بحوث ودراسات منوعة أوراق بحثية ودراسات علمية

الثقافة البصرية بوصفها مجالا معرفيا بينيا

الثقافة البصرية بوصفها مجالا معرفيا بينيا " إنما الشعر صياغة وضرب من التصوير " الجاحظ "كل نظام دلالي لابد أن يمتزج باللغة" رولان بارت ملخص

إضافة رد
قديم 09-02-2019, 08:44 AM
  #1
إدارة الموقع
 الصورة الرمزية Eng.Jordan
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 22,786
افتراضي الثقافة البصرية بوصفها مجالا معرفيا بينيا


الثقافة البصرية بوصفها مجالا معرفيا بينيا
" إنما الشعر صياغة وضرب من التصوير " الجاحظ
"كل نظام دلالي لابد أن يمتزج باللغة" رولان بارت
ملخص
تسعى هذه الدراسة إلى تحديد القضايا الرئيسة التي تحيط بما يعرف باسم الدراسات البصرية Visual Studies، والتي تعد بمثابة مجال من البحث ما زال في طور التكوين داخل المؤسسات الأكاديمية. ولا تعد الدراسات البصرية مجالا مستقلا بقدر ما تعد مجالا بينياً يتقاطع في دراسته العديد من الحقول المعرفية المختلفة. وتعد هذه الدراسة بمثابة نظرة عامة على الصعوبات التي صادفت تشكيل الدراسات البصرية في مجالات مثل التاريخ والإعلام واللغويات. وتقوم الدراسة على فرضية مفادها أن الدراسات البصرية من الممكن أيضا أن تؤدي دور الداعم المهم لهذه المجالات، كما تسعى إلى إثبات هذه الفرضية عبر نماذج من الحقول المعرفية المختلفة والمرتبطة بمجال الثقافة البصرية. وفي إطار إثبات تلك الفرضية ستسعى الدراسة إلى التعريف بطبيعة الدراسات البصرية، أسباب نشأتها، معناها، حدودها، مناهجها. والمنطلق الرئيس للبحث في هذا المجال يتمثل في الدور الذي تمارسه الصورة في ثقافتنا المعاصرة في تشكيل الوعي، وأيضا في تزييفه، وفي إزالة كافة الحواجز بين النخبوي والشعبي، الأمر الذي أفضى في النهاية إلى تنامي سلطة المرئي وتغولها على أشكال التواصل الأخرى، ما يستدعي بالضرورة انفتاح كافة الحقول المعرفية، ولاسيما الحقل اللغوي، من الدراسات التي تتخذ من المرئي موضوعا لها.
الكلمات الدالة:
الثقافة البصرية- الصورة- المرئي– التخصصات البينية– دراسات الصورة– الوسائط– علم أصول التربية والتعليم.
***

مقدمة
في النصف الثاني من القرن العشرين بدأت اللغة البصرية تفرض نفسها على الساحة الثقافية، كعامل هام له القدرة على التأثير والسيطرة وتشكيل الوعي، أو حتى التلاعب به، لدرجة جعلت البعض يصف العصر الحالي بأنه "عصر الصورة" ويصف المجتمع المعاصر بأنه "مجتمع الاستعراض" والحضارة الحالية بأنها "حضارة المشهد" . اتخذت الصورة المتحركة شكلها الأول من السينما، ثم أصبحت اللغة السائدة في التلفاز والحاسوب وألعاب الفيديو والإعلانات...إلخ. غير أن هذه اللغة تمارس سلطتها علينا من خلال عمليات صناعية معقدة وباهظة التكاليف، لا يدرك أسرارها إلا المتخصصين. والمشكلة "أن القليل هم الذين يقفون موقفاً نقدياً منها. أما الغالبية فهم يرونها وسيلة للتسلية والإبهار أو حتى للترويح واللعب، غير واعين أنها وراء هذه الأقنعة تمارس غزوها وتقوم باحتلالنا، وهذا هو مكمن خطورتها. وبتشبيه هذه الحالة باللغة المكتوبة والمنطوقة، فإنه يمكننا أن نعتبر الكثير أميين" . وكما اللغة فإننا نستطيع أن نستوعب أشكالها دون أن نفهمها فهمًا كاملا. وهكذا فإن معظم الناس الذين يعيشون في مثل هذه الثقافة يصبحون معرضين لتحكم أي أقلية وسيطرتها عليهم، إذا كانت هذه الأقلية هي التي تمتلك وتحتكر وحدها فهم اللغة وإكسابها المعنى، وبالتالي فإنها سوف تمتلك سلطة المعرفة دونهم.
مرت الصيغ التعبيرية في الثقافة البشرية بثلاث صيغ جذرية تمثل ثلاث مراحل مختلفة في التصور البشري، وهي: مرحلة الشفاهية، التدوين، الصورة. وقد أنتجت مرحلة الكتابة حاجزا ثقافيا وتمييزا بين طبقات المجتمع (من يقرأ- من لا يقرأ). وقد جاءت الصورة في القرن العشرين لتكسر ذلك الحاجز والتمييز الطبقي فوسعت من دوائر الاستقبال وشمل ذلك كل البشر، لأن استقبال الصورة لا يحتاج إلى إجادة القراءة والكتابة كما في المرحلة الكتابية، وهو في الغالب لا يحتاج إلى الكلمات أصلا. وسعت الصورة من دائرة المشاركة الشعبية فهي لا تحتاج إلى خلفيات ثقافية عميقة لفك شفرتها والتعامل معها، وهي متاحة للجميع، ولا تحتاج إلى طقوس خاصة للتعامل معها .
ليس معنى هذا أن الصورة مصطلح جديد، بل هي أداة عريقة في التراث الإنساني عموماً، والعربي على وجه الخصوص، إذ إن الثقافة العربية- قبل الإسلام- اعتمدت صور معبوداتها القديمة، وحَوَّلتها إلى كائنات مجسمة عن طريق النحت، وهو ما ربط الصورة بالمقدس، ولعل هذا الربط يفسِّر لنا هذا التحفُّظ الذي أحاط بالصورة والتصوير في الثقافة الدينية عموماً.
لم تكن الصورة وثيقة الصلة بالمقدسات فحسب، بل كانت وثيقة الصلة بالإبداع والفن، وفي القرن الثاني للهجرة حَدَّدَ الجاحظ مفهوم الشعر بقوله "إنما الشعر صياغة وضرب من التصوير" ، أما الباقلاني في القرن الرابع الهجري فكان أكثر وضوحاً وعمقاً في بيان أهمية الصورة، ووظيفتها في التعبير عن الأغراض والانفعالات بقوله "وشبهوا الخط والنطق بالتصوير، وقد أجمعوا على: مِن أحذق المصورين مَنْ صَوَّر لك الباكي المتضاحك، والباكي الحزين، والضاحك المتباكي، والضاحك المستبشر" .
بل إن الصورة كانت أداة المواضَعة اللغوية، وهو ما أوضحه ابن جنّي في كتابه الخصائص إذ يقول عند اجتماع البعض: و"جاءوا إلى واحد من بني آدم، فأومَؤوا إليه، وقالوا: إنسان إنسان إنسان، فأي وقت سمع هذا اللفظ علم المراد به" بل إن مهمة اللغة إحضار صورة الأشياء لا الأشياء نفسها، فإذا ذكرت كلمة (أسد) لا يحضر الأسد، وإنما حضرت صورته في ذهن المخاطب، وهذا كله في مرحلة البدايات الثقافية، فلما تقدم الإنسان حضارياً، وانتقل من المحسوس إلى المجرد، أصبحت الصورة أداته لتجسيد هذا المجرد والمتخيل .
وليس الأمر وقفاً على الثقافة العربية، بل إن الحضارات الإنسانية تكاد تتوافق في هذا الوعي بوظيفة الصورة، كالثقافة الفرعونية واليونانية والفارسية والآشورية والبابلية، مع الأخذ في الاعتبار الواقع الزماني والمكاني لكل حضارة.
ومن المؤكد أن للصورة حضوراً بالغ الأهمية في الثقافة الإسلامية، وتمتد هذه الأهمية إلى أداة إدراك الصورة (العين)، وقد ترددت مفردة الصورة بمشتقاتها المختلفة عشر مرات في القرآن، في مثل قوله تعالى "وصَوَّرَكم فأحسن صُوَرَكم" (غافر 64)، كما ترددت مفردة (العين) أداة للإبصار ستاً وثلاثين مرة، في مثل قوله تعالى "لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها" (الأعراف 179).
والواقع أن مفهوم الصورة من الاتساع بمكان بحيث يصعب الإحاطة بها، فهو يتخذ دلالات عديدة وفقا للسياق الذي يرد فيه، ووفقا للحقل المعرفي الذي يتم دراسته من خلاله. وقد تمت مناقشة المفهوم في سياقات عديدة، فهو حاضر في كل نقاش يدور حول نظرية المعرفة، وهو حاضر أيضا في التصورات الانطولوجية للعالم– عالم الصور وعالم الأشياء. وهو حاضر بصورة مضمرة في العلوم الطبيعية– خاصة الرياضيات البحتة التي يمكن النظر إلى نسقها على أنه صورة رمزية لأشياء العالم. كما أنه بطبيعة الحال حاضر في كافة الفنون من الصورة في الرسم وحتى الصورة الشعرية في الأدب. وعالم الصور عالم إبداعي، مرتبط بالخيال عموما، لايكتفي فيه الوعي بإدراك العالم، بل يعيد إنتاجه وابتكاره، ويحوله من عالم مصمت إلى عالم فعال، من صورة مطابقة إلى صورة خلاقة. وفي النهاية لا توجد صورة محاكية للعالم كما هو، كل صورة هي إعادة إنتاج وتحريف للشيء الواقعي، وحتى الإدراك الحسي يتضمن نوعا من الإبداع عن طريق قلب الصورة في العين الطبيعية، وهو نفس ما يحدث في آلة التصوير أيضا، بل إن الصورة المرآوية لا تعكس الأشياء كما هي في الواقع، بل تعيد إنتاجها وفقا لطبيعة سطحها العاكس.
وفي العصر الحديث، كما سبق القول، احتلت الصورة مكانة مركزية في المشهد الثقافي. فهي حاضرة حضوراً مركزياً في كل المجالات النظرية والتطبيقية، السياسية والاجتماعية والعسكرية والأدبية والفنية، وغيرها من المجالات المختلفة، وقد انعكست أهميتها في الخطاب النقدي والأدبي، وترددت لها مصطلحات متعددة، منها: (المشهدية، والصورة الناطقة، والصامتة، والمتحركة، والجزئية، والكلية، والملونة وغير الملونة، والمكبرة، والمصغرة).
لقد حول ذلك كله الصورة إلى سلطة بالغة التأثير، كما جعلها أداة إعلامية تفوق الكلمة المنطوقة والمكتوبة، ويكاد المتلقي لا يتقبل خبراً، ولا يقتنع برأي، ولا يصدق وعداً، ولا يقبل على سلعة إلا إذا اقترن هذا كله بالصورة، ومن ثم فإن أجهزة الإعلام المختلفة المقروءة والمسموعة، تسعى إلى تعويض فقد الصورة بوصفها وصفاً دقيقاً، ذلك أن الصورة ألغت الحدود الفاصلة في الزمان والمكان، وألغت قوانين الحضور والغياب، بل أزالت الحاجز بين الماضي والحاضر، فمن ماتوا نراهم يتحركون ويتكلمون ويفعلون من خلال الصورة التي حفظتهم من الغياب المطلق الذي كان عليه الأمر قبل ظهور تقنيات الصورة الحديثة.
لكن الخطورة الآن أن الصورة تتحوَّل- أحياناً- إلى أداة تزييف للحقائق، ووسيلة خداع للمشاهد، إذ إن التقنيات تدخلت فيها بالحذف والإضافة والإحلال والتبديل، وهو ما يجعل منها سلطة تستعملها الأجهزة السلطوية في تحقيق أهدافها المضمرة والصريحة، وربما لهذا لاحظنا أن هناك اتجاهاً يرفض ثقافة الصورة، بدعوى أن ضررها أكثر من نفعها. وبرغم الأهمية البالغة للصورة وثقافتها، كانت الدراسات التي تابعتها محدودة جداً، ومعظمها اتَّجه إلى وظيفتها الأدبية والجمالية والترفيهية.
الصورة والإدراك
ظل الفكر الغربي على امتداد تاريخه معتقدا أن النظر هو المفتاح المباشر للعالم الخارجي. وربما أدى هذا الاعتقاد إلى المزج بين القدرة البصرية والمعرفة الإدراكية، عبر مجموعة من الطرق تبدو معقدة إلى درجة كبيرة. فمن ناحية، كان للبصر أهمية وأسبقية على بقية الحواس أو كما يقول ج.بيرجر G. Bergr"الرؤية سابقة على الكلام. فالطفل ينظر ويدرك قبل أن يتكلم. وبالإضافة لذلك ومن منظور آخر تسبق الرؤية الكلام: فالرؤية هي التي تجد لنا مكاناً في العالم المحيط بنا؛ ونحن نفسر ذلك العالم عبر الكلمات، ولكن الكلمات تعجز عن إلغاء حقيقة أننا محاطون بهذا العالم. فلن تجد العلاقة بين ما نراه وما نعرفه حلا أبداً" . ومن ناحية أخرى، تم التعامل مع الرموز البصرية بوصفها رموزا اعتيادية ومترسخة بالضرورة، واعتبر تأويلها عرضياً وغير ثابت. وكما يخبرنا و. ج. ميتشل W. G.Mitchell في عمله عن الصورة، فإن هناك تاريخ لفكرة الرؤية وكذلك للفكرة كرؤية . فكلمة فكرة بالإنجليزية idea مشتقة من فعل يوناني بمعني "يرى". ويذكرنا هذا الاشتقاق اللغوي أن النموذج البصري هو الذي يحدد- في الثقافة الغربية- مسار الطريقة التي ينظر بها إلى التفكير، على أساس أن هناك تداخلا بلغ حدا خطيرا بين النظر والرؤية والمعرفة. وبالتالي فإن الطريقة التي نصل بها إلى استيعاب مفهوم "الفكرة" وثيق الصلة بما يتعلق بالمظهر وبالصورة. وكما قال فتجنشتيين Wittgenstein في بواكير أعماله "الصورة حقيقة". وقال "الصورة المنطقية للوقائع هي محض فكرة" . وقد تناول ميرلو بونتي Merleau- Ponty هذه النقطة خلال دراسته للإدراك الحسي:
"ليس للشيء المدرك حسياً وحدة مثالية يملكها العقل...بل هو كل متاح لأفق ذي عدد لا متناهي من الرؤى المنظورية التي تتشابك وفقا لإسلوب معين، فتقوم بتعريف الشيء. وبالتالي يحمل الإدراك الحسي بداخله مفارقة. فالشيء المدرك حسياً هو في حد ذاته مفارق؛ حيث لا يوجد إلا إذا تم إدراكه حسيا من قبل شخص ما".
وقد أكد جاي Jay على أن مشروع الحداثة الغربي تحقق بكل فعالية من خلال استخدام حاسة "الإبصار" وأن الثقافة الحديثة، بدورها، قد انتقت القدرة البصرية للتعامل مع الوضعية المزدوجة للإنسان، سواء لتكون وسيط التواصل الأساسي أو لتكون البوابة المنفردة إلى تراثنا الرمزي المتراكم .
ربما تبدأ إشكاليات تنظير الرؤية بوصفها ممارسة اجتماعية حينما نشرع في البحث عن أسس فهمنا للأشياء. ويقدم لنا ر. رورتي R.Rorty، في مستهل أطروحته عن الفلسفة ومرآة الطبيعة Philosophy and the Mirror of Nature، وصفاً لمشروع الفكر الحديث وتأويلاً لأصله– وهو يرى أن هذا المشروع وذاك الأصل قد أسهما بوضوح في حالة الالتباس الراهنة بخصوص المرئي– ويتوصل إلى رأياً مفاده أن التمثيلات العقلية هي بالضرورة انعكاسات لواقع خارجي . وتعد هذه أيضاً فكرة محورية في آراء إيفينز W.Ivins حول "عقلنة" الإبصار rationalization of sight:
"اكتشف البشر منذ بداية تاريخهم في القدرة على تكوين الصور أسلوباً يرمز إلى وعيهم البصري وهو أسلوب يختلف في عديد من الجوانب الهامة عن أي أسلوب رمزي معروف آخر. ولكونها تتميز عن الرموز الإصطلاحية البحتة، فإن من الممكن استخدام الرموز الصورية في صياغة تقارير دقيقة، حتى وإن كانت تلك الرموز تتعالى على التعريف" .
ثمة اعتقاد شائع أن مفهوما الرؤية والمرئي هما نتاج للحضارة الغربية المعاصرة ولتكنولوجيات الإعلام الجديدة، وليسا مكونين طبيعيين من مكونات الثقافة الإنسانية، كاللغة. ويطلق ميتشل على هذا الاعتقاد مغالطة المنعطف التصويري The fallacy of a pictorial turn. ومفادها "الإدعاء بأن البشرية قد دخلت مؤخرا مرحلة المرئي والتمثيل البصري، أي مرحلة هيمنة الصورة" . ويرى ميتشل أن تلك الفرضية التي تنطلق منها معظم الكتابات التي تتناول الثقافة البصرية تحتاج إلى إعادة نظر. فالتحول التصويري هو في حقيقة الأمر شكل من أشكال الكلام تكرر مراراً منذ العصور القديمة، شكل من أشكال الكلام يشبه المجاز. عندما تحول بنو إسرائيل من عبادة الله المجرد إلي عبادة العجل المرئي، فإنهم قد حولوا فكرة الألوهية المجردة إلى صورة محسوسة*. وعندما يحذر أفلاطون في أسطورة الكهف من سيطرة الصور المزيفة (السيمولاكرا Simulacra) ، فإنه يؤكد علي استبعاد الصور التي تجعل الإنسانية أسيرة وبعيدة عن النور الحقيقي للعقل. وعندما يحذر ليسنج Lessing في لاكؤون LaocÖon‬‬ من الميل لمحاكاة تأثيرات الفن المرئي في الفنون الأدبية، فإنه يحاول بذلك مقاومة التحول التصويري الذي ينظر إليه علي أنه انحلال للجماليات والكيفيات الثقافية. وعندما يعلن فتجنشتين في فحوص فلسفية Philosophical Investigations أن الصورة تأسرنا، فإنه يؤكد على أن التفكير مستحيل من دون صور. وبناء علي ذلك فإن حضور الصورة في الثقافة لا يمكن قصره على القرنين الماضيين فقط. إنه شكل من أشكال التواصل الموجود في كل المجتمعات وعبر كل الأزمنة. ويبدو من الخطأ، وفقا لميتشل، تقسيم المجتمعات إلى شفاهية ومرئية أو إعلان تقسيم واحد عظيم بين عصر الأدب (علي سبيل المثال) وعصر المرئي "هذا النوع من الروايات مضلل، ويفتح مجال للعديد من الإشكاليات وغير بناء فيما يخص أغراض النقد التاريخي الأصيل" . وبناء علي ذلك يجب أن يكون واضحاً أن السيطرة المزعومة للمرئي في عصرنا (أو أية مرحلة للحداثة، أو بالمثل أية مرحلة لسيطرة الغرب) ما هو إلا وهم أو أسطورة من الأساطير التي روجها الغرب. إذ لابد من التعامل مع الثقافة البصرية بوصفها دراسة لكافة الممارسات الاجتماعية للرؤية الإنسانية، وليست مخاض للحداثة أو الغرب "لتعيش في ثقافة أياً كانت فإنك تعيش في ثقافة بصرية، ربما باستثناء الأمثلة النادرة لمجتمعات العميان، والذين لأجل هذا السبب ربما يستحقون وضعاً خاصاً في أية نظرية عن الثقافة البصرية" .
إن التعامل مع مفهوم الصورة بوصفه سلطة تم اكتشافها حديثا، هو اختزال لتاريخ طويل من الممارسات الاجتماعية بهدف وضع تمييز تاريخي مزعوم بين الحقب الزمنية. وربما كانت المهمة الأهم هي وصف العلاقات المحددة بين البصر والحواس الأخرى، خاصة السمع واللمس، لأنهما متضمنان داخل الممارسات الثقافية الخاصة. لقد أشار ديكارت Descarte إلي البصر علي أنه شكل حسي عالي وممتد من اللمس، لهذا السبب قارن في بصرياته Opticsبين شعاع البصر وعصي الشخص الأعمى الذي يتحسس طريقه بها عبر المكان الواقعي . كما أن تاريخ السينما هو بشكل ما تاريخ للتعاون والصراع بين تكنولوجيات الصورة ومنتجات الصوت. ونشأة الفيلم لا يمكن دعمها بوضعها في حدود الأفكار المسلم بها عن سيطرة المرئي.
الصورة إذن، إذا شئنا أن نتعامل معها على أساس منهجي سليم، هي أحد المكونات الاجتماعية الطبيعية الملازمة للإنسان منذ نشأته، وبالتالي لا ينبغي الإفراط في تقدير دور الصورة في واقعنا المعاصر.
إن إمكانية توظيف الصورة لخدمة أغراض سياسية أو تجارية يكافئ إمكانية توظيف الكلام أو اللغة، فالصورة قد تكون أداة للسيطرة، لكن هذه الإمكانية ليست قاصرة عليها فقط، بل توجد أيضا في الكلمات "ثمة للأسف ميل للعودة إلي المعالجات المختزلة للصور المرئية علي أنها قوي مؤثرة، ويتم التعامل مع الصور بنوع من النقد الأيقوني يفترض أن عرض الصور المزيفة أو إخفائها إنما يرجع لمحاولة تحقيق انتصار سياسي... إن الصور في الواقع هي خصوم سياسية مألوفة لأن الواحد منا يمكن أن يتخذ منها موقفاً عدائياً، وفي آخر النهار، يظل كل شيء رائع كما كان. يمكن إسقاط أنظمة حكم بشكل متكرر دون أي تأثير بصري أو دون ثقافة مرئية أو حتى سياسية" .
ربما كان ميتشل واحدا من أبرز المفكرين الذين سعوا في تحليلاتهم للصورة إلى الخروج من دائرة الفرضيات التقليدية التي تمتلئ بها مؤلفات الثقافة البصرية "ما آمل فيه هو منهج متوازن في المقاربة بين الصورة المرئية كأداة وعامل أو وسيلة للتلاعب من ناحية، وكمصدر مستقل لأغراضها الخاصة ومعانيها من ناحية أخرى. هذا المنهج لابد أن يعامل الثقافة المرئية وكأنها وسيط في المعاملات الاجتماعية، كذخيرة لصور الشاشة أو نموذج يشكل تلاقينا مع الموجودات البشرية الأخرى. إن القوالب والرسوم االساخرة والأشكال التخطيطية والرسوم البيانية وتخطيط الجسم المرئي، إنما تحدث جميعها في أماكن ومساحات اجتماعية، والجهد الرئيس للثقافة المرئية لابد أن يتشكل في هذه الأماكن التي تتكون فيها سيطرة الصورة وكذلك سيطرة الآخر" . وهذا يعني أن البنية الاجتماعية للمجال المرئي لابد أن يتم استحضارها باستمرار مثل البنية المرئية للمجال الاجتماعي، فكلاهما في النهاية أمران متلازمان.
ماذا تعني الثقافة البصرية؟
ثمة العديد من التساؤلات التي يستدعيها موضوع الدراسة. ويمكن محاولة إجمالها كما يأتي: ما هي الثقافة البصرية أو الدراسات البصرية؟ هل هي فرع دراسي مستحدث أم لحظة عابرة لشيء ما مازال في طور التكوين ولم تتحدد معالمه بعد؟ هل هي موضوع مستقل للبحث أو مجال لفرع من دراسات ثقافية أم هي دراسة خاصة بوسائط التواصل؟ هل هي نوع من الخطابة أم الجماليات أم تاريخ للفن؟ هل تمتلك موضوعا محددا للدراسة؟ أم أنها عبارة عن مجموعة متنوعة من المشكلات خلفتها مجالات دراسية مستقرة وراسخة؟ لو أنها مجال دراسي؛ فما هي حدوده أو تعريفاته الحدية؟ هل يجب أن تنضم لنظام الدراسة الأكاديمية؟ هل يجب أن يخصص لها قسم في كلية ويكون لها برنامج دراسي مع كل متطلباته ونصوصه التدريسية وأعضاء تدريس وشهادات ممنوحة؟ كيف يمكن تدريسها؟ كيف نقر بوجود الثقافة البصرية بطريقة تتجاوز عدم إقرارنا بوجودها؟
ربما كانت الإشكالية الأولى التي تواجه الدارس لهذا الفرع المعرفي، وهذا هو حال الدراسات البينية قاطبة، تتمثل في صعوبة التصنيف "إننا إذا ذهبنا إلى مكتبات كلياتنا وجامعتنا أو إلى أي متجر لبيع الكتب أو موقع على شبكة المعلومات يبيع الكتب فإننا سوف نٌقابل بكم هائل من تلك المؤلفات التي تحمل كلمتي (مرئي) و(ثقافة) في العنوان. وغالبا ما توضع هذه الكتب في غير مكانها على الأرفف. فتوضع مع تصنيفات أخرى يميل إليها القراء بشكل أكبر. فقد تظهر هذه الكتب في أرفف نظريتا التواصل واللغة أو تاريخ الفن أو نظرية الفن أو الجماليات أو النظرية النقدية أو الفلسفة أو الفيلم أو دراسات الوسائط أو دراسات المرأة أو المسرح أو الدراما أو الهندسة أو الأنثربولوجيا أو السيوسيولوجي- لا أحد يعرف أين يمكن وضع كتب ودراسات الثقافة البصرية. ما هو التصنيف الذي تنتمي له هذه الكتب؟" .
إن الكم الهائل من الكتب المعنونة بـ"الثقافة البصرية" هو بالتأكيد دليل على اتساع الفترة التاريخية وكذلك الاتساع الجغرافي الذي تمت فيهما دراسة الثقافة البصرية. وبهذا الكم الهائل من الكتابات، إضافة إلى الممارسات المنهجية الممكن تقديمها فضلاً عن الأشياء والموضوعات والوسائط والبيئات... كل هذا يشكل ملامح الثقافة البصرية. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن تلك الكتب تهتم بكافة أساليب الثقافة البصرية– من الثقافة العليا إلى الثقافة الشعبية، من ثقافة النخبة إلى ثقافة الجماهير، من الثقافة الهامشية إلى الثقافة المركزية. بالإضافة لذلك فإن الموضوعات والوسائل والبيئات التي تتناولها دراسات الثقافة البصرية يمكن أن تشمل أي شيء "من الرسم والنحت وفنون الفيديو والتصوير والفيلم والهاتف النقال والشاشات وأنظمة الأزياء وكذلك الخيال الطبي والخيال العلمي، وتصميمات الصور وطباعة الصحف والمجلات والإعلانات، وكذلك المساحات الاجتماعية والهندسية للمتاحف، والمعارض الفنية والمعارض العادية وبيئات أخرى خاصة أو عامة للاهتمامات اليومية" .
ومن ضمن الصعوبات التي تثيرها تلك الكتابات إقرارها بأن هذه الصور والأشياء والموضوعات والبيئات تتداخل فيما بينها بدرجة يصعب تمايزها، ويصبح كل منها وسطاً للآخر، على سبيل المثال "التداخل بين الجرائد وشبكة المعلومات والذي يأتي فيهما النص دائماً متداخلاً مع الصورة، القراءة والنظر يصبحان مترادفين- الدمج الذي يحدث في السينما بين الصوت والصورة، السمع والنظر في وقت واحد- الدمج الذي يتم في أجهزة الجوال الرقمية بين النص "كتابة الرسائل" بالصورة "التصوير وتصوير الفيديو" والصوت "نغمات الجوال" واللمس "العلاقة بين الشخص والجوال"...إلخ" .
أحياناً يتم استخدام "الثقافة البصرية" للدلالة على فترة تاريخية محددة أو موقع جغرافي، مثل الثقافة البصرية في عصر النهضة أو الثقافة البصرية البدائية، أو كما قالت سفيتلينا ألبيرس Svetlana Alpers عن الثقافة البصرية الألمانية "أنها الثقافة التي نجد فيها وفرة من المفاهيم عن البصر (أي عن الطريقة التي تعمل بها العين)، وفرة من الآلات البصرية (المجهر وعدسات آلة التصوير) والمهارات البصرية (صنع الخرائط– والقيام بالتجارب العلمية أيضاً) على اعتبار أن كل ذلك مصادر ثقافية" .
وأحياناً تستخدم الثقافة البصرية للترويج للايديولوجيات الفردية والجمعية، والتي يتم من خلالها التلاعب بالجماهير سياسياً، عبر الصورة التي يتم إنتاجها وتوزيعها واستهلاكها سواء من جانب من أنشأها أو من يدعمها أو من يقاومها، ويتم تمريرها عبر موضوعات تأخذ أشكال مختلفة (جنسية، عرقية، فنية) . وأحياناً تثير الثقافة البصرية إشكاليات منهجية في النقاشات الدائرة حول طبيعة المعرفة (التفكير بالصورة أم باللغة) .
مما سبق يتضح أن هناك صعوبة حقيقية في تحديد موضوع ثابت ومحدد للدراسات البصرية، وتلك هي الخاصية الرئيسة للدراسات البينية، إنها شرط تحققها. بمعنى أنه إذا تم تضمينها داخل حقل معرفي ما، فقدت صفتها البينية. فهل يكون الأفضل من محاولة تحديد موضوعها أن نصفها بالداعم بالغ الأهمية the dangerous supplement أو المهم، بتعبير جاك دريدا J. Derrida، للحقول المعرفية الأخرى.
المقاربات المختلفة لمفهوم الصورة
هناك العديد من المقاربات التي تتباين من حيث المنهج ومجالات التطبيق، وفقاً لاختلاف الحقول المعرفية المنطلقة منها. أهم هذه المقاربات:
1- المقاربة الظاهراتية، وهي مقاربة جمالية في المقام الأول، ركزت على الكشف عن الأبعاد الجمالية للصورة كما تتجلى في الفنون المختلفة. كما قدم فلاسفتها، مثل سارتر وميرلوبونتي، تحليلات هامة لمفهوم الرؤية، في إطار اهتمام الأول بمفهوم الآخر، والثاني بموضوع البدن. لكن المشكلة أن إسهامات الظاهراتية في الكشف عن ربط مفهوم السلطة بمفهوم الصورة محدودة، لأن مفهوم السلطة لم يكن موضع اهتمام أياً من فلاسفتها. ومع ذلك يمكن الاستفادة من مساهمتها في نظرية القراءة والتلقي، فقد قدمت الظاهراتية أدوات إجرائية لقراءة الصورة، كالفعل القصدي ومفهوم ملء الفراغات.
2- المقاربة السيميوطيقية، وهي أشهر المقاربات وأكثرها ثراءً في تناول الصورة المرئية من خلال تحليل علاماتي أو أيقوني يقربها من اللغة العادية. وهي تركز اهتمامها على فك شفرات الرسالة المرئية وردها إلى مكوناتها ووحداتها الصغرى. لكنها لا تتجاوز ذلك للكشف عن الخلفيات العديدة الكامنة وراء السطح الخارجي للصورة، يحتل المرئي المكانة الرئيسة في تحليلاتها، ويسقط اللامرئي من حساباتها. ومع ذلك لايمكن تجاوز التحليل السيميوطيقي كخطوة أولى من خطوات تحليل الصورة المرئية.
3- المقاربة الاجتماعية، وهي على عكس المقاربة السيميوطيقية، تركز اهتمامها على الكشف عن الآثار التي تمارسها الصورة في المجتمع. وتربط هذه الآثار بالتحولات العديدة في منظومة القيم االاجتماعية استنادا على الإرث الحداثي المعياري لمفهوم القيمة، وهي مقاربة لها أهميتها، لأنها تكشف عن ممارسات الصورة على أرض الواقع، كيف تؤثر الصورة؟ وكيف تنتج؟ لكنها في نظر البعض تستند إلى فرضية شمولية حداثية، كما أنها تتعرف على الصورة من خلال آثارها لا من خلال تحليل مضامينها وفك شفراتها.
4- المقاربة الماركسية، وهي تتداخل وتتلاقى مع المقاربة الاجتماعية من حيث الهدف، لكنها تقصر تحليلها على كيفية توظيف الرأسمالية المعاصرة للصورة -لما لها من انتشار جماهيرى- كخادمة لها من أجل ترسيخ أكثر قوة للمجتمع الاستهلاكي. وكيف يدعم هذا من سلطات ونفوذ الرأسماليين، ويقلص من قدرة الجماهير على المقاومة. وينطبق عليها نفس النقد الموجه للمقاربة الاجتماعية. وقد تبنى هذا الاتجاه مجموعة من نقاد ما بعد الحداثة أشهرهم تيرى إيجلتون، ديفيد هارفي، وفريدريك جيمسون.
5- مقاربة النظرية النقدية، وهي تنطلق من أصول ماركسية، لكنها تعزز تحليلها بالاستفادة من انجازات مدرسة التحليل النفسي والتراث الهيجلي العقلاني. وهي وإن كانت تسعى لكشف العلاقات التي تنشأ بين استخدام الصور وتفاقم أزمات الإنسان المعاصر؛ أعني تشيؤه واغترابه، فإن هذا الهدف لم يحل دون تقديم تحليلات هامة ودقيقة للصورة، خاصة في وسائل الإعلام والدعاية والإعلانات. ومشكلة النظرية النقدية في نظر البعض هي اكتفاؤها بالتحليل والنقد دون تقديم أدوات أو خطوات إجرائية لقراءة الصور.
6- المقاربة ما بعد الحداثية، وهي تحاول استيعاب كافة المقاربات السابقة، أو على الأقل وضعها في حساباتها. وغالباً ما تكتفي بالتحليل والوصف دون النقد؛ لأن الفكر ما بعد الحداثي عموماً كما يقول آلن هاو "يقبل الأشياء كما توجد في الواقع".. لا يعترف إلا بالسطح الخارجي للأشياء، ويعتبر أي حديث عن البنية الماورائية للأحداث هو من قبيل السرديات الكبري Grand narratives التي تنتمي إلى العصر الحداثي الشمولي. وتندرج اسهامات جل دولوز وجان بودريار تحت هذا النوع.
7- مقاربات أخرى، يصعب تصنيفها، أو ردها إلى الأنواع السابقة. مثل ما يعرف بالاتجاه الوسائطي Mediologie لرجيس دوبريه الذي يركز تحليلاته في كتابه "حياة الصورة ومماتها في الغرب" على الوسائط التي تشكل نظرتنا إلى العالم والأشياء. أيضاً هربرت شيللر في كتابيه "الاتصال والهيمنة الثقافية" و"المتلاعبون بالعقول" الذي حاول فيهما أن يكشف كيف يتم التلاعب بالوعي وتشكيل الرأي العام في السياسة من خلال الدعاية والإعلان ووسائل الاتصال الجماهيري. والصورة تقع في القلب من هذه الوسائل.
ورغم هذه المحاولة لتصنيف المقاربات التي قدمت لمفهوم الصورة؛ فإنه يصعب حصر جميع الدراسات التي قدمت حول هذا الموضوع نظرا لوفرتها وتعددها.
الدراسات البصرية بوصفها داعما بالغ الأهمية
بداية ينبغي أن نميز بين الدراسات البصرية والثقافة البصرية. فهما علي التوالي مجال الدراسة وموضوع الدراسة. إن الدراسات البصرية هي دراسة الثقافة المرئية. وهذا من شأنه أن يزيل اللبس الذي تقع فيه بعض مجالات الدراسة مثل التاريخ الذي يشير اسمه إلي مجال الدراسة وموضوع الدراسة أو محتوي المجال في نفس الوقت. إن البصر يشكل بنية ثقافية يتم تعلمها واكتسابها. فهو ليس مجرد حاسة من الحواس التي تعمل بصورة آلية، لذلك فهو يمتلك تاريخاً متصلاً بطريقة ما بتاريخ الفنون والتكنولوجيا والإعلام والممارسات الاجتماعية في العرض والمشاهدة، بالإضافة إلى الأخلاق والسياسة والجماليات واللغويات. يقول كريس جينكس C. Jeanks "لقد صار من المتعارف عليه في الحقل الأكاديمي أن يستخدم مصطلح الثقافة البصرية للدلالة على فنون التصوير والنحت والتصميم والهندسة المعمارية، فهو إشارة إلى نطاق حديث أوسع لكل ما كان يدخل ضمن تعريف "الفنون التشكيلية". ولو أننا أردنا أن نوسع أكثر من هذا النطاق فيمكننا أن نقترح أن الثقافة البصرية تشير إلى جميع صنوف الثقافة التي يمثل مظهرها البصري سمة هامة في وجودها أو الغرض منها" .
ليس ثمة جدال كبير على علاقة الثقافة البصرية بتلك المجالات، غير أن الخلاف يأتي عندما يتم الحديث عن علاقة الدراسات البصرية بمباحث دراسية راسخة مثل اللغويات وتاريخ الفن والجماليات. فثمة شكوك عديدة من الممكن أن تثار حول جدوى الدراسات البصرية بالنسبة لتلك المباحث الدراسية. على سبيل المثال هناك تحالف وتناغم بين الجماليات وتاريخ الفن. الجماليات هي الدراسة النظرية للفن. وتثير مجموعة من التساؤلات الرئيسة حول طبيعة الفن، والقيمة الفنية، والإدراك الفني في سياق المجال العام لخبرة التلقي. وتاريخ الفن هو الدراسة التاريخية للفنانين، والممارسات الفنية، والأساليب والحركات والمؤسسات الفنية. وكلاهما معاً، الجماليات وتاريخ الفن، يقدمان نوعاً من التكامل. إنهما يشملان أي موضوع يمكن طرحه عن الفنون البصرية. ولو تصورناهما بشكلهما الموسع، فإن تاريخ الفن ينظر إليه باعتباره الدراسة الرمزية العامة أو الدراسة التفسيرية للصور المرئية. وينظر إلي الجماليات باعتبارها دراسة الإحساس والإدراك، لذلك يبدو أنهما يتكفلان بأية قضايا يمكن لمجال الدراسات البصرية أن يثيرها. إن نظرية الخبرة المرئية لابد أن تتم معالجتها في مجال الجماليات، وتاريخ الصور والأشكال المرئية لابد أن تُعالج في تاريخ الفن.
بناء علي ذلك، ووفقا للتخصصات الأكاديمية المستقرة، تبدو دراسات الرؤية غير ضرورية بصورة ما، ولا نحتاج إليها. إنها فقط تضيف مجموعة من المشكلات الغامضة غير المحددة التي تمت معالجتها إلي حد ما في فروع أكاديمية أو حقول معرفية أخرى. ومع ذلك، فإننا نجدها تنمو بوصفها حقلا شبيها أو مبحثا أكاديميا متخما بالسجالات الأدبية والمقررات الدراسية والمناقشات والمؤتمرات والأساتذة. السؤال الوحيد هو. ما دلالة دراسة الرؤية؟ لماذا ظهر هذا الحقل الذي يبدو متطفلا على الحقول المعرفية الأخرى؟
في هذه السياق يجب أن يكون واضحاً أن الارتباك الذي تستدعيه دراسات الرؤية هو مثال علي ما يسميه جاك دريدا J. Derrida الداعم الخطير . إن دراسات الرؤية تقف في علاقة ملتبسة مع تاريخ الفن والجماليات. من ناحية، أنها تعمل وكأنها تتمة لهذين المجالين، نوع من أنواع ملء الفراغ إذا شئنا الدقة. إذا كان موضوع تاريخ الفن الصور المرئية وموضوع الجماليات المحسوسات، فهل يغدو من الأفضل تأسيس فرع دراسي يتخذ من الرؤية موضوعا له، ويجمع الجماليات وتاريخ الفن حول مشكلات الضوء والبصريات وأدوات الرؤية والخبرة والعين؟ لكن ربما يصطدم ذلك بحقيقية أن المهمة التي سيؤديها ذلك الفرع ستغدو تكميلية كذلك: فهي أولاً تفترض قصورا في الاتساق الداخلي للجماليات وتاريخ الفن، كما لو أن هذين النظامين قد فشلا بطريقة ما في أن يجذبا الانتباه إلي ما هو رئيس في تخصصهما. وهي تفتح كلا المبحثين على مشكلات خارجية تهدد حدودهما. إن دراسات الرؤية تهدد كلا من الجماليات وتاريخ الفن بأن تجعل كلاً منهما فرعاً دراسياً لمجال دراسي آخر أكثر اتساعا.
ما الذي يمكن أن يندرج تحت نطاق دراسات الرؤية؟ ليس فقط تاريخ الفن والجماليات، لكن أيضاً السينما والتلفزيون والإعلام الرقمي، وكذلك المباحث الفلسفية والسيكولوجية التي تنتمي إلى مجال ابستمولوجيا الرؤية، والدراسات اللغوية والدلالية عن الصور والعلامات المرئية، والدراسات الفينومينولوجية والفيسيولوجية والإدراكية عن عملية الرؤية، والدراسات السيوسيولوجية عن المشاهدة والعرض، وأنثروبولوجيا الرؤية، والبصريات الفيزيائية،.... إلخ. إذا كان موضوع الرؤية كما يقول هال فوستر H. Foster، كل ما هو مرئي، فإنه سيكون موضوعا من الاتساع بمكان، وسيغدو من المستحيل أن نتعامل معه بطريقة منهجية ثابتة.
ثمة مشكلة أخرى تثيرها دراسات الرؤية تتعلق بطبيعة الصورة المرئية في علاقتها بالسلطة. فالرؤية والصور المرئية في واقع الأمر يعبران عن علاقات سلطوية مزدوجة، فمن ناحية يمارس فيها المشاهد نوع من السيطرة علي الموضوعات والصور المرئية، ومن ناحية أخرى يمارس منتجو هذه الموضوعات والصور سلطة علي المشاهدين. هذه الطبيعة السلطوية للصورة المرئية يستند عليها معارضو الثقافة المرئية الذين تتملكهم المخاوف من تواطؤ أجهزة الإعلام مع أنظمة الحكم التي تقوم بالإشراف والمراقبة واستخدام الإعلان والدعاية وتحاول أن تتحكم في المجتمع وتؤثر علي الأجهزة والمؤسسات الديمقراطية. وينشأ الخلاف دائما عندما يثار التساؤل حول ما إذا كان الأمر يتطلب نشأة تخصص معرفي يكون موضوعه الكشف عن تلك الطبيعة السلطوية وتفكيكها، أو ما إذا كان من الأفضل أن تترك هذه المهمة لدراسات الإعلام بخبرتها الواسعة المؤسسية والتقنية؟
هل يمكن لدراسات الرؤية أن تمثل مجالا دراسيا أو فرعا معرفيا متماسكا يخضع لمجال البحث، ويكون له قسم أكاديمي؟ هل آن لتاريخ الفن أن يطوي خيمته ويقيم تحالفاً جديداً مع الجماليات ودراسات الإعلام بهدف تشييد صرح أضخم لدراسة ثقافة الرؤية؟ هل يجب علينا فقط أن ندرج كل شيء تحت لواء ما يسمى الآن الدراسات الثقافية؟ ثمة بطبيعة الحال مجهودات عديدة في هذا الصدد. بل إن التوجه العام الآن في مجال الإنسانيات يصب في هذا الاتجاه. ومع ذلك فإن هذا التوجه يقابل بمقاومة عنيفة من البعض على أساس أنه يطغى على خصوصية الحقول المعرفية. وكما يقول ميتشل "أريد لكلا الخبرتين أن تكونا متاحتين. لذلك فإن الجيل التالي من مؤرخي الفن سوف يزودوا بكل من مهارات المادة الصارمة للفن وموضوعاته وممارساته، وكذلك بعروض (جهاز عرض المعلومات Data Show) المعقدة التي تطغي في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة بحثاً عن اكتمال المعني. أريد لدراسات الرؤية أن تحقق كلتا المهارتين لتحديد الأشياء التي نراها بدقة، أو لحقيقة أن معظم تاريخ الفن الكلاسيكي تم حبكه بالفعل بهذه التمثلات الناقصة، تماماً مثل ماكينة التصوير وقبلها طبع الأكلشيه أو الطبع بالطريقة الحجرية أو الوصف الفعلي" .
وبناء علي ذلك، إذا كانت دراسات الرؤية هي داعم مهم للإنسانيات عموما، فإن من الضروري ألا نبالغ في تقدير الخطر ولا نقلل من قدره أيضاً. وربما تمنحنا فكرة دريدا عن الداعم الخطير تأييدا لهذا المعنى عندما ناقش ظاهرة الكتابة وعلاقتها بالكلام. لقد استشف دريدا أن الكتابة يتم النظر إليها بوصفها محض أداة لتسجيل اللغة. وكيما يتخطى الفرد مجال السيطرة على الكلام لابد أن يفهم شروط تعقل اللغة، وطريقتها في التكرار والفعل. وبالتالي يصبح حضور الصوت في القلب من اللغة. إنها تصل مباشرة نحو المعنى الذي يحوزه المتكلم في عقله. هذا المعني يتم فقدانه في عملية الكتابة التي تظل مستمرة حتى مع غياب المتكلم نفسه. السيطرة الأنطوثيولوجية (اللاهوتية الوجودية) لحضور الذات يتم تحطيمها وإعادة صياغتها كأثر للكتابة في سلسلة لا متناهية من المواقف البديلة والتقديم والتأخير. والسؤال هو: هل يمكن أن تتعدي اللغويات حدودها لتؤثر على كافة العلوم الإنسانية؟. بالفعل، فإن كل المعرفة الإنسانية كانت معرضة لأن تدخل مجالا جديدا يسمي علم الأجرومية Grammatology. هل يمكن أن يكون قلقنا علي عدم وجود حدود لدراسات الرؤية هو رد علي المخاوف التي سببتها فكرة أنه لا يوجد شيء خارج النص؟
لقد عززت اللغويات من الدلالات المرئية للغة المكتوبة، من الكتابة بالصور إلي الحروف الهيروغليفية إلي الأبجدية إلي اختراع الطباعة، وأخيراً الوسائط الرقمية. وهي من البداية، يمكن النظر إليها على أنها كانت مساعدات طفيلية علي شيء ما أصلي، اللغة الملفوظة أو الكلام، ثم أخذت مرتبة الصدارة وأصبحت شرطاً عاماً لكل مفاهيم اللغة والمعني والحضور. لقد تحدي علم اللسانيات أسبقية اللغة ككلام أصيل مضمر بالطريقة التي يتحدي بها منتج مقلد منتجا آخر أصلي. الشرط العام لصياغة فقرة iterability أو القابلية للاقتباس citationality أو الصورة السمعية المتكررة في حالة واحدة، والصورة المرئية في حالة أخرى... جميعها تقوض امتياز كل من الفن المرئي واللغة الأدبية، وتضعهما داخل إطار أوسع يبدو في البداية أنه مجرد تدعيم لهما. إن الكتابة لا تقف علي حدود اللغة والرؤية بهذا الشكل العرضي، لا تتلخص في شكل الرمز أو الحرف أو الكلمة المطبوعة أو اللغة المرئية التي تعبر عن التعبير الصوتي للمتكلم. إن كل من علم الأجرومية grammatology وعلم دراسة الأيقونات والرموز iconology، يستحضران الخوف من الصورة المرئية. الذعر الأيقوني يتضمن من ناحية القلق من عملية رد الدلالة غير المرئية للغة إلي أشكال مرئية. ومن ناحية أخرى هناك قلق من أن عينية ومباشرة الصورة المرئية معرضة لخطر الاستبعاد عن طريق تحريرها من المادة، أي أن تتحول إلي نسخة مرئية– محض صورة لصورة .
إن الرؤية والصور المرئية، والأشياء التي تظهر بشكل آلي، الأشياء الواضحة والجلية والطبيعية، هي في الحقيقة تراكيب رمزية. مثل اللغة التي نتعلمها، هي شفرات رمزية تمثل حجاباً أيديولوجياً بيننا وبين العالم الواقعي. لكن إلي أي مدي تختلف الرؤية عن اللغة، هل تعمل (كما لاحظ رولان بارت R. Barthes عن التصوير 1981) كرسالة دون شفرة؟ بأية طريقة تتجاوز أشكال محددة من البني الاجتماعية لتعمل كلغة عالمية حرة بشكل نسبي من العناصر النصية أو التأويلية؟ ربما كان الأسقف باركلي Barkely، أول من زعم بأن الرؤية مثل اللغة، وأصر علي أنها لغة عالمية وليست لغة إقليمية أو محلية. إلي أي مدي تعد الرؤية نشاطا لا يكتسب بالتعلم؟ فالرؤية قدرة محددة وراثياً، ومجموعة من الآليات الفطرية التي تعمل في الوقت المناسب، وهذا بخلاف الطريقة التي يتعلم فيها الإنسان اللغة. والواقع أنه إذا كانت الرؤية فطرية، فإن موضوعها (الصورة) يوصف بأنه ثقافي، أي مرتبط بسياق ما محدد، ودراسة هذا السياق محور رئيس من محاور الدراسات البصرية. إذن فبقدر ما تشير الرؤية إلى إمكانية طبيعية لدى الإنسان، يظل موضوعها مرتبطا بالعالم الخارجي وبالسياق الثقافي الذي يوجد فيه. أو كما يقول ميتشل "ثقافة الرؤية لا تمني نفسها بالانتصار علي التوجهات الطبيعية والمغالطات الطبيعية، لكنها تشير إلي ما يبدو علي أنه غير طبيعي في عملية الرؤية والخيال المرئي بوصفه مشكلة ينبغي التعامل معها بدلاً من إهمالها" .
باختصار، فإن التصور الجدلي للثقافة البصرية لا يستطيع أن يركن بهدوء إلي تحديد موضوعه علي أنه البنى الاجتماعية للمجال المرئي، لكنه يجب أن يشدد علي معالجة هذه القضية عن طريق عكسها، أي البنية البصرية للمجال الاجتماعي. إننا لا نري بالطريقة التي نعمل بها لأننا كائنات اجتماعية، لكن أوضاعنا الاجتماعية تأخذ الشكل الذي نفعل به لأننا كائنات مبصرة.
اللغة والصورة: أية علاقة؟
ثمة موقفان متعارضان دائما ما يصادفهما الدارس لحقل الثقافة البصرية، فمن ناحية هناك أصحاب النزعة الأيقونية iconophiles وهم يرون أن الوسائط البصرية غدت وسيلة الاتصال الرئيسة في الثقافة المعاصرة. وقد ترتب علي هذا الأمر تراجع في دور اللغة بوصفها أداة التواصل التي ظلت مسيطرة طوال المراحل التي سبقت القرن العشرين. إن هذا الموقف يستند على فرضية مؤداها أهمية الصورة المرئية وسيطرة الإعلام المرئي على النشاطات اللفظية. وأن الأنماط الحسية مثل السمع واللمس غالباً ما يتم دمجهما داخل الصورة في عصر الرؤية. في مقابل هذا الموقف هناك موقف أعداء الأيقونية iconophobes أو معارضو ثقافة الجماهير، الذين لا ينكرون دور الصورة وأهميتها في الثقافة المعاصرة، لكنهم مع ذلك يرون أن مفهوم الصورة مضلل لأنه من الاتساع بحيث يكون حاضرا في كافة أشكال التواصل، وأن كافة أشكال التواصل تعتمد في النهاية على آليات لغوية، ومهما بالغ البعض في دور الصورة وأهميتها ستظل اللغة أداة التواصل الرئيسة التي لا يمكن استهلاكها أو إخضاعها لمتطلبات السوق كما هو حال الصورة الراهنة .
والواقع إن إشكالية العلاقة بين ما هو مرئي وما هو مكتوب، أو بمعنى آخر النص-الصورة*، كانت من الإشكاليات ذات المكانة الهامة في التراث الغربي، واتخذت أشكالا عديدة، وفقا للحقول المعرفية التي تمت مناقشتها من خلالها. ففي نظرية المعرفة طرحت هذه الإشكالية في سياقات عديدة، خاصة في المرحلة المعاصرة، وكان السؤال عن الكيفية التي تتم بها عملية المعرفة واكتساب الوعي هو منطلقها: أيهما يمتلك الأولوية والسيادة على الوعي اللغة أم المرئي؟ هل التفكير يتم بواسطة اللغة؟ أي هل العقل يترجم كل ما يراه إلى لغة؟ وبدون هذه العملية تفقد الأشياء دلالتها، أم أن المرئي له لغته الخاصة التي تتجاوز أية صياغة لغوية حتى ولو تمت؟ هل اللغة تستوعب المرئي، بحيث تنوب عنه في غيابه؟ أم أنها مجرد قوالب وصياغات تحفز الذهن على استحضار الصورة والمشهد؟ خاصة مع الوضع في الاعتبار، الأسبقية الوجودية للمرئي، وأن التفكير يتم بالصورة أولا قبل أن يتم باللغة. في اللغويات حظيت هذه الإشكالية باهتمام اللغويين، وكان أبرز من تناولها بالدرس والتمحيص أهم تيارين في اللغويات المعاصرة: السيميولوجيا والسيميوطيقا، وعلى الرغم من وجود أوجه تشابه بين كلا التيارين في نواح عديدة، إلا أن الخلاف بينهما كان واضحا بصدد هذه المسألة، ففي حين جعلت سيميولوجيا سوسير Sassur من النظام اللغوي نمطا متسيدا على كافة الظواهر والأنماط المعرفية الأخري؛ فإن سيميوطيقا بيرس Pierce قد أفسحت الطريق أمام أنظمة علاماتية أخرى مستقلة تماما عن النظام اللغوي، بمعنى أنها تمارس دورها بطريقة لا لغوية. وفي مجال علم النفس، كانت هذه الإشكالية حاضرة، في سياق شبيه بالسياق المعرفي، في المناقشات التي دارت حول تطور الوعي والسلوك، ومراحل اكتساب المعرفة. أما في الفن، فقد دارت سجالات عديدة حول هذه المسألة، في سياق المقارنة بين أنماط الفنون: الفنون المرئية، الفنون اللغوية، الأدب والتصوير، الموسيقى والعمارة، السينما والسرد...إلخ.
إن محاولة تحديد الاختلافات بين الرؤية واللغة أو المرئي والمكتوب هي الخطوة الأولى نحو تحديد ممكنات العلاقات المحتملة بينهما. ما الفرق إذن بين اللسان والشفرة التي تجسد الصورة أحد تجلياتها؟ إذا كانت دوال اللسان تتخذ في الرسالة طابعا خطيا Linear بحيث ُتدرك حسب نظام تحدده بنية الجملة، فإن دوال الشفرة الأيقونية تنتشر في فضاء الصورة بطريقة لا خطية Non- Lineaer، بحيث أن إدراك عنصر من عناصرها لا يتم قبل العناصر الأخرى ضرورة، فالبدء بهذا العنصر عوض ذاك مسألة متروكة لاختيار المتلقي. ومن ثم فإن الرسائل اللفظية تظل سجينة قواعد النحو والتداول خلافا للخطاب البصري الذي لا يخضع لقواعد تركيبية صارمة، إضافة إلى أن عناصره تدرك بشكل متزامن.
بالإضافة لذلك فإن الخطاب اللفظي يقبل التفكيك إلى عناصر يقوم المتلقي بإعادة تركيبها ليتحصل له معناها، في حين أن خطاب الصورة تركيبي، لا يقبل التقطيع إلى عناصر صغرى مستقلة، بحيث تبدو الصورة ككتلة تختزن في بنياتها دلالات لا تتجزأ، وهو ما يكسبها قدرة للإبلاغ لا تضاهى (تستطيع الشفرات البصرية أن تنقل 10 وحدة معلومية (bit) في الثانية، وإن كان الإنسان لا يستطيع أن يدرك منها سوى ثمان إلى خمس وعشرين وحدة في الثانية.
يضاف إلى هذا أن علامات اللسان تقوم على الاعتباط والاتفاق(أي العلاقة بين الدال والمرجع فيها غير معللة) في حين أن الصورة تقوم على التعليل والمشابهة. ولعل هذا ما يجعل الرسائل اللسانية شديدة التشفير على حين تبدو الصورة وكأنها نقل للواقع بكامل العضوية والطبيعية، إلى حد أن بعض الباحثين اعتقد أنها "رسالة بدون شفرة" .
وقد حاول كريستيان ميتز C. Metz أن يجمل الاختلافات المحتملة بين الكلمة والصورة، لاسيما المتحركة، في النقاط الآتية :
1- عدد الكلمات محدود (يمكن حصره) في اللغة، بينما عدد الصور الممكنة لامحدود (لا يمكن حصرها).
2- يتم استعمال الكلمات من المعجم بينما يتم ابتكار الصور من قبل من يتصورها.
3- المعلومات التي يستقبلها المتلقي من الصورة كبيرة مقارنة بالكلمة.
4- تتطلب الكلمة امتلاك المتلقي القدرة على قراءتها أما الصورة فتخاطب الجميع دون تمييز.
5- تختلف الصورة عن الكلمة المنطوقة أو المكتوبة لأنها ترتبط بشيء ملموس ومحسوس ومحدد، والكلمة مرتبطة بشيء تجريدي، غير ملموس، ويتصف بالتعميم.
6- تختلف الصورة عن الكلمة المكتوبة في سهولة التلقي، لأن القراءة تتطلب التأمل وإشغال الذهن، أما الصورة فلا تحتاج جهداً ذهنياً كبيراً لتلقيها.
7- الصورة تختلف عن النص المكتوب، الذي يتطلب تفكيك العلاقات القائمة بين الكلمات، بجهد وتركيز وبطء، بينما الصورة تعطي الرسالة دفعة واحدة.
ورغم تلك الاختلافات فإن التعايش بين الصورة واللغة قديم وضارب بجذوره في عمق التاريخ. والحال أن كل شيء حولنا يسعى لأن يتحول إلى صورة، حتى اللغة تجعل من الأصوات والحروف صورا. الأصوات تقلد ما تعنيه كأنها صور تعبيرية (في العربية الوشوشة، الهمهمة، القهقهة....) . هذه علامات لغوية ذات مظهر أيقوني يدل على صور معنوية. وقد بات معروفا ما جعلته الشعرية العربية المعاصرة للعلامات اللغوية من فضاء بصري تشكيلي، حيث تحولت الأسطر في القصيدة من معطيات لغوية بصرية مجردة ممنوحة للقراءة إلى معطيات تشكيلية وجدت لتشاهد من حيث علامات بصرية دالة في تشكيلاتها المثلثة والمربعة والدائرية والحلقية والحلزونية...إلخ . والواقع أن أجناس الخطاب الأدبي تشترك جميعا في مبدأ التصويرية، وهذا الاشتراك شاهد إثبات على أهمية الصورة والكلمة معا. ومع ذلك فثمة اختلاف بين تلك الأجناس في استعمال الصورة كما وكيفا. أما الكيف، فإن أهم ما ينبغي ملاحظته مثلا استعمال الصور الكلية بخاصة في شتىأجناس الخطاب الأدبي المعاصرة، سواء في ذلك الخطاب الروائي أم المسرحي أم الشعري أم المقال الوصفي. وأما الكم فإن الخطاب الشعري يجعل من الصوت والصورة ركنين رئيسن له. الصوت نبض قلب القصيدة. والصورة ماء حياتها.
ومنذ ظهور الكتابة والكتاب وقع التلازم بين الصورة والنص، وقد تعززت هذه العلاقة بتطور أشكال التواصل الجماهيري بحيث أصبح من النادر مصادفة صورة (ثابتة أو متحركة) غير مصحوبة بالتعليق اللغوي (سواء أكان مكتوبا أو شفهيا). فما هي العلاقات البنيوية التي تقوم بين الخطابين؟ هل يكتفي الخطاب اللفظي بتكرار ما في الصورة أم أنه يضيف إليه معلومات جديدة؟
للإجابة على مثل تلك الأسئلة، ثمة تحليلان قدما في هذا الصدد لابد من التوقف عندهما ومناقشتهما:
التحليل الأول قدمه رولان بارت الذي ذهب إلى أولوية قراءة الصور عبر وسيط اللغة. فالصور، حسب اعتقاده، لها دلالة لكن دلالاتها ليست أبدا مستقلة عن اللغة. وكل نظام سيميائي له تركبيته اللغوية، بحيث لا تكتسب العلامات دلالة إلا عبر تحويلها إلى نظام ذي دلالة، وبما أن اللغة هي النظام السيميوطيقي الوحيد فإن مكونات الصورة لا تكتسب دلالة إلا عبر دخولها في فلك اللغة. في هذا يذهب بارت إلى أن النص اللغوي الذي يحضر إلى جوار الصورة يؤدي إحدى هاتين الوظيفتين :
1- وظيفة الترسيخ Ancrage، ذلك أن الصورة تتسم بالتعدد الدلالي، أي أنها تقدم للمشاهد عددا كبيرا من المدلولات لا ينتقي إلا بعضها ويهمل البعض الآخر. ومن ثم فإن النص اللفظي يوجه إدراك المتلقي ويقود قراءته للصورة بحيث لا يتجاوز حدودا معينة في التأويل فالنص اللغوي إذن يمارس سلطة على الصورة ما دام يتحكم في قراءتها ويكبح جماحها الدلالي. وأكثر ما تشيع هذه الوظيفة في الصور الثابتة كالصور الفوتوغرافية الصحفية والملصقات الدعائية…الخ.
2- وظيفة التدعيم relais وتكون حين يقوم النص اللغوي بإضافة دلالات جديدة للصورة. بحيث إن مدلولاتهما تتكامل وتنصهر في إطار وحدة أكبر (قد تكون هي الحكاية في الشريط السينمائي مثلا)، وتندر هذه الوظيفة في الصور الثابتة. لكنها أكثر شيوعا في الصور المتحركة كالفيلم السينمائي والتلفزي والرسوم المتحركة…. إلخ.
وقد تتجاور الوظيفتان وتتعايشان في الملفوظ الواحد، عدا أن هيمنة إحداهما على الأخرى لا تعدم الدلالة "فطغيان التدعيم على الترسيخ معناه أن المتلقي ملزم بمعرفة اللسان لإدراك فحوى الرسالة، في حين أن طغيان الترسيخ معناه أن الملفوظ قائم على الحشو، وأن جهل المتلقي باللغة قد لا يحرمه من استيعاب دلالة الصورة" .
أما التحليل الثاني فقد قدمه جون ميتشل. يقول ميتشل إن دراسته حول الصورة هي دراسة "حول الكلمات logos، الأفكار، الخطاب أو العلم الخاص بدراسة الأيقونات Icons والصور، واللوحات، وهكذا فإنها تتعلق بـ"بلاغة الصورة" بمعنيين اثنين هما: أنها دراسة لما يمكن قوله حول الصور، أي ذلك التراث الكبير الذي يتعلق بالكتابة حول الفن، ومن ثم فهو معني بالوصف والتفسير للفنون البصرية، وثانيا أنها دراسة تدور حول ما تقوله الصور، أي الطريقة التي تبدو الصور من خلالها وكأنها تتحدث عن نفسها من خلال الإقناع وحكي القصص والوصف....إلخ" .
إن التفكير بالصورة- بحسب ميتشل- نوع من الإبدال الذي يربط بين نظريات الفن التشكيلي واللغة والعقل مع المفاهيم والتصورات الخاصة بالقيمة الاجتماعية والثقافية والسياسية. هكذا حاول ميتشل أن يوظف نقد فتجنشتين لنظرية الصورة الخاصة بالمعنى والنظريات الحديثة حول الشعر والصور العقلية. وعلم الأيقونات في رأي ميتشل هو أشبه بعلم نفس اجتماعي للصور أو الرموز، دراسة للكيفية التي تعمل بها الصورة وتصبح مؤثرة في الوعي الجمعي، وتجليات ذلك في الواقع الاجتماعي.
وقد حاول ميتشل أن يضع تصنيفا للصور كالاتي:









عائلة الصور كما اقترحها ميتشل
يرى ميتشل إن ظاهرة الصور والتفكير بالصور هي من الظواهر العامة التي تشتمل على مفاهيم وأفكار ومكونات عدة، منها- تمثيلا لا حصرا- الصور واللوحات والتماثيل والخداع الإدراكي والخرائط والرسوم التوضيحية والأحلام والمشاهد والصور المنعكسة والقصائد والذكريات وحتى الأفكار الموجودة على هيئة صور. وكل فرع من شجرة العائلة يحدد نوعا من الصور التي تعد مركزية في الخطاب الخاص بأحد الحقول المعرفية أو الثقافية. فالصور البصرية والصور العقلية تنتمي إلى علم النفس ونظرية المعرفة. وتنتمي الصور البصرية إلى علوم الفيزياء وإلى فروع التصوير والنحت. في حين تنتمي الصور اللفظية إلى النقد الأدبي وعلوم البلاغة....إلخ. وتعمل نظرية ميتشل على كشف المرئي في المنطوق المكتوب، مما يفصح عن دلاته المتغيرة، وإن كان في ذلك تحرير لنا من محدودية اللغة المنطوقة/ المكتوبة ذات التفسير الأحادي للمعنى. فهو من جانب آخر يثير فينا القلق إزاء تهاوي المفاهيم الراسخة. ويتدعي الأمر إيجاد منظور جديد لقراءة النص المرئي والمنطوق/ المكتوب بوصفهما يتلازمان معا ليكونا ما أطلق عليه ميتشل نص الصورة image ****، حيث استحالة فصل الكلمة عن الصورة، واستحالة فهم الصورة دون استعانة بالكلمة، وهكذا يفترض قراءة الأدب بوصفه تمثيلا ثقافيا، والثقافة كنتاج لعلاقة تبادلية متواصلة بين قراءة النصوص المتنوعة .
تعكس العلاقة بين الصور والكلمات داخل مجال التمثيل وعالم الدلالة والتواصل (التخاطب) تلك العلاقات التي تكون بين الرموز والعالم، بين العلامات ومعناها. ونحن قد نتصور أن المسافة الفاصلة بين الكلمات والصور مسافة كبيرة تماثل تلك المسافة الموجودة بين الكلمات والأشياء، أو بين الثقافة والطبيعة. غير أن هذا التصور يخالف الحقيقة فثمة دائما محاولة من الوعي لفك شفرة الصورة عبر الكلمات، وقد كانت بعض اللوحات في العصور القديمة تصحبها بطاقات صغيرة عليها كلمات تعبر عن بعض ما تحاول الشخصيات الموجودة في اللوحات أن تقوله وكذلك ما يحاول الفنان جاهدا أن يصورة. غير ان ميتشل يذكرنا بأن هناك اتجاها آخر يذهب في الاتجاه المعاكس، أي لا يتحرك من السطح البصري إلى العمق اللفظي، ولكن من السطح اللفظي إلى العمق البصري، أي الرؤية البصرية الموجودة تحت هذا السطح اللفظي، من الافتراضات اللغوية الرمزية إلى الصورة الموجودة في ذلك "الحيز المنطقي"، والتي تمنح اللغة أو الكلمات معناها. وهذا هو المقصود ببلاغة الصورة.
ويرى ميتشل أن فصل المنظومة المكتوبة عن الصورة هو اتجاه ينطوي على موقف أيديولوجي يعكس سعي الفكر الغربي الدائم إلى الفصل بين الروح والجسد، حيث ارتبطت اللغة بالروح، وارتبطت الصورة بالجسد، ومن ثم كانت عمليات تحطيم الصورة محاولة لإنقاذ الروح/ اللغة من خلال التخلص من كل ما يمثله الجسد/ الصورة من شرور وإغراءات وعوامل تهديد للروح، ويكمن تحرير الخيال- فيما يرى ميتشل- في قبول حقيقة أن معظم ما يبتكره الإنسان في عالمه الذي يحيا فيه، إنما هو محصلة للتفاعل بين التمثيلات اللفظية والبصرية، ومن هنا ينبغي أن ندرك أن الطبيعة تشتمل في جوهرها على هذا التفاعل الخصب الخاص بين طرفي الحوار هذين، الصورة والكلمات .
نتائج الدراسة ومقترحاتها
1- الأمر الأول يتعلق بحقل الثقافة البصرية ذاته. فالثقافة البصرية تبدأ في منطقة تقع بين الأنظمة الدراسية المستقرة، في مجال اللافني، واللالغوي..الخبرات، والصور البصرية غير الوسيطة أو المباشرة. إنها تشمل مجالا متسعا لما يمكن أن نسميه الرؤية العادية أو الرؤية في الحياة اليومية والتي تم تهميشها من جانب الفنون والوسائط البصرية. مثل فلسفة اللغة العادية ونظرية فعل الكلام، إنها تنظر إلي ممارساتنا الاجتماعية المصحوبة بالرؤية. إن المرئي ليس هو البنية الاجتماعية للبصر، بل البنية البصرية للمجتمع. وتلك مشكلة تقع في نطاق دراساته، ولن نجدها أبداً في تراث مباحث مثل الجماليات أو تاريخ الفن، ولا حتى في المباحث الجديدة لدراسات الوسائط. فالدراسات البصرية ليست مجرد نظام أو داعم مهم للمباحث التراثية التي تناولت المرئي، لكنها مبحث متداخل ينهل من نفس مصادرهم ويشكل موضوعا جديدا ومتميزا للبحث. ولذا فإن الثقافة البصرية لها مجالها الخاص ومبادئها الأساسية ومشكلاتها في وقتنا الراهن. وإن كان ثمة شيء آخر فإنها تحيلنا إلي المباحث التقليدية في العلوم الإنسانية والاجتماعية بعين جديدة وعقول منفتحة.
2- الأمر الثاني يتعلق بمكانة الثقافة البصرية في واقعنا الأكاديمي العربي، إذ لم يحظ الخطاب البصري، في فضائنا الثقافي، بالاهتمام ذاته الذي حظيت به الدراسات الأدبية، شفوية كانت أم مكتوبة، ولم يخصص بأي اعتراف جامعي، بل تم اقصائه وتهميشه على الساحة الثقافية بشكل عام. وما تم انجازه من دراسات أو بحوث جامعية لم يرق، بعد، إلى مستوى الخطاب البصري في تعدديته وتشابك علاقاته، وقدرته على التعالق بغيره من المجالات التعبيرية، بل إنها كثيراً ما حولته إلى خطاب أدبي موضوعاتي، يركز على المدلولات والمحتويات (الايديولوجية-الاجتماعية) دون محاولة تفسير كيف يعمل الخطاب البصري وكيف يؤثر؟ ويتمثل الحل في أتاحة الفرصة أكثر للدراسات الاكاديمية التي تحاول أن تفك شفرات الصور، وتدرك آليات اشتغالها وقدراتها على الفعل والتأثير*.
3- الأمر الثالث يتعلق بالدور الذي من الممكن أن تمارسه الصورة في الأنظمة الدراسية والتعليمية. إن تحليل الصور وتوظيفها في الِشأن التعليمي يتطلب انجاز مشاريع ثقافية جمعية، خاصة أن استخدام الأساليب البصرية في الشأن التعليمي والتربوي لا غنى عنه الآن، ويحقق نتائج مختلفة تماما عن أساليب التعليم التقليدية*. وفي مجال اللغة العربية ثمة محاولات بحثية تطبيقية في هذا الصدد، لكنها تظل محدودة مقارنة بمحاولات أخرى أكثر تقدما في مجال العلوم الإنسانية**.
4- في مجال البلاغة وخاصة في التحليل الناقد للخطاب critical discourse analysis يبدو إدراج الصورة بوصفها جزءا من الخطاب مسألة في غاية الأهمية. فالصورة المصاحبة للخطاب لها تأثير بالغ على المتلقي، فأحيانا تعمل الصورة على كشف زيف الكلام من خلال تحليل الإيماءات وأحيانا تمارس الصورة هيمنة على المتلقي تتجاوز هيمنة الخطاب اللفظي (من هذا على سبيل المثال الخلفيات التي يظهر فيها المتحدث والتي تكون في واقع الأمر منتقاه بعناية فائقة لإيصال رسالة محددة للمتلقي)***.
5- في نظرية النقد الأدبي يمكن القول أنه إذا كان للشعرية العربية المعاصرة منجزات مشهودة في دفع الصورة إلى طليعة عالم الخطاب، فإن النقد الأدبي لم يواكب ذلك ولم يسع حتى للإجابة عن أسئلة استدعتها تلك المنجزات، أسئلة على غرار: إذا كان للالتباس سبعة أنماط معروفة، فما أنماط الالتباس في الصورة؟ إلى أي مدى كانت الصورة أحد أسباب ضياع أرضية مشتركة بين الحداثيين والمتلقي؟ إذا كان إيقاع اللغة والحياة دائمي التغير، فهل هناك ما يمكن أن يسمى بإيقاع الصورة القولية وغير القولية، وأنه إيقاع يتغير في سرعته بتغير شروط الإنتاج المثلى في كل عصر؟ لماذا انفتحت بعض الأعمال الشعرية على الثقافة البصرية الجديدة عبر أعمال تشكيلية وسينمائية على حين أغلق النقد الأدبي عينيه عن تطوير منظورات ثقافية تحرر الفن الشعري من سلطة اللغة؟ إذا كانت الصورة تجمع فلماذا وسمت الصورة نظرتنا بالخصخصة أمام كثيثر من نماذج الشعراء الحداثيين؟ ما سمات عالم الصورة في الشعرية العربية عموما؟ إذا كان للقراءة أخلاقيات تحكمها، فهل يمكن الحديث عن أخلاقيات للصورة؟ كيف تبدو صورة العلاقة في الشعرية العربية المعاصرة بين الإيقاع والصورة ؟* تلك أسئلة ينبغي على النقد العربي التوقف من أجل محاولة الإجابة عنها. وهي نتاج العلاقة الطبيعية التاريخية بين الصورة واللغة.
6- بصفة عامة ما زالت دراسات الصورة من المنظورات الثقافية على مستوى المضمون والشكل بعيدة بعدا بالغا عن أن تتطور لتأخذ شكل نظرية ما. هذه الحالة تدعونا إلى التساؤل عن العلاقة بين الصورة والثقافة من ناحية، وإلى التساؤل عن صفة الثقافة التي تختص الصورة بإنتاجها أو التعبير عنها من ناحية أخرى. ومن هذا المنطلق يمكن اقتراح مجموعة من المحاور التي يمكنها أن تكشف عن تلك العلاقة في عمومها: الصورة من حيث علاقتها بالنسق التصوري الذي يحكم تفكيرنا وسلوكنا- الصورة من حيث أبعادها الاجتماعية- الصورة من حيث مرجعيتها الإيديولوجية- الصورة من حيث هي علامة سيميائية.














مراجع الدراسة
- المراجع العربية:
1- بدر الدين مصطفى، سلطوية الصورة المرئية. الجزائر، مجلة الحوار الثقافي، 2013.
2- دافيد كوك (1999) تاريخ السينما الروائية، ترجمة أحمد يوسف، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب. ص9.
3- سوزان القليني (1972) الاختراق الإعلامي الأجنبي في الوطن العربي. مجلة شؤون عربية. العدد 70.
4- صلاح فضل (1996) أساليب الشعرية المعاصرة. القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة.
5- صلاح فضل (1997) قراءة الصورة وصور القراءة. القاهرة، دار الشروق.
6- عبد الله الغذامي (2000) النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية. المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء.
7- عبد الله الغذامي (2004) الثقافة التليفزيونية: سقوط النخبة وبزوغ الشعبي. بيروت، المركز الثقافي العربي، ص25.
8- كريس جينكس (2014) الثقافة البصرية. ترجمة بدر الدين مصطفى، القاهرة، منشورات مركز جامعة القاهرة للغات والترجمة، ص 9.
9- محمد العبد، الصورة والثقافة والاتصال، فصول، 62، 2003.
10- محمد الماكري (1991)، الشكل والخطاب: مدخل لتحليل ظاهراتي. بيروت، المركز الثقافي العربي.
11- محمد عبد المطلب (2012) ثقافة الصورة. مجلة الدوحة الثقافية، العدد 56، ص 44.
12- مصطفى ناصف (2000) ثقافتنا والشعر. القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة.
- المراجع الأجنبية:
13- Christian Metz (1974) Film ********: A Semiotics of the Cinema.Translated by Michael Taylor. New York: Oxford University Press.
14- Derrida, Jacques (1967): Of Grammatology. Translated by Gayatri Chakravorty Spivak Baltimore: John Hopkins University Press.
15- Dikovitskaya, Margaret (2005). Visual Culture: The Study of the Visual after the Cultural Turn (1st ed.). Cambridge, Ma: The MIT Press.
16- H.Foster (1988) Visions and Visuality. Seattle: Bay View Press.
17- J.Berger (1972) Ways of Seeing. London: BBC.
18- L.Wittgenstein (1961) Tractatus Logico-Philosophicus. London: Routledge & Kegan Paul 1961.
19- M. Jay (1989) ‘In the empire of the gaze’ In L.Appingnanesi (ed.), Postmodernism. ICA Documents. London, Free Association Books.
20- M. Jay (1992) ‘Scopic Regimes of Modernity "in" S.Lash and J.Friedman Modernity and Identity. Oxford: Blackwell .
21- M. Jay (1993) Down cast Eyes: The Denigration of Vision "in" Twentieth-Century French Thought. Berkeley: University of California Press.
22- M.Merleau-Ponty (1964) The Primacy of Perception. Evanston: Northwestern University Press.
23- Mitchell, W.J.T.(2002) “Showing seeing: a critique of visual culture”, Journal Of Visual Culture, Vol 1(2).
24- R.Barthe (1977) Rehtoric of Image, in Image, Music, ****. Ed. and trans. Stephen Heath. New York: Hill and Wang.
25- R.Rorty (1980) Philosophy and the Mirror of Nature. Oxford: Blackwell,
26- Rarey, Matthew (2012). "Visualism". In Burns, James; McGuire, Kristi. Theorizing Visual Studies: Writing Through the Discipline. Routledge.
27- Roland Barthes'(1981) Camera Lucida: Reflections on Photography. trans. Richard Howard. New York: Farrar, Straus and Giroux.
28- Svetlana Alpers (1996), Visual Culture questionnaire, October, 77, 1996.
29- W.Ivins (1973) On the Rationalization of Sight. New York: Da Capo.
30- W.j.t. mitchell (1986) Iconology: Images, ****, ideology, University of Chicago Press.
31- W.J.T. Mitchell (1986) Picture Theory: Essays on Verbal and visual. Chicago: University of Chicago Press.
32- W.j.t. mitchell (1994) Picture Theory: Essays on Verbal and Visual Representation. Chicago: University of Chicago Press.
33- W.Mitchell (1986) Iconology: Image, ****, Ideology. Chicago: University of Chicago Press.



الثقافة البصرية بوصفها مجالا معرفيا shatharat20172.png

hgerhtm hgfwvdm f,wtih l[hgh luvtdh fdkdh

__________________
(اللهم {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} (البقرة:201)
Eng.Jordan غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
مجالا, معرفيا, البشرية, الثقافة, بينيا, تنصفها

مواضيع ذات صله بحوث ودراسات منوعة


« دراسة حول تفعيل دور الحوكمة الالكترونية في مؤسسات التعليم العالي | - »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تركيا ستنشئ مجالا أمنيا داخل سوريا بعمق 30 كيلو مترا Eng.Jordan أخبار عربية وعالمية 1 01-22-2018 12:15 AM
ما هي قصة م. هدى الشيشاني؟.. الاشغال تهددها ومكافحة الفساد تنصفها Eng.Jordan الأردن اليوم 0 08-20-2017 08:55 AM
الثقافة البائسة صابرة الملتقى العام 0 04-30-2015 06:55 AM
حكومة السعودية ترى بتوسعات الحرم المكي مجالا لتنويع مصادر دخلها عبدالناصر محمود أخبار اقتصادية 0 10-24-2013 08:15 AM
الثقافة توفيق بن علو أخبار ومختارات أدبية 1 06-29-2012 02:30 PM

 

  sitemap 

 

جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 02:14 PM.