تذكرني !

 





كتب ومراجع إلكترونية عرض وتحميل الكتب الإلكترونية ebooks

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 05-02-2017, 02:49 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 21,962
افتراضي التحولات الواقعية للدور البريطاني في الشرق الأوسط بعد بريكست

  انشر الموضوع
سمير رمزي - مركز البديل للتخطيط والدراسات الإستراتيجية




احتل الشرق الأوسط فيما سبق مكانة متميزة في السياسة الخارجية البريطانية، التي كان لها الأثر البارز في صياغة الخريطة الحالية للإقليم بعد الحرب العالمية الأولي، حتى أن وصف “الشرق الأوسط” يعود بالأساس إلى البريطانيين، لتوسطه الجغرافي بين بريطانيا والهند وشرق أسيا.


وبعد الانسحاب البريطاني من الشرق الأوسط في مطلع سبعينات القرن الماضي، وانصباب اهتمامها على الشراكة مع الدول الأوروبية، يبدو أن الشرق الأوسط عاد ليشغل مكانة هامة في إدراك صناع القرار، خاصة بعد البريكست وإعلان الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي.


يحتل الشرق الأوسط أهمية متقدمة في استراتيجية الأمن البريطاني، ووصفت وثيقة الأمن القومي الصادرة عن الحكومة البريطانية في 2015، الشرق الأوسط بأنه مصدرا كبيرا للتهديدات وكذلك الفرص، واعتبرته شديد الحيوية بالنسبة للأمن القومي البريطاني، بالشكل الذي يُلزم بريطانيا بضرورة الاستمرار في استثمار هذه الفرص ومواجهة التهديدات.


في هذ الإطار تسعى الورقة إلى محاولة رسم ملامح أولية لمستقبل الدور البريطاني في الشرق الأوسط، ونبدأ بتحليل عملية إعادة صياغة الدور الخارجي لها بعد بريكست، ونخصص المحور الثاني للوقوف على مدى فعالية الدور الحالي لبريطانيا في المنطقة، ما يجعلنا نسترشد على الملامح والطرق التي سُترسم الدور البريطاني في الشرق الأوسط خلال المرحلة القادمة


أولا- الدور الخارجي لبريطانيا بعد بريكست:


نخصص هذه الجزئية لتحليل أثر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على أدوارها الخارجية، ومدى مساهمة ذلك في إعادة رسم منظار الدور البريطاني، ومن هذه الأثار تغير نخبة صناعة القرار في السياسة الخارجية، وإعادة ترتيب أهداف السياسة الخارجية البريطانية وأدواتها


ويرى كاليفي هوليستي Kalavi Holsti، أحد المؤسسين لنظرية الدور الخارجي، أن مفتاح فهم الدور يكمن في تحديد التصورات الذهنية حول الدور الوطني لدى صانع القرارthe National Role Conception [i].


نخبة صنع القرار الجديدة
تيريزا ماي: تولت رئاسة الحكومة البريطانية في 13يوليو 2016، خلفاً لديفيد كاميرون في أعقاب الموافقة الشعبية على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ورثت ماي دوراً خارجياً لدولة منخرطة عسكريا في الشرق الأوسط، خاصة، في ليبيا، وسوريا، والعراق، في ظل توسع دولي للدورين الصيني والروسي، وصعود تيار صقوري في الولايات المتحدة، إلى جانب الملف الأبرز المتعلق بإدارة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
تتوافق توجهات ماي، إلى حد بعيد مع كاميرون، فسبق وأن صوتت لصالح قرارات المشاركة العسكرية في مجلس العموم، ولصالح قرار استمرار نشر القوات البريطانية في أفغانستان في 2010.


ومنذ انتخابها نائبا لحزب المحافظين في مجلس العموم في مايو 1997، التزمت ماي بالتصويت لصالح الحزب بشكل لم يسبق له مثيل بين السياسيين البريطانيين، فمن بين 3147 عملية تصويتية، لم تلتزم ماي بتصويت الحزب سوى 19 مرة فقط[ii].


