تذكرني !

 





بحوث ودراسات منوعة أوراق بحثية ودراسات علمية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #5  
قديم 07-10-2018, 07:01 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 29,928
ورقة نظرة المستشرقين والمستغربين.. للنص التاريخي

  انشر الموضوع
نظرة المستشرقين والمستغربين.. للنص التاريخي
ـــــــــــــــــــــــــ

(د. عثمان سعيد العاني)
ــــــــــــ

26 / 10 / 1439 هــ
10 / 7 / 2018 م
ـــــــــــــ







الشرق مصدر النور، ومولد الحضارات، وأصل الديانات، وملتقى القارات القديمة، ومجمع الحكايات، ومنطلق البدايات، ومفترق النهايات، ومصدر المعرفة، ومنبع الحكمة.. فيه يتحرك «بندول» ساعة الزمان، فيتحرك التاريخ معه من الشرق إلى الغرب، لتظهر حضارات وتفنى أخرى!

ولا يخفى أن شمس الحضارة الإسلامية حينما أشرقت غيرت معالم البشرية وأثرت في مسارها فأنارت الدنيا بعدلها وعلومها، فهي تميزت بكونها حضارة تتفاعل مع محيطها، وتتحرك بانسيابية مثل انسيابية الماء الذي يعلو أرضاً يبست فتمزقت، ليحولها إلى خضراء يانعة، تؤتي أكلها كل حين؛ وبعضها لا يقبل الماء لكونها أرضاً سبخة لا تنبت شيئاً[1]، فكان للإسلام أثره فقد نقلتْ القيم الإسلامية العرب والعجم من حياة محدودة إلى حضارة منشودة، ومن عصبية التفكير إلى عالمية التأثير، لتكون قيم الإسلام هي الغاية التي تسعى إليها الإنسانية[2].

ولهذا فإن الحضارة الإسلامية حكم على غيرها، لكونها حضارة عامة لكل الناس شاملة لكل الفنون، متسلسلة في مسارها، عميقة من حيث جذورها، أصيلة في منطلقها، شاملة بتأثيرها، حضارة بشرية استمدت قوتها من عقيدة الإسلام، ومن فتوى الفقهاء، وتجارب أهلها، فينزل الفقه إما لتحقيق مصلحة أو دفع مفسدة[3].

ولذلك كانت الحضارة الإسلامية أول ميدان يستهدفه المستشرقون من الغرب، والمستغربون من الشرق، فيخضعونها من حيث الحكم إلى نتائج قامت على مقدمات دراسية لحضارة أخرى أوربية كانت أو شرقية، وهي لا ترقى أن تكون مثل الحضارة الإسلامية من حيث الرفعة والعلو، فضلاً أن تكون تلك الحضارة حَكَماً عليها، ثم ينطلق المستشرقون وأتباعهم من بعد استهدافهم للتاريخ إلى استهداف الفقه ثم الحديث ثم القرآن الكريم، فتنهار منظومة الحضارة الإسلامية بانهيار قيمة الفقه الإسلامي لكون الحضارة الإسلامية هي المخرج التطبيقي والعملي لحركة الفقه الإسلامي الاستنباطية من تفاعل جمع نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية مع التفكير.

والفرق بين ذات المستشرقين والمستغربين يكمن في جغرافيا المكان من حيث النشأة، مع بعض الفروق المنهجية في طرق النظر في الحضارة الإسلامية.

نجد الأستاذ إدورد سعيد يبين «الاستشراق» بقوله: «أسلوب تفكير يقوم على التميز الوجودي والمعرفي بين ما يسمى الشرق، وبين ما يسمى - في معظم الأحيان - الغرب»[4].

وأما التعريف الخاص للاستشراق بأنه: «تعبير يدل على الاتجاه نحو الشرق، ويطلق على كل من يبحث في أمور الشرقيين وثقافتهم وتاريخهم؛ ويقصد به ذلك التيار الفكري الذي يتمثل في إجراء الدراسات المختلفة عن الشرق الإسلامي، والتي تشمل حضارته وأديانه وآدابه ولغاته وثقافته»[5]، وقد نشأ الاستشراق مبكراً بعد الحروب الصليبية بعوامل سياسية ودوافع دينية[6].

ويعرف الاستغراب أو التغريب بأنه: «تيار فكري كبير ذو أبعاد سياسية واجتماعية وثقافية وفنية، يرمي إلى صبْغ حياة الأمم بعامة، والمسلمين بخاصة، بالأسلوب الغربي، وذلك بهدف إلغاء شخصيتهم المستقلة وخصائصهم المتفردة وجعلهم أسرى التبعية الكاملة للحضارة الغربية»[7]، ولهذا ولد من «الاستغراب» الأفكار الليبرالية والعلمانية وغيرها، وهي بذلك تمهد لنظرية النظام العالمي الجديد[8]، لتكون القيم الغربية «الأمريكية» أصلاً تحتكم إليه الشعوب، وتحكم أمريكا به، والمعيار الذي يقاس عليه الرقي والتقدم[9]، فتوضع الخطط والبرامج لدول الشرق بحسب ما يوافق القيم الأمريكية الخاصة بالشرق، وتقوم السياسة على قراءة التاريخ بما ينسجم مع تلك القيم[10].

ويمكن أن نحدد المنطلقات الذاتية الدافعة والمحركة لحركة المستشرقين والمستغربين من خلال تحليل البيئة المؤثرة في تكوين المستشرق والمستغرب، كما يلي:

١- الموقف من الدين: نجد أغلب المستشرقين ينطلقون من كونهم ينتمون إلى دينهم، فالعقيدة المسيحية وقراءة الكتاب المقدس بشقيه القديم والجديد، هي محور الدائرة التي ينطلق منها المستشرقون في الغالب، ويفترقون في كيفية التعامل مع مادة القراءة، لكنهم يحتكمون إلى قواعد حاكمة ملزمة لنتائج الدراسة[11].

وأما المستغربون فنجدهم ينطلقون من منطلقات ليست لها علاقة بالإسلام في أصلها، فهم في بحثهم لا ينطلقون من دائرة العلوم الإسلامية، ولا يعتمدون الرؤية الإسلامية في دراساتهم، لذلك نجدهم وإن اختلفوا في تعاطيهم للجوانب الحضارة الإسلامية بين لبراليين وعلمانيين وحداثيين وغيرهم، فهم متفقون في أهدافهم ويصلون لنتائج متقاربة؛ من رفض لنظريات الحكم في الحضارة الإسلامية، مع التشكيك في صلاحية الفقه الإسلامي في إدارة منظومة الحياة!

