تذكرني !

 





مصانع الأفكار.. دور مراكز الفكر في صناعة القرار الأوروبي

علي عاطف - مركز البديل لم تكن الحروب والتدخلات الخارجية التي نفذها الغرب من فراغ، أو تستند إلي آراء “متخذي القرار” فحسب، بل اعتمدت تلك العملية علي تحليلات ونصائح وتوصيات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 05-02-2017, 02:42 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,067
افتراضي مصانع الأفكار.. دور مراكز الفكر في صناعة القرار الأوروبي


علي عاطف - مركز البديل
لم تكن الحروب والتدخلات الخارجية التي نفذها الغرب من فراغ، أو تستند إلي آراء “متخذي القرار” فحسب، بل اعتمدت تلك العملية علي تحليلات ونصائح وتوصيات من مراكز للأبحاث ومراكز للفكر تتخصص في جوانبَ مختلفة من الحياة السياسية.
تلك المراكز تعمل علي إمداد صانعي القرار بالتقديرات العملية، والإحصاءات الخاصة بما يريده صانعو القرار لتخطي مشكلة أو أزمة ما. وتبرز تلك العملية “الإمدادية” لتلك المراكز أكثرَ في الغرب، حيث تلعبُ دوراً كبيراً في الحياة السياسية الغربية، وعليه، فإننا سنحاول هنا إيضاح أهمية تلك المراكز وكيف تقوم بتلك العملية، خاصة في الدول الغربية.
الفرق بين اتخاذ وصنع القرار:
أولاً وقبل كل شيء، يجب إبراز الفرق بين عملية اتخاذ القرار وصنع القرار، فعملية صنع القرار تشمل عدة مراحل منها عملية اتخاذ القرار نفسها، فصنع القرار يعني تلك العملية التي يتم من خلالها السعي لحل مشكلة ما من خلال عدة خطوات، هي :
– الإحساس بالمشكلة وتحديدها.
– البحث عن حلولٍ بديلة وتقييمها.
– اختيار أفضل البدائل.
– تطبيق البديل الذي يتم اختياره.
ما يعني في مضمونه مفهوم “اتخاذ القرار”. لذا، فعملية اتخاذ القرار هي منوطة بالمسئولين أكثر، أم عملية صناعة القرار فهي عملية مؤسساتية يختص بها الخبراء والعلماء والباحثون ومراكز الأبحاث والدراسات، ومراكز الفكر Think Tanks.

1- تعريف مراكز الفكر:
مراكز الأبحاث ومراكز الفكر:
لم يُجمِع الباحثون علي تعريفٍ واحدٍ لمراكز الفكر والأبحاث، وإنما اختلف التعريف بينهم. إلا أن من أشهرها، التعريف الذي قَدّمه استاذ العلاقات الدولية بجامعة جورجيا Howard J.Wiarda، حيث يُفسّرها بأنها، مراكز للبحث العلمي والتعليم، لكن ليست جامعات أو كليات، وهي ليس لديها طلبة، ولكن يمكن أن يكون لديها طلبة متدربون، وهي لا تقدم مساقاتٍ دراسيةً، ولكن هي تنظم العديد من ورشات العمل والتدريب والمنتديات، وهي لا تحاول أن تقدم معرفة بسيطة أو سطحية في كل المجالات، ولكن تركز بشكل معمق في قضايا أساسية في السياسات العامة.
أي أن وظيفة تلك المراكز هي تحليل وتفسير الظواهر والمشكلات ومحاولة تقديم الحلول لها. عن طريق تقديم رؤية شاملة ومجموعة من الحلول المناسبة للمشكلة موضوع الدراسة. وهناك من الباحثين من يقدم لها تعريفاً آخر، مثل: “مؤسسات الفكر والرأي هي منظمات تجري تحليل ومشاركة في البحث في السياسة العامة التي تؤدي إلي ظهور بحوث وتحاليل ونصائح توجهها السياسة العامة تتعلق بقضايا دولية ومحلية، وبهذا يجري تمكين صانعي السياسات العامة وعامة الناس من اتخاذ قرارات مستنيرة حول السياسة العامة”.
أي أنها “أي منظمة أو مؤسسة تدعي أنها مركزٌ للأبحاث والدراسات، أو مركز للتحليلات حول المسائل العامة والمهمة”. أو هي” تلك الجماعات أو المعاهد المنظمة بهدف إجراء بحوث مركَّزة ومكثفة”، وهي تقدم الحلول والمقترحات للمشكلات في مختلف المجالات سواء التكنولوجية أو السياسية والاستراتيجية والعسكرية.
