بحوث ودراسات تربوية واجتماعية تربية وتعليم , علم نفس ، علم اجتماع

دور الإرشاد والتوجيه المهني في تشغيل الشباب

منظمة العمل العربية مكتب العمل العربي الندوة الإقليمية حول دور الإرشاد والتوجيه المهني في تشغيل الشباب

إضافة رد
قديم 09-03-2019, 10:01 AM
  #1
إدارة الموقع
 الصورة الرمزية Eng.Jordan
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 22,790
افتراضي دور الإرشاد والتوجيه المهني في تشغيل الشباب


منظمة العمل العربية
مكتب العمل العربي











الندوة الإقليمية حول

دور الإرشاد والتوجيه المهني
في تشغيل الشباب
طرابلس، 11-13/ 07/ 2005
__________________________________________________ _____________

تهدف هذه الدراسة الى إلقاء الضوء على تحليل الإرشاد والتوجيه المهني وعلاقته بتشغيل الشباب ودعم المبادرين في إطار وسياق البيئة العربية ، ولتحقيق هذا الهدف ستهتم هذه الورقة ببعدين أساسيين ، الأول : هو أهمية ودور الإرشاد والتوجيه المهني في الاقتصاد المعاصر . والثاني : تحليل واقتراح توجهات استراتيجية عربية لتطوير الإرشاد والتوجيه المهني ودعم المبادرين . وتنطلق هذه الدراسة من فرضيات أساسية هي :

1. أن سوق العمل في الاقتصاديات المعاصرة متطورة وتعتمد على مهارات بشرية وتقنية متقدمة ، وما لم يعد الشباب بمهارات عالية قادرة على التعامل والعمل بالتقنية المتقدمة ، فإنه أي الشباب العرب سيواجه المزيد من البطالة الظاهرة والمقنعة .

2. إن التنمية والاقتصاد المعاصر يحتاج الى شريحة من المبادرين والمبدعين ، وهؤلاء هم الذين يقودون الاقتصاد والتنمية ويستطيعون نقله من الاقتصاد التقليدي الى الاقتصاد الحديث ، وبالتالي هم الذين يخلقون فرص عمل جديدة في سوق العمل .

3. أن التعليم يحتاج الى المزيد من التجديد والتجويد والتنوع والمرونة ، ومع اهتمام خاص بالتعليم التقني والفني المرتبط بطبيعة سوق العمل العربية وتطورها ونموها وآفاق تطويرها ، ومشكلاتها في المستقبل ، ومع المحافظة على قاعدة عريضة من المعرفة والثقافة العامة ، ومجالات تخصصية مهنية وفنية متقدمة .

وأخيراً تسعى هذه الورقة الى تأكيد ضرورة جعل الإرشاد والتوجيه المهني جزءاً من الثقافة العامة في حياة أبناء البلاد العربية ، وجزءاً من التعليم والتنشئة الاجتماعية للشباب العربي .


• الإرشاد والتوجيه المهني : المفهوم والدلائل :

لعل من أهم التحديات التي تواجه البلاد العربية الآن بطالة الشباب وغياب المبادرين والمبدعين ، واختفاء الموهوبين ، هذا الى جانب تحديات أخرى تخرج عن سياق هذه الورقة ، ولكن سيتم الإشارة إليها من حين الى آخر ، ومنها على سبيل المثال الطلب الاجتماعي المتزايد على التعليم ، وتدني مستوى التعليم وبخاصة تدني نوعيته ، وتقليدية محتوى المناهج والمقررات الدراسية . والمقصود هنا ببطالة الشباب هو وجود شريحة كبيرة من الشباب في عمر العمل والإنتاج ، أي ما يصنف علمياً القوى العاملة أو النشطة اقتصادياً تحمل مؤهلات وتبحث عن عمل ولا تجده ، وتنخفض وترتفع هذه النسبة في البلاد العربية بحسب الأحوال والظروف ، فهي عالية جداً في بعض البلاد العربية ، وتنخفض في حدود المعتاد في بلدان عربية أخرى .

والمقصود بالمبادرين في هذه الدراسة هو وجود شريحة من الشباب تتمتع بإعداد علمي واجتماعي وثقافي ، وقدرات إبداع وخيال تمكنها من إدراك الواقع مهما كان وتحليله ، وتخيل مشروعات عمل واستثمار وتستطيع تنفيذها عملياً ، وهي بذلك تخلق فرص عمل لنفسها ولغيرها من الشباب في المجتمع . وهذه الشريحة في كل دراسات علم النفس والتنمية لها من الصفات والخصائص التي لا تتوفر في غيرها من الشباب ، بل يعتبرها الكثير من منظري وخبراء التنمية قوة فاعلة ومحركة ومجددة ولها القدرة على تجاوز الواقع بكل قيوده الطبيعية والاجتماعية والثقافية ، فهي فئة تستطيع إبداع وخلق مشروعات اقتصادية واستثمارية بغض النظر عن المعطيات السلبية والاكراهات الموجودة في البيئة والواقع ، وهؤلاء المبادرين لهم تاريخ طويل في تاريخ التنمية في الغرب ، بل الى جانب عوامل أخرى هم الذين صنعوا مجد الغرب وصناعته وقوته ، واستطاعوا أن ينقلوا الغرب من العصور الوسطى الى العصر الحديث وطبعاُ بتعاون وتحالف فئات اجتماعية وفكرية أخرى معهم في مقدمتهم رجال الفكر وقادة عقيدة البروتستانت والثوريون السياسيون ، ومعظم الفئات الفكرية المتحررة مثل الفنانين والأدباء ورجال الأعمال فهؤلاء هم الذين قادوا وصنعوا التاريخ الحضاري للغرب ، والى يومنا هذا لهم دور مهم ولكنه يختلف في الرؤية وأساليب العمل .

وعلى أية حال لعل من أهم سلبيا المجتمع العربي والثقافة العربية بل والتربية العربية أنها طوال نصف قرن مضى لم تستطع أن تعد وتخرج وترعى مثل هذه الفئات الاجتماعية المبدعة والمجددة باستثناءات محدودة موجودة هنا وهناك في بلدان الوطن العربي . وفي اعتقادي ما لم تظهر هذه الطبقة الواعدة وهؤلاء المبادرين المبدعين سيظل المجتمع العربي يدور في حلقة مفرغة ، ويعيد إنتاج نفسه وقواعد عمله وتفكيره وسلوكه . وكنتيجة لذلك ستظل بطالة الشباب على أشدها ، بل وستزداد تعقيداً بالنظر الى بطء وثيرة النمو الاقتصادي وضعف إنتاجية الاقتصاد العربي ، وانشغال العرب بالجدل اللفظي ومشكلات الماضي وأمجاد الماضي والهروب من الواقع والحاضر بكل تحدياته وإكراهاته الى راحة واطمئنان الماضي .

والسؤال المهم أمام المفكرين وقادة التربية والتنمية في البلاد العربية ، ما العمل ؟ للخروج من هذا النفق المسدود ، لا أحد بمفرده يستطيع أن يجيب على هذا السؤال ، فالجميع يجب أن يبحث عن إجابة ، والجميع يجب أن يعمل في مختلف المستويات لإيجاد إجابة ، ووضع خطط وبرامج ، ولكن مهما كانت طبيعة العمل ، فلابد من خلق عقل عربي جديد ومتجدد ، وثقافة عربية جديدة ومتجددة ، وعلى أن يسهم في هذا العمل الجميع ، ويتم تنفيذه بالجميع ، وفي كل المستويات الاجتماعية والفكرية ، ولكن تأخذ فيه التربية والعلم الدور الحاسم ، وطبعاً ضمن التربية والتعليم يأخذ فيه الإرشاد والتوجيه المهني الدور الفعال والأكبر لحل مشكلتين رئيسيتين أطرحهما في هذه الورقة ، وهما : (1) تشغيل الشباب ومعالجة البطالة . (2) دعم ورعاية بل وتكوين طبقة من المبادرين والمبدعين الذين لهم القدرة على تجاوز الواقع وصعابه ، وخلق واقع اقتصادي واجتماعي جديد ملئ بالاستثمار وفرص العمل والشغل والرزق الدائم للجميع وبالجميع .

ولكي نعالج هاتين المسألتين السابقتين يتوجب تعريف الإرشاد والتوجيه المهني ومهما تعددت تعريفاته فهو جملة البرامج التربوية العلمية وعملياتها التطبيقية الهادفة الى إدراك الشاب لذاته من خلال جملة محاور تتمثل في الإمكانات الجسمية والنفسية والعقلية ، والاجتماعية والاقتصادية وانعكاساتها على البيئة والعكس ، وكذلك مطالب المهنة المنتقاة وفق المحطات المختلفة للمرحلة الممتدة من بدايات تلمس الانحياز للمهنة وحتى البدايات العلمية لتعاطي العمل الوظيفي مروراً بمراحل تفعيل الإعداد الأكاديمي النظري والعملي لها " " . وفي إطار هذا المفهوم لابد من التفرقة بين مصطلحي الإرشاد المهني والتوجيه المهني . فمصطلح التوجيه يعني البعد الاستراتيجي النظري التخطيطي الشمولي . بينما يمثل مصطلح الإرشاد المهني العملية التكتيكية الأداتية التي تترجم التوجيه والتوجيه الى إجراءات وتدابير عملية فنية محددة قد تختلف باختلاف المصطلحين ، ورغم الفارق بين المصطلحين إلا أن الإرشاد والتوجيه المهني يمثلا جزءً متكاملاً ومهماً في رسم وإعداد وبرمجة عمليات تمكين الفرد المتعلم من السيطرة على الواقع الذاتي وتحديده إدراكاً ومعرفة واتجاهاً نفسياً وبيئياً ، وتوجيه مكوناته نحو الاهتداء الى الطريق الأنسب في اختيار المهنة المناسبة في بيئة اقتصادية واجتماعية قائمة " " .
• الإرشاد والتوجيه المهني في عالم اليوم :

ولعل السؤال المهم الآن : ما هو الدور والأهمية التي يمثلها الإرشاد والتوجيه المهني في عالم الصناعة والتقنية والمعلوماتية ؟ وعالم سرعة النمو والاتصال والتغير وتكامل وتداخل العلوم والتخصصات ، وللإجابة على ذلك فإن عالم اليوم غير عالم الأمس والماضي ، فلقد كان الإنسان قديماً يتعلم مهنته بالمحاكاة والتقليد والاحتكاك المباشر بغيره من أقاربه وأفراد أسرته فيتعلم مهنته ، إضافة الى أن التركيب المهني كان من البساطة والعمومية ، بحيث لا يتطلب تخصصاً أو إعداداً علمياً أو توجيهاً مهنياً دقيقاً . ولكن الأمر يختلف في عالم اليوم الذي يعتمد على المعرفة وإنتاجها ، والعلم والتقنية والمهارات البالغة التعقيد والتداخل . ومن هنا تأتي أهمية الإرشاد والتوجيه المهني ، والدور الذي يمكن أن يقوم به لخدمة الفرد والمجتمع ومساعدته – أي الفرد – لاكتشاف ميوله ومواهبه واستعداداته وقدراته وكيفية توظيفها في عالم العمل والشغل والاقتصاد .

ومما يزيد الأمر أهمية البطالة التي يواجهها شباب اليوم في عالم العمل والشغل ، وفي معظم البلدان العربية بل وبلدان العالم الثالث بأسرها ، لذلك تأتي أهمية الإرشاد والتوجيه المهني لمساعدة الشباب لتفادي البطالة واختيار التخصص ، والتأهيل في الأعمال والمهن المناسبة التي يمكن أن يتعلمها الشباب وتتناسب مع قدراته ومؤهلاته ، وبذلك يساعد الإرشاد والتوجيه المهني على الموائمة بين استعداد الشباب وفرص سوق العمل المتاحة ، وزيادة على ذلك فإن هناك شريحة من الشباب الواعد والمبادر والكفوء المبدع ، وهؤلاء يمكن اكتشافهم واكتشاف أنفسهم من خلال عمليات الإرشاد والتوجيه المهني ، ولعل هذه الحقيقة والأهمية هي التي دفعت كل سياسات التعليم والتدريب والتكوين أن تهتم بالإرشاد والتوجيه المهني ، بل وتجعل منه ركناً أساسياً في برامج التعليم والتربية ، وسياسات إعداد الموارد البشرية أو تكوين رأس المال العقلي ، والهدف دائماً أن يكتشف الفرد ذاته ن واكتشاف ما يناسبه من أعمال وفرص عمل على ضوء التطورات والتغيرات السريعة في سوق العمل في الاقتصاديات التقنية المعاصرة والمتقدمة . وعلى أية حال يحدد الباحثون والمختصون الأدوار والوظائف الآتية والتي يمكن أن يؤديها الإرشاد والتوجيه المهني للشباب أنفسهم ولحركة الاقتصاد بما في ذلك سوق العمل ، وهي :

1. اكتشاف القدرات لاختبار المهنة .

2. الإتقان المهني .

3. تمكين الشباب من كسب الرزق .
4. إشباع حاجات الشباب كماً وكيفاً من خلال توفير قدرات معلوماتية لانتشار المهن وتوزيعها ومدى الحاجة إليها والعرض والطلب في سوق العمل ، مما يحمي الشباب من البطالة بكل أنواعها ، وما ينتج عنها من آثار نفسية واجتماعية سلبية .

5. المساعدة في أدارك إمكانات البيئة وما يتوفر فيها من أعمال وفرص عمل ومواصفاتها المهنية ومتطلباتها المختلفة .

6. الكشف عن قدرات الشخص ومؤهلاته وفرص العمل المتوفرة .

7. توعية الشباب بالمهارات والمؤهلات المطلوبة لفرص العمل المتوفرة ، ومن ثم توعية ومساعدة الشباب على إتقان هذه المهارات أو تطوير مهاراتهم لتتناسب هذه الفرص من خلال برامج تدريبية وتأهيلهم لها .