٢- الموقف من النص: نجد أغلب المستشرقين يأخذون بالنص دون النظر إلى صحته، وإذا صح عندهم فلا ينظرون إلى مصداقيته من حيث الموضوع، وذلك يرجع إلى تأثير الكتاب المقدس فيهم، فهم لا ينظرون إلى سند الكتاب المقدس، ولا ينظرون إلى مصداقية النص من حيث انطباقه على حقائق الأمور!

ومثلهم وقع المستغربون من الباحثين في ذلك فلم يتأثروا بمنهج القرآن الكريم مثل المستشرقين، بل كانوا في ذلك في مقام التابع لأي إثارة للشبهات دون مقام المتشبه في تقدس النص! ليكون مقام المستشرقين - برغم تعصبهم - أعلى من مقامه القائم على تشكيك المقدس، والفرق بين ثبوت النص القرآني وثبوت نصوص الكتاب المقدس معروف[12]، كما أخذوا بمنهج المستشرقين في النظر إلى الحديث، وكيفية إسقاط الخبر التاريخي الذي يفتقد إلى التثبت على الحضارة الإسلامية[13].

٣- مناهج البحث في المؤسسات المعرفية الغربية: قامت على دراسة الشرق من زاوية مبدأ «الشك المطلق» في كل شيء، مع التسليم الكلي لمسلك الغرب في التفكير، فيظهر دور أغلبهم كأستاذ ناقد، وليس كباحث متجرد، لكون طرق البحث في هذه المؤسسات في الغالب يتعامل مع معطيات الشرق بحسب التفسير المادي للتاريخ[14]، مع إهمال مقصود للبعد الروحي للقيم التاريخية الموجودة في المشرق المسلم[15].

ونجد المستغربين كذلك يسلك أغلبهم مسلك الشك والنقد والحكم المجرد على الأصول الواضحة [16] دون أن يستند في ما ينتج عنهم إلى قواعد تفكير ومعتبرة وأساليب بحثية مقررة.

فتكون نتيجة المنهجين، أن كل ما أنتجه الشرق الأصل فيه الشك والظن ما لم يقم دليل على قبوله! وعلى الضد منه أن كل ما أنتجه الغرب الأصل فيه القبول ما لم يقم دليل على إعمال الشك فيه! فنجد الباحثين المستغربين يجعلون من أقوال المستشرقين والغربيين مصدراً يلهمهم ويرشدهم، عندها تكون الدراسة معتبرة من حيث الجودة، ولها أثرها من حيث التطبيق[17]!

٤- أثر الدولة على نوع الدراسة[18]: نجد أثر القرار السياسي يظهر في نوع الدراسة ونوع الطلاب الذين يدرسون الشرق (الإسلام)، ولهذا نجد أن هناك فرقاً بين التفسير «المثالي للتاريخ» متمثلاً بما كتبه هيجل، والتفسير «المادي للتاريخ» متمثلاً بما كتبه ماركس، والتفسير «الحضاري للتاريخ» متمثلاً بما كتبه تونبي[19]، مما يولد لنا نظريات لا تقوم على أصول يحتكم إليها، وهذا ما توصل إليه أوزوالد شبنجلر وأرنولد توينبي[20]، وكذلك باول شمتز[21].
ومثل ذلك نجد حركة الاستغراب، والتي تأثرت أيضاً بالقرارات السياسية، والمؤسسات البحثية الموجهة فكرياً، فأغلب البعثات التي أرسلت إلى الغرب رجعت وهي متأثرة بالغرب وتدين له بالولاء[22]، ليولد جيل من خريجي الغرب كجيش يحتل مقاعد التدريس في الجامعات العربية[23].

ويمكن أن نحدد عناصر الافتراق بين المنهج الاستشراقي والاستغرابي من جهة والمنهج الإسلامي في التعامل مع التاريخ بما يلي:

١- المنهج الإسلامي ينطلق من ضوابط تضبط مصادر المعرفة من حيث أصلها ونشوئها، وكذلك يضبط القواعد المؤسسة للبحث في هذه المصادر؛ فنجد علم الحديث وضبط الرجال أصلاً في ضبط نقل النص؛ وقواعد الاستنباط هي المرجع في تخريج الحكم من النص، وكل خبر تاريخي يفتقد إلى شروط الخبر الصحيح لا يعد ولا يعتبر في الحكم، لكون مصداقيته محط نظر، وقابلة للأخذ والرد؛ بينما نجد الباحثين المستغربين والمستشرقين ينظرون إلى النص التاريخي على أنه أصل يرجع إليه في الحكم على الإسلام وحضارته، مهما كان هذا النص ومهما كانت فحواه.

ولهذا وجب إعمال قواعد التحري التي وضعها أهل الفقه وعمل بها القضاة في تحري الدعوى، فكل دعوى من باحث لا تخضع لضوابط معتبرة فهي مردودة مرفوضة، وهذا الأصل لا يدركه من سلك منهج الغرب في بحثه، فنجد مثلاً الإمام الغزالي يضع قاعدة تحكم الأخذ بالتاريخ (الزمن) في ضبط النتائج قائلاً: «إِنْ أَشْكَلَ التَّارِيخُ، فَيُطْلَبُ الْحُكْمُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ»[24]، فمثل هذه القواعد التي تناثرت في كتب الفقه الإسلامي تحتاج إلى جمع، ولهذا يدخل التاريخ كضابط للحركة المعرفية للأحكام، قال الإمام السرخسي: «طلب التَّارِيخ ليعلم بِهِ النَّاسِخ من الْمَنْسُوخ، وَإِذا لم يُوجد ذَلِك يَقع التَّعَارُض بَينهما»[25]، وإذا وقع التعارض دون مرجح ذاتي هنا يُبحث عن مرجح خارجي؛ هذا في ما يخص ترجيح الأحكام بكيف، فما يشترط في ثبوت النصوص من القرآن والسنة النبوية أشد من غيرها من النصوص، والحكم من على غيرها من حيث التدوين، فلا يقدم المظنون على الثابت، كما لا يقدم الشك على اليقين؛ ومثل هذا لا نجده في المنهج الغربي فالنص يثبت عندهم لكونه مقدساً مع غياب لمنهج ثبوته ونقده.

٢- مصادر المعرفة في الحضارة الإسلامية تنطلق من حركة العلوم الشرعية، والتي بدورها تؤثر في حركة العلوم الأخرى، وخير شاهد على أثر العلوم الشرعية في ازدهار العلوم الأخرى أننا لا نكاد نجد عالماً في الفقه إلا وكان عالماً في علم آخر من هندسة وطب وفلك وغيرها[26]؛ كما يظهر أثر هذه العلوم في تشريعات الحكم والدولة بشكل تراكمي وكمّي ونوعي من قوانين وطرق حكمية مع بيانها.

