تذكرني !

 





شخصيات عربية وإسلامية علماء ومفكرين شعراء وأدباء ومشاهير

أحمد راتب النفاخ: حجة العلم وتواضع العالم

أحمد راتب النفاخ: حجة العلم وتواضع العالم ــــــــ (إبراهيم عمر الزيبق) ـــــــــــ 2 / 6 / 1439 هـــ 18 / 2 / 2018 م ـــــــــــــ

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 02-18-2018, 10:21 PM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 27,904
ورقة أحمد راتب النفاخ: حجة العلم وتواضع العالم


أحمد راتب النفاخ: حجة العلم وتواضع العالم
ــــــــ

(إبراهيم عمر الزيبق)
ـــــــــــ

2 / 6 / 1439 هـــ
18 / 2 / 2018 م
ـــــــــــــ

أحمد راتب النفاخ: العلم وتواضع DUya1NjX0AElOIY.jpg



أحمد راتب النَّفَّاخ
حُجَّة العلم وتواضع العالم [1]
===============


لئن نأتْ بنا السَّنوات بعيداً عن تلك الغُرْفة الصَّغيرة التي كانت تضمُّنا مع أستاذنا أحمد راتب النَّفَّاخ (1927 - 1992م) في بيته بسفح جبل قاسيون، إنَّ في ذكراه ما يقرِّبُنا إليه، فهو في مجالسنا الحاضر الغائب، لا نكاد نكفكفُ الحديث عنه وقد امتدَّ ساعات حتى نعود إليه كأنشط ما نكون، في أعماقنا إحساسٌ نواريه ونداريه؛ وهو أن في الأستاذ سِرًّا غامضاً لا ندري كنهه، سرًّا يتفلَّتُ منا كلما حاولنا كشفه بالكلمات، وينفضُّ المجلس وفي صدورنا بقايا أفكار، وفي قلوبنا حزنٌ أسيف.

وفي البيت أجلسُ إلى أوراقي، أحاول أن أخطَّ عليها ملامح أستاذنا، عساي أن أقتنص هذا السِّرَّ الذي جعل منه شخصية عَصِيَّة على النِّسيان، والناس فيه بين محبٍّ غالٍ ومبغضٍ قالٍ.

وتعودُ بي الذِّكرى إلى ذلك اليوم الذي عرفتُ فيه النَّفَّاخ أول ما عرفته، كان ذلك في منتصف السبعينيات حين كنتُ أميناً لقاعة الباحثين في المكتبة الظاهرية. رأيته يدخل القاعة متَّجهاً إلى طاولة المحدِّث الشيخ ناصر الدين الألباني مسلِّماً عليه، وعلائمُ الجدِّ باديةٌ على ملامحه. وحين هبَّ من في القاعة وقوفاً يرحِّبون به اكتست ملامحه فجأة معاني التواضع، وأكاد أقول معاني الحياء.

هذه الملامح بقيتْ عالقة في ذاكرتي لم تمحُها السنون، ملامح صارمة ما كان أسرع انقلابها حين تخجل إلى وداعة أقرب إلى وداعة الطفولة.

ونازعتني نفسي إلى زيارته في بيته، وطلبتُ من صديقين كانا من طلابه في الجامعة أن يصطحباني إلى زيارته حين يزورانه.
♦ ♦ ♦

قرعنا الباب بقلبٍ خافق، هذه أوَّل زيارة لي لعالمٍ اسمه يملأ السَّمْع، وتخيَّلتُ فيما تخيلت بيتاً واسعاً، وأثاثاً مترفاً، ومكتبة ضخمة، ووجهاً يطل علينا مترفِّعاً متجهماً. وإذا بالباب يفتح، ويطل علينا الأستاذ بوجه طَلْق، تزيده قوة النظرات جمالاً وهيبة. ودلفنا عبر ممر ضيق إلى غرفة هي إلى الصِّغَر أقرب، قد صُفَّت فيها أرائكُ قديمة، ما إن جلستُ على واحدة منها حتى انبعث منها أنين البلى. تلفَّتُ أبحثُ عن المكتبة، فلم أر إلا ركاماً من الكتب على طاولة صغيرة، وقد زحف بعضها إلى الأريكة المجاورة واحتلَّها. كانت بقايا أشعة الشمس الغاربة تعكس عبر زجاج النافذة ضوءاً باهتاً، وعلى الجدران لوناً حائلاً، ربما من أثر المدفأة في الشتاء. حقًّا أنها غرفة لم تلمسها يد امرأة قط.

