تذكرني !

 





بحوث ودراسات منوعة أوراق بحثية ودراسات علمية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #5  
قديم 01-14-2013, 11:08 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,418
افتراضي

الاتجاه الأول:



ذهب الحنابلة والمالكية ومتأخرو الحنفية - وهذا هو الاتجاه الذي ذهب إليه الفقهاء المحدثون بالجملة (1) إلى أن جميع الحقوق يرد عليها قيد عدم الضرر بما في ذلك حق الملكية فقد ورد في المدونة : (( قلت: أرأيت إن كان لي عرصة إلى جانب دور قوم فأردت أن أحدث في تلك العرصة حماماً أو فرنا أو موضعاً لرحى فأبى على الجيران ذلك أيكون لهم أن يمنعوني في قول مالك قال: إن كان يحدث ضرراً على الجيران من الدخان وما أشبهه فلهم أن يمنعوك من ذلك، لأن مالكا قال: يمنع من ضرر جاره فإذا كان هذا ضرراً منع من ذلك. قلت: وكذلك إن كان حداداً فاتخذ فيها كيراً أو اتخذ فيها أفراناً يسبك فيها الذهب والفضة، أو اتخذ فيها أرحية تضر بجدران الجيران، أو حفر فيها آباراً أو كنيفا قرب جدران جيرانه منعته من ذلك ؟ قال : نعم كذلك قال مالك قلت لابن القاسم: أرأيت إن كانت دار الرجل إلى جنب دار قوم ففتح في غرفته كوى، أو أبواباً يشرف منها على دور جيرانه أيمنع من ذلك أم لا ؟ قال مالك: يمنع من ذلك )) .



وهذا الذي ذهب إليه المالكية هو ما ذهب إليه الحنابلة حيث قرروا فرض قيود على سلطان المالك وأنه ليس له التصرف في ملكه كما يشاء وإنما هو مقيد في تصرفاته بأن لا يلحق الضرر بالغير، فليس للمالك أن يبني في داره حاماً أو يحفر بئراً إلى جنب حائط جاره وان كان في حده طالما أن ذلك يضر بالغير.



وقد أسس هذا الفريق رأيه على قوله (عليه الصلاة والسلام): (( لا ضرر ولا ضرار )) والى هذا الحديث استند متأخرو الحنفية في تقييدهم لسلطات الجار بعدم الضرر إضافة إلى الوازع الديني الذي يحمل الفرد على الإحسان إلى الجار قد ضعف مما يجب معه فرض قيد عدم التعسف في استعمال الحق.



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ذهب الفقهاء المحدثون بالجملة إلى أن الملكية حق لصاحبها إلا أن لها وظيفة اجتماعية تبدو في صورة أعباء وتكاليف تفرض على المالك ضمانا للمصلحة العامة.

ويرى هؤلاء الفقهاء أن الملكية ذات طبيعة مزدوجة فردية واجتماعية فهي ليست ذات طبيعة فردية مطلقة أو ذات وظيفة اجتماعية خالصة فالقول بإنكار حرية التملك لا يضارعه في البطلان إلا الاتجاه نحو تقديس الملكية الشخصية إلى الحد الذي يحرم مسها لأي سبب من الأسباب حتى لو كان ذلك السبب ينبع من مصلحة المجتمع، فحرية التملك في الإسلام تبقى أمرا ضرورياً ونافعاً وواحداً من بديهياته الفكرية والعملية حتى تصطدم بالحق وبالخير فإذا اصطدمت بحق الغير وخير المجتمع توقفت وأمكن الحد منها.

الاتجاه الثاني



ويقول به الحنفية والشافعية والظاهرية والزيدية حيث ذهبوا إلى أن للمالك أن يتصرف في خالص ملكه يشاء دون أن يرد على حقه في التصرف في ملكه قيد عدم إلحاق الضرر بالغير، ويلاحظ أن أصحاب هذا الاتجاه وان اتفقوا على ما تقدم إلا أن لكل فريق تفصيلات في مذهبه.







الخلاصة



وفي الحقيقة فإنه بعد هذا العرض يمكننا القول دون أن نخرج على الحقائق الموضوعية، أو نفتات على المنطق أن أحداً من الفقهاء لم يقل بحرية المالك في التصرف في ملكه بصورة مطلقة، أو بتعبير أدق إنهم لم يقولوا بحق فردي مطلق من كل قيد وان اختلاف وجهات النظر بين الشرعيين ليس في تقييد حق المالك في التصرف في ملكه وإنما هو اختلاف في معايير الضرر أو التعدي فإذا صح لنا أن ننظر فيما تقدم نجد أن بعض هؤلاء الفقهاء قد منعوا لازم التعسف وذلك حين قرروا أن من يفتح نافذة على جاره يلزم أن لا يطلع على العورات كما ذهب الظاهرية ومما لا شك فيه أن هذا القيد يرد على حق المالك والذي يدعم أن الخلاف بين الشرعيين مرده خلاف في المعايير أن الحنفية قد قيدوا حق المالك بالضرر الفاحش، والشافعية قد قيدوه بأن يكون التصرف معقولاً أو معتاداً، ونفس الأمر يسري على الامامية الزيدية حيث استثنوا مضار الجوار بين الملاك المتقاسمين والاستثناء قيد بدون أدنى شك، ونفس الأمر يسري على قول الإمام أبي حنيفة حيث ذهب إلى أن حق المالك مقيد ديانة وذلك في وقت كان للوازع الديني أثره في ضبط سلوك الأفراد فلما ضعف هذا الوازع وخربت الذمم ذهب متأخرو الحنفية إلى تقييده تحقيقاً للمصلحة على أن الفقهاء جميعهم يفترضون في التصرف الذي يقوم به المالك أن يكون مشروعاً ومما لا شك فيه أن المشروعية قيد يرد على كافة الحقوق ومما تقدم نخلص إلى أنه ليس هناك حق مطلق خال من أي قيد وان اختلفوا فيما بينهم في حدود هذه القيود ضيقاً أو اتساعاً وأنه ما من حق فردي إلا وهو مشوب بحق لله تعالى، وتأسيساً على هذه النتيجة ترتب عليها حقيقة أخرى وهي أنه لما كانت الدولة بأجهزتها ومؤسساتها ممثلة للهيئة الاجتماعية ومنفذة للقانون الشرعي ولما كان حق الله تعالى منوط بها في تحصيله وتحقيقه والمطالبة به واستيفائه كما ذهب إلى ذلك الشرعيون جميعـاً(1) فـأن للدولة سلطانـاً في رسم حـدود الحـق الفردي، ونطاقـه، والمجال الـذي يعمـل فيـه،



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رتب الفقهاء على تقسيم الحقوق إلى حق لله وحق للعبد عده آثار وهي كالاتي:

1. الإسقاط: كل ما كان من حقوق الله ليس للعبد إسقاطه وفى جميع الأحوال التي يكون فيها الحق دائراً بين الله والعبد لا يجوز للعبد إسقاط حقه إذا ترتب عليه إسقاط حق الله وهناك من الحقوق ما تقرر لمصلحة الأفراد ومؤدى هذا أن يكون من حق الأفراد، ومع هذا ليس للعبد إسقاطه ولو كان برضائه لم يؤثر هذا الرضا شيئاً بل يعتبر باطلاً كتحريم عقود الربا صونا للاموال.

2. الإرث: الحقوق التي لا تقبل الانتقال من المورث إلى الوارث هي حقوق الله أو المغلب فيه حق الله أما بقية الحقوق فمنها ما يقبل الانتقال ومنها ما لا يقبله.

3. تحريك الدعوى: حقوق الله الخالصة وتلك التي يغلب فيها حق الله يجوز لكل مسلم عدل رفع الدعوى فيها. اما حقوق العبد أو الغالب فيها حق العبد فيتوقف تحريك الدعوى فيه على صاحب الحق نفسه.

4. الملاحقة: ملاحقة الاعتداء الواقع على الحقوق يختلف تبعاً لاختلاف الحقوق وكونها حقاً لله أو للعبد فاذا كان الحق لله فان كان من باب الأمر بالمعروف فانه يجب على المحتسب أن يقوم بالملاحقة من تلقاء نفسه. =

واقامة التوازن بين مختلف الحقوق والمصالح وذلك في الجزء المتعلق به حق الله باعتبار أن صاحب الحق الخاص ليس مختصاً به اختصاصاً كاملاً بل إن تصرفه مشروط بسلامة الغير من ضرر ينشأ عن استعمال هذا الحق أولاً، ولأن الله كما جعل فيه مصلحة فردية جعل فيه مصلحة اجتماعية لصالح الجماعة، لأنه من ثروة الأمة التي تعتمد عليها ثانياً ولهذا نهى الشخص عن إتلاف ماله وتبذيره لأنه إن لم يصبه بالخسارة أصاب الجماعة، ولأن الله جعل فيه نصيباً معلوماً للجماعة ويلاحظ أن تدخل الدولة في رسم الحقوق يجب أن يكون ضمن الحدود المرسومة لولي الأمر من سلطات تقديرية وهي سلطة مرسومة في الشريعة الإسلامية بتحقيق العدل والإحسان، وتحصيل مصالح الناس في المعاش والمعاد.



إن هذه البديهية على الرغم من أنها تبدو بسيطة إلا أنها تشكل المحور الأساسي في الجهاز التحليلي في الفقه الاسلامي عموماً والفقه الاقتصادي على وجه الخصوص، ذلك إذا ما أردنا تبني معرفة اقتصادية واقعية قادرة على الصمود وتحقيق مجتمع الكفاية الاقتصادية في ظل عمليات اقتصادية معقدة.





3. الدولة ونظرية الاستخلاف وأثرها في الاقتصاد السياسي الاسلامي



للاستخلاف أشكال مختلفة نحاول عرضها والقاء الضوء عليها وبيان أثرها على دور الدولة في العملية الاقتصادية وعلى الرغم من اختلاف وجهات النظر حول أشكال الاستخلاف إلا أنه يمكننا حصرها في ثلاثة أنوع:





أولاً: الاستخلاف الفردي



ويقصد به اختصاص الفرد ببعض المال، أو الموارد واستئثارها بإدارة عملياتها الإنتاجية، ومباشر كافة التصرفات كما أنه يستأثر بعوائد ذلك المال أو الموارد وكل ذلك إنما يتم بإذن الشارع وفق ضوابط الاستخلاف المقررة، وذلك لأن الملك عند الفقهاء معرف بأنه اختصاص يمنحه الشارع للفرد، فقد عرفه الكمال بن الهمام بأنه ( قدرة يثبتها الشارع ابتداء على التصرف ) وعرفه بعضهم بأنه ( الاختصاص الحاجز وأنه حكم الاستيلاء لأنه به يثبت لا غير، لان المملوك لا يملك لأن اجتمـاع الملكين في محل واحـد محال، فلابـد وأن يكون المحل الذي يثبت فيه الملك خالياً عن الملك، والخالي عن الملك هو المبـاح والمثبت للمال المباح الاستيلاء لا غير ) وعرفه ابن السبكي ( بأنه حكم شرعي يقدر في عين أو منفعة يقتضي تمكن من ينسب إليه من انتفاعه والعوض عنه





ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

= أما في حالة النهي عن المنكر فأن الملاحقة تختلف تبعاً لاختلاف موضوع الحق فإن كان موضوعه يتعلق بالعبادات فأن مهمة المحتسب قاصرة على الإنكار في الأحوال العادية اما فى الأحوال التي يكون فيها مرتكب المخالفة معانداً فإنه يقوم بتأديبه.

وان كان موضوع الحق يتعلق بالمحظورات فان المحتسب يتصدى لها بالإنكار أما ما يتعلق بالمعاملات فأن كانت من المعاملات المحظورة فأن على المحتسب ملاحقتها وان كانت برضاء المتعاقدين. أما بالنسبة لحقوق الأفراد فإما أن يكون خاصاً أو عاماً فان كان خاصاً فان الملاحقة تتوقف على استعداء صاحب الحق وان كان عاماً فانه يجب على المحتسب ملاحقته دون حاجة إلى مطالبة احد. واما إن كان نهيا عن منكر فلا اعتراض للمحتسب إلا في حالة الاستعداء.

من حيث هو كـذلك ) وعرفه القرافي بأنه ( حكم شرعي مقدر في العين أو المنفعة يقتضي تمكـن من يضاف إليه من انتفاعه بالمملوك والعوض عنه من حيث هو كذلك ) وذهب صاحب تهذيب الفروق إلى تعريفه بانه ( إباحة شرعية في عين أو منفعة تقتضي تمكن صاحبها من الانتفاع بذلك العين أو المنفعة أو أخذ العوض عنهما من حيث هي كذلك ) (1) .



ويلاحظ أن هذه التعاريف على الرغم من تغايرها واختلافها في المبنى إلا أنها متفقة من حيث المعنى والغايات التي تسعى إليها، وتلك الغايات تتحد بأن الملكية هي العلاقة التي أقرها الشارع بين الإنسان والمال الذي جعله مختصاً بها. بحيث باسطاعته أن ينفع في ملكيته بالوسائل والطرق كافة شريطة أن تكون في الحدود التي رسمها الشارع، وهذا واضح من تعريفات الشرعيين للملك إذ الكل متفق على تعريفه بأنه حكم شرعي سواء منهم من صرح بالحكم أم صرح بغيره كالإباحة أو الاختصاص إذ مرد هذا كله إلى الحكم، وهذا يعني أن مكنة المالك في التصرف في ملكه إنما تتم بسلطان من الشارع وذلك عندما يرتبه الشارع على السبب الشرعي فمستند الاستخلافه الفردي هو الحكم الشرعي وليس طبيعة الإنسان أو عقله كما أنه ليس توظيف المجتمع ولا إرادته ( لأن ما هو حق للعبد إنما يثبت كونه حقاً له بإثبات الشرع له ذلك لا لكونه مستحقاً ذلك بحكم الأصل ) .



ومن هنا فأن حق الفرد في التملك منبثق عن تخصيص الله بهذه الملكية بسبب مشروع وليس موظفاً من قبل الجماعة وهي المالك الحقيقي، لأن المالك احرز ملكيته من الله وبتخصيص من التشريع الإلهي نفسه واعتراف الشـارع بهذا الحق للفرد يعد من الأمور المعلومة من الديـن بالضرورة، وقـد قامـت نصـوص الشريعة الإسلامية وأنظمتها المختلفة على تحقيقه وتقريره بيد ان هذا الحق ليس حقاً مطلقاً يقوم على الاستبداد ذلك لأن للملكية وظيفة مزدوجة في واحد من وجهيها أنها وظيفة قبل الفرد وفي وجهها الآخر لها وظيفة قبل الجماعة وقد سبق وأن بينا هذا المعنى في الأساس الأول من أن الحق الفردي عموماً وحق الملكية خصوصاً وهو حق شخصي له طبيعة مزدوجة ويتجلى الاتجاه الجماعي لهذا النمط من الاستخلاف الفردي في أن الشارع قد احاطه بمجموعة من الأعباء والتكاليف والقيود ولعل في مقدمة هذه القيود انه ألزم المالك في التصرف بملكه في الحدود المشروعة التي رسمها الشارع، فحرم الشارع على المالك اكتناز المال بقوله تعالى: ( وَالَّذِينَ يَكْنِـزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) ومرد هذا التحريم أن في الامتناع عن إنفاق المال في الطرق المشروعة فيه تعطيل لاستثمار الأموال وفي تعطيله عن الاستثمـار تعسف في استعمـال الملكية أمـا استثمارها ففيه مرضاة للشارع بتنفيذ أوامره فحبس المال عن التداول واهمال المال بعدم توظيفه واكتنازه يعد تضييعاً للمال وهو منهي عنه بالنص ومن هذه القيود تحريم الشارع للاسراف والتبذير في الإنفاق لمناقضة هذا التصرف لقصد الشارع وحث المالك على الاعتدال في كل شي، كما حرم الشارع أكل أموال الناس بالباطل وحرم المعاملات الربوية كما أجـاز الحجر على السفيه منعاً لتضرر المصلحـة



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وقـد عرفت الملكيـة بتعاريف كثيرة لا تكاد تخرج بالجملـه عما أسلفنـاه، فقـد عرفـه محمد يوسف موسى بانـه: (( حيازة الشيء متى كان الحائز له قادرا وحده على التصرف فيها والانتفاع به عنـد عدم المانع الشرعي )) ، وعرفه الشيخ بدران ابو العينين بانه: (( علاقه شرعية بين الإنسان والشيء تجعلها مختصاً به اختصاصاً يمنع غيره عنها بحيث يمكنه التصرف فيها عند تحقق اهليتها للتصرف بكل الطرق الشائعة شرعاً وفي الحدود التي بينها الشرع )) وقيل (( اخصاص بالشيء يمنع الغير عنه ويمكن صاحبه من التصرف فيه ابتداء إلا لمانع )) . وقيل انه (( اختصاص الإنسان بالشيء على وجه يمنع الغير منه ويمكن صاحبه من التصرف فيه ابتداء إلا لمانع شرعي يمنع ذلك )) المدخل للفقه الإسلامي، أحمد عيسوي وقيل (( الملك التام من شأنه أن يتصرف به المالك تصرفاً مطلقاً فيما يملكه عيناً ومنفعه واسغلالً فينتفع بالعين المملوكة وبغلتها وثمارها وانتاجها ويتصرف فى عينها بجميع التصرفات الجائزة )) .

