تذكرني !

 





بحوث ودراسات منوعة أوراق بحثية ودراسات علمية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #5  
قديم 05-16-2017, 08:01 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 22,242
ورقة تأملات في النصرانية... بولس الرسول (5)

تأملات في النصرانية... بولس الرسول (5)
ــــــــــــــــــــــ


(نبيل محمد سعيد عبدالعزيز)
ــــــــــــــ

20 / 8 / 1438 هـ
16 / 5 / 2017 م
ــــــــــــ





" بمناسبة صوم الرسل كنت في الإسكندرية يوم الأحد الماضي 30 مايو 2010 وتكلمت عن الآباء الرسل بصفة عامة. أريد اليوم أن أكلمكم عن واحد من هؤلاء الآباء الرسل أحبه جدًا وهو في نظري من أعظم الآباء الرسل بلا قياس. وهو بولس الرسول. أريد أن أكلمكم اليوم عن بولس الرسول. إن غالبية الرسل كانوا أشخاص غير مثقفين، قال عنهم بولس نفسه "بَلِ اخْتَارَ اللهُ جُهَّالَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الْحُكَمَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ ضُعَفَاءَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الأَقْوِيَاءَ". (رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 1: 27 ) وكانوا غالبيتهم من الصيادين. وعندما عمل بطرس ويوحنا بالكرازة في أول العصر الرسولي وقبض عليهم يقول الإنجيل "وجدوا أنهما إنسانان عاميان": "فَلَمَّا رَأَوْا مُجَاهَرَةَ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا، وَوَجَدُوا أَنَّهُمَا إِنْسَانَانِ عَدِيمَا الْعِلْمِ وَعَامِّيَّانِ، تَعَجَّبُوا. فَعَرَفُوهُمَا أَنَّهُمَا كَانَا مَعَ يَسُوعَ" (سفر أعمال الرسل 4: 13) أي غير مثقفين.

أما بولس فكان رجلًا مثقفًا إلى أبعد الحدود. فمن الناحية العلمانية درس في جامعة طرسوس. وكان اسمه شاول الطرسوسي. ومن الناحية الدينية تتلمذ عند قدمي غمالائيل أعظم أساتذة الناموس في عهده. ففي الماضي كان الأساتذة أو المعلمين يجلسون على كراسي والتلاميذ يجلسون على الأرض عند قدميهم. لذلك يقول الإنجيل عن بولس الرسول أنه تتلمذ عند قدمي غمالائيل. وأيضًا كان من الناحية الدينية من المدققين جدًا في الشريعة ولذلك قال عن نفسه "كنت فريسيًا ابن فريسي" (أَنَا فَرِّيسِيٌّ ابْنُ فَرِّيسِيٍّ) (سفر أعمال الرسل 23: 6)، والفريسيين كانوا أكثر الناس مدققين -ولو نظريًا- في مسألة العقيدة". (1) (شنودة الثالث)

ترك بولس دمشق وانطلق لينعزل في العربية، تلك العزلة التي لم يُسجل عن تفاصيلها شيء، والتي يرى القمص متى المسكين_ بدون أن يقدم دليل_ أنها كانت فترة مراجعة وتوبة ودراسة على يد الروح القدس، وانفتاح وعي الإيمان على أعلى وأعمق إمكانياته (2)، خلافاً لإشارة لوقا في سفر أعمال إلى أن بولس قد بدأ نشر دعوته فور إفاقته من أثر الحادثة التي تعرض لها قبيل دخوله دمشق: " وَلِلْوَقْتِ جَعَلَ يَكْرِزُ فِي الْمَجَامِعِ بِالْمَسِيحِ «أَنْ هذَا هُوَ ابْنُ اللهِ». (أع 9: 20) ، فهل نشر الدعوة يسبق التوبة والدراسة والمراجعة!!!. بيد أننا لا يمكن أن ننكر أن تلك السنوات الثلاث وبالرغم من الستار من الدخان الذي ضرب حولها وحول الأحداث والتطورات التي وقعت فيها، فإنها كانت فترة دراسة ومراجعة لكثيرٍ من الأفكار التي أُعلنت في الفترة اللاحقة، وشكلت الديانة الأبرز انتشاراً في وقتنا الحالي.

جديرٌ بالذكر فإن بولس الرسول برر خروجه أو هروبه من دمشق إلى العربية، بأنه تعرض لمكيدة مدبرة لقتله، وفيما يؤكد لوقا على أن المكيدة كانت من اليهود: " 22 وَأَمَّا شَاوُلُ فَكَانَ يَزْدَادُ قُوَّةً، وَيُحَيِّرُ الْيَهُودَ السَّاكِنِينَ فِي دِمَشْقَ مُحَقِّقًا «أَنَّ هذَا هُوَ الْمَسِيحُ». 23 وَلَمَّا تَمَّتْ أَيَّامٌ كَثِيرَةٌ تَشَاوَرَ الْيَهُودُ لِيَقْتُلُوهُ، 24 فَعَلِمَ شَاوُلُ بِمَكِيدَتِهِمْ. وَكَانُوا يُرَاقِبُونَ الأَبْوَابَ أَيْضًا نَهَارًا وَلَيْلاً لِيَقْتُلُوهُ. 25 فَأَخَذَهُ التَّلاَمِيذُ لَيْلاً وَأَنْزَلُوهُ مِنَ السُّورِ مُدَلِّينَ إِيَّاهُ فِي سَلّ." (أع 9: 22_25). نرى بولس يخبرنا بأن المكيدة كانت من صنع والي المدينة: " 32 فِي دِمَشْقَ، وَالِي الْحَارِثِ الْمَلِكِ كَانَ يَحْرُسُ مدِينَةَ الدِّمَشْقِيِّينَ، يُرِيدُ أَنْ يُمْسِكَنِي، 33 فَتَدَلَّيْتُ مِنْ طَاقَةٍ فِي زَنْبِيل مِنَ السُّورِ، وَنَجَوْتُ مِنْ يَدَيْهِ." (2كو 11: 32_33).
غير أننا نفاجئ بعودته مرة أخرى لدمشق ثم ذهابه إلى أورشليم، دون أن يُكشف عن ما يوحي بتغير الأوضاع التي دفعته للهروب من دمشق، أو تبدل موقف اليهود أو موقف والي المدينة تجاهه: " لَمَّا سَرَّ اللهَ الَّذِي أَفْرَزَنِي مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَدَعَانِي بِنِعْمَتِهِ 16 أَنْ يُعْلِنَ ابْنَهُ فِيَّ لأُبَشِّرَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، لِلْوَقْتِ لَمْ أَسْتَشِرْ لَحْمًا وَدَمًا 17 وَلاَ صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ، إِلَى الرُّسُلِ الَّذِينَ قَبْلِي، بَلِ انْطَلَقْتُ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ، ثُمَّ رَجَعْتُ أَيْضًا إِلَى دِمَشْقَ. 18 ثُمَّ بَعْدَ ثَلاَثِ سِنِينَ صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ لأَتَعَرَّفَ بِبُطْرُسَ، فَمَكَثْتُ عِنْدَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا." (غل1: 15_ 18) .

وقبل أن نتحدث عن علاقة بولس بالحواريين (تلاميذ المسيح)، أحب أن نلقي الضوء قليلاً على الخلفية الدينية لبولس، فقد دأب بولس على الإشارة إلى ماضيه باعتباره يهودياً من أسرة يهودية عريقة،فريسية متمسكة بعقيدتها، رابضة على يهوديتها، فيفتخر بأصل جنسه اليهودي وسبطه وتلقيه الشريعة اليهودية عند رجلي عالمها الأجل في زمانه غمالائيل، ومن ذلك قوله:

- «أَنَا رَجُلٌ يَهُودِيٌّ وُلِدْتُ فِي طَرْسُوسَ كِيلِيكِيَّةَ، وَلكِنْ رَبَيْتُ فِي هذِهِ الْمَدِينَةِ مُؤَدَّبًا عِنْدَ رِجْلَيْ غَمَالاَئِيلَ عَلَى تَحْقِيقِ النَّامُوسِ الأَبَوِيِّ. وَكُنْتُ غَيُورًا للهِ كَمَا أَنْتُمْ جَمِيعُكُمُ الْيَوْمَ." ( أع 22 : 3 )
- " مِنْ جِهَةِ الْخِتَانِ مَخْتُونٌ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ، مِنْ جِنْسِ إِسْرَائِيلَ، مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ، عِبْرَانِيٌّ مِنَ الْعِبْرَانِيِّينَ. مِنْ جِهَةِ النَّامُوسِ فَرِّيسِيٌّ." (فيلبي 3: 5) .

- " «أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، أَنَا فَرِّيسِيٌّ ابْنُ فَرِّيسِيٍّ." (أع23 : 6 )

- "إِنِّي أَشْكُرُ اللهَ الَّذِي أَعْبُدُهُ مِنْ أَجْدَادِي بِضَمِيرٍ طَاهِرٍ" (2 تي 1 : 3)

- " فَأَقُولُ: أَلَعَلَّ اللهَ رَفَضَ شَعْبَهُ؟ حَاشَا! لِأَنِّي أَنَا أَيْضًا إِسْرَائِيلِيٌّ مِنْ نَسْلِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ." (الرسالة إلى أهل روما 11: 1)

- كما يظهر تأثر بولس بالتوراة حيث اقتبس حوالي 180 آية من التوراة ووضعها بين ثنايا رسائله.

بيد أن هناك بعض الدلالات التي تؤكد لنا أن يهودية بولس لم تكن يهودية خالصة، بل خُلطت بكثيرٍ من العقائد الوثنية التي كانت تنتشر في موطنه ومسقط رأسه، مما يوحي بأن بولس لم يكن يهودياً بالولادة، بل نشأ وترعرع مشبعاً بعقائد وثنية، وفي مرحلة ما من حياته اعتنق اليهودية، سواء أكان هذا في مسقط رأسه أو بعد انتقاله إلى أورشليم. فكانت اليهودية إحدى الروافد الفكرية التي استقى منها عقائده وأفكاره ولكنها لم تكن الرافد الوحيد كما لم تكن الرافد الرئيسي. وربما هذه الفرضية (فرضية تهود بولس) تفسر لنا أسباب العداء المفرط الذي أبداه بولس تجاه النصارى الأوائل فربما لجأ لهذا السلوك كطريق لإثبات قوة وصدق إيمانه وعمق إخلاصه لدينه الجديد أمام محيطه اليهودي، وذلك بدافع نفساني أو دافع مادي. كما تفسر لنا توجهاته العقائدية التي سنتحدث عنها تباعاً فيما بعد بإذن الله تعالى، وفي إطار البحث في تلك الفرضية، سنلجأ إلى تناول عدة قضايا رئيسية ونقارن بين الرؤية اليهودية لها وبين رؤية بولس.
-ولتكن البداية بقضية التوحيد، حيث تشير نصوص التوراة إلى وحدانية الله، ومن ذلك: "«اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ." ( تثنية 6: 4 ) وكانت أولى الوصايا العشر: " لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي." (خروج 20: 3). ويؤكد إرميا على أن الله إله حق، حي وأبدي: "أَمَّا الرَّبُّ الإِلهُ فَحَقٌّ. هُوَ إِلهٌ حَيٌّ وَمَلِكٌ أَبَدِيٌّ."( إرميا 10: 10) . ونفس المعنى يؤكده حزقيال: " حَيٌّ أَنَا، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، " (حزقيال 18: 3) .

بينما نصوص بولس تذهب في اتجاه آخر: " وَإِلهُ السَّلاَمِ الَّذِي أَقَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ رَاعِيَ الْخِرَافِ الْعَظِيمَ، رَبَّنَا يَسُوعَ، بِدَمِ الْعَهْدِ الأَبَدِيِّ،". (عبرانيين 13: 20 ).

-وبخصوص قضية المسيح المخلص " משיח "، نرى أن المسيح المخلص في اليهودية، هو الذي سوف يخلصهم ويبدأ عهداً جديداً وهو " أيام المسيح ", حيث يعيش البشر حياة سعيدة صالحة قائمة على السلام والعدل, وقد أدى هذا الأمل في مجئ " المسيح المخلص " إلى ظهور عدة حركات مسيحانية في التاريخ اليهودي تتعجل النهاية. وقد ظهرت عدة أساطير متعارضة في فترة الشتات الطويلة بشأن مجئ المسيح، إلا أن النبوءة المسيحانية حسبما ترد في التلمود والمدراشيم تؤكد موضوع الخلاص السياسي, حيث ينقذ المسيح ابن داوود اليهود من ضائقتهم ويحقق نبؤة الدولة اليهودية الكاملة المؤسسة بأحكام التوراة, وتتمركز في وسطها ( القدس ) المشيدة وفيها الهيكل, ويتجمع شتات اليهود مع مجئ " المسيح المخلص ", ويسبق مجيئه فترة من المظالم والاضطرابات الشديدة أو ما يسمى ( الآم مجئ المخلص ) " חבלי משיח ". (3)

أما بولس فكان أول ما بدأ دعوته في دمشق كان : "وَلِلْوَقْتِ جَعَلَ يَكْرِزُ فِي الْمَجَامِعِ بِالْمَسِيحِ «أَنْ هذَا هُوَ ابْنُ اللهِ»." (أع 9: 20).
_______________________
(1) جزء من عظة مكتوبة للبابا شنودة الثالث (بطريرك الأقباط الأرثوذكس السابق) تحت عنوان القديس بولس الرسول، لمطالعة العظة كاملة، انظر:
http://st-takla.org/Full-Free-Coptic...e-Apostle.html
(2) متى المسكين، القديس بولس الرسول: حياته. لاهوته. أعماله، مطبعة دير القديس أنبا مقار _ وادي النطرون، 1992م، ص 77.
(3) د. رشاد الشامي, موسوعة المصطلحات الدينية اليهودية , المكتب المصري لتوزيع المطبوعات، القاهرة، 2002م , ص 199 .



ـــــــــــــــــــــــ
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 05-16-2017, 08:05 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 22,242
ورقة تأملات في النصرانية... بولس الرسول (6)

تأملات في النصرانية... بولس الرسول (6)
ـــــــــــــــــــــ


(نبيل محمد سعيد عبدالعزيز)
ــــــــــــــ

20 / 8 / 1438 هـ
16 / 5 / 2017 م
ــــــــــــ







نستكمل في هذا المقال ما بدأناه سالفاً من مقارنة بعض ما جاءت به الشريعة اليهودية بما جاء به بولس، في سعي منا لاستكشاف خلفيته الدينية وروافده العقدية والفكرية، وذلك للاستدلال على ما نراه من أن بولس لم يكن يهودي الأصل كما كان يدعي ويُروج، بل هو في الحقيقة متهود من أصول وثنية، شكلت الوصايا التوراتية الصارمة عبءً ألجمه وأثقل كاهله. ومن ثم كانت الشرائع الجديدة التي دعا لها بولس الرسول هي بمثابة محاولة للفكاك مما رآه قيوداً قاسية وأغلالاً عاتية، أحيطت به عقب اعتناقه لليهودية، وربما لم يجد نفسه قادراً على التعايش مع كل تلك القواعد الدينية التي تحكم كافة تفاصيل حياة اليهودي، والتي من المؤكد أنه لو كان ولد يهودياً لأسرة فريسية لكانت تلك القواعد أحد أركان حياته التي لا تقوم إلا بها، وكانت من المسلمات التي لا يجرؤ على تجاوزها أو نقضها. وبخاصة أن النصرانية في عهد المسيح لم تقدم نفسها كديانة مغايرة ومستقلة عن اليهودية، بل قدمت نفسها بصورة هي أقرب ما تكون إلى صورة الحركات الإصلاحية التي تهدف إلى الإصلاح وتثبيت المبادئ، وذلك وفق ما جاء على لسان المسيح في عظة الجبل: " 17 «لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ. 18 فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ." (متى5 : 17_18) .

وأيضاً قوله: «عَلَى كُرْسِيِّ مُوسَى جَلَسَ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ، 3 فَكُلُّ مَا قَالُوا لَكُمْ أَنْ تَحْفَظُوهُ فَاحْفَظُوهُ وَافْعَلُوهُ، وَلكِنْ حَسَبَ أَعْمَالِهِمْ لاَ تَعْمَلُوا، لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ وَلاَ يَفْعَلُونَ." (متى23: 2_3). كما أن سيرة المسيح تخلو من تسجيل أي أفعال تناقض الناموس.
جديرٌ بالذكر فقد فرضت اليهودية ستمائة وثلاثة عشر فريضة " תרי"ג המצוות "، وهي بحسب التوراة الشرائع التي أوحيت إلى ( موسى ) في سيناء ، ومن بينها ثلاثمائة وخمس وستون شريعة ناهية ، أي " لا تفعل " ، بما يتناسب مع أيام السنة الشمسية ، ومائتان وثماني وأربعون شريعة مفروضة ، أي شريعة " افعل " ، بما يتناسب مع عدد أعضاء جسم الإنسان . (1)

ويرى القمص متى المسكين أن: "بولس الرسول هو الوحيد من بين الرسل الذي أدرك انتهاء سلطان الناموس بمجيء المسيح وموته على الصليب، وذلك حينما دعاه الله لبشارة الإنجيل بين الأمم، فكرز بإنجيل المسبح بدون ناموس ولا سبت ولا ختان ولا أعياد يهودية ولا عادات ولا تعاليم فرَّيسية..". ثم يعود ليؤكد متى المسكين الأمر نفسه بقوله: " لقد اكتشف بولس أنه بمجرد أن استُعلن له المسيح _وهو في طريقه إلى دمشق ليقتل المؤمنين بالمسيح هناك_ أن غيرته للناموس قد أوقعته في أخطر جريمة، وأن صوت المسيح من السماء:" أَنَا يَسُوعُ الَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ" (أع9: 5) قد أيقظ الضمير الذي لم يستطع الناموس أن يوقظه بل بالعكس كان قد طمس معالم الحق فيه؛ إلى هنا انتهى الناموس عند بولس. وحينئذٍ استعلن له بأجلى صورة أن دور الناموس قد انتهى بمجيء المسيح، وأن أي تمسك بالناموس بعد مجيء المسيح هو التجديف بعينه؛ بل ويصير علة لقتل المسيح نفسه كما حدث على الصليب أو كما حدث بيدي بولس نفسه!" . (2)

وعلى سبيل المثال كانت قد حددت الشريعة اليهودية مجموعة من القواعد الصارمة للطعام تسمي ( كشيروت ) " כשרות ". والـ ( كشيروت ) " כשרות " صيغة جمع من كلمة ( كاشير ) " כשר " وتعني " مناسب " أو " مُلائم "، وتُستخدم هذه الكلمة لتشير إلى مجموعة القوانين الخاصة بالأطعمة وطريقة إعدادها وطريقة الذبح الشرعي عند اليهود، وهذه القوانين تحرم على اليهودي أكل أنواع معينة من الطعام وهي تتعلق أساساً بلحوم الحيوانات، إلا أن هناك بعض المحرمات الأُخرى، مثل: ثمرة الشجرة التي لم يمض على غرسها سوى أربعة أعوام، أو أي نبات غُرس مع نبات أخر، كما يحظر كذلك شرب خمر أعدها أو لمسها شخص من الأغيار (غير اليهود)، بل يُحرَّم أيضاً أكل خبز أو طعام أعده شخص من الأغيار حتى لو أُعد حسب قوانين الطعام " كشيروت "، كما يُحرَّم أكل الخبز المُخمَّر في "عيد الفصح"، أما بالنسبة إلى لحوم الحيوانات، فالأمر كالتالي :

1- يحل لليهودي أن يأكل الحيوانات والطيور النظيفة، وهي الحيوانات ذوات الأربع ، التي لها ظلف مشقوق وليس لها أنياب وتأكل العشب وتجتر ، والطيور الأليفة التي يمكن تربيتها في المنازل والحقول، وبعض الطيور البرية آكلة العشب والحب، ويُحرَّم أكل " الخيل " و " البغال " و " الحمير " و " الجمال " و " الأرانب " لأنها ليست لها أظلاف مشقوقة، ويُحرَّم " الخنزير " لأنه ذو ناب، أما الطيور غير النظيفة فهي كل طير له منقار معقوف أو مخلب، وهي أوابد الطير التي تأكل الجيف، مثل " الصقر " و " النسر " و " البومة " و " الحدأة " و " الببغاء ".

2- يُحرَّم أيضاً أكل أجزاء معينة من الحيوانات مثل " عرق النسا " ، كذلك يُحرَّم أكل أجزاء الحيوان الذي لا يزال حياً، كما يُحرَّم اللحم الذي لم يُسحب منه الدم من خلال " التمليح " " המלחה "، وتتم تلك العملية عن طريق غسل اللحم لمدة ثلاثين دقيقة ، ثم تصفية ما تبقى من الدم، وتغطية اللحم لمدة ساعة بالملح، ثم يغسل اللحم مما تبقى من دم وملح، وعادةً ما يقوم الذابح الشرعي بهذه المهمة.

3- يجوز أكل " السمك " الذي له زعانف وعليه قشور، و يُحرَّم أكل " الجمبري " و " الإستاكوزا " و " الكابوريا " وأنواع " الأخطبوط " و " المحار ".

4- يُحرَّم أكل الحشرات والزواحف باستثناء أربعة أنواع من " الجراد " .

5- يُحرَّم الجمع بين اللبن واللحم في إناءٍ واحد، أو وضع اللحم في إناء كان قد وضع فيه لبن أو جبن من قبل، أو أن يستعمل سكين واحدة في تقطيع اللحوم والجبن أو ما إليهما، كما يُحرَّم الجمع بينهما في وجبة واحدة ، وكان ورد في التوراة ثلاث مرات ( لاَ تَطْبُخْ جَدْيًا بِلَبَنِ أُمِّهِ ) . (3)

أما بولس الرسول فنقض قوانين الأطعمة ونفضها ورأى أن " كُلُّ شَيْءٍ طَاهِرٌ لِلطَّاهِرِينَ، وَأَمَّا لِلنَّجِسِينَ وَغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَيْسَ شَيْءٌ طَاهِرًا، بَلْ قَدْ تَنَجَّسَ ذِهْنُهُمْ أَيْضًا وَضَمِيرُهُمْ. " (تي 1: 15). وأكد على هذا بقوله: " لأَنَّ كُلَّ خَلِيقَةِ اللهِ جَيِّدَةٌ، وَلاَ يُرْفَضُ شَيْءٌ إِذَا أُخِذَ مَعَ الشُّكْرِ". (1 تيموثاوس 4: 4 )

ولم يقتصر الأمر على قوانين الأطعمة بل عمد بولس الرسول إلى إلغاء أحد أهم الشعائر في اليهودية، وهو الختان، ويعد الختان علامة العهد الذي بين الله وإبراهيم وذريته من بعده على مرّ الأجيال بحسب ما ورد في سفر التكوين من التوراة : "وَقَالَ اللهُ لإِبْرَاهِيم: «وَأَمَّا أَنْتَ فَتَحْفَظُ عَهْدِي، أَنْتَ وَنَسْلُكَ مِنْ بَعْدِكَ فِي أَجْيَالِهِمْ. 10 هذَا هُوَ عَهْدِي الَّذِي تَحْفَظُونَهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ: يُخْتَنُ مِنْكُمْ كُلُّ ذَكَرٍ، 11 فَتُخْتَنُونَ فِي لَحْمِ غُرْلَتِكُمْ، فَيَكُونُ عَلاَمَةَ عَهْدٍ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. 12 اِبْنَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ يُخْتَنُ مِنْكُمْ كُلُّ ذَكَرٍ فِي أَجْيَالِكُمْ " (تك 17: 9_ 12). وهو من أساسيات انتماء الشخص إلى العقيدة اليهودية, كما أنه أحد الإجراءات الضرورية لتعميد الطفل, وتمييز الإسرائيلي عن بقية الشعوب . أما بولس فرأى أن: " لَيْسَ الْخِتَانُ شَيْئًا، وَلَيْسَتِ الْغُرْلَةُ شَيْئًا، بَلْ حِفْظُ وَصَايَا اللهِ" ( 1 كو 7_ 19) .

------------------------------
(1) د. رشاد الشامي, موسوعة المصطلحات الدينية اليهودية , المكتب المصري لتوزيع المطبوعات، القاهرة، 2002م , ص 315 .
(2) متى المسكين، القديس بولس الرسول: حياته. لاهوته. أعماله، مطبعة دير القديس أنبا مقار _ وادي النطرون، 1992م، ص 320 و ص 326_ 327.
(3) انظر: عبد الوهاب المسيري ( د ) ، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية . الموسوعة الموجزة ، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الثالث، 2006م، الجزء الثاني ، ص 48 _ 49 . وانظر: د. رشاد الشامي, مرجع سابق، ص 78 _ 79 .



ــــــــــــــــــــــــــ
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 05-16-2017, 08:08 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 22,242
ورقة تأملات في النصرانية... بولس الرسول (7)

تأملات في النصرانية... بولس الرسول (7)
ــــــــــــــــــــــ


(نبيل محمد سعيد عبدالعزيز)
ــــــــــــــ

20 / 8 / 1438 هـ
16 / 5 / 2017 م
ــــــــــــ





يُعَد ( يوم السبت ) " יום שבת " العيد الأسبوعي أو يوم الراحة عند اليهود، ويُحرَّم فيه العمل استناداً على ما ورد في التوراة : " فَأُكْمِلَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَكُلُّ جُنْدِهَا . َفَرَغَ اللهُ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ مِنْ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ . فَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِل َ. وَبَارَكَ اللهُ الْيَوْمَ السَّابعَ وَقَدَّسَه، لأَنَّهُ فِيهِ اسْتَرَاحَ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ اللهُ خَالِقًا " ( تكوين 2 _ 1 : 3 )، كما تؤكد أسفار موسى الخمسة في أكثر من موضع على ضرورة الحفاظ على شعائر السبت كعهد دائم بين الإله وبني إسرائيل وبهذا يصبح السبت إحدى علامات الاصطفاء، ولم يكن عند اليهود خطيئة تفوق التفريط في شعائر يوم السبت إلا عبادة الأوثان . ويُحرَّم على اليهودي يوم السبت أن يقوم بكل ما من شأنه أن يشغله عن ذكر الإله، مثل العمل وإيقاد النار، وضمن ذلك النار التي تُوقَد للطهو أو التدفئة، وكذلك يُحرَّم السفر بل والمشي مسافة تزيد عن نصف ميل، ويُحرَّم كذلك إنفاق النقود أو تسلمها، كما تُحرَّم الكتابة، وفي التلمود جزءٌ كامل عن الأفعال المُحرَّم على اليهودي القيام بها يوم السبت . ( 1 )

ويعتبر الحفاظ على حرمة السبت إحدى الوصايا العشر اليهودية، التي يُهدد خرقها بعقوبة مروعة تنزل بالمخالفين ، كما ورد في سفر ( إرميا 17 _ 27 ) " وَلكِنْ إِنْ لَمْ تَسْمَعُوا لِي لِتُقَدِّسُوا يَوْمَ السَّبْتِ لِكَيْلاَ تَحْمِلُوا حِمْلاً وَلاَ تُدْخِلُوهُ فِي أَبْوَابِ أُورُشَلِيمَ يَوْمَ السَّبْتِ، فَإِنِّي أُشْعِلُ نَارًا فِي أَبْوَابِهَا فَتَأْكُلُ قُصُورَ أُورُشَلِيمَ وَلاَ تَنْطَفِئُ " . ( 2 ) ويبدأ يوم السبت مع حلول مساء يوم الجمعة ( اليوم السادس ) وينتهي بحلول ليل اليوم السابع، وقد سُمي " السبت " بذلك لسببان وفقاً للتوراة ، أولهما : إشارة للعالم " لأَنْ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ صَنَعَ الرَّبُّ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا ، وَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ . لِذلِكَ بَارَكَ الرَّبُّ يَوْمَ السَّبْتِ وَقَدَّسَهُ " ( خروج 20 : 11 ) . والسبب الثاني : " .. لِكَيْ يَسْتَرِيحَ ، عَبْدُكَ وَأَمَتُكَ مِثْلَكَ . وَاذْكُرْ أَنَّكَ كُنْتَ عَبْدًا فِي أَرْضِ مِصْرَ ، فَأَخْرَجَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ مِنْ هُنَاكَ بِيَدٍ شَدِيدَةٍ وَذِرَاعٍ مَمْدُودَةٍ . لأَجْلِ ذلِكَ أَوْصَاكَ الرَّبُّ إِلهُكَ أَنْ تَحْفَظَ يَوْمَ السَّبْتِ " ( تثنية 5 : 14 _ 15 ) .

وتكمن أهمية قضية " يوم السبت " في حقيقة أن حفظ يوم السبت أحد ثلاثة مفاهيم اجتماعية رئيسية للديانة اليهودية، والتي يُستشهد بها للتعريف اليهودية والتمييز بينها وبين المعتقدات الأخرى، والمبدآن الآخران هما ( قواعد الطعام ) " כשרות " ، و ( طهارة العائلة _ القواعد الجنسية ) " טהרת המשפחה " .

وبحسب الإنجيل فقد حافظ المسيح في حياته على حرمة السبت، وفق الشريعة اليهودية: "وَفِي السَّبْتِ الثَّانِي بَعْدَ الْأَوَّلِ اجْتَازَ بَيْنَ الّزُرُوعِ. وَكَانَ تَلَامِيذُهُ يَقْطِفُونَ السَّنَابِلَ وَيَأْكُلُونَ وَهُمْ يَفْرُكُونَهَا بِأَيْدِيهِمْ. فَقَالَ لَهُمْ قَوْمٌ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ: "لِمَاذَا تَفْعَلُونَ مَا لَا يَحِلُّ فِعْلُهُ فِي السُّبُوتِ؟" فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: "أَمَا قَرَأْتُمْ وَلَا هذَا الَّذِي فَعَلَهُ دَاوُدُ، حِينَ جَاعَ هُوَ وَالَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ، كَيْفَ دَخَلَ بَيْتَ اللّهِ وَأَخَذَ خُبْزَ التَّقْدِمَةِ وَأَكَلَ، وَأَعْطَى الَّذِينَ مَعَهُ أَيْضاً، الَّذِي لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ إِلَّا لِلْكَهَنَةِ فَقَطْ؟" (لوقا 6:1-5). ""وَفِي سَبْتٍ آخَرَ دَخَلَ الْمَجْمَعَ وَصَارَ يُعَلِّمُ. وَكَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ يَدُهُ الْيُمْنَى يَابِسَةٌ، وَكَانَ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ يُرَاقِبُونَهُ: هَلْ يَشْفِي فِي السَّبْتِ، لِكَيْ يَجِدُوا عَلَيْهِ شِكَايَةً. أَمَّا هُوَ فَعَلِمَ أَفْكَارَهُمْ، وَقَالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي يَدُهُ يَابِسَةٌ: "قُمْ وَقِفْ فِي الْوَسَطِ". فَقَامَ وَوَقَفَ. ثُمَّ قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: "أَسْأَلُكُمْ شَيْئاً: هَلْ يَحِلُّ فِي السَّبْتِ فِعْلُ الْخَيْرِ أَوْ فِعْلُ الشَّرِّ؟ تَخْلِيصُ نَفْسٍ أَوْ إِهْلَاكُهَا؟". ثُمَّ نَظَرَ حَوْلَهُ إِلَى جَمِيعِهِمْ وَقَالَ لِلرَّجُلِ: "مُدَّ يَدَكَ". فَفَعَلَ هكَذَا. فَعَادَتْ يَدُهُ صَحِيحَةً كَالْأُخْرَى. فَامْتَلَأُوا حُمْقاً وَصَارُوا يَتَكَالَمُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ: مَاذَا يَفْعَلُونَ بِيَسُوعَ؟""( لوقا: 6: 6_ 11). فنرى المسيح يحافظ على حرمة السبت مع سعيه الدائم إلى تقويم ما ابتُدع فيه وأدخل عليه من التشدد والمغالاة، مؤكداً على أن: " السَّبْتُ إِنَّمَا جُعِلَ لأَجْلِ الإِنْسَانِ، لاَ الإِنْسَانُ لأَجْلِ السَّبْتِ." (مرقس 2: 27). وذلك تماشياً مع إعلانه الصريح: "«لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ. 18 فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ. 19 فَمَنْ نَقَضَ إِحْدَى هذِهِ الْوَصَايَا الصُّغْرَى وَعَلَّمَ النَّاسَ هكَذَا، يُدْعَى أَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ وَعَلَّمَ، فَهذَا يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ " (متى 5: 17_ 19). إلا أن بولس كان له رأي آخر في مسألة حفظ السبت، والشريعة اليهودية بشكلٍ عام، فدعا إلى عدم الامتثال لحرمة يوم السبت، فقال: " فَلاَ يَحْكُمْ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ فِي أَكْل أَوْ شُرْبٍ، أَوْ مِنْ جِهَةِ عِيدٍ أَوْ هِلاَل أَوْ سَبْتٍ" (كولوسي2: 16). مشدداً على ذلك في رسالته إلى أهل رومية: " وَأمَّا الآنَ فَقَدْ تَحَرَّرْنَا مِنَ النَّامُوسِ" (رومية 7: 6). ومؤكداً على نفس المعنى في رسالته إلى أهل غلاطية: " إِذًا قَدْ كَانَ النَّامُوسُ مُؤَدِّبَنَا إِلَى الْمَسِيحِ، لِكَيْ نَتَبَرَّرَ بِالإِيمَانِ. 25 وَلكِنْ بَعْدَ مَا جَاءَ الإِيمَانُ، لَسْنَا بَعْدُ تَحْتَ مُؤَدِّبٍ." (غلاطية3: 24_25). إلى أن يصل به الأمر إلى لعن من يلتزم بالشريعة: " لأَنَّ جَمِيعَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَعْمَالِ النَّامُوسِ هُمْ تَحْتَ لَعْنَةٍ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ لاَ يَثْبُتُ فِي جَمِيعِ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ النَّامُوسِ لِيَعْمَلَ بِهِ».". ( غلاطية 3: 10).

وهو ما يقودنا للعبارة شديدة الخطورة التي أشرنا إليها في مقالنا الماضي، نقلاً عن القمص متى المسكين، والتي أكد فيها أن بولس الرسول هو الوحيد من بين الرسل الذي أدرك انتهاء سلطان الناموس بمجيء المسيح وموته على الصليب، وأن دور الناموس قد انتهى بمجيء المسيح، وأن أي تمسك بالناموس بعد مجيء المسيح هو التجديف بعينه؛ بل ويصير علة لقتل المسيح نفسه كما حدث على الصليب أو كما حدث بيدي بولس نفسه!" . (3)

فعبارة (هو الوحيد من بين الرسل الذي أدرك انتهاء سلطان الناموس...) تقود لمجموعة من الأسئلة أهمها: لماذا كان بولس الرسول الوحيد الذي حارب الشريعة اليهودية وطرحها خلف ظهره؟. وكيف (أدرك) انتهاء سلطانها؟ ولماذا لم (يُدرك) بقية الرسل هذه الحقيقة؟ ولماذا لم يعلن المسيح هذا الأمر وهو القائل" أَنَا كَلَّمْتُ الْعَالَمَ عَلاَنِيَةً. أَنَا عَلَّمْتُ كُلَّ حِينٍ فِي الْمَجْمَعِ وَفِي الْهَيْكَلِ حَيْثُ يَجْتَمِعُ الْيَهُودُ دَائِمًا. وَفِي الْخَفَاءِ لَمْ أَتَكَلَّمْ بِشَيْءٍ." (يو 18: 20). وقال أيضاً مؤكداً أن حفظ الشريعة هو الطريق إلى الخلاص والحياة الأبدية: "وَإِذَا وَاحِدٌ تَقَدَّمَ وَقَالَ لَهُ: «أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ، أَيَّ صَلاَحٍ أَعْمَلُ لِتَكُونَ لِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ؟» 17 فَقَالَ لَهُ: «لِمَاذَا تَدْعُوني صَالِحًا؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ. وَلكِنْ إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ فَاحْفَظِ الْوَصَايَا». 18 قَالَ لَهُ: «أَيَّةَ الْوَصَايَا؟» فَقَالَ يَسُوعُ: «لاَ تَقْتُلْ. لاَ تَزْنِ. لاَ تَسْرِقْ. لاَ تَشْهَدْ بِالزُّورِ. 19 أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، وَأَحِبَّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ»" (متى 19 : 16_ 19).

------------------------------

( 1 ) عبد الوهاب المسيري ( د ) ، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية . الموسوعة الموجزة ، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الثالث، 2006م، الجزء الثاني ، ص 51 .
( 2 ) غازي السعدي ، الأعياد والمناسبات والطقوس لدى اليهود ، دار الجليل للنشر والدراسات والأبحاث الفلسطينية ، عمان ، 1994 م ، ص 52 .
(3) متى المسكين، القديس بولس الرسول: حياته. لاهوته. أعماله، مطبعة دير القديس أنبا مقار _ وادي النطرون، 1992م، ص 320 ، ص 326_ 327.
--------------------------------------------
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
الرسول, النصرانية..., تأملات, بولس

« غسيل الدماغ | الوظائف والأدوار السياسية والاجتماعية للطقوس الحسينية »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تأملات في آية صابرة شذرات إسلامية 0 11-08-2016 06:48 AM
تأملات قرآنية صابرة شذرات إسلامية 0 10-06-2016 05:44 PM
تأملات... بين جهدين!! صابرة الملتقى العام 0 12-31-2015 02:58 PM
تأملات فنجان جاسم داود أخبار ومختارات أدبية 2 03-25-2014 05:52 PM
الأديب بطرس بن بولس بن عبد الله البستاني Eng.Jordan شخصيات عربية وإسلامية 0 03-03-2013 07:37 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 06:21 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67