تفصح فترة تولي تيريزا ماي لوزارة الداخلية البريطانية (2010- 2016)، عن بعض توجهاتها خاصة فيما يتعلق بملفي الهجرة والإسلاميين، حيث عملت على تضييق شروط استقدام البريطانيين لأزواجهم وأطفالهم الأجانب، إضافة إلى رفض مشروع الاتحاد الأوروبي المتعلق بتوزيع حصص المهاجرين على دول الاتحاد.


وبالنسبة للإسلاميين، اتخذت تيريزا ماي عدة مواقف معادية لهم، فدعمت إدراج جماعة الإخوان المسلمين في قائمة المنظمات الإرهابية، وعملت على منع بعض الدعاة الإسلاميين من دخول بريطانيا مثل ذاكر نايك ورائد صلاح[iii]، إضافة إلى موافقتها على ترحيل أبو قتادة للأردن.


يمكن أن نعتبر ماي من أنصار المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، فأعلنت في يناير 2017 عن رفضها لسياسة التدخل “الليبرالية” لإحلال الديمقراطية في الشرق الأوسط، وأعلنت عن انتهاء عهد انتهاك بريطانيا لسيادة الدول الأخرى، كما أعطت الأولوية لتحقيق المصلحة البريطانية، في مقابل غض الطرف عن قضية نشر الديمقراطية[iv]، ورأت أنه من الضروري أن تقف بجانب حلفائها في الخليج في مواجهة إيران، التي أعلنت ماي عن ضرورة الحيلولة دون تمدد النفوذ الإيراني إلى شاطئ المتوسط.[v]


وزير الخارجية: اختارت تيريزا ماي شخصية أكثر يمينية لتولي مسئولية الخارجية البريطانية، وهو بوريس جونسون عمدة لندن السابق، وزعيم حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي، وعمد جونسون إلى تنفيذ بعض سياسات الحد من استقبال المهاجرين في لندن. كما عُرف عنه عدائه للإسلاميين بعد عدة كتابات صحفية نشرها في أعقاب تفجيرات لندن في 2005.
إعادة صياغة السياسة الخارجية البريطانية:
انعكس خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على إدراك صناع القرار البريطانيين لمنظار الدور البريطاني، فأدى الخروج إلى إعادة تموضع الدور البريطاني كأحد أعضاء الاتحاد الأوروبي، إلى تقديم نفسها للعالم على أنها إحدى القوة الكبرى الرائدة التي تتمتع بنفوذ عبر للمحيطات، ما أطلقت عليه تيريزا ماي “عودة بريطانيا العظمى”.


وفي نفس السياق، حدد باحث العلاقات الدولية الإنجليزي مارك كورتس، أهداف السياسة الخارجية البريطانية بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، إلى 4 حزم رئيسية على النحو التالي[vi]:


تشجيع سياسة التجارة الحرة وفتح الأسواق: كان الدافع الاقتصادي من أبرز عوامل الموافقة على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وسجلت بريطانيا أكبر عجز في ميزان المعاملات التجارية على الإطلاق العام الماضي، بما يعادل 5.2% من الناتج الاقتصادي للبلاد، وعكس هذا العجز زيادة تدفقات توزيعات الأرباح، ومدفوعات الدين إلى المستثمرين الأجانب عن التدفقات المماثلة التي تأتي للبلاد[vii]، سيؤدي هذا إلى تفضيل السياسة الخارجية البريطانية استبدال شركاء التجارة الأوروبيين بإعادة فتح الأسواق في الدول الأخرى، وأعلنت تيريزا ماي، عن نيتها الحفاظ على التوجه البريطاني المتعلق بدعم حرية التجارة الدولية، وتعقد الحكومة البريطانية أمالا على عقد بعض الاتفاقيات الدولية للتجارة الحرة لحل المشكلات التي يعاني منها الاقتصاد المحلي، واستهلت تيريزا ماي تولي الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب، بفتح ملف الاتفاقية التجارية المتوقع إبرامها بين البلدين.
توظيف المساعدات الخارجية اقتصاديا: تحدث بريتي بباتيل، مسئول التنمية الدولية البريطاني في سبتمبر2016 عما اسماه إصلاح منظومة المساعدات الدولية، وربطها بمبادئ تيار المحافظين الرئيسية، وتقود بريطانيا بالفعل خصخصة الخدمات في بعض الدول خاصة الصحة، والتعليم، وعلى سبيل المثال انفقت وكالة التنمية الدولية هناك ما يقارب الـ 38 مليون جنيه إسترليني، لخصخصة التعليم في دول نيجيريا، وكينيا، وباكستان، بهدف فتح أسواق أمام شركات التعليم البريطانية في هذه الدول، ومن المرجح أن تتعمق هذه السياسة لتشمل خدمة قطاعات أخرى كالتغذية، والدفاع وتشجيع التجارة الحرة[viii].
توسيع العلاقات مع النظم غير الديمقراطية:
يتلاقى هذا مع تصريحات تيريزا ماي السالف ذكرها، المتعلقة بتنحية قضية نشر الديمقراطية عن أجندة السياسة الخارجية البريطانية، وظهرت عدة مؤشرات خلال الفترة الأخيرة تدل على جدية هذا التوجه، خاصة في الشرق الأوسط الذي يعتبر أكبر سوق إقليمية لتجارة السلاح، فشهد لقاء أمير دولة قطر وتيريزا ماي في سبتمبر الماضي التأكيد على الرغبة البريطانية في الاستثمار في مجالات الدفاع، والأليات العسكرية، وشاركت بعض شركات السلاح البريطانية في معرض السلاح الدولي الذي نظمته قطر في 2016، كما شهد يوليو 2016 زيارة وفد تجاري بريطاني لمصر بهدف التباحث في تعميق الروابط التجارية بين البلدين، كما صدرت بريطانيا لدولة إسرائيل معدات عسكرية بقيمة 65 مليون جنيه إسترليني خلال الفترة من أبريل إلى يونيو من العام نفسه، مقارنة بـ9.5 مليون جنيه إسترليني فقط طيلة عام 2015[ix]، ما يدل بوضوح على الرغبة البريطانية في توسيع مبيعاتها من الأسلحة، وهى تعد الأن ثاني أكبر مصدر للسلاح في العالم.


زيادة الاعتماد على القوة العسكرية: دعمت الحكومة الجديدة خطة جديدة لزيادة الإنفاق العسكري، بتكلفة تصل الى 178 مليار جنيه إسترليني بحلول عام 2020، بما يتضمن برنامج لإعادة التسليح، وإنشاء حاملتين هائلتين للطائرات، ودعم الأسطول الملكي البحري كجزء من خطة إعادة الانخراط الدولي لبريطانيا[x]، حيث أشار فيليب جونز قائد البحرية البريطانية إلى رغبة البحرية البريطانية في خدمة حركة التوسع التجاري التي ترغب الحكومة البريطانية في تنفيذها، خاصة في دول أسيا، والشرق الأوسط.
ثانيا- فعالية الدور البريطاني في الشرق الأوسط قبل بريكست


يشتمل مفهوم فعالية الدور على سلسلة المواقف والقرارات، والأفعال التي تتخذها أحد الحكومات تجاه الفاعلين الأخرين بهدف تنفيذ الدور[xi].


وسنركز في هذه النقطة على فعالية الدور البريطاني في الشرق الأوسط بعد اندلاع أحداث الربيع العربي.


– الانخراط العسكري:
شاركت المملكة المتحدة في أعمال التحالف الدولي لمواجهة داعش في سوريا، والعراق، ونفذت القوات البريطانية 804 ضربة جوية (761 في العراق و43 في سوريا)، منذ تأسيس التحالف، حتى مايو2016، لتحتل بذلك المرتبة الثانية بين أعضاء التحالف في شن الهجمات الجوية بعد الولايات المتحدة.