العامة بتعطيل الوظيفة الاجتماعية للملكية وذلك لأن من وظائف المال الفردي بالإضافة إلى إنفاقـه في وجوه الخير والصالح العام وظيفة تثميره وتنميته وهذا يعتبر ضرباً من ضروب ***** الأموال والمحافظة عليها، ويقول الزمخشري: (( إنهم - أي السفهاء - المبذرون أموالهم الذين ينفقونها فيما لا ينبغي ولابد لهم بإصلاحها وتثميرها والتصرف فيها )) ويقرر ابن العربي هذا المعنى بوضوح إذ يقول (( لأن الأموال مشتركة بين الخلق تنتقل من يد إلى يد ومن ملك إلى ملك وهذا كقوله تعالى: ( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) معناه: لا يقتل بعضكم بعضاً، فبقتل القاتل يكون قتل نفسه وكذلك إذا أعطى المال سفيهاً فأفسده رجع النقصان إلى الكل )) ومن هذه التكاليف أنه أوجب على المال وظائف مالية منها ما هو مقدر محدد كالزكاة ومنها ما هو خاضع لظروف المجتمع الاستثنائية فيما سوى ذلك المقدار المرسوم.



ويلاحظ هنا أن استخلاف الشركات الفردية أو بتعبير أكثر دقة شركات القطاع الخاص سواء كانت تلك الشركات شركات مضاربة أو مزارعة أو مساقاة، صناعية كانت أو تجارية أو زراعية واقعة ضمن هذا النوع من الاستخلاف الفردي ولا يغير من طبيعتها أن المكونين لها أكثر من واحد، لأن صفة الفردية لم يزل ملازماً لها، غاية الأمر أن شكلها الفردي من حيث إدارتها وذمتها المالية قد طرأ عليه نوع من التغيير. أما المضمون الفردي فلم يتغير منه شيء لأن العوائد ترجع إلى الأفراد بنسبة أسهمهم في تلك الشركات وكذلك تتحمل ذممهم الديون والالتزامات في أموال الشركة وذمتها باعتبارها ذمة مالية واحدة تمثل كافة الشركاء، على أن الأمر الأكثر أهمية الذي يحدد طبيعة هذا الاستخلاف أن الغايات التي تسعى إليها مثل هذه الشركات غايات تتصف بالفردية ومن ثم فإن ما يرد على الملكية الفردية من قيود يرد على ملكية الشركات كذلك باعتبارها تمثل نشاطأ فردياً.





ثانياً: الاستخلاف الاجتماعي



ويراد بهذا النوع من الاستخلاف هو ذلك النوع من الموارد التي أذن الشارع للجماعة بالاشتراك في منافعها، والأعيان التي تتحقق فيها الملكية العامة هي الأعيان التي نص الشارع على أنها للجماعة مشتركة فيما بينهم، وحجب عن الأفراد حيازتها واستئثار فرد واحد بها - والموارد التي لا تقبل الحيازة الفردية والتي تكون موضوعاً للاستخلاف الاجتماعي يمكن حصرها في أربعة أنوع:





1. الاموال التي تكون غلتها اكثر من الجهد البشري المبذول فى انتاجها



فإن هذا النمط من الموارد لا يتكافأ فيه العمل مع حجم العائدات المترتبة عليه وبالتالي فإن ملكيته للفرد يعرض الأمة للفاقة والضعف وذلك بحرمانها من مورد من مواردها المهمة، ويؤدى إلى ثراء مفرط لا يتناسب مع حجم جهده المبذول مما يؤذن بظهور طبقة على حساب الجماعة والأمة ثرية بصرخة الولادة، وما ينشأ عن ذلك من سوء توزيع الثروات والموارد، ويمثل هذا النوع من الموارد المعادن سواء كانت هذه المعادن ظاهرة وهي التي يتوصل إليها من غير مؤنة ينتابها الناس وذلك مثل الكبريت والنفط والبرام والكحل والياقوت ونحوها، وسواء كانت المعادن باطنة وهي التي لا يوصل لها إلا بالعمل والمؤنة، وبذل الجهد، والمعالجة وذلك مثل الذهب والفضة والفيروز والحديد والنحاس وان كانت المعادن على أحد الأقوال في الفقه الإسلامي هي ملك للدولة، لأن كل الناس فيها شرع وقد ذهب الفقهاء إلى أن هذه المعادن لا يجوز إقطاعها لأحد من الناس ولا احتجازها دون المسلمين، لأن في مثل هذه الإجراءات ضرراً على الأمة وتضييقاً عليها ولأن هذا النوع من الموارد مما تعلقت به مصلحة الأمة العامة فلم يجز أن يختص به واحد بانفراده وقد استدلوا لهذا الذي ذهبوا إليه بما روي عن حمال المأربي قال: استقطعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) معدن الملح بمأرب فأقطعنيه فقيل: يا رسول الله إنه بمنزلة الماء العد - يعني أنه لا ينقطع - فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : فلا إذن .



فقد دل هذه الحديث أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لما أقطع حمالأ المأربي الملح الذي بمأرب ثم ارتجعه منه انه إنما أقطعه أرضأ مواتأ يحييها ويعمرها فلما تبين للنبي أنها معدن ملح لا ينقطع مثل ماء العيون والآبار ارتجعه منه، لأن سنة رسول (صلى الله عليه وسلم) في الكلأ والماء والنار أن الناس جميعاً فيه شركاء فلم يشأ أن يجعله لرجل واحد يحوز، دون الناس، يقول الشافعي ( كل عين ظاهرة كنفط أو قار أو كبريت أو مومياء أو حجارة ظاهرة في عين ملك لأحد، فليس لأحد أن يحتجزها دون غيره، ولا لسلطان أن يمنحها لنفسه، ولا لخاص من الناس لأن هذا كله ظاهر كالماء والكلأ ) .





2. الاموال والموارد التي تكون مرصودة للمنافع العامة



وهي تلك التي لا ينتفع بها أحد بعينه بل ينتفع بها عموم الناس وفي حالة كونها موضوعاً للاستخلاف الفردي لا تحقق أغراضها وأهدافها وهذا النوع يشمل الطرق العامة، والمساجد، والأنهار، والمدارس، والساحات العامة وغيرها، ومرد صعوبة كون هذا النمط من الأموال موضوعاً للاستخلاف الفردي يرجع إما لتعذر ملكيتها وحيازتها من قبل الأفراد وذلك لطبيعة تكوينها مثل الأنهار، أو أن طبيعتها قابل للحيازة الفردية من حيث هو كذلك ولكن تعلق مصالح الجماعة بها يجعلها تنتظم في سلك الاستخلاف الاجتماعي، وهكذا يدخل في عموم هذا الاستخلاف الأموال المحبوسة على النفع العام مثل الطرق العامة والمياه والأنهار والأسواق العامة والقناطر، فالمسلمون شركاء في المياه والانتفاع بها سواء كانت أنهاراً كبيرة مثل دجلة والنيل والفرات أم كانت وديانأ أم عيونأ طالما أصبحت من مرافق المجتمع، وتعلقت به مصالحه فلهم أن يسقوا منه وليس لأحد أن يحبس الماء عن أحد وكذلك الشأن في الطرقات، والساحات العامة، فللجميع الجلوس والوقوف فيها لغرض الاستراحة والمعاملة ونحوهما بشرط أن لا يضيق على المارة وأن لا يضر بأحد.





3. الاموال والمواود التي تؤول من ملكية الافراد إلى ملك الدولة او تكون للدولة عليها ولاية



فإن مثل هذه الأموال تبقى على حكم الملكية العامة للدولة ولا تكون ملكاً خاصاً لأحد وفي الأحوال التي تقتطع منها الدولة جزءً من هذه الأموال لفرد، أو لمجموعة أفراد فإنها بذلك إنما تملكهم المنفعة لا الرقبة ويدخل في عموم هذا النوع الأراضي التي فتحت عنوة مثل أرض السواد إذ أبقى عمر بن الخطاب أهلها عليها وضرب الخراج عليهم فإنه ملكهم المنفعة دون الرقبة ونظير هذا الأوقاف الخيرية واقطاعية الدولة ونحوها.







4. أموال بيت المال



والمقصود بهذا كل مال استحقه المسلمون ولم يتعين مالكه، فهو من حقوق بيت المال فإذا قبض صار بالقبض مضافأ إلى حقوق بيت المال فيدخل في هذا الفيء والخراج والجزية ومال من لاوارث له، ويلاحظ أن المراد ببيت المال الجهة لا المكان كما نص على ذلك الفقهاء وهذا له دلالة قوية وهو أن الفقه الإسلامي قد عرف مصطلح الشخصية المعنوية والذمة المالية المستقلة عن الأفراد المكونين لهيأة ما سواء كانت شركة اقتصادية، أو هيأة اجتماعية، أو مؤسسة سياسية قبل أن يعرفها الفكر الوضعي بقرون.



وفي الحقيقة فإنه يجب أن نشير إلى أنه قد ذهب غير واحد من كتاب الفقه الاقتصادي إلى اعتبار هذا النوع من الأموال أصلأ برأسه وقد علل هذا الاتجاه رأيه بأن هناك فارقاً بين الأموال موضوع استخلاف بيت المال وبين الاستخلاف الاجتماعي وذلك من وجهين:



أحدهما: إن الأموال موضوع الاستخلاف الاجتماعي ليس للدولة أن تعطي أصله لأحد وان كان من حقها أن تبيح للناس الانتفاع به بناء على تدبير منها يمكنهم جميعاً من هذا الانتفاع، فليس لها أن تتصرف فيه تصرفاً يخرجها عن ملكية الجماعة وذلك مثل الساحات العامة، وهذا بخلاف الأموال التي هي موضوع استخلاف بيت المال فإن للدولة الحق في أن تعطيه كله، أو بعضاً منه لافراد معينين، وتمنع الآخرين منه فمن حقها مثلاً أن تنفق أموال الخراج والفيء على الزراع فقط دون غيرهم.



وثانيهما: إن للدولة في الأموال موضوع استخلاف بيت المال أن تصرفها حسب مقتضيات المصلحة العامة وأن تملكها من تشاء ذلك لأن حق عامة المسلمين قد تعلق به، فالتدبير يكون فيه للدولة، وذلك لأن الشرع لم يعين الجهة التي تصرف إليها وهذا بخلاف الأموال موضوع الاستخلاف الاجتماعي فهي غير قابلة للتملك الفردي.



والواقع فائه على الرغم من أننا نتفق مع هذا الاتجاه فيما أورده من فروق بين كلا النوعين من الاستخلاف إلا إننا نعتقد أن هذا الاختلافه ليس جوهرياً يمس الموضوع والمضمون وما أنيط به هذا النوع من الاستخلاف وانما هو يتعلق بنمط الإدارة فحسب ومن ثم فإن هذا لا يستدعي اعتباره أصلاً برأسه والذي يدعم هذا أن كلا النوعين واقع ضمن إدارة الدولة وتدبيرها، وان كان مدى هذا السلطان يختلف ضيقاً واتساعاً حسب المال موضوع الاستخلاف، يضاف إلى ذلك أن أيلولة تصرف الدولة في كلا النوعين من المال واحد وهو تحقيق الصالح العام ورعايته، والدولة في كلا النوعين أيضاً إنما تتصرف ضمن الحدود المرسومة لها باعتبارها سلطة تنفيذية خاضعة للقانون الشرعي وليست أعلى منه.





ثالثأ: استخلافه القطاع المختلط



هذا النوع من الاستخلاف يراد به دخول الدولة مع مجموعة من الأفراد في تكوين شركات معينة وذلك بأن تساهم معهم في رأس المال وتشترك معهم في إدارة المشروع الاقتصادي، ويكون لها نسبة من الفوائد حسب حجم مساهمتها في المشروع.



والحق أن هذا النوع من الاستخلاف لا يمكن تكييفه وبيان مركزه القانوني على أنه نوع من أنوع الاستخلاف الفردي، ومرد هذا أن الدولة في دخولها بمثل هذه المشاريع المختلطة فإنها إنما تبرم العقود لا باسمها بل باسم الأمة باعتبارها ممثلة لها وهي إذ تقدم التسهيلات سواء كانت هذه التسهيلات على شكل مساهمات مالية في أصل رأس المال، أو على شكل قروض أو تسهيلات مصرفية أم كانت هذه التسهيلات تتجلى في صورة استثمار مورد من الموارد، أو حصر الإنتاج، أو التسويق على ذلك المشروع وحجبه عن النشاط الفردي، أو تقييد ذلك النشاط وتضييق ساحة عملياته فإنها إنما تفعل ذلك كله باسم الأمة ورعاية لمصالحها وفي آن الوقت فهي إنما تتصرف بما يخص الأمة من مال أو موارد وبالتالي فإن عوائد المشروع وما يترتب عليه من استثمار إنما يعود على الأمة في ذلك الجزء من المساهمة.



وكذلك لا يمكن اعتبار هذا النشاط الاقتصادي للقطاع المختلط نوعاً من أنواع الاستخلاف الاجتماعي، وذلك لأن النشاط الفردي داخل ضمنأ في كل عملياته الاقتصادية سواء في مساهمته في رأس المال، أو إدارة المشروع، أو في العوائد المترتبة على الاستثمار، وهذا ما دفعنا إلى اعتباره شكلاً مستقلاً بذاته، وان مركزه القانوني مركز خاص يختلف عن مركز الاستخلاف الاجتماعي كما أنه يختلف عن مركز الاسخلاف الفردي، وان تكيفه متروك لسلطة الدولة التقديرية حسب ما تقتضيه المصلحة، وما تهدف إليه من استحداث مثل هذا النشاط وذلك لأن الأهداف التي تسعى الدولة إلى تحقيقها منه هي المحدد الأهم للمركز القانوني لهذا النشاط .





الدولة ونظرية الاستخلاف



إن نظرية الاستخلاف بالشكل الذي قدمناه قد ترتب عليها نتائج على غاية كبيرة من الاهمية نجملها بالآتي:

أولاً: تمكين مختلف الأنشطة من الموارد سواء أكانت هذه الأنشطة قطاعاً خاصاً فردياً، أم قطاعاً مختلطاً، أم قطاعأ عاماً طالما أنه يعمل ضمن المشروعية التي حددها القانون الشرعي، وهذا واجب عليها بقتضى ما لها من سلطان على الأموال موضوع الاستخلاف الاجتماعي، وما لها من سلطة تنظيمية على المال موضوع الاستخلاف الفردي، وهذا الوجوب يدل عليه قوله تعالى: ( وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ) ومفهوم التمكين الوارد في الآية له معنيان، أحدهما: حسي يقصد به أن للانسان مكانأ وقراراً حسياً، والثاني: يتناول وجوده العقلي وهو أنه مخلوق موهوب بالملكة وهذا يتضمن مواهب التسلط والتصرف فيها وكلا المعنيين هما مفهوم اللغة ومراد من الآية ؟ ذلك لأن التمكين في اللغة هو السلطان والقدرة على التصرف والمكان والقرار، يقال: مكنته: جعلت له عليه سلطاناً وقدرة والذي يدل على أن كلا المعنيين مراد من الآية هو ربط المعيشة بالتمكين أي هيأنا لكم فيها أسباب المعيشة يقول الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ( وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ ) : ( جعلنا لكم فيها مكانأ وقراراً أو مكناكم فيها واقدرناكم على التصرف فيها ) وهكذا فإن مفهوم التمكين يصبح إعطاء ما يصح به الفعل مع رفع المنع، لأن الفعل كما يحتاج إلى القدرة فقد يحتاج إلى آلة والى دلالة وسبب، ويحتاج إلى ارتفاع المنع. فالتمكين عبارة عن جميع ذلك، والجعل إيجاد ما به يكون الشيء على خلاف ما كان عليه.