٣- عدم قدسية المنتج البشري الفردي الخاص، والحكم عليه من خلال نتاج الجهد البشري العام، المؤيد بظواهر النصوص؛ فلا قديسة إلا للنص.

فنجد أثر الاجتهاد البشري في إدراك العلوم معتبراً، لكن مدى قبوله يعتمد على الأثر، ولهذا فقدسية الأشخاص غير معتبرة، وعلى العكس من هذا نجد أن المستشرقين والمستغربين يقدسون بعض الأشخاص على حساب مصداقية المنتج الخاص بهم!

٤- الجزء ليس أصلاً في الحكم على الكل، فدائرة الحاكم ليست هي المعيار الذي نحتكم لما ينتج منه فيكون أصلاً في الحكم على الحضارة الإسلامية، لكون الحضارة الإسلامية هي منتج «جمعي» من جهة، وهي أيضاً منتج «كمي» تراكمي، فالسلطة للأمة من حيث العموم، وإدارة الدولة للحاكم من حيث الخصوص، والحكم على الخاص «خاص» من قبيل الاستثناء، والحكم على العام «عام» من قبيل القاعدة القابلة للقياس؛ فمفهوم السلطة في الحضارة الإسلامية لا ينحصر بالخليفة أو السلطان، فهو يتعدى إلى غيرهم، فمسؤولية العمل والحركة نابعة من ذات المجتمع، تؤثر بالسلطان، والسلطان يؤثر في جانب من الجوانب، لنجد أثر الفقهاء والمفكرين في حركة الحضارة الإسلامية، واستمراريتها واضح، هذا الأثر هو بمثابة خط التصحيح لمسار الدولة، وهو قريب من المجتمع أكثر من قربه من المؤسسة الرسمية.

هذا الفارق يغيب عند قراءتنا للحضارة الأوربية مثلاً، فقد ارتبطت بالدولة ومؤسساتها الرسمية والدينية، ولهذا يستخدم المستشرقون والمستغربون وحدة القياس الأوربية في الحكم على الحضارة الإسلامية، وهذا شذوذ في المنهج وخروج عن أصول البحث العلمي المتجرد، وهذا فارق يستحق الوقوف عنده.

يبقى هذا الموضع موضوعاً قابلاً للبحث والتوسع، فنحن بحاجة لقراءة قواعد للتاريخ شبيهة بالقواعد الفقهية، مع إدراك طرق استنباط أصيلة تساهم في مخرج يناسب العصر وحاجة الأجيال.