ويوضح الجدول التالي نسبة المملكة المتحدة بالنسبة لضربات التحالف الجوية:


hghg


المصدر: وثيقة صادرة عن لجنة الدفاع في مجلس العموم البريطاني


التدريبات العسكرية: نفذت القوات البريطانية عدة برامج تدريبية لقوات البشمركة، وللجيش العراقي، وأعلنت وزارة الدفاع البريطانية في يوليو 2016 عن تدريبها أكثر من 3900 عنصر من قوات البشمركة الكردية، إضافة إلى المساهمة في تدريب أكثر من 13800 عنصر تابع للجيش العراقي.
كما مولت المملكة المتحدة، برنامجا تدريبيا لقوات الجيش اللبناني، يستهدف تأمين الحدود، إضافة إلى تدريب بعض فرق التدخل السريع الأردنية، وشاركت المملكة المتحدة بحوالي 86 فردا في تدريبات الولايات المتحدة لبعض قوى المعارضة السورية، إضافة إلى تخصيص الحكومة البريطانية لـ 55 مليون جنيه إسترليني لدعم العمليات الإنسانية، وحقوق الانسان في سوريا والعراق في عام 2015


المساعدات العسكرية: حرصت بريطانيا على تقديم الدعم العسكري لدول العراق، والأردن ولبنان في الفترة من 2014 إلى 2015، حيث قدمت أجهزة كشف عن المعادن والمتفجرات للحكومة العراقية بما قيمته 2 مليون و 700 ألف جنيه إسترليني، إضافة إلى تقديم معدات عسكرية خفيفة لقوات البشمركة العراقية بما يعادل 3مليون و200 ألف جنيه إسترليني، بينما دعمت الأردن بما قيمته 2793825 جنيه إسترليني، بينما تلقى الجيش اللبناني حجم المساعدات الأكبر بما يفوق 9 مليون جنيه إسترليني[i]
العلاقات التجارية:
مبيعات الأسلحة: منذ أكثر من عقد زمني، تعتبر بريطانيا ثاني أكبر مصدر للأسلحة في العالم، وتمثل مبيعات بريطانيا من السلاح حاليا حوالي 12% من إجمالي حركة السوق الدولية، ثُلثاها يذهب إلى سوق الشرق الأوسط، وخلال أخر عامين، صدّرت بريطانيا سلاح بقيمة 702 مليون جنيه إسترليني لدول مجلس التعاون الخليجي غير السعودية والكويت، كان نصيب دولة الإمارات منها يصل 388 مليون جنيه إسترليني، وتعتبر السعودية أكبر مستورد للأسلحة البريطانية، بما يعادل 3.5 مليار جنيه إسترليني خلال الفترة من عام 2015 حتى منتصف [ii]2016، كما صدّرت بريطانيا السلاح الى دول مصر وتركيا خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، بما قيمته 450 ،116 مليون جنيه إسترليني على الترتيب.
المصالح التجارية: إضافة إلى تصدير الأسلحة للإقليم، ترتبط بريطانيا بمصالح تجارية في الشرق الأوسط، خاصة مع دول مجلس التعاون الخليجي، وتصل قيمة الاستثمارات الخليجية في بريطانيا إلى حوالي 200 مليار دولار أمريكي، وعلى سبيل المثال، بلغت الصادرات البريطانية إلى دول الخليج عام 2014 حوالي 16.5 مليار دولار، كما تحتوي بريطانيا على حوالي 40 % من استثمارات الخليج العقارية في دول أوروبا، بقيمة تصل إلى 45 مليار دولار.
وأعلنت رئيسة الوزراء البريطانية الحالية عن وجود ثمة فرص للتعاون بين الطرفين، فيما يزيد عن 15 مجال أبرزهم التعليم، والطاقة، والبنية التحتية، والرعاية الصحية، وتُقدَّر قيمتها بحوالي 30 مليار جنية إسترليني أخرى.


تطبيق مبدأ التدخل الإنساني:
عملت الحكومة البريطانية السابقة على تفعيل مبدأ التدخل العسكري للأغراض الإنسانية، وأول أشكال جاءت مع إعلان حلف الناتو عن تدخله في ليبيا لإسقاط القذافي وحماية المدنيين في مارس 2011، وشاركت القوات البريطانية في تطبيق الحظر الجوي، كما أطلقت بعض الصواريخ على مواقع استراتيجية بالنسبة للنظام الليبي[iii].


لم ينته التواجد العسكري البريطاني في ليبيا بعد إسقاط القذافي، وكُشف الستار مؤخرا عن تواجد عسكري لقوات خاصة بريطانية، وتنفيذها لبعض العمليات للدفاع عن حكومة الوفاق، ومقاومة الجماعات الدينية العنيفة[iv].


وتحرص بريطانيا على المزج بين التدخل العسكري وتقديم المساعدات الإنسانية والسياسية، وعلى سبيل المثال أعلنت عن انفاقها ما يزيد عن مليار جنيه إسترليني على المساعدات المُقدمة للسوريين منذ بدء الأزمة وحتى عام 2015.[v]


الموقف من قضايا المنطقة:
إضافة إلى دعم حكومة كاميرون لقوى المعارضة في سوريا وليبيا، ودعم الحكومات العراقية والأردنية واللبنانية، رفضت بريطانيا التدخل الروسي في سوريا، وأصدرت بيانا مشتركا مع بعض دول حلف الناتو ترفض فيه التدخل الروسي، كما اتهم كاميرون روسيا باستهداف ضرباتها، قوى المعارضة المعتدلة بدلا من تنظيم داعش، وأعقب التدخل الروسي تكثيف التواجد العسكري البريطاني في الشرق الأوسط، ما سنتناوله تفصيلا في نقطة لاحقة.


كما عمدت حكومة كاميرون إلى الانفتاح النسبي على إيران في أعقاب توقيع الاتفاق النووي، حيث أعلنت بريطانيا عن إعادة فتح السفارة البريطانية في طهران ونظيرتها الإيرانية في لندن في أغسطس 2015، كما علقت بريطانيا بعض الآمال على التعاون مع إيران في ملفي التجارة المتبادلة ومكافحة التنظيمات الإرهابية[vi].


واستمر الدعم البريطاني، لإسرائيل كأحد ثوابت الدور البريطاني في الشرق الأوسط، وإن كان قد شهد تقاربا بعد ظهور بعض مهددات الأمن الإسرائيلي، وعلى رأسها حالة عدم الاستقرار التي أصابت الدول المحيطة بها.


ثالثا- تحولات الدور البريطاني في الشرق الأوسط:


أدى إعلان الولايات المتحدة الأمريكية إعادة تركيز سياستها الخارجية خارج الشرق الأوسط، لصالح منطقة بحر الصين الجنوبي، إلى حدوث حالة من فراغ القوة في الإقليم، وهي الحالة التي تؤدي إلى سعى أطراف أخرى لملء هذا الفراغ، طبقا لمبادئ علم العلاقات الدولية.


وأدى الانكفاء الأمريكي، إلى شيوع التداخل العسكري بين دول المنطقة وبعضها، أو حتى مع دول من خارج الإقليم، كالتواجد العسكري الروسي في سوريا على سبيل المثال، وظهرت أولى ملامح التحول الواقعي في الدور البريطاني على النحو التالي:


التحالف الاستراتيجي مع دول مجلس التعاون الخليجي:
بدأت رئيسة الوزراء الجديدة نشاطها في الشرق الأوسط بحضور قمة مجلس التعاون الخليجي، كأول رئيسة أجنبية تحضر هذه القمة، وأعلنت عن اعتبار أمن الخليج جزء من أمن بريطانيا، وان بلادها مستعدة للدفاع عن دول الخليج أمام المخاطر الأمنية، ويبدو هنا جليا لعب الدور البريطاني دورا بديلا للدور الأمريكي، وتحقق بريطانيا عبر تحالفها مع دول الخليج عدة مكاسب على النحو التالي:


الانتشار العسكري: يوفر التعاون العسكري مع دول الخليج لبريطانيا فرصة أمنة للتواجد قواتها العسكرية بشرق السويس بذريعة حماية أمن الخليج، وبالفعل أعلن وزير الخارجية البريطاني عن إعادة افتتاح قاعدة اسناد بحرية في البحرين، وتواجد مقر أركان الدفاع في دبي، واستخدام قاعدة المنهد الجوية كمركز للقوات الجوية البريطانية، إضافة إلى تأسيس مركز إقليمي في سلطنة عمان لتدريب القوات البرية وهو واحد من أربعة مراكز بريطانية في العالم، إضافة إلي التعاون الأمني الوثيق مع السعودية، وإجمالا يتواجد في المنطقة حاليا حوالي 1500 فرد تابع للعسكرية البريطانية إلى جانب 7 سفن بحرية.[vii]
تحقيق مكاسب تجارية: تسعى بريطانيا إلى تعويض خسائرها الاقتصادية جراء خروجها من الاتحاد الأوروبي، عبر عقد عدة اتفاقيات تجارية ثنائية، وشهدت قمة التعاون الخليجي إعلان دول الخليج عملها على المحافظة على المرتبة الأولى لبريطانيا كأكبر مستثمر في المنطقة، وتعد دول الخليج هي ثاني أكبر مستورد غير أوروبي للبضائع والخدمات البريطانية، بينما تبلغ قيمة الاستثمارات الخليجية في بريطانيا 150 مليار جنيه إسترليني[viii].
تأمين إمدادات الطاقة: تعتمد بريطانيا على استيراد موارد الطاقة من الخارج، ونشرت حكومة كاميرون في نوفمبر 2012 استراتيجيتها المتعلقة بتوجيه سياستها الخارجية ناحية مصادر الطاقة، وبحلول عام 2032 ستعتمد بريطانيا كليا على مصادر الطاقة الخارجية، ما يعزز من حرصها على تعميق تحالفها مع دول الخليج المُصدرة للطاقة[ix].
تأمين حركة التجارة البحرية: تسعى بريطانيا إلى إعادة تقديم نفسها كشريك تجاري عالمي، من خلال تعميق العلاقات التجارية مع دول الصين والهند، ما يدفعها إلى تأمين حركة الملاحة البحرية في المنطقة، خاصة في مناطق البحر المتوسط وقناة السويس وخليج عدن ومضيق باب المندب، خاصة في ظل تكثيف الانتشار العسكري البحري الروسي في المنطقة، ما أشرنا له سابقا في خطة دعم سلاح البحرية البريطانية.
موازنة الدور الروسي: وضعت وثيقة الأمن القومي البريطاني الصادرة عن الحكومة البريطانية في نوفمبر 2015 السلوك الروسي على قمة التهديدات الدولية، وأعزت هذا إلى التدخل العسكري الروسي في كالينجراد والقرم، إضافة إلى نشاط روسيا العسكري بجوار حلفاء بريطانيا- في إشارة للشرق الأوسط – ورأت بريطانيا أنها ملتزمة بمواجهة الخطر الروسي من خلال حلف الناتو، كما دعت الدول الأوروبية إلى فرض عقوبات اقتصادية على روسيا، بالتوازي مع مشاركة الأخيرة حربها المعلنة ضد تنظيم الدولة الإسلامية ( داعش)[x]، لذا من المرجح أن تحاول بريطانيا لعب دور تنافسي مع الدور الروسي في المنطقة ومحاولة التضييق عليه.
– مواجهة الجماعات الدينية: تنتمي الحكومة الحالية إلى تيار معادي بقوة للجماعات الدينية في الشرق الأوسط، ومن المتوقع أن تكثف دورها الحالي في القضاء على تلك الجماعات، من خلال تطوير أعمال التحالف الدولي العسكرية، وتوسيعها بتفعيل مشاركة دول الخليج وتركيا، كما ستحاول بريطانيا إعادة صياغة علاقتها بالجيوش النظامية والتعاون معها في مواجهة تلك الجماعات، ما ظهرت بوادره بدعوة بريطانيا إشراك خليفة حفتر قائد الجيش الليبي في حكومة الوفاق[xi] .
– مكافحة الهجرة غير الشرعية: يعتبر الشرق الأوسط من أبرز أقاليم تصدير المهاجرين غير الشرعيين لبريطانيا، وتجري هذه العمليات بالأساس عبر مياه المتوسط، وسيحتل مكافحة هذه الظاهرة أحد أولويات الدور البريطاني في المنطقة، ونصت وثيقة الأمن القومي البريطاني سابقة الذكر على تنويع وسائل مواجهة هذه الظاهرة، عبر الاعتماد على الانتشار البحري، ومعالجة النزاعات وتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في الإقليم[xii].
خاتمة:


تؤثر عدة عوامل على إدراك الدور البريطاني لدى صناع القرار، خاصة في ظل المستجدات المتعلقة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وعدم وضوح نمط العلاقة مع إدارة ترامب، وانتظار حسم الانتخابات الرئاسية الفرنسية؛ وعلى الرغم من ذلك، يبدو أن ملامح الدور البريطاني في الشرق الأوسط أكثر وضوحا.


وبصفة عامة، يرتبط الدور الخارجي لأحدى الدول بوضعيته تجاه باقي الأدوار في نظام معين، ويبدو أن النظام الإقليمي الشرق أوسطي أكثر الأنظمة ملائمة لممارسة بريطانيا لدور خارجي تستطيع من خلاله الترويج لعودة بريطانيا العظمي كقوى دولية فاعلة.


وفرت حالة عدم الاستقرار، وتصارع الأدوار الإقليمية، والدولية البيئة الملائمة لهذا، خاصة مع انشغال دول الاتحاد الأوروبي بالصراع مع روسيا في شرق أوروبا، وتفضيل الولايات المتحدة الابتعاد النسبي عن مجريات الأمور في الشرق الأوسط، وصعوبة منافسة دول شرق أسيا مع الاستقرار النسبي هناك، ليبقى الشرق الأوسط، وإفريقيا هما المناطق الأكثر استعدادا للتعاون مع الدور البريطاني.


ستعتمد بريطانيا على شبكة أصدقاء حلف الناتو، ومن المحتمل أن تكون أقرب إلى مبادئ الواقعية الدفاعية، فستستند بريطانيا بالأساس إلى التعاون مع محور الخليج – تركيا- إسرائيل، وهي الدول التي حرصت تيريزا ماي على لقاء ممثليها، وستتعاون بريطانيا مع هذه الأطراف في مواجهة الأخطار المشتركة، وعلى رأسها توسع الدور الروسي ومحاصرة الدور الإيراني، وهي الأدوار التي سيجمعها تنافس مع الدور البريطاني.


كما من المنتظر أن تعمل بريطانيا على إعادة صياغة مساعداتها الإنسانية للإقليم، وربطها بتحقيق مصالح مباشرة للاقتصاد والأمن البريطانيين، لتتركز على الدعم الأمني والعسكري، الذي ستلعب فيه الاستخبارات البريطانية دورا هاما، إضافة إلى استخدام المساعدات في تشجيع حركة التجارة الحرة مع دول الإقليم القريبة من التاج البريطاني.


ستدفع بريطانيا نحو تسوية أوضاع المنطقة بشكل يخدم مصالحها، من خلال فتح قنوات التعاون مع الأطراف الأقوى في مختلف الملفات، بغض النظر عن موقف هذه الأطراف من القضايا الليبرالية، ما سيؤثر بطبيعة الحال على موازين القوى في الشرق الأوسط، ويخصم من رصيد الأدوار الروسية والإيرانية، التي أصبحت أمام تحدي جديد بانخراط قوى غربية هي في الأساس من صنعت الخريطة الحالية للشرق الأوسط منذ ما يقارب المائة عام.






المراجع :


[1] Holsti, Kalevi J. “National Role Conceptions in the Study of Foreign Policy”. International Studies Quarterly, Vol. 14, No. 3, 1970, p. 233-309.


[1]Orlando Crowcroft, “Theresa May: Where does Britain’s incoming prime minister stand on foreign policy?, International Business Times, 12-7-2016, Available at: http://www.ibtimes.co.uk/theresa-may...policy-1570272


[1] ميرفت عوف، “القِبلة البريطانية نحو اليمين كثيرا”، ساسة بوست، 16-7-2017،على الرابط: http://www.sasapost.com/prime-minist...n-theresa-may/


[1] “Theresa May wants to return Britain to realism in foreign policy”, the Telegraph, London, 27-1-2017, Available at : http://www.telegraph.co.uk/opinion/2...oreign-policy/


[1]Heather Stewart, ‘Theresa May opens Trump visit by attacking past foreign policy failures”,The Guardian,26-1-2017,Available at: https://www.theguardian.com/politics...y-philadelphia


[1] Mark Curtis, ” Dreaming of Empire?”, Global Justice Now ( London), November 2016, Available at: http://markcurtis.info/wp-content/up...-***-_2016.pdf


[1] جهاد عودة، “الصعود البريطاني الثاني والشرق الأوسط”(4)، موقع البلاغ (القاهرة)، 26-1-2017، على الرابط: https://goo.gl/ZY4ucM


[1] Mark Curtis ,Ibid.


[1] وثيقة صادرة عن لجنة الدفاع بمجلس العموم البريطاني، سبتمبر 2016


[1] المرجع السابق


[1] Holsti, op cit, p 240.


[1] وثيقة لجنة الدفاع، مرجع سبق ذكره.


[1] Jamie Doward, “How Britain is cashing in on the Middle East’s hunt for weapons”,The Guardian, 21-8-2016, available at: https://www.theguardian.com/world/20...i-arabia-yemen


[1] “قصف صاروخي مكثف “يشل منظومة الدفاع الجوي الليبية” “، BBC العربية، 19-3-2011، على الرابط: http://www.bbc.com/arabic/middleeast...a_attacks.shtm


[1] طارق الشيخ، “بريطانيا وحربها السرية في ليبيا”، الأهرام (القاهرة)، على الرابط: https://goo.gl/KJQe4z


[1] وثيقة استراتيجية الدفاع والأمن القومي البريطاني، الحكومة البريطانية، نوفمبر 2015،متاحة باللغة الإنجليزية على الرابط: https://www.gov.uk/government/upload...ity_Review.pdf


[1] “بريطانيا نحو إيران… حذر سياسي وشهية اقتصادية نهمة”، موقع روسيا اليوم، 24-8-2015، على الرابط: https://goo.gl/IKSpGR .


[1] نص كلمة وزير الخارجية البريطاني: https://www.gov.uk/government/speech...ast-of-suez.ar


[1] مينا حربلو، “القمة الخليجية البريطانية.. دلالات ونتائج”، موقع الجزيرة الإخبارية، 7-12-2016، على الرابط: https://goo.gl/dL1ROq


[1]


[1] وثيقة استراتيجية الدفاع والأمن القومي البريطاني، مرجع سبق ذكره.


[1] “بريطانيا: يجب إشراك خليفة حفتر بالحكومة الليبية”، موقع قناة العربية، 6-2-2017، على الرابط: https://goo.gl/9Svn1A








[1] وثيقة استراتيجية الدفاع والأمن القومي البريطاني، مرجع سبق ذكره


__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
للدور, الأوسط, التحولات, البريطاني, الشرق, الواقعية, بريكست

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
خطط إعادة رسم الشرق الأوسط: مشروع “الشرق الأوسط الجديد” Eng.Jordan مقالات وتحليلات مختارة 0 04-24-2017 02:11 PM
الأزمة الأمريكية في الشرق الأوسط عبدالناصر محمود بحوث ودراسات منوعة 0 03-11-2015 08:44 AM
بطارية صواريخ ثاد إلى الشرق الأوسط عبدالناصر محمود أخبار عربية وعالمية 0 03-07-2015 07:50 AM
صوملة الشرق الأوسط عبدالناصر محمود مقالات وتحليلات مختارة 0 09-27-2014 07:05 AM
قرن من العنف في الشرق الأوسط ؟ عبدالناصر محمود مقالات وتحليلات مختارة 0 02-17-2014 08:51 AM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 09:57 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات