دراسة بحثية بعنوان الإحسان مفهومه أنواعه وصوره في ضوء القرآن والسنة

المرجع من العدد السادس لحولية الكلية العليا للقرآن الكريم خلاصة البحث يهدف هذا البحث إلى معرفة مفهوم الإحسان وأنواعه وصوره وثماره من خلال نصوص القرآن الكريم ،

إضافة رد
قديم 05-23-2019, 12:28 PM
  #1
إدارة الموقع
 الصورة الرمزية Eng.Jordan
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 22,725
افتراضي دراسة بحثية بعنوان الإحسان مفهومه أنواعه وصوره في ضوء القرآن والسنة


المرجع من العدد السادس لحولية الكلية العليا للقرآن الكريم

خلاصة البحث


يهدف هذا البحث إلى معرفة مفهوم الإحسان وأنواعه وصوره وثماره من خلال نصوص القرآن الكريم ، والسنة النبوية الصحيحة ، سلكت فيه المنهج الاستقرائي ، وتتبعت لفظ " الإحسان " ومشتقاته في النصوص القرآنية والنبوية ، ثم قمت بتحليلها ومعرفة المراد منها ، وسبرت معانيها من خلال أقوال المفسرين وشرَّاح الحديث ، ثم قسمتها إلى عدة عناوين ، وجمعت تحت كل عنوان ما يتعلق به ، مستخدما في ذلك منهج التفسير الموضوعي ، وقد جمعت بين تفسير القرآن بالقرآن لأنه ما أجمل في موضع ، فإنه قد بسط في موضع آخر ،وتفسر القرآن بالسنة النبوية الصحيحة ، فإن السنة شارحة للقرآن وموضحة ومبينة له ، كما اعتمدت على تفسير الصحابة والتابعين ،كما أني لم أهمل التفسير بصحيح المعقول.
وقد ورد لفظ " الإحسان ومشتقاته "، في القرآن الكريم في ( 153) موضعاً وله معانيه المتنوعة بحسب سياق اللفظ وكذلك ورد في السنة عدد لا بأس به من الأحاديث الصحيحة التي تبين مفهوم الإحسان وأنواعه وصوره ، ولم أجد بحثاً علميا مختصاً - فيما أعلم - تتبع نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية ، التي ورد فيها هذا اللفظ ، وفسرها تفسيرا موضوعيا ، إلا رسالة لابن تيمية ، رحمه الله ، بعنوان :" الحسنة والسيئة في القرآن الكريم " وهي مطبوعة ، وبناء على ذلك فقد استبعدت من مكونات البحث لفظ "الحسنة " التي وردت في (31) موضعاً من القرآن الكريم .
لذلك فقد عزمت على كتابة هذا البحث ، و حرصت أن يكون بعبارة سهلة مختصرة ، ولم أستدل من السنة إلا بحديث مقبول يحتج به.
وسميته:" الإحسان، مفهومه، أنواعه وصوره، وثماره ، في ضوء القرآن والسنة" وجعلته في: مقدمة، وتمهيد، وثلاثة مباحث، وخاتمة.
ففي التمهيد ذكرت: مفهوم الإحسان في اللغة وأنه يدور حول معنيين : الأول: الإتقان ، والثاني : الإنعام . أما في الاصطلاح ، فالإحسان له ثلاث معان هي فعل الحسنات، أو الإنعام على الناس، أو مراقبة الله تعالى، وبينت أن العلاقة واضحة بين المدلول اللغوي والاصطلاحي لهذه الألفاظ .
وفي المبحث الأول : عرضت فيه أساليب القرآن الكريم والسنة في الدعوة إلى الإحسان من خلال خمسة أساليب هي :
الأسلوب الأول: وصف الله أسمائه بالحسنى وإخباره عن أفعاله أنها حسنة.
والأسلوب الثاني: الأمر بالإحسان والحث عليه.
والأسلوب الثالث: مدح المتصفين به والثناء عليهم ، وذكر جزائهم.
والأسلوب الرابع : جعل وصف الحسن لكل ما مدحه وأثنى عليه.
والأسلوب الخامس: دعاء النبي ربه بلوغ رتبة الإحسان في الأعمال .
وفي المبحث الثاني: بينت أنواع وصور الإحسان الواردة في نصوص القرآن والسنة وهي أربعة أنواع وهي:
النوع الأول: إحسان الله إلى الخلق، وصوره.
والنوع الثاني: إحسان العبد مع ربه ، وصوره .
والنوع الثالث: إحسان العبد مع الناس ، وصوره .
والنوع الرابع:الإحسان مع باقي الخلق وصوره .
وفي المبحث الثالث: تحدثت عن ثمار الإحسان في الدنيا والآخرة ، من خلال نصوص القرآن والسنة .
وختمت بذكر أهم النتائج والتوصيات التي توصلت إليها أثناء البحث. أسأل الله أن ينفعني به، ويجعله خالصا لوجهه الكريم، وينفع به من قرأه من المسلمين، ويجعله ذخرا لي يوم ألقاه ، آمين .
* * *

المقدمة
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهدي الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم .


دراسة ، بحث، دراسة بحثية ، دراسات ، بحوث

أما بعد:
فإن الله أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، وجعله برحمته هدى للناس عموما وللمتقين خصوصاً ، يخرجهم به من ضلال الكفر والمعاصي والجهل إلى نور الإيمان والتقوى والعلم، وأنزله شفاء للصدور من أمراض الشبهات والشهوات، وأخبر أنه لا ريب فيه ولا شك بوجه من الوجوه؛ وذلك لاشتماله على الحق العظيم في أخباره وأوامره ونواهيه، وأنزله مباركاً، فيه الخير الكثير والعلم الغزير والأسرار البديعة والمطالب الرفيعة، فكل بركة وسعادة تنال في الدنيا والآخرة، فسببها الاهتداء به واتباعه، وأخبر أنه مصدق لما جاء في الكتب السابقة ومهيمن عليها ، فما يشهد له فهو الحق وما رده فهو المردود لأنه تضمنها وزاد عليها.
وقال تعالى فيه: ﭿ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﭾ المائدة: ١٦ فهو هادٍ لدار السلام مبين لطريق الوصول إليها، وحاثٌ عليها،وكاشف عن الطريق الموصلة إلى دار الآلام، ومحذر منها .
وقال الله تعالى مخبراً عنه : ﭿ ﮔﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﭾ هود: فبين آياته أكمل تبيين، وأتقنها أي إتقان ، وفصلها بتبيين الحق من الباطل والرشد من الضلال تفصيلا كاشفا للبس ؛ لكونه صادراً من حكيم خبير فلا يخبر إلا بالصدق والحق واليقين ولا يأمر إلا بالعدل والإحسان والبر ، ولا ينهى إلا عن المضار الدينية والدنيوية ( ).
"فالواجب على العلماء الكشف عن معاني كلام الله وتفسير ذلك وطلبه من مظانه وتعلم ذلك وتعليمه كما قال تعالى : ﭿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭾ
آل عمران: ١٨٧...، فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه قد بسط في موضع آخر، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له،...،ولهذا قال رسول الله : « ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه »( ) ، يعني السنة ، والسنة أيضاً تنزل عليه بالوحي كما ينزل القرآن إلا أنها لا تتلى كما يتلى القرآن . " ( )

سبب اختيار الموضوع وأهميته :
بناءً على ما سبق وكتطبيق عملي لمنهج التفسير الموضوعي ، فقد اخترت مفهوما شرعيا ، وهو:" الإحسان " ليكون مادة هذا البحث ، لسببين :
1- إن هذا المفهوم تكرر كثيراً في القرآن الكريم والسنة النبوية، حيث ورد لفظ:"الإحسان ومشتقاته"،في القرآن الكريم في (153) موضعاً،وله معانيه المتنوعة بحسب سياق اللفظ،وكذلك ورد في عدد لا بأس به من الأحاديث النبوية.
2- لم أجد بحثاً علميا مختصاً - بحسب علمي- تتبع نصوص القرآن والسنة، التي ورد فيها هذا اللفظ ، وفسرها تفسيرا موضوعيا .
لذلك فقد عزمت على كتابة هذا البحث ، وسميته : " الإحسان، مفهومه ، أنواعه وصوره ، في ضوء القرآن والسنة "
خطة البحث :
اقتضت طبيعة البحث أن يكون في:مقدمة ،وتمهيد ، وثلاثة مباحث، وخاتمة :
المقدمة : وفيها أهمية الموضوع ، وخطة البحث ومنهجي فيه.
التمهيد في : مفهوم الإحسان في اللغة والاصطلاح .
المبحث الأول: أساليب القرآن والسنة في الدعوة إلى الإحسان.
المبحث الثاني: الإحسان ، أنواع وصور.
المبحث الثالث: ثمرات الإحسان وفوائده
الخاتمة : وفيها ذكر أهم النتائج والتوصيات التي توصلت إليها أثناء البحث .
منهجي في كتابة البحث :
1- استخدمت في كتابة هذا البحث المنهج الاستقرائي للنصوص فقمت بتتبع لفظ : " الإحسان ومشتقاته "، في نصوص القرآن والسنة.
2- لم أستدل من السنة النبوية إلا بحديث مقبول يحتج به، ولذلك استبعدت من البحث الأحاديث الضعيفة والموضوعة .
3- ثم استخدمت المنهج التحليلي لمدلولات تلك النصوص؛ فسبرت معانيها من خلال أقوال المفسرين وشرَّاح الحديث .
4- ثم قسمتها إلى عدة عناوين وجمعت تحت كل عنوان ما يتعلق به، وحرصت أثناء صياغته على أن يكون بعبارة سهلة مختصرة ، بعيداً عن التطويل والتعقيد .
الدراسات السابقة :
لم أقف على بحث بهذه الصورة عن الإحسان ، إلا رسالة ، لابن تيمية _ رحمه الله، بعنوان :"الحسنة والسيئة في القرآن الكريم "وهي مطبوعة ، وقد تحدث فيها عن مدلول الحسنة والسيئة في القرآن الكريم ، بشيء من التوسع والاستطراد
وقد أحصيت لفظ الحسنة في القرآن فبلغ (31) موضعاً من القرآن الكريم ؛ واستبعدتها من مكونات البحث .
أسأل الله أن ينفعني به، ويجعله خالصا لوجهه الكريم، وينفع به المسلمين، إنه سميع مجيب .
التمهيد
مفهوم الإحسان
ورد لفظ " الإحسان " كثيرا في نصوص القرآن والسنة النبوية ، وفي كثير من كلام العرب قديما وحديثا ، ويأتي في سياقات متنوعة ، ولكل سياق مدلوله في المعنى اللغوي والاصطلاحي ، لذلك كان من الضروري قبل الحديث عن الإحسان ، أن نقف في هذا التمهيد ، على معناه في اللغة و الاصطلاح ، ومعرفة العلاقة بينهما.
1- الإحسان لغة :
الحاء والسين والنون، أصل واحد، فالحسن ضد القبيح( )، والإحسان ضد الإساءة ( )، وهو مصدر أحسن يحسن إحساناً، ويتعدى بنفسه، أو بغيره، تقول: أحسنت كذا، إذا أتقنته، وأحسنت إلى فلان ، إذا أوصلت إليه النفع( )، والحسن عبارة عن كل مبهج مرغوب فيه... والإحسان يقال على وجهين:
أحدهما: الإنعام على الغير ، يقال أحسن إلى فلان.
الثاني:إحسان في فعله، وذلك إذا علم علماً حسناً ( )،أو عمل عملاً حسناً( ).
والحسنة:يعبر بها عن كل ما يُسِّر من نعم تنال الإنسان في نفسه وبدنه وأحواله( ).
وأما الإحسان: فمعناه اللغوي يرشد إلى أنه التفضل بمالم يجب،كصدقة التطوع ومن الإحسان فعل ما يثاب عليه العبد مما لم يوجبه الله عليه في العبادات وغيرها( ).
مما سبق يتبين لنا: أن الإحسان في اللغة له معنيان : الأول : الإتقان ، والثاني : الإنعام .
2- الإحسان اصطلاحاً:
يختلف معنى الإحسان اصطلاحاً باختلاف السياق الذي يرد فيه:
فإذا اقترن بالإيمان والإسلام كان المراد به: الإشارة إلى المراقبة وحسن الطاعة، وقد فسره النبي  بذلك عندما سأله جبريل  ما الإحسان؟
فقال  :«الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك »( ).
يضاف إلى ذلك أن للإحسان معنيان : تقول أحسنت كذا ، إذا أتقنته ، وأحسنت إلى فلان ، إذا أوصلت إليه النفع .
فالأول هو المراد - في الحديث السابق - لأن المقصود إتقان العبادة ، وقد يلحظ الثاني ، بأن المخلص ـ مثلاً ـ محسن بإخلاصه إلى نفسه ، وإحسان العبادة الإخلاص فيها والخشوع وفراغ البال حال التلبس بها ومراقبة المعبود( ).
أما إذا ورد الإحسان مطلقاً، فإن المراد به : فعل ما هو حسن، والحَسَن وصف مشتقٌ من الحُسْن( ).
والحسن هو: كون الشيء ملائماً للطبع، كالفرح، أو كون الشيء صفة كمال، كالمدح ، أو كون الشيء متعلقاً بالمدح كالعبادات، وهو ما يكون متعلق المدح في العاجل والثواب في الآجل( ).
مما سبق يتبين لنا: أن الإحسان في الاصطلاح يطلق ويراد به واحد من ثلاث معان : فعل الحسنات ، أو الإنعام على الناس، أو مراقبة الله تعالى( ).

3- العلاقة بين المعنى اللغوي والإصلاحي:
سبق معنا أن الإحسان في اللغة، يطلق ويراد به أحد معنيين ، بمعنى : الإتقان ، إن كان: لازماً،وبمعنى:الإنعام إن كان : متعدياً
أما في الاصطلاح فيراد به أحد ثلاث معان : فعل الحسنات، أو الإنعام ، أو المراقبة.
ولا شك أن العلاقة واضحة بين المدلول اللغوي والاصطلاحي لهذه الألفاظ، فالإحسان فعل ما هو حسن، ومنه فعل الحسنات، وإتقان الشيء: فعله على أكمل وجه، سواء كان ذلك الشيء متعلقاً بالله مثل: الإيمان والأعمال الصالحة، أو كان متعلقاً بالخلق مثل الحِرَف، والصناعات ونحوها، والمراقبة تدخل في لفظ الإتقان، فإن من راقب الله أتقن عمله، ومن الإتقان فعل الحسنات كما أمر الله  ، أما اللفظ الآخر: وهو الإنعام، فواضح العلاقة فيه بين المعنى اللغوي والاصطلاحي بالمطابقة اللفظية ، وإن كان ثم فرق بين الإحسان والإنعام في بعض الوجوه فالإحسان أعم من الإنعام، فالإحسان يكون لنفس الإنسان ولغيره، تقول أحسنت إلى نفسي _ وإلى غيري _ والإنعام لا يكون إلا للغير( ).

المبحث الأول: أساليب القرآن والسنة في الدعوة إلى الإحسان
تظهر وقيمة الإحسان في اعتناء القرآن الكريم والسنة النبوية بالحديث عنه ، حيث تنوعت أساليب القرآن الكريم والسنة النبوية في عرضها لهذا الموضوع ، والدعوة إليه ، ومن هذه الأساليب ما يأتي :
• الأسلوب الأول: وصف الله أسماءه بالحسنى و إخباره عن أفعاله أنها حسنة:
1- وصف الله  أسماءه بالحسنى ، في أربعة مواضع، فقال : ﭿ ﭳ ﭴ ﭵ ﭾ الأعراف: ١٨٠ ، وقال : ﭿ ﮔ ﮕ ﮖ ﭾ الإسراء: ١١٠ وقال : ﭿ ﮩ ﮪ ﮫ ﭾ طه: ٨ ، وقال : ﭿ ﯩ ﯪ ﯫ ﭾ الحشر: ٢٤ ، قال الزمخشري( ) :"أي التي هي أحسن الأسماء، لأنها تدل على معان حسنة من تمجيد وتقديس وغير ذلك "( ).
وقال ابن عاشور( ) :"والحسن مؤنث الأحسن ، وهو المتصف بالحسن الكامل في ذاته، المقبول لدى العقول السليمة المجردة عن الهوى، .... ووصف الأسماء بالحسنى، لأنها دالة على ثبوت صفات كمال حقيقي."( ).
وقال القرطبي( ) :"سمى الله أسماءه بالحسنى لأنها حسنة إلى الأسماع والقلوب، فإنها تدل على توحيده وكرمه وجوده ورحمته وأفضاله ." ( ).
وقال الشوكاني( ) :" والحسنى ، تأنيث الأحسن ، أي التي هي أحسن الأسماء لدلالتها على أحسن مسمى وأشرف مدلول " ( ).
2- وصف القرآن الذي هو كلامه ، بأنه أحسن الحديث، قال تعالى : ﭿﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭾ الزمر: ٢٣ ، ومعنى كون القرآن أحسن الحديث أنه أفضل الأخبار، لأنه اشتمل على أفضل ما تشتمل عليه الأخبار من المعاني النافعة والجامعة لأصول الإيمان والتشريع( )، ويحتمل وصفه بأحسن الحديث أمرين :
الأول: لفصاحته وإعجازه ، والثاني: لأنه أكمل الكتب وأكثرها إحكاماً( ).
فأحسن الحديث كلام الله، وأحسن الكتب المنزلة من كلامه هو القرآن، وإذا كان هو الأحسن، علم أن ألفاظه أفصح الألفاظ وأوضحها، وأن معانيه أجل المعاني، لأنه أحسن الحديث في لفظه ومعناه( ).
ومما ورد في وصف القرآن ، قوله تعالى: ﭿ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﭾ الزمر: ٥٥ ، معناه : اتبعوا أيها الناس ما أمركم به ربكم في تنزيله، واجتنبوا ما نهاكم عنه فيه ، وذلك هو أحسن ما أنزل إلينا من ربنا( ).

وليس المعنى أن بعض القرآن أحسن من بعض من حيث هو قرآن، وإنما هو أحسن كله بالإضافة إلى أفعال الإنسان وما يلقى من عواقبها ( ).
كما وصف بعض ما فيه من قصص ، بأنه أحسن القصص، قال الله : ﭿﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﭾ يوسف: ٣ ،أي : أبدعه طريقة وأعجبه أسلوباً وأصدقه أمثالاً وأجمعه حِكَماً وعدلا ً( ).
3- ثناء الله  على أفعاله بأنها حسنة، من حيث أنها تتضمن معنى الإتقان ومن ذلك :
قوله تعالى: ﭿ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﭾ السجدة: ٧ قال ابن عباس( ): أتقن كل شيءٍ وأحكمه ، وروي عن مجاهد( ) أيضاً نحوه ، قال ابن عباس: أما إن إست القرد ليست حسنة ، ولكنه أحكم خلقها( ).
قلت : واختار هذا القول القاسمي ( ) ( ).
وقال قتادة ( ): حسَّن خلق كل شيء، قال الماوردي( ) : " هو من أقوال ابن عباس ."( ).
قلت : واختار هذا القول الزمخشري( ).
وقوله تعالى: ﭿ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭾ التين: ٤ ، أي: لقد خلقنا الإنسان في أحسن صورة وأعدلها، وإن قوله (أحسن تقويم)؛ نعت لمحذوف ( وهو في تقويم أحسن تقويم )، فكأنه قيل: لقد خلقناه في تقويم أحسن تقويم( ).
وقال البغوي( ): أعدل قامة، وأحسن صورة، وذلك أنه خلق كل حيوان منكباً على وجهه إلا الإنسان، خلقه مديد القامة، يتناول مأكوله بيده مزيناً بالعقل والتمييز( ).
وقوله تعالى: ﭿ ﮠ ﮡ ﮢ ﭾ غافر: ٦٤ التغابن: ٣ ، أي فخلقكم في أحسن الأشكال ومنحكم أكمل الصور في أحسن تقويم( )، أي جعل كل عضو في مكان يليق به ليتم الانتفاع به( )، ﴿فأحسن﴾ تفسيريَّة ، فالمراد : صوركم أحسن تصوير حيث خلق كلاً منكم منتصب القامة بادي البشرة، متناسب الأعضاء والتخطيطات، متهيئاًَ لمزاولة الصنائع واكتساب الكمالات .( )
وقوله تعالى: ﭿ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﭾ المائدة: ٥٠ ، أي لا أحد أحسن منه حكماً تبارك وتعالى( ) والمعنى : أن حُكم الله هو الغاية في الحُسن وفي العدل ، وهو استفهام معناه التقرير ويتضمن شيئاً من التكبر عليهم .( )
وقوله تعالى: ﭿ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﭾ البقرة: ١٣٨ ، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً: هذا استفهام ومعناه النفي، أي : ولا أحد أحسن من الله صبغة،و(أحسن) هنا : لا يراد بها حقيقة التفضيل ، إذ صبغة غير الله منتف عنها الحسن، أو يراد التفضيل باعتبار من يظن أن في صبغة غير الله حسناً ، لا أن ذلك بالنسبة إلى حقيقة الشيء ، وانتصاب " صبغة " هنا على التمييز ، وهو من التمييز المنقول من المبتدأ ، ... ، والتقدير : ومن صبغته أحسن من صبغة الله ، فالتفضيل إنما يجري بين الصبغتين لا بين الصابغين .( )
وأما تضمن أفعال الله تعالى: الإحسان بمعنى الإنعام على الخلق، فمنه :
قوله تعالى: ﭿ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﭾ القصص: ٧٧ ، أي : أحسن بطاعته ، كما أحسن الله إليك بنعمته( ).
بل عند التأمل يتبين أن خلق الله الخلق إحسان إليهم( )، كما إن إلهامهم كل ما يحتاجون إليه ؛ من إحسانه إليهم وتفضله عليهم ، جل وعلا . ( )
• الأسلوب الثاني: الأمر بالإحسان والحث عليه
أمر الله سبحانه عباده بالإحسان إجمالاً يشمل معانيه كلها من: فعل الحسنات، والإتقان، والإنعام، والمراقبة لله سبحانه، فقال : ﭿ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﭾ النحل: ٩٠ ، قال ابن عطية: الإحسان هو فعل كل مندوب إليه، فمن الأشياء ما هو مندوب إليه، ومنها ما هو فرض إلا أن حد الإجزاء منه ما دخل في العدل، والتكميل الزائد على حد الإجزاء داخل في الإحسان( ).
وقال الألوسي( ) : الإحسان : أي إحسان الأعمال، والعبادة، أي الإتيان بها على الوجه اللائق بها، وهو إما بحسب الكيفية كما يشير إليه ما رواه البخاري( )، من قوله  « الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» ( )، أو بحسب الكمية، كالتطوع بالنوافل الجابرة ، لما في الواجبات من النقص، وجوز أن يكون المراد بالإحسان : الإحسان المتعدي بإلى لا المتعدي بنفسه، فإنه يقال : أحسنه وأحسن إليه ، أي : الإحسان إلى الناس والتفضل عليهم .( )
ومن الأمر بالإحسان عموماً قوله تعالى: ﭿ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﭾ القصص:٧٧ ، هكذا أمر بالإحسان مطلقاً، قال ابن جرير( ): وأحسن في الدنيا إنفاق مالك الذي آتاك الله في وجوهه وسبله كما أحسن الله إليك ووسع عليك منه وبسط لك فيه( )، وقال ابن الجوزي( ) :فيها ثلاثة أقوال هي:
أحدها: أَعْطِ فضل مالك كما زادك على قدر حاجتك.
والثاني: أَحْسِن فيما افترض عليك كما أحسن في إِنعامه إِليك.
والثالث: أحسن في طلب الحلال كما أحسن إِليك في الإِحلال ( ).
قلت :الثاني والثالث حكاها الماوردي ( )، كما أن جميع المعاني السابقة تندرج تحت معنى الآية ، ولا تعارض بينها ، بل كلها مطلوب ، والأولى حملها على العموم .
ومن الآيات التي أمر فيها بالإحسان قوله تعالى: ﭿ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨﮩ ﮪﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﭾ البقرة: ١٩٥ ، فقوله : ﭿ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﭾ البقرة: ١٩٥ ، يشمل جميع أنواع الإحسان لأنه لم يقيده بشيء دون شيء( ).
وقد جاء الأمر بالإحسان في صور مخصوصة منها قوله: ﭿ ﯠ ﯡ ﭾ البقرة:83، النساء36، الأنعام151، الإسراء23 ، قوله  : ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﭾ الإسراء: ٥٣ ، وكذلك قوله  : ﭿ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭾ العنكبوت:٤٦ ، وقوله: ﭿ ﯦ ﯧ ﯨ ﭾ البقرة: ٨٣ .
وأمر برد التحية بأحسن منها فقال  : ﭿ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﭾ النساء: ٨٦ .
وأمر أن لا يقرب مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ، فقال  : ﭿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭾ الأنعام: ١٥٢ ، الإسراء34 أي بالخصلة التي هي أحسن بمال اليتيم، وهي حفظه وتثميره( ).
وفي الحديث:« إن الله كتب الإحسان على كل شيء ، فإذا قَتَلْتُمْ ،فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وإذا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذبحَة ، وَليُحِدَّ أحدكم شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ »( )، أي : أوجب عليكم الإحسان في كل شيء ، فكلمة على بمعنى : في ، ومتعلق الكتابة محذوف والمراد بالإيجاب الندب ( ).
وهذا الأمر عام منه صلى الله عليه وسلم بالإحسان ، أولاً ، ثم مثَّل بإحسان القتل والذبح بصورة خاصة .
كما أنه قد أمر صلى الله عليه وسلم بالإحسان في صور خاصة ، منها :
1- أمره بتحسين الصوت عند قراءة القرآن : قال رسول الله  يقول:
« حسنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً »( )،
2- أمره بتحسين الكفن للميت ، قال رسول الله  : « إذا كَفَّنَ أحدكم أَخَاهُ فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَهُ »( ).
3- أمره بالإحسان إلى الجار ، قال رسول الله  : « أحسن إلى جارك تكن مؤمنا ».( )
وغيرها من الصور التي سنشير إلى بعضها في المبحث الثاني.

• الأسلوب الثالث: مدح المتصفين به والثناء عليهم ، وذكر جزائهم.
الإحسان : من أفضل منازل العبودية لأنه لب الإيمان وروحه وكماله ، وجميع المنازل منطوية فيه ( ).
قال تعالى: ﭿ ﮪﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﭾ البقرة: ١٩٥ ، فأثبت الله لهم حبه بسبب إحسانهم، فإن الله يحب المحسنين في عبادة الخالق ومعاملة الخلق( )، ومحبة الله للعبد أعظم درجات الثواب( ).
وقال سبحانه: ﭿ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭾ يونس: ٢٦ ، أي للذين أحسنوا في عبادة الله في الدنيا من خلقه فأطاعوه فيما أمر ونهى :الحسنى( ).والحسنى هي الجنة في قول أكثر المفسرين( )، والزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم في جنات عدن( ).
وقال تعالى:ﭿ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﭾ النجم: ٣١ ، أي بالمثوبة الحسنى وهي الجنة( ).
وقال تعالى: ﭿ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﭾ الرعد: ١٨ ، هي الجنة وكل ما يختص به المؤمنون من نعم الله عز وجل( )، وقال ابن الجوزي : والحسنى كل خير من الجنة فما دونها( ).
وقال تعالى: ﭿ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﭾ الرحمن: ٦٠ ، أي أن جزاء من أحسن بالطاعة أن يحسن إليه بالنعيم، ويجازيه الجنة( ).
وقال تعالى: ﭿ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﭾ النحل: ١٢٨ ، أي وهو مع الذين يحسنون رعاية فرائضهم، والقيام بحقوقه ولزوم طاعته فيما أمرهم به ونهاهم عنه( ).
وقال ابن عطية ( ): (إن الله مع الذين اتقوا) "يريد المعاصي" (ومحسنون) معناه يتزيدون فيما ندب إليه من فعل الخير( ).
وقال السعدي( ): والله مع المتقين المحسنين بعونه وتوفيقه وتسديده، وهم الذين اتقوا الكفر والمعاصي، وأحسنوا في عبادة الله بأن عبدوا الله كأنهم يرونه، فإن لم يكونوا يرونه فإنه يراهم، والإحسان إلى الخلق ببذل النفع لهم من كل وجه( ).
وقال تعالى: ﭿ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﭾ البقرة: ١١٢ ، وقوله: ﭿ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﭾ النساء: ١٢٥ ، والمحسن: هو المؤمن المطيع لله، المحسن في طاعته إياه( ).
• الأسلوب الرابع: جعل وصف الحسن لكل ما مدحه وأثنى عليه ، ومن ذلك:
1- قوله تعالى في مريم عليها السلام: ﭿ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶﭾ آل عمران: ٣٧ ،قال ابن كثير( ):أي جعلها شكلاً مليحاً، ومنظراً بهيجاً ، ويسر لها أسباب القبول، وقرنها بالصالحين من عباده تتعلم منهم العلم والخير والدين( ).
وقال أبو حيان( ): " وأنبتها نباتاً حسناً ، عبارة عن حسن النشأة والجودة في خلق وخلق ، فأنشأها على الطاعة والعبادة ( ).
2- ومن ذلك وصف الرزق بالحسن في قوله تعالى : ﭿ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﭾ هود: ٨٨ ، وقوله تعالى: ﭿ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭾ النحل: ٦٧ وقوله تعالى: ﭿﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭾ النحل: ٧٥ وقوله تعالى: ﭿ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭾ الحج: ٥٨ ، والرزق: العطاء، وهو كل ما يتفضّل به من أعيان ومنافع، ووصفه بالحسن لإفادة أنه يُرضيهم بحيث لا يطلبون غيره لأنه لا أحسن منه( ). وقيل الرزق الحسن: الحلال الطيب( ).
3- ومن ذلك وصف القرض بالحسن، قال تعالى: ﭿ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﭾ البقرة: ٢٤٥ وقوله تعالى: ﭿ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐﭾ المائدة: ١٢ وقوله تعالى: ﭿ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚ ﰛ ﰜ ﭾ الحديد: ١١ ، وقوله تعالى: ﭿ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﭾ الحديد: ١٨ ، وقوله تعالى: ﭿ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﭾ التغابن: ١٧ ، وقوله تعالى: ﭿ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﭾ المزمل: ٢٠ ، قيل الخالصة لله، وقيل الحلال، وقيل ما يخرج عن طيب نفس، وقيل الذي لا يتبعه مناً ولا أذى( ).
قلت :وكل ما سبق ؛ يشمله معنى القرص الحسن .
4- ومن ذلك وصف البلاء بالحسن، في قوله تعالى: ﭿ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭾ الأنفال: ١٧ ،ويعني به النعم الحسنة الجميلة، وذلك برمي الله المشركين( ).
5- ومن ذلك وصف المتاع بالحسن في قوله تعالى: ﭿ ﮱ ﯓ ﯔ ﭾ هود: ٣ والمتاع الحسن: سعة الرزق، ورغد العيش، والعافية في الدنيا( ) ، يعني يعيشكم عيشاً حسناً في خفض ودعة وأمن وسعة( ) .
6- ومن ذلك وصف الوعد بالحسن في قوله تعالى: ﭿ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﭾ طه: ٨٦ أي صدقاً بإنزال التوراة، وقوله : ﭿ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭾ القصص: ٦١ ، أي وعداً بالجنة وما فيها من النعيم الصرف الدائم ، لأن حسن الوعد بحسن الموعود( )، ولا شيء أحسن منه في موافقته لأمنيته وبقائه( ).
7- ومن ذلك وصف الأجر بالحسن في قوله تعالى: ﭿ ﯮﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﭾ الكهف: ٢ ، والأجر الحسن هو نعيم الجنة ورضوان الله تعالى( ).
وأضاف الحسن إلى أشياء أخرى ومن ذلك قوله تعالى: ﭿ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﭾ آل عمران: ١٤ فقوله تعالى: ﭿ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﭾ أي إنما هذا زهرة الحياة وزينتها الفانية الزائلة ﭿ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﭾ أي حسن المرجع والثواب( ).
وقوله تعالى: ﭿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝﭞ ﭟ ﭠ ﭡﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭾ
آل عمران: ١٩٥ .
فقوله ﭿ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹﭺ ﭾ أضافه إليه ونسبه إليه ليدل على أنه عظيم؛ لأن العظيم الكريم لا يعطى إلا جزيلاً، وقوله تعالى: ﭿ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭾ أي عنده حسن الجزاء لمن عمل صالحاًَ ( ).
• الأسلوب الخامس: دعاء النبي ربه بلوغ رتبة الإحسان في الأعمال.
ومن ذلك ، ما ثبت عنه، ،أنه كان يقول:« اللهم أحسنت خَلْقي فأحسن خُلُقي»( )،
وقوله : « اللهم اهدني لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إلا أنت »( ).
وأمرُه : لمعاذ ( )،  أن يقول دبر كل صلاة « اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»( ).
المبحث الثاني: أنواع الإحسان ، وصور كل منها
إن المتتبع لمدلولات نصوص القرآن والسنة النبوية التي تحدثت عن الإحسان ، يتضح له بجلاء أنواعاً متعددة من الإحسان ، وبعض هذه الأنواع يتضمن عدة صور، مما يدلل على شمولية هذا المفهوم وعمقه ، ونقف في هذا المبحث على شيء من تلك الأنواع والصور فمنها :
• النوع الأول: إحسان الله إلى الخلق ، وصوره.
يتمثل إحسان الله إلى الخلق في كل ما ينال الخلق من الله سبحانه من خير وعطاء وإيجاد، بل خلق الله لخلقه ، هو نوع من إحسان الله إليهم ، ومن صور إحسانه سبحانه إلى خلقه ما يلي :
1- خلقهم بالصورة اللائقة بهم، قال تعالى: ﭿ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﭾ السجدة:٧ ، وفي معنى الآية أقوال:
‌أ- أتقن كل شي وأحكمه، وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد.
‌ب- حسَّن خلق كل شيء ، وهو قول قتادة.
‌ج- ألهم خلقه كل ما يحتاجون إليه ،كأنه أعلمهم كل ذلك وأحسنهم.
‌د- أحسن إلى كل شيء خلقه ، فكان خلقه له إحساناً.
‌ه- أعطى كل شيء خلقه ما يحتاج إليه ثم هداه إليه.
‌و- أحسنه لم يتعلمه من أحد .( )
قلت: وجميع الأقوال الخمسة الأولى داخلة في معنى إحسان الله إلى خلقه، وكلها مراده، ولا تعارض بينها، فإن الله سبحانه فعل ذلك كله بالخلق، والقول السادس يدخل في معنى القول الأول، وهو الإتقان والإحكام، فكل أفعال الله سبحانه حسنة، منه ابتداء لم يتعلمها من أحد، ومنه قوله تعالى: ﭿ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﭾ المؤمنون: ١٤ ، وقوله : ﭿ ﯬ ﯭ ﯮ ﭾ الصافات: ١٢٥ ومعناه: أحسن الصانعين، لأن الناس يصنعون ولا يخلقون( )، ولأن العرب تسمي كل صانع خالقاً( ), من حيث قيل للإنسان على التجوز أنه يخلق، وجب أن يكون تعالى أحسن الخالقين، إذ خلقه اختراع وإيجاد من عدم، وخلق الإنسان مجاز( ).
فإن قيل:كيف الجمع بين قوله: ﭿ ﯙ ﯚ ﭾ المؤمنون: ١٤ ، وبين قوله : ﭿﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﭾ فاطر: ٣ ؟ فالجواب: أن الخلق يكون بمعنى الإيجاد، ولا يوجد سوى الله، وبمعنى التقدير، والمراد أن بني آدم قد يصورون ويقدرون ويصنعون الشيء، فالله خير المصورين والمقدرين( ).
2- الإحسان إليهم بنعمه في الدنيا التي لا تعد ولا تحصى، ومنه قوله تعالى: ﭿ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﭾ القصص: ٧٧ ، وقوله : ﭿ ﮞ ﮟ ﮠ ﭾ يوسف: ١٠٠، وقوله : ﭿ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭾ يوسف: ٢٣ ، على قول بعض المفسرين إن الضمير عائد إلى الله كما سيأتي ، في النوع الثالث .
3- الإحسان إليهم بتوفيقهم للعمل الصالح، وإعطائهم الأجر والثواب ومضاعفته لهم عليه، قال تعالى: ﭿ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﭾ النحل: ٣٠ ، الزمر:10، وقال تعالى: ﭿ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭾ آل عمران: ١٩٥ ، وقال :ﭿ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﭾ الكهف: ٢ وقال تعالى: ﭿ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﭾ الأنعام: ١٦٠ ، وقال تعالى: ﭿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭾ النمل: ٨٩ ،القصص:84، وهذا التضعيف والفضل إحسان من الله للعبد، فمن جاء بالحسنة فله خير منها، وهو الأجر المضاعف إلى عشرة أضعاف، بمعنى أن الله تعالى تفضل على العبد فوق ما تستحقه حسنته ، فالحسنة والأجر الحسن في الآخرة، وفي الدنيا: الصحة والعافية والغنيمة. ( )
4- الإحسان إليهم بإدخالهم الجنة بفضله و رحمته، لا بسبب أعمالهم، قال رسول الله  :«واعلموا أنه لن يدخل أحدكم الجنة عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: إلا أن يتغمدني الله برحمته »( ).
فوعدهم سبحانه حسن المرجع والمنقلب، فقال سبحانه: ﭿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭾ الرعد: ٢٩ ، أي حسن المنقلب وهي الجنة( ).
وقوله: ﭿ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﭾ آل عمران: ١٤٨ ، يعني وخير جزاء الآخرة، على ما أسلفوا في الدنيا من أعمالهم الصالحة، وذلك الجنة ونعيمها( ).
ووعد الله  الشهداء بالرزق الحسن وهو رزق الجنة، فقال: ﭿ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭾ الحج: ٥٨ ، والرزق الحسن هو الذي لا ينقطع أبداً، وذلك رزق الجنة( ).
ووعدهم الوعد الحسن فقال تعالى: ﭿ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭾ القصص: ٦١ أي الجنة، وما فيها من النعيم المقيم، ولذلك سماها بالحسنى( ).
وقال تعالى: ﭿ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﭾ الرعد: ١٨ ، وقوله: ﭿ ﮌ ﮍ ﮎ ﭾ الكهف: ٨٨ ، وقال : ﭿ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭾ يونس: ٢٦ ، فالحسنى : الجنة ، والزيادة : النظر إلى وجه الله( )، وقوله : ﭿ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﭾ النجم: ٣١ وقوله : ﭿ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﭾ الحديد: ١٠ ، والحسنى في هذه الآيات هي الجنة .
• النوع الثاني: إحسان العبد مع ربه ، وصوره.
إحسان العبد مع الله ، هو مراقبته جلا وعلا، وهو أعظم منازل الدين، فإن الإحسان لا يكون إلا بالإخلاص لله سبحانه في العمل، وأن يكون العمل صواباً، موافقاً للشريعة، فلا يغني إسلام القلب وحده ، ولا العمل بدون إخلاص ، بل لا نجاة إلا بهما ورحمة الله فوق ذلك( ).
قال تعالى: ﭿ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚ ﰛ ﰜ ﭾ الكهف: ١١٠ ، وقال : ﭿ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭾ هود: ٧ ، ولم يقل أكثر عملاً، بل أحسن عملاً، ولا يكون العمل حسناً حتى يكون خالصاً لله  على شريعة رسول الله ، فمتى فقد العمل واحدا من هذين الشرطين بطل وحبط( ).
وقال تعالى: ﭿ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭾ الكهف: ٧ ، فقوله: (أيهم أحسن عملاًَ)، فيها أقوال :
الأول: أيهم أحسن إعراضاً عنها، وتركاً لها.
الثاني: أيهم أحسن توكلاً علينا فينا.
الثالث: أيهم أصفى قلباً وأهدى سمعاً.
الرابع: أيهم أكثر اعتباراً بها.( )
قلتُ: وكل ما سبق يشمله معنى الآية ولا تعارض بينها، وهو ما اختاره ابن جرير فقال : " لنختبر عبادنا أيهم أترك لها وأتبع لأمرنا ونهينا، وأعمل فيها بطاعتنا" . ( )، والله أعلم..
وعلى هذا فإن إحسان العبد مع ربه هو عبادته سبحانه، وإخلاص التوحيد له فإن فعل ذلك فقد أتى بالإحسان الذي يجازيه الله عليه بالإحسان في الآخرة، قال تعالى: ﭿ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﭾ الرحمن: ٦٠ ، وإحسان العبد مع الله هو : فعل ما استحسنه الله منه، فإن الفسق ربما يكون في نظر العبد حسناً، وليس بحسن، كما قال تعالى : ﭿ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﭾ فاطر: ٨ . بل الحسن ما طلبه الله منه( ).
ويدخل في معنى إحسان العبد مع الله تنفيذ أمره فيما يتعلق بشؤون الخلق ، فإحسان العبد إلى الخلق ، صورة من صور إحسان العبد مع الله ، وهو مندرج تحت معنى الإحسان المتعدي، كما أن الأول يندرج تحت معنى الإحسان اللازم، أي بمعنى الإتقان والمراقبة، أو بمعنى الإنعام إلى الغير، وكلاهما حاصل من العبد ويطلق عليهما إحسان العبد مع الله تعالى.
وكذلك إحسان الظن بالله من الإحسان مع الله، قال :« لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله »( ).
ومعنى حسن الظن بالله : أن يظن أنه يرحمه، ويعفو عنه، وفي حالة الصحة يكون خائفاً راجياً، ويكونان بدرجة واحدة . وقيل : يكون الخوف أرجح، فإذا دنت أمارات الموت عليه غلَّب الرجاء أو محَّصة ، لأن مقصود الخوف الانكفاف عن المعاصي والقبائح، والحرص على الإكثار من الطاعات والأعمال، وقد تعذر ذلك أو معظمه في هذا الحال، فاستحب إحسان الظن بالله المتضمن للافتقار إلى الله تعالى والإذعان له ( ).
كما يدخل في معنى إحسان العبد مع الله، أن يحسن إسلامه، جاء في الحديث:« إذا أحسن أحدكم إسلامه، فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف »( ).


• النوع الثالث: إحسان العبد مع الناس ، وصوره.
يتمثل إحسان العبد مع الناس في عدة صور منها:
1- إحسان العبد إلى نفسه، كما قال تعالى: ﭿ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﭾ الإسراء: ٧ ، لأن الإنسان إنما ينفع نفسه بالعمل الصالح، كما جاء في الحديث القدسي:« يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه »( ).
فيكون العبد محسناً إلى نفسه بامتثاله الأمر واجتنابه لنهي، فينقذ نفسه من النار فيكون محسناً إليها، قال  : «كل الناس يغدوا فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها»( ).
ويتناول إحسان العبد إلى نفسه أيضا أن يحسِّن خلقه مع الناس ، فقد وصى النبي  معاذا لما أرسله إلى اليمن ، حيث يقول معاذ  : آخر ما وصاني به رسول الله  حين وضعت رجلي في الغرز أن قال :« أحسن خلقك للناس يا معاذ بن جبل »( ).
بل مدح رسول الله  ، من حسن خلقه ، وجعله من أقرب الناس وأحبهم إليه فقال ،: « إن أحبكم إليَّ وأقربكم مني في الآخرة أحاسنكم أخلاقاً، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني في الآخرة مساويكم أخلاقاً »( ).
2- إحسان العبد إلى والديه ، وهذا من أعظم الأعمال والحقوق التي قرنها الله  بحقه، قال تعالى: ﭿ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﭾ الإسراء: ٢٣ ، وقوله تعالى: ﭿ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭾ العنكبوت: ٨ ، وقوله : ﭿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔﭾ الأحقاف: ١٥ ، فأمر الله تعالى عباده بالإحسان إلى الوالدين ، بعد الحث على التمسك بتوحيده، فإن الوالدين هما سبب وجود الإنسان، ولهما عليه غاية الإحسان، فالوالد بالإنفاق، والوالدة بالإشفاق( ).
وقوله تعالى: ﭿ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﭾ البقرة: ٨٣ ، أي وأوصاهم بالوالدين إحساناً، وقرن الله  في هذه الآية حق الوالدين بالتوحيد، لأن النشأة الأولى من عند الله، والنشء الثاني وهو التربية من جهة الوالدين، ولهذا قرن تعالى الشكر لهما بشكره فقال: ﭿ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﭾ لقمان: ١٤ ، والإحسان إلى الوالدين: معاشرتهما بالمعروف والتواضع لهما وامتثال أمرهما والدعاء لهما بالمغفرة بعد مماتهما، وصلة أهل ودهما( ).
والإحسان إليهما كذلك : أن لا يؤذيهما البتة ، ويوصل إليهما من المنافع قدر ما يحتاجان إليه ، فيدخل فيه دعوتهما إلى الإيمان إن كانا كافرين، وأمرهما بالمعروف على سبيل الرفق إن كانا فاسقين( ).
وقد جاءت الوصية بالوالدين في ألفاظ القرآن على نوعين: الأول: بلفظ الإحسان، والثاني: بلفظ حسناً.
فإحسان مصدر: أحسن يحسن إحساناً، ومعناه: وصينا الإنسان أن يحسن إلى والديه إحساناً ، (وحسناً)، معناه: وصيناه بإيتاء والديه حسناً، أو بإيلاء والديه حسناً؛ أي: فعلا ذا حسن، أو ما هو في ذاته حسن لفرط حسنه( ).
على أنه قد قرأ بعض القراء : ﴿ إِحْسَاناً ﴾ بدل ﴿ حُسْناً ﴾،( ) فعلى هذه القراءة ، يكون اللفظ واحدا في جميع وصايا القرآن بالإحسان إلى الوالدين.
ومن الإحسان إلى الوالدين حسن الصحبة لهما، جاء في الحديث « من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال:ثم أبوك »( ).
والحُسْن هو العام الجامع معاني الحَسَن، والحَسَن هو البعض من معاني الحُسْن، ولذلك وصى الله به الولد مع والديه أي: جميع معاني الحسن، وأمره في سائر الناس ببعض الذي أمر به والديه( ).
3- الإحسان إلى النساء ويشمل:
‌أ- الإحسان إلى الأم: كونها أعطيت مزية في البر والإحسان على الأب، فقد تكررت الوصية بها ثلاثاًَ كما سبق.
‌ب- الإحسان إلى الزوجة: أمر الله سبحانه بأن يحسن الرجل صحبة زوجته،وأوصى النبي  بالنساء خيراً في حجة الوداع وفيها:« ألا وإن لكم على نسائكم حقاً، ولنسائكم عليكم حقاً، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذنَّ في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهنَّ عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهنَّ وطعامهنَّ»( )، هذا الإحسان إليها حال طاعتها
وكذلك أمر الله سبحانه الأزواج بالإحسان إلى الزوجات وإن نشزت الزوجة، قال تعالى: ﭿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟﭠ ﭡ ﭢﭣ ﭤ ﭥ ﭦﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭾ النساء: ١٢٨ .
قال ابن جرير: أي وأن تحسنوا أيها الرجال في أفعالكم إلى نسائكم إذا كرهتم منهن دمامة أو خلقاً، أو بعض ما تكرهون منهن،بالصبر عليهن، وإيفائهن حقوقهن وعشرتهن بالمعروف( ).
وقال الزمخشري: وأن تحسنوا بالإقامة على نسائكم، وإن كرهتموهن وأحببتم غيرهن وتصبروا على ذلك مراعاة حق الصحبة( )، والخِطاب في قوله : ﭿ ﭨ ﭩ ﭾ يحتمل عدة وجوه :
الأول: أنه للأزواج بأن يحسنوا الإقامة على نسائهم وإن كرهوهنَّ.
الثاني: أنه خطاب للزوج والمرأة بمعنى يحسن كل واحد منكما إلى صاحبه.
الثالث: أنه خطاب لغيرهما، بمعنى: وأن تحسنوا في المصالحة بينهما وتتقوا الميل إلى واحد منهما( ).
قلتُ:والإحسان مطلوب من الجميع، فيشمل جميع من ذكر أعلاه، والله أعلم.
وعلى الزوج أن يحسن إلى زوجته ، وإن كفرت إحسانه هذا ، فقد جاء في وصف بعض الزوجات أنهن يكفرن إحسان الزوج، فعن ابن عباس  قال: قال رسول الله :« أريتُ النار، فإذا أكثر أهلها النساء، يكفرن، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئاً، قالت: ما رأيتُ منك خيراً قط»( ).والعشير المقصود به هنا: الزوج، من المعاشرة ( ).
فإن تعذرت الصحبة والمعاشرة ورغب في الفراق، لزمه أن يفارقها بإحسان، قال الله تعالى: ﭿ ﮦ ﮧﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﭾ البقرة: ٢٢٩ ، وذكر ابن جرير في معنى التسريح بإحسان أقوالا:
1- يسرحها فلا يظلمها من حقها شيئاً.
2- الإحسان أن يوفيها حقها فلا يؤذيها، ولا يشتمها.
3- أن يدعها حتى تمضي عدتها ويعطيها مهراً إن كان لها عليه إذا طلقها، فذلك التسريح بإحسان، والمتعة على قدر الميسرة. ( )
وقال الألوسي: أن تسرح بإحسان: أي طلاق مصاحب له من جبر الخاطر وأداء الحقوق، وذلك إما بأن لا يراجعها حتى تبين، أو يطلقها ثلاثاً ( ).
قلتُ:والمعاني المذكورة في التسريح بإحسان متقاربة ، فكلها تفيد أن الإحسان إلى الزوجة تأدية حقها، والكف عن أذاها بأي صورة من الصور، فإذا كان الله قد حث الزوج على الإحسان إلى زوجته عند فراقها، فمن باب أولى أن تنال إحسانه عند معاشرته لها، وعليها أن تعترف له بذلك الإحسان، وأن تغض الطرف عن أي تقصير قد يحصل منه في بعض الأحيان، فإن ذلك من طبيعة البشر.
ج- الإحسان إلى البنات: قال :« من يلي من هذه البنات شيئاً، فأحسن إليهن، كن له ستراً من النار »( ) ، والمقصود بالإحسان إلى البنات هو: أن لا يقتصر على قدر الواجب بل يزيد عليه ، كما جاء في سبب ذكر الحديث .
وقال :« من عال ثلاث بنات فأدبهن وزوجهن وأحسن إليهن فله الجنة»( ). فقد جاء في بعض طرق الحديث أن الثواب يحصل لمن أحسن لواحدة فقط، فدل على أن من فعل معروفاً لم يكن واجباً عليه أو زاد على قدر الواجب عليه عد محسناً، والإحسان إلى كل أحد بحسب حاله( ).
ويشمل الإحسان إلى البنات تأديبهن أثناء التربية، والزيارة والصلة لهن بعد الزواج( ).
د - الإحسان إلى المرأة الحامل ، إذا وقعت في حد حتى تضع حملها ، فقد ورد في الحديث ، أن امرأة من جهينة ، اعترفت عند رسول الله  فقالت: إني حبلى، فدعا النبي  وليها، فقال:« أحسن إليها، فإذا وضعت فأخبرني، ففعل، فأمر بها فشدت عليها ثيابها، ثم أمر برجمها، ثم صلى عليها، فقال عمر بن الخطاب : يا رسول الله، رجمتها ثم تصلي عليها ؟! ، فقال : لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت شيئاً أفضل من أن جادت بنفسها لله؟! »( ).
قال النووي( )، رحمه الله: هذا الإحسان له سببان :
الأول:الخوف عليها من أقاربها أن تحملهم الغيرة ولحوق العار بهم أن يؤذوها، فأوصى بالإحسان إليها تحذيراً لهم من ذلك.
الثاني : أمر به رحمة لها إذ قد تابت، وحرض على الإحسان إليها لما في نفوس الناس من النفرة من مثلها، وإسماعها الكلام المؤذي ونحو ذلك ، فنهي عن هذا كله( ).
و- الإحسان إلى الأمة المملوكة : كما في قوله :« إذا أدب الرجل أمته فأحسن تأديبها وعلمها وأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها كان له أجران »( )، وفي رواية :« فأحسن غذاءها »( ).
وهذا يعني أن الإحسان إلى المملوكة يشمل : حسن التأديب : يؤدبها من غير عنف وضرب، بل بالرفق واللطف ، وحسن التغذية: بأن يطعمها مما يطعم، ولا يستأثر بطعام دونها ،وحسن التعليم :أي يعلمها أمور دينها ،ويحسن إليها بإعتاقها من الرِّق، ويجعلها حرة ،ويحسن إليها بالزواج منها، فإن فعل هذه الأمور كلها كان له أجران.
قلت: وإن كان هذا النوع لم يعد موجودا اليوم بسبب ضعف الأمة ، فيبقى حكما شرعيا معروفا حتى يأتي وقته ، وما ذاك على الله بعزيز.
4- الإحسان إلى الأقارب والجيران والأصحاب:
قال تعالى: ﭿ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﭾ النساء: ٣٦ ، ففي هذه الآية يأمر الله تعالى بعبادته وحده لا شريك له فإنه الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه في جميع الأحوال ثم أوصى بالإحسان إلى الوالدين ....لأنه تعالى جعلهما سبباً لخروج الولد من العدم إلى الوجود، ثم عطف على الإحسان إلى الوالدين الإحسان إلى القرابات من الرجال والنساء كما جاء في الحديث: « الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم صدقة وصلة »( )، ثم قال "واليتامى" لأنهم فقدوا من يقوم بمصالحهم ومن ينفق عليهم ، ثم قال : "والمساكين " وهم المحاويج من ذوي الحاجات الذين لا يجدون ما يقوم بكفايتهم ، فأمر الله تعالى بمساعدتهم بما تتم به كفايتهم ( )
وهذه الآية اشتملت على أصناف عدة أمر الله بالإحسان إليهم، ويمكن تقسيمهم إلى فئات:
الأولى: الوالدان، وقد سبق الحديث عنهما.
الفئة الثانية: الأقارب والجيران والأصحاب، وهم الذين للإنسان بهم علاقة لسبب من الأسباب، إما القرابة أو المجاورة أو المصاحبة، والمطلوب من المسلم شرعاً، الإحسان المطلق في هذه العلاقة، بحيث يفعل ما هو حسن مع هؤلاء جميعاً.
وقد نصت السنة النبوية على ضرورة الإحسان إلى الأقارب وإن أساؤوا ، فعن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا قال يا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إلي وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ فقال : « لَئِنْ كُنْتَ كما قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمْ الْمَلَّ ولا يَزَالُ مَعَكَ من اللَّهِ ظَهِيرٌ عليهم ما دُمْتَ على ذلك »( )، ومعناه: كأنما تطعمهم الرماد الحار وهو تشبيه لما يلحقهم من الألم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم، ولا شيء على هذا المحسن، بل ينالهم الإثم العظيم في قطيعته وإدخالهم الأذى عليه ، وقيل : معناه : إنك بالإحسان إليهم تخزيهم وتحقرهم في أنفسهم لكثرة إحسانك وقبيح فعلهم من الخزي والحقارة عند أنفسهم كمن يسف المل ، وقيل : ذلك الذي يأكلونه من إحسانك كالمل يحرق أحشاءهم ( ).
كما نصت السنة النبوية على ضرورة الإحسان إلى الجيران، قال : « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره »( ).
ومعنى ذلك: إن من التزم شرائع الإسلام لزمه إكرام جاره وبره، وأمر أهل الإيمان بذلك، وكل هذا تعريف بحق الجار، وحض على حفظه، وقد أوحى الله بالإحسان إليه في كتابه، وقال :« ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنه سيورثه »( ) ( ).
ويحصل امتثال الوصية به بإيصال ضروب الإحسان إليه بحسب الطاقة كالهدية والسلام وطلاقة الوجه عند لقائه وتفقد حاله ومعاونته فيما يحتاج إليه إلى غير ذلك وكف أسباب الأذى عنه على اختلاف أنواعه حسية كانت أو معنوية .( )
الفئة الثالثة: الإحسان إلى ذوي الحاجات ، وهم :
أ- الأيتام، واليتيم هو:الذي فقد أباه قبل البلوغ ، وقد أمر الله  بالإحسان إلى الأيتام عموماً، والتعامل الحسن مع أموالهم خصوصاً، قال تعالى: ﭿ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﯙ ﭾ النساء: ٣٦ ، أي يحسن إليهم ويفعل بهم عموماً ما هو حسن، ومن ذلك الإحسان إليهم في التربية، فقد جاء في الحديث: « ومن أحسن إلى يتيمة أو يتيم عنده، كنت أنا وهو في الجنة كهاتين، وقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى »( ).
وقال تعالى: ﭿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭾ الأنعام: ١٥٢، الإسراء34.
وإنما خص مال اليتيم بالذكر وإن كان مال غيره في التحريم بمثابته، لأن الطمع فيه أقوى، فكان بالذكر أولى ، وفي قوله: ﭿ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭾ أربعة أقوال:
الأول: حفظ ماله عليه إلى أن يكبر ليتسلمه .
الثاني: أن ذلك هو التجارة به .
الثالث : ألا يأخذ من الربح إذا اتجر له بالمال شيئاً.
الرابع: أن يأكل الولي بالمعروف من ماله إن افتقر، ويترك إذا استغنى، ولا يتعدى من الأكل إلى اللباس ولا غيره ، ويحتمل قولاً خامساً: أن التي هي أحسن: حفظ أصوله وتثمير فروعه ( ).
قلتُ: والأقوال السابقة بعضها يدخل في بعض ، والمقصود منها هو الحفاظ على مال اليتيم ، ويشملها معنى قوله: ﭿ ﭖ ﭗ ﭘ ﭾ ، أي بالخصلة التي هي أحسن ما يفعل بمال اليتيم.
ب- المساكين ، والمسكين هو : المتخشع المتذلل من الفاقة والحاجة وهو (مفعيل) من المسكنة، والمسكنة هي ذل الحاجة والفاقة( )
وهؤلاء يحتاجون إلى الإحسان إليهم بمعنى معاملتهم بالحسنى لضعفهم وقلة حيلتهم، ويحتاجون إلى الإنعام عليهم لحاجتهم إليه بسبب الفقر والحاجة.
ج- ابن السبيل : وهو المسافر المجتاز الذي قد فرغت نفقته فيعطي ما يوصله إلى بلده ، وكذا الذي يريد سفرا في طاعة ، وهو محتاج ؛ فيعطى ما يكفيه في ذهابه وإيابه( ) .
د- المماليك : وهم الأرقاء ، وقد أمر الله بالوصية بهم ؛ لأن الرقيق ضعيف الحيلة أسير في أيدي الناس( ) وقد ثبت أن رسول الله  جعل يوصي أمته في مرض الموت يقول :« الصلاة، الصلاة، وما ملكت أيمانكم ، فجعل يرددها حتى ما يفيص _ بالصاد المهملة _ بها لسانه »( ) ، أي ما يقدر على الإفصاح بها( )
5- الإحسان إلى من له حق، بإعطائه حقه من غير مطل ولا نقص ولا إساءة، وقد جاء الأمر بذلك على وجه الخصوص في حالتين:
الأولى: من أعفي عن القصاص إلى الدية، قال تعالى: ﭿ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﭾ البقرة: ١٧٨ ، أي على المطلوب منه أداء الدية بالإحسان من غير مماطلة( ) ، من غير أن يبخسه حقًّا له قبله بسبب ذلك، أو يحوجه إلى اقتضاءٍ ومطالبة( )، فهل جزاء الإحسان إليه بالعفو إلا الإحسان بحسن القضاء( ).
الثانية: الأمر بحسن قضاء الدين لصاحبه، جاء في حديث أبي رافع:« أن رسول الله  استلف من رجل بكراً ( ) فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكراً، فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا خياراً رباعياً، فقال: أعطه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء »، وفي رواية:« وخيركم أحسنكم قضاء »( ).
6- الإحسان إلى المدعوين عموماً، قال الله تعالى: ﭿ ﯦ ﯧ ﯨ ﭾ البقرة: ٨٣ ، واختلف المفسرون في معناها، فقال ابن عباس: قولوا لهم: لا إله إلا الله ومروهم بها، وقال ابن جريح ( ): قولوا لهم : حسناً في الإعلام بما في كتابكم من صفة رسول الله ، وقال أبو العالية ( ): قولوا لهم: القول الطيب وجاوبوهم بأحسن ما تحبون أن تجاوبوا به ، وقال سفيان الثوري( ): مروهم بالمعروف، وانهوهم عن المنكر، وقال ابن عباس أيضاً: صدقاً في أمر محمد  ( ).
قلت: وهذه الآية وإن كان سياقها في بني إسرائيل ،على القول بأن الخطاب لهم ؛ إلا أن الأمر بها عاماً لجميع المؤمنين، ولذلك من فسرها بالإخبار عن صفة محمد ونحوه إنما نظر إلى سياقها ، وما ذكروه كذلك يدخل في عموم القول الحسن.
وقال تعالى: ﭿ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱﭾ النحل: ١٢٥ ، فالموعظة الحسنة هي التي لا يخفى عليهم أنك تناصحهم بها، وتقصد ما ينفعهم فيها، ويجوز أن يريد القرآن، ادعهم بالكتاب الذي هو حكم وموعظة وحسنة( )، وقيل الموعظة الحسنة هي الدعاء إلى الله بالترغيب والترهيب، وقيل: هو قول اللين الرقيق من غير تغليظ ولا تعنيف( ).
والمجادلة بالتي هي أحسن، ذكر فيها ابن الجوزي أقوالاً:
الأول: جادلهم بالقرآن.
الثاني: جادلهم بلا إله إلا الله.
الثالث: جادلهم غير فظ ولا غليظ وألن لهم الجانب. ( )
قلت: ولا تعارض بين هذه الأقوال، فكلها يشملها المعنى العام للآية فالمجادلة بالتي هي أحسن ، هي: المخاصمة والمناظرة بالتي هي أحسن من غيرها، وأن تصفح عما قالو في عرضك من الأذى،.
وقال تعالى: ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﭾ الإسراء: ٥٣ يأمر تبارك وتعالى عبده ورسوله محمداً  ، أن يأمر عباد الله المؤمنين أن يقولوا في مخاطبتهم ومحاورتهم الكلام الأحسن والكلمة الطيبة، فإنه إذا لم يفعلوا ذلك نزغ الشيطان بينهم( )، وعلى هذا يكون معنى الآية عاماً.
وذهبت طائفة إلى أن الله أمر في هذه الآية المؤمنين فيما بينهم خاصة بحسن الأدب وإلانة القول وخفض الجناح واطراح نزغات الشيطان( ).
وقال الله تعالى: ﭿ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﭾ المؤمنون: ٩٦ ، أمر بالصفح ومكارم الأخلاق وما كان منها ، لهذا فهو حكم باق في الأمة أبداً وما كان فيها من معنى موادعة الكفار وترك التعرض لهم والصفح عن أمورهم فمنسوخ بالقتال( ).
قلتُ: والذي يظهر لي من أقوال أهل العلم أن آيات الصفح والعفو عن الكفار غير منسوخة مطلقاً بآيات القتال والسيف، بل مرتبطة بحالة المسلمين من حيث القوة والضعف، فإن كان المؤمنون في مرحلة استضعاف ،كما كان حال المؤمنين بمكة لزمهم الإعراض عنهم والصفح وعدم التعرض لهم، وإن كان المؤمنون في مرحلة قوة، كما كان حالهم في المدينة ، وجب عليهم دفع شر الكفار وقتالهم، والله أعلم.
7- إحسان العبد مع سيده: ومنه قوله تعالى، على لسان يوسف، عليه السلام: ﭿ ﭞ ﭟ ﭠﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭾ يوسف: ٢٣ ، قال القاضي أبو محمد بن عطية : " ومعاذ " نصب على المصدر ، ومعنى الكلام : أعوذ بالله ، ثم قال: "إنه ربي"، فيحتمل أن يعود الضمير في" إنه" على الله عز وجل، ويحتمل أن يريد العزيز سيده، أي فلا يصلح لي أن أخونه وقد أكرم مثواي وائتمنني ، قال مجاهد والسدي : ربي معناه سيدي، وقاله ابن إسحاق ، وإذا حفظ الآدمي لإحسانه ، فهو عمل زاكٍ وأحرى أن يحفظ ربه ".( )
وقال الزجاج( ) : إن الضمير لله سبحانه : أي إن الله ربي تولاني بلطفه فلا أركب ما حرمه ( ).
قال ابن تيمية( ) : والمراد بربه، في أصح القولين هنا سيده، وهو زوجها الذي اشتراه من مصر الذي قال لامرأته : أكرمي مثواه ( ).
وقوله تعالى على لسان يوسف : ﭿ ﮞ ﮟ ﮠ ﭾ يوسف: ١٠٠ ، أي : أوقع وناط إحسانه بي فهذا منحى في وصول الإحسان بالباء وقد يقال أحسن إلي وأحسن في .... وهذه المناحي مختلفة المعنى وأليقها بيوسف، قوله : بي، لأنه إحسان درج فيه دون أن يقصد هو الغاية التي صار إليها ( ).

• النوع الرابع:الإحسان مع باقي الخلق ويشمل:
1- الحيوان، قال :« إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته»( ).
وهذا الحديث يدل على وجوب الإحسان في كل شيء من الأعمال، لكن إحسان كل شيء بحسبه، فالإحسان في قتل ما يجوز قتله من الناس والدواب، إزهاق نفسه على أسرع الوجوه وأسهلها وأرحمها من غير زيادة في التعذيب، فإنه إيلام لا حاجة إليه، وهذا النوع هو الذي ذكره النبي  في الحديث ولعله ذكره على سبيل المثال، أو للحاجة إلى بيانه في تلك الحال، فقال:« فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة »، والقتلة والذبحة ، بالكسر أي: الهيئة والمعنى :أحسنوا هيئة الذبح وهيئة القتل، وهذا يدل على وجوب الإسراع في إزهاق النفوس التي يباح إزهاقها على أسهل الوجوه( ).
ومن الإحسان إلى الحيوان إطعامه جاء في الحديث : « في كل كبد رطبة أجر »( ) ومعناه : إن الإحسان إلى كل حيوان حي بسقيه ونحوه ، فيه أجر ، وسمى الحي ذا كبد رطبة، لأن الميت يجف جسمه وكبده، ففي هذا الحديث الحث على الإحسان إلى الحيوان المحترم وهو ما لا يؤمر بقتله( )
2- البيئة والطريق ، وذلك بنظافتها ، فقد جعل النبي  ، إماطة الأذى عن الطريق من محاسن الأعمال ، قال :« عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها، فوجدت من محاسن أعمالها :الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها :النخامة تكون في المسجد لا تدفن»( ).

المبحث الثالث: ثمرات الإحسان في الدنيا والآخرة
مما لاشك فيه أن عمل المحسنين لا يضيع عند ربهم ، بل يجدون أثره ، وثمرته في حياتهم ، وبعد مماتهم ، وليست تلك الثمرات والآثار العظيمة للإحسان بخافية على من تتبع نصوص القرآن الكريم والسنة الصحيحة ، فالمحسن يجد أثر ذلك في حياته الدنيوية ، وهي عاجل بشرى المؤمن ، أما في الآخرة فكثيرة جدا ، وهذا من فضل الله وكرمه على عباده المحسنين .
• أولاً: ثمرات الإحسان في الدنيا:
1- الجزاء الحسن من الله تعالى للمحسنين بسب إحسانهم ، بالثناء والذكر الحسن في الدنيا ، حيث جاء التعقيب بقوله تعالى: ﭿ ﮄ ﮅ ﮆ ﭾ ولم يقل العاملين مما يشعر بأن الجزاء إنما هو على الإحسان في العمل لا على مجرد العمل فقط ، وأن الغاية من التكليف إنما هي الإحسان في العمل( )، وقد تكرر التعقيب بقوله تعالى: ﭿ ﮄ ﮅ ﮆ ﭾ بعد ذكر مجموعة من الأنبياء والرسل وكذلك بعد ذكر المتقين ، فمن ذلك :
قوله تعالى: ﭿ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱﭲ ﭳ ﭴﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﭾ الأنعام: ٨٤ ومعنى الآية : كما أصلحنا ذرية إبراهيم الخليل لأنه أحسن في عبادة ربه وأحسن في نفع الخلق كذلك نجزي المحسنين بأن نجعل لهم من الثناء الصدق والذرية الصالحة بحسب إحسانهم( ).
وقوله تعالى: ﭿ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﭾ يوسف: ٢٢ والمعنى :كما جزيت يوسف فآتيته بطاعته إياي الحكم والعلم ومكنته في الأرض واستنقذته من أيدي إخوته الذين أرادوا قتله كذلك نجزي من أحسن في عمله فأطاعني في أمري وانتهى عما نهيته عنه من معاصي ، وهذا وإن كان مخرج ظاهره على كل محسن فإن المراد به محمد نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول له عز وجل كما فعلت هذا بيوسف من بعد ما لقي من إخوته ما لقي وقاسى من البلاء ما قاسى فمكنته في الأرض ووطأت له في البلاد فكذلك أفعل بك فأنجيك من مشركي قومك الذين يقصدونك بالعداوة وأمكن لك في الأرض وآتيتك الحكم والعلم لأن ذلك جزائي أهل الإحسان في أمري ونهيي( )، وكذلك أي مثل ذلك الجزاء العجيب ؛ نجزي المحسنين ، أي كل من يحسن في عمله فيجب أن يكون ذلك بعد انقضاء أعماله الحسنة التي من جملتها معاناة الأحزان والشدائد( )..
وقوله تعالى: ﭿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭾ القصص:١٤ ، أي: وكذلك نجزي المحسنين في عبادة الله المحسنين لخلق الله نعطيهم علما وحكما بحسب إحسانهم ودل هذا على كمال إحسان موسى  ( )..
وقوله تعالى: ﭿ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭾ الصافات: ٧٩ - ٨٠ ، قوله تعالى: ﭿ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭾ الصافات: مفسر لما أبقى عليه من الذكر الجميل والثناء الحسن أنه يسلم عليه في جميع الطوائف والأمم ، ﭿ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭾ أي هكذا نجزي من أحسن من العباد في طاعة الله تعالى نجعل له لسان صدق يذكر بعده بحسب مرتبته في ذلك ( ).
وقوله تعالى: ﭿ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭾ الصافات: ١٠٤ - ١٠٥ والمعنى: إنا كما عفونا عن إبراهيم عن ذبح ولده ؛ نجزي من أحسن في طاعتنا ، وقال مقاتل: جزاه الله بإحسانه في طاعته العفو عن ذبح ابنه( ).
وقوله تعالى: ﭿ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﭾ الصافات: ١٢٠ - ١٢١ قوله تعالى: كذلك نجزي المحسنين، يقول: كما جزينا إبراهيم على طاعته إيانا وإحسانه في الانتهاء إلى أمرنا كذلك نجزي المحسنين، إنه من عبادنا المؤمنين يقول: إن إبراهيم من عبادنا المخلصين لنا الإيمان( ).
وقوله تعالى: ﭿ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭾ الصافات: ١٣٠ - ١٣١ يقول تعالى ذكره إنا هكذا نجزي أهل طاعتنا والمحسنين أعمالاً وقوله : ﭿ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭾ ، يقول: إن إلياس عبد من عبادنا الذين آمنوا فوحدونا وأطاعونا ولم يشركوا بنا شيئا( ).
كما قد جاء التنصيص على نوع خاص من الإحسان لبعض أنبيائه بسبب إحسانهم:
‌أ- إحسان الله إلى إبراهيم ، قال تعالى: ﭿ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ النحل: ١٢٢ ، آتيناه على قنوته لله وشكره له على نعمه، وإخلاصه العبادة له في هذه الدنيا ذكراً حسناً وثناءً جميلاً باقياً على الأيام( )، وقال ابن كثير: جمعنا له خير الدنيا من جميع ما يحتاج المؤمن إليه في إكمال حياته الطيبة( ).
‌ب- إحسان الله إلى يوسف  ، قال تعالى: ﭿ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﭾ يوسف: ١٠٠ ، أي أوقع إحسانه بي تصديقاً لما بشرني به من تمام النعمة، وتعديه " أحسن " بالباء أدل على القرب من التعدية بإلى ، وقيل: ضُمِّن معنى اللطف، فتعدى بالباء كقوله تعالى: ﭿ ﯠ ﯡ ﭾ ( )
‌ج- إحسان الله إلى موسى ، ، قال تعالى: ﭿ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﭾ الأنعام: ١٥٤ ، وقد وردت عدة أقوال في معنى الآية( )، وأولى هذه الأقوال بالصواب عند ابن جرير هو قول من قال: معناه: ثم آتينا موسى الكتاب تماماً لنعمنا عنده ، على الذي أحسن موسى في قيامه بأمرنا ونهينا ، لأن ذلك أظهر معانيه في الكلام ، وإن إيتاء موسى كتابه نعمة من الله عليه ومنة عظيمة ، فأخبر جل ثناؤه، أنه أنعم بذلك عليه لما سلف له من صالح عمل وحسن طاعة( ).
2- استماع الله سبحانه ، استماعا يليق به سبحانه ، إلى من يقرأ القرآن بصوت حسن، عن أبي هريرة ( ) قال: قال رسول الله  :« ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به »( )، وعن فضالة بن عبيد ( ) قال: قال رسول الله :« لله أشد أذناً إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن يجهر به من صاحب القينة إلى قينته»( ). والقينة الأمة ، غنت أو لم تغن ، والماشطة وكثيرا ما تُطلق على المغنية في الإماء وجمعها قينات ( )، وأذِن : بكسر الذال، قال العلماء: معنى أذن الله : الاستماع ، ومنه قوله تعالى: ﭿ ﭠ ﭡ ﭢ ﭾ الانشقاق: ٢، 5( ).
وقال رسول الله ، :« حسنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً »( )، والمراد بقوله : حسنوا أصواتكم أي زينوا أصواتكم بالترتيل، والجهر به وتحسين والصوت( ).
3- حب الله تعالى للمحسنين قال تعالى: ﭿ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭾ آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤ ، يجوز أن تكون اللام للجنس ، فيتناول كل محسن ويدخل تحته هؤلاء المذكورون ، وأن تكون للعهد ، فيكون إشارة إلى هؤلاء ، واعلم أن الإحسان إلى الغير : إما أن يكون بإيصال النفع إليه أو بدفع الضرر عنه ، أما إيصال النفع إليه فهو المراد بقوله: ﭿ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭾ ويدخل فيه إنفاق العلم وذلك بأن يشتغل بتعليم الجاهلين وهداية الضالين ويدخل فيه إنفاق المال في وجوه الخيرات والعبادات وأما دفع الضرر عن الغير فهو إما في الدنيا وهو أن لا يشتغل بمقابلة تلك الإساءة بإساءة أخرى وهو المراد بكظم الغيظ وإما في الآخرة وهو أن يبرئ ذمته عن التبعات والمطالبات في الآخرة وهو المراد بقوله تعالى:
ﭿ ﭥ ﭦ ﭧﭨ ﭾ ، فصارت هذه الآية من هذا الوجه دالة على جميع جهات الإحسان إلى الغير ، ولما كانت هذه الأمور الثلاثة في كونها إحساناً إلى الغير ذكر ثوابها فقال: ﭿﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭾ ، فإن محبة الله للعبد أعظم درجات الثواب( ) .
وتكرر ذكر محبة الله للمحسنين في خمسة مواطن ، قال تعالى: ﭿ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﭾ البقرة: ١٩٥ وقال تعالى: ﭿ ﭩ ﭪ ﭫ ﭾ آل عمران: ١٣٤ ، وقال تعالى: ﭿ ﰁ ﰂ ﰃ ﭾ آل عمران: ١٤٨، قال تعالى : ﭿ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﭾ المائدة: ١٣ ، وقال تعالى : ﭿ ﮜ ﮝ ﮞ ﭾ المائدة: ٩٣.
4- معية الله الخاصة للمحسنين، قال تعالى: ﭿ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﭾ العنكبوت: ٦٩، وقال تعالى: ﭿ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﭾ النحل: ١٢٨، أي : وهو سبحانه معهم بالنصرة والمعونة والحفظ والهداية ومع الجميع بالإحاطة والقدرة فبين المعيتين بون( ).
5- قرب رحمة الله من المحسنين، قال تعالى: ﭿ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﭾ الأعراف: ٥٦ ، فقوله تعالى:
ﭿ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﭾ ينهى تعالى عن الإفساد في الأرض، وما أضره بعد الإصلاح، فإنه إذا كانت الأمور ماشية على السداد، ثم وقع الإفساد بعد ذلك كان أضر ما يكون على العباد، فنهى تعالى عن ذلك وأمر بعبادته ودعائه والتضرع إليه والتذلل لديه فقال: ﭿ ﯙ ﯚ ﯛ ﭾ أي خوفاً مما عنده ومن وبيل العقاب وطمعاً فيما عنده من جزيل الثواب، ثم قال: ﭿ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﭾ قال: قريب ولم يقل قريبة، لأنه ضمن الرحمة معنى الثواب لأنها مضافة إلى الله فلهذا قال قريب من المحسنين ( ) ، أي: إن رحمته مرصدة للمحسنين الذين يتبعون أوامره ويتركون زواجره كما قال تعالى:
ﭿ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲﭾ الأعراف: ١٥٦ ( ).
وقوله تعالى : ﭿ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﭾ الأعراف: ٥٦ له دلالة بمنطوقه، ودلالة بإيمائه وتعليله ، ودلالة بمفهومه ،فدلالته بمنطوقه على قرب الرحمة من أهل الإحسان،ودلالته بإيمانه وتعليله على أن هذا القرب مستحق بالإحسان هو السبب في قرب الرحمة منهم ، ودلالته بمفهومه على بعده من غير المحسنين ، هذه ثلاث دلالات لهذه الجملة ، وإنما اختص أهل الإحسان بقرب الرحمة ، لأنها إحسان من الله عز وجل أرحم الراحمين ، وإحسانه تبارك وتعالى إنما يكون لأهل الإحسان، لأن الجزاء من جنس العمل ، وكلما أحسنوا بأعمالهم ؛أحسن إليهم برحمته وأما من لم يكن من أهل الإحسان ؛ فإنه لما بعد عن الإحسان بعدت عنه الرحمة ، بعد ببعد ، وقرب بقرب، فمن تقرب إليه بالإحسان ، تقرب الله إليه برحمته ، ومن تباعد عن الإحسان تباعد الله عنه برحمته ، والله سبحانه يحب المحسنين ، ويبغض من ليس من المحسنين ، ومن أحبه الله فرحمته أقرب شيء منه، ومن أبغضه الله فرحمته أبعد( )
وحاصل ما ذكر الله من آداب الدعاء الإخلاص فيه لله وحده، لأن ذلك يتضمنه الخفية، وإخفاؤه وإسراره أن يكون القلب خائفاً طامعاً لا غافلاً ولا آمناً، ولا غير مبال بالإجابة وهذا من إحسان الدعاء، فإن الإحسان في كل عبادة بذل الجهد فيها وأداؤها كاملةً، لا نقص فيها بوجه من الوجوه ولهذا قال: ﭿ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﭾ في عبادة الله المحسنين إلى عباد الله فكلما كان العبد أكثر إحسانا كان أقرب إلى رحمة ربه، وكان ربه قريباً منه برحمته وفي هذا من الحث على الإحسان ما لا يخفى( ).
6- الإحسان يصير العدو صديقا، قال تعالى: ﭿ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﭾ فصلت: ٣٤ ، قوله :"ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن" ، يعنى إن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما فخذ بالحسنة التي هي أحسن من أختها إذا اعترضتك حسنتان فادفع بها السيئة التي ترد عليك من بعض أعدائك كما لو أساء إليك رجل إساءة فالحسنة إن تعفو عنه ، " والتي هي أحسن " إن تحسن إليه مكان إساءته إليك مثل إن يذمك فتمدحه ... "فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم " فإنك إذا فعلت ذلك انقلب عدوك المشاق مثل الولي الحميم مصافاة لك ... وكان القياس على هذا التفسير إن يقال : ادفع بالتي هي حسنة ، ولكن وضع التي هي أحسن موضع الحسنة ليكون أبلغ في الدفع بالحسنة لأن من دفع بالحسنى هان عليه الدفع بما دونها( ).
7- الإحسان سبب للبشرى في الدنيا قال تعالى: ﭿ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﭾ الأحقاف: ١٢.
قوله:" لينذر الذين ظلموا" ، أي : لينذر هذا الكتاب الذي أنزلناه إلى محمد عليه الصلاة والسلام الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بالله بعبادتهم غيره، وقوله: "وبشرى للمحسنين " ، أي : وهو بشرى للذين أطاعوا الله فأحسنوا في إيمانهم، وطاعتهم إياه في الدنيا فحسن الجزاء من الله لهم في الآخرة على طاعتهم إياه( ).
• ثانياً: ثمرات الإحسان في الآخرة:
1- الوعد من الله بعدم ضياع أجر المحسن، قال تعالى: ﭿ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﭾ يوسف:٥٦ وقال تعالى: ﭿ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﭾ يوسف: ٩٠ ، وقال تعالى: ﭿ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﭾ هود: ١١٥.
وإحسان العمل أن يريد العبد به وجه الله  متبعاً في ذلك شرع الله، فهذا العمل لا يضيعه الله، ولا شيئاً منه بل يحفظه للعاملين، ويوفيهم من الأجر بحسب عملهم وفضله وإحسانه( )، ويجازيه بطاعته وعمله الحسن جنات عدن تجري من تحتها الأنهار( ).
2- حصول الأجر العظيم من الله للمحسن، قال تعالى: ﭿ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﭾ آل عمران: ١٧٢ ، وقال : ﭿ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﭾ البقرة: ١١٢.
وقال تعالى: ﭿ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﭾ المرسلات: ٤٣ - ٤٤ وقوله: ﭿ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﭾ ، يقول: إنا كما جزينا هؤلاء المتقين بما وصفنا من الجزاء على طاعتهم إيانا في الدنيا، كذلك نجزي ونثيب أهل الإحسان في طاعتهم إيانا وعبادتهم لنا في الدنيا على إحسانهم لا نضيع في الآخرة أجرهم( ). ﭿ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯲ ﭾ أي يقال لهم ذلك على سبيل الإحسان إليهم، ثم قال تعالى مخبراً خبراً مستأنفاً ﭿ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﭾ أي هذا جزاؤنا لمن أحسن العمل( ).
3- دخول الجنة ، ورؤية الله سبحانه ، قال تعالى: ﭿ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭝ ﭞ ﭟ ﭠﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭾ يونس: ٢٦ ، أي للذين أحسنوا العمل في الدنيا الحسنى وهي الجنة وزيادة ،وهي النظر إلى وجه الله الكريم، وهذا قول جماعة من الصحابة والتابعين ( ).
وقد ثبت تفسيرها بذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا دخل أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ ، قال يقول الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى تُرِيدُونَ شيئا أَزِيدُكُمْ فَيَقُولُونَ أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وتنجينا من النَّارِ قال فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فما أُعْطُوا شيئا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ من النَّظَرِ إلى رَبِّهِمْ عز وجل " ، وفي رواية:" ثُمَّ تَلَا هذه الآيَةَ ﭿ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭖ ﭾ " ( )، وقال تعالى: ﭿ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﭾ الذاريات: ١٦ وقال جماعة من المفسرين : معنى قوله "آخذين ما آتاهم ربهم " ، أي: محصلين لنعم الله التي أعطاهم من جنته ورضوانه، وهذه حال متصلة في المعنى بكونهم في الجنات، وهذا التأويل أرجح عندي لاستقامة الكلام به وقوله: "قبل ذلك"، يريد في الدنيا محسنين؛ بالطاعة والعمل الصالح ( ).
4- زيادة الله في الثواب للمحسنين ، قال تعالى: ﭿ ﭤ ﭥ ﭾ
البقرة: ٥٨ ، وقال تعالى: ﭿ ﮕ ﮖ ﮗ ﭾ الأعراف: ١٦١ أي ثواباً من فضلنا( ).
5- تكفير السيئات، قال تعالى: ﭿ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﭾ الزمر: ٣٣ - ٣٥ ، فجزى هؤلاء المحسنين ربهم بإحسانهم ، كي يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا في الدنيا من الأعمال فيما بينهم وبين ربهم، بما كان منهم فيها من توبة وإنابة ، مما اجترحوا من السيئات فيها ، "ويجزيهم أجرهم " أي: ويثيبهم ثوابهم بأحسن الذي كانوا في الدنيا يعملون مما يرضى الله عنهم دون أسوئها( ). فيكفر عنهم السيئات، ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون ، أي : بأحسن أجور أعمالهم يضاعف الحسنات إلى عشرة أضعاف إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله ، والله أعلم .
* * *

الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبعد فقد استمتعت بكتابة هذا البحث، وطاف بي في محطات قيمة من نصوص الوحيين الشريفين وخرجت بهذه النتائج:
1- إن الإحسان في اللغة يستخدم لازما فيكون معناه الإتقان ومتعديا فيكون معناه الإنعام.
2- إن الإحسان في الاصطلاح يطلق على معان هي: فعل الحسنات، أو الإنعام على الناس، أو مراقبة الله تعالى.
3- تعددت أساليب القرآن والسنة في الدعوة إلى الإحسان وتنوعت حيث وصف الله أسماءه بالحسنى وأخبر عن أفعاله أنها حسنة ،وأمر بالإحسان وحث عليه ، ومدح المتصفين به وأثنى عليهم ، وذكر جزاءهم ، بل جعل وصف الحسن لكل ما مدحه وأثنى عليه مما هو مرضي ، أو كامل، ،كما دعا النبي ربه أن يبلغه رتبة الإحسان في الأعمال.
4- إحسان الله إلى الخلق، وله صور منها : خلقهم بالصورة اللائقة والإحسان إليهم بإدخالهم الجنة بفضله ورحمته، لا بسبب أعمالهم والإحسان إليهم بتوفيقهم للعمل الصالح، وإعطائهم الأجر والثواب ومضاعفته لهم عليه، والإحسان إليهم بنعمه في الدنيا التي لا تعد ولا تحصى.
5- إحسان العبد مع ربه، و هو مراقبته جلا وعلا ويدخل في معنى إحسان العبد مع الله، تنفيذ أمره وكذلك إحسان الظن بالله من الإحسان مع الله .
6- إحسان العبد مع الناس ، وله صور منها : إحسان العبد مع نفسه، وإحسان العبد إلى الناس، ويشتمل: إحسانه إلى الوالدين، والإحسان إلى النساء ويشمل: الأم والزوجة والبنات والأمة المملوكة، والإحسان إلى الأقارب والجيران والأصحاب ،والإحسان إلى من له حق عندك، بإعطائه حقه من غير مطل ولا نقص ولا إساءة، والإحسان إلى المدعوين عموماً.
7- الإحسان مع باقي الخلق: ويشمل الحيوان والبيئة ونحوهما .
8- من ثمرات الإحسان في الدنيا :الجزاء الحسن من الله للمحسنين بسبب إحسانهم ، واستماع الله سبحانه إلى من حسن صوته بقراءة القرآن ،وحب الله تعالى للمحسنين، و معية الله الخاصة للمحسن ، وقرب رحمة الله من المحسنين كما أن الإحسان يصير العدو صديقا .
9- من ثمرات الإحسان في الآخرة : الوعد من الله بعدم ضياع أجر المحسن،وحصول الأجر العظيم من الله للمحسن، ودخول الجنة ورؤية الله، وزيادة الله في الثواب للمحسنين، وتكفير السيئات، وغير ذلك من الفوائد والثمار التي لا يعلمها إلا هو سبحانه. والله أعلم ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

قائمة المصادر والمراجع
1- الاستيعاب في معرفة الأصحاب، تأليف: يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر، دار النشر: دار الجيل - بيروت - 1412، الطبعة: الأولى، تحقيق: علي محمد البجاوي
2- أسد الغابة في معرفة الصحابة، تأليف: عز الدين بن الأثير أبي الحسن علي بن محمد الجزري، دار النشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت / لبنان - 1417 هـ -1996 م ، الطبعة: الأولى، تحقيق: عادل أحمد الرفاعي
3- أضواء البيان ، لمحمد الأمين الشنقيطي، دار الفكر، بيروت ط/ 1415 هـ.
4- الأعلام ، تأليف خير الدين الزركلي ، دار العلم للملايين ، بيروت ، الطبعة الرابعة عشرة ،1999 م
5- إكمال المعلم بشرح صحيح مسلم، للقاضي عياض ،دار الوفاء، مصر ،ط/1، 1419هـ
6- البداية والنهاية، تأليف: إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي أبي الفداء، دار النشر: مكتبة المعارف – بيروت
7- بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز للفيروز أبادي، ، المكتبة العلمية ، بيروت. بدون تاريخ
8- التحرير والتنوير لابن عاشور، دار سحنون، تونس .
9- تاريخ بغداد، تأليف: أحمد بن علي أبي بكر الخطيب البغدادي، دار النشر: دار الكتب العلمية – بيروت.
10- تحفة الأحوذي بشرح سنن الترمذي للمباركفوري ، دار الكتب العلمية بيروت ، بدون تاريخ
11- تذكرة الحفاظ،لمحمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي ، ،دار إحياء التراث العربي، بيروت.
12- التعريفات الاعتقادية، لسعد بن محمد آل عبد اللطيف، دار الوطن، الرياض ط1 1422هـ.
13- التعريفات للجرجاني، تحقيق إبراهيم الأبياري، دار الريان .
14- تفسير أيي السعود محمد العمادي ، "إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم" ،دار إحياء التراث العربي، بيروت. بدون تاريخ
15- تفسير البحر المحيط ، لأبي حيان ، دار الكتب العلمية بيروت ، ط/1، 1422هـ
16- تفسير تيسر الكريم الرحمن ، لعبد الرحمن السعدي، دار المدني ، جدة، 1408 هـ
17- روح المعاني للألوسي، دار إحياء التراث العربي، بيروت. بدون تاريخ
18- جامع البيان عند تأويل القرآن جامع البيان في تأويل القرآن" ، تحقيق د/عبد المحسن التركي، دار هجر، القاهرة، ط/ 1، 1422هـ
19- تفسير القرآن العظيم لابن كثير: تحقيق مجموعة من الباحثين، ومؤسسة قرطبة ، ط/ 1، 1421هـ
20- " الجامع لأحكام القرآن " لابن عبد الله محمد بن أحمد القرطبي ، دار الكتب العلمية بيروت ، ط/ 1، 1417هـ..
21- تقريب التهذيب، تأليف: أحمد بن علي بن حجر أبي الفضل العسقلاني الشافعي، دار النشر: دار الرشيد - سوريا - 1406 - 1986، الطبعة: الأولى، تحقيق: محمد عوامة
22- جامع العلوم والحكم، لابن رجب الحنبلي، دار ابن حزم، بيروت، ط/1،1418هـ.
23- جلاء العينين في محاكمة الأحمدين ، لنعمان بن محمود ، الآلوسي ، مطبعة المدني، ط/ 1401 هـ - .
24- حاشية السندي على سنن النسائي ، تحقيق : عبد الفتاح أبو غدة،مكتب المطبوعات الإسلامية ، حلب ، ط/2،1406هـ
25- الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب،لابن فرحون ، دار الكتب العلمية ، بيروت.
26- ذيل التقييد في رواة السنن والمسانيد، تأليف: محمد بن أحمد الفاسي المكي أبي الطيب، دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت - 1410، الطبعة: الأولى، تحقيق: كمال يوسف الحوت
27- زاد المسير في علم التفسير،لعبد الرحمن بن الجوزي، المكتب الإسلامي ، الطبعة الثالثة ، 1404هـ.
28- السراج المنير، للخطيب الشربيني دار إحياء التراث، ط/1، 1425هـ بيروت.
29- سنن ابن ماجة .تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر ، بيروت بدون تاريخ
30- سنن أبي داوود. تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، دار الفكر ، بيروت بدون تاريخ
31- سنن الدارمي. تحقيق فواز احمد ،دار الكتاب العربي ، بيروت بدون تاريخ
32- سنن النسائي الكبرى.تحقيق عبد الغفار سليمان ، دار الكتب العلمية، بيروت، بدون تاريخ
33- سنن النسائي الصغرى .تحقيق عبد الفتاح أبو غدة ، مكتب المطبوعات الإسلامية ، حلب بدون تاريخ
34- سير أعلام النبلاء ، لشمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد الذَهَبي،تحقيق : مجموعة محققين بإشراف شعيب الأرناؤوط، الناشر : مؤسسة الرسالة.
35- شرح مشكاة المصابيح للطيبي ، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/1، 1422هـ
36- شرح صحيح مسلم للنووي. دار إحياء التراث العربي، بيروت. بدون تاريخ
37- شعب الإيمان، تأليف: أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت – 1410هـ ، الطبعة: الأولى، تحقيق: محمد السعيد بسيوني زغلول
38- شيخ الإسلام الإمام الأكبر ابن عاشور، للشيخ محمد ****** بن الخوجة ، دار الغرب ، تونس.
39- صحيح ابن حبان. بترتيب ابن بلبان ، وتحقيق شعيب الارنؤط، مؤسسة الرسالة ، بيروت
40- صحيح ابن خزيمة .تحقيق محمد مصطفى الأعظمي ، المكتب الاسلامي ، بيروت
41- صحيح البخاري. ترقيم مصطفى البغاء، دار ابن كثير ، بيروت
42- صحيح مسلم . ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي ، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
43- طبقات الحفاظ، تأليف: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي أبي الفضل، دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت - 1403، الطبعة: الأولى
44- طبقات الحنابلة، تأليف: محمد بن أبي يعلى أبي الحسين، دار النشر: دار المعرفة - بيروت، تحقيق: محمد حامد الفقي.
45- طبقات الشافعية الكبرى، تأليف: تاج الدين بن علي بن عبد الكافي السبكي، دار النشر: هجر للطباعة والنشر والتوزيع - 1413هـ، الطبعة: ط2، تحقيق: د. محمود محمد الطناحي ، و د.عبد الفتاح محمد الحلو.
46- طبقات الشافعية، تأليف: أبي بكر بن أحمد بن محمد بن عمر بن قاضي شهبة، دار النشر: عالم الكتب - بيروت - 1407، الطبعة: الأولى، تحقيق: د. الحافظ عبد العليم خان
47- طبقات المفسرين، تأليف: للداوودي ، دار النشر: مكتبة العلوم والحكم - السعودية - 1417هـ- 1997م، الطبعة: الأولى
48- علماء نجد، للبسام ، مكتبة المعارف ، الرياض.
49- عمدة القاري بشرح صحيح البخاري ، للعيني ، دار إحياء التراث العربي، بيروت. بدون تاريخ
50- عون المعبود بشرح سنن أبي داوود ، لمحمد لشمس الحق أبادي. دار الكتب العلمية، بيروت،
51- فتاوى ابن تيمية، جمع عبد الرحمن بن قاسم، مكتبة ابن تيمية / ط /2.
52- فتح الباري بشرح صحيح البخاري ، لابن حجر ، تعليق محب الدين الخطيب .ط، الدار السلفية ، القاهرة.
53- فتح القدير، محمد علي الشوكاني ، دار الخير، بيروت ، ط/ 1، 1412هـ
54- الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة، تأليف: حمد بن أحمد أبي عبد الله الذهبي الدمشقي، دار النشر: دار القبلة للثقافة الإسلامية , مؤسسة علو - جدة - 1413 - 1992، الطبعة: الأولى، تحقيق: محمد عوامة
55- الكشاف، للزمخشري ،تحقيق عبدالرزاق المهدي،دار إحياءالتراث العربي ،ط/1،1417هـ ،بيروت
56- لسان العرب لابن منظور (3/179)، دار إحياء التراث ، ط/2 ، 1413هـ بيروت.
57- محاسن التأويل، للقاسمي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1 1418هـ.
58- المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لابن عطية الأندلسي، تحقيق عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية بيروت، ط/ 1، 1413هـ.
59- مرقاة المفاتيح شرح المشكاة ،للقاري. دار الكتب العلمية، بيروت،
60- مسند الإمام أحمد، بتحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت.
61- معجم الأدباء ، ياقوت الحموي ، دار إحياء التراث بيروت
62- المعجم الأوسط، للطبراني ، تحقيق: محمود الطحان ، مكتبة المعارف الرياض.
63- معجم مقاييس اللغة، لابن فارس، دار الجليل بيروت، ضبط عبد السلام هارون.
64- مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني، دار القلم بيروت، ط2 1418هـ.
65- موسوعة نظرة النعيم، مجموعة من الباحثين، دار الوسيلة، جدة، ط1 1418هـ.
66- موطأ مالك .تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ، دار إحياء التراث العربي، مصر.
67- نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، لبرهان الدين أبي الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي، دار الكتب العلمية بيروت، ط/ 1 ،1415 هـ.
68- النكت والعيون ، لأبي الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي ، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت،
69- النهاية في غريب الأثر ، لابن الأثير الجزري ، المكتبة العلمية ،بيروت،1399هـ
70- الوافي بالوفيات، تأليف: صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي، دار النشر: دار إحياء التراث - بيروت - 1420هـ- 2000م ، تحقيق: أحمد الأرناؤوط ، وتركي مصطفى.
* * *




دراسة ، بحث، دراسة بحثية ، دراسات ، بحوث

]vhsm fpedm fuk,hk hgYpshk lti,li Hk,hui ,w,vi td q,x hgrvNk ,hgskm

__________________
(اللهم {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} (البقرة:201)
Eng.Jordan غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
مفهومه, أنواعه, الإحسان, القرآن, بحثية, بعنوان, دراسة, والسنة, وصوره

مواضيع ذات صله دراسات وبحوث اسلامية


« بحث بعنوان الاختلاف في العمل الإسلامي الأسباب والآثار | حقوق المرأة بين الشريعة وتطبيقها في دستور العراق الدائم لعام 2005 »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
دراسة بحثية بعنوان آراء حول قيام الدولة العثمانية للدكتور أنعم الكباشي Eng.Jordan بحوث ودراسات منوعة 0 05-23-2019 12:12 PM
دراسة بحثية بعنوان التنمية البشرية المستدامة Eng.Jordan بحوث الإدارة والإقتصاد 0 05-23-2019 12:04 PM
دراسة بحثية بعنوان الرواة الذين حكم عليهم الإمام يحيى بن معين بالجهالة Eng.Jordan دراسات وبحوث اسلامية 0 05-23-2019 11:59 AM
دراسة بحثية بعنوان الرواة الذين ذُكِرَت وَفَياتُهم في كتاب "الجرح والتعديل" Eng.Jordan دراسات وبحوث اسلامية 0 05-23-2019 11:54 AM
دراسة بحثية بعنوان تحفة ذوي الاستحقاق بشرح لامية الزَّقّاق Eng.Jordan بحوث ودراسات منوعة 0 05-23-2019 11:50 AM

 

  sitemap 

 

جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 01:35 PM.