---------------------------------------------
[1] ينظر: زيغرد هونكه، شمس العرب تسطع على الغرب، ترجمة: فاروق بيضون، دار الجيل، بيروت، الطبعة الثانية: 1993م.
[2] ينظر ما كتبه: الشيخ إبي الحسن الندوي، ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟، مكتبة الإيمان، المنصورة - مصر؛ أحمد علي الملا، أثر العلماء المسلمين في الحضارة الإسلامية، دار الفكر، دمشق، الطبعة الثانية، 1981م.
[3] يقول ديونت: «إن قيام الحضارة الإسلامية واضمحلالها لمن الظواهر الكبرى في التاريخ. لقد ظل الإسلام خمسة قرون من عام 700م إلى عام 1200م يتزعم العالم كله في القوة، والنظام، وبسطة الملك، وجميع الطباع والأخلاق، وفي ارتفاع مستوى الحياة، وفي التشريع الإنساني الرحيم، والتسامح الديني، والآداب، والبحث العلمي، والعلوم، والطب، والفلسفة» وِل ديورَانت، قصة الحضارة، تقديم: الدكتور محيي الدين صابر، ترجمة: الدكتور زكي نجيب محمود وآخرين، دار الجيل، لبنان، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس، 1988م، ج13، ص382.
[4] إدورد سعيد، الاستشراق المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة: محمد عناني، رؤية، القاهرة، 2006م، ص45.
[5] ينظر: الموسوعة الميسرة، أصدرتها: الندوة العالمية للشباب الإسلامي، الطبعة: الرابعة، 1420هـ، ج2، ص687.
[6] أول المستشرقين غربرت الفرنسي الذي أصبح بابا الفاتيكان باسم (سلفستر الثاني) (999-1002م، 389-393هـ) حيث درس في قرطبة. ينظر: عمر فروخ، المستشرقون ما لهم وما عليهم، بحث منشور: الاستشراق، دار الشؤون الثقافية، بغداد، العدد: 1، كانون الثاني، 1987م، ص54.
[7] ينظر: الموسوعة الميسرة، ج2، ص698؛ أنور الجندي، أهداف التغريب في العالم الإسلامي، سلسلة قضايا إسلامية معاصرة، يصدرها: الأزهر، القاهرة، ص3.
[8] تقوم نظرية فرانسيس فوكوياما على أن بعد صراع الحضارات سيتم غلبة حضارة الغرب على الشرق، تحت سلطة نظام عالمي جديد، ينظر كتابه: نهاية التاريخ وخاتم البشر، ترجمة: حسين أحمد أمين، مركز الأهرام، القاهرة، الطبعة الأولى، 1993م، مثلاً عند كلامه في مبحث: الثورة الليبرالية على النطاق العالمي، ص51، وكلامه عن الإسلام 56، وكلامه في مبحث: محاولة لكتابة تاريخ عالمي، ص65.
[9] ينظر ما كتبه هنري كسنجر عن المثالية الأمريكية ووجوب الإيمان بها وأنها أساس النظام العالمي الجديد: هنري كسنجر، الدبلوماسية من الحرب الباردة وحتى يومنا هذا، ترجمة: مالك فاضل البديري، الدار الأهلية، عمان - الأردن، الطبعة الأولى، 1995م، ص573 وما بعدها.
[10] فرق السياسي المعروف زيغنيو بريجنسكي بين السيطرة على العالم وقيادة العالم بالنسبة للنظام العالمي الجديد، لتتحقق القيادة للعالم عن طريق نشر العولمة وشيوع القيم، حيث يقول: «لا تمثل العولمة بالنسبة إلى النخبة السياسية والاقتصادية الأمريكية مجرد حقيقة ظاهرة للعين المجردة، بل هي معيار واضح. فهي توفر آلية تفسيرية ووصفة معيارية. وهي ليست مجرد أداة تشخيصية فحسب، بل برنامج عمل أيضاً. وهي النواحي المجتمعية للعولمة، في صيغة منظومة، ترتقي إلى مذهب يستند إلى التأكيد الأخلاقي الواثق من حتميته التاريخية»، الاختيار.. السيطرة على العالم أم قيادة العالم؟، دار الكتاب العربي، بيروت، 2004م، ص161.
[11] وهو يمثل بـ«الطغيان الديني» على الدراسات الغربية. ينظر: سفر الحوالي، العلمانية نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة، دار الهجرة، ص128.
[12] ينظر نقد سند الكتاب المقدس: عثمان سعيد العاني، الأساطير اليهودية حول أرض المسجد الأقصى، دار النهضة، دمشق، الطبعة الأولى، 2010م، ص15-18، 28-41؛ وقد وقع في مثل التيه بعض مراجع الشيعة مثل أبي القاسم الخوئي، حيث ينفي التواتر في ثوابت القراءات القرآنية، ويثبته في القرآن الكريم! وهو لا يدرك طرق التخريج في هذا المسألة. ينظر: أبو القاسم الخوئي، البيان في تفسير القرآن، أنوار الهدى، إيران، الطبعة الثامنة، 1989م، ص156-160؛ ورد كل ما قاله من خلال تحري ما كتب في ضبط النص والقراءات عند سلف وخلف الأمة. ينظر: عبد اللطيف الخطيب، معجم القراءات، دار سعد الدين، دمشق، الطبعة الأولى، 2002م، ويقع في أحد عشر مجلداً؛ وكذلك: غانم قدوري الحمد، رسم المصحف، لجنة الاحتفال بمطلع القرن الخامس عشر الهجري، بغداد، الطبعة الأولى، 1982م.
[13] نجد مثلاً أن محمد أركون يسلك مسلك المستشرقين في كيفية التعامل مع الحديث النبوي، فيقع في سوء بحث وشذوذ تفكير، حيث يجعل ما دونه البخاري ومسلم في صنف واحد مثل ما دونه الكليني والطوسي. وعلم الجرح والتعديل علم خاص بالحضارة الإسلامية لا نجد مثله عند الشيعة أو غيرهم، وقد أدرك مثل هذا النقص المرجع الشيعي (أبو القاسم الخوئي: ت 1899-1992م) في موسوعته المشهورة: معجم رجال الحديث، مؤسسة الإمام الخوئي، النجف، الطبعة الأولى، في المجلد الأول، تحت مبحث «الحاجة إلى علم الرجال»، ص19، و«رواية الكتب الأربعة ليست قطعية الصدور» لوجود الكذابين والوضاعين، ص22، دون أن يدرك آلية كتابة الحديث وكيفية التدوين وكأن البخاري أو مسلماً أو غيرهما دونوا الحديث باجتهاد شخصي منهم وليس أنهم جمعوا ما أنتجه الاجتهاد الجمعي لمن سبقهم، وبقي ما دونه محل أخذ ونقد حتى تحول إلى مصدر من مصادر النصوص وليس مصدراً من مصادر الفتوى، لكون الفتوى تعالج النص بتحليل وضوابط استنباطية وأصولية، ثم يستخدم مصطلحات نصرانية للحكم على المخرج العلمي الإسلامي! مثل مصطلح اللاهوتية ومبدأ الأرثوذكسية في التدوين! هذا نموذج من خروجه عن المنهج العلمي الإسلامي. ينظر: محمد أركون، الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، ترجمة وتعليق: هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، الطبعة الرابعة: 2007م، ص107 وما بعدها.
[14] ينظر: سالم البهنساوي، تهافت العلمانية في الصحافة العربية، دار الوفاء، مصر، الطبعة: الأولى، 1990م، ص142.
[15] هو ما يسميه الدكتور عماد الدين خليل بـ«البعد الثالث»، الذي يتحرك بين ثنائيات متضادة أو متقاربة، فيكون بمثابة العامود الحامل لكفتي الميزان فيحقق التوازن المطلوب في التصور والحكم. ينظر: عماد الدين خليل، تهافت العلمانية، دار ابن كثير، دمشق، الطبعة الأولى، 2008م، ص118؛ يقول الدكتور عماد الدين خليل عند كلامه عن الحضارة الإسلامية: «إنها الحضارة التي قدرت، انطلاقاً من رؤيتها هذه، على أن تجمع في كل متناسق واحد: الوحي والوجود، والإيمان والعقل، والظاهر والباطن، والحضور والغياب، والمادة والروح، والقدر والاختيار، والضرورة والجمال، والطبيعة وما وراءها، والتراب والحركة، والمنفعة والقيمة، والفردية والجماعية، والعدل والحرية، واليقين والتجريب، والوحدة والتنوع، والإشباع والتزهد، والمتعة والانضباط، والثبات والتطور، والدنيا والآخرة، والأرض والسماء، والفناء والخلود». عماد الدين خليل، مدخل إلى الحضارة الإسلامية، المركز الثقافي العربي، المغرب، الطبعة الأولى، 2005م، ص59.
[16] نجد الجابري يحاكم تاريخ الحضارة باعتباره تاريخاً لمنتج مغلق منكفئ على ذاته، لا يقبل الانفتاح! علماً أن واقع المخرج التطبيقي الفقهي يشهد كيف تم استيعاب المتغيرات التي مرت بالحضارة الإسلامية، وهذا ما نتج من طرق إدارة الدولة في الحضارة الإسلامية لكل ما يتعلق بجوانب الحياة، لكن الجابري يجعل من تعميمه حكماً مسلماً به، يفتقد إلى بيان كيف استنبطه! ينظر مبحث «الدين والدولة في المرجعية التراثية»، محمد عابد الجابري، الدين والدولة وتطبيقات الشريعة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة: الأولى، 1996م، ص57-63.
[17] يرصد هذا الاضطراب المنهجي لدى المستشرقين الدكتور محمد عابد الجابري في مبحثه «كيف نعيش عصرنا؟ كيف نتعامل مع تراثنا؟»، ليقع في اضطراب آخر! فيسلك مسلك المستغربين، ينظر: الجابري، نحن والتراث.. قراءة معاصرة في تراثنا الفلسفي، المركز الثقافي العربي، بيروت، الطبعة: السادسة، 1993م، ص14-26.
[18] وهو يمثل بـ«الطغيان السياسي» على الدراسات الغربية. ينظر: سفر الحوالي، العلمانية، ص133.
[19] ينظر: عماد الدين خليل، التفسير الإسلامي للتاريخ، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الأولى، 1975م، ص23، 40، 70؛ فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ وخاتم البشر، كلامه في مبحث:«محاولة لكتابة تاريخ عالمي» عن هيجيل وماركس، ص65- 74.
[20] حيث كتب أوزوالد شبنجلر كتابه «أفول نجم الغرب»، فنجد أثر هذا الكتاب في أفكار توينبي وفي كتابه «دراسة التاريخ». ينظر: فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ وخاتم البشر، ص75.
[21] حيث كتب «الإسلام قوة الغد العالمية»، ترجمة: محمود شامة، مكتبة وهبة، القاهرة، 1973م.
[22] يروي لنا الدكتور عمر كيف عرض عليه المستشرق وليم مارسيه (1872-1956م) وولويس ماسينيون (1883-1962م) أن يعلموه مجاناً في باريس ويترك ألمانيا، «ثم إذا رجعت إلى بيروت.. وجدت منصباً ينتظرك»، فكان رد الدكتور عمر فروخ شديداً. ينظر: عمر فروخ، المستشرقون ما لهم وما عليهم، بحث منشور: الاستشراق، دار الشؤون الثقافية، بغداد، العدد: 1، يناير، 1987م، ص62.
[23] هناك مصادر يرجع إليها لبيان حركة التغريب، منها: محمد محمد حسين، الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، المطبعة النموذجية، القاهرة، الطبعة الثانية، الجزء1، ص224-348، وقد ذكر فيها حركة التغريب وقادتها؛ أحمد فهد بركات الشوابكة، حركة الجامعة الإسلامية، مكتبة المنار، الأردن، الطبعة الأولى، 1984م، ص105-115؛ صابر طعيمة، أخطار الغزو الفكري على العالم الإسلامي بحوث حول العقائد الوافدة، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الأولى، 1984م، ص207-219.
[24] أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي حجة الإسلام (ت: 505هــ)، المستصفى، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، 1993م، ص254.
[25] شمس الأئمة السرخسي: محمد بن أحمد بن أبي سهل (ت: 483هـ)، أصول السرخسي، دار المعرفة، بيروت، ج2، ص12.
[26] ينظر مثلاً متحف الحضارة الإسلامية في إسطنبول، وأثر حركة الفقهاء في تطوير العلوم. فؤاد سزكين، متحف إسطنبول لتاريخ العلوم والتكنولوجيا في الإسلام نظرة عامة، شركة إسطنبول، بلدية إسطنبول الكبرى، الطبعة الأولى، 2010م، حيث ذكر سزكين الصفات التي تميز الحضارة الإسلامية، وذكر منها: النقد المنصف، والاستعداد لذكر المصادر (الأمانة العلمية)، والتدوين المبكر، والموازنة بين النظري والعملي، والرصد المستمر، وتحصيل العلم من الكتاب والأستاذ معاً.