وترتيباً على هذا فإن على الدولة واجب تنفيذ مشيئة الله تعالى في الحكم الشرعي والكوني وذلك بأن تمكن الإنسان من الاستقرار الحسي وأن تمكنه من السيطرة والهيمنة على الطبيعة باعتبار أن العالم موضوع الإنسان ونطاقه، وهنا يتجلى دور الدولة بأن تتيح للمواهب أن تفصح عن نفسها في صورة الفعل المبدع ذلك لأن الإنسان مخلوق موهوب بالملكة فعلى الدولة أن تفسح آفاقاً واسعة في مختلف الأنشطة وذلك بما ينسجم وطبيعة الدولة والأهداف التي تسعى إليها في الفكر الإسلامي والتي تقوم على أساس مهم وهو مبدأ تكافؤ الفرص للجميع وأن تقمع الدولة كل الأساليب والوسائل غير المشروعة والمدفوعة برغبات أنانية إذا ما حاولت إفساد ذلك المبدأ العادل واساءة استعمال هذا التمكين. ويلاحظ أن هذا التمكين هو تمكين ارادي موجه نحو عمارة الارض وذلك باستثارة كل الطاقات وتوظيفها للحصول على أكبر خير ممكن من استثمار الموارد، وبناء أفضل ما يستطاع من الحضارة، ولعل هذا بعض دلالة الآية المتقدمة وتعبيرها عن ذلك بالجعل الذي هو إيجاد ما به يكون الشيء على خلاف ما كان عليه.



ثانياً: إن واجب الدولة إقامة التوازن بين مختلف المصالح المتعارضة التي قد تنشأ عن ممارسة الأنشطة الاقتصادية فردية كانت أو اجتماعية وذلك بتنظيم الحقوق المتعارضة ونطاقها والمجال الذي تعمل فيه وهذا يستدعي قوة إشراف من الدولة مع ملاحظة أن قواعد الشريعة العامة تقتضي أنه في كل الأحوال التي تصطدم فيه المصلحة الخاصة مع المصلحة العامة ولا يمكن الجمع بينهما فإنه يضحى بالمصلحة الخاصة وذلك إعمالاً للقواعد الفقهية التي تذهب إلى أنه يختار أهون الشرين وقاعدة الضرر الخاص يتحمل لدفع الضرر العام، وعلى هذا فليس للدولة باعتبارها تقود الاستخلاف الاجتماعي بأن تعتدي على الملكية الخاصة وذلك بجعلها ملكية عامة إلا في حدود ما تقتضيه المصلحة العامة وذلك لأن حقها ليس بأقوى من حق الفرد لان كلاهما - الفرد والدولة - يأخذان حقهما من القانون الشرعي باعتبار، منحة الحكم ومن ثم ليس للدولة أن تسلب حقاً تعسفاً وظلماً، كما أنه ليس للفرد أياً كان أن يمتلك ما هو ملك للجماعة إلا إذا خرجت الدولة عن ذلك، وذلك بالاستغناء عنه فإنه يجوز تملكه في هذه الحالة بعوض دون أن يكون في ذلك إضاعة لاموال الدولة.



ثالثاً: إن الدولة في إدارتها للأموال موضوع الاستخلاف الاجتماعي إنما تعمل في الحدود التي رسمها الشارع باعتبارها سلطة تنفيذية ويجب أن يكون عملها منوطاً بالمصلحة العامة ؟ ذلك لأن الملكية الفردية ( ليست وحدها مقيدة بحقوق الله فالملكية الجماعية في الإسلام تخضع لنفس الحدود والقيود بسبب وجوب تخصيص المال العام للانفاق على أغراض معينة حددتها الشريعة الإسلامية صراحة وتفصيلأ ونتيجة لوجود الواجبات العامة الي تفرضها الشريعة على الجماعة والتي تسمى فروض الكفاية. وهذه التكاليف التي تقع على عاتق الجماعة تجعل ملكيتها محدودة ومقيدة من حيث أهدافها ومن حيث الانتفاع بها واستعمالها ) .



رابعاً: إن على الدولة واجب المحافظة على الأموال سواء كانت هذه الأموال هي موضوع الاستخلاف الفردي أو تلك الأموال الواقعة في حدود إدارتها وتحت سلطانها المباشر وهذه المحافظة لها وجهان:

أحدهما: سلبي، وهو عدم تضييعه والاعتداء عليه بالإتلاف ونحوه، وعدم إساءة استخدامه وهذا واضح في الأموال التي تخص الفرد وذلك لورود النصوص الدالة على ذلك مثل قوله (عليه الصلاة والسلام) : ( إن الله يسخط لكم قيل وقال وكثرة السؤال واضاعة المال ) فحجر الله تعالى على عبده في تضييع ماله الذي هو عونه على أمر دينه ودنياه وآخرته ولو رضي العبد بإسقاط حقه في ذلك لم يؤثر رضاه، وكذلك حجر الله على الإنسان الذي يلقي ماله في البحر وأن يضيعه من غير مصلحته ولا تأثير لرضا المالك في ذلك، لأن المال وان كان فيه حق للعبد إلا أن حق الله هو المغلب، لأن فيه مقصداً اساسياً من مقاصد الشريعة فإذا ما أسقط الفرد حقه فإن هذا يستتبعه بالضرورة إسقاط حق لله غالب وهذا لا يجوز، و تأسيسأ على هذا شرع الاسلام جهاز ضمان المتلفات وذلك بإلزام المتلف ضمان ما أتلف بالمثل ان كان مثلياً وبالقيمة إن كان قيمياً.



واذا كان الفقه الإسلامي قد عالج موضوع الضمان واشترط فيه أن يكون المضمون مالاً متقوماً في ذاته، وأن توجد المماثلة بينه وبين المال الذي يعطي بدلاً عنه، وبالتالي اشترط في الضمان شرطين أساسيين وهما التقوم ومعياره الانتفاع والإحراز، فإن هذا النظر الفقهي يثير مشكلاً على غاية كبيرة من الأهمية وهو في حالة اعتداء الأفراد على الأموال العامة التي يمكن الانتفاع بها ولكن لن يتحقق فيها شرط الإحراز وذلك مثل الأموال المباحة فلو حصل الاعتداء عليها هل يضمن الفرد بتعديه ؟



وللإجابة على هذا نقول:

إن نصوص الفقهاء القدامى وعباراتهم تشير إلى عدم تضمينه، وهذا النظر معلل عندهم بأكثر من تعليل مثل عدم الإحراز، أو عدم وجود معايير دقيقة يمكن الاحتكام إليها في تقييم التآلف في مثل هذا النوع من الأموال، ولكن بالجملة فإن الفقهاء قد أجمعوا على أن الاعتداء على مثل هذه المرافق محرم وإن فاعله قد اجترح إثماً وارتكب خطاً، ولعل هذا هو السبب أو واحد من الأسباب التي دعت الفقهاء إلى عدم القوؤل بضمان المتلف من هذا النوع وذلك لأنه بات من المقررات الفقهية أن الدولة من حقها بل ومن واجبها ايقاع العقوبات التعزيرية على كل فعل محرم ويترك لها تقدير الفعل الجرمي، ومقدار المخالفة حسب ظروف الجاني، وطبيعة الفعل، وظروف الواقعة، وتكييفها، ومما لاشك فيه أن من جملة العقوبات التعزيرية هي عقوبة الغرامة المالية وهي نوع من الضمان وان كانت الغاية منها هي العقوبة أولأ وبالذات.



وثانيهما: إيجابي، وهو استثمارها للأموال وتوظيفها وذلك لأن في حجبها عن الاسثمار إضاعة لها وهذا أيضاً يشمل مختلف الأنشطة الاقتصادية فردية كانت، أم اجتماعية، أم مختلطة، لأن تعطيل الاستثمار إضاعة لفرصة التوظيف والحصول على الفوائد التي تعود بالخير على الأمة، وهذا ما دفع الشرع الحكيم إلى تحريم الاكتناز والحجر على السفيه. والدولة في ذلك شأنها شأن الفرد مخاطبة بالحكم الشرعي الذي يوجب استعمار الأرض وتثمير الموارد يضاف إلى ذلك أن الدولة مدفوعة لاستثمار مواردها لانها ملزمة شرعاً بسد الحاجات، وبلوغ حد الكفاية وهذا يضيف عليها عبئاً مالياً يفرض عليها باستمرار أن تطور من استغلال الموارد الموجودة وأن تعمل على إيجاد موارد جديدة حتى تتمكن من الإنفاق على مختلف الأنشطة العملية.



خامسأ: إن للدولة حقأ بمقتضى سلطتها التقديرية التي منحها الشارع لها باعتبارها ممثلة للأمـة، أن تطور من مفهوم الأموال محل الاستخلاف الاجتماعي ؟ ذلك لأن الأموال التي سبق الإشارة إليها لم ترد حصرا فيها بل هي نتيجة استقراء للنصوص الواردة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) مثل قوله : ( الناس شركاء فى ثلاث ) وما كان عليه العمل في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) وما دلت عليه الوقائع والحوادث على عهد الخلفاء الراشدين من أنهم قاموا بفرض الحمى على بعض الأراضي، وهذه الضروريات لم ترد على سبيل التوقيف من الشارع بل إن للعصر وظروفه وشروط الواقع وخياراته ما يحدد للدولة طريقة تطبيق هذا المبدأ وحدود استعماله والمجال الذي يعمل فيه حسب مقتضيات العصر وضروراته، وهذا المبدأ هو ما اصطلح على تسميه بمبدأ تأميم الموارد العامة، وهكذا يمكن أن يقاس على الأموال موضوع (( الاستخلاف الاجتماعي ما كان مثلها ضرورياً للمجتمع فلا يترك للنشاط الفردي وذلك كلما كان هذا النشاط ينشأ عنه استغلال لحاجة الجمهور بل يجب أن تشرف عليه الدولة استثماراً وتوزيعاً وهذا الذي ذهبنا إليه يمثل اتجاهاً قوياً في الاقتصاد الإسلامي الحديث )) والذي يدل على صحته ما يلي:



أولاً: ما روي أن اعرابياً أتى عمر (رضي الله عنه) فقال : يا أمير المؤمنين بلادنا قاتلنا عنها في الجاهلية وأسلمنا عليها في الإسلام علام تحميها ؟ فأطرق عمر وجعل ينفخ ويفتل شاربه فلما رأى الأعرابي ما به جعل يردد ذلك. فقال عمر: المال مال الله والعباد عباد الله والله لولا ما أحمل عليه في سبيل الله ما حميت شبراً من الأرض في شبر ) . ومثله ما روي عن عمر وهو يوصي هنباً وكان قد استعمله على الحمى وقد جاء فيها: ( وايم الله إنهم ليرون ان قد ظلمتهم إنها لبلادهم ومياههم قاتلوا عليها في الجاهلية واسلموا عليها في الإسلام والذي نفسي بيده لولا المال الذي احمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبراً ) ووجه الاستدلال بهذين النصين أن الدافع للحمى والموجب له إنما هو مصالح الناس وتحصيل حاجاتهم فهو معلل بالمصلحة العامة بدلالة قسم عمر أنه لولا مصلحة المسلمين لما حمى شبراً في شبر إذ المراد بقوله في سبيل الله الصالح العام والتعليل في إعطاء هذا الحق للدولة بالمصلحة العامة هو صريح ما ذهب إليه أئمة المذاهب. يقول الشافعي:

إن حمى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيه صلاح لعامة المسلمين إذ أن الخيل المعدة لسبيل الله وما فضل من سهمي: أهل الصدقة، وما فضل من النعم التي تؤخذ من أهل الجزية ترعى فيه. فأما الخيل فقوة لجميع المسلمين. أما نعم الجزية فقوة لأهل الفيء من المسلمين وملك سبيل الخير أنها لأهل الفيء المجاهدين واما الإبل التي تفضل عن سهمان أهل الصدقة فلا يبقى مسلم إلا عليه صلاح في دينه وفي نفسه ومن يلزمه أمره من قريب أو عامة من مستحقي المسلمين وبمثل هذا عبر غير واحد من الفقهاء واذا كان الحمى في الإسلام إنما يتم لاقتضاء مصلحة المسلمين ذلك، فإن ما تتوقف عليه مصلحتهم من الموارد يمكن أن يخضع لذات المبدأ فتؤممه الدولة لمصلحة المجتمع.



ثانياً: امتناع عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) عن تقسيم أرض السواد واتجاهه نحو تأميم هذا المورد العام وضمه للاستخلاف الاجتماعي وتعليله ذلك بالمصلحة العامة، فقد جاءت الروايات لتبين أن عمر أراد أن يقسم الارض بين المسلمين فقال له معاذ: والله إذن ليكونن ما تكره إنك إن قسمتها صار الريع العظيم في أيدي القوم ثم يبيدون فيصير ذلك إلى الرجل الواحد أو المرأة ثـم يأتي من بعدهم قوم يسدون من الإسلام مسداً وهم لا يجدون شيئأ فانظر أمراً يسع أولهم وآخرهم فلم يزل عمر يكلم الناس في هذا الأمر حتى صار إلى هذا الرأي وقد كان في كل حجاجه مع المصحابة الذين عارضوه يؤكد أنه إذا قسمت أرض العراق بعلوجها وأرض الشام بعلوجها فكيف تتمكن الدولة من إدارة دفتها في سد نفقات الدفاع الخارجي وفي سد حاجات المعوزين والعاجزين عن العمل، وكيف يمكن للأجيال المقبلة مواجهة ما يعترضها من أزمات، أو على حد تعبير عمر نفسه (( لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها كما قسم النبي (صلى الله عليه وسلم) خيبر )) فلم يزل عمر بن الخطاب يصرح بأنه قد عارض عنده حسن النظر لآخر المسلمين قسمتها على الغانمين فيما يتعلق بالأرض خاصة، فوقفها على المسلمين وضرب عليها الخرج الذي يجمع مصلحتهم فتأول قوله تعالى: ( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ ) وفي هذا دلالة واضحة على ان المصلحة العامة هي المصلحة الأولى بالاعتبار والأجدر بالرعاية وعندما تتعلق بمرفق من المرافق فيجب أن تجعله الدولة بيدها ولا يصح لها أن تتركه بيد الأفراد.





ثالثاً: إن قصر الاستخلاف الاجتماعي على تلك الموارد التي تشكل موضوعه وحصره بما جاءت النصوص بآحادها فقط لا ينسجم مع التشريع ولا يحقق الغايات التي يسعى إليها في إقامة التوازن بين مختلف المصالح المتعارضة وبناء مجتمع تضامني، كما لا ينسجم مع مبدأ تقديم المصلحة العامة، ومما يدعم هذا الاتجاه ويقويه أن الفقه الإسلامي أجاز نزع الملكية الخاصة وذلك في حالة احتياج المسجد إليها، واذا اقتضت الضرورة توسعة الطرق العامة نزع ملكية أرض للأفراد مجاورة للطريق العام وفي حالة امتناع المالك تنزع جبراً عليه، واذا جاز نزع الملكية لغرض توسعـة الطريـق العـام أو توسعـة المسجـد فجـواز نـزع هـذه الملكيـة أو تقييدهـا في المصالح الأكثر أهمية والتي يكون أثرهـا علـى الأمة أكبر من الناحية الاقتصادية أولى بالاعتبار وأحق وقواعد الشريعة الإسلامية لا تأبى هذا الاتجاه ولا تتعارض معه بل على العكس فحيثما وجدت المصالح العامة فثم حكم الله وشرعه يقول العز بن عبد السلام: ( المصالح العامة كالضرورة الخاصة ولو دعـت ضرورة واحـدا إلى غصب أموال الناس لجـاز له ذلك بل يجب عليه إذا خاف الهلاك لجـوع، أو حـر أو برد واذا وجب هذا لإحياء نفس واحدة فمـا الظـن بإحيـاء النفـوس بـل إقامـة هؤلاء ارجح من دفع الضرورة عن واحد ) وهكـذا ومن خـلال مـا تقـدم يتضـح لنـا أنـه إذا دعـت الحاجـة أو اقتضـت الضرورة تأميم مورد من المـوارد واضافتـه إلـى الاستخـلاف الاجتماعـي فإنه يجب على الدولـة القيـام بـه باعتبارهـا ممثلـة للأمـة وحاميـة للصالـح العـام ومنفـذة للقانـون الشرعـي.
__________________
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 01-14-2013, 11:10 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,418
افتراضي

4. مفهوم الحرية الأقتصادية



بادئ ذي بدء يجدر بنا أن نشير إلى أن مفهوم الحرية الاقتصادية في الفكر الإسلامي كان مفهومأ عميقأ قد صنع رأيأ عامأ على كل مستويات الدراسات الشرعية سواء على مستوى التفسير، أو شراح الحديث ، أو منظري المدارس الفقهية لدرجة جعلت بعض الكتاب المسلمين يصلون إلى حد الإسراف والمبالغة في الدفاع عن الحرية الاقتصادية حتى بدا أن هذه الحرية باتت تهدد النظام الاقتصادي الإسلامي وتعصف به وذلك من خلال مواقف بعضهم القائلة بمنع المحتسب من التدخل في تحديد الأسعار حتى في الحالات الاحتكارية وأن للمالك الحق في التصرف في ملكه تصرفا مطلقا، وأنه لا معنى للملك التام سوى هذا.



والحقيقة فإنه قد عمد غير واحد من كتاب الفقه الإسلامي في تحليل مبدأ الحرية في الإسلام إلى بيان حرص الفقهاء على حرية الشخص الحقوقية للفرد الإنساني باعتبار أن الفرد وحدة مستقلة مرتبطة بالله ارتباطأ مباشرا، وباعتباره مخلوقا وعبدا له دون غيره، ومن هذا فإن أقوال الفقهاء كانت دائمأ تدور على حماية حرية الفرد الإنساني في الجانب الحقوقي، وحماية ملكيته وتصرفه بنفسه وبما يملك ، ومن ثم فإن الفرد في الإسلام هو المقصود بالرعاية والاهتمام وليس المجتمع ، ولا الجماعة ء ولا الأمة ، فليست أي جماعة ، أو أمة بمسؤولة أمام الله تعالى بصفتها الجماعية بل إن كل فرد مسؤول أمام الله بصفته الفردية وعلى هذه المسؤولية الفردية وحدها يتوقف فلاح الإنسان وقيمته.



وبنـاء على هذا فإن المجتمع في نهاية المطاف هو الذي يخدم الفرد، وليس الفرد هو الذي يخدم الجماعـة، فالمقصود الأصلـي من الحياة الاجتماعية ليـس المجتمع ورفاهيته وسعادته بـل المقصود الأساسي هو رفاهية الأفـراد وسعادتهم. فالمقياس الحقيقي لصلاحية نظام الجماعة واعتباره صالحاً أو غير صالح هو إلى أي حد يساعد أفراده وينمي مواهبهم، ويرتقي بكفاءتهم الذاتية ومستـوى إنجازهم ومن ثـم فـأن الاسلام لا يرسم صـورة للتنظيـم الاجتماعـي، أو مشروعـاً للفـلاح الاجتماعى وذلك من خـلال جعـل الفـرد مشـدوداً شـداً محكماً بنظام الجماعـة ليصبح الفرد فى النهاية مجرد رقم فى هذا التنظيم الاجتماعى، أو آلة صماء فى جيش المقهورين يحرك أزرارها الزعمـاء، ومن هنـا يصبح الإنسان ليس بحاجه ماسـه إلى الحريـه الاقتصادية أو بتعبيـر أخـر حريـة المعاش، لأن من لم يكن حرأ فى معاشه لا حرية له أصلاً، ويلعب نظام السوق وآليته الدور البارز و الأساس في الاقتصاد الإسلامى.



ولعـل هذا التحليل النظرى للحربه يجد أسسه في أن المسؤولية الفرديه مقرره فى الإسلام على نحو صريح وبآيات مكرره تحيط بأنواع المسؤولية من جميع الوجوه، فلا يحاسب إنسان بذنب إنسان ( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) ولا يحاسب الإنسان بغير عمله ( وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى ) ( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ) ( كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) ( ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) وربما كانت هذه الآراء النظرية ترجع والى حد ما إلى تلك التقاليد الاجتماعية التي كانت تقدم ضمانات اجتماعية كبيرة لحريـة الافراد الاقصاديه حتى في الأوقات التى ضاقت فيها الحرية السياسية، وقـد كانت البحوث الفقهية المدرسية ضمانأ قانونيا لحريه الأفراد الاقتصادية ، وكذلك كان القضاء باعتبار أنه كان يعتمد والى حد ما على الفقه الإسلامي خصوصاً في مذاهبه المعروفة.



والواقع أن حق الحرية الاقتصادية للأفراد، وصيانه نشاطهم الاقتصادي قد تقرر في العديد من النصوص ولعـل فى مقدمتها حديـث النبى (صلى الله عليه وسلم) في حجة الوداع والذى جـاء فيـه ( إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ) ومن هنا ركز الإسلام في مراحله الأولى والمبكرة على حماية هذه الحرية وضمانها بكل تشريعاته التي أبقت هذه الحرية مصانة من العبث والتعدي، وذلك من خلال تحريم السرقة والاختلاس، والاعتداء على ملك الغير، وغصبه، أو إتلافه، وأوجبت في كل ذلك العقوبات في حال المسؤولية العمدية، وضمان المتلفات وتعويضها في حال المسؤولية التقصيرية، وربما كان في رفض الرسول (صلى الله عليه وسلم) ان يسعر على الناس حوائجهم -عندما غلت الأسعار على عهده مبررا ذلك بعدم انسجام التسعيرة الجبرية مع مبدأ العدالة الذي يقضي بان يبيع البائع سلعته بالسعر الذي يصل إليه التعامل في السوق الحر- ما يؤكد مقدار اهتمام الإسلام بالحرية الاقتصادية، والحفاظ عليها، إذ ورد عن أنس أنه قال: غلا السعر على عهد الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) فقالوا: يا رسول الله سعر لنا فقال: ( إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق واني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة ولا مال ) .



وهكذا تأسست الحرية الاقتصادية في الفكر الاقتصادي الإسلامي على تأريخ طويل وعبر قرون طويلة من الممارسة، وكانت مقوماتها الفكرية الأساسية مرتبطة بأصل العقيدة نفسها التي اعترفت بحرية التملك، وذلك في إطار نظرية الاستخلاف وبحق المالك في التصرف في ملكه والاحتفاظ به بحيث يتمكن من الانتفاع به بكل الطرق السائغة له شرعأ، وفي الحدود التي رسمها الشارع فـ((الناس مسلطون على أموالهم ليس لأحد أن يأخذها أو شيئأ منها بغير طيبة أنفسهم إلا في المواقع التي تلزمهم )).



والحقيقة فإنه مع إيماننا العميق بالحرية الاقتصادية وأنها ترتكز في مقوماتها الفكرية إلى أصل العقيدة الإسلامية فإننا لا نعتقد وليس بإمكاننا أن نعتقد سلامة التحليل الذي تبناه بعض الكتاب المسلمين في اعتبار الفرد هو الغاية نعم نعتقد أن الفرد غاية لا باعتبار فرديته لكنه غاية باعتباره لبنة في البناء التكويني الاجتماعي، ويشكل وحدة من عناصره الفعالة ، ومن ثم فليس المجتمع هو الذي ينبغي له في النهاية أن يكون خادمأ للفرد، أما الاحتجاج بمسئوليته باعتبار فرديته أمام الله فهو ما ينسجم مع قاعدة التكليف وهذا ما نقول به ونعمل بموجبه ولكن هذا لا يعفي الفرد من مسئوليته وممارسة نشاطه بما يخدم المجتمع ويحقق غاياته ، لأن من تمام المسؤولية الفردية، هو تكافل الأمة في المسؤولية العامة ، لأن الأمة قد تصاب جميعأ بضرر جناه عليها بعض أبناثها فمن واجب كل فرد أن يدفع الشر عن نفسه وعن غيره، ( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّة ) وعلى كـل فرد أن يبذل في دفع الشر جهد ما يستطيع ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا ) ولعـل في تقييد الحق الفردي عموما والحرية الاقتصادية واحدة منها بأن تعمل في إطار المشروعية وما رسمه الشارع له دلالة قوية في أن الشارع قد جعل هذا الحق خادما للمجتمع ويسعى إلى تحقيق غاياته، وفي حديث السفينة الذي ذكره النبي (صلى الله عليه وسلم) ما يؤكد هذه المسؤولية، وشركة الأمة العامة فيها والذي فيه ( مثل المداهن في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا سفينة، فصار بعضهم في أسفلها، وصار بعضهم في أعلاها فكان الذين في أسفلها يمرون بالماء على الذين في أعلاهـا فتـأذوا به، فأخـذ فأسـا فجعـل ينقر أسفل السفينـة فأتوه فقالوا: مالك؟.. قال: تأذيتم بي، ولا بد لي من الماء فإن أخذوا على يديه نجوا ونجوا أنفسهم وان تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم ) فواضح أن الذي أراد خرق السفينة إنما كان يتصرف في خالص حقه وملكه بدلالة قوله ( استهموا سفينة ) أي: اقترعوها فأخذ كل واحد منهم نصيبه من السفينة، وهكذا تحددت حرية الفود ضمن الإطار الذي يحقق مصلحة الجماعة، ويتطابق مع غاياتها وأهدافها.



ومن هنا فإن تعاريف الفقهاء للملك قد جاءت لتؤكد هذا المعنى وتدعمه، إذ جاء تعريفه عندهم بأنه تمكن الإنسان شرعا بنفسه، أو نيابة عنه من الانتفاع بالعين، ومن أخذ العوض، أو من تمكنه من الانتفاع خاصة، فهذا التعريف يبين أن الملك هو التمكن من الانتفاع وهذا إنما يتم بسلطان من الشارع، فالملك في حقيقته وجوهره هو منحة الشارع الذي أعطى الإنسان الملك بترتيبه على السبب الشرعي، فهو حكم شرعي مقدر في العين أو المنفعة يقتضي تمكين من يضاف إليه من انتفاعه بالشيء وأخذ العوض عنه وتعريفات الفقهاء وان اختلفت في المبنى إلا إنها متحدة في المعنى وفي تأكيد أن الإنسان مستخلف فيما يملك وهذا يؤكد ما سبق وأن قررناه من أنه ليس هناك حق مطلق في الفقه الإسلامي بل ما من حق إلا وهو مقيد بأعباء وتكاليف وقيود ترد عليه لعل في مقدمتها أنه يجب أن يعمل ضمن الحدود المرسومة له شرعا، ومن هنا فإن عبارات الفقهاء ومنطقهم قد سار على وتيرة واحدة ومتصاعدة في أنه متى اصطدم الحق الفردي مع الخير العام أو الصالح العام فإنه يضحى بالمصلحة الفردية في مقابل الصالح العام، فجاءت القواعد الفقهية العامة بمثل قولهم: يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام والتي من فروعها قطع يد السارق لتأمين الناس على أموالهم، ويهدم الجدار الآيل للسقوط في الطريق العام، ويحجر على المفتي الماجن والطبيب الجاهل والمكاري المفلس ويباع مال المدين جبرا عنه إذا امتنع عن بيعه وأداء دينه، وتسعير أثمان الحاجيات إذا غلى أربابها في أثمانها، ويباع الطعام جبرا على مالكه إذا احتكر واحتاج الناس إليه وامتنع من بيعه، ويمنع اتخاذ حانوت حداد بين تجار الأقمشة بل إن الواجب الكفائي و إلزام الأمة مجتمعة بالقيام به على سبيل الإنابة. إنما المنظور فيه هو خدمة الأمة والمجموع والمجتمع، وهكذا فإن الناظر في كتب الفقه يجد أن بينها قاسما مشتركا يجمعها وهو الحفاظ على الحرية الاقتصادية ، والعمل على رعايتها، وتهيئة الظروف الملائمة لتعميقها، ومنع التجاوز في استعمالها، ومتابعة العناصر الاحتكارية في السوق..





والواقع فإني لست قادرا على تصور أسبقية الفرد على المجتمع بالنظر إليها من زاوية واحدة هي زاوية المسؤولية بل على العكس من ذلك نجد أن زاوية المسؤولية الفردية التي قررتها نصوص الشريعة كان الهدف الأساس منها هو رسم صورة واقعية للحق الفردي، ونطاقه، والمجال الذي يعمل فيه بما لا يصطدم وحق الجماعة أو المجتمع أو المجموع، ومن ثم فإنه ليس هناك مجال للقول بأسبقية الفرد على المجتمع وكذلك العكس، والذي يدفعني إلى هذا أن ما سبق وقررناه يأبى هذا ويرفضه، ذلك لأن فكرة الحق في الفكر الإسلامي قد قامت على أساس ثابت ومرسوم وهو أنه منحة الشارع، ومن ثم فإنه ليس الفرد خادما للمجتمع وليس المجتمع خادما للفرد بل الكل يعمل في إطار المشروعية، ويسعى إلى إقامة التوازن، ولعل هذا واحد من ميزات الفقه الإسلامي وحيويته، وهكذا يكون الفقه الإسلامي قد زاوج بين قاعدتين على غاية كبيرة من الأهمية بين قاعدة الفرد والاهتمام بمواهبه وخلق روح المبادأة عنده وتطوير كفاءاته وطاقاته، وتطوير أدائه، واعتماده كأساس للتنمية، وبين قاعدة مصالح الأمة، وتقرير حقها في كسب الفرد، ووجوب التكافل بين أفراد الأمة، وأن تكون غايات الفرد منسجمة مع الغايات التي رسمتها الشريعة الإسلامية، وبهذا يتحقق التوازن الفعال والمنضبط بين مختلف المصالح الاجتماعية والفردية.



ولما كان الحق الفردي والحرية الاقتصادية الفردية واحدة منها مقيدة بضوابط مرسومة شرعا وهي تسعى إلى تحقيق التوازن الاجتماعي فإن هذا يعطي للدولة باعتبارها ممثلة الأمة وراعية تطبيق الحكم الشرعي الحق في تحديد هذه المهمة تحصيلا وانفاقأ أي إنتاجا وإدارة توزيعا واستهلاكا وتأسيسا على كل ما قدمنا فإن القيود التي وردت على الحرية الاقتصادية كانت في حقيقتها وجوهرها تستهدف كفالة حق الدولة في التدخل.



إما لمراقبة النشاط الاقتصادي للأفراد، أو لتنظيمه ، أو لمباشرة بعض أوجه النشاط التي يعجز عنها الأفراد أو يسيئون استغلالها، ولعل مظاهر هذه الرقابة هي في آن الوقت تعد السند الشرعي لتدخل الدولة.





5. الرقابة على الانشطة الاقتصادية ومدى سلطان الدولة فيه



ان دور الدولة المباشر في السوق الاقتصادية، وذلك من خلال مشاريع القطاع العام الذي تتبناه الدولة سواء أكان ذلك على مستوى الصناعات الاستخراجية، أو على مستوى الزراعة، أو بتعبير أكثر دقة واجب الدولة في تنمية الموارد الاقتصادية زراعية كانت أو صناعية، واضح من خلال ملكيتها للمعادن الهامة والضرورية ومن خلال سيطرتها على القطاع العام الحمى واقطاعية الدولة واحياء الموات ومن خلال سلطتها في تأميم المرافق العامة عندما تقتضيه ضرورة او تستدعيه حاجة كما حدث على عهد عمر بن الخطاب عندما امتنع عن توزيع سواد العراق في واقعة تأميم مشهورة هذا ما يتعلق في دور الدولة في استثماراتها المباشرة وهناك دور مهم اخر يتمثل ذلك في استثمارات الافراد ودور الدولة في رقابته وأثر ذلك على فعالية السوق وآليته في التعامل، وهذا الجانب يتمثل فيما تقوم فيه الدولة من رقابة وإشراف على حركة السوق، والمعاملات، والنشاط الاقتصادي بوجه عام.



والحقيقة فان وظيفة الدولة الرقابية في الاقتصاد الإسلامي تجد مبررها في ذلك النوع من التوجيه الارادي لقوانين المعاملة الاقتصادية، ولقوانين النشاط الاقتصادي بمعنى أن الفكر الاقتصادي الإسلامي لا يفترض أن الوحدات الاقتصادية ستتوجه وبسذاجة وعفوية تدفعها في ذلك يد خفية نحو التوازن الاقتصادي، وتحقيق الأهداف دون توجيه إرادي مخطط ومرسوم ، وفي أن الوقت على غاية كبيرة من الدقة في الرقابة والإشراف، ذلك لأن هذه المصلحة من الصعوبة بمكان إثبات صدقها، أو البرهنة عليها، لأنها قد تأسست على مقدمات خاطئة وغير واقعية، لأنها تفترض عدم وجود التناقض بين مختلف الفعاليات الاقتصادية الفردية والجماعية أو بتعبير آخر تفترض عدم اختلاف الخاص والعام، وهو افتراض خاطئ بحد ذاته...



وهكذا تكون الرقابة بمفهومها العام هي عبارة عن عملية متابعة دائمة ومستمرة تقوم بها الإدارة بنفسها، أو بتكليف غيرها للتأكد من أن ما يجري عليه العمل داخل الوحدة الإدارية، أو الاقتصادية يتم وفقا للشريعة الإسلامية وقواعدها، ومطابقا للخطط الموضوعة، والسياسات المرسومة، والبرامج المعدة وضمن الحدود المعمول بها لتحقيق أهداف معينة أرادتها الشريعة وقصدتها لتحقيق مفهوم خلافة الإنسان في الأرض....



والرقابـة بهذا المفهوم عملية دائمة تبدأ مع كل عمل وتستمر معه لا تتوقف ولا تنتهي، فهـي ليسـت عمليـة متخصصة تقوم بها أجهـزة متفرقة لهـا وتنفرد بها فحسب بـل قد تكون داخليـة في نطاق السلطة التنفيذية نفسها المخولة بفرض التوجيه والإرشاد، وهي بهذا المفهوم عملية تقوم بها جميع المستويات الإداريـة، ولا تقتصر على الإدارة العليا تطبيقـاً لقوله (صلى الله عليه وسلم) ( كلكم رع وكلكم مسؤول عن رعيته ) وان كان جهاز الحسبة واحدا من المستويات الإدارية القوية الذي يلعب دورا مهما وبارزا على المستوى الاقتصادي باعتباره جهاز الرقابة المتخصص بمتابعة النشاط الاقتصادي، او إذا توخينا الدقة فإن وظيفته هي رقابة السوق.



وقد تكون الرقابة خارج نطاق السلطة التنفيذية فلا تقع في مستوى من مستويات الإدارة وهي بهذا المفهوم تكون نمطا من أغاط الرقابة الشعبية، أو شكـلاً من أشكالها وذلك عندما يقوم الفرد متطوعا بالحسبة باعتباره واحدا من أفراد الهيئة الاجتماعية المكلفة شرعا بتغيير المنكر، والملزمة شرعاً بالتعاون في أداء الواجب إلا أن هذه الرقابة الشعبية لا تمارس في رقابة الجهاز الإداري للدولة من القمة إلى القاعدة فحسب وانما تمارس الرقابة على النشاط الفردي الخاص في المعاملات الاقتصادية، ومقدار انسجامه في تحقيق التوازن الاجتماعي وتناغمه مع الأهداف المرسومة .



ومن هنا تكون الغايات التي تسعى إليها هذه الوظيفة هي تحسين مستوى الكفاءة في إنجاز الأهداف الاقتصادية للدولة، وفي آن الوقت تجد مبررها في أن التوازن المنضبط والفعال على المستوى الاجتماعي والسياسي من غير الممكن تحقيقه إلا إذا كان مستنداً إلى قاعدة اقتصادية قوية، لأن تحقيق الأهداف لا يتم إلا في مستوى عال من النشاط الاقتصادي.



ولما كانت قوانين النشاط الاقتصادي كثيرة، ومتداخلة في آن الوقت، إذ أنها تقع في مستوى من مستويات القوانين الاجتماعية، أو السياسية، أو الأخلاقية، أو القانونية، أو النفسية، أو الفكرية، لأن منها ما يتعلق بحرية التعبير أو الرأي، أو الحرية عموما على المستوى السياسي، ومنها ما يتعلق برئاسة الأسرة على المستوى الاجتماعي وبوجود الإنسان والغايات التي يسعى إليها على المستوى الفكري، وبالحلال والحرام في المعاملات على المستوى القانوني وبالأمانة والصدق والإخلاص على المستوى الأخلاقي وبالرغبة بالاستثمار والادخار على المستوى النفسي فإنه من غير الممكن أن نبحث هذه القوانين بأسرها لانها مجال بحوث ودراسات اخرى.



ثانياً: القوانين العاملة في النظرية العامة للاقتصاد الاسلامي



لما كان هدف هذا العنوان دراسة القوانين العاملة للاقتصاد الإسلامي المنظمة لعملية تدخل الدولة في هذا الاقتصاد حيث استطاعت هذه الدراسة أن تصل إلى عديد من النتائج ولما كان اكتشاف قوانين منظمة لتدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية هو الأكثر أهمية باعتباره هو المحدد لمجال هذه الوظيفة ونطاقها وحدودها، فإننا سنحيل في قراءة النتائج الفرعية إلى كتابنا الدولة ووضيفتها الاقتصادية في الفقه السياسي الاسلامي في كل موضوع من موضوعاته إذ أن لنا فيه نتائج مهمة وسنكتفي بالتركيز على ثلاثة قوانين عاملة استطاع هذا الكتاب اكتشافها وإثباتها مما يمكن القول معه أنه يشكل أساس بناء نظري كامل في هذا الإطار.





1. القانون الأول: التوجيه الإرادي



يفترض هذا القانون أن العمليات الاقتصادية من غير الممكن لها أن تسير بتلقائية ساذجة تدفعها إلى ذلك يد خفية أو يحكمها قانون طبيعي يشبه قوانين النظام البيولوجي الذي يتصف في العادة بالجبرية ومن ثم فإن النظام الاقتصادي الإسلامي لا يصور فيه الاقتصاد بصفته نظاما تعاونيا تؤدي فيه القوانين الاقتصادية مهمة تحويل سعي الأفراد إلى تحقيق مصالحهم بتلقائية غبية أو جبرية لها حكم الضرورة.



ومن ثم فإن العمليات الاقتصادية يجب أن تناط بجهة قادرة على توجيه هذه العمليات لتحقيق أهدافها الاجتماعية. ومن هنا غاير النظام الاقتصادي الإسلامي الرأسمالية التي تقول بالتلقائية وخالف النظريات الاجتماعية الذاهبة إلى جبرية قوانينها العاملة مثل قاعدة: التضامن الاجتماعي التي قال بها ( دوجي ) وقاعدة التركيب العضوي التي نادي بها كونت ولعل هذا القانون وجد أسسه المنشأة له من خلال موضوع الإنتاج وهدفه ومفهوم الحاجة ووسائل سدها والبلوغ بها إلى حد الكفاية وكذلك يجد أسسه في أن الحق وحق الملكية على وجه الخصوص منظور إليه أنه محمل بأعباء وتكاليف اجتماعية ومقيد بأن يتناغم وينسجم مع الغايات والأهداف التي تسعى إليها الشريعة الإسلامية.



وهذا التوجيه الإرادي نجده واضحا من خلال تدخل الدولة في فرض التسعيرة الجبرية عند الحاجة وفي مكافحة الاحتكار والأنشطة المعوقة لقوانين السوق.



ان هذه الازمة الاخيرة والتي كان واحداً من اسبابها الرئيسة المضاربات الوهمية والصورية وطرق الاحتيال والنصب قد اثبتت ان ما قدمته الشريعة الاسلامية من مبادئ متمثلة في تحريم النجش وبيع الانسان ما ليس عنده وبيع الغرر الذي تندرج تحته صور كثيرة مثل بيع المجهول وبيع ما لا يملك وبيع ما لا يقدر على تسليمه وغيره هو الضمان الحقيقي لعدم حدوث مثل هذه الكوارث والازمات ولعل ما ذهبت اليه الهيئة الفرنسية العليا للرقابة المالية وهي اعلى هيئة رسمية في فرنسا منوط بها مراقبة نشاطات البنوك والذي يقضي بمنع تداول الصفقات الوهمية والبيوع الرمزية واشتراط التقابض في اجل محدد بثلاثة ايام لا اكثر من ابرام العقد يفصح عن قدرة الاقتصاد الاسلامي و واقعيته.





ويمكن القول بأن هذا القانون يتصف بالمرونة إذ هو يختلف ضيقا واتساعا مع طبيعة الظروف ونمو موارد المجتمع وتطورها وطبيعة الظروف المحيطة بالعمليات الاقتصادية . وفي كل هذا نحيل إلى كتابنا الدولة و وضيفتها الاقتصادية في الفقه السياسي الاسلامي.





2. القانون الثاني: الرسم المنهاجي



يمتاز الاقتصاد الإسلامي بأنه مرسوم منهاجياً بمعنى أن القوانين الاقتصادية فيه لا تسير بعفوية من حيث توزيع الموارد أو من حيث ممارسة الحقوق وبالتالي فإن حق الدولة ليس بأعلى من حق الفرد والعكس صحيح.



ولعل هذا القانون يتجلى بوضوح في أكثر من موقع في هذا الكتاب حين يناقش موضوع الحق من حيث مفهومه ونطاقه والمجال الذي يعمل فيه ومصدر الحق ومنشؤه وأنه منحة الحكم الشرعي يستوي في ذلك الفرد والأمة والدولة وأنه لا وجود لحق فردي مطلق . وكذلك حين يناقش مفهوم الدولة ووجود السلطة السياسية والطبيعة القانونية لعقد البيعة وأن ظهور سلطة سياسية إنما هو قائم ومؤسس على نظرية العقد السياسي وكذلك حين يناقش مقر السيادة وأن السيادة للشريعة الإسلامية في ظل مفهوم الدولة في الفكر الإسلامي وأنها دولة قانونية أو حكومة قانونية نوموقراطية وان السلطة الحاكمة فيها مستمدة من الأمة فهو مستناب عنها في تنفيذ الحكم الشرعي.



ومن ثم فإن وظاثف الدولة والوظيفة الاقتصادية منها على وجه الخصوص مرسومة منهاجيا في الاقتصاد الإسلامي.



وكذلك حين يناقش وظيفة الدولة الزراعية من حيث إحياء الموات واشتراطه إذنية الدولة ومن حيث إقطاعية الدولة والحمى باعتباره يتمثل فيه دور الدولة في القطاع العام الزراعي وفي تنظيمه للموارد المائية من حيث عمارتها والإنفاق عليها.



وكذلك حين يناقش وظيفة الدولة في الصناعات الاستخراجية إذ يرسم وبصورة منهجية ملكية المعدن وطرق استثماره ويقيم لذلك معايير دقيقة



ويتجلى الرسم المنهاجي في تقييد المباح وذلك بمكافحة الوسيط الانتهازي وبرسم موضوع الإنتاج وترتيب الحاجات بطريقة معيارية ورسم مفهوم الكفاية ورسم وسائل سد الحاجة.



ان واحدة من اهم فصول هذه الازمة التي بينا اسبابها فيما تقدم هي قيام البنوك بتوريق الرهون العقارية وكل القروض المتعثرة حيث قامت البنوك بعرض بيع خداعي لهذه الرهون شبه الممتازة في صورة سندات الى مؤسسات مالية مثل ( فريدي ماك ) و ( فاني ماي ) ومن ثم قامت الاخيرة بوضعها في مجمعات من الرهون العقارية وبيعها الى صناديق استثمارية وكذلك الى عامة الجمهور معتبرة اياها استثمارات رفيعة الدرجة تتميز بحد ادنى من المخاطر وهذه هي الافة التي كانت سبباً في تفاقم الازمة الاخيرة اذ لم تكن الحركة النشطة للاقتصاد الامريكي في الفترة الاخيـرة الا سلسلـة من الديـون المتضخمة التي لم يكن لها اي ناتـج في الاقتصاد الفعلي حيث كانت عبارة عن اوراق من السنـدات والمشتقات والخيـارات يتـم تبادلهـا والمضاربـة عليهـا فـي السوق الثانويـة وهذه الانشطة تعـرف في الفقه الاسلامي ببيـع الديون وهـو ممنوع شرعاً الا بضوابط تمنـع الزيـادة الربويـة والعمليـات الصورية ويعرف اقتصادياً بالتوريـق ويقصد بـه تحويـل القـروض وادوات الديـون غيـر السائلـة الـى اوراق مالية قابلة للتـداول في اسواق المال وجميع هـذه الانشطـة المتقدمـة ممنوعـة شرعـاً وتأسيسـاً على هـذا يتبيـن لنـا ان الاقتصـاد الاسلامـي هـو الاقتصـاد الامثـل للبشرية لانـه يحـدد بعنايـة ودقـة الحـدود التـي يعمـل فيهـا الفـرد وبطريقـة مرسومـة منهاجيـاً.





3. القانون الثالث: التلقائية المستهدفة موضوعياً



يفترض هذا القانون أن هناك قوانين في السوق قادرة على قيادة العمليات الاقتصادية إذا ما توفرت لها شروط المنافسة المتكافئة، ومن ثم فإن تدخل الدولة ربما كان مفسدا لهذه القوانين أكثر مما يفيد العملية الاقتصادية.



وتأسيساً على هذا عمد الاقتصاد الإسلامي من خلال الدولة على تهيئة الظروف المناسبة للمنافسة المتكافئة، ومن ثم أراد لطرفي العملية الاقتصادية أن يتصرفا بعفوية دون تدخل من عوامل أخرى للتأثير على هذا الطرف أو ذاك.



ومن هنا أشر الفقه الإسلامي الحالات التي تعيق حرية التنافس وتمنع من التصرف بتلقائية بالتأثير على خيارات الفرد بالتغفيل والتدليس أو بالسمسرة والوساطة .



ويتجلى هـذا في حجب الوسيـط الانتهازي وتحريـم حجـب المعلومـات عـن أحـد طرفـي العمليـة الاقتصادية وإيجاب توفير الدولة للمعلومات التي تزيل الجهالة لذلك حرم تلقي السلع والنجش وأباح لمن تعاقد مع الجهالة حق فسخ العقد لعدم توفر المعلومات أو تزييفها فشرع خيار العيب وخيار الغبن وفي كل ذلك كان لنا نتائج مهمة.



وبالجملة فإننا نعتقد أن هذه القوانين الثلاثة توصل إلى نتيجة مفادها أننا لا نرى سببا واضحا يدعو الدولة إلى تبني سياسة تشتمل على القسم الأعظم من الحياة الاقتصادية للجماعة فلا مصلحة للدولة في أن تتكفل بسياسة واسعة على مستوى النشاط الاقتصادي ذلك لأن الدولة متى ما تمكنت من تحديد الحجم الإجمالي للموارد المخصصة لزيادة هذه الوسائل والمعدل الأصلي للمكافحة الممنوحة فإنها تكون قد قامت بكل ما هو ضروري.



وهكذا أثبتت هذا الدراسة من خلال قوانينها العاملة التي قررتها وبرهنت على صلاحيتها، أن الشريعة الإسلامية قد توصلت إلى نتائج من الكفاءة والقدرة ما جعلها تتميز على كل الأنظمة الاقتصادية إذ غاية ما وصل إليه الاقتصاد الحديث هو قوله بالتدخل المحدود للدولة وفق المعايير التي قدمناها.











ثالثاً: الاساس النظري للاستهلاك والادخار والاكتناز في الاقتصاد الاسلامي



إن أهم ما يميز الاقتصاد الاسلامي انه وضع معياراً على غاية من الدقة فيما يخص واحدا من أهم وأبرز الأنشطة الاقتصادية، وهو الاستهلاك، فإذا كان الاقتصاد التقليدي منذ آدم سميث وحتى وقت قريب ظل ينظر إلى أن التقتير الشديد ينمي الرأسمال، وأن الشخص المقتصد محسن عام، وأن تزايد الثروة متعلق بزيادة الإنتاج، وان الادخار يغني، والإنفاق يفقر الجماعة والفرد في نفس الوقت، وان الحب الفعلي للنقود هو على الصعيد الاقتصادي مصدر كل خير، فهو لا يغني المدخر فحسب، بل أيضا يرفع الأجور، ويؤمن العمل للعاطلين، ويسطر حسناته في كل مكان، وظل هذا الزعم يتجدد بحيث أصبح التشكيك فيه تدنيسا للحرمات، وانتهاكا للمقدسات، وقد قبل الفكر الاقتصادي هذا الزعم مضطراً بعد معارضة شديدة شنها مالتوس وغيره مدفوعين إلى ذلك بعدم قدرتهم على دحض نظرية صندوق الأجور، وان كانت هذه النظرية قد فقدت بريقها وحظوتها اليوم، فإن الاقتصاد الحديث يذهب إلى نقض هذه المبادئ، ويرى عدم صوابها من الناحية المطلقة، بـل وجـد أن اتجـاه المجتمعات المعاصـرة اتجاهـا دائماً نحو البطالـة يعـزى إلــى نقـص الاستهلاك أي: إلى عادات اجتماعية، والى توزيع للثروة يتجليان في ضعف الميل إلى الاستهلاك بل يجد جانب من الاقتصاد الحديث تفسيره للأزمات الدورية في النقص المتزايد في الاستهلاك(1).



وبيان ذلك أن هدف الإنتاج هو تقديم البضائع، والخدمات للمستهلكين، وأن العملية تنهج سيراً متصلا منذ البدء بتحويل المادة الأولية حتى استهلاكها، وبما أن منفعة الرأسمال الوحيدة هي إنتاج هذه البضائع والخدمات فإن كمية الرأسمال المستخدم الإجمالي تتحول بالضرورة بتحول الكمية الإجمالية للبضائع، والخدمات المستهلكة في كل وقت، ولكن الادخار يزيل كتلة الرأسمال الموجود في إنقاصه كمية البضائع والخدمات المستهلكة مما يؤدي لا محالة إلى تراكم أعظم من الكمية اللازم استخدامها، ويتجلى الفرق وبوضوح في الفيض العام للإنتاج، أو بتعبير أكثر دقة إلى ادخار كميات أعظم من قيمة الرأسمال المطلوب.



والواقع فإن النظر فيما قدمناه على كلا الاتجاهين ينطوي على قسط كبير من الحقيقة، ولكن من الواضح أنها صحيحة فقط ضمن بعض الحدود، ذلك لأن الادخار إذا بلغ غاية الإفراط يزيل الباعث على الإنتاج بالضرورة، كما أنه يعد من الحماقة بمكان أن نولي أهمية شديدة وكبيرة لنمو الاستهـلاك وذلك في عصـر لا يـزال المجتمع ينتظر فيـه الكثيـر من المنافـع الاجتماعية من زيـادة التوظيف والاستثمار بهـدف عمـارة الأرض وبنائها، والقيـام بواجـب الاستخلاف، والتناغـم مع قوانينه.





ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ

(1) عرف الفكر الاقتصادي نظريات عديدة في تفسير الدورة الاقتصادية منها:

1. نظرية التجديد: وترجع الدورة إلى تتابع التجديدات الغنية العامة في الاقتصاد مثل السكك الحديد والكهرباء والسيارات وهذا ما ذهب إليه جوزيف شوميتر، والفن هتنسين.

2. النظرية النقدية: وترجع الدورة إلى التوسع والتضييق في خلق النقود الكتابية ومنح الائتمان وهذا ما ذهب إليه هاوترى، وملتون فريدمان.

3. نظرية نقص الاستهلاك: وتذهب إلى أن جزء كبيرا من الدخل إنما يذهب إلى الطبقات الفتية في المجتمع التي تتميز بكبر ميلها الحدي إلى الادخار بالمقارنة بالطبقات الفقيرة التي يقل عندها هذا الميل، وهذا ما ذهب إليه مالتس وسيموندي، وهوبسون وسويزي.

4. نظرية زيادة الاستثمار:وترى سبب الكساد في زيادة الاستثمار، وليس في نقصه وهذا ما ذهب إليه، فون ميزس، وفون هايك. وهناك نظريات أخرى.

إن النقطتين المتطرفتين وهما اعتبار الادخار فضيلة، والأخرى التي تعتبر الاستهلاك ضرورة، وأن الادخار يزيل الباعث على الإنتاج هما واضحتان غاية في الوضوح، وهناك بالضرورة نقطة متوسطة حتى لو كانت وسائل الاقتصاد السياسي لا تسمح بتعيينها تلك النقطة الوسط هي ما جاء الاقتصاد الإسلامي بها، وهي ما عبر عنها القرآن الكريم بالوسطية في قوله تعالى ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطَا ) (1) وقد تقررت في جانبها الاقتصادي في العديد من النصوص مثل قوله تعالىَ: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) (2) وقوله تعالى: ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) (3) وقوله تعالى: ( وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ) (4) وهكذا وجد الاقتصاد الإسلامي أن سياسة الاستهلاك، وسياسة الاستثمار لا تزيحان أبداً بعضهما بعضا، لأنه ليس هناك ما يمنع من زيادة الاستثمار بل هذا مطلوب على سبيل الوجوب بمقتضى الحكم الشرعي، وقوانين الاستخلاف، وفي آن الوقت يقنن الاستهلاك، ويعمل على ترشيده، بحيث يبقى في مستوى من مستويات الوسطية (5) المعبر عنه في الفقـه الإسلامي بمستوى التوسط، والقناعة كما عبر عنه الظاهرية، لأنهم يفترضون الوسطية في الإنفاق الحلال والمباح كما أنهم يفترضون هذا المستوى في الإنفاق الـذي هو قربـة يتقرب بها إلـى الله باعتباره طاعة، أو بمستوى أعلى من الوسـط فيما نعتقد عند جمهور الفقهاء، نظراً، لأن الإنفـاق فـي المباحات جائز عندهم دون تقيد بمستوى الوسطية، ودون النظر إلى تناسب الإنفاق مع مستـوى دخـل الفـرد وكونـه مما يليـق بحاله أم لا عند بعضهم، وكذلك لا يتقيد الإنفاق في القـرب والطاعـات بمستـوى التوسط والقناعـة، ومما لا شـك فيـه فـأن دائـرة المباحات، ودائـرة الطاعات دائـرة واسعـة يمكن من خلالها ملاحظة نسبة نمو أعلى من الوسط بكثيـر نحـو الميـل إلـى الاستهلاك.



على أننا نعتقد أنه من الناحية النظرية البحتة، أن الاقتصاد الإسلامي، والغايات التي يسعى إليها، وهي عمارة الأرض، والقيام بواجب الاستخلاف، سيؤدي بالضرورة إلى نمو مطرد في الاستهلاك، لكنه استهلاك من نمط أخر، إنه استهلاك لبناء استثمار جديد للموارد، واستغلال للطبيعة، بمعنى أنه ليس استهلاكا شخصيا مباشرا بل استهلاك داخل في استثمار جديد، ومن هنا نعتقد أن الاقتصاد الإسلامي قـد تجاوز فيضان الإنتاج بواسطة رفع الاستهلاك في نفس الوقت ليس فقط إلى المستوى



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ

(1) سورة البقرة: 143.

(2) سورة الفرقان : 67، والمراد بالقتر والتقتير، والإقتار: التضييق الذي هو نقيض الإسراف ومجاوزة الحد في النفقة، والقوام العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما، ونظير القوام من القوامة الاستواء، وقرئ بالكسر وهو ما يقام به الشيء بمعنى ما تقام به الشيء بمعنى ما تقام به الحاجة لا يفضل عنها، ولا ينقص.

(3) سورة الأعراف :31، والمراد بهذه الآية أن الله قد أحل الأكل والشرب في كافة الأحوال والأوقات إلا ما خصه الدليل ما لم يكن سرفا، أو نحيلة . أما ما تدعو الحاجة إليه، وهو ما سد الجوع وأسكن الظمأ فمندوب إليه عقلا وشرعا، وقد اختلف في الزائد على قدر الحاجة فقيل حرام وقيل مكروه وصحح ابن العربي الأخير.

(4) سورة الإسراء: 29.

(5) يقـول الشنقيطي: في تعقيبه على قوله تعالى: (مما رزقناهم ينفقون) عبر في هذه الآية بمن التبعيضية الدالــة على أنه ينفق لوجه الله بعض ماله لأكله، ولم يبين هنا القدر الذي ينبغي إنفاقه، والذي ينبغي إمساكه، ولكنـه يبين في مواضع أخرى إن القدر الذي ينبغي إنفاقه هو الزائد على الحاجة، وسد الخلة التي لا بد منها وذلك لقوله تعالى: ( ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو ) والمراد بالعفو: الزائد على قدر الحاجة التي لا بد منها على أصح التفسيرات، وهو مذهـب الجمهور، وقال بعض العلماء: العفو نقيض الجهد وهو أن ينفق ما لا يبلغ إنفاقه منه الجهد واستفراغ الوسع فقد نهى الله عن البخل بقوله ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ) نهاه عن البخل، ويقول : ( ولا تبسطها كل البسط ) و نهاه عن الإسراف فتعين الوسط بين الأمرين كما بينه بقوله : ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ) فيجب على المنفق أن يفرق بين الجود والتبذير، وبين البخل والاقتصاد، فالمنع في محل الإعطاء مذموم والإعطاء في محل المنع مذموم.

الذي يقابل الاستثمار المتزايد، بل أيضا إلى مستوى أعلى منه، وذلك من خلال نمط استهلاكي آخر تفرضه ضرورة الاستثمارات الجديدة وما يتطلبه من حاجة إلى سلع وخدمات متجددة.



وتأسيساً على ما تقدم فإننا لا نرى سبباً واضحاً يدعو الدولة إلى تبني سياسة تشتمل على القسم الأعظم من الحياة الاقتصادية للجماعة، فلا مصلحة للدولة في أن تتكفل بسياسة واسعة على مستوى الاستهلاك، ذلك لأن الدولة متى ما تمكنت من تحديد الحجم الإجمالي للموارد المخصصة لزيادة هذه الوسائل. والمعدل الأصلي للمكافحة الممنوحة فإنها تكون قد قامت بكل ما هو ضروري، وهكـذا فإن الاقتصاد الإسلامي لا يجد في الادخار أنه فضيلة مطلقة على المستوى الاقتصادي وهـذا يصدق على الادخار بمعناه البسيط وهو الادخار الذي يكون على شكل سائل نقدي، بل هذا الشكل من الادخار غير مرغوب فيه، ويصطدم مع المنهج الإسلامي أو هو ليس من باب الفضل على أقل تقدير كما يقتضيه قوله تعالى: ( وَالَّذِينَ يَكْنِـزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَـزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِـزُونَ ) (1) بل نعتقد أن الادخار في هذا المعنى يفقد دافعه الموجد له ذلك لأن الاقتصاد الإسلامي يغاير الاقتصاد الحر من حيث تحريمه للفوائد الربوية، ومن ثم يكون الاكتناز بهذا المعنى إهدارا لقيمة الثروة بمرور الوقت ونقصاناً لقدرتها الشرائية من جهة، ومن جهة أخـرى فـأن رأس المـال المكتنز ستـرد عليه فرضية الزكـاة التي قــد تأتي على أصله مـا يجعل الشخص الذي يتخذ قراراً بالادخار يتخذ في نفس الوقت قرارا بالاستثمار، وهكذا فإن عملية اقتطاع جزء من الدخل وحجبه عن التداول سواء لوضعه في المصارف أو اكتنازه في أقبية القصور وذلك بانتظار المقترضيـن فـي الجانب الآخـر أمـر مذموم ورد النـص بالنهي عنه وهـو في هذا لا يستحق حرماناً من المكافأة باعتباره عنصراً من عناصر الإنتاج بل تقع عليه عقوبة في الاقتصاد الإسلامي وهي عقوبة ورود الزكاة عليه التي قد تأتي على أصل رأس المال ، ومرد هذا النظر هو أن المكتنز



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ

( 1 ) سورة التوبة : 34 – 39، ويلاحظ أن ما أثبته في الأصل هو الحد والأدنى المتفق عليه عند جميع المفكرين الإسلاميين. وقد اختلفوا فيما وراء ذلك اختلافا واسعا، ومنذ فترة مبكرة ترجع إلى عصر الصحابة، إذ عرف الفكر الإسلامي اتجاهين في تحديد ماهية الاكتناز الحرام:

الاتجاه الأول :

ويذهب إلى حمل النصوص، والآية منها، على إطلاقها، فلا يرى ادخار شيء أصلا، ويعتقد أن كل مال مجموع يفضل عن القوت، وسداد العيش فهو كنز سواء أديت زكاته، أو لم تؤد، وأن أية الوعيد إنما نزلت في ذلك ، هذا ما ذهب إليه الأقلون من علماء الصحابة وعلى رأسهم أبو ذر كما وردت عنه أثار كثيرة تدل على ذلك . منها، ما أخرجه البخاري في صحيحة في كتاب الزكاة باب ما أدي زكاته فليس بكنز 7/ 15 2 ونصه : عن زيد بن وهب قال: مررت بالربدة قال فأذا أنا بأبي ذر - فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا ؟.. قال : كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله) قال معاوية : نزلت في أهل الكتاب، فقلت : نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذلك وكتب إلى عثمان يشكوني الخ...

ومنها ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما في رواية الأحنف بن قيس قال : جلست إلى ملا من قريش فجاء رجل خشن الشعر والثياب والهيئة حتى قام عليهم فسلم ثم قال : بشر الكانزين برضف يحمى عليهم في نار جهنم ثم يوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نفض كتفه ويوضع على نفض كتفه حتى يخرج من ثديه تنزل، ثم ولى فجلس إلى سارية فتبعته وجلست إليه، وأنا لا ادري من هو؟ فقلت له : لا أرى القوم إلا قد كرهوا الذي قلت. قال : أنهم لا يعقلون شيئا قال لي خليلي. قلت : ومن خليلك ؟.. قال النبي (صلى الله عليه وسلم): يا أبا ذر تبصر أحدا ؟.. قال : فنظرت إلى الشمس ما بقى من النهار، وأنا أرى أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يرسلني في حاجة له قلت : نعم ، قال : ما أحب أن لي مثل احد ذهبا أنفقه كله إلا ثلاث دنانير. ان هؤلاء لا يعقلون أنما يجمعون الدنيا، ولا والله لا يسألهم دينا ولا استفتيهم عن دين حتى ألقى الله . صحيح البخاري، كتاب الزكاة باب ما أدي زكاته فليس بكنز وصحيح مسلم كتاب الزكاة باب تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة: ويؤيد ما تقدم ما روي عن الامام علي قال: أربعة آلاف درهم فما دونها نفقة ، وما كثر فهو كنز وان أديت زكاته. =

بسحبه للمال وحجبه عن التداول يكون قد تعسف في استعمال حقه وقد مارس نشاطا اقتصاديا فيه اعتداء على المجتمع وظلم له وذلك لما يشكله هذا النشاط من خطورة على الدورة الاقتصادية لأنه عطل النقود عن أداء دورها كوسيط في التبادل والتداول يقول الغزالي ((من كنزهما فقد ظلمهما وأبطل الحكمة فيهما وكان كمن حبس حاكم المسلمين في سجن يمتنع عليه الحكم بسببه لأنه إذا كنز فقد ضيع الحكم ولا أكمل الغرض المقصود به، وما خلقت الدراهم والدنانير لزيد خاصة، ولا لعمرو خاصة إذ لا غرض للآحاد في أعيانهما فإنهما حجران وإنما خلقا لتتداولهما الأيدي)).







ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ

الاتجاه الثاني:

ويذهب إلى أن الكنز المذموم هو ما لم تؤد زكاته . أما ما أديت زكاته فليس بكنز مهما بلغ ، وهذا ما ذهب إليه الأكثرون من علماء الصحابة ، وما درج عليه التنظير الفقهي بعدهم ويشهد له ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، ومسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله، واللفظ للبخاري أنه سمع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: من أتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بشدقيه، ثم يقول : أنا مالك، أنا كنزك، صحيح البخاري كتابه التفسير باب الذين يكنزون الذهب والفضة : 8/ 243، وصحيح مسلم كتاب الزكاة باب أثم مانع الزكاة / 7/ 72، وموطأ مالك باب ما جاء في الكنز2/126. ويؤيده ما روي أن أعرابيا سئل عبد الله بن عمر عن قوله تعالى: (واللذين يكنزون الذهب والفضة) الآية. قال ابن عمر:من كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له ، أنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة فلما أنزلت جعلها الله طهرة للأموال . صحيح البخاري باب ما جاء في الكنز/ 2/ 125. وكذلك يؤيده قوله عليه الصلاة والسلام: ((ليس فيما دون خمسة أوراق صدقة ، ولا فيما دون خمسة ذود صدقة، وليس فيما دون خمسة أواق صدقة )) صحيح مسلم كتاب الزكاة :7/50. ووجه الاستدلال به إن الكنز المنفي هو المتوعد عليه الموجب لصاحبه النار، لا مطلق الكنز الذي هو اعظم من ذلك ، وإذا تقرر هذا فأن مفهوم الحديث إن ما زاد على خسة أوراق ففيه الصدقة ، ومقتضاه إن كل مال أخرجت منه الصدقة فلا وعيد على صاحبه ، فلا يسمى ما يفضل بعد إخراجه الصدقة كنزا ذلك ، لأن الله تعالى قد أوجب على لسان رسوله ربع العشر في كل خمسة أوراق ، وكذلك أوجب في كل عشرين مثقالا من الذهب ربع العشر، ولو كان فرضا إخراج جميع المال، وحرام اتخاذه لكانت زكاته الخروج من جميعه إلى أهله لا الخروج بربع العشر، تماما كما هو الشأن في المال المغصوب الذي هو حرام على الغاضب إمساكه، وفرض عليه إخراجه من يده إلى يد صاحبه ، فالتطهير إنما يكون برده على صاحبه فلو كان ما زاد على أربعة آلاف درهم عند البعض ، أو ما فضل عن قدر حاجته عند البعض الآخر هو المراد بالكنز المحرم الذي ورد الوعيد به لم يكن اللازم لصاحبه هو ربع العشر، بل كان اللازم له هو الخروج من جميعه إلى أهله ، وصرفه فيما يجب عليه صرفه تماما كما هو الشأن في المال المغصوب.

يضاف إلى ما تقدم أنه كان على عهد النبي عليه الصلاة والسلام جمع كبير من الأغنياء، وكان يعدهم النبي من أكابر المؤمنين، وكذلك فقد ندب الشرع إلى إخراج الثلث، أو الأقل في المرض ولو كان جمع المال محرمـاً لكان قـد أمـر المريض أن يتصدق بكل مالـه. هذا وقد حـاول غير واحد من الشرعيين التوفيق بيـن كـلا الاتجاهيـن منهم صاحب الفتح الذي يذهب إلى أن الجمع بين كلام ابـن عمر، وحديث أبي ذر، أن يحمل حديث أبي ذر على مال تحـت يـد الشخص لغيره فلا يجب عليه أن يحبسه عنه، أو يكون لـه لكنه يرجى فضله، وتطلـب عائداتـه كالإمام الأعظم فلا يجب أن يدخر عن المحتاجين من رعيته شيئا، ويحمل حديث ابن عمر على مال يملكه وقد أدى زكاتـه فهو: يجب ان يكون عنده ليصل به قرايته ويستغني به عن مسألة الناس. وقد حاول القرطبي في تفسيره: أن يجمع بين الاتجاهين بقوله (( ويحتمل أن يكون مجمل ما روي عن أبي ذر هذا أن الآية قد نزلت في وقت شدة الحاجة ، وضعف المهاجرين ، وقصر يد الرسول عن كفايتهم، ولم يكن في بيت المال ما يسعهم ، وكانت السنون الجوائح هاجمة عليهم، منهى عن إمساك شيء من المال إلا على قدر الحاجة ، ولا يجوز ادخار الذهب والفضة في مثل ذلك الوقت )) وبمثل هذا أو قريب منه حاول غير واحد من المفسرين وشراح الحديث الجمع بين كلا الاتجاهين منهم النيسابوري في تفسيره ومنهم الرازي في تفسيره: والزمخشري في تفسيره. وثمة اختلاف أخر في المراد بمدلول الكنز وما يصدق عليه، فإذا كانت اللغة تفيد ان الكنز هو المال المجموع سواء كان فوق الأرض أو تحتها، لان مادة كنز تفيد مطلق الجمع عند الفقهاء من علماء اللغة. أساس البلاغة للزمخشري: ( كنز )، والقاموس المحيط للفيروز ابادي ( كنز )، والصحاح للجوهري ( كنز ) فأن الفقهاء قد اختلفوا في مدلوله الشرعي =

ويلاحظ أن الاقتصاد الإسلامي لا يفرق في حجب المال عن التداول بين اقتطاع جزء من المال سواء وضعه المقتطع في المصرف أو في أقبيته الخاصة فالكل مذموم ولا يكافأ على احتجازه وحجبه.



أما في حالة تعريف الادخار على أنه استثمار لاحق، وأن الاستثمار في حقيقته وجوهره ادخار لكنه نوع أخر فان الاقتصاد الإسلامي هو الذي أراد هذا وتبناه، وذلك إنما يتم باقتطاع جزء من رأس المال بهدف توظيفه في عملية استثمار جديدة، على أننا نسجل ملاحظة مهمة وهي أن النظر في قرارات الادخار ودوافعها النفسية أو الذاتية في الاقتصاد الحديث نجدها لا تتطابق مع البناء التكويني للفرد المسلم.



فإذا كان الاقتصاد التقليدي، قد نحا إلى تبسيط قرارات الادخار، والظروف المحيطة بها، فقام بتصويرها على أنها مجرد اختيار بين الاستهلاك الحاضر، والاستهلاك في المستقبل، ومن ثم أبرز فضائل الحرص على المال، فإن الاقتصاد الحديث قد *** معه جوا من الواقعية في دراسة هذه الظروف فقد اعتبر قرارات الاستهلاك أو الادخار أكثر بكثير من مجرد الاختيار بين الحاضر، والمستقبل ، فالفرد الذي يقرر أن يدخر غالبا ما يكون دافعه إلى ذلك شعور بالتكبر، أو شراهة إلى المال، أو أن يرغب المرء ان يكون له من الثروة ما يكفي لرفع رأسه عاليا، أو لمجرد إرضاء غرائز البخل الموجودة لديه، أو لتكوين احتياطي لمقابلة مصاعب غير منظورة مثل المرض والبطالـة، ومع ذلك فإن الاقتصاد الحديث يعتقد أنه لا يلزم أن تكون كـل هذه الدوافع الشخصية مـن



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ

إلى سبعة أقوال هي:

1. أنه المجموع من المال على كل حال . ووجه هذا القول ما أخرجه البخاري في صحيحة في كتاب الزكاة باب إثم مانع الزكاة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : يأتي الإبل على صاحبها على خير ما كانت إذا هو لم يعط فيها حقها تطؤه بأخفانها وتأتي الغنم على صاحبها على خير ما كانت إذا لم يعط فيها حقها تطئه بأظلافها، وتنطحه بقرونها، قال : ومن حقها أن تحلب على الماء، قال : ولا يأتي أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على رقبته فيها يعار، فيقول: يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد بلغت ، وبنحو هذا أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الزكاة باب إثم مانع الزكاة

2. انه المجموع من النقدين، ووجهه أن الكنز إنما يستعمل لغة في النقدين ويعرف تحريم غيره، بالقياس عليه.

3. أنه الجموع منهما ما لم يكن حلياً: ووجهه أن الحلي مأذون في جمعه واتخاذه زينة دون تعلق حق فيه.

4. أنه المجموع منهما دفينا، ووجه قوله عليه الصلاة والسلام في الإبل ومن دفن دينارا أو درهما أو تبرا، أو فضة لا يدفعها بعده لغريم، ولا ينفقها في سبيل الله فهو كنز يكوى به يوم القيامة.

أنه المجموع منهما ما لم يؤد زكاته: ووجهه ما أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الزكاة باب ما أدي زكاته فليس بكنز وذلك أن أعرابيا سأل ابن عمر عن قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ يَكْنِـزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ) الاية، فقال من كمزها فلم يؤد زكاتها فويل له إنما كان هذا قبل ان تنزل الزكاة ، فلما نزلت جعلها الله طهرة للأموال.

5. أنه المجموع منهما ما لم تؤد منه الحقوق : ووجهه ما أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الزكاة باب إثم مانع الزكاة: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : ما من صاحب ذهب ولا فضة يؤدي منها حقها إلا كان يوم القيامة صفحت له صحائف من نار فاحمي عليها في نار جهنم فكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره كلما بردت أعيدت له يوم القيامة في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين العباد فيرى سبيله، إما الى الجنة، وإما إلى النار، وبنحو هذا قال النبي (عليه الصلاة والسلام) في الإبل، والبقر، والغنم، والكنز، وقد ورد في هذه الأحاديث أن النبي سئل عن حقها، فقال: إطراق فحلها، وإعارة دلوها، ومنيحتها، وحليها على الماء، وحمل عليها في سبيل الله .

6. أنه المجموع منهما ما لم ينفق ويهلك في سبيل الله ، ووجهه أن الحقوق أكثر من الأموال ، وليس الزكاة قادرة على الوفاء باحتياجات المساكين فكنز المال دون ذلك ذنب وأثم.

النوع الذي يؤدي إلى تقليل الاستهلاك، فمن الجائز جداً أن يؤدي بعضها إلى زيادة الاستهلاك فقد تدعو الرغبة في الطهور مثلا إلى زيادة في الإنفاق، ويلاحظ أن المنشآت أيضا لها دوافع مشابهة تدفعها إلى إنفاق القليل، أو الكثير.



والحق فإنه باستثناء دافع واحد وهو دافع تكوين احتياطي لسد حاجة، أو دفع ضرورة، فإن بقية الدوافع تفصح عن روح أنانية يرفضها الإسلام الذي طلب من معتنقيه أن يكونوا على درجة عالية من الإيثار ونقاء السريرة، وخلوص النية في العمل لغاية أخروية مبرئة من عوامل الأثرة، وتقديس الذات.







رابعاً: سعر الفائدة ( الربا )



ان فكرة سعر الفائدة مبنية على اساس نظرة كل نظام اقتصادي لعناصر الانتاج والتوزيع الوظيفي لهذه العناصر وقد اختلفت النظم الاقتصادية لتعريفها وتقسيمها لعناصر الانتاج وما اصطلحوا عليه بالتوزيع الوضيفي او مكافئة عناصر الانتاج ذلك ان النظم الاقتصادية لا تسير على نسق واحد في نظرها الى هذا الموضوع.



1. فعناصر الإنتاج في الاقتصاد الرأسمالي أربعة هي العمل وعائده الأجر والطبيعة وعائدها الريع ورأس المال وعائده الفائدة والمنظم وعائده الربح ويتحدد وفق قانون العرض والطلب.



2. أما في الاقتصاد الاشتراكي فإن عنصر الإنتاج الأساسي هو العمل وعائده الأجر أو الراتب الذي تحدده السلطات الرسمية بقرار أداري فهي وان كانت تعتمد معيار العرض والطلب في تحديده ألا أنها لا تتقيد بهذا القانون بل هي تتحدد بخطة التنمية الاقتصادية المعتمدة . أما بقية عناصر الإنتاج فهي وان كانت موجودة في العملية الإنتاجية إلا أن عوائدها تنتقل إلى الدولة تتصرف فيها حسب خطة التنمية المعتمدة.



أما عناصر الإنتاج في الفقه الاقتصادي الإسلامي فإن نظرته المذهبية لهذه العناصر تختلف عن نظرة الاقتصاد السياسي التقليدي اختلافا جذريا وأساسيا وذلك على الرغم من ذلك التشابه الظاهري بين بعض العناصر التي يتركب منها الإنتاج في كل من الاقتصاديين الإسلامي والغربي وقد عرف الفقه الاقتصادي الإسلامي الحديث ثلاث اتجاهات رئيسية في تحديد وتعريف عناصر الإنتاج.



الاتجاه الأول: ويذهب إلى تصنيف عناصر الإنتاج بنفس الطريقة التي نجدها في أي كتاب غربي يبحث في اقتصاديات الوحدات الصغيرة فيقسمها على أنها الطبيعة الأرض والعمل المنظم ورأس المال ويلاحظ أن عنصر رأس المال له مفهوم خاص يختلف عن مفهومه في الاقتصاد الغربي وكذلك تختلف النتائج المترتبة عليه كما أن عنصر العمل في النظرة الإسلامية يتسم بخضوعه لتنظيم معين. ويلاحظ أن التقسيم الكلاسيكي لعوامل الإنتاج قد أثار انتقادات عديدة على مستوى الاقتصاد الحديث لعل في أولها هو اننا إذا حاولنا تحديد ذلك بالبحث في المصدر النهائي لكل جزء من العوامل الإنتاجية فإننا سنثير مسائل تاريخية يصعب معها أن نقرر أي العوامل الإنتاجية كان من صنع الإنسان وأيها لم يكن كذلك كما حو الشأن في الأرض الزراعية الصالحة للزراعة.

وثمة نقطة أخرى وهي أن هذا التقسيم قد جمع في مجموعة واحدة مفردات غير متجانسة فالطبيعة على حسب هذا التقسيم تشمل الأرض وما عليها من موارد الثروة وهذا ما حدا ببعض الاقتصاديين المحدثين إلى دمج الأرض ضمن نطاق رأس المال وربما دمجوا التنظيم في العمل.



الاتجاه الثاني: ويذهب إلى عدم اعتبار رأس المال عنصراً من عناصر الإنتاج ومرد هذا الاستبعاد يرجع إلى سبب فني من وجهة نظرهم وهو أن رأس المال يعتبر في حقيقته مالا منتجا أي مالا تم إنتاجه من قبل وليس عنصراً أصيلاً من العناصر التي يتركب منها الإنتاج وربما كانت دوافع بعضهم في إنكار دور رأس المال في عملية الإنتاج هو خوفهم من أن يعتبر عائده هو الربا المحرم.



وفي الحقيقة لا يصح أن يحمل تحريم الربا ( الفائدة ) في الإسلام على أنه يستدعي إنكار كون رأس المال عنصرا من عناصر الإنتاج ذلك لأن رأس المال وان كان لا يعد عنصرا أو حداً. من عناصر الإنتاج إلا أنه يعتبر واحدا من أكثر الضرورات الفنية في الاقتصاد الحديث وهي ضرورات اقتضتها ظروف التقدم العلمي في ميادين الإنتاج فرأس المال أن كان في حقيقته عملا سابقا أي مال تم إنجازه خلال فترة سابقة إلا أنه من ناحية أخرى مال مكرس من جديد في الاستخدام لتكوين أموال أخرى ومن هنا يمكن القول إن رأس المال هو عمل متراكم مخزون متضمن في سلعة تستخدم في معرض إنتاج سلعة أخرى.



يضاف إلى هذا أن علم الاقتصاد الحديث نفسه يفرض علينا أن نميز بين رأس المال وبين القرض ومن ثم التمييز بين المكافأة التي تستحق لكل منهما ما يقتضيه مفهوم الفائدة عند الكثير من الاقتصاديين مثل ( فيشر ) و ( باتكسن ) و ( هانسن ) إذ أنها معرفة عندهم على أنها النسبة المئوية للفرق في الأسعار الحقيقية للنقود ما بين نقطتين من الزمن أو كما هو معرف عند ( كينز ) بأنه عكس النسبة القائمة بين مبلغ من العملة وما يمكن الحصول عليه إذا تركنا لفترة معينة حرية التصرف بهذا المبلغ لقاء ذمة ومن ثم يكون سعر الفائدة هو السعر الذي تتفق عنده الرغبة في إبقاء الثروة في شكل سائل نقدي.



وهكذا فإن مفهوم الفائدة المتقدم ليس له أية علاقة بالالات والمباني أو بالسلع الإنتاجية. فإذا كانت الفائدة هي مكافأة القرض فلا يمكن ان تكون هي نفسها مكافأة رأس المال بل إن حق رأس المال هو حق شخصي على صاحب المادة المصنعة ولا توجد علاقة بين هذه المكافأة وبين الفائدة بل ولا يوجد أي نوع من التشابه بينهما.



الاتجاه الثالث: ويذهب إلى أن عناصر الإنتاج اثنان هو العمل ورأس المال ويلاحظ أن هذا الاتجاه على الرغم من ذهابه إلى ثنائية عناصر الإنتاج إلا أنه يجعل من مفهوم رأس المال مفهوماً شاملاً لمعناه المصطلح عليه عند الاقتصاديين وللمورد الطبيعي وهي الثروات التي ليس للإنسان دخل في وجودها كالأرض والحيوان والماء والمعادن والمناجم.



والحقيقة فانه على الرغم من اتفاقنا مع هذا الاتجاه بالجملة لأنه أكثر الآراء دقة وأقربها إلى الفقه الإسلامي إلا أننا نختلف معه في ملاحظته أن رأس المال وحده لا يكون له عائد ألا إذا ساهم مع العمل في الغرم. ومرد هذا الاختلاف أن هذا الاتجاه قد استند في تقسيمه إلى إجماع الفقهاء على توزيع الريع وهو الإنتاج بين العمل ورأس المال كما هو في صورة الشركة، ومعلوم أن الشريك يتحمل الغرم حسب نسبته المئوية المتفق عليها بإرادة الشركاء إلا أننا نختلف مع هذا الاتجاه في أنه جعل من حالة واحدة وهي حالة الشركة قاعدة فذهب إلى أن رأس المال لا عائد له إلا إذا تحمل الغرم مع أننا نلحظ أن هناك احوالا عديدة لا يتحمل فيها رأس المال كما هو مفهومه عندهم غرما ولا أي نوع من مخاطر المشروع على الرغم من استفادة صاحب رأس المال من حصيلة الإنتاج، يدل على ذلك ما سطره الفقهاء من أراء في طرق الاستثمار والتوظيف كما هو الشأن في التوظيف عن طريق إقطاعية الدولة وكما هو الحال في إجارة المورد نفسه والحق فان تصور الاقتصاد الإسلامي لعوامل الإنتاج ومردود هذه العناصر من العوائد وبالتالي نظرية القيمة يعد واحداً من أبرز واهم الخصائص التي تميز الاقتصاد الإسلامي عن كلا الاقتصادين الرأسمالي والماركسي الكلاسيكي.



ان النظرية الغربية سواءً اكانت اشتراكية ام رأسمالية تذهب الى ان الفائدة هي عائد رأس المال ومكافأته وبالتالي فهي تعتقد ان الكفاية الحدية لانتاج رأس المال النقدي هو الفائدة والذي يعتبر في الاقتصاد الغربي هو المحرك او الداينمو لنظامه الاقتصادي ولعل الاساس النظري الذي استندت اليه انه لما كان رأس المال النقدي متناهي ومحدود فهو لا يشبه السلع الحرة كالماء والهواء فانه لا يمكن له ان يتراكم وينمو الا من خلال مكافأته بالفائدة وفي حالة عدم وجود الفائدة فأننا سنصل الى المعادلة الصفرية بتأكل رأس المال النقدي.



ان الاقتصاد الاسلامي لا يذهب في ذات الاتجاه الذي ذهبت اليه النظرية الغربية وذلك لانه يرى ان مقولة ان الكفاية الحدية لانتاج رأس المال النقدي تتطابق دائما وابداً مع سعر الفائدة مقولة تتسم باللا يقينية ولا يدعمها الواقع اذ اننا نرى انه في كثير من الاستثمارات ربما كانت الارباح المعبر عنها بالكفاية الحدية لانتاج رأس المال النقدي اكبر بكثير من معدلات سعر الفائدة كما انه ربما في مشاريع اخرى تكون الارباح اقل من معدلات سعر الفائدة مما يعني ان تطابق سعر الفائدة مع الكفاية الحدية لانتاج رأس المال يتسم بالايقينية.



ومع ان الاقتصاد الاسلامي يتفق مع النظرية الغربية في ان رأس المال النقدي متناهي ومحدود الا انه لا يتفق معها في النتائج التي توصلت اليها.. صحيح ان رأس المال النقدي متناهي ومحدود ولا يشبه السلع الحرة مثل الماء والهواء لكننا في الاقتصاد الاسلامي لن نصل الى المعادلة الصفرية لان عائد رأس المال هو الربح وبالتالي فأن تراكم رأس المال سيتم من خلال ما يحققه من ارباح مشروطاً بأن يدخله العمل وهكذا يكون الربح هو الكفاية الحدية لانتاج رأس المال لانه هو المعادل الموضوعي الذي يتسم باليقينية.



ويلاحظ ان هناك تشابهاً ظاهرياً وشكلياً بين الربا والربح باعتبار ان كلا منهما زيادة على رأس المال ولكن على الرغم من هذا التشابه الظاهري بينهما فانه يختلف كل منهما عن الاخر لكون كل واحد منهما ناشئ عن معاملة مالية مختلفة قابلة لان تنتج بطبيعتها وخصائصها ربحاً حلالاً مثل البيع والشركة والاجارة او رباً محرماً مثل اخذ الفائدة في حالة الاقراض والاقتراض.



ويتفق الفقهاء على ان الربا هي كل زيادة مشروطة على رأس مال الدين دون عوض يقابلها سوى الاجل وهي محرمة بنصوص القرأن الكريم كما في قوله تعالى : ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ) البقرة 275.



ومثل قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) فهذه الايات تربط وبوضوح بين الربا والدين وتبين ان الربا هو زيادة على رأس مال الدين.

ان العبرة هي بتوفر خصائص وطبيعة المركز القانوني والشرعي في كل من طرفي العلاقة المالية في الواقع العملي من حيث كونها علاقة دائنية او مديونية ومن هنا يكون الضابط في التفريق بين الربا والربح هو ان أي معاملة كانت اذا نتج عنها وجود مبلغ مالي ثابتاً في ذمة الطرفين ومظمون الرد بمثله مؤجل السداد كان هذا المال ديناً وكان صاحبه دائناً والطرف الاخر مديناً واي زيادة على رأس المال تعد من الربا المحرم اما ان كانت المعاملة لا تشتمل على وجود مبلغ مالي مؤجل السداد وكان الطرف المسؤول عن رد المال اميناً على مال صاحبه من غير ضمان له اذا هلك او خسر وتقاسماً معاً الربح قل او كثر كان صاحب المال شريكاً وكانت العملية شركةً مشروعة وزيادة رأس المال ربحاً حلالاً.



لقد اكدت الدراسات الاقتصادية الموضوعية والمحايدة ان نظام الفائدة التي هي سمة الاقتصاد العالمي الان والتي تشكل البنوك عاموده الاساس والفقري تحتوي على مضار رهيبة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً كما انهم يجمعون بأن الفائدة لا تختلف عن الربا لكنه ربا في ابسط مظاهره وصوره ولكن في نفس الوقت مع ايمانهم بمظارها الا انهم يعتقدون انه لا مناص من اللجوء اليها لادارة السياسة المالية للدولة خصوصاً في السياسات النقدية لانها تعد واحدة من الادوات النوعية في رسم السياسات وصنع التوازن بين حالتي الانكماش والتضخم واختلال التوازنات في كمية النقود بين العرض والطلب وتأسيساً على ما تقدم ذهب كثير من الاقتصاديين الغربيين وعلى رأسهم الاقتصادي الكبير (كينز) الى ان الفائدة تعوق النمو الاقتصادي وتعطل حركة الاموال وان التنمية لا تتحقق الا اذا كان سعر الفائدة صفراً او ما يقرب منه مما يعني الغاء الفائدة ولعل هذا هو ما يحققه الفقه الاسلامي ويسعى اليه.







خامساً: ازمة الائتمان العالمية والبنوك الاسلامية



لقد ساد تصور عام في النظرية الغربية انه لا اقتصاد بلا بنوك ولا بنوك بلا فائدة وكثير ما قدم النظام الغربي البنوك والبورصات وشركات التأميم وغيرها من المؤسسات العملاقة على انها الانموذج الذي يجب ان يحتذى في جميع انحاء العالم على مختلف ايدلوجياته.



ان المتأمل في هذه الازمة يجد ان بداياتها هي في الاقراض والاقتراض بالربا واثقال كاهل الناس بقروض ربوية ذهبت الى سد احتياجات اساسية كالمنازل او غيرها من الكماليات وهكذا كانت سعادة مجلس الاحتياطي الفدرالي والسماسرة وبيوت المال كبيرة لهذه التسهيلات الربوية و وجد الاقتصاد الامريكي فيها محركاً اساسياً لاستمرار النمو لكن جاءت رياح الاعصار بما لا تشتهي سفن الادارة المالية الامريكية وحتى نضع القارئ في صورة ما حدث ويحدث نقول ان عملية الاتجار بالائتمان تتم على مرحلتين:



المرحلة الاولى: جمع الاموال من المدخرين بفائدة وتسمى الايداع او الودائع وهذه التسمية غير حقيقية لان هذه الاموال تسجل لدى البنك على انها ايرادات دائنه العميل فيها دائن والبنك فيها مدين فهذه الايرادات تدخل ذمة البنك المدينة ويتملكها ملكية كاملة ويستثمرها البنك لحساب نفسه وربحها او خسارتها له او عليه وحده وليس للعميل الدائن الا رأس ماله وفائدته .





المرحلة الثانية: هي توزيع الاموال على المحتاجين من اصحاب الاعمال او المستهلكين لبعض السلع فقط وتتم عن طريق الاقراض بفائدة ويلاحظ انها ايضاً عملية مداينة البنك فيها دائن واصحاب الاعمال فيها مدينون وليس للبنك فيه الا رأس مال القرض وفائدته سواءاً ربح صاحب المشروع او خسر ويكسب البنك الفرق بين فائدتي الايداع والاقراض وقد دلت بعض الدراسات لميزانيات البنوك ان معدل ما بين 70 الى 80 بالمائة تتم عن طريق اقراض المال للمحتاجين.



ويقوم نظام البنوك على ان سداد المدين لجزء من دينه يخصم اولاً من الفوائد المتراكمة وقد جرت العادة ان المدينين لا يستطيعون الوفاء بديونهم كاملة ويفاجأ المدين انه قد اوفى البنك قيمة الدين كاملاً ولكن الدين باقي على حاله كاملاً بالاضافة الى جزء من الفوائد وهكذا تتحول ذمة المقترض الى مديونية دائمة تمتص جهده وعرقه وتؤدي بمشروعه في النهاية الى كارثة اقتصادية.



ان الاقتصاديين يجمعون على ان الوجه الاكمل الذي يحقق افضل النتائج لا بد ان تتم بالتعاون والتوازن بين عنصري الانتاج وهما رأس المال والعمل وفي عالم الاقتصاد اليوم لا يوجد الا نظامين اثنين لادارة العلاقة بينهما.



ان يكون صاحب رأس المال دائناً مقابل فائدة ثابته ولا يشارك في ربج او خسارة والمستثمر مديناً وضامناً لارأس المال وهذا النظام لا يحقق العدالة ولا يحقق التوازن بين عنصري التنمية الاقتصادية لانه يحابي رأس المال الذي يزيد دائماً بنسبة مئوية على حساب العمل الذي يربح ويخسر وله مضار فادحة اجتماعياً واقتصادياً واخلاقياً.



النظام الثاني ان يكون صاحب المال شريكاً للمستثمر في الربح والخسارة وليس ديناً في ذمته فلا يضمنه الا بتعدً او تقصير وهو نظام المشاركة بكل صورها سواء منها ما يمثل الاستثمارات المباشرة او غير المباشرة مثل التمويل بالمشاركة او مشاركة كاملة او ناقصة او شركات اموال او شركات اشخاص وهذا ما يحقق التوازن بين عنصري رأس المال والعمل ولا يحابي احداً من الاطراف على حساب الاخر ويدفع بالتنمية الى الامام ولا يسمح بظهور جيل من السماسرة والمقامرين والوسطاء الانتهازيون وحاملي الوثائق والرأسماليون بلا مهنة وهذا ما جاء به الاسلام.



ان واحدة من اسباب الازمة الحالية هو الاتجار بالائتمان وبيع الديون ان النظام المصرفي التقليدي يحتاج الى حلول جذرية عميقة على حد تعبير الباحثة الايطالية ( لووريتا نابليوني ) ومن هنا تأتي اهمية البنوك الاسلامية باعتبارها بديلاً ممكناً عن النظام المصرفي الغربي فقد اثبت النظام المصرفي الاسلامي قدرة عالية على استخدام كافة وسائل الحداثة صحيح ان بعض ادوات هذه المصارف كانت تشوبها بعض السلبيات وما تزال قاصرة عن بلوغ الاهداف المثالية للنظام الاسلامي.



ان فكرة البنوك الاسلامية لا تختلف كثيراً عن البنوك التقليدية باعتبارها وسيطاً بين طرفي المعادلة الاقتصادية وهما وحدة الفائض النقدي التي يمثلها المدخرون ووحدة العجز النقدي التي يمثلها المستثمرون لكنها تختلف مع البنوك التقليدية في الاساس النظري في فلسفتها لرأس المال النقدي وفي نظرتها للنقود فهي تتفق مع النظرية الغريبة في ان النقود وسيلة للتبادل ووعاء للقيمة لكنها تختلف معها في اعتبار النقود اداة او وسيلة يمكن التوصل بها الى عائد مالي بانفرادها بل لا بد ان يدخلها العمل حتى يمكن لها ان تحقق عوائد مالية وتأسيساً على هذا قد جاء تحريم الاتجار بالائتمان.

النتائج





ساحاول ان اسوق نتائج ما توصل اليه هذا البحث وبايجاز شديد وذلك كالاتي:



أولاً: لقد وقع كثير من المحللين في خطأ التسطيح والتبسيط لهذه الازمة حين يقدمونها على انها ازمة مالية فقط. ان توخي الدقة يجعلنا نقرر اننا بأزاء مشكلة اقتصادية حقيقية اطلت بوجهها المالي فقط الا ان لها وجوها اخرى وعلى اي محلل اقتصادي ان لا ينظر بعدسة واحدة او ان يكون حبيس صورة واحدة بل عليه ان يرى بأكثر من عدسة ومن خلال اكثر من صورة عندها سيتوصل الى نتيجة مفادها ان هناك اختلالات بنيوية وهيكلية في النظرية الرأسمالية.



ان الازمة معقدة ومركبة قد ادت الى نتيجة مهمة وهي اختلال الدوال الاربعة ( دالة الاستهلاك، دالة الانتاج، دالة الادخار، دالة الاستثمار ) وان هناك علاقات وظيفية جدلية بين محاور اربعة وهي كمية النقود + علاقتها بالدوال الاربعة + التشغيل ( الاستخدام الناقص والاستخدام التام للعمالة ) + الطاقة.



ان المعادلة المتقدمة تؤشر لنا حجم المشكلة وتعقيداتها فشحة السيولة أدت وبالضرورة الى تراجع الطلب الكلي على الاستهلاك، وتراجع الطلب على الاستهلاك يؤدي الى انخفاض الانتاج، وانخفاض الانتاج يؤدي الى قلة الطلب على الطاقة اولاً والاستغناء عن العمالة الزائدة ثانياً وكل هذا الذي تقدم يؤدي في دورة جديدة الى تراجع الطلب على الاستهلاك الكلي وبمعدلات اكبر لانخفاض عائدات المؤسسات والافراد والشركات وهكذا دخل الاقتصاد العالمي مرحلة الركود أو في طريقه وبالتالي لم تعد شحة السيولة بانفرادها هي السبب.



ثانياً: لقد قلنا ان هذه الازمة ستؤثر على كل الاقتصادات بمستويات مختلفة لانه في ضل اقتصاد معولم لن يكون هناك احد بمنأ عن التأثير ومع ذلك فأننا نعتقد ان اقتصادات الدول العربية والاسلامية وخاصة النفطية منها، اقتصادات جيدة قادرة على مواجهة الازمة اذا لم تركض لاهثة وراء المعالجات الامريكية وهذا هو الخطأ الكبير والفادح التي وقعت فيه دول الخليج خصوصاً لانها تصورت ان افضل وسيلة لمعالجة الازمة هو من خلال ضخ السيولة وبالتالي اعتمدت ذات الادوات والوسائل التي اعتمدتها الادارة الامريكية علماً ان البيئة والمناخ مختلفتين في كلا الاقتصادين.



ان دراسة متأنية لحجم الخسائر في الاسواق المالية في منطقة الخليج لوحدها نجدها قد زادت على مئتي مليار دولار وان معدلات خسائر هذه الاسواق قد بلغ في دبي 45 % وفي كل من الدوحة ومسقط والمنامة قد تراوحت بين 22 و 25 % في حين زادت معدلات الخسائر في السعودية والكويت على 16 % . ان نظرة موضوعية لهذه الارقام ترشدنا الى خلل منهجي على مستوى الادارة المالية في هذه الاقتصادات.



ان ضخ السيولة على مستوى الدول العربية والاسلامية المنتجة للنفط خطأ بالمطلق لان الاقتصادات الكبرى العالمية قد دخلت مرحلة الركود او في طريقها الى ذلك وتأسيساً على ما تقدم فان احتفاظ هذه الدول بالكتلة النقدية الموجودة لديها هو سبيلها الوحيد لان تربح او تحافظ على اقتصادها على اقل تقدير في المرحلة القادمة بدل ان تصل بعض الدول الى مرحلة العجز باعتباره ناتجاً موضوعياً لعجز المؤسسات المالية خصوصاً وان كل شيء يسير نحو الهبوط في المستقبل القريب وبمعدلات كبيرة وبالتالي فأن من يمتلك السائل النقدي من الدول يكون هو الاكثر قدرة على تنفيذ برامجه وخططه القومية والاكثر ربحاً وان الاستثمار والتوظيف في هذه البلدان هو السبيل الامثل باعتباره بديلاً موضوعياً عن ضخ السيولة وانقاذ افلاس المؤسسات المالية. خصوصاً وان هذه الازمة سببها مجموعة من المقامرين الذين لا يستحقون مكافأتهم بتوسيع دائرة الثروة مرة اخرى عن حساب القوى العاملة المنتجة والداعمة للناتج القومي لاي دولة.



ويلاحظ ان اسعار النفط ستصل الى ادنى مستوياتها في الستة اشهر المقبلة لان الطلب الكلي لاستهلاك الطاقة سينخفض وبمعدلات كبيرة وستقل اسعار النفط الى مستوى يترواح بين 30 الى 40 دولار .



ثالثاً: نعتقد وبيقين ضرورة اللجوء الى غلق الاسواق المالية في الدول العربية والى اشعار اخر وهذا الاجراء هو افضل بكثير من ضخ السيولة لان موضوع هذا الضخ سيشكل للدول خسارتين الاولى خسارة الكتلة النقدية والثانية خسارة قيمة الاسهم المتداولة والافضل عندما تخير الدول بين خسارتين او خسارة واحدة ان تختار اقلهما ضرراً في معيار الربح والخسارة.



وتأسيساً على كل ما تقدم فأننا نعتقد ان نظرية البديل الثالث القائمة على اسس ( المذهب الاجتماعي المتساوق مع الحل الاسلامي ) وفي هذا التوقيت بالذات هي النظرية الاكثر ملائمة وجدوى على المستوى الاقتصادي لانها قادرة من خلال قوانينها العاملة على توجيه الموارد على مختلف القطاعات المستهدفة موضوعياً ضمن فلسفة الدولة في قيادة المجتمع لان اقتصادات السوق قد اثبتت فشلها وفي اكثر من مرة.












شبكة المنصور

الاحد / ١١ ذو القعدة ١٤٢٩ هـ


***


الموافق ٠٩ / تشرين الثاني / ٢٠٠٨ م
__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« الجرائم الإلكترونية | قواعد استخدام الهوامش والحواشي في رسائل الماجستير والدكتوراه »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
سقوط صواريخ على كليس التركية من سورية لليوم الثالث عبدالناصر محمود أخبار منوعة 0 04-14-2016 06:27 AM
كتاب الصكوك المالية الاسلامية لتمويل التنمية بديلاً عن قروض المؤسسات المالية الدولية Eng.Jordan بحوث الإدارة والإقتصاد 2 02-21-2016 02:59 PM
داعش والتدخل الروسي عبدالناصر محمود مقالات وتحليلات مختارة 0 10-16-2015 07:39 AM
خط نابوكو الرئيسي لأنابيب الغاز يشارف على الانهيار والبديل جاهز Eng.Jordan مقالات وتحليلات مختارة 0 12-19-2012 02:36 PM
بحوث حول الازمة المالية العالمية Eng.Jordan بحوث الإدارة والإقتصاد 0 05-04-2012 02:13 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 06:05 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68