إلا أن هناك من الباحثين من يفُرِّقُ بين مراكز الدراسات ومراكز الفكر Think Tanks من حيث الوظيفة، حيث يقول إن مراكز الأبحاث والدراسات تهدف إلي تقديم تحليل أكاديمي وموضوعي صرف، أما مراكز الفكر أو التفكير فهي تستهدف توجيه صانعي ومتخذي القرار إلي حلول أو رؤي معينة لمشكلة ما، أي أنها تنخرط في صنع القرار السياسي.
2- لمحة عن نشأة مراكز الأبحاث والفكر في الغرب:
نشأت أولي صور مراكز الأبحاث في الغرب في الجامعات، وكانت أولي نشأة تلك الجامعات في القرن الثاني عشر الميلادي، وكانت تلك المراكز تابعة للجامعات، وفي شكل “الكراسي العلمية”، وكانت أولي تلك الكراسي في روما و بولونيا و باريس؛ بغرض البحث في الدراسات الشرقية، وكان ذلك الغرض ناتجاً عن ارتباطٍ كان قد حدث بين المسلمين والأوروبيين أثناء الحروب الصليبية، وكانت أولي تلك الكراسي التي نشأت في بريطانيا في شكل “وقفية”، مثل الوقفيات الإسلامية في ذلك الوقت، وكانت تلك الوقفية باسم وقفية “ديمورتن” بجامعة أوكسفورد للدراسات الدينية بشكل خاص.
وبعد ذلك، تم بالتدريج فصل تلك المراكز عن الجامعات، وأصبحت تهتم بالشئون السياسية والدفاعية أكثر وأكثر وتعمل علي تسخير العلم لأغراض سياسية، وكان ذلك منذ القرن التاسع عشر الميلادي، وفي هذا القرن، أسس “المعهد الملكي لدراسات الدفاعية ببريطانيا عام 1831 ، ثم تأسست الجمعية “الفابية” عام 1884، وسُمّيت تلك الجمعية بذلك نسبة إلي فابيوس كونكتاتورد، وهو أحد القادة الرومان فيما قبل الميلاد (275- 203 ق.م.)، و انضمت تلك الجمعية فيما بعد إلي حزب العمال البريطاني، وأصبحت بمثابة الهيئة والذراع الفكري لهذا الحزب، ومنذ بداية القرن العشرين، بدأت المراكز الفكرية في التخصص أكثر وأكثر وأخذت في الانتشار، وتطور دورها ونشاطها حتي أصبحت أحد اللاعبين في السياسة الداخلية للدولة، وعلي الرغم من أن أُولي وأبرز المراكز البحثية في القرن العشرين ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1910، بنشأة معهد كارنيجي للسلام، ثم إنشاء معهد بروكينجز عام 1916، ثم معهد “انتربرايز” لأبحاث السياسات العامة AEI 19433.
استقلالية مراكز الفكر:
هناك مراكزُ للفكر تكون تابعة لجهةٍ ما أو تكون قائمة بذاتها من ناحية التمويل والربح، وذلك علي النحول التالي:
مراكز مستقلة وقائمة بذاتها:
مستقلة أي غير تابعة لأي جهة حكومية أو أي جماعة مصالح معينة، مثل الأحزاب أو جماعات المصالح الربحية، كالشركات، ويعني ذلك أن تمويلها لا يأتي من الحكومة أو تلك الجماعات.
– شبه مستقلة:
تلك المنظمة تكون مستقلة بذاتها عن الحكومة، أي ليست علي الترتيب الهيكلي لأجهزة الحكومة، ولكنها تتلقي التمويل من جماعات مصالح معينة توفر لها معظم التمويل، وتلك الجماعات يكون لها آثارها علي عمليات المؤسسة.
– منتمية إلي الحكومة:
أي أنها تتبع الهيكل الرسمي للحكومة وتتلقي التمويل منها، فهي جزءٌ من أجهزة ومؤسسات الحكومة.
– شبه حكومية:
يكون تمويلها من المؤسسات الحكومية، لكنها ليست في قائمة الهيكل الرسمي للحكومة.
3- كيف تشارك تلك المراكز في عملية صناعة القرار الأوروبي:
بدأت أنواعٌ متعددة من تلك المراكز الفكرية في الانتشار، وكانت تضم الباحثين والقادة للبحث في أمور مختلفة، منها العالمية والمحلية،
و تطورت تلك المراكز عبر القرن العشرين حتي أضحت توجه وتقدم الاستشارة والتحليلات للعديد من القادة، بل وتضغط أحياناً علي صناع القرار أنفسهم، وتنتشر تلك المراكز في الدول الأوروبية عامة وفي بريطانيا وألمانيا خاصة، علي النحو التالي:
الدولة عدد مراكز الأبحاث
بريطانيا 288
ألمانيا 195
فرنسا 180
بلغاريا 53
السويد 77
هولندا 58
اليونان 35
الفاتيكان 1
سويسرا 73
البرتغال 21
آيسلندا 7
إيطاليا 97
لوكسمبورج 6
إسبانيا 55
النرويج 15

وتأسست العديد من تلك المراكز خلال القرن العشرين، مثل:
– المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية IISS في لندن:
تأسس عام 1958، وهو مركزٌ مستقل غير حزبي، يسعي إلي تنمية دراسات السلام والأمن حول العالم، بغية إقامة واستمرار العلاقات الدولية في شكل سلمي. وتركز دراسات المركز علي قضية “الردع النووي” ووقف سباق التسلح، ويصدر المركز كل عام تقريراً مهماً حول التوازن والقدرات العسكرية للدول، كما يعقد المركز العديد من المؤتمرات والقمم التي تركز علي الجانب الأمني، ومن الجدير بالذكر أن دراسات الجانب الأمني تبدأ من دراسات “منع الانتشار” النووي إلي دراسات الأمن البيئي.
كما أن هناك العديد من المكاتب التابعة للمركز في دولٍ عدة، منها الولايات المتحدة الأمريكية( في واشنطن) وفي سنغافورة وفي البحرين. ويقوم المركز عن طريق الذراع الاستشاري له Corporate Advisory Arm بتقديم الاستشارات والتحليلات المختصة بالجوانب الاستراتيجية والمخاطر السياسية. وبالإضافة للتحليلات الأمنية العسكرية يصدر المركز تقريراً سنوياً خاص بجانب العلاقات الدولية، وكتباً حول القضايا الاستراتيجية العامة، وقضايا الملفات النووية، كما خصص المركز قاعدة بيانات تختص بالصراعات المسلحة.
– الجمعية البريطانية لدراسات الشرق الأوسط:
تأسست تلك الجمعية عام 1973، وتُعرف باسمBRISMES، وتعمل الجمعية علي تشجيع ونشر دراسات الشرق الأوسط في بريطانيا، وتجمع في أروقتها العديد من المفكرين والأساتذة والطلبة والباحثين والصحافيين المهتمين بدراسات الشرق الأوسط، فعضويتها مفتوحة لجميع هؤلاء المذكوري بغض النظر عن الجنسية. وتعمل الجمعية علي التعمق داخل الجامعات الحكومية لنشر أهمية دراسات الشرق الأوسط للمجتمع البريطاني.
كما تقوم الجمعية بتوثيق الصلات بين الباحثين داخل الممكلة المتحدة والأجانب خارج حدودها، بما في ذلك المراكز الفكرية والجمعيات الأخري المنتشرة حول العالم والمهتمة بمجالات الدراسات الشرق أوسطية، وتلعب الجمعية دوراً بارزاً في الجمعية الأوروبية لدراسات الشرق الأوسط (EURAMES)، و لها العديد من الاتصالات بجمعية شمال أفريقيا لدراسات الشرق الأوسط، وبعد كل هذه المجهودات، بدأت الأكاديمية البريطانية British Academy منذ العام 20077، تقديم الدعم المالي للجمعية البريطانية لدراسات الشرق الأوسط.
– المعهد الملكي للخدمات الدفاعية الموحدة:
تأسس المعهد عام 1831، عن طريق دوقية ويلينجتون، ويختص المعهد بمناقشة القضايا الدفاعية والأمنية، ويُعد المركز أقدم معهد من نوعه في العالم، ويتمركز في حي ” وايتهول” الذي يُعد هو الآخر مقراً للحكومة البريطانية، ويعمل المركز علي دراسة القضايا التعلقة بالأمور الوطنية الدفاعية والعالمية، ويصدر المعهد تقاريرا بشأن تلك القضايا ويبرز أهم الحلول لها.