8. توعية الشباب بتطور الاقتصاد وسوق العمل والإمكانات المتوفرة وما يتطلبه هذا التطور من قدرات ومهارات قد لا تتوفر في الشباب ، ومن ثم إعداد الشباب وتأهيلهم وإعادة تأهيلهم لهذه المهارات الجديدة المطلوبة .

9. تحديد خريطة الواقع المهني لمختلف المهن بالمجتمع ، وتمكين الشباب من الاستبدال والإحلال والتغير من مجال الى آخر حسب تطور سوق العمل ومتطلباته . ومن هنا يمكن وقاية الشباب من البطالة والإحباط والفشل ، وبذلك يمكن تنمية قدرتهم على المرونة لتغيير مهنته التي أعد لها أو تدرب عليها حيث يطرأ ما يتطلب هذا الموقف التغيير مع النمو العلمي والتكنولوجي في المستقبل .

10. توفير المعلومات والبيانات اللازمة عن فرص العمل والاستخدام وخصائص سوق العمل ، وعن المهارات والتخصصات التعليمية .

11. توعية الشباب بتنوع المهن وتطورها واختلاف متطلباتها ومزاياها وأخطارها وغير ذلك من المعلومات ذات العلاقة بهذا المجال والتي يكون من شأنها التأثير على المستهدفين في اختيار مهنة أو عمل أو تغييرها ، أو السعي للتطور والنمو في المهنة المعنية .

12. التقليل من البطالة في بعديها الفعلي والمتصنع ، وكذلك في تحقيق الاستيعاب الكامل للعناصر المدربة والمؤهلة ، ورفع معدلات الأداء ، ورفع الكفاءة الإنتاجية " " .
• الإرشاد والتوجيه المهني والتعليم والتنمية والمجتمع :

لا يمكن النظر الى الإرشاد والتوجيه المهني ككيان مستقل معزول عن أجزاء النظام الاجتماعي الأخر ، فهو يرتبط ويتفاعل ويتأثر بمجموعة من النظم والمؤسسات الاجتماعية الأخرى ، إذ يرتبط الإرشاد والتوجيه المهني بالنظام التربوي وبكل مستوياته ومراحله ، حيث يعتمد المجتمع على نظامه التربوي أولاً لإعداد المتخصصين والخبراء في هذا المجال ، وثانياً يوظف المجتمع نظامه التربوي للتوجيه والإرشاد المهني لتصنيف وفرز الطلاب وقدراتهم واستعداداتهم ومن ثم توجيههم لمختلف التخصصات العلمية والفنية ، وبالتالي يتم تدريبهم وإعدادهم لمختلف المهن وفرص العمل التي يتيحها سوق العمل أو التي تخلقها حركة النمو الاقتصادي في المجتمع . والملاحظ أن معظم أنظمة التعليم في البلاد العربية تحتاج الى مزيد من الاهتمام وتطوير وتحديث برامج الإرشاد والتوجيه المهني ، وكثيراً ما تواجه مكاتب وأساليب الإرشاد والتوجيه المهني صعوبات وعقبات في المجتمعات العربية ، فقد لا يقتنع الطالب وأسرته ودويه بنتائج قياس قدرات الطالب وكفاءته لتخصص أو عمل معين ، فيتـم توجيـه الطالب الى نوع مـن التعليم والتخصص دون أخر فلا يقتنع الطالب أو أسرته بهـذا التوجيه ، فيدخل الطالب الى تخصص أخر لا قدرة له لدراسته فيكون مصيره غالباً الفشل والرسوب ، وهنا تكون الخسارة مضاعفة للطالب والأسرة والمجتمع ، وربما يكون مصير الطالب ترك الدراسة والتسرب أو التنقل بين التخصصات وتضييع الوقت ويكون مصيره في النهاية البطالة والإحباط النفسي ، والوصمة الاجتماعية السلبية بأنه فاشل .

وقد يواجه التوجيه والإرشاد المعني بمعطيات اجتماعية وأسرية وثقافية وصعوبات تتمثل في أن أسرة الطالب تعتقد أن أبنها لابد أن يدرس الطب أو الهندسة مثلاً ، بينما تكون إمكانيات وقدرات الطالب لا تتناسب وهذه التخصصات ، فتصر الأسرة ويصر الطالب معاً على دراسة تخصص معين وتكون النتيجة في النهاية الفشل . وتؤكد نتائج امتحانات الكثير من الكليات الجامعية في البلدان العربية هذه المشكلة ، وهنا لابد من التفكير في إقناع الأسرة أو الطالب ذاته بتعديل أو تخصيص توقعاته العلمية والمهنية والقبول بدراسة تخصصات أخرى قد لا يرغبها الطالب أو لا ترغبها الأسرة لأبنها . وهناك آلاف الطلاب الذين يضيعون وقتهم ويضيعون إمكانات المجتمع في دراسة تخصصات ليس لهم الاستعداد العلمي اللازم لها ، وهم يدخلون هذه التخصصات مجاراة وإرضاء لأسرهم ، أو إرضاء لأصدقائهم ، أو إرضاء لميولهم ورغباتهم النفسية فقط دون أن يكون لهم الاستعداد والقدرة الحقيقية اللازمة لذلك .
ومن الصعوبات التي يواجهها الإرشاد والتوجيه المهني في البلاد العربية وبلدان العالم الثالث بصورة عامة ، هو كبر حجم شريحة الشباب وصغار السن الذين هم في سن التعليم والإعداد المهني . وتكشف كل الدراسات الديموغرافية على أنه 35% أو أكثر من سكان البلدان العربية والعالم الثالث هم في سن التعليم والتدريب ، فهم يحتاجون للتعليم والتخصص والتدريب ، وبعد ذلك يحتاجون الى عمل ودخل ، بينما الواقع أن سوق العمل وحركة التنمية الاقتصادية في هذه البلدان النامية لا تتيح فرصة عمل لكل متقدم ومتخرج باحث عن عمل ، ومن ثم يصبح التوجيه والإرشاد المهني مشكلة حقيقية ، فليس أمامه – أي التوجيه المهني أو الإرشاد المهني – الكثير من فرص العمل والوظائف التي يمكن أن يتم توجيه الشباب إليها ، وهنا ليس من خيار أمام سياسة الإرشاد والتوجيه المهني إلا تشجيع السياسات الاقتصادية على تحريك الاقتصاد ليتمكن من النمو وخلق فرص عمل وبالتالي ظهور فرص عمل جديدة تحتاج الى المزيد من المهارات والكفاءات والتخصصات ، وهنا يأتي دور الإرشاد والتوجيه المهني في توجيه وإرشاد الشباب لخلق فرص عمل جديدة ليعملوا هم فيها ، ويعمل معهم غيرهم من الشباب .

