شذرات إسلامية مواضيع عن الإسلام والمسلمين وأخبار المسلمين حول العالم

تفسير " وهَمّ بها " في سورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، والصلاة و السلام على نبينا الأمين وعلى آله وصحبه و التابعين . أما بعدُ : قوله تعالى: {وَلَقَدْ

إضافة رد
قديم 03-10-2013, 05:18 PM
  #1
متميز وأصيل
 الصورة الرمزية ذكريات
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 441
ورقة تفسير " وهَمّ بها " في سورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة و السلام على نبينا الأمين وعلى آله وصحبه و التابعين .

أما بعدُ :

قوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ} الآية، ظاهر هذه الآية الكريمة قد يفهم منه أن يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام هم بأن يفعل مع تلك المرأة مثل ما همت هي به منه؛ ولكن القرآن العظيم بين براءته عليه الصلاة والسلام من الوقوع فيما لا ينبغي حيث بين شهادة كل من له تعلق بالمسألة ببراءته، وشهادة الله له بذلك واعتراف إبليس به.
أما الذين لهم تعلق بتلك الواقعة فهم: يوسف، والمرأة، وزوجها، والنسوة، والشهود.
أما حزم يوسف بأنه بريء من تلك المعصية فذكره تعالى في قوله: {هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي} الآية [12/26].وقوله: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} [12/33].
وأما اعتراف المرأة بذلك ففي قولها للنسوة: {وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ} [12/32]، وقولها: {الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} [12/51].
وأما اعتراف زوج المرأة، ففي قوله: {قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ} [12/28، 29].
وأما اعتراف الشهود بذلك ففي قوله: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} الآية [12/26].
وأما شهادة الله جل وعلا ببراءته، ففي قوله: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [12/24].
قال الفخر الرازي في "تفسيره": قد شهد الله تعالى في هذه الآية الكريمة على طهارته أربع مرات:
أولها: {لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ} واللام للتأكيد والمبالغة.
والثاني: قوله: {وَالْفَحْشَاءَ}، أي: وكذلك لنصرف عنه الفحشاء.
والثالث: قوله: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا}، مع أنه تعالى قال: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً} [25/63].
والرابع: قوله: {الْمُخْلَصِينَ}، وفيه قراءتان: قراءة باسم الفاعل. وأخرى باسم المفعول.
فوروده باسم الفاعل يدل على كونه آتياً بالطاعات والقربات مع صفة الإخلاص.
ووروده باسم المفعول يدل على أن الله تعالى استخلصه لنفسه، واصطفاه لحضرته. وعلى كلا الوجهين فإنه من أدل الألفاظ على كونه منزهاً عما أضافوه إليه. اهـ من تفسير الرازي.
ويؤيد ذلك قوله تعالى: {مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [12/23].
وأما إقرار إبليس بطهارة يوسف ونزاهته، ففي قوله تعالى: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [38/82، 83]، فأقر بأنه لا يمكنه إغواء المخلصين، ولا شك أن يوسف من المخلصين، كما صرح تعالى به في قوله: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}، فظهرت دلالة القرآن من جهات متعددة على براءته مما لا ينبغي.
....
فإن قيل: قد بينتم دلالة القرآن على براءته عليه السلام مما لا ينبغي في الآيات المتقدمة. ولكن ماذا تقولون في قوله تعالى : {وَهَمَّ بِهَا} [12/24] فالجواب من وجهين:
الأول: إن المراد بهم يوسف بها خاطر قلبي صرف عنه وازع التقوى. وقال بعضهم: هو الميل الطبيعي والشهوة الغريزية المزمومة بالتقوى، وهذا لا معصية فيه؛ لأنه أمر جبلي لا يتعلق به التكليف. كما في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل ثم يقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك"، يعني ميل القلب الطبيعي.
ومثال هذا ميل الصائم بطبعه إلى الماء البارد، مع أن تقواه تمنعه من الشرب وهو صائم. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة"؛ لأنه ترك ما تميل إليه نفسه بالطبع خوفاً من الله، وامتثالاً لأمره، كما قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [79/40، 41].
وهم بني حارثة وبني سلمة بالفرار يوم أحد، كهم يوسف هذا، بدليل قوله: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} [3/122]؛ لأن قوله: {وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} يدل على أن ذلك الهم ليس معصية، لأن إتباع المعصية بولاية الله لذلك العاصي إغراء على المعصية.
والعرب تطلق الهم وتريد به المحبة والشهوة، فيقول الإنسان فيما لا يحبه ولا يشتهيه: هذا ما يهمني، ويقول فيما يحبه ويشتهيه: هذا أهم الأشياء إلي، بخلاف هم امرأة العزيز، فإنه هم عزم وتصميم، بدليل أنها شقت قميصه من دبر وهو هارب عنها، ولم يمنعها من الوقوع فيما لا ينبغي إلا عجزها عنه.
ومثل هذا التصميم على المعصية: معصية يؤاخذ بها صاحبها، بدليل الحديث الثابت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أبي بكرة: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار"، قالوا: يا رسول الله قد عرفنا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصاً على قتل صاحبه" ، فصرح صلى الله عليه وسلم بأن تصميم عزمه على قتل صاحبه معصية أدخله الله بسببها النار.
وأما تأويلهم هم يوسف بأنه قارب الهم ولم يهم بالفعل، كقول العرب: قتلته لو لم أخف الله، أي قاربت أن أقتله، كما قاله الزمخشري.
وتأويل الهم بأنه هم بضربها، أو هم بدفعها عن نفسه، فكل ذلك غير ظاهر، بل بعيد من الظاهر ولا دليل عليه.
والجواب الثاني: وهو اختيار أبي حيان: أن يوسف لم يقع منه هم أصلاً، بل هو منفي عنه لوجود البرهان.
قال مقيده عفا الله عنه: هذا الوجه الذي اختاره أبو حيان وغيره هو أجرى الأقوال على قواعد اللغة العربية؛ لأن الغالب في القرآن وفي كلام العرب: أن الجواب المحذوف يذكر قبله ما يدل عليه، كقوله: {فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} [10/84]، أي: إن كنتم مسلمين فتوكلوا عليه، وكقوله: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [27/64]، أي: إن كنتم صادقين فهاتوا برهانكم.
وعلى هذا القول: فمعنى الآية، {وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ} [12/24]، أي: لولا أن رآه هم بها. فما قبل {لَوْلا} هو دليل الجواب المحذوف، كما هو الغالب في القرآن واللغة.
ونظير ذلك قوله تعالى: {إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا} [28/10]، فما قبل {لَوْلا} دليل الجواب. أي لولا أن ربطنا على قلبها لكادت تبدي به.

أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآنـ للإمام الشنقيطي رحمه الله
تفسير سورة يوسف / الصفحة : 205-209
__________________
ذكريات غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 03-15-2013, 10:17 AM
  #2
عضو جديد
 الصورة الرمزية عمر سيف الدين
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 28
افتراضي

جميل جدا سلمت يداك
__________________
اللهم انى أسألك الرضا والهدى والعفاف والغنى
اللهم امين

عمر سيف الدين غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 03-15-2013, 03:33 PM
  #3
متميز وأصيل
 الصورة الرمزية ذكريات
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 441
افتراضي

لك الشكر والتقدير على هذا المرور الكريم

يسعدني ويشرفني مرورك العطر

دمت بحفظ الله ورعايته.
__________________
ذكريات غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 03-16-2013, 10:51 PM
  #4
متميز وأصيل
 الصورة الرمزية ذكريات
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 441
افتراضي

وفيكم بارك الله

فكل الشكر لك ولمرورك الكريم

أهلاً وسهلاً فيك دائماً

دمت بحفظ الرحمن ورعايته
__________________
ذكريات غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 04-17-2013, 10:52 PM
  #5
متميز وأصيل
تاريخ التسجيل: Apr 2013
الدولة: العراق
المشاركات: 6,886
افتراضي

افادك الله كما افادتينا اختنا الكريمة
اسال الله ان لايحرمك المثوبة وما ننحرم من مواضيعك القيمة
ام زهرة غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 04-17-2013, 11:14 PM
  #6
متميز وأصيل
 الصورة الرمزية ذكريات
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 441
افتراضي

يسعدني ويشرفني مروركِ الحار

وردك وكلماتك الأروع

فجزاكي الله خيراً أختي
__________________
ذكريات غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
إضافة رد

العلامات المرجعية

مواضيع ذات صله شذرات إسلامية


« كذبة إبريل | مشروع "خذ نسختك" »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
اللجوء السياسي يخلي سبيل "يوسف بطرس غالي" عبدالناصر محمود شذرات مصرية 0 04-16-2014 06:50 AM
باسم يوسف يسخر من "الكاتب الكبير" ويدافع عن "الاخوان" Eng.Jordan مقالات وتحليلات مختارة 1 01-03-2014 08:55 PM
المقال الممنوع لـ"عبد الرحمن يوسف".. من سينتصر غدا؟ ابو الطيب شذرات مصرية 0 11-18-2013 01:20 AM
السلطات الإسرائيلية تطلق اسم "رابعة العدوية" على أحد شوارع "القدس"..صورة Eng.Jordan أخبار منوعة 0 10-27-2013 02:26 PM
بطل الأندلس العظيم " محمد بن يوسف " المعروف بـ " محمد بن الأحمر " Eng.Jordan شذرات إسلامية 0 11-14-2012 10:54 PM

     

 

 

  sitemap 

 

جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 06:53 PM.