "صَلَاح الدِّينِ" مبعوثًا مِن "نور الدين محمود" -رَحِمَهُما اللهُ تَعَالَى-، وكَانَ قَد نَشَر أنواعَ العُلُوم فصار "البُخَارِيّ ومُسْلِم" وكتب الحديث تُتْلَى في المساجد في مصر والشام، وكذلك كان تدريسُ الفِقْهِ على المذاهب -مذاهب أئمة أهل السُنَّة- كان هو القائم المنتشر لإزالة آثار هذه البدعة.

ولقد تميزت "الصَّحْوَةُ الإسلامية" المُعَاصِرَة بإقبالٍ كبيرٍ على العِلْمِ الشَرْعِيِّ وأَهْلِه، وحقق "المَنْهَجُ السَلَفِيُّ" انتشارًا واسِعًا بيْن أبناء العمل الإسلامي، وصارت عقيدة "أهل السُنَّة والجَمَاعَة" وطريقتهم في العلم والعمل مِن الرُّجُوعِ للآيات القرآنية والحديث النبوي، وكثرة الاستدلال بالنصوص، وانتشار التفسيرات السَّلَفِيَّةِ كـ"ابن جرير وابن كثير"، وانتشار شروح كتب السُنَّة، وكتب العقيدة على طريقة السلف - هي الأصل الذي يُرْجَع إليه؛ ولا غَرَابَةَ في ذلك؛ إذ أن الإصلاح لا يُمْكِن أن يقوم إلا على العِلْمِ.

والفَسَادُ يُصَاحِبُهُ الجَهْلُ، والفَسَادُ سَبَبُ تَسَلُّطِ الأَعْداءِ، كما قال -تعالى-: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا . فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا . ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا . إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا) (الإسراء:4-7)؛ فعندما حصل في بني إسرائيل الفسادُ بسببِ الجَهْلِ والبِدَعِ والظُّلْمِ والبَغْيِ حَصَل تَسَلُّطُ الأعداءِ، وعندما قامت الدَّعْوَةُ إلى الله على يد نَبِيٍّ لهم حفَّزَهم على الجهادِ في سبيلِ اللهِ والإخلاصِ في ذلكِ، وطَلَبُوا من نَبِيِّهِم مَلِكا يقاتلون في سبيلِ اللهِ، وَوُجِد ذلك الجيلُ الذي كان منه داود -عَلَيْهِ السَّلَامُ- في جيش "طالوت" -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كان ما أرادوا مِن النصرِ والفتحِ بفضل الله -عَزَّ وَجَلَّ-.

ولكن للأسف بعد مدةٍ مِن الصَّحْوَة جاءت فترةُ "الربيع العربي" بِفُتُورٍ شديدٍ لدى الشباب، وخُصوصًا في طَلَب العِلْم، والإعراضِ عن دُرُوسِه، والانشغالِ -عند مَنْ يَطْلُبُ العِلْمَ- بِعُلُومِ الآلة -كالمَنْطِقِ وعِلْمِ الكَلَام وأُصُولِ الفِقْهِ والمُصْطَلَح- مع إهمالِ العُلُومِ المَقْصُودَة لِذَاتِهَا؛ فأُهمِل التفسيرُ، وانتشرت عُلُومُ القِرَاءات -وهي في الأصل خَادِمَة له لتحقيقِ الفَهْمِ ثم التَّدَبُّر والعَمَل والدَّعْوَة- وزاد الأَمْرُ حتى أَقْبَلَ الكثيرون على الاهتمام بما يسمى بـ"العلوم الإنسانية" وتقديمِ أصحابِها، وعودة التقليد المذموم والتعصب المذهبي في جانبٍ، ومِن جانبٍ آخر: انتشار التلفيق المبنيِّ على الهَوَى، واختيار الآراء بالتَشَهِّي، وتَتَبُّع رُخَصِ المذاهب، بل وإِحْدَاث الرُّخَص في مواطن الإجماع بزعم التيسير!، وهذا كُلّه مع إهمال العلوم المقصودة لذاتها: كالتوحيد والفقه والحديث، والتفسير والتهذيب والسيرة، ولا شك أننا لا ننكر أهمية علوم الآلات والوسائل، ولكن بشرط عدم تضييع العلوم المقصودة لذاتها، وإعطائها أولويتها، حتى يدور الناس حول نصوص الوحي المُنَزَّل؛ فيحصل بذلك أنواع الصلاح.

وأما ما جَرَى؛ فقد سَبَّبَ ضعفَ العملِ الإسلامِيِّ، وتَأَخُّر الدَّعُوَةِ، وعودة اتجاهات التغريب المُدَمِّرة والطُّرُق الخُرَافِيَّة البِدْعِيَّة، وانتشرت الأقوال والأفعال الشِّرْكِيَّة، بل وَعُقِدَت لها المؤتمرات العلمية في الدول الغربية والشرقية، وَتَقَرَّب الكثيرون للأعداءِ بِمُحَارَبَةِ "السَّلَفِيَّة" وفِكْرِ "ابن تيمية وابن عبد الوهاب" باسم مُحَارَبَة الإرهاب والفِكْرِ المُتَطَرِّف الذي ما نَشَأَ في الحقيقة إلا في ظِلِّ الجَهْلِ ونَقْصِ العِلْمِ!

فجماعات التكفير والصِّدَام المُسَلَّح مع المسلمين لم تنتعش إلا في أوساطِ الجُهَّالِ مِن الشباب، الذين تَقُودُهُم العَاطِفَةُ الهوجاء والحَمَاسَةُ الفَارِغَة، والتي يَسْهُل على الأعداءِ تَوجِيهُهَا مِن خلال مجموعةٍ مِن العُمَلَاء يَتَصَدَّرُون قيادة هذه الجماعات، ولا يستطيع الأَغْمَارُ تمييز عَمَالَتِهم -إذ لا بصيرة لهم في الأقوال والأعمال والأحوال وانحرافات الجماعات-؛ فتَمَّ تشويهُ صورةِ العملِ الإسلامي كُلِّه -بل الإسلام نفسه-، وإيقاع الصِّدَام المُدَمِّر داخل المجتمعات؛ فتمزقت البلادُ وضاعت الأوطان، وزادت الوَطْأَةُ للأعداء الذين سَرَّهُم أن تتحول بلادُنا إلى سوقٍ للسِّلَاحِ، مع الدُّخُولِ في مُستَنْقَعَاتِ الجهل والفقر والمرض.

لا نجاة لنا منها إلا بعودةٍ للعلم النافع والعمل الصالح، والدعوة المبنية على ذلك؛ فلن تعود الأُمَّةُ لِقُوَّتِها إلا بنشر العلم بالكِتَابِ والسُنَّة والعقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق بالتفسير السَّلَفِيِّ السُّنِّيِّ وبالحديث الصحيح الثابت، في العلوم التي هي فَرْضُ عَيْنٍ -كالإيمان والإسلام والإحسان- والتي هي فَرْضُ كِفَايَةٍ، حتى تكون قضية العِلْم سِمَةً أساسية لكل المنتسبين إلى العمل الإسلامي.

وَطَلَبُ العلم صفةٌ ضروريةٌ لِكُلِّ الدُّعَاةِ إلى الله، بل لِكُلِّ مُسْلِمٍ ومُسْلِمَةٍ، كما قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني)، وقد تظن بعض الاتجاهات الإسلامية أن الاهتمام بطلب العلم قد يَضُرُّ بقَضِيَّة "السمع والطاعة" المطلوبة لتحقيق "التعاون على البر والتقوى" في ظنهم، وأن الأيسر عليه في قيادة أتباعه أن لا يكون منهم مَن يُناقِش ويَسْأَلُ عن الدليل، ولماذا فعلنا؟ ولماذا تركنا؟ فيجعل مسألة العَاطِفَة مُقَدَّمَة في التربية عنده على الفَهْم والعِلْم!

وهذا مِن أخطر الظن وأَسْوَأ الظن؛ فإن العمل الإسلامي ليس بحاجةٍ إلى جَهَلَةٍ يَقُودُونه ويقودُهم قادتهم كقُطْعَانِ المَاشِيَة بلا دراية ولا معرفة! بل هذا يَحْرِمُ العَمَلَ الإسلاميَّ مِن أسباب نُورِه وصَفَائه ومِن مُوجِبَات الوقاية مِن الانحراف، ويُفَرِّغُ الدَّعْوَةَ الإسلاميَّةَ مِن مضمونِها مع بقاء اسْمِها وشَكْلِها؛ هذا مِن أخطر الأمور علينا جميعًا!

وإن كان هناك بالفعل عيبٌ لدى كثير مِن طُلَّابِ العلم يتمثل في عدم الامتثال، وكَثْرَة الاعتراض، وضعف التعاون على البر والتقوى، وظهور الفردية، وظهور النَّرْجِسِيَّةِ، وظهور أمراض القلوب، فليس ذلك بعيبٍ في طلب العلم، بل لنقص التربية؛ فلا يصح أن نَحُثَّهُم على العلم فقط، بل لابد مِن إذكاء روح العمل الإسلامي الشامل في نفوس طلاب العلم، وبيان مسئوليتهم عن أُمَّتِهم، وأن عَاطِفَتَهم نحو قضايا المسلمين هي في الحقيقة جزءٌ مِن إيمانهم وإسلامهم، وأن عمَلَهُم في الدعوة المُنَظَّمَة التي تهدف إلى إقامة الفروض الضائعة في الأُمَّة الإسلامية هو علامة انتفاعهم بالعلم، وإلا كان حُجَّةً عليهم لَا لَهُم، وأن التزامهم السمع والطاعة لمن هو أَعْلَم منهم وأَمْثَل في قيادة العمل الإسلامي لتحقيق الواجبات هو علامةٌ على انتفاءِ الكِبْرِ المَذْمُوم والحَسَد والرِّياءِ وحُبِّ الرياسة من قُلوبِهِم.

وكذلك لا بد مِن الحذر مِن التلذذ بالأوضاع الإدارية التي تُغْرِي غُرور النَّفْسِ لدى الكثيرين، والتي تصبح عائقًا في حقيقة الأمر، بدلًا مِن تحقيق التعاون على البِرِّ والتقوى؛ فإن الأوضاع الإدارية داخل كثير مِن الجماعات الإسلامية صارت عَقَبَةً! لِمُجَرَّدِ رَغْبةِ القائمين عليها في التحَكُّمِ في الآخرين -فيما تحت أيديهم-؛ فتَرَتَّبَ على ذلك من أنواعِ الخَلَل ما الله أَعْلَمُ بِهِ.

فَعِلَاجُ المشكلة يكون بالعلمِ والتربيةِ، وليس بالإبقاءِ على الجَهْلِ والتحذيرِ مِن طُلَّابِ العلم أو السُّخْرِيَةِ منهم، مثل مَن يقول: "أصحاب الكتب الصفراء"!، أو مَن يقول لمن يحفظ البُخَارِيّ: "زِدْنَا مِنَ البُخَارِيِّ نُسْخَةً"! ونحو هذه العبارات التي تحقرُ العلم وتُهَوِّنُ من شأنه.

فلا استمرار لدعوتِنا نقيةً صافيةً دون تخريج الأجيال مِن طُلَّابِ العلم الواعين لِمَنْهَجِهِم، العاملين به، الدَّاعِين إليه، الذين تَرَبّوا في أحضانِه وعلى مَبَادِئِه، والله المستعان.









ــــــــــــــــــــــــــــــ
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 01-14-2018, 01:04 PM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 28,451
ورقة لماذا تجرأوا علينا ؟ ! ( 3 )

لماذا تَجَرَّأُوا عَلَينا؟ (3)
ـــــــــــ

(د. ياسر حسين حشيش)
ــــــــــــ

27 / 4 / 1439 هــ
14 / 1 / 2018 م
ــــــــــــ




احمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
ـــــــــــــــــــــــــ


فإن مِن أعظم أسباب جرْأَة الأعداء علينا: الضعفُ الشديدُ الذي أصابَ "العمل الإسلامي" بجملته.

والذي مِن أعظم أسبابه: التفَرُّق والتَعَصُّب المذموم، الذي تفاقم بيْن الاتجاهات المختلفة، والذي ظهر جَلِيًّا بعد ثورات "الربيع العربي"، وما ترتب عليها مِن الانقسامات التي وقعتْ في المجتمعات العربية، وفي فصائل العمل الإسلامي المختلفة في المنهج ابتداءً، وتضاعَفَ الأمر بالاختلاف في توصيف الواقع والتعامل معه، ثم تضاعفت أكثر بانتشار السلوكيات المَرَضِيّة في القلوب، وعلى الألسِنَة والكتابات!

ومنبع ذلك هو مِن "التَعَصُّب المذموم"، الذي سَمَّاهُ النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "دَعْوَى الجَاهِلِيَّة"، لما وقع بيْن المهاجرين والأنصار خصومةٌ؛ فتَنَادَى المهاجرون: يا للمهاجرين، وَتَنَادَى الأنصار: يا للأنصار؛ فقال -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَا بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّة؛ دَعُوهَا، فإِنَّها مُنْتِنَة) (متفق عليه)، مع أن اسم "المهاجرين، والأنصار" مِن أشرف الأسماء، وهي مِن الأسماء التي سَمَّاهُم الله بها في كتابه، وَسَمَّاهُم بها الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في سُنَّتِه؛ ومع ذلك حين صارت شِعَارًا يَنْتَصِرُ الناسُ له دون تَبَيُّنِ المُحِقِّ مِنَ المُبْطِل صارت "جَاهِلِيَّة"!

وإذا صار الناس يَتَحَزَّبُون إلى أوطانِهِم أو جماعاتِهِم أو أَعْرَاقِهِم القومية، أو لأسماءٍ -شريفةٍ أو غيرِ شريفةٍ-، أو لِعَالِمٍ مُعَيَّنٍ؛ فيَنْصُر المرءُ على ذلك، ويغضَبُ على ذلك، ويَتَغَاضَى عن المخالفات التي تصدر عن جَماعَتِه أو طَائِفَتِه، ويعظـِّم ما يَصْدُرُ مِن غيرِهم، ويعمل على المصالح المحدودة لطائفته دون النظر إلى مصالح باقي المسلمين "مع أنها مُتَلَازِمَةٌ"؛ فأوطانُنا يسقطُ بعضها تلو البَعْضِ إذا سَقَط بعضُها، فمَصالِحُها مُتَّحِدَة؛ ولذا لا بد مِن الحرص عليها جميعًا.

وكذلك طوائفُ المُسْلِمِين ومَذَاهِبُهم المُعْتَبَرَة، وجَمَاعاتُهم العَامِلَة مِن أَجْلِ إعلاءِ دينِ اللهِ على مذهب أَهْلِ السُنَّة؛ فمَن ينظر إلى أن المصلحة بالنسبة له هي مَصْلَحَةُ طائِفَتِه وجماعته التي ينتمي إليها؛ فهي نظرة غير سديدة، وميزانٌ غير صحيح!

ويزداد الأَمْرُ سُوءًا إذا رأى أن جماعتَه هي وحدَها "جماعة المسلمين" التي مَن فارَقَها فقد خلع رِبْقَة الإسلام مِن عُنُقِه!

وكم شَهِدْنا في الأحداث الماضية في بلادٍ مختلفةٍ مِن هذا النوع الذي تعتقده جماعات التكفير؛ فهي تعلن صراحة أن شرط الحكم للشخص بالإسلام أن يكون مُبَايِعًا لِزَعِيمِهَا وَقَائِدِهَا، وهناك جماعات تُطَبِّقُ ذلك رغم تصريحات المفكرين البارزين فيها أنهم جماعةٌ مِن المُسْلِمين؛ إلا أن تسليط سيف الاتهام الشديد لمن خَرَج عن الجماعة يَجْعَل المُعَامَلَةَ في الحقيقة مِن نوعِ ومِن جنسِ تَعَامُلِ جماعات التكفير! ثم صار التكفير صراحةً لِمَن خَالَفَهُم ولم يُوَافِقْهُم على طريقَتِهِم في التعامل مع الأحداث!

وقد وَصَلَ الأَمْرُ إلى أمورٍ شديدةٍ مِن خلال التضليل والتكفير للمُخَالِفِ ثم استباحة دَمِه وعِرْضِه ومَالِه، حتى دُفِعَت الجماعات والأفراد إلى قَتل مَن يرونه خائنًا عَمِيلًا مُرْتَدًّا كَافِرًا مُنَافِقًا -في ظَنِّهِم-!

وانتشار القتل هو مِن الفتن التي حَذَّرَ النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- منها بقوله: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ، وَلَا الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ؟!) فَقِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: (الْهَرْجُ، الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لا تَقُوم السَّاعَةُ حتى يُقْبَضَ العِلْمُ، وتَكثُر الزلازلُ، وَيَتَقَارَب الزمانُ، وتظهر الفِتَنُ، ويَكْثُر الهَرْجُ) (متفق عليه). و(الهَرْجُ): القتل.

وعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُحَدِّثُنَا أَنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ الْهَرْجَ. قِيلَ: وَمَا الْهَرْجُ؟ قَال: (الْكَذِبُ وَالْقَتْلُ). قَالُوا: أَكْثَرُ مِمَّا نَقْتُلُ الْآنَ؟! قَالَ: (إِنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلِكُمُ الْكُفَّارَ، وَلَكِنَّهُ قَتْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا حَتَّى يَقْتُلَ الرَّجُلُ جَارَهُ، وَيَقْتُلَ أَخَاهُ، وَيَقْتُلَ عَمَّهُ، وَيَقْتُلَ ابْنَ عَمِّهِ). قَالُوا: سُبْحَانَ اللهِ! ومَعَنَا عُقُولُنَا؟! قَالَ: (لَا. إِلَّا أَنَّهُ يَنْزِعُ عُقُولَ أَهْلِ ذَاكُم الزَّمَانِ حَتَّى يَحْسَبَ أَحَدُكُمْ أَنَّهُ عَلَى شَيْءٍ وَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني).

وتَأَمَّل في هذا الحديث أولًا: كيف جمع بيْن الكذب والقتل؟! فانتشار الشائعات الكاذِبَة وعدم التَثَبُّت مِن الأخبار، وبناء الأمور على الظَنِّ والشُّبْهَة، مِن أعظم أسباب انتشار القتل؛ فإذا أضيف إلى ذلك البِدْعَة: "كالتكفير، والتشَيُّع، وكل ما يؤدي إلى استباحة دم المسلم أو المُعَاهَد" - كان الأمرُ بالفِعْلِ فتنةً عظيمةً.

ثم تَأَمَّل ثانيًا: تَعَجُّبَ الصحابة أن تكون مَعَنَا عُقُولنا آنذاك؟! وهو يدل على أن تخريب المجتمعات بهذا الشكل حتى يَقتل الرجلُ جارَه، وأخاه، وعَمَّه وابْنَ عَمِّه، ينافي العقل؛ لأن مصالحَ الأهلِ والجيرانِ وأهلِ المَحِلَّةِ الواحدةِ والوطنِ الواحدِ مُتَشَابكةٌ "بل والأطان في زماننا"؛ لأن العالم أصبح كالقرية الصغيرة.

والأعداء يتمكنون ويتجرءون غاية الجرأة مع تَفَكُّكِ المجتمعات وانقسامها طائفيًّا، ولا شك أن مخططاتهم المُعْلَنَة -في "الفوضى الخَلَّاقة" في زعمهم!- والخَفِيَّة تهدف إلى التقسيم الطائفي للبلاد -التي هي أصلًا مُقسَّمة ثمرة المعاهدات الظالِمَة "سايكس بيكو" وغيرها-، وقد تعمَّدوا في هذه المعاهدات ترك بؤر الصراع على الحدود بيْن البلاد المختلفة، ووجود طوائف عِرْقِيَّةٍ ودينيةٍ متعددة، ظَلَّت مُتَعَايِشَةً لمئات السنين حتى مع اختلاف الدين والمذهب والقومية!

فالأقباط في مصر -مثلًا- لم يتعرض لهم أحدٌ -كطائفةٍ- منذ الفتح الإسلامي، وإلا لما بقوا أصلًا؛ فبقاؤهم دليلٌ على احترامِ دمائِهِم وأموالِهِم وأعراضِهِم مع بقائهم على دينِهِم، ومع ذلك ترى اليوم مَن ينفخ في نار التحارب الطائفي بقتلٍ هُنَا وتفجيرٍ هناك.

ونحن لا ننسى أن الاحتلال الإنجليزي لبلادِنا كان على خلفية حوادث طائفيةٍ، مثل ما يحدث مِن محاولاتِ التدخُّلِ الأمريكي، ومناقشة "الكونجرس" لاضطهاد الأقباط في مصر، وما هو مِن جنسِ هذه المزاعم الكاذبة الباطلة؛ فالواجب أن نعقِل أُمُورَنا ومَصَالِحَنا باستمرار "التعَايُشِ السِّلْمِيِّ"، ورعاية الحقوق بيننا، وعدم السماح بالتدمير للمجتمع بذلك.

والعراق مَثَلٌ ثانٍ عاش فيه "السُّنَّةُ، والشِّيْعَةُ" قرونًا طويلةً مع الاختلاف العقائدي والمذهبي، لكن لم تصل إلى بشاعة الحرب الطائفية التي يَشُنُّهَا "الشِّيْعَةُ" على "أَهْلِ السُنَّةِ" مثلما نرى في زمانِنَا؛ إلا ما كان أيام "التتار" الذين عاوَنَهُم "الرَّافِضَةُ" على قَتْلِ "أَهْلِ السُنَّةِ"! على خلفية أزماتٍ طائفية سبقتْ اجتياح "التتار" لبَغْدَاد.

وأمثلةٌ أخرى في سوريا واليمن، وكذلك ما يحدث بيْن "الأَكْرَادِ، والعَرَب".

ولا ينسى المسلمون أن مُحَرِّرَ "الأقصى" مِن الصليبيين، هو "صلاح الدين" -سلطان مصر والشام- الذي كان كُرْدِيًّا؛ للدلالة على مدى التسامح الذي كانت تعيشه المجتمعات أوقات انتصارها.

ولا يعني ذلك علاج هذا الأمر بتمييع العقائد، وتضييع الثوابت -كما يحاول البعض-؛ بل إعلاء قيمة "التعَايُش السِّلْمِيِّ" رعايةً لمصالح الجميع، ودَفْعًا لتسَلُّط الأعداء مِن خلال الحروب الطائفية.

وليس علاجُ أَمْرِ التعصب المذموم والحزبية المذمومة هو بإلغاء "العمل الجماعي"! فالتحَزُّب ينقسم إلى: "تَحَزُّبٍ مَذْمُومٍ، وتَحَزُّبٍ مَحْمُودٍ"؛ فالتَحَزُّبُ المَحْمُودُ هو ما كان تَعَاوُنًا على البِرِّ والتَّقْوَى، واجْتِمَاعًا على طاعة الله -عز وجل-، وقد قال الله -تعالى- في كتابه: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (المجادلة:22).

ولذلك فإن الاجتماع على البِرِّ والتَّقْوَى والتعاوُن عليهما هو المحمود، وأما التَحَزُّب المَذْمُوم والعَصَبِيَّة المَذْمُومَة؛ فهو الاجتماع والتعاون على الإثم والعدوان، وكذلك الانتصار لطائفةٍ أو مَذْهَبٍ أو بَلَدٍ أو جَمَاعَةٍ دون نظرٍ إلى المُحِقِّ مِن المُبْطِل في النزاعات التي تقع فيما بينهم.

ولا يَحْرُم التسَمِّي بالأسماء المختلفة -كما يَدَّعِيه البعضُ زَاعِمًا أنه يُحَارِبُ التعصُّب!-؛ بل لم تزل الأسماء موجودة؛ أبقاها النبي -صلى الله عليه وسلم- كـ"المهاجرين - والأنصار".

وَكُلُّ اسْمٍ يَدُلُّ على معنى حسنٍ ليس بديلًا عن اسم الإسلام -لا كما يدَّعي البعض أن كل الأسماء تكون بديلةً عن اسم الإسلام! فيرفض التسمي، وليس صحيحًا!-، بل تبقى الأسماء المشروعة التي تدل على المعاني المحمودة، ويُنهَى عن التعصب المذموم، والتعاون على الإثم والعدوان؛ فلا يصح أن يُقْتَل المريضُ لأنه مريضٌ! بل لابد من عِلَاجِه، ونمنعه مما يؤذيه ويَضُرُّه، ولا نمنعه مما يَجِبُ عليه شرعًا؛ فبقاءُ "العمل الجماعي" في التعاون على الدعوة إلى الله، ونشر العلم، وقضاء حاجات المسلمين، وإغاثة ملهوفهم، وتفريج كرباتهم - واجبٌ شرعيٌّ لا يمكن إهماله.

وضعف هذا "العمل الجماعي" داخل البلاد المسلمة مِن أعظم أسباب ضَعْفِهَا عُمُومًا؛ فالحكومات لا تَقْدِرُ على كل شيءٍ! وبعضُها لا يهتم بكثيرٍ مِن هذه الأمور -أو بِأَكْثَرِها!-؛ فوَجَبَ على المسلمين أن يتعاونوا فيما بينهم على ما أَمَرَهُم اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- به؛ ولا يحصل ذلك إلا بالرجوع إلى أهل العلم منهم، حتى يكون لِكِيانِهِم وطائفتهم أثرٌ في إصلاح الواقع الأليم الذي تتعرض له مجتمعات المسلمين.

نسأل اللهَ أن يَحْفَظَ المسلمين وبِلادَهم من كُلِّ سُوءٍ.










ــــــــــــــــــــــــــــــ
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
لماذا, تجرأوا, علينا

« اكتشاف بحر تحت الطبقة الثالثة للأرض | الانتخاب في الفقه الإسلامي »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
حربنا أم حرب علينا؟ Eng.Jordan مقالات وتحليلات مختارة 0 04-05-2017 11:14 AM
هذا من فضل الله علينا صابرة الملتقى العام 0 08-03-2016 07:44 AM
متى نحس بنعم الله علينا؟ صابرة الملتقى العام 0 05-18-2016 06:58 AM
أقليات تتآمر علينا ! عبدالناصر محمود دراسات وبحوث اسلامية 0 01-10-2016 08:42 AM
هل تعلم لماذا ستر الله علينا عذاب القبر..؟ صباح الورد شذرات إسلامية 0 11-28-2013 08:18 AM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 08:13 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69