تذكرني !

 





بحوث ودراسات منوعة أوراق بحثية ودراسات علمية

فُصُولٌ مِن جُهُودِ الإبراهيمي في إصلاحِ شبَابِ الأُمَّةِ (1)

فُصُولٌ مِن جُهُودِ الإبراهيمي في إصلاحِ شبَابِ الأُمَّةِ (1) ــــــــــــــــــــــــــــ (سعد بن عبدالله بانِيمة) ــــــــــــ 21 / 7 / 1438 هـ 18 / 4 / 2017 م ـــــــــــــ

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 04-18-2017, 02:20 PM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة فُصُولٌ مِن جُهُودِ الإبراهيمي في إصلاحِ شبَابِ الأُمَّةِ (1)


فُصُولٌ مِن جُهُودِ الإبراهيمي في إصلاحِ شبَابِ الأُمَّةِ (1)
ــــــــــــــــــــــــــــ

(سعد بن عبدالله بانِيمة)
ــــــــــــ

21 / 7 / 1438 هـ
18 / 4 / 2017 م
ـــــــــــــ

فُصُولٌ جُهُودِ الإبراهيمي إصلاحِ شبَابِ 7abf33cf9b82b4a46c7c78e9b08b8b3f-796x427.jpg





تميَّزَت مَسِيرةُ الإِصلاحِ التي قام بها الـعَالمُ الكبيرُ، الأَدِيبُ الأَريبُ، الشيخ مُحمَّد البَشِير الإِبراهيمي (الجزائِري)، رحمه الله، باهتمَامِه البَالغِ تُجاه شبَابِ وَطنِه الجَزائِر، وأُمَّتهِ الـمُسلمَةِ. فقد انصَبَّت جُهودُه المبذُولَةِ في العِنايَةِ بهذه الشَّريـحَةِ الـشَّبابيَّةِ التي عليها قِوامُ الـبُلدَانِ، وبها تُبنَى المجتَمعَات، مِن خِلالِ حيَاتهِ وسِيرَتهِ وتَعلِيمِه وتَوجِيهِه. وقد أثمرَت جُهودَه تلك عن "جمعية العلماءِ" التي قادَت بحركتِها العِلميةِ والدَّعويةِ الشَّعبَ الجزائري إلى التَّحرُّرِ والاستقلالِ عن الاستعمار الفرنسي.

وقَبلَ الـدُّخولِ في الـكلامِ عن الدَّورِ الرائِدِ الـذي اضطَلعَ به العَالمُ المصلِحُ، والأديب الأريب، الشيخ محمد البشير الإِبراهيمي، تجـاه شبَابِ أُمَّتِه وبلَدِه الـجَزائِر، تعليمًا وتوجيهًا. يـَحسنُ بـنا أَن نقِفَ على ما قَصدَه الإبراهيمي بمُصطَلحِ (الشَّباب)، الذي وَردَ وتكرَّرَ كثيرًا في كلامِه وخُطبِه ومقَالاتِه. وهو ما أطلَقَ عليه بـ(الطَّورِ الثَّالثِ) أو الثَّلاثِين مِن الـعُمُر، وهي سِنُّ (بُلُوغِ الأشُدِّ) التي ورَدَت في القُرآن الكريم: ((ولَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَينَاهُ حُكمًا وعِلمًا وكَذَلِكَ نَجزِي الـمُحسِنِينَ))، يُوسف: 22. فقد أَورَد الإِمَامُ الطَّبري –رحمه الله، في تـفسيرهِ، عن ابن عبّاسٍ ومُجاهِد -رضي الله عنهما- بأَنَّها: "ثلاثٌ وثلاثُون سَنةٍ"[1].

وهو الطَّورُ الذي ظهَرَ فيه نُضُوجُ الشيخ الإِبراهيمي -كما سيأتي معنا. ولعلَّ هذا ما حَـملَه على أَن يـقُول: "وأقُولُ: الشَّبابُ.. ولستُ أعني بهذا اللَّفظِ معناه المصدَريّ في عُرفِ اللُّغةِ،.. وإنَّما أعني بهذا اللَّفظِ طائِفةٌ مِن الأناسي انتَهوا في الحياة إلى ذلك الطَّورِ الثَّالثِ بعد الطُّفولَةِ واليفَاعَةِ"[2].

الإِبراهيمي أَيّامَ الشباب:
-------------

جاءَ الـمُصلِحُ الإِبراهيمي إِلى الـدُّنيا سنةَ (1306هـ- 1889م) وما أَن فَتحَ عَينيهِ حتى رأى الاستعمار يبطِشُ ببلدهِ، بهيمنتهِ وإذلاَلهِ، وتجهيلهِ وتضليلهِ، فما ترك الـمُستعمِرُ نقيصَةً يبطشُ بها إِلاَّ ووضعها، ولا باطلاً إِلاَّ سَوَقَهُ ونمَقَهُ. فكان أَن وَأَدَ الـحُريّات ونهبَ الثروات، وفَرسَنَ الأَلسنَ واللُّغات. بلَ وأَعلن الحربَ على كُلِّ الـمقدسات. وهُنا تعالتَ هِمّةِ هذا الشابِ اليافِع، لِينفُض الغُبارَ عن أُمتهِ، ويُصحح الـمسارِ في طريقِ وطنهِ، ويدفعَ ويدافِع الـصائِل على دينهٍ وهويتهِ.
ومرَّت حيَاتُه بخَمسَةِ مَراحِلَ -كما قَسَّمَها الشيخ نفسه رِحمهُ الله.

الـمرحلة الأُولَى:
--------

وهَي التّي ابتدأَ الـحدِيث فيها عن أَوّل أَيامِ ولادتهِ إِلى أَن بلغَ الرابعةَ عشرَة. وسنسردُ هذه الـمرحلةَ دونَ أَن نقفَ عندها أَو نُعلِّق عليها، فاللبيبُ تكفيهِ الإِشارةَ ولطيف العبارةِ ! فقد حَفِظَ الإبراهيمي فيها القُرآن، وحصَّلَ العُلومَ الكِثيرَة حفظاً واستيعابًا، وتلقِينًا وإِدراكًا. وكان ذلك عن طريقِ عمّهِ الّذي قال عنه: "عَمِّي شَقِيقَ والدي الأَصغر الشيخ محمد المكي الإبراهيمي -رحمه الله. وكان حامِلَ لواءِ الفُنونِ العربية مِن غير مدافع، مِن نحوها وصرفها واشتقاقها ولغتها، أخذ كل ذلك عن البقية الصالحة من علماء هذه الفنون بإقليمنا،.. فكنت لا أُفارِقُه لحظةً حتى في ساعات النَّومِ، فكان هو الذي يأمرني بالنوم، وهو الذي يوقظني منه، على نظام مضطرد في النوم والأكل والدراسة. وكان لا يُخلِيني مِن تَلقِين، حتى حين أَخرُجَ معه وأُماشِيهِ للفُسحَةِ. فحَفِظت فنُونَ العِلمِ المهمَّةِ في ذلك السِّن، مع استمراري في حِفظِ القُرآن، فما بَلَغت تسعَ سِنينَ مِن عُمُري حتى كنت أحفَظُ القُرآنَ مع فهمِ مُفرَداته وغريبه. وكنت أحفظُ معه ألفية ابن مالك، ومعظم الكافية له، وألفية ابن معطي الجزائري، وألفيتي الحافظ العراقي في السير والأثر، وأحفظ جمع الجوامع في الأصول، وتلخيص المفتاح للقاضي القزويني، ورقم الحلل في نظم الدول لابن الخطيب، وأحفظ الكثير من شعر أبي عبدالله بن خميس التلمساني، شاعر المغرب والأندلس في المائة السابعة، وأحفظ معظم رسائل بلغاء الأندلس مثل ابن شهيد وابن برد وابن أبي الخصال وأبي المطرف ابن أبي عميرة وابن الخطيب، ثم لفتني عمي إلى دواوين فحول المشارقة، ورسائل بلغائهم، فحفظت صدرًا من شعر المتنبي، ثم استوعبته بعد رحلتي إلى الشرق، وصدرًا من شعر الطائيين، وحفظت ديوان الحماسة، وحفظت كثيرًا من رسائل سهل بن هارون وبديع الزمان، وفي عنفوان هذه الفترة كنت حفظت بإرشاد عمي كتاب كفاية المتحفظ للأجدابي الطرابلسي، وكتاب الألفاظ الكتابية للهمداني، وكتاب الفصيح لثعلب، وكتاب إصلاح المنطق ليعقوب السكيت، وهذه الكتب الأربعة هي التي كان لها معظم الأثر في ملكتي اللغوية.

ولم يزل عمي -رحمه الله- يتدرّج بي من كتاب إلى كتاب تلقينًا وحفظًا ومدارسة للمتون والكتب التي حفظتها حتى بلغت الحادية عشرة، فبدأ لي في درس ألفية ابن مالك دراسة بحث وتدقيق، وكان قبلها أقراني كتب ابن هشام الصغيرة قراءة تفهّم وبحث، وكان يقرئني مع جماعة الطلاب المنقطعين عنده لطلب العلم على العادة الجارية في وطننا إذ ذاك، ويقرؤني وحدي، ويقرؤني وأنا أماشيه في المزارع، ويقرؤني على ضوء الشمع، وعلى قنديل الزيت وفي الظلمة، حتى يغلبني النوم، ولم يكن شيء من ذلك يرهقني، لأن الله تعالى وهبني حافظة خارقة للعادة، وقريحة نيّرة، وذهنًا صيودًا للمعاني ولو كانت بعيدة، ولما بلغت أربع عشرة سنة، مرض عمي مرض الموت، فكان لا يخليني من تلقين وإفادة وهو على فراش الموت، بحيث أني ختمت الفصول الأخيرة من ألفية ابن مالك عليه وهو على تلك الحالة"[3].

الـمرحلـةُ الثانِيَة:
-----------

وهي الّتي انتقلَ فيها الإِبراهيمي الشَّاب مِن (الـتحصِيل) إِلى (التدريس). يـقول عنها : "ولمـَّا مات عمي، شرعت في تدريس العلوم التي درستها عليه، وأجازني بتدريسها، وعمري أربع عشرة سنة، لطَلَبَتِه الذين كانوا زملائي في الدراسة عليه، وانهال علي طلبة العلم من البلدان القريبة منا، والتزم والدي بإطعامهم والقيام عليهم كالعادة في حياة عمي، وربما انتقلت في بعض السنين إلى المدارس القبلية القريبة منا لسعتها واستيعابها للعدد الكثير من الطلبة، وتيسّر المرافق بها للسكنى، ودمت على تلك الحال إلى أن جاوزت العشرين من عمري...."[4].

ثُـمَّ يذكرُ أَنّهُ بـقِيَ بعدها مُتخفِياً إِلىَ أَن هاجرَ إِلى المدينة من ظلم فرنسا، وكان ذلك سنةَ 1911م؛ وكان عمرَهُ عشرون سنة! ومَرَّ في طريقهِ بالقاهرةِ، فالتقى فيها بجمعٍ مِن الـعُلماء والفُقهاءِ والأَدباءِ والعُظماءِ، كـالشيخ مُحمّد بخيت الـمُطيعي الذي "حَضرَ دَرسَهُ في البخاري، والشيخ يوسف الدَّجوي.... وحضَرتُ عِدَّةَ درُوسٍ في دارِ الدَّعوةِ والإرشادِ التي أسَّسها الشيخ رشيد رضا في منيل الروضة، وزُرتُ شاعر العربية الأكبر أحمد شوقي، وأسمعته عدة قصائد مِن شعره مِن حفظي فتهلّل -رحمه الله، واهتزّ، كما اجتمعت بشاعر النيل حافظ إبراهيم في بعض أندية القاهرة وأسمعته من حفظي شيئًا من شعره كذلك".[5]
ولك أَن تتخيّلَ وتتأَمّل وأَنتَ تقرأَ هذا الـنَّصَّ، شابٌ لَم يبلغ الـحُـلُـمَ بَعدٌ، في بلَدٍ ضَربَ الاستعمارُ عليها بِأَطنابِهِ، وهو يـجلس لِيعُلِم النّاس مِن حقائِقَ الـعُلومِ ودقِيقها، وصغيرها وكبِيرها، مما كانَ قد حفظُهُ وفهمَهُ في صباهُ، حالَةٌ لاَ تكادُ تراها إلاَّ إذا قرأتَ وقلَّبتَ في تَراجم الكِبار أَمثال: الشافعِي والبُخارِي وابن تيمية وغيرهم.[6]

الـمرحـلةُ الثالثة:
----------

في هذهِ الـمرحلةِ وَصَلَ الشَّاب الـمُصلِحُ في رِحلَتهِ إِلى مَدِينةِ رسُولِ اللهِ –صلى الله عليه وسلم؛ وذلكَ أَواخِرَ سنة 1911م. وطفِقَ يتنقلُ بين حلَقِ العِلمِ في الـحَرمِ النَّبوي. وفيه التقى بعالمين: الـعزِيزُ الوزِير التُّونُسِي، والشيخُ حُسين أَحمد الفيض آبادِي الهندِي، اللذان قال عنهُما: "والحقُّ يُقالُ.. عالمان محققان واسعا أُفُقِ الإدرَاكِ في عُلومِ الحديثِ وفِقهِ السُّنةِ، ولم أكن راغبًا إلاَّ في الاستزادة مِن عِلمِ الحديث، رواية ودراية، ومِن عِلمِ التفسير؛ فلازمتهما ملازمة الظلِّ، وأَخَذت عن الأوَّلِ الموطأ دِرايةً، ثم أدهشني تحقيقه في بقية العلوم الإسلامية، فلازمت دَرسَه في فقه مالك، ودَرسَه في التوضيح لابن هشام، ولازمت الثَّاني في درسه لصحيح مسلم. وأشهد أنِّي لم أَرَ لهذين الشيخين نظيرًا مِن عُلماءِ الإسلامِ إلى الآن. وقد علا سِنِّي، واستحكمت التَّجرِبَةُ، وتكاملتِ الملَكَةُ في بعض العلوم، ولَقِيتُ مِن المشايخ ما شاء الله أن ألقى. ولكنني لم أَرَ مِثلَ الشيخين في فصَاحةِ التَّعبيرِ ودِقَّةِ الملاحظةِ والغَوصِ عن المعاني واستنَارَةِ الفِكرِ، والتَّوضيحِ للغَوامِضِ، والتقريب للمعاني القَصيَّةِ.

ولقد كُنتُ لكَثرةِ مطَالعَاتي لكُتُبِ التَّراجِمِ والطبقات قد كوَّنت صُورَةً للعالم المبرز في العلوم الإسلامية، مُنتَزَعَة مما يصف به كتاب التراجم بعض مترجميهم، وكنت أعتقد أن تلك الصورة الذِّهنية لم تتحقق في الوجُودِ الخارجي مُنذُ أزمان، ولكنني وجدتها محقّقة في هذين العالمين الجليلين"[7].

الـمرحلة الرّابعةُ:
----------

وهي الّتي تزامنت مع خُرُوجِه مِن مَدينةِ رسُول الله -صلى الله عليه وسلم، قاصِدًا دِمشقَ الشَّام. وهناك التقى بالعالِم الكبير الأستاذ مُحمّد بهجة البيطار، وغيرهِ مِن كبارِ العلُماءِ والأُدبَاءِ في الشَّام في ذاك الزمن. وانهالَ يومَها الـكِبارُ والشَّبابُ والصِّغارُ على هذا الشَّابِ رَغبَةً مِنهم للنَّهل مِن عِلمهِ، والاستفادةِ مِن تحصِيلِه وسمته. فكانت تُعقَدُ له الـدُّرُوسُ في الــمَسجِدِ الأَمويِّ للـوَعظِ والإرشَادِ، ثُـمَّ وقع اختيارهُ للـتدريس لـمادَةِ (الأَدبِ العَربِي)، لطلبةِ الـصُّفوف النهائِية الـمُرشَّحةِ للبكالوريا في المدرسة (السُّلطانية). وقد تخرج على يديهِ يومـها كِبار الأدباء والوُجهاء، كـالأُستاذ جمِيل صليبا، والأُستاذ عدنان الآتاسي، وغيرهم. ثُمَّ طَلَبَ مِنه الأَمِيرُ فيصل بن الـحُسين الرُّجوعَ إِلى مَدِينةِ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم، لتَولِّي رِئاسَةِ وإِدارةِ (دائِرةِ الـمعَارفِ). إِلاَّ أَنَّ الإِبراهيمي أَبى لـما طرأَ عليه وعلى الـمدينة يومـها مَن أَحدَاثٍ وتَغيُّراتٍ، وشعَرَ أَن ريـحَ ونسائِم بلادهِ الـجزائِر أَصبَحَت تُناديهِ. لـيبدأَ الشَّابُ الـمُصلحُ مَرحلَةً جديدةً مِن مرَاحِلِ حياتهِ.

الـمرحلة الخامسةُ:
----------

وهيَ تُعتَبَرُ من أَهـمِ مراحلِ الحياة الّتي ستبدأ في حياةِ الـمصلحِ الإِبراهيمي، الـتي سينطلِقُ فيها طورُ (التَّحصِيلِ) و(التدريس) إِلى مرحلة (الـتَّفكير) و(التَّخطِيطِ) و(التَّنفيذ). فـبعد أَن مَكَثَ الشيخُ سِتَّ سَنواتٍ في مدينةِ رسُول الله -صلى الله عليه وسلم، الّتي نستطِيعُ أَن نقُول إنَّه (نـَضُجَ) مِن خِلالها. قد والتقَى فيها برفيق الدَّرب في مسيرةِ الـدّعوة والإِصلاح بلَدِيِّهِ، الذي لـم يلتقي أو يتعارفا عليه إِلَّا خَارجَ وطنه، ألا وهو الـعالم الكَبير عبدالحمِيد بن باديس -رحمه الله. وقد صوّر الإِبراهيمي هذا اللقاء في صورةِ رائِعةِ الخيال، عظيمةَ البيان فقال: "كان مِن تدابيرِ الأقدارِ الإلهية للجزائر، ومِن مخبّآتِ الغيوبِ لها أن يرد عليَّ بعد استقراري في المدينة المنوّرة سنة وبضعَةَ أشهرٍ أخي ورَفِيقي في الجهاد بعد ذلك، الشيخ عبدالحميد بن باديس، أعلم علماء الشَّمالِ الإفريقي، ولا أغالي، وباني النهضات العلمية والأدبية والاجتماعية والسياسية للجزائر"[8].

وقد كَان هذا اللِّقاءُ في أَوائِل العِشرينيات مِن عُـمرِ الشيخ محمَّد البشير الإِبراهيمي وابن بادِيس.[9]
ويَروي الإِبراهيمي قِصّةَ اجتماعهما ولقائِهما فيَقُول: "كُنَّا نؤدّي فَرِيضَةَ العِشاءِ الأَخيرَةِ كُلَّ ليلَةٍ في المسجدِ النبوي، ونخرُجُ إلى مَنزِلي، فنسمُرُ مع الشيخ ابن باديس، منفردين إلى آخر الليل، حين يفتح المسجد، فندخل مع أوِّلِ دَاخِلٍ لصلاة الصُّبحِ، ثم نفترق إلى الليلة الثانية، إلى نهاية ثلاثة الأشهر التي أقامها بالمدينة المنوّرة...!"[10]. و"كانت هذه الأسمار المتواصلة كُلُّها تدبِيرًا للوسَائلِ التي تَنهَضُ بها الجزائر، ووضعِ البرامج المفصَّلةِ لتلك النهضَات الشَّامِلةِ التي كانت كُلُّها صُورًا ذِهنيَّةً تتراءَى في مخيِّلتِينا، وصَحِبَها مِن حُسنِ النيّة وتوفيق الله ما حقَّقَها في الخارج بعد بضع عشَرةِ سَنةٍ!.."[11].

وعن هذه الـحِقبة يـتحدث الإِبراهيمي فيقُول: "وأُشهِدُ الله على أنَّ تلك الليالي مِن سنة 1913م هي التي وُضِعَت فيها الأُسسُ الأُولى لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي لم تبرز للوجود إلا في سَنةِ 1931م"[12].

بَدَأَ الـمَسِيرُ إِلى الـجزائِر:
--------------

ومعَ الأيام والليالي استطاعَ الإِبراهيمي إِقناعَ رَفِيقَ دَربهِ، وزَمِيلَ غُربتهِ، وشَريكَهُ في مَشروعِهِ الإِصلاحي بـالعودةِ إِلى الـجزائِر لِيبدَآَ سَوِيًّا فيما كان يتسامران فيه ويُخططان له: "ورجعَ الشيخ [ابن بادِيس] إلى الجزائِرِ مِن سَنَته تلك، بعد أن أَقنَعتُه بأنِّي لاحِقٌ به بعد أن أُقنِعَ والديَّ أنَّ رُجُوعي إلى الجزائِرِ يتَرتَّبُ عليه إحياءٌ للدِّينِ والعَربيَّةِ، وقَمعٌ للابتدَاعِ والضَّلالِ، وإنكاءٌ للاستعمَارِ الفَرنسي. وكان هذا هو المنفذ الوحيد الذي أَدخُلُ مِنه[13] على نَفسِ والِدِي ليَسمَحَ لي بالرُّجوعِ إلى الجزائر"[14].
والأصل الأصيل الذي قام عليهِ المشروع الإِصلاحي لدى الإِبراهيمي ورفيقه ابن باديس هو الـعَملُ على تعليم الناشِئةِ وإِعدادِهم وتَوجِيههم، وزَرعِ رُوحِ العِلمِ والتَّفاني فيهم؛ لـيَـتمَّ لهم مِن خِلالِ ذلك إِدراكُ واقِعِهم، والإِحَاطَةُ بـمَعرِفَةِ وَاجبِهم. يقول الإِبراهيمي: "كانت الطَّريقَةُ التي اتفقنا عليها -أنا وابن باديس- في اجتماعنا بالمدينة، في تربية النشءِ، هي ألَّا نتَوسعَ له في العِلمِ، وإنَّما نُربِّيه على فِكرَةٍ صَحِيحَةٍ ولو مع عِلمٍ قَليلٍ. فتَمَّت لنا هذه التجربة في الجيش الذي أعددناه مِن تلامِذتِنا"[15].

وما إن حَطَّت به رحَالُهُ في بلادهِ الأُمِّ -الـجَزائِر- حتى جَلسَ لـتَعلِيمِ النَّاسِ، بإِلقَاءِ الدُّروسِ للكبَارِ والـصِّغارِ، وصَار يتَنقَلُ بين الـقُرى والأريافِ، بعد أَن خيَّم فيها الـجَهلُ، وضُرِبَ عليهم الذُلُّ والـقَهرُ، فبَلغَت الدُّروسُ في اليومِ الواحدِ مبلغها. واستقبلهُ النّاس بالتهلِيل والترحيب. وها هو يحكِي نشَاطَه، ويَسرِدُ رحلَاتهِ فيقول: "وتولَّيتُ بنفسي تَعليمَ الطَّلبةِ الكِبارِ مِن الوافِدين وأهل البَلدِ. فكُنتُ أُلقي عَشرَةَ دُروسٍ في اليوم؛ أبدَأُها بدرسٍ في الحديثِ بعد صلاةِ الصُّبحِ، وأَختِمُها بدرسٍ في التَّفسيرِ بين المغرِبِ والعِشاءِ. وبعد صَلاةِ العَتَمةِ أَنصَرِفُ إلى أحدِ النَّوادي فأُلقِي محَاضَرةً في التَّاريخِ الإسلامي؛ فأَلقَيتُ في الحِقبةِ الموالِيَةِ لظُهورِ الإسلامِ مِن العَصرِ الجَاهِلي إلى مَبدَأِ الخِلافَةِ العبَّاسيَّةِ بضعَ مِئاتٍ مِن المحاضرات، وفي فَترةِ العُطلةِ الصَّيفيةِ أَختِمُ الدُّروسَ كُلَّها وأَخرُجُ مِن يومي للجولان في الإقليم الوهراني مَدِينَةً مَدِينَةً، وقَريةً قَريةً، فأُلقِي في كُلِّ مَدِينةٍ دَرسًا أو دَرسين في الوَعظِ والإرشَادِ، وأَتفقَّدُ شُعَبَها ومَدَارسَها. وكانت أيَّامُ جَولتي كُلِّها أيَّامَ أعراسٍ عند الشَّعبِ، يتلقَّونني على عِدةِ أميَالٍ مِن المدينَةِ أو القَريةِ، ويَنتَقِلُ بعضُهم معي إلى عِدَّةِ مُدُنٍ وقُرى. فكان ذلك في نَظرِ الاستعمَارِ تحدِّيًّا له ولسُلطَته، وفي نَظرِ الشَّعبِ تمجِيدًا للعِلمِ والدِّينِ وإغاظَةً للاستعمار. فإذا انقَضَت العُطلَةُ اجتمعنا في الجزائر العاصِمةِ وعَقَدنا الاجتماعَ العَامَ، وفي أَثَره الاجتماعَ الإداري، وقدَّم كُلٌّ مِنَّا حِسابَه، ونَظَّمنا شُؤون السَّنةِ الجديدة، ثم انصرفنا إلى مراكزنا"[16].

-----------------------------
[1] جامع البيان: ج15/22.
[2] الآثار: ج4/267.
[3] الآثار: ج5/274.
[4] السابق نفسه: ج5/274.
[5] الآثار: ج5/274- 275.
[6] انظر: كتاب العُلماءُ الذين لم يتجاوزوا سِنَّ الأشُدِّ، تحقيق علي بن محمد العُمران.
[7] الآثار: ج5/275.
[8] الآثار: ج5/278.
[9] الـمُصلِحُ ابنُ بادِيس يـكبُرُ الإِبراهيمي في الـعمر (سنةً وبضعة أَشهر)، كما ذكر ذلك الأخِير في الآثار (ج5/278).
[10] الآثار: ج5/278.
[11] السابق نسفه: ج5/278.
[12] السابق نفسه.
[13] الآثار: ج5/279.
[14] الآثار: ج5/279.
[15] الآثار: ج5/280.
[16] الآثار: ج5/278.





ــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: ملتقى شذرات


tEwE,gR lAk [EiE,]A hgYfvhidld td YwghpA afQhfA hgHEl~QmA (1)

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 04-18-2017, 02:26 PM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
افتراضي فُصُولٌ مِن جُهُودِ الإبراهيمي في إصلاحِ شبَابِ الأُمَّةِ (2)

فُصُولٌ مِن جُهُودِ الإبراهيمي في إصلاحِ شبَابِ الأُمَّةِ (2)
ــــــــــــــــــــــــــــ

(سعد بن عبدالله بانِيمة)
ــــــــــــ

21 / 7 / 1438 هـ
18 / 4 / 2017 م
ـــــــــــــ









ذكرنا في المقالة السابقة شيئا من سيرة الشيـخ مُحمَّد البَشِير الإِبراهيمي (الجزائِري)، رحمه الله، والمراحل التي مرَّ بها في حياته قبيل تأسيسه لجمعية علماء الجزائر. وكيف مثل لقاءه بالشيخ عبدالحميد بن باديس منعطفا جديدا في حياته ومن ثمَّ في الواقع الجزائري الذي خطط الشيخان لتغييره وبعث الإصلاح فيه، من منظور واعٍ وحركة منظمة، وتخطيط مسبق. ونكمِلُ هنا شيئًا مِن جُهودِه في تأسيسِ "جمعيةِ العُلماءِ" واهتمامِه بشَريحةِ الشَّبابِ في الجزائر خصُوصًا، مع جُهودِه الإصلاحيةِ التي بذلها في توعية المجتمع وإصلاحِ تدَيُّنه.

تأسيسُ جمعِية عُلماء الـمُسلمين بالـجزائِر:
-------------------------

كان الإِبراهيمي يعتقدُ أَن الـمشارِيع الإِصلاحية لاَبًدَّ أَن تكون تحت مظلّة إِداريّة، وأَنَّ إِدارةَ الأُمورِ الـكبِيرَةِ لا بُدَّ أن يسبِقها نجاحٌ في الأُمورِ الـصَّغيرةِ، لـذلك كانَ يُقرر ويُكرر أَنَّ: "الأمَّة التي لا تحسن إدارة جمعية صغيرة، لا تـحسن بالطبع إدارة مجلس فضلًا عن حكومة، ولا كالجمعيات مدارس تدريب، ونماذج تجريب!"[1].
ثـُمَّ جاءَ الـوقتُ لـكَي تتحوّل تلك الأَفكار والمشاريع التي انطلقت عام 1913م إِلى حقائق وفعال عام 1931م. وكان الإِبراهيمي يومها في عنفوانِ شبابهِ. فكانت أَن تحولت (الفِكرة) إِلى (عَمل)، و(الأَمانِي) إِلى (حقِيقة)، بعد أَن كوَّنَ جيشاً مِن الطُّلابِ غَرَسَ فيه الـحُبَّ والـتَّعظِيمَ لـدينهِ ووطنه.

فـيحكِي الـمُصلح الشاب ذلك فيقُول: "في هذه الفترة ما بين سنتَي 1920م و1930م كانت الصلة بيني وبين ابن باديس قويَّة، وكنَّا نتلاقى في كل أسبوعين أو كل شهر على الأكثر، يزورني في الشَّعبِ بالعَدل، ونبني على ذلك أَمرَنا، ونَضعُ على الوَرَقِ برامجنا للمستقبل بميزانٍ لا يختَلُّ أبدًا، وكنَّا نقرأُ للحوادث والمفاجآت حسابها، فكانت هذه السنوات العشر كلها إرهاصات لتأسيس جمعية العلماء الجزائريين.

كملت لنا على هذه الحالة عشر سنوات، كانت كُلُّها إعدادًا وتهيئة للحدث الأعظم، وهو إخراج جمعية العلماء من حيّز القول إلى حيّز الفعل، وحمَاسٍ متَأجِّجٍ وغَضَبٍ حَادٍّ على الاستعمار. وأصبح لنا جيشٌ مِن التَّلامذة يحمل فِكرَتنا وعقيدتنا، مُسلَّحٌ بالخطباء والكتّاب والشعراء، يلتَفُّ به مئات الآلاف مِن أنصار الفكرة وحمَلةِ العقيدة، يجمعُهم كُلُّهم إيمان واحد، وفكرة واحدة!!"[2].

وهذا الـعمل الــمُؤسسي قد تعجز على قيامه وتشيِيدهِ دُولٌ وجامعات، فكان أَن وفقَ اللهُ فيه هذا الـشاب الـمُصلح الإِبراهيمي ورفيقِهِ ابن باديس لإنجازهِ وإِتمامهِ.

ومن نـظَرَ متأملاً في سِيرَة الإِبراهيمي، وتأمَّل في تاريخِ جمعيةِ الـعلماءِ، رأى أَنـَّها مشروعٌ لا ينفكُ وُجودُه عن الإِمامِ الـمُصلحِ الإِبراهيمي. ثُمَّ إِنَّ مِن الـعوامِل التي ساهمت في إِثرائِهِ وتنفِيذه جـمعُ عـُلماءِ الـجزائِر بتنوعِ عُلومِـهم وفُهومِـهم ومشَاربِهم ومَأربِهم على تقليل الـخِلافِ الحَاصِلِ، لِـيَحفظ على الـوَطنِ (دِينَه) و(لُغتَه) و(هَوِيّتَه). فكان أَن: "تكامل العدد وتلاحق المدد.. العدد الذي نستطيع أن نعلن به تأسيس الجمعية، والمدد مِن إخوان لنا كانوا بالشرق العربي مهاجرين أو طلاب علم. فأعلنا تأسيس الجمعية في شهر مايو سنة 1931م، بعد أن أحضرنا لها قانونًا أساسيًا مختصرًا مِن وَضعي، أدرته على قواعدَ مِن العِلمِ والدِّينِ لا تُثِيرُ شَكًّا ولا تُخِيفُ. وكانت الحكومة الفرنسية في ذلك الوقت تستهِينُ بأعمَالِ العَالمِ المسلِمِ، وتَعتَقِدُ أننا لا نضطلع بالأعمال العظيمة. فخيَّبنا ظنَّها -والحمدُ لله. دعونا فقهاءَ الوطن كُلُّهم، وكانت الدعوة التي وجَّهنَاها إليهم صَادِرَةً باسم الأُمِّةِ كلها، ليس فيها اسمي ولا اسم ابن باديس، لأنَّ أولئك الفقهاءَ كانوا يخافوننا لما سبق لنا مِن الحملات الصادقة على جمودِهم، ووَصفِنا إيَّاهم بأنَّهم بلاءٌ على الأمَّةِ وعلى الدِّينِ لسُكُوتهم على المنكرات الدينية، وبأنَّهم مطايا للاستعمار، يُذلُّ الأُمَّةَ ويَستَعبِدُها باسمهم، فاستجَابُوا جميعًا للدَّعوةِ، واجتمعوا في يومها المقرَّر، ودام اجتماعنا في نادي التَّرقِّي بالجزائر أَربَعةَ أيَّامٍ، كانت مِن الأيام المشهودة في تاريخ الجزائر. ولما تراءَت الوجوه، وتعَالت أصواتُ الحقِّ، أيقن أولئك الفقهاء أنَّهم ما زالوا في دورِ التلمذة، وخضعُوا خُضُوعَ المسلم للحقِّ، فأسلموا القيادة لنا، فانتُخِبَ المجلس الإداري مِن رِجالٍ أكفاءَ جمعتهم وِحدَةُ المشرب، ووِحدَةُ الفِكرةِ، ووِحدَةُ المنازع الاجتماعية والسياسية، ووِحدَةُ المناهضَةِ للاستعمار. وقد وكَّلَ المجتمعون ترشيحهم إلينا فانتخبوهم بالإجماع. وانتخبوا ابن باديس رئِيسًا، وكاتب هذه الأَسطُرِ ****ًا نَائبًا عنه، وأصبحت الجمعية حقيقة وَاقِعةً قَانونيةَ،... وجاءَ دَورُ العمل"[3].

عُلُو هِـمَّةِ الإِبراهيمي:
-------------

لقد كان لدى هذا الـشاب الـمـُصلحِ همَّةُ فَعَلت الأفاعِيل، وصَنعَت الأعاجيبَ، في تَفقِيهِ أُمَّتهِ وإِنقاذِ وطَنهِ، وإِصلاحِ ما أفسَدَه الـغَربُ الفرنسِي! وكان يـغلُبُ على كتابتهِ ما يُـمكن تـسميتُهُ بـــ(رُوحِ الاستِنهَاضِ)! فهو مشغُولٌ بالـتحفِيزِ والـحَضِّ على الـقِيامِ بـمطَالبِ أٌمَّته[4].

هذهِ الـهِمَّةُ هي التي صَنَعَت شيئًا مـمَّا تقدَّم ذكرُهُ، فنَقلَها وَاقِعًا في مُجتَمعِهِ، وجَعلَها شِعارًا في حَياتهِ ومَسيرَتِهِ، فصَارَت يَـحشدُ بها هِـممَ الشَّبابِ، ويُنادِي بها في الـمحافِلِ والـمُناسبَات! فالـواعِظُ والـوازِعُ الدِّيني هو أَكبر أَسبابِ الـروحِ لـتُستَنهَضَ، والـهِمّةِ لـتَتحرَّكَ، والـجوارِحِ لكي تفعَلَ وتعمل! فـ"الوَعظُ الدِّيني هو رائِدُ جمعيةِ العُلماءِ إلى نُفوسِ الأُمَّةِ، جَعلَته مُقدِّمةَ أعمَالها، فمهَّد واستقرَّ، وذلَّلَ الصِّعابَ، وألَانَ الجوامِحَ، وعليه بُنِيَت هذه الأعمالُ الثَّابِتةُ مِن إصلاحِ للعقَائِدِ، ونَشرِ للتَّعليم، ومِنه جنت كلَّ ما تحمدُ اللهَ عليه مِن نجاحٍ"[5].
لقد كان الإبراهيمي ينطلِقُ في أعماله مِن قوله: "الأعمَالُ الكبيرةُ إذا توزَّعتها الأيدي، وتقاسمَتها الهِممُ، هان حِملُها وخفَّ ثِقلُها، وإن بلغت في العظم ما بلغت!"[6]؛ وقوله: "إنَّكم ستسمَعُون منِّي كلمَاتٍ مِن بابِ الحَمدِ والشُّكرِ، ولكنَّها مِن باب الحثِّ والازعاجِ، وسأصِلُ بها مبدَأَ هذا العمل بنهَايتِه، فقد بدأناه مجتمعين، وختمناه مجتمعين، ولكن كلّ أعمالنا فيه تعدُّ شيئًا يتَرقبُّ تمامَه، فإذا كنتُ قاسيًا في كلامي فذلك لأنَّ عملي معكم نُسخَةٌ مِن عَملِ الطبيب: يجرح ولكنه يبرئ"[7].

عِناية الإِبراهِيمي بالشباب:
---------------

جعلَ الإِبراهِيمي شرِيـحة الـشباب أَكبَرَ هَمَّه وأَساسَ عَـملِه؛ وبنى عليهم دعوَته. فأَلـقى عليهم الـخُطبَ لـيوجـههم، وكتب لـهم الـمقَالات لـيُرشِدهم. فكانَ أَن ألقى ونـشر (إِلى الـشَّبابِ) و(الشَّبابُ الـمُحمَّدي) و(الـشُّبانُ والزَّواج) وغيرها الـكثير من المقالات[8]. خاطبَهم فيها بأَلطَفِ عِبارَةٍ، وأَوضَحِ إِشَارَةٍ، يُشعِـرهم مِن خِلالِ كَلامِه بالأُبُوَّةِ مِن جِهةِ، وبالنصحِ والـصِّدقِ مِن جِهةِ أُخرى. فكان يرى أنَّهم هُـمُ الذين عليهم الـمٌعوّل! ولـهم وعليهم البِناءُ في الآخِرِ والأَوَّل. فـوَصفَهم بأَوصَافٍ رَائِعةٍ، وألـقَابٍ رائِقَةٍ، فكان منها قوله: "شَبابُ الأُمَّةِ هـم عمَادُها، وهُـم مادَةُ حياتِها، وهُم سِرُّ بريقِها"[9]، "هم السَّاقُ الـجَدِيدُ في بنَاءِ الأُمَّةِ، والدَّمِ الـحَدِيدُ لحياتِها، والامتدادُ الـطَّبيعيُّ لتاريخِها"[10]، و"الشَّبابُ أمَّةٌ مُستَقِلَّةٌ"[11]، هم "أَمَلُنا ووَرَثةُ خصَائِصِنا"[12].

كانت كلمَاتُه تَفيضُ حُبًّا وحَنانًا ورِعايَةً واهتمَامًا. فكان يقول لهم: "أي أبنائي! إنَّ هذا القَلبَ الذي أَحمِله يحمِلُ مِن الشَّفقَةِ عليكم، والرَّحمَةِ بكم، والاهتمَامِ بشُؤونِكم، ما تَنبَتُّ مِنه الحبَالُ، وتَنُوءُ بحِملِه الجِبالُ"[13]. كلُّ ذلك لأنَّ "الأُمَّةَ الرَّشيدَةَ" في نظره: "هي التي تـحرُسُ شبَّانها في طَورِ الشَّبابِ مِن الآفَاتِ التي تصَاحِبُ هذا الطَّورِ. فتحَافِظُ على أَفكَارِهم أن تَزِيغَ، لأَنَّ هذا الطَّورَ طَورٌ له ما بعده مِن زَيغٍ أو استقَامَةٍ! وتحافظُ على أهوائهم أن تتجه اتجاهًا غَيرَ محمُودٍ. وتحافظُ على عقُولِهم أن تعلَقُ بها الخيالات، فتنشأُ عليها، ويعسر أو يتعذَّر رجوعُهم عنها، وتحافظ على ميولهم وعواطفهم أن تطغى عليها الغرائزُ الحيوانيةُ، لأنَّ هذا الطور هو طورُ تنبُّهها ويَقظَتها!"[14].
ويقول مُخاطِبًا ومُذَكِرًا الـمُعلِمِين والـمُنَشِئِين: "إنَّكم جُنودُ الإصلاحِ، فأصلحُوا نُفوسَكم ودَاوُوها،... إن أشرَفَ خِدمَةٍ يُقدِّمُها العاملون المخلصون لأمَّتِهم ولوَطنِهم هي التعليم والتربية الصالحة، فهما سلَّمُ الحياةِ وإكسيرُ السَّعادةِ،...

أنتم معَاقِدُ الأملِ في إصلاحِ هذه الأُمَّةِ، وإن الوَطنَ لا يعلِّقُ رجاءَه على الأُميِّين الذين يُريدُون أن يصلِحُوا فيُفسدُون، ولا على هذا الغثَاءِ مِن الشَّبابِ الجاهِلِ المتسكِّعِ الذي يعيشُ بلا عِلمٍ ولا عَقلٍ ولا تَفكيرٍ، والذي يغطُّ في النَّومِ ما يغطُّ، فإذا أفَاقَ على صيحَةٍ تمسَّكَ بصدَاها وكرَّرها كما تكرِّر الببغاءُ!"[15].
لقد كان الإبراهيمي يُشعِرُ فِئةَ الشَّبابِ بعَظيمِ اهتمَامِه، وكبيرِ تفكِيرِه، وأنَّهم هم نَواةُ المجتمعِ وأسَاسُه، فيقول: "أيُّها الأبناءُ الأعزَّة.. لستم منَّا بموضعِ الهوانِ حتى ننسَاكم، وليس شأنكم عندنا بالهيِّن حتى لا نفكِّرَ فيه، وليس مُستَقبَلكم في نَظَرِنا بالرَّخيصِ حتى لا نُغالي فيه، إنَّما أنتم عندنا أحجَارُ بناءِ المستَقبَلِ المجيد، فحقٌّ علينا أن نتخيَّرَ وأن نستَجيد، وإنَّما أنتم ذخائر الغد!"[16].

وكانَ يتابعُ أَخبارَهم في الدَّاخلِ والـخَارجِ باهتمامٍ وكَبيرِ شَغفٍ، مُراقِبًا ومُحذِّرًا مِن أَيادِي السُّوءِ أَن تُؤذِيهم، وشياطِين الإِنس أَن تُفسدَهم وتُغوِيهم: "ما زِلنا نتتبَّعُ أخباركم باهتمام، ونعوّذكم بالله وبالمعوّذات مِن كلامه أن تكون مِن ورائكم يدٌ تحرِّكَكم للمساعي الضائعة، أو تكيدَ لكم مِن حيث لا تشعرون، فقد عوَّدنا هذا الزَّمانُ الفَاسِدُ عادات مَرذُولةٍ في استغلال الشَّبابِ وتصريفِهم في غير الطُّرقِ التي خلِقُوا لها!"[17].

وكان يتمنَّى ما تمنَاهُ أَمِيرِ الـشُعراءِ أَحمد شوقِي حين قال:

هل يمدُّ اللهُ لي العيشَ عَسَى أَن أرَاكم في الفريقِ السُّعداءِ

فـيٌعَلِقُ الإِبراهيمي على هذه الأبيات قائلا: "لا أخَالِفُ شوقي إلَّا في التَّخصيصِ، فقد خَاطبَ بهذا شبابَ النِّيل، وأنا أهتفُ بشبابِ العَربِ وبشبابِ الإسلام، أهتِفُ بشبابِ العَربِ أن يرعَوا حقَّ العُروبَةِ، وأن يكونوا أوفياءَ لها، وأن يعلموا أنَّها ليست جنسيةَ تَميُّزٍ، ولا نِسبَةَ تَعرُّفٍ...، وإنَّما هي بناءُ مآثرٍ، وتَشييدُ أمجادٍ ومحَامِدٍ، وإنَّما هي مساعٍ مِن الكِرامِ إلى المكارم، ودواعٍ مِن العُظمَاءِ إلى العظائم...

ثم أهتف بشباب الإسلام ليعلموا أنَّ الإسلام ليس لفظًا تلوكه الألسنةُ المنفَصِلةُ عن القلوب، وتتنَاولُه قوانين التَّعريفِ بموازِينها الحرفِيَّةِ، وتقلُّبه اشتقاقات اللغة على معانيها"[18].

لقد عقد الإِبراهِيمي الأَماني على هؤُلاءِ الـشباب، أَنَّـهم هم الباقون مِن بعده، الـمُصلِحون مِن ورَائِه، الـمُكمِّلون لما بدأَهُ مِن إِصلاحٍ ودَعوةٍ وجِهادٍ، ويـقُول: "لا نملِكُ بعد الاعتماد على الله إلَّا ثِقتَنا بأنفِسِنا وأبناءٍ بَرَرةٍ مِن شبَابنا الصَّالحِ المرجو للصَّالحات، المدَّخرِ لحمَل رَايةِ الإصلاحِ بعدنا، المرشَّحِ لاقتحَامِ ميَادِينه"[19]. وكان يُشِيدُ بمَن علَّمَهم ودرَّسَهم، وأَعدَّهم وهذَّبَهم وصـقَلَهم فيقول: "ومِن شبَّان ربينَاهم للجزائرِ أشبَالًا، ووتّرناهم لعدوِّها قسيًّا ونِبَالًا، وصوَّرنا مِنهم نماذِجَ للجيلِ الزَّاحِفِ بالمصَاحِفِ، وعلَّمناهم كيف يُحيون الجزائر، وكيف يَحيَون فيها"[20].

وعند حديثهِ عن ما أثمرته الـحركةُ الإِصلاحيَّةُ في الـشَّبابِ يقول: "فأصبَحَ بها القُرآنُ قريبًا إلى الأفهَامِ، مُؤثِّرًا في العُقُولِ، وأصبحنا نَسمَعُ مِن تلامِذَتِنا الذين ربيناهم على القُرآنِ حِفظًا وفِهمًا وعَملًا، ورَوَّضنَاهم على الغَوصِ ورَاءَ معانيه، آرَاءَ في الاجتماعِ الإنساني سَندُها القُرآنُ، ما كانت تَزيغُها أفكارُ الشُّيوخِ، وآرَاءَ في الدُّستورِ القُرآني وتَطبيقِه على زمَانِنا ومكانِنا ومصَالحِنا، ما كانت تسيغُها عُقُولُ الأجيال الماضية. وهؤلاء التَّلامِذةِ لم يزالوا بعد في المراحل العِلميَّةِ المتوسِّطةِ، فكيف بهم إذا أمدَّتهم الحياةُ بتجاربها، وأَمدَّهم العِلمُ باختباراته؟ لعمر أبيك إنَّه القرآن حين تتَجلَّى عجائبه على الفطر السليمة، والعقول الصافية"[21].
رأى الإبراهيمي أَنَّ هؤُلاء الـشَّباب لوطنهم وأُمَّتهم كالرُّوحِ للـجسدِ، والـتَّمامِ للـبُنيانِ، لا غِنى لأحدِهما عن الآخر: فـ"لا يحسنُ الشَّبابُ إلى أمَّتِهِ كُلِّها إِلَّا إِذا تبنَّتُه كُلَّه، حتى لا يقول كبير: حسبي ولدي! ولا يقول صغير: حسبي والِدِي"[22].

الـشبابُ والدِّين:
---------

إنَّ أَعظَمَ وأَصلحَ ما يُزرعُ في الـشَّبابِ حُبُّه لـدِينِه وتفَانِيه في خِدمَتِه؛ فهو الـغَرسُ الذي ينمُـو، والـحصنُ الذي يُتَّقَى به، والـحَائِطُ الـذي لا يتَصدَّعُ: "فإِذا نشَأ الشَّبابُ على التَّديُّنِ أحبَّ الدِّين! وإذا أحبَّ ما فيه أحبَّ ما يستَتبِعَه مِن فضَائلَ وأخلاقٍ حمِيدةٍ، وعَمِلَ على غَرسِها في نُفُوسِ غَيرِه مِن الأجيال اللاحقة"[23].
وهذا لا يعني انفصاهم عن الحياة وأسبابها، يقول: "والشَّبابُ المحمَّدي أحقُّ شبَابِ الأُممِ بالسَّبقِ إلى الحياةِ، والأَخذِ بأسبَابِ القُوةِ، لأنَّ لهم مِن دِينِهم حَافِزًا إلى ذلك، ولهم في دِينِهم على كُلِّ مكرُمةٍ دليلٌ، ولهم في تارِيخِهم على كُلِّ دعوى في الفخَارِ شَاهِدٌ..!

يا شبَابَ الإسلامِ.. وَصِيَّتي إليكم أن تتَصِلوا باللهِ تَديُّنًا، وبنَبيِّكم اتِّباعًا، وبالإسلامِ عَملًا، وبتاريخِ أجدَادِكم اطِّلاعًا، وبآدَابِ دِينِكم تخلُّقًا، وبآدَابِ لُغَتكم استعمَالًا، وبإخوَانِكم في الإسلامِ ولِداتكم في الشبيبة اعتناءً واهتمَامًا، فإن فعلتم حزتم مِن الحياةِ الحظَّ الجَليلَ، ومِن ثَوابِ اللهِ الأَجرَ الجزِيلَ، وفاءَت عليكم الدُّنيا بظِلِّها الظليل"[24].
والمخَاطِرُ الـكَثيرةُ تُحدِقُ بالشَّباب في طريقِ حيَاتِهم، لا سِيَّمَا مِن جِهَةِ دِينِهم وهَوِيَّتِهم، فـتُحيطُ بهم الـعقبَاتُ والـمُعوِّقَاتُ، وتَدفعُ بهم إِلى الانحرافَاتِ والـضَّلالاتِ. وما أصَابَ الـشَّبابَ ما أصَابَهم إِلَّا حين غَابَ عنهم فَهمُهم لـدِينِهم ، والـمَعرفَةُ للـوَاجبِ الذي عليهم، والإِدرَاكِ والإِحَاطَةِ لـمحَاسِنِ شَريعَتِهم. فـ"لو أنَّ الإسلامَ فُهِمَ على حقِيقَته، وطُبِّقَ على وجهِهِ الذي جاءَ به مِن عند الله محمَّد بن عبدالله، لكان هو الدواءُ النَّافِعُ الذي يحل العُقَدَ ويَرفَعُ الإشكال، ولكان هو الحكم في مُعتَركِ الخِلافِ، والجَالبُ بقوانينه وأخلاقه لسعَادَةِ العَالم"[25].
كان الإبراهيمي يُحذِّر الشَّبابَ ممَّا أُلصِقَ بدِينِهم مِن الأباطيلِ والأضالِيل، ويُذكِّرُهم بسيرةٍ نبِينا مُحمَّدٍ –صلى الله عليه وسلم- فـيقول: "إنَّ دِينَكم شوّهته الأضَاليلُ، وإنَّ سِيرةَ نبيِّكم غَمَرتها الأباطِيلُ، وإن كتَابَكم ضيَّعته التَّآويل، فهل لكم يا شبَابَ الإسلامِ أن تمحُوا بأَيدِيكم الطَّاهِرةُ الزَّيفَ والزَّيغَ عنها، وتكتُبوه في نُفُوسِ النَّاس جَدِيدًا كما نَزَلَ، وكما فَهِمَه أصحَابُ رَسولِ الله عَن رَسولِ الله. إنَّكم قد اهتديتم إلى سواء الصِّراطِ فاهدوا إلى سواءِ الصِّراط"[26].
وكاَنَ يرى أنَّ هناك عوامِلُ وأسبَابٌ ساهَمَت في هذه الـجَفوةِ بين الـشَّبابِ ودِينِه وهَوِّيتِه وأُمَّتِه، يـتَعلَّقُ بـعضُها بالـجَوانِبِ الـعَقديّةِ والـفِكريَّةِ، وبالأُمُورِ السُّلوكيّةِ والأَخلاقيَّةِ. ومِن عَادِته أَنَّه يذكُرُ الأسبَابَ والـمظَاهِرَ ثمَّ يتبِعُها بذكِرِ الـحُلُولِ والـعِلاجِ. فهو يَرى أَنَّ إِصلاحَ النَّشءِ مِن الـشَّبابِ والـمجتمعات مرتكزُ على أُمورٍ أَربعة: (الـبيتُ) و(الـمَسجِدُ) و(الـمَدرَسةُ) و(الـمُجتَمعُ). فـكيفَ إِذا ما تَـمَّ تَعطِيلُها، أو إفسادُها وتـَخرِيبُها؟!

يقول الإِبراهيمي: "إذا كان الشَّبابُ لا يَفهمُ الدَّينَ مِن البيتِ، ولا مِن المسجِدِ، ولا مِن المدرَسةِ، ولا مِن المجتمعات، فإن فَهِمَ شيئًا مِنه في شَيءٍ مِنها فَهمَه خِلافًا وشَعوَذةً وتَخرِيفًا. ففي أيِّ مَوضِعٍ يَفهمُ الإسلامَ على حَقِيقتِه طهَارَةً وسُموًا واتِّحادًا وقُوةً وعِزَّةً وسيَادَةً؟!"[27]. ويضيف: "إنَّ شبَابَنا اليوم يتَخبَّطُ في ظُلمَاتٍ مِن الأفكَارِ المتضَارِبَةٍ، والسُّبلِ المضِلَّةِ، تتَنَازَعه الدِّعايَاتُ المختَلِفةُ التي يقرَأَها في الجرِيدَةِ والكِتابِ، ويسمَعُها في الشَّارعِ وفي المدرَسةِ، ويَرى مظَاهِرَها في البيتِ وفي المسجدِ. وكُلُّ داعٍ إلى ضَلالَةٍ فِكريَّةٍ أو إلى نحلَةٍ دِينيَّةٍ مفرِّقَةٍ يَرفعُ صَوتَه ويجهرُ ويُزيُّنُ ويُغري ويَعِدُ ويُمنِّي، ونحن ساكِتُون! كأنَّ أَمرَ هؤُلاءِ الشُّبَّانِ لا يعنِينا، وكأنَّهم ليسُوا مِنَّا ولسنَا مِنهم، ولا عَاصِمَ مِن تَربيةٍ صَالحةٍ مُوحَّدةٍ تعصِمُهم مِن التَّأثُّرِ بهذه الدِّعايَاتِ، ولا حَامٍ مِن مُذكِّرٍ أو مُعلِّمٍ أو مَدرَسةٍ أو قَانونٍ يحميهم مِن الوقُوعِ في هذه الأشراك"[28].

الـمخاطِر الّتي تقفُ في طريقِ الشّباب:
---------------------

لـقد عصَفَت بالـشَّبابِ -يمينًا وشمالًا- أُمُورٌ أَدَّت بهم إِلى الـتَّنكُّبِ لـدِينِهم، وقضايا أُمَّتِهم، أَخطَرُها ما كان مُتعلِّقًا بالـجَوانِبِ الـفِكريةِ مِن انبهَارٍ بالـغَربِ، وإِعجَابٍ بما يُقرِّرُه مِن ثقَافَتهِ، مـمَّا تسبَّبَ في إِرثٍ لـعِدَّةِ تفصِيلاتٍ وتَفرِيعَاتٍ. ويعيد الإبراهيمي هذه الأمور إلى جـهلُ الـشَّبابِ بدِينهم: ما أَفقَدَهم الـثِّقةَ في مَاضِيهم وحَاضِرِهم ومُستَقبَلِهم، وفي محَاسِنِ دِينِهم. "إِنَّ شبَابَنا لجهلِهم بالإسلامِ أصبَحُوا لا يثِقُون بماضِيه، وكيف يثِقُون بمَاضٍ مجهُولٍ وهذا حَاضِرُه؟ أم كيف يدافِعُون عن هذا الماضي المجهول إذا عَرضَ لهم الطَّعنُ فيه في الكتَّاب الطَّاعِن؟ أم سمعوا اللعن له مِن الأستَاذِ اللاعِنِ؟ أم كيف يفخرُون بالمجهول إذا جليت المفَاخِرُ الأجنَبيَّةُ في كتَابٍ يُقرِّرُه قانون ويزكِّيه أستَاذٌ؟ اعذروا الشُّبَّان ولا تَبكُوا على ضيَاعِهم فأنتم الذين أضَعتُمُوهم، ولا تَلومُوهم ولومُوا أنفسَكم. أهملتموهم فذوقُوا وبَالَ الاهمالِ. وأنزلتُمُوهم إلى اللُّجَّةِ وقُلتُم لهم: إيَّاكم أن تَغرَقُوا! ثمَّ استَرعَيتم عليهم الذئَابَ ومن استرعى الذِئبَ ظَلَم"[29].

وهذا الـجَهلُ قابلَه انبِهارٌ وتَعظِيمٌ للـحضَارَةِ الـغَربيَّةِ، ما أَدَّى إِلى تلقُّفِ الـغَربِ الـكَافِرِ لـهؤُلاءِ الـشَّبابِ: "إنَّ جُلَّ أَبنَائِنا الذين التَقَطتهم أُورُبا لتُعلِّمَهم عَكَسوا آيةَ فِرعونَ مع مُوسى. ففِرعونُ التَقطَ مُوسى لينفَعَه ويتَّخِذَه ولَدًا، ورَبَّاه صَغِيرًا وأحسَنَ إليه، فكان مُوسى له عَدُوًا وحَزَنًا وسَخنَةَ عَينٍ، أمَّا أبنَاؤُنا فقد التقَطَتهم أورُبا وعلَّمَتهم وربَّتهم فكانوا عَدُوًا لدِينِهم، وحَزنًا لأَهلِه، وسَخنَةَ عَين لأهليهم وأوطَانِهم، إلاَّ قليلًا مِنهم دَخلَ النَّارَ فما احتَرقَ، وغشيَ اللُّجَ فأَمِن الغَرقَ!"[30].

ويتحدث الإبراهيمي عن هذا الانبِهارُ فـيقول: "عَمدُوا إلى الشَّبابِ فرَمَوه بهذه التَّهاويلِ مِن الحضَارَةِ الغَربيةِ، وبهذه التَّعالِيمِ التي تَأتي بنيَانَه الفكري والعقلي مِن القَواعِدِ، وتحرفُ المسلم عن قِبلَتِه، وتحوِّلُ الشَّرقي إلى الغَربِ، وإنَّ مِن خصَائصِ هذه الحضَارَةِ أنَّ فيها كُلُّ معَاني السَّحرِ وأسَاليبِ الجذبِ. وحسبُكم مِنها أنَّها تُفرِّقُ بين المرءِ وأَخِيه، والمرءِ ووَلدِه، فأصبحَ أبناؤُنا يهرَعُون إلى معَاهِدَ العِلمِ الغَربيةِ عن طَوعٍ مِنَّا يشبَهُ الكُرهَ، أو عن كُرهٍ يشبَهُ الطَّوعَ، فيَرجِعون إلينا ومعهم العِلمُ وأشياءَ أُخرَى ليس مِنها الإسلامُ ولا الشَّرقيةُ، ومعهم أسماؤُهم وليس معهم عقُولُهم ولا أفكَارُهم. وإنَّ هذه لهي المصيبَةُ الكُبرى التي لا نَبعُدُ إذا سمَّينَاها مَسخًا. وليتها كانت مَسخًا للأفرادِ، ولكنها مَسخًا للأمم ونَسخًا لمقوِّماتها"[31]. حـتَّى وَصَلَ الـحَالُ ببَعضِ الـشَّبابِ أن: "تَركُوا حِكمَةَ الدِّينِ في تحريمِ الخَمرِ، وزَواجِرَ القُرآنِ في التَّعبيرِ عنه، والتَمسُوا تحريمَه مِن قوانين أمريكا، وقلَّدُوها في تَأسيسِ الجمعيات لمنعِ المسكرات!!" [32]. لقد "تركوا فَخرَهم الذي يَتِيهون به على الأُمَمِ، ووَضعُوا أَنفُسَهم في مُؤخِّرةِ الأُممِ! وما أقبحَ بالمسلمِ أن يَطلُبَ الحكمَةَ مِن غَيره وعندَه مَعدِنُ الحكمة، وأن يتطفَّلَ على موَائِدِ الغَيرِ وعنده الجفنَةُ الرَّافِدةُ!!"[33].

وممَّا توَلَّدَ عن ذلك تـسَرُّبُ الـمفَاهيمِ الـكَافِرةِ للمجتمعِ المسلمِ، وتوَلُّدُ شَبحُ الإِلحادِ لـدى شريحةِ الـشَّبابِ: و"تُمثِّلُ مسأَلةُ وُجودِ اللهِ تعالى مَساَلةً شَدِيدَةَ المركزيَّةِ والأَهميَّةِ في البَحثِ العَقدِيِّ. فهو الأَصلُ الذي تُبنَى عليه كُلُّ الـمُقرراتِ التَّاليَّةِ، بل هُو المحدِّدُ الأسَاسُ الذي يتَحدَّدُ في ضَوئِهِ تَطرُّقُ الـمُؤمِنُ لنَفسهِ وللحيَاةِ والكَونِ مِن حولهِ"[34]. لذلك فإنَّ فُـشوَ ظاهِرةِ الإلحَادِ لـم تكن بذاك الشيءِ الـمَلحُوظِ، ولا بالأَثرِ الـقَوي، وقد عبَّر عنه الإِبراهيمي ووَصَفهُ بـأنه: "ضَيفٌ ثَقِيلٌ"[35]، ورأى أنَّ الشَّبابَ –زهرةَ الأُمَّةِ- هي الطَّائفةُ المعرَّضُةُ للإلحادِ "وأنَّها جَدِيرةٌ بكُلِّ عنَايةٍ واهتمَامٍ"[36].

--------------------------
[1] الآثار: ج2/235.
[2] الآثار: ج5/280.
[3] الآثار: ج5/281.
[4] انظر: كتاب الـماجريات، للشيخ إبراهيم السكران: ص74.
[5] الآثار: ج5/356.
[6] الآثار: ج2/379.
[7] الآثار: ج3/285.
[8] هذه عناوين مقالاتٍ كتبها، فانظرها في الآثار: ج3/293، وج4/120، و267.
[9] الآثار: ج2/453.
[10] الآثار: ج4/267.
[11] الآثار: ج2/301.
[12] الآثار: ج3/293.
[13] الآثار: ج3/265.
[14] الآثار: ج3/295.
[15] الآثار: ج2/116.
[16] الآثار: ج3/413.
[17] الآثار: ج3/413.
[18] الآثار: ج4/267.
[19] الآثار: ج4/267.
[20] الآثار: ج4/182.
[21] الآثار: ج4/231.
[22] الآثار: ج2/263.
[23] الآثار: ج4/121.
[24] الآثار: ج4/78.
[25] الآثار: ج4/271.
[26] المرجع السابق نفسه.
[27] الآثار: ج4/221.
[28] الآثار: ج4/221.
[29] الآثار: ج4/222.
[30] الآثار: ج4/312.
[31] الآثار: ج2/470.
[32] الآثار: ج1/95.
[33] الآثار: ج1/95.
[34] شمـوع النهار، عبدالله العجيري: ص23.
[35] الآثار: ج1/194.
[36] الآثار: ج1/194.





ــــــــــــــــــــــــــــ
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 04-18-2017, 02:30 PM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة فُصُولٌ مِن جُهُودِ الإبراهيمي في إصلاحِ شبَابِ الأُمَّةِ (3)

فُصُولٌ مِن جُهُودِ الإبراهيمي في إصلاحِ شبَابِ الأُمَّةِ (3)
ــــــــــــــــــــــــــــ

(سعد بن عبدالله بانِيمة)
ــــــــــــ

21 / 7 / 1438 هـ
18 / 4 / 2017 م
ـــــــــــــ







أَيقَظَ الإِبراهِيمي الهِمَمَ، وقَرعَ الأَسمَاعَ، بكلِماتٍ تحمِلُ شَيئًا مِن الغِلظَةِ والـقَسوَةِ، أحيَانًا. لـكنها في حَقِيقَتِها مَـحبَّةٌ ورَحمَةٌ. فقد كان مُستَشعِرًا لبَلاءِ تقلِيدِ شبَابِ الإسلامِ للغَربِ ورَدَّه إلى الاستعدَادِ الذَّاتي لدَينَا، "كاستعدادِ المرِيضِ للمَوتِ"، و"شُعورٍ بالنَّقصِ في أَنفُسِنا لبُعدِ عَهدِنا بالعِزَّةِ والكَرَامَةِ"، و"لموتِ أشياءَ فينا تصَاحِبُ مُوتَها في العَادَةِ يَقظَةُ أَشياءٍ. ففَقدُ الإحسَاسِ بالوَاجِبِ تَصحَبُه يَقظَةُ الشَّهواتِ الجسدِيةِ. ومُوتُ النَّخوَةِ –كما يقول- تصحَبُهُ سُرعَةُ التَّقلِيدِ وعادَةُ الخُضوعِ للغَالِبِ وسُرعَةُ التَّحلُّلِ والذُّوبَان.

وكان الإبراهيمي ذُو نَظرَةٍ ثَاقِبةٍ لعَلاقَةِ الغَربِ بنا، فهو يقول: "إنَّ الغَربَ لا يُعطِينا إلا جُزءًا ممَّا يأخُذَه منَّا، ولا يُعطِينا إلا ما يَعُودُ علينا بالوبَالِ. وقد أعنَّاه على أَنفُسِنا فأصبَحَ المهَاجِرُ منَّا إلى العِلمِ يَذهَبُ بعَقلِه الشَّرقي فيَنبُذَه هناك كأنَّه عقَالٌ على رَأسِه، لا عَقلٌ في دِماغِه، ثمَّ يأتِينا يوم يَأتي بعَقلٍ غَربي، ومِنهم مَن يأتي بعَقلٍ غَربي ومعه امرَأَةٌ تحرُسُه أن يَزيغ!".[1]

ومـع كُلِّ الهِجماتِ وكثرَةِ الـعقَبَاتِ والـنكبَاتِ الـمُحِيطَةِ بالشَّبابِ والشَّاباتِ، إِلَّا أَنَّ الإِبراهيمي –رحمه الله- كان صاحِبَ هِمةٍ عَليَّةٍ ونَفسٍ زكيَّةٍ، أَبَت أَن تَذِلَّ أو تَهِن! أَو تَقنَطَ أو تَيأَس! فقَام بإنشَاءِ المعَاهِدِ الـدِّينيّةِ والمدَارِسِ الـتَّعليميَّةِ. فأَنشأَ ما يُسمّى بـ(الـمعاهِد البادِيسي)، والذي أُسِّسَ بـقَصدِ رَفعِ الأُميَّةِ التي اجتَاحَت البِلادَ، وحَرَفتِ الـشَّبابَ. فأَقبَلَ عليهِ الـشباب لـيَتعلَّمُوا مِنه، وينهَلُوا مِن مَعِينه. فكان كما قال المصلِحُ عن نفسه: "لـيعلم أبناؤُنا -مُعلِّمو هذا الجيل- أنَّنا -ولا مِنَّةَ عليهم- مَهَّدنا لهم كَثِيرًا مِن العِقابِ، وذلَّلنا لهم كَثِيرًا مِن الصِعَابِ، وحلَلنا كَثِيرًا مِن العُقدِ الاجتمَاعِيةِ التي عَقدَها البُعدُ عن هدَايةِ الدِّينِ، والجَهلِ بحقَائِقِه، ووَطَّأنا لهم أكنَافَ النُّفوسِ المستَعصِيةِ عن العِلم، المستَعصِمةِ بالجَهلِ، فأَقبَلت على العِلمِ بعد أن كانت عنه مُعرِضَةٌ، وجَادَت في سَبيلِه بالمالِ بعد أن كانت به شَحِيحَةٌ، واستمَرأت القِراءَةَ فآمَنَت بها وأَنِسَت، واستَوبَلت الأُمِّيَّةَ فكفَرَت بها، واستوحَشَت مِنها، وعَرفَت القُرآنَ بعد أن هَجَرته وتَنَكرَّت له، وأَصبَحَت تَهتَزُّ لسمَاعِ لُغَةِ القُرآنِ اهتزَازَ النَّشوَةِ والطَّربِ، وفتَحنَا أذهَانَها على حقَائِقِ الإسلامِ، فأَدرَكَتها وجَدَّت في طَلَبِها بعد أن كانت تتَلهَّى عنها بقُشُورٍ تُسمِّيها الإسلامِ، ووَصلنَا ماضِيَها المشرِقِ بحَاضِرِها المظلِمِ لينعَكِسَ عليه إشرَاقُه بعد أن قطَعَت الصِّلةَ بينها وبينه بجَهلِها ورُعُونتِها، ووَجَّهنَاها إلى سعَادَةِ الحيَاةِ وشَرفِ الحيَاةِ وجِدِّ الحيَاةِ، بعد أن كانت قانِعَةً مِنها لهزلِها وسفَاسِفها وتوافِهِها. وكل ذلك مما يُعِينُ المعلِّمين لهذا الجيل، ويُخفِّفُ عنهم المشقَّةَ"[2].

لقد بادر الإِبراهيمي ورِفَاقُهُ في "جمعية العلماء" بإِيفَادِ الـشَّبابِ إِلى الـتَّعلُّمِ خَارجَ حُدُودِ الـجَزائِرَ، في كُبرَى الـمعَاهِدِ والمنَارَات. ففِي تعدَادِه للـمشَارِيعِ الـعِلميةِ التي حقَّقتها الـجَمعِيةُ بعثَاتٌ إلى جامِع الزَّيتُونةِ في تُونس، وإلى جَامِعِ القَرويين بمدِينةِ فَاس مِن المغرب الأَقصى[3]. وكان هدف الإبراهيمي بذلك إعداد جيل متمكن من العلم، متسلح بالإيمان، يقوم بواجبات الإصلاح والتغيير كما ينبغي. "إنَّ زمَانَكم بَطَلٌ فقَاتِلُوه بالبُطُولَةِ لا بالبطَالَةِ؛ وإنَّ البَطَلَ هو الذي يتعَبُ ليَستَريحَ غَيرُه!"[4].

وواجَهَ الإبراهيمي، ومَن معه في "جمعية العلماء"، الـخِلافَاتَ بين الأحزَابِ الـسِّيَاسيَّةِ الموجُودَةِ وَقتَها، فقد كانت تُهدِّدُ الـوَطَنَ وتجرُّ عليه ضغَائِنَ وأحقَادًا، وتَفرُّقًا وافتِرَاقًا بين أبنَاءِ الـدِّينِ الواحِدِ والـوَطنِ الوَاحِدِ. وقد حَكَى الإِبراهيمي براثِنَ هذا الـجُرحِ، وما أَعقَبَه مِن آلاَمٍ ونكبَاتٍ، فقال: "إنَّنا لا نتَصوَّرُ كيف يخدِمُ السِّياسيُّ أُمَّتَه بتَقطِيعِ أوصَالِها، وشَتمِ رِجالِها، وتَسفِيه كُلِّ رَأيٍ إلَّا رَأيَه. ولا نتصوَّرُ أنَّ ممَّا تُخدَمُ به الأُمَّةُ هذه الدروسُ العَالِيةُ(!) في أسَاليبِ السَبِّ التي يُلقِّنُها بعضُ الأحزابِ لطَائفةٍ مِن شبَابِ الأُمَّةِ في معَاهِدَ المقَاهي والأَزِقَةِ! إِنَّ تربيَةَ الشُّبَانِ على الشَّتمِ والسبَابِ جَرِيمَةٌ لا تُغتَفرُ !"[5].

لذلك كان يَنصَحُ الشَّبابَ ويُحذِّرُهم مِن دعَاةِ تلك الأَحزَابِ البَعِيدَةِ عن دِينِهم وهَويَّتِهم، فيقُول: "العِلمَ، العِلمَ، أَيُّها الشَّبابُ، لا يُلهِيكم عنه سِمسَارُ أحزَابٍ ينفُخُ في مِيزَابٍ، ولا دَاعِيةُ انتخَابٍ في المجَامِعِ صخَّابٌ، ولا يَلفِتنَّكم عنه معلِّلٌ بسَرابٍ، ولا حَاوٍ بجرَابٍ، ولا عَاوٍ في خَرابٍ يَأتَمُّ بغُرَابٍ، ولا يَفتِنَّنكم عنه مُنزَوٍ في خَنقَةٍ، ولا مُلتَوٍ في زَنقَةٍ، ولا جَالِسٌ في ساباط على بسَاطٍ، يُحاكِي فيكم سُنَّةَ اللهِ في الأسبَاطِ! فكُلُّ وَاحِدٍ مِن هؤلاءِ مُشعوِذٌ خَلَّابٌ وسَاحِرٌ كذَّابٌ"[6].

وممَّا كان يَشغَلُ الإبراهيمي في إِعدَادِه وتَرتِيبِه داخِل مُجتَمعِه قَضِيةُ تَزوِيجِ الـشَّبابِ، والـمَشَاكِلِ الـتي تَقِفُ عائِقًا بينهم وبين بُلوغِ هذا الـمُرادِ![7] فقد كانت هناك عِدةُ مشَاكِل أَحَاطَت بالشَّبابِ، وتسَبَّبت في عُزُوفِهم عن هذه النِّعمَةِ العَظِيمةِ. وقد تَحدَّثَ الإِبراهيمي عنها فقال: "فإنَّ مِن بعضِ هذه المشَاكلِ ما لو تمَادَى وامتَدَّ لأتَى بنيَانَ الأُمَّةِ مِن القَواعِدِ، وقَضى عليها بالمسخِ أَولًا، والتَّلاشي أَخيرًا! أَعضَلُ هذه المشَاكِلِ، وأَعمَقُها أَثرًا في حيَاةِ الأُمَّةِ، وأَبعدُها تَأثِيرًا في تكوينِها، مُشكِلَةُ الزَّواج بالنِّسبَةِ إلى الشُّبَّان"[8].

وأعاد الإبراهيمي مشكلة عدم رغبةِ الـشباب في الزواج لأسباب عدَّة، منها:
-----------------------------------

- غلَاءُ الـمُهُورِ وتَعجِيزُ الشَّبابِ بالشُّروطِ، وقد تنَاولَ هذه القَضِيةَ فأجَادَ فيها وأَرشَدَ الطَّرَفَين لما فيه صَلاحُ الأِمرِ.[9]
- والـخَوفُ مِن الـمُستَقبَلِ الـمُترَتِّبِ على تكَاليفِ الزَّواجِ وتكثِيرِ الـنَّسلِ؛ والامتِناعُ بـدَاعِي عدمِ الزَّواجِ مِن الفتَاةِ الأُمِّيَّةِ! وقد تحدَّثَ الإِبراهيمي عن هاتين الـعَقبَتين وسَببِ انتشَارِهما وتَفشِّيهما في الـمجتمعِ، وكيفيةِ الوِقايةِ منهما.[10]

لقد قدَّمَ الإبراهيمي فَلسَفَته للزَّواجِ للشَّبابِ بقوله: "أَيُّها الشُّبَّان! إنَّكم لا تخدِمُون وَطنَكم وأُمَّتَكم بأَشرَفِ مِن أن تتَزَوَّجُوا، فيُصبِحَ لكم عِرضٌ تدَافِعُون عنه، وزَوجَاتٌ تحَامُون عنهن، وأَولَادٌ يُوسِّعُون الآمَالَ. هنالك تتَدرَّبُون على المسؤُوليات، وتَشعُرون بها، وتَعظُمُ الحيَاةُ في أَعيُنِكم، وبذلك تزدَادُ القَوميَّةُ قُوَّةً في نُفُوسِكم. إنَّ الزَّوجَةَ والأَولادَ حِبالٌ تَربطُ الوَطنيَّ بوَطنِه، وتَزيدُ في إيمَانِه، وإنَّ الإعرَاضَ عن الزَّواجِ فِرارٌ مِن أَعظَمِ مَسؤُوليةٍ في الحيَاةِ. ولمـَن تُخدَمُ الأَوطَان؟ إذا لم يكن ذلك لحمَايةِ مَن على ظَهرِها مِن أَولادٍ وحُرُمٍ، ومِن في بَطنِها مِن رُفاتٍ ورِمَمٍ. قد كان أجدَادُكم العَربُ يضَعُون نساءَهم وذَرَارِيهم خَلفَ ظُهورِهم في ساعَةِ اللِّقَاءِ لئَلَّا يفِرُّوا.. وهذا هو الحفَاظُ"[11].

وصاياهُ للـشَّبابِ:
-----------

مَلأَ الإِبراهيمي -رحِمهُ الله- الـدُّنيا عِلمًا وحِكمَةً، ونَـصِيحَةً ووَصِيَّةً. فكانت كَلِماتُهُ ووَصَايَاهُ بـلسَمًا للواثِقِين، ونِبرَاسًا وهُدىً للـمُخلِصين الـصَّادِقين. وقد اختَصَّ شبَابَ وَطَنِه وأُمَّتِه بالكَثِيرِ مِن الوصايا، لـيكُون عَونًا لهم على إِرشَادِهم في حيَاتِهم، والزَّادَ لهُم بعد ممَاتِهم.[12]
ووصَايَاه مُتنَوعَةٌ جَامِعةٌ، تتَـعلَّقُ بحثِّهم على الاعتزَازِ بدِينِهم، والنِّضَالِ مِن أَجلِ عَقيدِتهم، والتَّخلُّقِ بأخَلاقِ أَسلَافِهم، والتَّدَبُّرِ لـكتَابِ رَبِّهم، وبذلِ المهَجِ في سَبيلِ أَوطَانِهم، والـتَّحلِي بآدابِ الـعِلمِ والـسَّكينَةِ فيه. فكانتَ -كما قال: "ولم يَزل التَّذكِيرُ في كُلِّ أطوَارِ الإنسَانيةِ مَدَدًا رَوحَانِيًّا يُثِيرُ الخَامِلَ إلى العَملِ، ويحثُّ العَامِلَ على مُواصَلةِ العَملِ!"[13].

ومن أجمل وصاياه للشباب وكلماته لهم:
-----------------------

حثُّه إيَّاهم للتَمسُّكِ بالدِّينِ والأخلاقِ واللُّغةِ والأُخُوةِ: "يا شباب الإسلام.. وصيتي إليكم أن تتصلوا بالله تديّنًا، وبنبيّكم اتّباعًا، وبالإسلام عملًا، وبتاريخ أجدادكم اطِّلاعًا، وبآدابِ دينِكم تخلُّقًا، وبآدابِ لُغَتِكم استعمَالًا، وبإخوانكم في الإسلام ولِداتكم في الشبيبة اعتناءً واهتمامًا، فإن فعلتم حُزتُم مِن الحياةِ الحظَّ الجليل، ومِن ثوابِ الله الأَجرَ الجزيل، وفاءت عليكم الدُّنيا بظِّلها الظَّليل!"[14]؛ "وكتابُ ربِّكم أيُّها الشَّبابُ هو البُرهَانُ والنُّور، وهو الفَلَجُ والظُّهورُ، وهو الحجَّةُ البَالِغةُ، والآيَةُ الدَّامِغةُ، فلا يُزهِّدنَّكم فيه زِندِيقٌ يُؤَوِّلُ وجَاهِلٌ يُعطِّلُ، ومُستَشرِقٌ خَبِيثُ الدَّخلَةِ، يتَّخِذُه عِضين، ليَفتِن الغَافِلين، ويُلبَّسَ على المستَضعَفِين"[15].

ربطُه بينهم وبين أحلامِ أُمَّتِهم التي تعَوِّلُ عليهم: "إنَّ أُمَّتَكم تُعَوِّلُ عليكم شَرطَ أن تُعِدُّوا أَنفُسَكم إعدَادًا رُوحيًّا لا بَدَنيًّا، فإذا أَشرَقَت أنوَارُ الإسلامِ وغَمرَت هِدَايَتُه كُلَّ المجتَمَعِ البَشري، فإنَّ هذا المجتَمَعَ سيَنعَمُ بالخَيرِ العَمِيمِ، وتتَحقَّقُ له السَّعادَةُ في الدُّنيَا والآخِرةِ. والإعدَادُ الرُّوحيُّ يجعَلُ المسلِمَ مُوقِنًا بأنَّه إذا مَاتَ في سَبيلِ اللهِ ينتَقِلُ مِن حيَاةٍ بَعضُها شقَاءٌ إلى حيَاةٍ كُلُّها سعَادَةٌ؛ فكونوا مُسلِمين كَامِلين، أي كونوا عامِلين في سِبيلِ الله، وإيَّاكم أن تكونوا أنصَافَ أو أربَاعَ مُسلِمين، وحاسِبوا أنفُسَكم قبل أن تحَاسَبُوا، واقتَدُوا بالقُدوَةِ الصَّالِحةِ، وإنَّ الواحِدَ منَّا يستطيعُ أن يَقُودَ الملايين بشَرطِ أن تكون النُّفُوسُ مُستَعِدَّةً. وإنَّ هذا الشَّبابُ إذا تَدرَّبَ على الإقدامِ وقُوَّةِ العَزيمَةِ وعَدمِ الخُوفِ إلا مِن اللهِ فإنَّه يأتي بالأعَاجِيبِ"[16].

لقد وجَّه الإبراهيمي الشَّبابَ لدَورِهم الرِّيادِي في التَّجدِيدِ والدَّعوةِ والإصلاحِ: "إنَّ دِينَكم شوَّهته الأضَاليلُ، وإنَّ سِيرَةَ نبيِّكم غَمَرَتها الأبَاطِيلُ، وإنَّ كتَابَكم ضيَّعَته التَّأَوِيلُ، فهل لكم يا شبَابَ الإسلامِ أن تمحُوا بأَيدِيكم الطَّاهِرةَ الزَّيفَ والزَّيغَ عنها، وتَكتُبُوه في نُفُوسِ النَّاسِ جَدِيدًا كما نَزَل وكما فَهِمَه أصحَابُ رَسولِ اللهِ عن رَسولِ الله. إنَّكم قد اهتدَيتم إلى سوَاءِ الصِّراطِ فاهدُوا إلى سوَاءِ الصِّراطِ. إنَّكم لو عَبدتُّم اللهَ الليلَ والنَّهارَ لكان خَيرًا مِن ذلك كُلِّه عندَ اللهِ، وأَقرَب زُلفَى إليه أن تجَاهِدُوا في سبيله بهدَايةِ خَلقِه إليه"[17].

ونَصَحَ الشَّبابَ بالجَمعِ بين صِحَّةِ العَقلِ والجَسدِ: فـ"لا يَنفَعُ الشَّبابَ أُمَّتَه إلَّا إذا جمعَ بين صِحَةِ العَقلِ وبين صِحَةِ الجِسمِ. أمَّا صِحَةُ العَقلِ فإنَّ علينا بُنيَانَها، وفي ذِممِنا ضَمَانها! وأمَّا صِحَةُ الجسمِ فمِن المسكَنِ الصَّالحِ مُبتَدَاها، وإلى الغِذاءِ النَّافِعِ مُنتَهاها. وكِلا هذين دَينٌ على الأُمَّةِ وَاجِبُ الأدَاءِ!"[18].

ونبَّهَهم إلى أنَّه: "لا حقَّ لكم على الوَطنِ، بل الحَقُّ كُلُّه للوَطَنِ عليكم. وإنَّ أوكَدَ حقُوقِه عليكم أن تُحقَّقُوا بالعِلمِ مطَالبَه، وتَعمُرُوا بالعِلمَ جوَانِبَه، وتُنِيروا بالعِلمِ غيَاهِبَه"[19].

وحذَّرَهم مِن الانشِغالِ بالماضِي ذمًّا أو مَدحًا عن العَملِ: "أُعيذُ الشَّبابَ المحمَّدي أن يَشغَلَ وَقتَه في تِعدَادِ ما اقتَرفَه آباؤُه مِن سيئَاتٍ أو في الافتخَارِ بما عَمِلُوه مِن حسَناتٍ، بل يبني فَوقَ ما بنى المحسنون، وليَتَّقِ عثَراتَ المسيئِين"[20]. "ليَحرِصَ الشَّبابُ على أن يكونوا كمَالًا في أُمَّتِهم لا نَقصًا، وأن يكونوا زَينًا لها لا شَينًا، وأن يُضِيفُوا إلى تَلِيدِ مَكارِمِها طَريفًا، وإلى قَدِيمِ محَاسِنِها جَدِيدًا، وأن يمحوا كُلَّ سيِّئَةٍ لسَلَفِهم بحسَنَة"[21].

ولم يغفَل عن التَّذكِيرِ بالأخلاقِ: "أَي شبَابَ الإسلام.. خُذُوها فصِيحَةً صَرِيحةً لا تتَستَّرُ بجِلبَابٍ، ولا تتَوَارَى بحِجَابٍ، إنَّ علَّتَكم التي أَعيَت الأَطبَاءَ، واستَعصَت على حِكمَةِ الحُكمَاءِ، هي مِن ضَعفِ أخلاقِكم ووَهنِ عَزَائِمِكم. فدَاوُوا الأخلاقَ بالقُرآن تَصلُح وتَستَقِم، وأُسُّوا العَزائِمَ بالقُرآنِ تَقوَ وتَشتَدُ"[22].

لقد نَثرَ الإبراهيمي دُرَرَه مِن النُّصحِ في مقَالاتِه للشَّبابِ، ولم يألُ جُهدًا في ذلك. وكان صَادِقَ العِبارَةِ، عَمِيقَ الفِكرَةِ، قَريبَ الخِطَابِ، وَاضِحَ الإشَارَةِ. فقد حذَّرَهم مِن اختِلافِ القُلوبِ وتَشَتُّتِ الأَهوَاءِ، وأوصَاهم بالتَّقوى وحُسنِ العِشرَةِ. وعزَّز فيهم حُبَّ القرآن: "أَي شبَابَ الإسلامِ.. إنَّ أوَّلَ أُمَّتِكم شَبيهٌ بآخَرِها عُزوفًا عن الفضَائِلِ، وانغِمَاسًا في الرَّذائِلِ، فلم يَزلِ بها هذا القُرآنُ حتى أَخرَجَ مِن رُعَاةِ النَّعَمِ رُعَاةَ الأُمَّمِ، وأخرَجَ مِن خُمُولِ الأُمِّيَّةِ أعلامَ العِلمِ والحِكمَةِ. فإن زعم زاعم أنَّ الزَّمَان غَيرَ الزَّمان، فقولوا: ولكن الإنسان هو الإنسان"[23]. و"تَدبُّرُ القُرآنِ واتِّباعُه هما فَرقُ ما بين أَوَّلِ الأُمَّةِ وآخِرِها. وإنَّه لفَرقٌ هَائِلٌ، فعَدَمُ التَّدبُّرِ أفقَدنَا العِلمَ، وعَدمُ الاتِّباعِ أفقَدنَا العَملَ. وإنَّنا لا نَنتَعِشُ مِن هذه الكَبوةِ إلا بالرُّجوعِ إلى فَهمِ القُرآنِ واتِّبَاعِه. ولا نُفلِحِ حتى نُؤمِن ونعمَلَ الصَّالحات: ((فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الـمُفلِحُونَ))، الأعراف: 158"[24].
هذه أسطر في تَوضيحِ الـمعَالِم الإِصلاحِيَّةِ لدى الشَّيخِ مُحمَّد البَشيرِ الإِبراهيمي -رحمه الله، في الاهتمام بالشباب ونَشرِ الـعِلمِ والفَضِيلةِ فيهم، واستِنهَاضُ هِمَمِهم، جامِعًا في هذه الـمَسِيرَةِ بين الـعِلمِ والرَّحمَةِ.

---------------------------------
[1] الآثار: ج4/312. وقد فصَّلتُ الـقَولَ في الـكَلامِ عل مسأَلةِ الإِلحادِ ذَاكِرًا (تارِيخها وأسبابِها ومظاهِرها وطرق الوقاية منها)، في الـمَنهجِ الإِصلاحِي لدى المصلح الإِبراهيمي عند الـكلام على (الإِصلاح الـفكري). يسَّر الله نـشره.
[2] الآثار: ج2/110.
[3] الآثار: ج4/255.
[4] الآثار: ج2/110.
[5] الآثار: ج3/67.
[6] الآثار: ج3/316.
[7] عَرَّفَ الإِبراهيمي (الزّواجَ) بأنه: "عَقدٌ بين قَلبَين، ووَصلٌ بين نَفسَين، ومَزجٌ بين رُوحَين، وفي الأَخيرِ تَقرِيبٌ بين جِسمَين!"[7]. الآثار: ج3/297. وقال مُذكِراً بفضل هذه الـشعيرةَ وعَظِيمِ أثرِها: "راعَى الإسلامُ -وهو دِينُ الفِطرَةِ- كُلَّ ذلك، فنَدبَ إلى الزَّواجِ، وحَضَّ عليه، وسمَّاه إحصَانًا، وشَرعَ له مِن الأحكامِ ما هو أقرَبُ إلى التَّيسيرِ والفِطرَةِ والتَّسامُحِ، كلّ ذلك ليَحفَظَ على الشَّابِ والشَّابَةِ دِينَهما وعِرضَهما، ويَضبِطَ عليهما عوَاطِفَهما، فلا تَمتَدُّ العَينُ إلى مُحرَّمٍ، ولا تَهفُو النَّفسُ إلى محظُورٍ، ولا يجَاوزَان بالفِطرَةِ حُدودَ الله". الآثار: ج3/294.
[8] الآثار: ج3/293.
[9] الآثار: ج3/295، وج3/393، وج3/394.
[10] الآثار: ج3/393.
[11] وقد فصّلتُ الـكلامَ حولَ جهُود الإِبراهيمي في حلحلةِ هذ الـمشاكِل من (بطالة) و(طلاق) و(زواج)، في كلامِي حول (الإِصلاح الاجتماعي). يسَّرَ الله إِتمَامَهُ ونَشرَه.
[12] وللإِبراهيمي مقالةٌ رَصِينَةٌ، ووصايَا ثَمِينَةٌ، نَشرَها في أَربعِ حلقَاتٍ، سمَّاها (الشاب الجزائري كما تمثِّلُه لي الخواطِرُ). الآثار: ج3/510- 517. فانظرها فهي ممتعةٌ مُقنِعَةٌ!
[13] الآثار: ج1/51.
[14] الآثار: ج4/121.
[15] الآثار: ج4/271.
[16] الآثار: ج4/210.
[17] الآثار: ج4/272.
[18] الآثار: ج2/253.
[19] الآثار: ج3/315.
[20] الآثار: ج4/121.
[21] الآثار: ج4/121.
[22] الآثار: ج1/163.
[23] الآثار: ج1/163.
[24] الآثار: ج1/327.






ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
الأُمَّةِ, الإبراهيمي, جُهُودِ, شبَابِ, فُصُولٌ, إصلاحِ

« واقـع ومستقبــل التنمية في الجنـوب .. قراءة في تقرير التنمية البشرية | أئمة المدرسة العقلية الحديثة »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الاحتلال يمنع الصلاة في المسجد الإبراهيمي عبدالناصر محمود أخبار عربية وعالمية 0 10-03-2016 07:13 AM
وزير حرب يهود يقتحم المسجد الإبراهيمي عبدالناصر محمود أخبار الكيان الصهيوني 0 08-12-2015 06:35 AM
جنود يهود داخل المسجد الإبراهيمي عبدالناصر محمود أخبار الكيان الصهيوني 0 11-07-2013 07:49 AM
الاحتلال سيغلق الحرام الإبراهيمي في ليلة القدر Eng.Jordan أخبار الكيان الصهيوني 0 07-23-2013 01:19 PM
العلامة محمد البشير الإبراهيمي عبدالناصر محمود شخصيات عربية وإسلامية 0 05-21-2013 06:38 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 04:42 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68