وأقبل علينا الأستاذ النفاخ وقد جلس على أريكته بوجه يطفح بالبِشْر، وشعرت أنه قريبٌ مني حقاً، فنظرت إليه، ولكني لم أقوَ على التحديق في عينيه. كانت عيناه الزرقاوان من تلك العيون التي لا تحتمل أن تنظر إليها أو تنظر إليك، عينان مفعمتان بمعاني الرجولة الحقة، والعجيب حقًّا أنك تشعر حيالهما بجمال عذب كلما واتتك الشجاعة، واختلست نظرة إليهما.

ومع أننا كنا في أوائل العشرينيات من عمرنا، نحبو في أولى خطواتنا في طريق العلم، والأستاذ في السابعة والأربعين، فقد راح يحدِّثنا في بعض مباحث اللغة الدقيقة، وكأننا أساتذة حقًّا نفهم عنه ما يقول.

وتوالت زياراتي له عند الأصائل في بيته، وكان بيته في ذلك الوقت مثابة لطلاب الجامعة ومحبي العربية، ما إن يدخل زائرٌ حتى يُقرع الجرس لقدوم زائر جديد. وتغصُّ الغرفة على صغرها بالزوار، فتراهم حين تضيق بهم الأرائك يفترشون الأرض متزاحمين، منصتين للأستاذ غاية الإنصات.

كان المستمع إليه أوَّل مرة لا يكاد يتبيَّن حروفَ كلماته، فقد كانت تخرجُ من فِيْه عميقة ممتلئة، يكاد يدخل بعضها في بعض، ولكن إن أرهفتَ السمع، واعتدت الإنصات، فإنك سامعٌ لغةً لا عهد لك بها، لغة فصيحة سهلة دقيقة، تصيب المعنى بأوجز لفظ، لغة تنقلك إلى ذلك العصر الذهبي الذي كان من أعلامه المبرِّد وابن جني وأبو علي الفارسي، لغة أُشْرِبتها روحُ الأستاذ فلا ينفكُّ عنها أو تنفكُّ عنه. ويتبدَّى لك من خلالها فهم الأستاذ العميق لأسرار هذه اللغة، وعشقه لها، وناهيك به فهماً أنه كان من قلة قليلة قد أحاطت بكتاب سيبويه علماً.

وكثيراً ما كان يعرِّج في أحاديثه على كتاب من كتب تراثنا وقد حُقِّق، فكنت تراه وهو يقلِّب صفحاته قد ملأ هوامشه باستدراكاته وتعقيباته بخطِّه الدَّقيق الواضح الجميل.
♦ ♦ ♦

والتحقيق عند النفاخ هو فهم النص فهماً سليماً، قائماً إلى إمعان النظر في تدبُّر معانيه. وهذا الفهم لا يتأتَّى إلا بعد تحريره من شوائب السَّقْط والاضطراب والتصحيف والتحريف، وما يقع فيه مؤلفه من أوهام. وهو منهجٌ شامل عِماده بَصَرٌ نافذ في أساليب العربية ومعرفة بدقائقها، ومصابرةٌ على تتبع مسائلها في مظانِّها، وإحاطة تامة برجالاتها، ودرايةٌ برواياتها وأسانيدها. وقد عُرف الأستاذ بنَفَسه الطويل في البحث، وإحاطته التامَّة به، حتى لا يكاد يجاريه في ذلك إلا قِلَّة، وشيخه في هذا الباب العلامة محمود محمد شاكر، فهما يصدران عن ينبوع واحد.

ولك أن تتخيل من بعدُ كيف كان الأستاذ النفاخ يقرأ الكتب المحقَّقة، وقد هجم عليها محقِّقوها بمنهج قاصر، وعلمٍ متواضع، فأحالوا المعاني عن مواضعها، وأثبتوا الخطأ وأهملوا الصَّواب. كنت ترى وجهه - وهو يحاكمهم إلى منهجه العِلْمي الصَّارم - قد اكتسى أسًى على هذا التراث الذي آل إلى خَلْف يعبثون فيه، ويداري أساه بابتسامة متهكمة على هذا الفهم السَّقيم الذي أوقع " المحقق " بما وقع فيه، وتندُّ من فِيْه كلماتٌ، يظنُّها من يسمعها أول وهلة قاسية لاذعة، وإنما هي صرخة من قلب يكاد يتميَّز غيظاً وهو يرى أقدس ما يؤمن به يُداس بالأقدام، وهل الأقلام العابثة في تراثنا إلا أقدامٌ تجوسُ خلال النص، تستبيح الحِمى، وتمزِّق المعنى؟
♦ ♦ ♦

ولا أنسى ليلة أُخبرتُ أنَّ الجزء الذي حققتُه من كتاب "سِيَر أعلام النُّبلاء" للإمام الذَّهبي قد وصلتْ نُسَخٌ منه إلى دمشق، ليلتها ركبني همٌّ مقيم مقعد، جعلني أنسى فرحي بصدور أول كتاب لي محقق. فلا شك أن الأستاذ سيطلع على عملي فيه، إذ كان يتابع بشَغَف صدور أجزاء هذا السِّفْر العظيم، وما أدري هل سيبقى لي مكانٌ في مجلسه من بعدُ، وهو الذي لا يتسامح في الأخطاء حتى مع المريدين والأصدقاء؟

ومرَّ شهران أو أكثر، وطال شوقي إلى الأستاذ ومجالسه، إلا أن الخوف كان يصدُّني عن زيارته، حتى كان يومٌ رأيته فيه مصادفة في مكتبة، وما إن وقعت عيناه عليَّ حتى بادرني بالسلام، وقال لي متشوقاً: أين أنت؟ لم أرك منذ زمن. كان في صوته ونظراته هذا الشوق الذي تحس حرارته في أعماق القلب. داريت خجلي، وقلت: سأزوركم الليلة إن شاء الله. وكان فرحي برضاه عني بقدر قلقي، وعاودت منذ ذلك اليوم حضور مجلسه الحافل، ولكن لم تحدثني نفسي قط أن أسأله عن عملي، إذ كان لي في حضور مجلسه عن رضاً مجرد حضور غُنْيةٌ عن كل سؤال.

وحبُّ الأستاذ لمريديه ومخالطيه حبٌّ غامر، فهو باخعُ النفس على آثارهم، يسعى إلى إفادتهم من علمه الواسع بكل سبيل. وكان أي سؤال يُلقى عليه يجدُ عنده أذناً صاغية، وحين يجيبُ تسمع حُجَّة العلم وتواضع العالم. وكان لا يقنع في كثيرٍ من الأحيان بما ألقاه إليك من جواب، بل تراه ما بين جيئةٍ وذهاب إلى مكتبته العامرة في الغرفة المجاورة، يتأبط منها في كل مرة مصدراً جديداً فيه توثيق ما أجابك عنه، ويخالطك شعورٌ بالحرج والإشفاق، وأنت القانع من جوابه بأيسر الكلمات، ولكن الأستاذ ما كان يرى العلم الحقَّ إلا مقروناً بالدَّليل، وفي ذلك أيضاً احترام لعقل سائله بتنا نفتقده عند كثيرٍ من العلماء.
♦ ♦ ♦

ولقد شهدتُ موقفاً للأستاذ النفاخ تجلى فيه هذا الحبَّ الغامر أروع ما يكون التجلِّي، على مفارقة في هذا الموقف لا تخلو من قسوة، فقد زرته ذات يوم في بيت حميِّه - وكان حبيس عُزْلة إثر محنة ممضَّة ألمَّتْ به بعد زواجه - مع صديقيَّ الأستاذين محمد نعيم العرقسوسي وبسام الجابي، وكانا أثيرين لديه. كان أقسى ما في هذه المحنة شعوره بالظلم ممن حوله، كان شاحب الوجه، ذابل النظرات.
ران صمتٌ ثقيل في المجلس، زاده ثِقَلاً شعورنا بالعجز حِيال محنة الأستاذ، كان الموقف أكبر من الكلمات.

وبلهجةٍ أعرابية كنا نألفُها منه قطع الصَّمت، وقال: سأنوي الاعتفاد. حال جلال الموقف بيننا وبين سؤاله عن معنى الاعتفاد، ولكنَّا فهمنا نحواً من الفهم أن العربيَّ إذا ألمَّت به ملمَّة يغلق بابه على نفسه، فلا يسأل أحداً حتى يموت جوعاً. وقلت في نفسي: هو موت تتجلَّى فيه عزَّة العربي بكل جلالٍ وقسوة، حتى في ألمه كان النَّفَّاخ عربيَّ الألم.

وانزاح بهذا البوح ثِقَلُ الصَّمت، فرحنا نتكلَّم مبدِّدين ما استطعنا شعوره بالظلم، وككلِّ أصحاب القلوب الكبيرة التي تفيء سِراعاً إلى الرِّضا بقضاء الله وقدره، نظر إلينا بعينين عاد إليهما بعضُ بريقهما، ونهض من مجلسه، وغاب عنا قليلاً، ثم عاد متابِّطاً كتاب أخينا نعيم " توضيح المُشْتبه " - وقد وافق صدور جزئه الأول محنة الأستاذ - وبصوتٍ يغمره الدِّفء، قال: هذا الكتاب كان سلوتي في هذه العزلة.

وتبادلنا فيما بيننا النظرات بعيون دهشة. كتاب جافٌّ - على أهميته في فنِّه - أقامه مؤلفه ابن ناصر الدِّين على ضبط أسماء رواة الحديث وأنسابهم وألقابهم وكُناهم بالحركات والحروف، لا يقتنيه إلا محدِّثٌ أو محقق، ولا يصبر القارئ له إلا على قراءة أسطر كيما يتهدَّى إلى ضبط اسم أو نسبة، ثم سرعان ما يركنه في زاوية مكتبه وينساه، ولا يكاد يذكره إلا إذا مسَّتِ الحاجة إليه من جديد، كتابٌ هو بالمعجم أشبه تكون فيه سلوة!

وفي غمرة دهشتنا رأينا الأستاذ يستلُّ أوراقاً من بين صفحاته، فيها تصويبُ ما بدا له من أخطائه، وراح يقدمها إلى أخينا نعيم، قائلاً باعتذار: الكتاب بحاجة إلى قراءة ثانية متأنية، وهذه الملاحظات هي ما عنَّ لي في أثناء قراءته وأنا بعيدٌ عن مكتبتي. وشعرت في تلك اللحظة بغربة الأستاذ عن عصرنا، فطوبى للغرباء.

وكيف لا يكون غريباً رجلٌ كان حقُّ العلم عليه فوق كل حق، ووفاؤه للتراث وللأئمة الذين أورثونا إياه فوق كل وفاء. ثم إنه لا يبالي في سبيل هذا الحق والوفاء أكثر محبُّوه أم شانئوه، فلعلك ترى أستاذاً له قديراً، أو صديقاً له أثيراً، أو محبًّا مريداً قد وهت العلائق بينهم وبينه، لم يتحمَّلوا صَدْعَه بالحقِّ الذي يراه، ولم يكن عندهم من الحُجَّة ما يدفعون به قوله، فكانوا في مجالسهم يتحدَّثون عن شدَّته عليهم، وينسون شدته هو على نفسه. هذه الشِّدَّة التي كانت تحول بينه وبين أن يكتب إلا ما يراه صواباً، بل محض الصَّواب، ثم لا يبالي من بعدُ أخسر صديقاً أم كسب عدوًّا.

إنَّ قيامه بحقِّ العلم ووفاءَه للتراث زهَّداه فيما يضطرب فيه الناس، فلم يسعَ إلى لقب، ولا طمع في منصب، ولا استخفته شهرة، ولا طرب إلى مديح. بل إنه زهد حتى في مظاهر الحياة، فاطَّرح التكلف جُمْلة، واستراح من أعبائه، فكنت تراه يستقبل زائريه على أية هيئة اتفقت له. حتى بيته بقي بعد زواجه المتأخر مثال بيت العالم الزَّاهد، فصورة العالم هي التي تملأ إحساسك تجاهه. ومهما يطل اختلافك إليه تشعر حِياله بهيبة العلم وجلاله، علم لا يحفُّ به لقبٌ أو منصب أو جاه.
♦ ♦ ♦

وتعود بي الذِّكرى إلى تلك الأيام التي قضيتُها في صحبته، وهو يذلل لي ما شَمَسَ من أبيات ابن منير الطرابلسي في أثناء تحقيقي لكتاب الرَّوْضتين.

كنتُ آتيه كعادتي أصيل كل يوم، أقرعُ بابه على استحياء، فيستقبلني كعادته بوجه طَلْق، أدخل الغرفة الصَّغيرة التي باتتْ أحبَّ إليَّ من بيتي، وأجلسُ حيث اعتدت أن أجلس فيها، وأنشر أوراقي، وتبدأ جلسة لن أنساها طوال عمري؛ جلسة تعيش فيها لذة اكتشاف المعاني المخبوءة تحت أطلال التصحيف والتحريف، وتشهد قراءة للنص هي إبداعٌ له من جديد.

وأذكر مرَّة أني سهوتُ في أثناء نسخي لأحد أبيات ابن منير، فقدَّمتُ كلمة على كلمة في البيت، ولم يخلَّ هذا التقديم بوزن البيت ولا بمعناه، ولكن الأستاذ حين تأمَّله طويلاً، قال لي جازماً: لو كان قائل هذا البيت شاعراً حقًّا لقدَّم هذه الكلمة على تلك. فوجئت حقًّا، ولم أحر جواباً، وحين عدت إلى البيت، بحثت عنه في المخطوط، فوجدته على الصورة التي اقترحها الأستاذ، وحين خبرته خبر البيت في اليوم التالي، ما زاد على التبسُّم.

وأذكر مرَّة أني وقعتُ على كلمة في خبرٍ لم أجد لها معنى أعرفه في سياقه، واستشرتُ معاجم اللغة، الفصيح منها والعامي، وطال بحثي عنها ولم أظفر بطائل، ثم فزعتُ إلى الأستاذ أسأله عنها، فقال لي بعد أن تأمَّلها طويلاً: لا أعرفها. فألقيتها عن كاهلي، حتى كان ذات يوم إذ خطر لي في معناها خاطر، فتتبعته، وبحثت له عما يؤيده، وإذا الكلمة اسم يطلق في ذلك العصر على الجدران الترابية، وكانت تسمى "الفطائر". واستخفني الفرح، فرحت أحدِّث الأستاذ عنها، وكيف تهدَّيت إلى معناها، وهو يصغي إليَّ، وحين أتممتُ كلامي رأيته يبتسَّم، وفي نظراته بريقٌ يشبه ذلك البريق في عيني الصَّقْر وهو يرى النَّاهض قد نشر جناحيه للطيران.

وما كان أشدَّ حماسته لعملي في " كتاب الروضتين "، فكان لا ينفكُّ يسألني عنه، ويحثُّني على إتمامه. وكنتُ أرى في أستاذنا شبهاً في مؤلفه أبي شامة، فهو على تبحره في التاريخ كان من كبار العلماء في القراءات القرآنية، هذا العلم الذي وهب أستاذنا حياته له.
وتمضي الأعوام، ويتمُّ طبع " كتاب الروضتين " على تأخُّري في إنجازه، وتصل إليَّ أول نسخة من نُسَخه، وأبيتُ تلك الليلة حزيناً حزيناً. كنت أتمنى أن تكون هذه النسخة هديتي الأولى إليه. لقد زايلني خوفُ الأمس، ولكن الأستاذ كان قد نأى عن دنيانا بعيداً.
-------------------------------
[1] مقالة نشرت في مجلة الفيصل، العدد (295)، محرم 1422هـ/ نيسان 2001م.








ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: ملتقى شذرات


Hpl] vhjf hgktho: p[m hgugl ,j,hqu hguhgl lpl]


عبر عن رأيك بالمحتوى عبر حسابك في الفيسبوك
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
محمد, العلم, العالم, النفاخ:, راتب, وتواضع

« تعريف موجز لكنه شامل بالشيخ الصباغ بعد رحيله | أن تكون عربياً في ألمانيا.. عام 1889! »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
البطارية أوشكت على النفاد !!! صابرة الملتقى العام 0 01-25-2018 07:25 AM
في الأردن نواب وامناء عامين رواتبهم اعلى من راتب الوزير !! Eng.Jordan الأردن اليوم 0 12-27-2016 10:26 AM
تنكيس العلم الأمريكي حدادًا على وفاة محمد علي كلاي عبدالناصر محمود أخبار منوعة 0 06-05-2016 05:50 AM
رصيدكم أوشك على النفاد عبدالناصر محمود شذرات مصرية 0 09-05-2014 07:13 AM
رحمة وعفو وتواضع النبي صلى الله عليه وسلم صباح الورد شذرات إسلامية 0 11-19-2012 09:13 AM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 04:26 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69