ـــــــــــــــــــــــــــــ
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 07-10-2018, 07:10 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 29,928
29 قراءة في فكر هشام جعيط ومنهجه

قراءة في فكر هشام جعيط ومنهجه
ــــــــــــــــ

(د. زبير خلف الله)
ــــــــ

26 / 10 / 1439 هـــ
10 / 7 / 2018 م
ــــــــــــــ




[IMG]http://www.theonlyquran.com/quran_****/29_48.png[/IMG]






يعد المؤرخ والمفكر التونسي د. محمد هشام جعيط من أهم المفكرين العرب الذين اشتغلوا ونقبوا في التاريخ الإسلامي وأعطوا أهمية كبرى لمناقشة جملة الإشكاليات المركزية في التاريخ الإسلامي وأهم مكونات الفكر الإسلامي والموروث الحضاري بشكل عام. ولعل من أهم القضايا المركزية التي تناولها دكتور جعيط مسألة نقد الشخصية العربية والثقافة الإسلامية والأزمات التي عاشها المسلمون وأهم الإشكاليات الكبرى التي واجهوها، كما تناول جعيط علاقة الإسلام بأوربا، وكذلك التركيز على التعمق في دراسة السيرة النبوية وشخصية النبي صلى الله عليه وسلم مستخدماً في ذلك المنهج التاريخي الذي تتداخل فيه جملة من العلوم الأخرى كالأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلم الأديان والفلسفة حتى يتسنى له تقديم قراءة أكثر موضوعية وبعيدة عن التحليل الإيماني الذي يرى فيه أنه محاولة لاغتيال الحقيقة التاريخية.
الظروف التاريخية التي شكلت فكر جعيط

لعل بعض القارئين لا يرون أهمية لهذا العنوان في هذه الدراسة لأن شخصية جعيط ليست هي المقصودة هنا في هذه الدراسة، ولكني أقول إنني أحاول أن أستخدم المنهج نفسه الذي اتبعه جعيط في قراءته لجملة الإشكاليات الفكرية والتاريخية والدينية في موروثنا الحضاري، فمعرفة الظروف التاريخية التي نشأ فيها جعيط ستساعدنا حتماً في فهم ملامحه الفكرية وأهم المصادر التي شكلت فكره وأثرت فيه سواء من داخل الحقل المعرفي العربي والإسلامي أو حتى من بقية الحقول المعرفية والمدارس التاريخية الأخرى التي كان لها الأثر الكبير في تشكيل رؤيته الفكرية والتاريخية.

جعيط الذي ولد سنة 1935م مفكر مخضرم عاش فترة الاستعمار الفرنسي والحرب العالمية الثانية ودرس في مدرسة الصادقية التي تختلف في منهجها التعليمي عن التعليم الزيتوني، كما أنه أكمل دراساته العليا في فرنسا وعاش مدة شبابه في أوربا، ولا شك أن جعيط تشبع بالفكر الغربي خلال وجوده في فرنسا مما جعله يتأثر بأهم المدارس التاريخية التي ظهرت في أوربا خصوصاً المنهج التاريخي الذي اعتمدته المدارس الاستشراقية الأوربية في دراستها للتاريخ الإسلامي ودين الإسلام ونصوصه المركزية. كما أن جعيط عاش مرحلة ما بعد الاستعمار أي في فترة الاستقلال وما نتج عنها من تحولات جذرية في بنية المجتمعات العربية والإسلامية، خصوصاً تونس البلد الذي يعيش فيه جعيط، والذي لم يكن منسجماً مع النمط السياسي البورقيبي وكذلك النمط المجتمعي الذي عاش فيه، برغم أن جعيط ينحدر من عائلة علمية وبرجوازية متدينة فهو ابن عبد العزيز جعيط شيخ جامع الزيتونة والذي كان مختلفاً مع بورقيبة صاحب المشروع الحداثي الساعي إلى بناء تونس على النمط الأوربي. كل هذه الظروف كان لها الأثر الكبير في تشكيل النسيج الفكري لهشام جعيط وحركت فيه الرغبة في مناقشة كل المسلمات والقراءات التي يعتقد كثير من العرب والمسلمين أنها الحقيقة المطلقة.
إن حالة التخضرم التي عاشها جعيط بين فترة الاستعمار وفترة ما بعد الاستعمار هي التي ستنعكس حتماً على طبيعة وملامح فكر جعيط وستتحكم في قراءاته للموروث الثقافي الإسلامي مما قد يلمح لحالات من التناقض والغموض في دراساته جراء حالة التخضرم التي عاشها.

جعيط مفكر يتقاذفه القلق والحيرة
==============

لعل من أهم ما يميز هشام جعيط عن بقية المفكرين الآخرين من العرب والمسلمين الذين يتبنون المنهج التاريخي في تحليلهم للدراسات الإسلامية مثل أركون وعبد المجيد الشرفي وغيرهم أنه مفكر يعتقد أن الإسلام هو العنصر الأساس الذي يشكل الشخصية العربية والإسلامية وأنه لا يمكن الاستغناء عليه، ويرى أنه عامل محدد في بناء هذه الشخصية، ولكن يعتقد أن الذي يجب تغييره في ذلك هو الفهم الخاطئ للإسلام وللتاريخ الإسلامي الذي يحاول الكثير من المفكرين الإسلاميين قراءته قراءة إيمانية تغيب الحقيقة وتغتالها لتنتج لنا ثقافة إسلامية مأزومة خالية من كل علمية وموضوعية.
جعيط يختلف عن الدكتور عبد المجيد الشرفي الذي يختلف في طريقة تناوله لمجمل هذه القضايا الكبرى في التاريخ الإسلامي عن الدكتور هشام جعيط، وبغض النظر عن الاختلافات إلا إنهما يتفقان بشكل عام في المنطلق المنهجي وهو المنهجي التاريخي، وربما هذا يعود إلى تأثر كلا الطرفين بالفكر الاستشراقي الذي كانت تحركه بشكل خاص نزعة معادية للإسلام وللحضارة الإسلامية.

هذا التأثر بالمدرسة الاستشراقية لدى جعيط يجعل فكره يتسم بالحيرة والتناقض في الوقت نفسه، ويجعل رؤيته للنص الديني مثلاً هي قراءة من خارج سياقه وبأدوات لا تنسجم مع الحقل المعرفي الإسلامي، لأنها من إنتاج معرفي مختلف تماماً عن الثقافة الإسلامية التي كان لزاماً على جعيط أن ينتج منهجاً جديداً لتشريح مثل هذه القضايا، ويستنبط أدوات تشريحية تكون منسجمة مع النص الديني ومع طبيعة الظروف التاريخية التي ظهر فيها، والاعتماد على وثائق مادية وليست قراءات وتأويلات نابعة من سياقات معرفية مختلفة تماماً في مزاجها ومكوناتها عن السياقات المعرفية العربية الإسلامية.
من هذا المنطلق نلمح حالة من القلق لدى المفكر جعيط خلال تحليله لجملة هذه القضايا المركزية في الحقل المعرفي الإسلامي، ربما يعود هذا القلق إلى أن جملة الأبحاث التي انطلق منها لم تكن قلقاً نابعاً من ذات جعيط ومن حالة البحث عن إجابات مقنعة كانت تراود خلده وخلد كل المفكرين العرب، بل كان هذا القلق قد تشكل من خارج ذاته أي مما أنتجه المستشرقون الأوربيون الذين كانت تحركهم دوافع أخرى تتصل بعملية التشكيك في أن القرآن كتاب سماوي أنزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولعل ما نتج عن هذا القلق الخارجي الذي تلبست به شخصية جعيط حالة من الحيرة العامة في إيجاد إجابة عميقة لهذا القلق الكامن في مساراته الفكرية والأكاديمية. ونحن بمجرد أن نقوم بتفحص لجل كتب هشام جعيط نجد أنه لم يتناول قضايا جديدة بل هو يتناول ما طرحه المستشرقون الغربيون بداية من القرن الثامن عشر والتاسع عشر حتى إننا نلمح أن جعيط يسكن في داخله مستشرقون يوحون إليه بما يريدون.

ولست هنا أتهجم عليه ولكن أقول إن جل العناوين لكتبه لا تخلو من وجود حكم مسبق أولي مستورد من خارج المنظومة المعرفية والفكرية والحضارية لهذه القضايا مثل عنوان كتابه «أزمة الثقافة الإسلامية» أو كتابه «الفتنة الكبرى» وغيرهما، وهذه عناوين لا توحي إلا بخلل في المنهجية وفي أدوات التحليل التي انطلق منها هشام جعيط، وحتى المبررات التي توصل إليها هي مبررات تخلو من معقولية وتوحي بأنها استنتاجات قطعية في نظره برغم أنه يلمح إلى نسبية الحقيقة في البحث العلمي. هذا القلق غير النابع من الذات والمستورد من خارج ذاته وحالة الحيرة التي تلمحها في فكر جعيط حوّل قراءته إلى قراءة منبتة عن جذورها وعن تربتها الحقيقية مثلما هو الحال لدى محمد أركون وعبد المجيد الشرفي ومحمد شحرور ونصر حامد أبو زيد وغيرهم من المفكرين العرب.
منهج جعيط وجملة الأسئلة المطروحة
قراءة فكر جعيط على مستوى المنهج:
اعتمد الدكتور جعيط في أبحاثه على علم التاريخ أو المنهج التاريخي الذي يرى أنه بلغ درجة من المصداقية قربته كثيراً من العلوم الصحيحة، وهو يستعمل علم التاريخ بتداخل مع مجموعة أخرى من العلوم والمعارف مثل الأنثروبولوجيا (علم الأجناس) والفيلولوجيا.
ويلخص جعيط منهجه في التعامل مع هذا الموضوع بقوله: «إنه استقراء الماضي متسلحاً بمعرفة دقيقة بالمصادر والمراجع وبالتعاطف اللازم مع موضوعه وبرحابة صدر وثقابة الفكر»، ويضيف قائلاً: «ما سنحاوله هنا هو إعطاء نظرة أنثروبولوجية للثقافة العربية قبل الإسلام أولاً، واستقراء للنص القرآني وتتبع التأثيرات الخارجية والنظر النقدي في المصادر التاريخية والبيوجرافية».

والحقيقة إن ميل جعيط إلى المنهج التاريخي يعود بالدرجة الأولى إلى تأثره بالمدارس الاستشراقية التي أوجدت هذا المنهج من أجل البحث عن أي أخطاء داخل الإسلام خصوصاً على مستوى نصوصه المركزية وبالأخص القرآن، المُشَكِّل للبنية المعرفية والفلسفية للإسلام، كما ركزت هذه المدارس الاستشراقية على شخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم ودرست تاريخه ظناً منها أنها قادرة أن تكشف أن النبي صلى الله عليه وسلم قد يكون استقى القرآن من عند قسيسين ورهبان أو من اليهود أو السريانيين.

والحقيقة إن هذا المنهج يتميز بصرامة كبيرة في البحث والتنقيب لكن برغم ذلك فإن المستشرقين أخضعوه إلى جملة أحكامهم المسبقة وإلى نواياهم المعادية للإسلام، لكن هذا لا يعني أن كل المستشرقين كذلك، فمنهم من التزم بهذا المنهج وخرج بنتائج مبهرة تثبت أحقية الإسلام والقرآن.

ومهما يكن من نية هؤلاء إلا إن هذه المدرسة التاريخية انتشرت في أوربا وصار لها رواد كثيرون حتى في العالم العربي، ولعل هشام جعيط من هؤلاء الباحثين الذين وجدوا ضالتهم في هذا المنهج من أجل تقديم قراءات جديدة للتاريخ الإسلامي.
صحيح أن التزام جعيط بهذا المنهج الصعب أمر مطلوب وجيد غير أن جملة الإشكاليات التي تعرض لها بل حتى الاستنتاجات التي وصل إليها هي في الحقيقة استنتاجات قديمة وصل إليها المستشرقون وعملوا على ترويجها وأوهموا الناس بصحة استنتاجاتهم، لذلك فنحن نرى جعيط لا يستطيع أن يجزم بشكل مطلق بما وصل إليه من استنتاج، وهنا تكمن حالة القلق والحيرة لدى جعيط التي ذكرناها في البداية.

غير أن هذا المنهج بقدر ما يحتوي على فاعلية للوصول إلى جملة من الحقائق إلا أنه يلغي المنهج الخاص الذي يتضمنه النص القرآن مثلاً، فالقرآن ليس بالنص العادي الذي يمكن أن يطبق عليه مثل هذا المنهج لأنه في حد ذاته نص متعدد الأبعاد والدلالات والأوجه، وهذا التعدد يحتاج إلى منهج ينسجم مع بنيته النصية والدلالية، ولا أعتقد أن المنهج التاريخي الذي استورده جعيط من المستشرقين قادر على أن يقتحم أعماق محيطات القرآن.

فالنص القرآني هو نص من عند الله الذي بين أنه سيحفظ كتابه من أي تحريف أو نقصان أو زيادة، فإذا كان جعيط يؤمن بأن الله هو صاحب الكتاب تعهد بحفظ كتابه فكيف يمكن أن يحدث في القرآن نقص أو زيادة أو تحريف، ألا يدل هذا على تناقض بين ما ينطلق منه المنهج التاريخي وبين ما يوجد في القرآن من حقائق تتجاوز المنهج التاريخي وكل المناهج الأخرى.

إن حيرة جعيط وقلقه لا يقف في حدود المنهجية التي تناول بها بل يمس أيضاً جملة القضايا التي طرحها وجملة الاستنتاجات والخلاصات التي وصل إليها، فهي أيضاً أصابها القلق والحيرة بل وقعت في التناقض وظلت رهينة الاحتمال، وهذا ما يعترف به جعيط عندما يستخدم لفظ «ربما» كدليل على أنه لم يستطع الجزم بذلك. فكيف كان قلقه وحيرته على المستوى المضموني؟

قراءة فكرة جعيط على المستوى المضموني:
----------------------

في ما يخص ما كتب عن حياة الرسول اعتبر جعيط أن المصادر التاريخية مثل سيرة ابن إسحاق أو ابن هشام أو غيرهما «لا تعطي إجابات علمية دقيقة؛ نظراً لتأخر تدوين هذه السير ولغلبة النزعة الوعظية عليها». أما الكتابات الحديثة فقد اعتبر أن «أغلبها لا يرقى حتى إلى ما كتبه القدامى من حيث القيمة العلمية»، واستثنى من هذا الحكم كتاب «حياة محمد» لمحمد حسين هيكل، الذي اعتبره «آخر الكتابات المحترمة». وأكد على أن غرض الباحث دائماً هو «مناقشة المسلمات» وأن «المعرفة التاريخية تبقى نسبية ومتغيرة بتغير المصادر والوثائق»، كما أشار إلى أن هناك نقاط استفهام عديدة تطرح حول معرفتنا عن تلك الحقبة؛ لأن هناك نقصاً في هذه الوثائق، وهو نقص أدركه كل من اشتغل على الشأن الديني أياً كان هذا الدين. إلا إن وجود هذه الصعوبات لا ينفي إمكانية إنشاء معرفة تاريخية عن الدين مستقلة ومختلفة عن الأبحاث الفقهية.

لم يستبعد الدكتور هشام جعيط في كتابه المعنون بـ«تاريخية الدعوة المحمدية في مكة» أن تكون بعض العبارات والآيات زيدت في النص القرآني عند تدوينه. واعتبر أن التأثيرات المسيحية على القرآن لا يمكن إنكارها. وعن محمد صلى الله عليه وسلم قال إنه ولد في حدود سنة 580م، وإنه كان يدعى «قثم» قبل بعثته، وتزوج وهو في الثالثة والعشرين وبعث في الثلاثين، وإنه لم يكن أبداً أمياً. ويذهب جعيط إلى أن النتائج التي تم التوصل إليها في دراسته للسيرة النبوية هي ثمرة «عشرات السنوات من البحث والدراسة وفق مناهج علمية صارمة»، وأنه إذ ينشرها فلأنه على يقين بأن ما يورده من «حقائق ينشر لأول مرة».

ويثبت الكاتب بالنسبة للقرآن أنه جمع في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأنه سهر شخصياً على جمعه وكتابته. غير أن هذا لم يمنعه من إيراد احتمال أن تكون هناك آيات أو كلمات سقطت من القرآن وأخرى زيدت فيه. ويضرب مثلاً على ذلك بقوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38] ، ويرى جعيط أن هذه الآية لا تنسجم مع نسق الآية التي وضعت فيها، إضافة إلى أن {أَمْرُهُمْ} أي حكم المسلمين لأنفسهم في زمن النبي عن طريق الشورى غير مقبول، «فاعتماد مبدأ الشورى يكون مقبولاً بعد النبي، أما في حياته فلا؛ لأنه هو ولي الأمر حينها». كما استغرب الكاتب أن يرد الخطاب بصيغة الغائب في حين أن الرسول كان بينهم.

والحقيقة إن ما طرحه جعيط من جملة الإشكاليات سبق أن طرح معظمها مستشرق ألماني في القرن الـ19 الميلادي.
إن الخطأ المنهجي الذي قام به جعيط وهو يحلل النص أنه أهمل تحليل النص من داخله واعتمد على تأويلات وتفسيرات من خارجه، وهذا في الحقيقة أفرز استنتاجات مبهمة وغير دقيقة بل متناقضة فالقرآن في داخله يطرح تحدياً على كل من يريد أن يجد فيه خطأ إلا إن جعيط ومن قبل المستشرقين يتجاهلون هذا ويخسرون المعركة ضد التحدي القرآني ويخرجون باستنتاجات قائمة على التأويل والاحتمالات والفرضيات، وهذا في الحقيقة ليس تحليلاً علمياً قائماً على الحجة والبرهان.
وبالنسبة إلى شخصية النبي صلى الله عليه وسلم يزعم جعيط أنه ولد 580م وليس سنة 571، ويعتقد أن ولادته ليست مرتبطة بهجمة أبرهة الحبشي على جزيرة العرب ويرى أن ربط المسلمين ولادة النبي بعام الفيل هو ربط غيبي يحمل بعداً رمزياً دينياً. كما يرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم نزل عليه الوحي في سن الثلاثين وليس في سن الأربعين. كذلك يزعم أن الاسم الحقيقي للنبي هو قثم وليس محمداً وأن هذا الاسم حصل عليه في المدينة.

ومهما كانت الفرضية التي يطرحها إلا أن جعيط يحاول أن يقنعنا أن ما وصل إليه استنتاجات وصل إليها بعد طويل من البحث وأخفى أن هذه المقولات هي لمستشرقين في الغرب ذكروا مثل هذا ولم يقدموا أي دليل على ذلك مكتفين فقط بتأويلات وتخمينات لا ترتقي إلى درجة العلمية.

إن جعيط كما وقع في قلق وحيرة على المستوى المنهجي فقد وقع أيضاً في قلق وحيرة مضمونية أي على مستوى الإشكاليات والأحداث التي قام بتحليلها، بل إنه وقع في عدة تناقضات فكل الروايات المتواترة تبرز أن الرسول صلى الله عليه وسلم اسمه محمد وهو يذكر اسمه بنفسه إلا أن جعيط ومن قبله المستشرقون يقولون ربما كان اسمه محمد. فلو كان الاسم الحقيقي للنبي قثم فما العيب في إظهاره ولماذا تم تركه؟ كما أن تاريخ ولادة النبي لماذا يتم ربطه بحدث أبرهة الحبشي فقد كان بإمكان العرب أيضاً أن يربطوه بأي حدث آخر ربما أفضل وأشد، ثم إن أغلب الروايات تثبت أن النبي نزل عليه الوحي وهو في الأربعين غير أن جعيط ينكر تاريخ ولادته من ناحية ويعترف بتاريخ نزول الوحي عليه فمن أين تحقق من تاريخ نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم. ويضيف الكاتب جملة أخرى من الاستنتاجات التي توصل إليها بخصوص النبي محمد صلى الله عليه وسلم منها أن والده توفي بعد ولادته وأن زواج محمد صلى الله عليه وسلم من خديجة رضي الله عنها كان في سن الثالثة والعشرين لكن جعيط لا يقدم أية أدلة مقنعة على ذلك ويكتفي بالتأويلات والفرضيات وهذا لا يستقيم في البحث التاريخي بل حتى المنهج التاريخي نفسه لا يقبله ولم يلتزم به حتى المستشرقون الذين تحكمت فيهم أحكام وأفكار مسبقة حولت الاستنتاجات نحو هذه الأحكام.

لم يكتف جعيط بذلك بل اعتبر أن النبي صلى الله عليه وسلم ربما يكون قد تأثر بالنصرانية وتلقى منها تعليماتها خلال رحلاته إلى الشام للتجارة، ويرى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن أمياً بل كان يعرف السريانية بحسب رأيه، ويخلص جعيط بعد أن يحاول تبيين مواطن التشابه بين القرآن وعدد من الكتب المقدسة التي سبقته إلى القول: «كمؤرخين يجب أن نقر بتأثير المسيحية السورية على إسكاتولوجيا (العلم الأخروي) القرآن وعلى قسط وافر من الأفكار والتعبيرات، وأن القرآن كنص من القرن السابع الميلادي ووثيقة من هذه الفترة قد أخذ من موروثها ببراعة فائقة».

ما ذهب إليه جعيط من أن الرسول لم يكن أمياً هو مخالف لما ورد في النص القرآن الذي وضح أن النبي لم يكن يعرف القراءة والكتابة وأن أمية النبي إثبات لمعجزة القرآن فلو كان النبي يعرف القراءة والكتابة لماذا يشبه نفسه في القرآن بالأمي، أليس تشبيه الذات بالأمية نقيصة في حق الإنسان! خصوصاً أن أعداءه في قريش كانوا سيتهمونه بالتحريف والتزوير وبأنه أخذ من ديانات أخرى، فلم لم يدعِ هذا مثلاً ورقة بن نوفل الذي كان عالماً بالأديان في زمن النبي عليه السلام!.

الحقيقة إن النتائج التي وصل إليها جعيط ليست حقائق وإنما تخمينات قائمة على تأويلات ليست من إنتاجه بل استنتاجات سبقه إليها المستشرقون.




ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
للتاريخ, العلمانية, الإسلامي, القراءة

« ضلالات طبيب القصيم: خالص جلـبي | صدر حديثا كتاب تحت عنوان "الحزام والطريق... ماذا ستقدم الصين للعالم؟" »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
د. محمد الرشيد قريش يكتب .. شهادتي للتاريخ (23- ج) صرح المخض عن الزبد Eng.Jordan بحوث ودراسات منوعة 0 11-19-2016 11:34 AM
معركة التعليم الإسلامي مع العلمانية التركية عبدالناصر محمود المسلمون حول العالم 0 12-03-2014 08:46 AM
الحرب العلمانية على الوقف الإسلامي عبدالناصر محمود مقالات وتحليلات مختارة 0 11-29-2014 08:31 AM
العلمانية تتمدد وتتضخم في العالم الإسلامي عبدالناصر محمود مقالات وتحليلات مختارة 0 11-14-2014 08:11 AM
العلمانية التركية و العلمانية المصرية : توافق أم تطابق ؟! عبدالناصر محمود مقالات وتحليلات مختارة 0 06-13-2013 09:38 AM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 08:32 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات