تذكرني !

 





الاستِعمارُ اللغويُّ؛ المغْربُ نَموذجًا

الاستِعمارُ اللغويُّ؛ المغْربُ نَموذجًا ــــــــــــــــ (أشرف اقريطب) ــــــــ 16 / 5 / 1438 هــ 13 / 2 / 2017 م ــــــــــــ

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 02-13-2017, 05:38 PM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة الاستِعمارُ اللغويُّ؛ المغْربُ نَموذجًا


الاستِعمارُ اللغويُّ؛ المغْربُ نَموذجًا
ــــــــــــــــ

(أشرف اقريطب)
ــــــــ

16 / 5 / 1438 هــ
13 / 2 / 2017 م
ــــــــــــ

الاستِعمارُ اللغويُّ؛ المغْربُ نَموذجًا 2-2-2017 A.jpg





الاستِعمارُ اللغويُّ؛ المغْربُ نَموذجًا
------------------
أشرف اقريطب
--------
باحث مغربي مختص في اللّغة والهويّة
------------------

مُقدّمة:
----

تُحاول هذه المقالة قدر الإمكان معالجة قضيّة ارتباط وتأثير الاستعمار على الوضع اللغويّ المحليّ، مما ينتج عنه اضمحلال الهوية المحليّة في ثنايا هذه الاستعمار، فالأخير لا يختزل فقط في الاقتصاد والسياسة بل حتّى على اللغة، ويمكن اعتبار الاستعمار اللغويّ أخطر نوع، فبه يصل المستعمِر إلى الانقضاض على هوية وثقافة البلد المستعمَر مما يجعل الأخير في حالة من الضياع والتبعيّة التي لا تنتهي، ولنا في مثال المغرب والجزائر وتونس ودول إفريقيا عموما خير مثال على استمرار لغة المستعمِر حتى بعد مغادرته، بل من الدول ما جعلت لغة المستعمِر هي اللغة الرسميّة (غينيا، السينغال، بوركينافاصو) على حساب اللغة الوطنية المحليّة.

سأمثل في هذه الورقة لنموذج الاستعمار اللغوي الفرنسي بالمغرب، الذي دام 44 سنة ورقيا لكن واقعيا لا يزال ساريا إلى الآن. فما هو مفهوم الاستعمار؟ وما اللغة؟ كيف تركزت اللغة الفرنسية في المدرسة المغربيّة؟ ما جهود المسؤولين المغاربة في تعريب العلوم؟ وما الحلول التي قد تكون ناجعة في تجاوز اللغة الفرنسية التي فقدت مكانتها في البحث العلميّ الدوليّ؟

مفهوم الاستعمار:
---------

نجد في التاريخ، أشكالا عدة للاستعمار، حيث تختلف التعريفات بهذا الشأن، لكنها تتفق في القول إن الاستعمار يظل ذلك الشبح الذي ينقض ويغزو الدول بذريعة التوسع على حساب الدول الضعيفة. والاستعمار لغةً من فعل استعمر، حيث جاء في المعجم الوسيط[1]؛ استعمره في المكان: جعله يعمُره، والدول الاستعماريّة الدول التي تحتل غيرها وتفرض سيادتها وسيطرتها عليها. هذا بالنسبة للتعريف اللغوي للاستعمار، أما سياسيا فيعني حسب الدكتور عز الدين فودة "تكوين فرع من دولة الأصل، يثب ليجعل من نفسه دولة جديدة تشبه الدولة الأم في الجنس واللغة والآداب والتقاليد، تربطها بها رابطة ولاء وتحالف لدرء غوائل المعندين"[2]. وهذا التعريف يجعلنا نفكر في الذي يحصل في أرض فلسطين، حيث حاولت ونجحت إسرائيل في أن تتوغل وتبني لها دولة تنافس دولة فلسطين في مسألة الإقرار بأحقية إحداهما عن الأخرى. وما حصل للمغرب من طرف فرنسا يمكن أن نسميه بالاستعمار الجديد NeoColonialism والمقصود به؛ "ذلك الاستعمار الذي يعترف بمبدأ الاستقلال للمستعمرات القديمة، ولكنه يحتفظ في نفس الوقت بالدعائم الرئيسية التي قام عليها الاستعمار منذ يومه الأول، ولا سيما المصالح الاقتصادية والأهداف الاستراتيجيّة وتحويل القوى الوطنيّة إلى التناحر والصراع الداخلي فيما بينها"[3]. حيث غادرت فرنسا المغرب (1956) لكنها تركت "لوبيات" يدافعون عن اللغة الفرنسيّة (التسويق لها على أنها لغة الحضارة والرقيّ) كل ما سمحت لهم الفرصة لأنها تخدم مصالحهم أكثر من اعتماد الللغة الإنجليزية (لغة العلم والبحث العلمي حاليًا) كلغة الثانية بعد العربيّة.

مفهوم اللغة:
-------

لغةً من فعل لغيَ بمعنى تكلمّ، ولغة جمع لغات. اصطلاحًا نجد لها تعريفات عدة ومتنوعة، فقد عرّفها ابن جني ب "أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم"[4]، في هذا التعريف نلمس ذكر لوظيفة اللغة التي هي التواصل وهذا ما نجده في اللسانيات مع المدرسة الوظيفيّة بزعامة كل من الفرنسي أندري مارتينيه والإنجليزي هاليداي، حيث رأو بأن الوظيفة الأساسية للغة هي وظيفة التواصل بين البشر. أما المدرسة التوليدية مع العالم الأمريكي نعوم شومسكي فقد ميّز اللغة بــأنّها "أفضل مرآة للعقل البشري"[5]، فـــ شومسكي يعتبر أن اللغة فطرية في دماغ الإنسان، فالطفل يولد وهو مزود بملكة Competence لغوية تجعله قادرا بسهولة على اكتساب النسق اللغوي المعقد[6] والتعبير فيما بعد عن حاجياته اليوميّة. أما دوسوسير فاهتم باللغة كبنية وبوجهيها الفردي والاجتماعي وهذا ما يظهر في تعريفه للغه بأنها "لها جانب فردي وجانب اجتماعي، ولا يمكن تصور أحد الوجهين دون الآخر"[7]، فــــ دوسير ومن معه من المدرسة البنيوية اهتموا بببنية اللغة في ذاتها ولذاتها بغض النظر عن السياق والاستعمال. وعلى العموم تبقى اللغة هي ذلك الكيان الذي يحفظ لمتحديتها وجودهم وهويتهم ويعطي ذلك التنوع الدنيوي استنادا لقوله تعالى: "ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين"[8].

مفهوم الهويّة:
-------

لا يمكن الحديث عن اللغة دون ربطها بالهوية، بحكم وجود تفاعل بين المفهومين، ونجد في المعجم الفرنسي الموسوعي لاروس يعرف الهوية بــ "ذلك الشيء الذي يجعل من نفسه نوعا آخر"[9] بمعنى هي ما يمكننا من التعرف على شخص من بين أشخاص آخرين، أو هي بمثابة شيئين متطابقين وهي ضد الاختلاف. ويعرفها حسن حنفي بــ "التجربة الإنسانية المعيشة. فالإنسان هو الذي له هوية وليس الشيء الطبيعيّ"[10] وتبقى الهوية حسب عبد العلي الودغيري "جملة علامات وخصائص من أجناس مختلفة، تستقل بها الذات عن الآخر، فبغياب هذه العلامات والخصائص تغيب الذات وتذوب في الآخر، وبحضورها تحضر"[11]. وللغة أهمية كبيرة في حفظ الهوية، فإذا فقدَ الشخص لغته فقدَ هويته؛ حتى أمكن القول إن اللغة هي الهويّة.

السياسة اللّغويّة بالمغرب:
------------

يمكن هنا أن نتساءل؛ إلى أي مدى هي السياسة اللغوية المغربية سياسة واضحة المعالم ومنسجمة في ذاتها، في ظل اللانسجام اللغوي الذي تعرفه البلاد؟ وهل هذه السياسة أعطت طفرة قوية للغة العربيّة في ظل الاستعمار اللغوي الفرنسي أم العكس؟

- السياسة لغةً:
--------

قال ابن منظور: "ساس وسيس عليه أي أمر وأمر عليه"، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كان بنو إسرائيل يسوسهم أنبيائهم"، أي يتولوا أمورهم كما يفعل الأمراء والولاة بالرعية، وتعني السياسة: القيام على الشيء بما يصلحه، والسياسة: فعل السائس؛ يقال "هو يسوس الدواب إذا قام عليها وراضها والوالي يسوس رعيته".

- السياسة اللّغويّة اصطلاحا:
--------------

السياسة اللغوية هي عبارة عن نوع التعامل الرسمي لأجهزة الدولة مع اللغة أو اللغات المستعملة داخل كيان سياسي معين وهو الدولة.

ويمكن أن تشمل السياسة اللغوية عناصر تتعلق بوضع اللغات المستهدفة، أي الإعتراف بها باعتبارها لغات رسمية، أو وطنية، إلخ، ويمكن أن تشمل السياسة اللغوية أيضا العناصر المرتبطة بمتن اللغة، أي اللغة، من خلال تنميتها الداخلية (تعيير، تحديث المعجم، أو إصلاح الخط، إلخ) وفي كثير من الحالات، يكون هناك ارتباط وثيق بين وضع اللغة ومتنها، إذ لكي تحصل لغة على وضع معين، ينبغي تطويعها حتى تكون قادرة على أداء وظائفها التي نرغب في إسنادها إليها، ولهذا السبب تتضمن السياسات اللغوية، مبدئيا، الشقين معا. ويعد المغرب أحد النماذج المتسمة بتعايش أكثر من لغة واحدة، وبصورة غير متوازنة (العربية الفصحى، الدارجة، الأمازيغية بأنواعها، الفرنسية، الإسبانية، الإنجليزية).

يمكن القول هنا، أن السياسة اللغوية بالمغرب سياسة برغماتيّة بامتياز باعتبارها مبنية على التعددية والتبعيّة، مما يجعلها سياسة تغريبية جعلت اللغة الرسمية لغة ثانية ولربما ثالثة، في حين انتصرت للغة المستعمِر وجعلتها في مطاف اللغات الرسمية، وهناك تفسير واحد لهذا الأمر، هو عدم أن السياسة اللغوية بالبلاد لا تأخذ جديا في اعتبارها تكوين الأجيال الصاعدة معرفيّا وإعداده للحياة بالحرص على بناء شخصيته وتكوينها.

التشريع القانوني للّغة العربيّة:
---------------

تنص جميع الدساتير التي عرفها المغرب، ابتداء من دستور 1962 وصولا لدستور 2011 (دستور المملكة المغربيّة الجديد) على أن اللغة العربيّة هي اللغة الرسمية للبلاد. وهذا نجده حتى قبل دستور 1962 قد نصّ على رسمية اللغة العربيّة المادة الثالثة من القانون الأساسي، المُعلن عنه بمقتضى ظهير 2 يويلوز 1961.

المعروف أن الدستور هو أعلى قانون في البلاد، ودور التشريع بمختلف درجاته هو تطبيق مقتضيات الدستور عن طريق تفصيلها، وترتيب ما يجب أن يرتب، مما جاء به من مبادئ واختيارات وليس معاكستها وخرقها.

من المعلوم كذلك أن المفهوم القانوني لرسميّة اللغة العربيّة يقتضي أن تصبح مستعملة في جميع مناحي الحياة التعليمية والإدارية والاقتصادية والاجتماعيّة، لكن الواقع هو غير ذلك؛ ففي التّعليم كما سنأتي تغلب اللغة الفرنسية على مقراراته كما أن من شروط التوظيف إتقان اللغة الفرنسيّة، أما الإدارة فتغلب عليها اللغة الفرنسية سواء من حيث كتابة الوثائق أو من حيث التعامل مع المواطنين المغاربة، كما نجد على مستوى لافتات المقاهي وملصقات الشوارع الإشهارية أسماء فرنسية دخيلة على اللغة العربيّة تمت فّرْنَستُها (مقهى باريس، شارع مارسيليا، متجر بوردو)، كما أن عقلية المواطن المغربي استقرت على أن حديثه باللغة الفرنسية أو نطق كلمات فرنسية دليل على ثقافته ونبوغه ؛ وهذا ما نجحت فيه فرنسا أثناء حملتها الشرسة على اللغة العربيّة، حيث سوّقت لنفسها أنها لغة حضارة ورقي ومن يريد اللحاق بركب المدينة والحداثة عيه تعلمها والحديث بها. فإذا كانت التشريعات والقوانين تهلل للغة العربية فإن الواقع يبين عكس ذلك في مشهد يكاد يُغيّب الثقافة المغربيّة.

السياسة اللّغويّة في التّعليم:
---------------

اخترتُ مجال التّعليم بحكم أن كل عمليات النهوض والإصلاح وتغيير الواقع تبدأ من بوابة التربيّة والتّعليم التي تبقى القطب الرئيسي الذي تتجمع عنده كل العمليات الثقافيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة. كما أنّ مراكز التربيّة والتعليم هي الرحم الذي ينتج الإنسان ويهيكله، ويؤهله للعب دوره المنوط به كفاعل في الجماعة التي ينتمي إليها ويتفاعل معها.

ولما كانت عمليّة التربية والتعليم مرتبطة ارتباطا وثيقا باللغة، إذ لا يمكن لهذه العمليّة أن تتم إلا بحضور اللغة والمراهنة عليها. وهذا ما ذهب إليه عبد الرزاق التورابي بالقول إن "الحديث عن نجاح وفاعليّة ودور مؤسسات التربيّة في إنتاج وتأطير المواطن وتأهيله لا يمكن أن يستقيم إلا إذا كانت اللغة الوطنيّة ذات سيادة في مجمل العمليّات التربويّة"[12].

في هذا المنحى، وجب أن نشير إلى أن إصلاح اللغة العربيّة والنهوض بها في المنظومة التربوية لا يعني سد منافذ التأثير والتأثر، ولكن يعني إعطاء هذه اللغة مكانتها الحقيقية كلغة وطنية ذات ارتباط بالهوية والكينونة، وباعتبارها كذلك لغة حية فاعلة ومتفاعلة مع النسيج اللغوي العام، بالتالي من الضرورة أن نعي ونثمن دور اللغة الرسمية والدور الإيجابي للغات الأخرى.

إن الرؤيا الواضحة في السياسة اللغوية في قطاع االتعليم ما زالت تتخبط في شباك الغموض. فالدروس مثلا التي نرجو منها أن تكون دعامة للغة الرسميّة لا ترقى إلى مستوى التطورات المختلفة، وذلك راجع من جهة إلى الطابع القديم للمادة المدروسة في المستويات التعليميّة المختلفة، حيث إن المادة التي يقدم بها الدرس تعود إلى القرن الثاني الهجري وهو القرن الذي عرف ظهور "الكتاب" لـ سيبويه؛ أول مؤلَف قعّد للنحو العربي. وقد استمرت هذه المادة في معظمها مع الكتب التي شرحت سيبويه أو ألفت فيما ألف فيه. ورغم الفرق الزمني الذي يربو عن إثني عشر قرنا. فإن المادة ما زالت تدرس في الجامعة من خلال كتاب شرح ألفيّة ابن مالك لابن عقيل وكتاب "المغني" لابن هشام. وهما مؤلفان من القرن الثامن الهجري، فالملاحظ هنا أنه على الرغم من أن الجامعة مؤسسة حديثا فإنها احتفظت بالطابع القديم الكلاسيكي. وهذا يدل على أن السياسة اللغوية المواكبة للتغيرات والتطورات اللغويّة وغير اللغوية انعكست سلبا على حال اللغة العربيّة.

إذا عدنا إلى مرحلة ما قبل الاستعمار، نجد فرنسا حاولت بشتى الطرق إضعاف اللغة العربيّة وجعلها في نظر المغاربة لغة التخلف والرجعية، بالمقابل سعت لوضع سياسة تعليمية مواكبة لأطماعها الاستعمارية في البلاد. في هذا الشأن يذكر الدكتور محمد الرحالي "تركيز الحكام الفرنسيون بالمغرب على المكانة الهامة للتعليم في تثبيت السياسة اللغوية الفرنسية وتحقيق الأهداف الاستراتيجية للمحتل"[13]. حيث نجحت فرنسا إلى حد كبير في إنجاح مشروع التقسيم العرقي حيث جعلت لها مدارس فرنسية بربرية[14] يتم فيها تعليم الفرنسية للصغار مع تقديم دروس محدودة من العربية.

كان للمدارس الفرنسية البربرية هدفان، اقتصادي وإعلامي. الهدف الاقتصادي تمثل حسب محمد الرحالي في "تكوين يد عاملة طيعة ومؤهلة عمليا للمساهمة بنجاعة في رفع إنتاجية الاقتصاد الفرنسي بالمغرب الذي كانت الفلاحة تشكل إحدى دعائمه القويّة"[15]، أما الهدف الإعلامي، فسعت من خلاله فرنسا إلى استعمال المدرسة وسيلة لتغييب الحقائق بل وإعطاء حقائق مزورة في عملية تُشبه غسل الدماغ وشحنه بالدعاية والاعتراف للوجود الفرنسي.

يمكننا تلخيص خطوات السياسة اللغوية والتعليمية الفرنسية في المغرب في النقاط التاليّة:

أ) تقسيم عرقي: سعت فرنسا من خلاله إلى خلق الهوة والصراع بين البربر والعرب.

ب) إجراء تنفيذي: تمثل في إجهاض فرنسا على اللغة العربية بإضعافها وإقصائها من المدرسة المغربية ونفس الشيء مع الأمازيغية، بالمقابل تثبيت الفرنسية لغة مشتركة وموحدة عبر خلق المدارس البربرية والفرنسية كما ذكرنا.

جـ) الأهداف المرجوة: سياسية، خلق لوبيات تنتصر للغة الفرنسية، وإيقاف انتشار الإسلام بصفته موحدا وحافزا للمقاومة. إعلامية، بالدعاية وتغييب الحقائق عن المواطنين. واقتصادية، بتكوين يد عاملة مؤهلة تساعد في رفع إنتاجية الاقتصاد الفرنسي.

هكذا إذن، لمْ تكن المدرسة والتعليم عموما، في التصور الفرنسي الاستعماري وسيلة لبلوغ غاية المعرفة والحق في التعلم، بل كان وسيلة ممنهجة لتحقيق الهيمنة على المجالات الحيوية (التعليم، الاقتصاد، الطب، القضاء) من خلال محاولة القضاء على اللغة العربيّة وجعلها لغة ثانية في البلاد.

بعد رؤية واسعة لحال اللغة العربيّة وعلاقتها بالهويّة والتّشريع القانوني ومضايقات الفرنسية دخل المغرب في تحدي لغوي غير مسبوق يتجلى بشكل واضح فيما يُعرف بالتعريب. ترى منذ متى بدأت السياسة التّعريبيّة؟ وهل تمّ الوصول إلى الهدف المنشود أم لا؟

سياسة التّعريب:
--------

تزايدت في العقود القليلة الماضية الجهود المغربية لتحقيق التطور الشامل لمواكبة الدول المتقدمة بموجب تبني التّعريب[16]والترجمة في محاولة نقل الكلمات أو المصطلحات من لغة أجنبية إلى اللغة العربيّة، مع تحويرها نطقا لتلاءم النطق والصرف العربيّ، وتستند أغلب الجهود إلى أفكار ونظريات علميّة للدولة. لكن ما أن نضجت الفكرة حتى ساد أو طغى شيوع استخدام المؤلفات والمصطلحات الأجنبيّة، الأمر الذي يتطلب العمل على الحد من تفشي هذه الظاهرة في مختلف النظام التعليمي للبلاد.

وقد حظي التّعريب في مختلف القطاعات باهتمامات كبيرة منذ بداية النهضة المغربيّة غداة الاستقلال، وأصبح محورا هاما في المؤتمرات واللقاءات العلميّة على مُختلف المستويات. باعتبار أن اللغة العربيّة تمثل أحد العوامل الرئيسية والدعامات الهامة التي يرتكز عليها الشعور بوحدة الأمة المغربية خاصة والأمة العربية عامة. بالإضافة إلى أنها لغة الدين الإسلامي. ومن هنا فإن استخدام اللغات الأجنبيّة بدلا من العربية يؤدي إلى إضعاف الكيان الثقافي والفكري للبلاد والأمة.

وموازاة مع ذلك وتخطيطا منه قام المغرب بسن سياسة تعريبية تستهدف استعمال اللغة العربية في مختلف القطاعات، ففي ميدان التعليم انطلق من خطة تعريب العلوم الدقيقة ثم إلى العلوم السياسية، مع العمل على تقوية حصص اللغة الفرنسيّة. ونتيجة للظروف الاجتماعية والسياسية التي يعيشها المغرب؛ يمكننا القول بصورة عامة إن الهدف من التعريب هو أن تكون اللغة العربية أداة تثقيف ومعرفة وتنظيم اجتماعي وتوجيه سياسي.

وبذلك فمفهوم التعليم في السياسة والتخطيط اللغوي بالمغرب يضفي اعتماد النظام التعليمي في البلاد على اللغة العربية كوسيلة للتدريس والتحصيل. وهو يستند إلى التعريب في التعليم بجميع مراحله وذلك لأنه الميدان العريض للاختبار والتجريب وسرعة ظهور النتائج وتعميم الفائدة من أجل التخطيط للمستقبل.

ويندرج هذا في إطار مفهوم "التعريب الأفقي" (تعريب سنة بعد سنة) الذي نهجه المغرب بنشر اللغة العربية في تعليم المواد الدراسية في مرحلة كاملة من مراحل التّعليم كما هو متبع. وهذا يتطلب جهود ضخمة وتكاليف هائلة من أجل التدريس باللغة العربية، وإعداد المعلم Teacher القادر على استخدام اللغة استخداما سليما بالإضافة إلى توفير الكتاب المدرسي الشامل والمتكامل في تدريس جميع المواد المقررة باللغة الرسمية التي ينص عليها الدستور (المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، لغتها الرسمية هي اللغة العربية، وهي جزء من المغرب الكبير)، وإلى تعميم اللغة تدريجيا في سنوات التعليم.

كما أقر المغرب تسييس تعليمي هو ما عُرف تاريخيا بــ "المبادئ الأربعة" (التعليم، التوحيد، التعريب، ومغربة الأطلر). وهي المبادئ التي اقترحتها "اللجنة الملكية لإصلاح التعليم" التي كونها الملك الراحل محمد الخامس (ت 1961) والتي عقدت أول اجتماع لها في 28 دجنبر 1957؛ كأساس لإستراتيجية تعليمية حاول من خلالها:

أ) تعميم التعليم على جميع الأطفال البالغين سن التمدرس (بين 6 و7 سنوات).

ب) توحيده في مدرسة وطنية واحدة بدل التعدد الذي كرسته الحماية الفرنسية (التعليم الإسلامي، التعليم الأوربي)، والذي أتى من الحركة الوطنية بديلا له يتمثل في المدارس الوطنية الحرة التي أصبحت هي نفسها مع الاستقلال عنصر في التعدد.

جـ) التعريب وكان المقصود منه وما يزال كما أشرنا سالفا جعل اللغة العربية لغة تعلم جميع المواد.

د) مغربة الأطر: فقد كان يراد بها تعويض الموظفين غير المغاربة في التعليم كما في الإدارة، وكلهم فرنسيون بكفاءات مغربيّة.

وواضح أن هذا المبدأ الأخير هو وحده الذي تحقق، كما تحقق مبدأ التوحيد برؤية إجمالية من خلال توحيد مواد التعليم وبرامجه على مختلف المدارس، ومن خلال المراقبة التربوية التي تقوم بها وزارة التربية الوطنية. أو من المفروض أنها تقوم بها على المدارس الخاصة والمعاهد الدينية.

يبقى الهدف من أي إصلاح للتعليم هو رفع العار والمهانة اللذين كرستهما الأهداف الاستعمارية، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتخطيط العقلاني الحازم لبعث الحياة في المبادئ الوطنية للسياسة التعليمية في المغرب وتحيينها. إن التعميم والمجانية والتعريب ليست مقولات جامدة. بل مطالب نجد ما يبررها في الواقع الراهن، مثلما وجدت في الماضي ما أملاها وجعلها تجسم اختيار الأمة جمعاء. إن "الوطنية" بالأمس و "التنميّة" اليوم لا تتناقضان. فالوطنيّة في المغرب لم تكن في يوم من الأيام لها تعريف آخر سوى الاستعمار والتخلف، وعندا "زال" الاستعمار أصبحت تعني في الدرجة الأولى العمل للخروج من التخلف أي من أجل الوطنية، والتنمية تتطلب تعميم التعليم في المجتمع الذي عانى ويعاني من الفقر والبطالة يتطلب المجانية والتعريب: المجانية وحدها تمنح الحد الأدنى من تكافؤ الفرص، والتعريب يمكن من توصيل المعرفة إلى الشعب، إذ ليس من الممكن إخراج الشعب من لغته وإدخاله في لغة أخرى.

مما تقدم نخلص إلى أن التعريب يعني باختصار إعطاء اللغة العربية منزلتها الطبيعية كلغة قومية تضطلع بمهمة التعبير، بصفة رئيسة أساسية، على كافة المضامين والمفاهيم المتداولة في المجتمع، وتتخذ لغة عمل الإدارة والاقتصاد والإعلام وكافة مرافق المجتمع ومؤسساته.

لكن هل استمر مفهوم التعريب بمحتواه في وطننا المغربي ليهدف إلى تحقيق وضع لغوي طبيعي، تعتبر فيه اللغة الأم لغة أساسية تماما، كما تعتمد اللغة الأم في مختلف البلدان التي لا تخضع لتعبئة لغوية ثقافية؟ وهل يظل بهذا المعنى أيضا حينما يمثل وجها من وجوه العمل الوطني والقومي، لمواصلة حركة التحرر ومقاومة الاستعمار باستئصال رواسبه في مستوى الثقافة والاستعمال اللغوي؟ وهل يدخل التعريب في إطار السياسات الحكومية الخاصة باللغات، وعلاقات اللغات ببعضها بعض والمشكلات النابعة عن ذلك؟

أسئلة ساخنة ستظل مطروحة على حكومة عبد الإله بنكيران والحكومات المتعاقبة وعلى وزارة عبد الله الداودي إلى حين إيجاد صيغة توافقية تجعل من المغرب بلدا بهوية وطنية، قومية محلية خالعة عنها ***اب التبعية لفرنسا.

خاتمة:
---

إذا كان المغرب قد حقق استقلاله في الخمسينات، فإنه لا يعدو أن يكون استقلالا جيوــــ سياسي، لكنه لم يستطع أن يحقق استقلاله الثقافي والفكري واللغوي عن الاستعمار الفرنسي، الذي ترك نخبا سياسية واقتصادية وفكرية تخدم مصالحه خادمة بذلك أهدافا استراتيجية سياسية واقتصادية. بهذا نجحت فرنسا في إرساء نظام تعليمي يتماشى مع السياسة الفرنسية، وبهذا تشكيل نخب من أتباعها في الداخل والخارج.

ليبقى السؤال متى يحين موعد الاعتراف باللغة الإنجليزية (لغة العلم) لغة ثانية بدل اللغة الفرنسية التي فقدت كل مقومات العالمية؟

------------------------------------------
المعجم الوسيط؛ من عمل مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ظهر إلى النور سنة 1960.[1]

عز الدين فودة، "حوار حول مفهوم اللغة"، مجلة الطليعة 1 (1965): 59.[2]

نفسه، 63.[3]

أبو الفتح عثمان ابن جني، الخصائص، تحقيق: محمد علي النجار (القاهرة، دار الكتب المصريّة، 2006): 33.[4]

[5] Chomsky N, Knowledge of ******** )New York, 1986), 1.

تأخذ اللغة تعقيدها باعتبارها تتضمن المكون الصوتي والصرفي والدلالي والتركيبي والتداولي، بحيث لا يمكن الفصل بين مكوناتها.[6]

[7] Saussure Ferdinand, Cours De Linguistique Générale (Paris, 1995), 24.

سورة الروم الآية 22.[8]

[9] Collectif. Petit Larousse illustré, Dictionnaire Encyclopédique pour tous, Librairie Larousse, (Paris, 1981), 509.
حسن حنفي، "الهوية والاغتراب في الوعي العربي"، مجلة تبين 1 (2012): 11.[10]

عبد العلي الودغيري، اللغة والدين والهوية (الدار البيضاء، مطبعة النجاح الجديدة، 2000)، 68.[11]

عبد الرزاق التورابي، حماية اللغة، منشورات معهد الأبحاث للدراسات والتعريب، 90 ـــــــــ 91.[12]

محمد الرحالي، "اللغة والتنمية والسياسة اللغوية بالمغرب"، مجلة بصمات المغرب، 4 (2009): 43.[13]

كانت تدرس فيها فقط اللغة الفرنسية رغم أن الإسم يحيل للغة الأمازيغية.[14]

محمد الرحالي، "اللغة والتنمية والسياسة اللغوية بالمغرب"، مجلة بصمات المغرب، 4 (2009): 44.[15]

حققت سوريا في مجال التعريب تطورا هاما لم تصل إليه بعد باقي الدول العربيّة.[16]



ــــــــــــــــــــ
المصدر: ملتقى شذرات


hghsjAulhvE hggy,d~EP hglyXvfE kQl,`[Wh

رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
المغْربُ, اللغويُّ؛, الاستِعمارُ, نَموذجًا

« الرصيد اللغوي العربي والتأليف المدرسي | - »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 03:23 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68