– مركز أبحاث اقتصادات ما بعد الشيوعية:
تأسّس المركز في نوفمبر 2012 ، ويعمل علي دعم الأبحاث وعقد ورش العمل والمؤتمرات والمحاضرات العامة والدوائر المستديرة والدورات التدريبية، والمناظرات في مجالات الدراسات السياسية والعدالة الانتقالية والاقتصادات في المراحل الانتقالية والتعددية الثقافية والتاريخ السياسي.
– الرابطة الأطلسية الهولندية:
أنشأت الرابطة عام 1952، وتعمل في مجال توفير المعلومات المتعلقة بالقضايا الأمنية التي تهم الدول التي تقع علي ضفتي المحيط الأطلنطي، كما تعمل علي تشجيع البحوث والمناقشات المتعلقة بنفس الموضوع، مثل العلاقات الأوروبية – الأمريكية، وفي سبيل تحقيق ذلك، تعمل علي عقد الدورات والتدريبات وإصدار التقارير والأبحاث و إلقاء المحاضرات.
– المؤسسة الدانماركية للبحوث الدولية:
جرى تأسيس هذا المركز من قِبل البرلمان الدانماركي عام 1991، وهي منظمة مستقلة تعمل في جميع الحقول العلمية، وقد تم دعمها بـ3مليارات كرون عام 2008، ومرة أخري تلقت دعماً في عام 2015، بما يسمح لها بالعمل بحرية حتي عام 2036، وقد تلقت هذا الدعم لكونها من أفضل المؤسات البحثية الدانماركية المستقلة.
– المؤسسة اليونانية للسياسة الأوروبية والخارجية:
معهد مستقل غير ربحي يعمل علي إنتاج الأبحاث والتدريب، وهو لا يعبر عن أي تجاهٍ سياسي حزبي أو حكومي، وهدفها الرئيسي هو الدفاع عن حق الحوار والنقاش، عن طريق تشكيل منتدي للحوار العام عن مواضيع ترتبط بالتكامل الأوروبي والبيئة الدولية والأوروبية.
وفي سبيل ذلك، يدعم المركز الأبحاث الخاصة بالتكامل الأوروبي والعلاقات الدولية، وتسليط الضوء علي العلاقات بين ضفتي الأطلنطي والأمن والهجرة وحقوق الإنسان والحكم الرشيد وقضايا تغير المناخ. وبعد ذلك، تمد المنظمة صانعي القرار في القطاعين العام الحكومي والخاص في اليونان وأوروبا وخارج القارة بوجه عام بالمعلومات المستقلة والموثقة والتحليلات السياسية والتوصيات.
– المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية:
يهدف المعهد إلي تقديم البحث العلمي في مجالات السياسات الدولية والأمنية والخارجية، بالتعاون مع الحكومة الألمانية. وخلال تلك العملية، يعمل علي تقديم الاستشارات والتحليلات المستقلة ونشر نتائج تلك الأبحاث.
– المعهد الهولندي للعلاقات الدولية:
أنشيء المعهد عام 1983، نتيجة لاندماج 5 مؤسسات بحثية أصغر كان كلٌ منها مهتماً بحقل العلاقات الدولية، ويقوم المركز بمهامه عن طريق دعم المشروعات البحثية والتدريبية، وأنشأ المعهد شبكة من العلاقات مع العديد من مراكز الأبحاث الأخري ذات الصلة بـالأمن الدُوَلِيّ وأوروبا، والعلاقات عبر المحيط الأطلنطي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة وروسيا والإرهاب وأسباب النزاع والصراعات والدول الفاشلة والأمم المتحدة و حلف شمال الأطلنطي “الناتو” وأوروبا، وقد أصبحت الدبلوماسية كذلك أحد اهتمامات المركز فيما بعد.
– مركز أبحاث السياسات الأوروبية:
تم إنشاء المركز في بروكسل عام 1983، وهو مركز فكرٍ بارز ومنتدي للحوار حول شؤون الاتحاد الأوروبي، يشاركه في ذلك العديد من المؤسسات المختصة والمعنية حول العالم، ويأخذ المركز علي عاتقه أمور البحث في التحديات التي تواجه الاتحاد الأوروبي، و العمل علي إيجاد منتدى للحوار بين الشركاء في الاتحاد الأوروبي حول شؤونه السياسية، كما يحاول المركز إيجاد تعاونٍ بين الباحثين وصناع القرار ورجال الأعمال في كل أنحاء القارة الأوروبية.
– المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية:
معهدٌ مستقل يُركز أبحاثه بشكل أساسي علي القضايا السياسية، ويهدف إلي مساعدة الشخصيات والمؤسسات العامة في عملية اتخاذ القرار ويتخذ المركز قرارته البحثية بشكلٍ مستقل بعيداً عن التأثيرات المجتمعية أو المؤسساتية الأخرى، وفي الوقت الحالي، يعمل المعهد علي تطوير 15برنامجا ومشروعاٍ بحثياً حول القضايا الإقليمية، ويتعاون المركز في إعداد برامجه مع العديد من المؤسسات المعنية الأخرى.
يتضح مما سبق أن مراكز الفكر والدراسات، علي اختلاف أنواعها، تلعب دوراً كبيراً في أوروبا في نشر الاهتمامات بمنطقة معينة أو بقضية محددة، فرأينا، علي سبيل المثال، الجمعية البريطانية لدراسات الشرق الأوسط تعمل علي التوعية بدراسات الشرق الأوسط من خلال الندوات والمؤتمرات والأبحاث المنشورة والتقارير. كما أنها تعمل علي تقديم المشورة لصانعي القرار في المملكة المتحدة حول الشرق الأوسط، وهكذا تفعل العديد من المعاهد ومراكز الفكر في القارة الأوروبية، فتحاول التركيز علي نقطة محددة مثل الأمن كالمعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، أو الدفاع مثل المعهد الملكي للخدمات الدفاعية الموحدة أو حقوق الإنسان والهجرة كـالمؤسسة اليونانية للسياسة الأوروبية والخارجية، وتتخذها منطلقاً لعملية بحثية طويلة.
ثم تعطِي ناتجَ هذا البحث إلي صانعي أو “متخذي” القرار فيختار هذا المسؤول أو ذاك السياسي ما يراه مناسباً لحل مشكلته. ولذا، فإن عملية اتخاذ القرار ليست عملية عشوائية، بل تستند في كل دول العالم إلي معايير ومناهج – خاصة إذا كانت قرارات استراتيجية – متعددة وتُسند إلي مراكز ومؤسسات مختصة؛ حتي تستطيع الجهة البحثية أن نتنج لصانع القرار الحل السليم الذي يكون بأقل الخسائر وأكثر “الجوائز”.
فاعلية مراكز الفكر الأوروبية في القضايا السياسية:
مراكز الفكر الأوروبية ودورها في تقسيم الشرق الأوسط (العراق نموذجاً):
كان أول من دعا إلي تغيير البنية الأساسية الجيوسياسية للشرق الأوسط هو أحد الضباط الأمريكيين المتقاعدين وهو “رالف بيترز”، ففي يونيو 2002، دعا بحث مقدم إلي مؤسسة “راند” إلي تبني الخيار العسكري ضد الدول الشرق أوسطية في حال فشلت جهود الإصلاح السلمية، ودعا كذلك معهد “هدسون” للدراسات الاستراتيجية في ورقة مقدمة إلي وزارة الدفاع الأمريكية إلي إسقاط الأنظمة الملكية ودعم المعارضة في شبه الجزيرة العربية؛ بهدف إنشاء جمهورية مستقلة هناك، وقد اجتمع باحثون من المركز بمسؤولين أمريكيين ودعوهم إلي إنشاء كيانٍ جديد وظائفي في دول الخليج العربي، إلا أن المعهد نفسه تراجع عن تأكيداته السابقة تلك عندما لم يجد المفتشون الدوليون آثاراً لأسلحة الدمار الشامل في العراق بعد الغزو.
وقد طرحت مؤسسات بحثية ومراكز فكرية مقربة من وزارتي الخارجية والدفاع الأمريكيتين فكرة إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط عبر تطبيق التجربة العراقية. فاقترحت إعادة رسم خريطة شبه الجزيرة العربية علي النسق العراقي.