وفي هذا السياق يأتي دور الإرشاد والتوجيه المهني في رعاية وتشجيع الواعدين أو الرواد فهؤلاء هم الذين يدفعون الاقتصاد الى النمو ويخلقون فرص العمل الجديدة التي تحتاج الى أيدي عاملة ، ويحتاجون الى كثير من التشجيع والتخطيط والإرادة والخيال والإبداع . وكما سبقت الإشارة فالرواد من الشباب والواعدين هم في الحقيقة قادة التنمية والنمو في المجتمع ، وهم المبدعون والقادرون على خلق الحياة والديناميكية في بنية الاقتصاد والتنمية الاقتصادية ، ومن هنا يصبح الإرشاد والتوجيه المهني التقليدي لا أهمية له ، والعكس هو الصحيح ، فالإرشاد والتوجيه المهني بأسلوبه الحديث الذي يركز على المبدعين والواعدين يصبح هو المرغوب والقادر على دراسة إمكانات المجتمع وسوق العمل وتوجيه هؤلاء الشباب الواعد لما يمكن أن يتوجهوا إليه من أعمال ومجالات وتخصصات وفرص عمل في المجتمع . وفي هذا الشأن هناك دائما حاجة لعقد لقاءات واستشارات ودراسات علمية اقتصادية وتربوية ومهنية للموائمة والربط بين سياسات التوجيه والإرشاد المهني وواقع الاقتصاد وسوق العمل .

وفي العالم المعاصر يسير ويتغير الاقتصاد الوطني والعالمي بوثيرة وتطور وتغير أسرع من إمكانات الإرشاد والتوجيه المهني ، فأقتصاد عالم اليوم يعتمد على المعلوماتية والتكنولوجية الدقيقة والتطور السريع ، وهذا يفرض على التوجيه والإرشاد المهني أن يدرك هذا التحول الاقتصادي العالمي ، وأن يطور ويغير من أساليب عمله وتفكيره لتوجيه الشباب سواء للدراسة والتخصص أو للحصول على فرص عمل أو للتعامل مع الاقتصاد الحديث ، أو لتحديد المؤهلات المهنية المطلوبة لمثل هذا الاقتصاد الذي حتى وإن كان بطيء النمو في العالم الثالث ، فإنه لا محال يحتاج الى توجيه وإرشاد مهني مختلف عما كان موجوداً في الماضي في البلاد النامية وبما فيها البلاد العربية .

ومهما كان واقع الإرشاد والتوجيه المهني فإن سوق العمل الحالية والمستقبلية في البلاد العربية تتطلب أن تتوفـر في الشخص المؤهلات والخصائص المهمة التالية :

- امتلاك المهارات الخاصة بمهنة معينة أو مجموعة من المجالات المهنية ، وامتلاك مهارات أساسية متعددة وقابلة للتحول الى حقول مهنية متعددة ، والقدرة على استغلال المهارات في مجالات جديدة ، والفاعلية الذاتية ، بمعنى القدرة على المبادرة والتصرف في مواقف غير معتادة .

- ربط التعليم الفني والمهني بسوق العمل ، الأمر الذي يستلزم على الدوام مراجعة مدى جودة التعليم الذي يتم داخل مؤسسات التعليم الفني والمهني ، كما أن هناك ضرورة مستمرة لاختيار المعايير المتبعة في تحديد المهارات والمعارف المطلوبة في ضوء الواقع ، بحيث يشارك في هذا الاختيار المؤسسات الإنتاجية وأجهزة الاعتماد التعليمي والمهني المتخصصة والجمعيات المهنية " " .

وتجدر الملاحظة الى أن تحقيق التوجهين السابقين وترجمتها في مهارات في إعداد الطالب تتطلب تحديث وتطوير التعليم الفني والمهني في البلاد العربية ، بحيث تتم الإصلاحات التالية :

1. إدخال مقدمات للتعليم الفني والمهني مبكراً في التعليم الأساسي ، ونشر الثقافة المهنية والتقنية من خلال وسائل الإعلام والتعليم عن بعد ، وذلك بالتعاون مع مؤسسات الإنتاج والعمل والصناعة.

2. تغيير معايير توجيه الطلاب الى التعليم الفني والمهني بحيث لا يبقى هذا المسار عقاباً لمن لا ترقى درجاته للاستمرار في التعليم الأكاديمي العام .

3. تحسين برامج خدمات التوجيه والإرشاد المهني في التعليم العام للطلبة من الجنسين ، خاصة على نطاق التعليم الثانوي .
4. زيادة الاهتمام بالتعليم الفني والمهني الذي يقوم على درجة كافية من الفهم العام للعلوم التطبيقية والرياضيات في الإطار التقني والإنتاجي بدلاً من الاقتصار على تعليم المهارات المحددة التي تتطلبها حرف ومهن معينة .

5. إيجاد صلة وثيقة بين مؤسسات التعليم الفني والمهني ومؤسسات العمل والإنتاج وتستوجب هذه الصلة مشاركة مؤسسات العمل مشاركة مؤثرة في تحديد أهداف التعليم الفني والمهني وبرامجه وإدارته ومتابعته وتقويمه ، وفي توظيف خريجيه عند انتهائهم من البرامج الدراسية بنجاح ، ويتطلب ذلك قنوات اتصال فعالة بين معاهد التعليم الفني والمهني ومؤسسات الأعمال ، خاصة فيما يتصل بتطوير المناهج الدراسية وتحسين مؤهلات هيئة التدريس والتخطيط لقبول الطلاب والتوجيه المهني لهم وتوظيفهم .

6. تصميم مناهج التعليم الفني والمهني لتتناسب احتياجات العمل ولإكساب الطلبة المهارات اللازمة لمزاولة المهنة في الواقع من خلال الارتباط بعالم العمل الحقيقي ، ويشمل ذلك إتاحة فرص حقيقية للطلبة للعمل المنتج ضمن المناهج الدراسية المعتادة من خلال تأمين فرص اتصال الطلبة بمواقع الإنتاج ، بما يؤدي الى دمج الخبرة الدراسية بالخبرة التطبيقية في أماكن العمل .

7. توسيع قاعدة التعليم الأهلي الفني والمهني ، فالتعليم الأهلي يمكن أن يكون أكثر قدرة على ربط التعليم بسوق العمل واحتياجاته ، وأكثر فاعلية في الاستجابة لضعفاء الطلبة ضمن برنامجهم الدراسي لفترة تدريب ميداني في مؤسسات الأعمال يتوفرون خلاله على الممارسة الفعلية للمهنة لتثبيت المهارات والخبرات التي تحصلوا عليها ، ولترسيخ مفاهيم أخرى جديدة واكتساب مهارات عملية ضرورية .

8. تنويع برامج التعليم الفني والمهني بحيث لا يكون الهدف منها فقط منح درجات علمية ، وإنما تعطى الفرصة لمن يحتاجون للحصول على قسط من التدريب المهني يساعده في تطوير عمله وتوفير فرص التدريب الفني والمهني المستمر خاصة بالتركيز على التعليم والتدريب في المجالات الحديثة .

9. توفير المعدات اللازمة للمدارس والمعاهد الفنية والمهنية بما في ذلك توفير التكلفة الجارية للمواد التدريبية وال***** .

10. العناية بتوفير برامج التعليم الفني والمهني للنساء ، وتوفير برامج وخدمات من شأنها أن تساعد على التأهيل المهني لذوي الاحتياجات الخاصة .
11. تطوير برامج إعداد معلمي ومعلمات التعليم الفني والمهني وبمشاركة مؤسسات الإنتاج .

12. تنويع برامج التعليم الثانوي بحيث يشتمل على برامج تعليمية جديدة ذات طابع مهني ، وذلك لإعداد كوادر فنية يمكنها دعم احتياجات القطاعات المهنية من الأفراد المؤهلين ، وإمكانية التخلي عن نمط المدارس الثانوية التقليدية واستبداله بالمدرسة الثانوية الشاملة المطبقة في أمريكا وألمانيا .

13. مراجعة التصنيفات المهنية القائمة حتى تعكس المهن المتاحة في سوق العمل ومهن المستقبل ومجالات التعليم الفني والمهني المستخدمة في سوق العمل تتميز بالتغير السريع والتطور المتلاحق ، الأمر الذي قد يتطلب إيجاد آلية جديدة لتحديث المهن ومواصفاتها وأساليب تأديتها وانعكاس ذلك على مضمون البرامج التعليمية .

14. إجراء المزيد من البحث العلمي التطبيقي والإنمائي في مجال التعليم الفني والمهني ، بحيث تدرس الإيجابيات والسلبيات وإيجاد حلول علمية وعملية للصعوبات التي تواجه تنفيذ برامج التعليم الفني والمهني .


• نحو استراتيجية عربية للإرشاد والتوجيه المهني :

لم يعد الإرشاد والتوجيه المهني عملاً تربوياً طوعياً أو يتم صدفة أو من خلال تفاعل الطلاب مع المناهج الدراسية والنشاطات التربوية المدرسية ، ولكن فيما تؤكد كل الدراسات العلمية العالمية فإن الإرشاد والتوجيه المهني أصبح جزءاً أساسياً من العملية التعليمية ، وجزءاً أساسياً من التنشئة الاجتماعية ، سواء تلك التي تقوم بها المدرسة أو الأسرة أو مؤسسات المجتمع الأخرى ، بل هناك في كثير من البلدان الصناعية المتقدمة مؤسسات وهيئات تربوية ومهنية متخصصة في التوجيه المهني بمعنى مساعدة الطالب أو الشخص الباحث عن عمل لاكتشاف ذاته ومؤهلاته ، وتحديد ما يلائمه من برامج التأهيل والتدريب ، وما يناسبه من أعمال ووظائف ومهن سواء بدون تدريب أو بعد إتمام برنامج من التأهيل والتكوين المهني . وتعتبر كندا والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا من البلدان المتقدمة جداً في هذا المجال بل أن معظم المؤسسات الصناعية وهيئات العمل والشركات والمؤسسات " " لا تقبل المتقدم الى وظيفة أو عمل إلا بعد إجراء اختبارات وقياس قدرات وميول واتجاهات هذا الشخص المتقدم للعمل .

وعلى ضوء ذلك فإننا نقترح استراتيجية عربية للإرشاد والتوجيه المهني ، وتعتمد هذه الاستراتيجية على منطلقات وأسس من أهمها ما يلي :

1. المنطلقات العلمية والفلسفية للإرشاد والتوجيه المهني .
2. المؤسسات والبرامج والأنشطة .
3. الإدارة والتسيير .
4. البحوث والتطوير .


وفيما يلي تعليق وشيء من التفاصيل المتعلقة بالمنطلقات السالفة الذكر :


(1) المنطلقات العلمية والفلسفية للإرشاد والتوجيه المهني :

ويمكن النظر الى هذه المنطلقات على النحو التالي :

1.1 النظر الى الإرشاد والتوجيه المهني كعملية تربوية وتعليمية لتوجيه الشباب الى اختيار مهنة وتخصص .

1.2 النظر الى الإرشاد والتوجيه المهني كوسيلة علمية تربوية ومهنية لمساعدة الشباب على اكتشاف فرص عمل تناسب تخصصاتهم وميولهم واهتماماتهم المهنية .

1.3 العمل بالتعاون مع سائر المؤسسات ذات العلاقة بتوجيه الشباب الى اكتشاف فرص عمل في سوق العمل أو ابتكارها وخلقها وتنمية القدرة على تحمل الصعوبات التي تواجههم لتحقيق هذا الهدف .

1.4 العمل على دعم ورعاية المبادرين والمبدعين الذين يتميزون بقدرات ومهارات ابتكارية ، ولهم القدرة على المغامرة والمجازفة البناءة والمبنية على معرفة بالواقع الاقتصادي .

1.5 العمل المستمر لتطوير وتحديث التوجيه المهني كنظرية وأسلوب عمل وتتقيد بما يتماشى ويتفق وتطورات النظرية التعليمية والتربوية وتطورات الواقع الاقتصادي والاجتماعي ، وخاصة التركيب المهني في المجتمع .

1.6 العمل على بناء قاعدة معلومات أو منظومة معلوماتية ترتبط بكل المؤسسات ذات العلاقة بالإرشاد والتوجيه المهني مثل مراكز التعليم والتدريب والجامعات والمصانع والمؤسسات الاقتصادية في المجتمع .

1.7 تشجيع الشباب على تنمية قدراتهم ومهاراتهم العلمية والمهنية والاجتماعية والثقافية بما يتناسب ومتطلبات الحياة الاقتصادية والاجتماعية العصرية ، ودفعهم الى التعليم الذاتي المستمر لكل جديد في الحياة وبخاصة فيما يتعلق بسوق العمل وتطورها اقتصادياً ومهنياً .

1.8 تشجيع المؤسسات المالية مثل المصارف والشركات والهيئات العامة والخاصة على تبني المبادرين والمبدعين ومنحهم حوافز تشجيعية لاستحداث وابتكار مشروعات اقتصادية جديدة خاصة المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي يمكن أن تنمو وتزدهر فيما بعد ، ومساعدتهم لإيجاد حلول للمشكلات والتحديات التي تواجههم ميدانياً .

1.9 العمل على عقد مشاورات وتبادل للآراء والخبرات والمهارات بين قيادات الشباب وقيادات الاقتصاد ، وخاصة مشروعات التنمية ، وبخاصة الصناعية والزراعية والخدمات والشركات الاستثمارية ، ويمكن أن يتحقق ذلك بعقد لقاءات علمية مشتركة واجتماعات فنية وورش عمل .


(2) المؤسسات والبرامج والأنشطة :

تحتاج هذه الاستراتيجية الى مؤسسات وآليات عمل ، وهنا يمكن أن تنشأ مؤسسات وبرامج على ثلاثة مستويات :

- المستوي المحلي .
- المستوى الوطني القطري .
- المستوى العربي الشامل .

ويمكن أن ترتبط هذه المؤسسات ببعضها بعضاً في إطار المنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة ، أو في إطار منظمة العمل العربية ، وترسم خطة تتضمن برامج ومشروعات إرشاد وتوجيه مهني طبقاً للمستويات الثلاثة المذكورة سابقاً ، وتهدف جميعاً الى تطوير مفهوم الإرشاد والتوجيه المهني وآليات عمله وبرامجه . ويمكن على المستوى الثالث أن تنشأ لجنة عربية تقدم الإرشاد والنصح والاستشارات الفنية والدراسات في مجال الإرشاد المهني لكل من يطلبها من الهيئات والمؤسسات الاقتصادية العربية ، أو من المسئولين عن تخطيط وتنمية سوق العمل في البلاد العربية .


(3) الإدارة والتسيير :

يتم تسيير مؤسسات وبرامج التوجيه والإرشاد المهني بحسب الظروف الخاصة بكل بلد على حدة ، ولمراعاة التوجهات العامة أو السياسات العامة التي يتم رسمها على المستوى العربي الشامل قبل وضع معايير عربية موحدة أو متقاربة ، أو وضع المناهج والمقررات الدراسية للتعليم الفني بشكل متقارب أو موحد ، وفي جميع الظروف يتم تبادل الآراء والخبرات والتجارب والدراسات على المستوى القطري وعلى المستوى العربي الشامل فيما بين البلدان العربية ، وفي هذا السياق يمكن أن ينشأ مجلس عربي للتوجه والإرشاد المهني ودعم المبادرين والمبدعين على النحو التالي :

3.1 تأسيس مجلس الإرشاد والتوجيه المهني العربي ودعم المبادرين ، ويتكون من ممثلين عن جميع الأقطار العربية وبعض الخبراء والمختصين في هذا الميدان بصفتهم العلمية والمهنية .

3.2 يعمل مجلس الإرشاد والتوجيه المهني لتحقيق أربعة وظائف أساسية هي :

(أ‌) إدخال التوجيه والإرشاد المهني كموضوع علمي دراسي وتربوي في مختلف المؤسسات التعليمية ، وبخاصة الجامعات ومعاهد التعليم العالي والتكوين المهني .

(ب‌) إعداد وتصميم مقاييس واختبارات الإرشاد والتوجيه المهني بحسب الحاجات المختلفة للبلدان العربية وللقطاعات الاقتصادية المختلقة وبخاصة سوق العمل وآفاق تطوره المستقبلي ، ويمكن لأي دولة عربية أن تعدل في المقاييس والاختبارات بحسب خصوصيتها واحتياجاتها الخاصة .

(ج‌) توفير الرؤية الواضحة على المستويين العربي الشامل والقطري ، لتحقيق أكبر قدر من الموائمة بين التعليم وسوق العمل وفرص العمل المتاحة حالياً وفي المستقبل ، سواء على مستوى القطر الواحد أو على المستوى العربي الشامل .

(د‌) تعبئة الرأي العام وخلق الوعي اللازم للاهتمام بالإرشاد والتوجيه المهني على كل المستويات ، وفي جميع أوساط الاقتصاد والتربية والعمل ، ومحاولة جعل هذا الموضوع ضمن الثقافة المهنية وثقافة العمل في المجتمع العربي .


(4) البحوث والتطوير :

يعتبر التوجيه والإرشاد المهني من أساسيات التعليم والتربية والتنشئة الاجتماعية في العصر الحديث ، ويعني نجاحه ومطالبته نجاح وكفاء الشاب الشخصية والعلمية والمهنية والنفسية ، وينعكس كل ذلك على الإنتاج والإنتاجية ، وعلى شخصية الشاب نفسه الذي يكون ناجحاً في حياته ومليئة بالمشاعر الإيجابية نحو نفسه ونحو مجتمعه ، إضافة الى أن ارتفاع مؤشرات البطالة بين الشباب العربي اليوم سيساعد التوجيه والإرشاد المهني على التخفيف منها أو التصدي لها من خلال البحث عن فرص العمل الشاغرة ، وكذلك البحث في التوصيف الوظيفي والمهني اللازم لكل مهنة أو فرصة عمل في المجتمع .

ويواجه الشباب ليوم تقريباً في كل البلاد النامية بما في ذلك العربية هوة سحيقة بين قدرات ومؤهلات الشاب ومهاراته وإعداده وتكوينه ، وبين متطلبات الاقتصاد الحديث الذي يعتمد على التقنية المتطورة والمعلوماتية والمهارات الفائقة الدقيقة ، مما يتطلب توجهاً جديداً في سياسات التوجيه والإرشاد المهني ، وإعداداً جديداً متطوراً في برامج التعليم الفني والتكوين المهني ، ويمكن أن تجري دراسات وبحوث لمعالجة هذه المسألة عربياً وقطرياً ، وأن تساعد البلدان العربية بعضها بعضاً في تطوير التعليم الفني والإعداد المهني للشباب .

وإضافة الى ما سبق وكما سبق الإشارة ، فإن المبادرين والواعدين من الشباب هم في الواقع قادة التنمية والتحديث والتجديد في كل نظريات التنمية المعاصرة ، لذلك ويجب الاهتمام بهذه الشريحة من الشباب وذلك باكتشافهم أولاً في قاعات الدرس في الجامعات والمدارس وثانياً في مواقع العمل والحياة ، ودراسة ظروفهم والعوامل والمعطيات التي تساعدهم للسير الى الأمام بمشروعاتهم ، وكذلك تحديد المعطيات السلبية مهما كانت التي تعيق نموهم وابتكاراتهم المهنية والاقتصادية ، ومشروعاتهم التي يدفعون بها الى السوق والحياة طلباً للرزق لأنفسهم ولغيرهم وتحقيق ذاتهم وطموحهم ، وهذه فئة من الشباب يجب في نظري أن تنال كل دعم مادي وعلمي ونفسي ، فهم عادة المجددون المبدعون الذين يدفعون بالمجتمع والحياة الى مستويات أفضل من التفكير والنظر والعمل والاستثمار . وقد قرأت مقالاً حول هذه الموضوع عن تونس ، فقد عملت تونس على تفريغ من يرغب من الموظفين الشباب المبادرين ومنحهم قروضاً ومساعدات فنية لابتكار مشروعات اقتصادية ، ويمنحون إجازة تفرغ من عملهم الوظيفي في الدولة بدون مرتب فإذا نجحوا في مشروعاتهم فذلك نعمة وإنجاز تحقق ، وإذا تعثروا في ذلك فيعودون الى سابق وظائفهم في الدولة وتعاد لهم مرتباتهم ومزاياهم . وبذلك فهؤلاء المبادرين يعملون ويفكرون ويبادرون دون خوف على رزقهم ، أو فقدان وظائفهم الأصلية التي تركوها مؤقتاً . فهذه تجربة يمكن أن تطبق في جميع البلاد العربية مع تكيف وتعديل يتناسب وخصوصيات كل بلد عربي على حدة .


• تدعيم المبادرين والمبدعين :

منذ نصف قرن مضى تقريباً أكدت نظرية أنكلس وسميت ANKLES & SMITH في علم الاجتماع " " بأن التحديث والتغير دائماً هو فعل الأفراد والمبادرين والمبدعين ، ومثل هذه النظرية لها مصداقية كبيرة في وقتها ، واليوم في بداية القرن الحادي والعشرين وفي البلاد الصناعية والنامية على حد سواء ، ومن المؤكد بأنه ما لم يتوفر مبادرين ومبدعين في البلاد النامية فإن التحديث والتنمية ستدور في حلقة مفرغة أو تسير في طريق مسدود .

ويمكن أن نستنتج من ذلك إن التوجيه والإرشاد المهني هو نوع من التحديث والتنمية المهنية للشخص ، والتي ستؤدي في النهاية الى ظهور مبادرين ومبدعين ومجددين وأفراد لهم سمات وخصائص مختلفة الى حد كبير عن بقية زملائهم في مجتمعاتهم ، وهؤلاء المبادرين يرى الكثيرون أنه يمكن تهيئة التربية والظروف المناسبة لتكوينهم وإعدادهم واكتشافهم ، وذلك من خلال المعطيات والتدابير التالية :

1. توفير حاضنات للإبداع والصناعة الصغيرة والأنشطة الصناعية القائمة على الإبداع والمبادرة في بدايتها .

2. تشجيع استثمارات بعينها موجهة للتكوين المهني وإيجاد فرص عمل .

3. اختبار المبدعين والواعدين والمبادرين من الصفوف الأولى في التعليم ورعايتهم بشكل خاص .

4. يواجه المبادرون دائماً صعوبات مختلفة نفسية واجتماعية وثقافية في ذاتهم وفي محيطهم المباشر ، بل وفي مجتمعهم بأسره ، وفروض قيود على الخيال والإصرار على النمط والنمطية بدلاً من التنوع ، ومثل هذه الثقافة والقيود تخلق قيداً بل سجناً للعقل المبدع وأسوار عالية لا يستطيع المبادرين القفز فوقها أو فتحها والهروب منها . وهذا يتطلب نمو ثقافة جديدة تفك هذا الحصار العقلي والثقافي على المبدعين والمبادرين وتشجيعهم لاكتشاف ما لديهم من قدرات ومواهب وتوظيفها في المجالات والميادين المختلفة ومن بينها المشروعات الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة والتي يمكن أن تكون فرصة لخلق وإيجاد فرص عمل لأنفسهم ولغيرهم من الناس ، وما لم تخلق وتنمو ثقافة المبادرة والإبداع والخطأ والصواب والتجريب وتجاوز الواقع سوف لن تنمو شريحة المبدعين والمبادرين ليس في مجال العمل والاقتصاد فقط بل في كل مجالات الحياة تقريباً ، ويرتد المجتمع يعيد إنتاج نفسه دون خروج من نفق مسدود لا نهاية له .

وعلى أية حال فيما يلي مجموعة من المشروعات والأفكار لبناء ثقافة المبادرين والمبدعين في مجال التكوين المهني وفي مجال الاقتصاد والتنمية وسوق العمل ، وهذه الأفكار طورها الدكتور على نصار ، وزميله الأستاذ أحمد السمان ، في دراستهما إبداع الأفراد والمجتمعات الطريق نحو التنمية في مصر والعالم العربي رؤية جيلين (2004) " " ، وهي :

1. البدء بالتغيير مهما كان صغيراً طالما بني على تحليل منظومي (التعقد بداية الإجابة) .

2. البدء بالبيانات القليلة ومنهجية تعديل متتابع مع وصول معلومات .

3. محاكاة بمعايير إصلاحية واقعية .

4. هندسة اجتماعية .

5. معايير تنافسية وجودة شاملة .

6. مشاركة المحليات في التصميم والمتابعة والاستيعاب .

7. تفكير في حلول مشكلات لم تأتي بعد .

8. جمع وقت العمل بالمتعة .

9. تعليم وتدريب مستمد بالموقع وعن بعد .

10. السرعة وشبكات الاتصال .

11. طرح أسئلة طوال الوقت .

12. الإرادة والإصرار والنفس الطويل وشموليته واستخلاص النتائج .

13. أجهزة وأنشطة الترجمة ونقل التقنية ووضع المواصفات .

14. المشروعات الصغيرة قبل الكبيرة .

15. تقسيم عمل أفضل مع الشركاء ودول الجوار .

16. مكانة أعلى لثقافة واتجاهات الإبداع والمبادرة في كل مجالات الحياة .

17. المبادرة والإبداع تأتي من داخل المجتمع وخارجه وتأتي من داخل التخصص ومن خارجه .

18. تخصصات علمية ومهنية في إطار جامعات وكليات ومعاهد جديدة في الفكر والتدريب والعمل ، وكلها مترابطة ومتداخلة .

19. الحوار مع الآخر .

20. الحساسية والتنافس ونظم المكافآت المالية والأدبية .

21. العمل من بعد والتعليم من بعد وخفض التكاليف .

22. تشجيع الاختلاف والمغامرة والإبداع والمبادرة .

23. بيع المعلوماتية والبرمجيات .

24. الجمع بين التعليم والتدريب والعمل .

25. البحث المستمر عن مصادر للثروة في البشر وفي المبدعين والمبادرين بشكل خاص .

26. تشجيع وفتح أبواب الاجتهاد والإبداع والمبادرة البناءة لخلق مشروعات اقتصادية تبدأ صغيرة ومتوسطة ثم تكبر وتنمو وتزدهر .

27. استحداث علوم المبادرين والمبدعين وإجراء دراسات علمية حولهم .

28. تشجيع الشباب على حب التعليم الذاتي والمستمد ، والإطلاع في مختلف مجالات العلم والحياة والاقتصاد .

29. استحداث مناهج تعليمية حول استحداث المشروعات الاقتصادية وأساليب إدارتها وحل المشكلات التي تتعرض لها .

30. إنشاء صناعات ريفية وحضرية صغيرة ، وتوفير الدعم المالي والعلمي من قبل القطاعين العام والخاص .


• خلاصة وملاحظات ختامية :

حاولت هذه الورقة تحليل العلاقة بين الإرشاد والتوجيه المهني وتشغيل الشباب ودعم المبادرين ، وأتضح من سياق التحليل إن الإرشاد والتوجيه المهني يعتبر من أدوات وآليات العمل التربوي لإعداد الشباب للعمل والعيش في المجتمع المعاصر الذي يعتمد على اقتصاد تقني سريع التطور والتغير . كما أتضح من هذه الورقة أن النجاح في الإرشاد والتوجيه المهني إنما يعني نجاحاً في التنمية وتطوير وتحديث سوق العمل ، بحيث تزداد فيه فرص العمل للخريجين والشباب من مختلف التخصصات المهنية .

والإرشاد والتوجيه المهني الى جانب وظيفته العامة المعروفة من الضروري أن يسعى لاكتشاف المبادرين والمبدعين والعمل على رعايتهـم وتأهيلهم ، فهؤلاء هـم رواد التنمية والاقتصاد ، وهم الذين يسهمون في خلق فرص عمل جديدة لأنفسهم ولغيرهم من الشباب ، ويمكن أن تبدأ الفرص بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة .

والإرشاد والتوجيه المهني يجب النظر إليه كقضية تعليمية وتربوية واجتماعية واقتصادية ومهنية تنطلق من حاجات الفرد ، وتراعي اعتبارات الاقتصاد وكسب الرزق في سوق العمل .

وأخيراً حاولت الورقة أن ترسم ملامح استراتيجية لتطوير وتحديث الإرشاد والتوجيه المهني على المستويين القطري والعربي الشامل ، ولكي تكون هذه الاستراتيجية أداة للعمل وتوجيهاً للجهود لابد أن ترتكز على منطلقات من أهمها :

1. أن يكون لها رؤية موضوعية للواقع وآفاق العمل في المستقبل .

2. أن تكون لها بنية إدارية متدرجة متكاملة وبرامج وأنشطة على المستويين القطري والعربي الشامل ، وأن يكون العمل الميداني دائماً مرتبط بالخصوصيات المحلية وبمشاركة أوسع قاعدة من السكان .

3. أن يكون لها برامج وأنشطة علمية وتربوية متطورة .

4. أن تعتمد على البحث العلمي المستمر والمتواصل ، والبحث العلمي التحليلي والتطويري والإنمائي .

5. أن يكون لها قاعدة معلومات مترابطة تغطي البلاد العربية وتخدم كل البلاد العربية بالمعلومات والتجارب والدراسات ، وتكون أساساً للتخطيط ورسم سياسات الإرشاد والتوجيه المهني .


كما وصلت هذه الورقة الى أن واقع الحياة الاقتصادية والتنمية وسوق العمل يتطلب ولا شك في ذلك أبداً وجود شريحة من المبادرين والمبدعين القادرين على تحريك الاقتصاد لينمو ويزدهر ، وبالتالي تظهر وظائف وفرص عمل جديدة تسهم في تشغيل الشباب والتخفيف من حدة البطالة التي أصبحت تهدد الشباب العربي وتضعه في دوائر اليأس والإحباط بدلاً من دوائر الأمل والحياة .

وتقترح هذه الدراسة استحداث مراكز للتأهيل المهني في المساء تنتشر في مختلف أنحاء المدن والتجمعات السكانية ، يأتي إليها العاملون للتأهيل وإعادة التأهيل بحسب تطور الاقتصاد وسوق العمل ، وتقدم في هذه المراكز المسائية دورات تأهيلية علاجية ، أي معالجة بعض الصعوبات المهنية للفرد أو تزويده بالجديد من مهارات وفنون في نطاق مهنة موجودة وقائمة في سوق العمل الوطني .




* * * * *




أهم مراجع الدراسة
_________________________________________________



- باللغة العربية :


1. المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (1998) ، المؤتمر الأول لوزراء التربية والتعليم والمعارف العربي ، رؤية مستقبلية للتعليم في الوطن العربي ، الوثيقة الأساسية ، تونس ، منشورات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم .

2. الأمم المتحدة ، البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة UNDP (2004) ، تقرير التنمية البشرية للعام 2004 ، نيويورك ، منشورات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ، باللغة العربية .

3. اليونسكو ، (2004) ، التقرير الختامي لمؤتمر التربية الدولي ، الدورة السابعة والأربعون ، 8-11 سبتمبر 2004 ، وثيقة غير منشورة ، باللغتين العربية والإنجليزية .

4. د/ رمضان السنوسي ، و د/ عبدالسلام الدويبي ، (2003) حاضنات الأعمال والمشروعات الصغرى ، الطبعة الأولى ، طرابلس ، المركز العربي للتدريب المهني وإعداد المدرسين .

5. د/ عبدالسلام الدويبي ، وآخرون ، (2000) ، المدخل الى التوجيه والإرشاد المهني ، الطبعة الأولى ، طرابلس – ليبيا ، منشورات المركز العربي للتدريب المهني وإعداد المدرسين .

6. د/ علي نصار ، والأستاذ أحمد السمان ، (2004) ، إبداع الأفراد والمجتمعات الطريق نحو التنمية في مصر والعالم العربي ، رؤية جيلين ، وثيقة وصلت الى الباحث عن طريق البريد الإلكتروني ، وقدمت في الأصل الى مجموعة الحساب العلمي ، مشروع مصر 2020 ، منتدى العالم الثالث (1998 – 2000) .

7. د. علي نصار ، (2000) ، مهام التعليم العالي وأدواره في السباق العالمي ، دراسة قدمت في إطار مشروع الاستراتيجية العربية لتطوير التعليم العالي بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ، تونس ، أكتوبر 2000 .

8. د/ على الحوات ، (1991) ، أسس التنمية والتخطيط الاجتماعي ، الطبعة الأولى ، طرابلس ، منشورات دار الحكمة .

9. د. مصطفى عمر التير (1996) ، مسيرة التحديث في المجتمع الليبي موائمة بين القديم والجديد ، الطبعة الأولى ، بيروت ، منشورات معهد الإنماء العربي .


- باللغة الإنجليزية :

1. Inkele Alex and David Smith Becoming Modern : Individual change in six developing societies Cambridge press Harvard University press.

2. Internet: National Centre on Education and Economy: Internet Changing standards, Changing lines http://www.NCEE.org 12/09/2002 Our program /NS page html

3. International Association of Universities and the UNESCO (2002) Globalisation and the market in : Higher Education, Quality Accreditation and qualification Paris, UNESCO publishing





],v hgYvah] ,hgj,[di hglikd td jaydg hgafhf

__________________
(اللهم {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} (البقرة:201)
Eng.Jordan غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
المهني, الشباب, الإرشاد, تشغيل, والتوجيه

مواضيع ذات صله بحوث ودراسات تربوية واجتماعية


« أساليب التنبؤ Forecasting Models | تربية العقل الإبداعي »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أهمية القدوة الحسنة في تحقيق التميز المهني Eng.Jordan بحوث ودراسات منوعة 0 12-08-2016 02:34 PM
ألعاب إلكترونية تحدد مستقبلك المهني Eng.Jordan أخبار منوعة 0 03-13-2016 09:53 PM
إسهام مراكز الشباب في تدعيم قيم المواطنة لدى الشباب Eng.Jordan بحوث ودراسات منوعة 3 12-27-2015 12:02 AM
النمو المهني للمعلم لرفع كفاءته التدريسية في مرحلة التعليم العام بالمملكة العربية السعودية Eng.Jordan بحوث ودراسات تربوية واجتماعية 0 11-12-2015 09:36 AM
الرضا المهني لدى المعلمين في دولة قطر Eng.Jordan بحوث الإدارة والإقتصاد 1 01-31-2015 01:46 PM

 

  sitemap 

 

جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 12:45 AM.