وفي تقريرٍ آخرَ لها عام 2008، بعنوان العقبات التي تواجه انتشار الأعمال الإبداعية في العالم العربي، دعت مؤسسة “راند” البحثية إلي توسيع النفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط عبر تكثيف الدعاية الإعلامية ونشر الثقافة الغربية وإلي الالتفاف علي حكومات الشرق الأوسط، وكذلك إلي إضعاف الأصولية المتطرفة في المنطقة، إلا أنه يمكن القول إن غياب دور مراكز الفكر العربية كان قد أغلق المجال في وجه تلك المراكز في استيعاب فهمٍ واضح ورصين للشرق الأوسط ومقوماته.
العراق:
شاركت مراكز الفكر الغربية بشكلٍ كبيرٍ في الإعداد لغزو العراق 2003، فمن خلال توصياتها الصادرة عنها دعّمت تلك المراكز مشاركة القادة الأوروبيين في غزو العراق، فالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندنIISS كان قد أصدر، علي سبيل المثال، تقريراً في مايو 20022 يحذر فيه من خطر الرئيس العراقي السابق صدام حسين، وخطر برنامجه النووي والأسلحة الكيميائية ( المزعومة)، وجاء في التقرير ما يلي”:إذا لم يتم وقف تطوير البرنامج النووي العراقي، سيكون احتواء طموحات إيران النووية أشد صعوبة، وفي حال عدم لجم هذه الطموحات فمن الممكن أن تحصل المملكة العربية السعودية بل ودولة الإمارات المتحدة علي سلاح نووي من بلد ثالث”، فالمعهد هنا يدعو المعنيين للتحرك العاجل لضرب القدرات العسكرية للعراق؛ لتجنب انتشار خطر الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، ودعا المعهد في تقريره بشكل صريح، المجتمع الدولي للتعامل مع ما أسماها “المشكلة التي لا مثيل لها” ، فقالإن صدام حسين لا يشكل تهديداً فحسب، وإنما هو يمثل خطراً فعلياً علي مستوي الأسلحة النووية…ومن واجب الأسرة الدولية أن تتحرك فوراً للتعامل مع هذه المشكلة التي لا مثيل لها”.
4- مستقبل الدور الذي يمكن أن تلعبه تلك المراكز في أوروبا:
إذا كانت تلك المراكز تلعب دوراً ما – سواء كان كيبراً أو غير ذلك – في الدول الأوروربية، فإن أكبر المشكلات التي توجهها وستواجهها هي مشكلة التمويل المالي، والتوجه السياسي، بالإضافة إلي تصنيف تلك المراكز، ويمكن الحديث عن تلك النقاط الثلاث فيما يلي:
أ‌- مشكلة التمويل المالي:
كثيرٌ من مراكز الفكر الأوروبية تعتمد بشكلٍ رئيسي في تمويلها علي دعم بعض الجهات المانحة لها، مثل الجهات الحكومية ورجال الأعمال أو حتي بعض جماعات الضغط، حتي تستطيع تلك المراكز أن تستمر وحتي تكون قادرة علي إصدار منشوراتها باستمرار، وإلا ستتوقف، فعلي سبيل المثال، تلقت أحد المراكز البحثية في بريطانيا مبلغاً قدره 25 مليون يورو من البحرين؛ لأغراض سياسية، ما جعل استقلال تلك المؤسسة البحثية علي المحك، ولذا، فإن ديمومة هذا التمويل سيفرض عليها، أي علي تلك المراكز، أن تنحاز بشكل جزئي أو كلي، سواء بشكل واضح أو غير ظاهر في المستقبل، إلي إحدى تلك الجهات، سواء الجهات الحكومية أو أحد رجال الأعمال أو حتي إلي بعض جماعات الضغط مثل جماعات الضغط السياسيةLobbies . لذا، فإن طبيعة تلك المراكز ستفرض عليها الانحياز السريع أو التدريجي إلي الانتماء إلي إحدى الجهات أو التيارات السياسية.
ب – العلاقة بين تلك المراكز ووسائل الإعلام:
تستمد مراكز الفكر في أوروبا والعديد من الدول الأخري مصادرها المعلوماتية من وسائل الإعلام، وهذا ليس في أوروبا فقط، بل حتي في المراكز البحثية في الولايات المتحدة الأمريكية والشرق الأوسط. وإذا كانت وسائل الإعلام نفسها تقع تحت سيطرة عددٍ معينٍ من رجال الإعلام والسلطة الغربيين، فإنه بالتالي ستنعكس تلك الآراء علي مراكز الأبحاث تلك؛ حيث إنها تستقي منها معلوماتها، فتصبح إذاً تلك المراكز موجهة بطريقة غير مباشرة من وسائل الإعلام التي يوجهها في الأصل بعض رجال الأعمال وأصحاب القرار في أوروبا. وإذاً تصبح تلك المراكز موجهة في النهاية من نخبة مالية وسياسية أوروبية.
ج- البعض من هذه المراكز تنشئها الحكومات الغربية:
وتعمل تلك الحكومات الغربية علي التحكم في تلك المراكز من خلال التمويل الذي تمدها به. لذا، فليس من المنتظر أن تقدم تلك المراكز الأوروبية رؤية تحليلية مثل تلك التي تقدمها المراكز الأخرى المستقلة أو حتي شبه المستقلة. فمركز مثل المؤسسة الدانماركية للبحوث الدولية قد تم دعمها بـ3مليارات كرون عام 2008 فقط حتي يُسمح لها بحرية العمل البحثي، علي الرغم من أنها تم إنشاؤها من قبل البرلمان الهولندي نفسه، ولذا، ففي حالة لم تتلق مثل هذه المؤسسة هذا الدعم فكيف كان من الممكن أن تستمر في أبحاثها أو حتي ضمان الموضوعية أو الحياد في المشروعات البحثية التي تقوم بها، فبقاء تلك المؤسسات البحثية مرهونُ بمنشئها ثانياً وممولها أولاً.
د- ميول هذه المراكز الفكرية:
بالإضافة إلي قضية التمويل، تبرز علي الناحية الأخرى قضية الاتجاهات الفكرية “المفروضة” أو المنتقاة من مؤسسي مراكز الفكر في الغرب، فغالباً ما يوجه صاحب المال الأوروبي المركز البحثي الدراسي من أجل خدمة قضية أو مذهب محدد، فنجد مثلاً مركز أبحاث اقتصادات ما بعد الشيوعية، يتوجه من اسمه نحو البحث في قضية معينة.
دور مراكز الفكر الأوروبية في احتواء الصعود الروسي في المستقبل:
يلعب الروس حالياً دوراً متصاعداً في القارة الأوروبية، فبعد ضم شبه جزيرة القرم إلي روسيا وتصاعد الأزمة بين الجانبين الروسي والغربي في مناطق عدة منها الأزمة في سوريا، وقد جلب هذا الاهتمام انتباه مراكز الفكر الأوروبية، فدأبت علي إصدار التقارير والأبحاث لمحاولة وضع تفسيرات وحلولٍ لكيفية احتواء الغرب لموسكو.
وسلطت تلك الأبحاث الضوء علي النفوذ الروسي المتزايد في سوريا وكيفية احتواءه، فقد دعا معهد الدراسات الحربية بالولايات المتحدة الأمريكية ISW، المقرب من حلف شمال الأطلسي “الناتو”، علي سبيل المثال، إلي الأخذ في الحسبان النفوذ الروسي علي المسرح السوري؛ حيث إن هذا النفوذ سيُمِكّن الروس من شن عمليات في عموم منطقة الهلال الخصيب وشرقي البحر المتوسط، وتشكل المرة الأولي في التاريخ لإنشاء روسيا قاعدة لاستعراض قوتها خارج آفاق البحر الأسود”، وحث المعهد واشنطن وحلف شمال الأطلنطي ” الناتو” علي ضرورة ردّ الناتو علي هذا التطور الروسي في المتوسط والأخذ في الحسبان تلك المخاطر الحقيقية له.
أما معهد كاتو المؤسس عام 1977 CATO في بريطانيا آنذاك، فقد دعا إلي محاولة التوصل إلي اتفاق مشترك بين الغرب وروسيا؛ وربط المركز في تقريره بين الاضطرابات في شرقي أوكرانيا والنفوذ الروسي في سوريا، حيث أوضح أن العلاقة بينهما هي علاقة عكسية.
وبشكلٍ عام، فإن مراكز الفكر الأوروبية تولي اهتماما مركّزاً لآفاق الدور الروسي وصعود نفوذه بالمجال الحيوي للقارة العجوز، خاصة بعد انهماك الولايات المتحدة بالشرق الأوسط وصراعاته المعقدة، فعلي سبيل المثال ، كوّن مركز Geman Marshal Funf of the United States أو GMF الألماني مع مراكز بحثية أخري، هي باختصار( CTR، CSIS، CNAS)، بالإضافة إلي المجلس الأطلنطي Atlantic Council ، مجموعة اكاديمية للبحث في التوصيات وما يجب أن يناقشه اجتماع حلف الناتو 20166.م في وارسو، وركزت الأبحاث والمناقشات حول التحديات التي يواجهها الحلف حالياً.
ومن المرجح أن تكثف تلك المراكز من جهودها العلمية والأكاديمية في تقديم التقديرات الصحيحة ووجهات النظر النافذة للحكومات الغربية، فيما يخص سياسات احتواء الصعود الروسي، وصياغة الارتباطات الاستراتيجية الجديدة مع العديد من القوي البازغة، خاصة في جنوب شرق آسيا، كما أنه من المرجح أن يتزايد دور مراكز الفكر العاملة بالنظام الهيكلي لحلف شمال الاطلسي “الناتو” نحو مواجهة التصاعد الكمي والكيفي للروس في مجالات التسليح.
الخلاصة: من المرجح أن تكثف تلك المراكز من جهودها العلمية والأكاديمية في تقديم التقديرات الصحيحة ووجهات النظر النافذة للحكومات الغربية، فيما يخص سياسات احتواء الصعود الروسي، وصياغة الارتباطات الاستراتيجية الجديدة مع العديد من القوي البازغة، خاصة في جنوب شرق آسيا، كما أنه من المرجح أن يتزايد دور مراكز الفكر العاملة بالنظام الهيكلي لحلف شمال الأطلسي “الناتو” نحو مواجهة التصاعد الكمي والكيفي للروس في مجالات الصناعات العسكرية، وكذلك تقديم الرؤي للحكومات الغربية الفاعلة بأزمات الشرق الأوسط.







المصادر والمراجع:
محمد عيد، “عقل العدو…دور مراكز الدراسات الاستراتيجية في عملية اتخاذ القرار الإسرائيلي”، مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية، 18أكتوبر 2016.م.
https://goo.gl/PZdsxc
“About us”, IISS.
https://www.iiss.org/en/about-s-us
1-
“About us”, BRISMES.
http://www.brismes.ac.uk/about-us
2-
“About RUSI”, RUSI.
https://rusi.org/about-rusi
3-
The Foundation, “Danish National Research Foundation” .
http://dg.dk/en/about-us/
4-
“Message from the President of the Board of Directors”, ELIAMEP.
http://www.eliamep.gr/en/about-us/
5-
“About SWP”, German Institute for International and Security Affairs.
https://www.swp-berlin.org/en/about-swp/foundation/
6-
History of Clingendael, Netherlands Institute of International Relations.
https://www.clingendael.nl/history
7-
“About CEPS”, CEPS.
https://www.ceps.eu/content/about-ceps
8-
“Research”, IFRI.
https://www.ifri.org/en/research

Rob Evans, “British thinktank received £25m from Bahraini royals, documents reveal”, the guardian, 6th December 2016.
https://www.theguardian.com/world/20...cuments-reveal
المصدر: ملتقى شذرات


lwhku hgHt;hv>> ],v lvh;. hgt;v td wkhum hgrvhv hgH,v,fd

__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
مراكز, مصانع, الأفكار.., الأوروبي, الفكر, القرار, صناعة

« استشراف سوق النفط في منطقة الشرق الأوسط | أثر النقود الإلكترونية على السياسة المالية والنقدية »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
نيويورك تايمز تفجر أكبر فضيحة دولية : مراكز صناعة القرار الأمريكية مرتشية Eng.Jordan مقالات وتحليلات مختارة 0 11-10-2014 07:50 PM
مراكز الفكر الأمريكي...قراءة في خرائط مراكز الفكر الأمريكية Eng.Jordan مقالات وتحليلات مختارة 0 08-29-2014 08:27 PM
مراكز التفكير الأمريكيّة: الفكر يصنع القرار Eng.Jordan مقالات وتحليلات مختارة 0 03-25-2014 10:42 AM
حرب الفيروسات و صناعة الأمراض: هل أفلت فيروس أنفلونزا الخنازير من مصانع عسكرية؟ Eng.Jordan مقالات وتحليلات مختارة 0 05-06-2013 10:55 AM
حرب الفيروسات و صناعة الأمراض: هل أفلت فيروس أنفلونزا الخنازير من مصانع عسكرية؟ Eng.Jordan مقالات وتحليلات مختارة 0 05-06-2013 10:55 AM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 07:32 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68