تذكرني !

 





تيسير سبول .. وظلال من سيرة النّاقد

(الملحق الثقافي لجريدة "الدستور" الأردنيّة، 16/11/2007) كايد هاشم* نُدرة من المبدعين الكاتبين، أو غير الكاتبين، قد يشقّ على القارىء في مستوىً معيَّن من التلقّي، وعلى الدّارس

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 02-07-2013, 01:37 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 17,460
افتراضي تيسير سبول .. وظلال من سيرة النّاقد

(الملحق الثقافي لجريدة "الدستور" الأردنيّة، 16/11/2007)



كايد هاشم*

نُدرة من المبدعين الكاتبين، أو غير الكاتبين، قد يشقّ على القارىء في مستوىً معيَّن من التلقّي، وعلى الدّارس في مرحلة ما من مقاربة أعمالهم نقديًّا، انتشال نصوصهم – ولو على سبيل التّجريب – من سطوة ظلال سيرهم، وعزل هذه النّصوص عن تضاريس شخصياتهم في مسارها الحياتيّ، وفي عمق مكوّناتها الاجتماعيّة والثّقافيّة وخصائص نسيجها النّفسيّ وعلامات تجاربها الفكريّة، والتّعامل بعدئذٍ مع منجزها الإبداعيّ ضمن أُطر فنيّة خالصة (من هؤلاء على سبيل المثال - أردنيًّا: عرار، وغالب هلسا، وتيسير سبول، ومؤنس الرزّاز).

لكنْ، وبصرف النّظر عن مقايسة مثل هذه القراءة بمساطر المناهج النّقديّة المعروفة من تاريخيّة أو نفسيّة أو أيديولوجيّة، أو حتى انطباعيّة؛ فإنَّ اللجوء إلى مناهج النّقد الحداثيّة وما بعد الحداثيّة التي يلغي بعضها المؤلِّف ويُعلي من شأن النّصّ وحده، ويتعامل معه بوصفه كينونة مستقلّة قائمة بذاتها، مقطوعة الأطراف والوشائج، لا يُقصي تلك السطوة تمامًا، وإنْ غُيِّبت في الظّاهر. ذلك أنَّ نوعيّة النّصوص التي نعنيها هنا تحتاج إلى ما هو أكثر من مجرَّد تبنّي منهج بعينه أو المزج والاستفادة من أدوات نظريات ومناهج نقديّة مختلفة، حتى لا يبدو المزج سهولة مواربة ومنفذ هروب من إشكاليّة تأويلها وتفسيرها وإضاءة منحنياتها وثنياتها ومكنوناتها إلى أبعد الحدود الممكنة.

لقد سبق أن انتهى شيخ النّقاد العرب، الرّاحل د. إحسان عباس، بعد دراسة طويلة متباينة المناحي (أحيانًا) – كما يقول - بين مؤثّرات الدراسات النّفسيّة "الفرويدية" والنّقد الجديد، إلى رؤية مؤدّاها "أنَّ كلّ عمل فنيّ هو قاعدة في ذاته، تنتزع من النّاقد المنهج والأحكام التي تليق أنْ تُطبَّق عليها"(1). وهو، وإنْ كان يتحدث هنا عن حصيلة تجربته في نقد الشِّعر خصوصًا، فإنّه يوسع من أُفق النّظر النّقديّ إلى أجناس أدبيّة وفنّيّة أُخرى، ويقعِّد للنّصوص من دواخلها، دون أنْ تبدر إشارةً في قوله إلى تحييد مصادر النّصوص/ مؤلِّفيها، ودون حاجز أمام الاستفادة من مختلف زوايا النّظر، قديمها وجديدها على السواء. إنّها رؤية يُطمأن إلى السّير في ضوئها من حيث أنها لا تبتر شرايين النّصوص ولا تسدّ منافذ تنفّسها، وتفقدها أوكسجين المؤثّرات الخارجيّة الذي يُضخّ فيها ويشحذ عناصر سيرورتها.

من هنا، فإنَّ تناول أعمال تيسير سبول (1939-1973)، وإعادة قراءة إبداعاته في الرّواية والقصّة والشِّعر، والنّقد أيضًا، يكشفان لنا أنَّ أي منهج من المناهج النّقديّة بوحدانيّته يقصُر نوعًا ما عن تلمُّس سُبل بلوغ مرتقى استشراف القيم الإنسانيّة والفنّيّة والفكريّة والأدبيّة التي تختزلها روايته "أنت منذ اليوم" (دار النّهار، بيروت، 1968)، أو ديوانه "أحزان صحراويّة" (دار النّهار، بيروت، 1968)، أو سائر ما كتب من قصص ومقالات ودراسات وأحاديث إذاعيّة، ضمّ معظمها النّاقد د. سليمان الأزرعي محقِّق كتاب "الأعمال الكاملة لتيسير سبول" إلى الرواية والديوان في هذا الكتاب(2). فسطوة ظلال سيرته وتجاربه الفكرية ومواقفه وردود أفعاله الدّاخليّة تتشابك حدّ الانصهار في ملامح شخصيّة "عربي" بطل الرواية، وتكاد أحزانه الصحراويّة تجسمه صورةً وصوتًا وفكرًا في فضاء صوفيّ خاصّ به ضمن الكون الشِّعريّ.

وكما يقول الشّاعر والنّاقد عبدالله رضوان في مستهلّ قراءته الحصيفة للبنية والخطاب في رواية "أنت منذ اليوم"، فإنَّ "الأعمال الأدبيّة المميّزة هي الأعمال التي لا ينفذ إليها النّاقد بسهولة، لأنّها تربك دارسها في تعدُّد مساراتها، وفي تعقُّد مقولاتها، وفي تشابك بنائها، وفي كونها لا تصل إلى دارسها بسهولة، بل إنَّ أية دراسة لها لا تكاد تحقِّق إلاَّ إضاءة لأحد جوانبها"(3)، وهكذا هي قراءة تيسير سبول غالبًا.

تبقى هذه مجرَّد إشارات خاطفة إلى ما أفاضت به دراسات كثيرة حول أدبه وشهادات عدّة كتبها أصدقاؤه وعارفوه عنه، تحليلاً وتقصّيًا وتأويلاً، على مدى أربعة وثلاثين عامًا مرَّت على انتحاره منذ عصر الخامس عشر من تشرين الثاني 1973. وما يزال إبداع تيسير مدار أوجه عدّة من الدّرس والمناقشة والبحث؛ إذ لم يعد من الممكن بعد صعقة حادثة انتحاره القول بأنَّ هنالك ما يبرِّر الفصل بين سيرته الشخصيّة ونصوصه، حتّى وإنْ حشر البعض أسباب الانتحار في زاوية الخيبة السّياسيّة في أعقاب هزيمة 1967 ليس إلاّ، وبعض آخر أرجعها ببساطة إلى المعاناة من آلام مرض الصفراء الراجعة في عينيه، وبعض ثالث ذكر فيما ذكر من الأسباب خشية تيسير من العجز والشيخوخة (!) ؛ حتى وإنْ بقي الانتحار لغزًا يحتمل المزيد من محاولات التّفسير والكشف عن غوامضه، عن طريق التّحليل الأدبيّ وارتياد أغوار الأسئلة والقضايا والمواقف التي يثيرها أدبه في الحياة والوجود والحب والموت، في غليان الوعي، وفي مرجل فواجع الغربة لدى الإنسان العربي في هذا الزمان .

وإذا كانت "أنت منذ اليوم" وشعر تيسير قد استأثرا بالحصيلة الأكبر مما أنتج الدّارسون والنّقاد من كتابات حوله، فإنَّ أدبه النّقدي التّطبيقيّ ما تزال الأضواء في اتجاهه خافتة، رغم ما يختزنه من التماعات ذلك التداخل السّلس تارةً والمُربك تارةً أخرى بين سيرة النّاقد في خطّها العريض المُنتهي بيولوجيًّا برصاصة الانتحار، وبين ما أعقب ذلك من خطٍّ عميق إنسانيًّا عبر ترِكة تيسير الإبداعيّة والأدبيَّة، وهو خطّ مستمرّ حتى يومنا هذا بعد أنْ أخذ شكل دائرة مغتنية بدوائر داخلها أعمق وأعمق في الدلالات، ومحمّلة بمكامن شديدة المباشرة أحيانًا في الإفصاح والوضوح عن روح تجربة هذا الأديب في سيرته بمجمل أبعادها.

بيُسر فسَّر لنا صديق تيسير المقرَّب الأديب رسمي أبو علي نقطة ارتكاز هذه الدائرة من خلال عبارة بسيطة كان يردّدها تيسير: "(تِك) وينتهي كلّ شيء في لحظات "… و(تِك) هذه تلخِّص ما وصفه رسمي "بالتدريب الطويل" جدًا الذي نفَّذه تيسير بمسدس حقيقي فيما بعد، وبعد أنْ كان يتحدَّث أيضًا عن "دراسته" لجميع طرق الانتحار على الإطلاق(4). بل إنَّ صديقه الآخر المقرَّب أيضًا الأديب صادق عبد الحق في حديثٍ له لمجلّة "نزوى" العُمانيّة يكمل هذه الإشارة فيرصد ميتات أدباء وكتَّاب كان تيسير معجبًا بها، مثل "ميتة "كامو" حين ارتطمت دراجته بشجرةٍ فقُضي عليه، ومثله ما كان يرويه كذلك عن لورنس ومصرعه، وبميتة همنغواي حين انقذف رصاص بندقيّته في جوفه، وبميتة الشاعر ماياكوفسكي". ويقول: "لو عاش [تيسير] لأعجبته ميتة صديقه خليل حاوي الذي لم يفعل إلاَّ ما فعله تيسير تمامًا .."(5).

في قسم من مقالاته النقديّة "يدرس" تيسير - فيما يبدو - وبشكلٍ انتقائي بعض المنتحرين من هؤلاء وسواهم، وأبرزهم فلاديمير ماياكوفسكي في قصيدته المعروفة "غيمة في بنطال"، وهي قصيدة لا تتحدَّث عن الموت كما لاحظت ذلك توجان فيصل في شهادة كتبتها في ذكرى تيسير – لكنّها تساءلت عن معنى اختيار تيسير لماياكوفسكي، وتومىء إلى اهتمامه بالخيوط التي نسجت فاجعة نهاية هذا الشاعر وبالوصيّة القصيرة الحزينة التي خلَّفها ماياكوفسكي، "ذلك الذي حمل مشاعر الناس جميعًا في قلبه وعصرها في صوته الشِّعريّ العظيم"، معلنًا وداعه: "زورق الحب الذي تحطَّم على صخور الحياة اليوميّة"، ورجاء لأمه ألاَّ تبكي وللنّاس ألاَّ يتقوّلوا عليه. أما المتقابل والمُشتَرَك بين هذين المُنْتَحِرين فتحدّده توجان - من جانب تيسير - في التّخفيف من أمر رحيله على أصدقائه مقابل "ألاّ تبكي الأم"، وفي "توجُّس الشاعرين من سوء الفهم وتقوّل النّاس عليهما"؛ إذ يقول تيسير في شعره:

(وجدّفوا عليّ/ ولوثت شفاههم آخر ما لديّ/ براءتي/ وا خيبة المسار/ أللذباب المطاف/ للذباب منتهى/ يقتات ذوب مهجتي؟).

وشاعر آخر يدرسه تيسير هو غوستاف أدولف بيكر، الذي يصفه في حياته القصيرة "كنيزك احترق بنار الرغبة المتشوّقة إلى الأبديّة". ومن دراساته اللافتة للانتباه مناقشته "مسألة الإيمان في شعر إليوت" وتركيزه في هذه المناقشة على شكل آخر من أشكال الانتحار، ذلك الذي "تموت فيه الرّوح ولا تعود قادرة على الحياة"، إلاَّ أنّه يخلص في ختام الدّراسة إلى أنَّ الإيمان المزعوم لدى إليوت، لا سيما في قصيدة "أربعاء الرّماد"، أمر "لا يخلو من التعسُّف، لأن إليوت يمثِّل حضارة فقدت الإيمان".

من نتاجات الأدب العربيّ المعاصر يختار تيسير رواية الطيّب صالح "موسم الهجرة إلى الشّمال"، فيحلِّل سمات شخوصها، ويعنى على وجه الخصوص بموقف بطل الرواية "مصطفى سعيد" من الوجود، فيرجِّح أنْ تكون حقيقة موته انتحارًا، لكنّه الانتحار الذي يدلّ على الهروب وتتويج الفشل أكثر مما يدلّ على أنَّ بطل الرواية صاحب موقف.

ومن الإنتاج السينمائيّ العالميّ يهتم تيسير بتحليل فيلم "العار" لبيرغمان، ويركِّز الاهتمام على شخصية قائد المركب في قصة الفيلم، الذي أنهى حياته بالانتحار طواعيّةً واختيارًا، ويقول هنا: "بوسع المرء أنْ ينتحر كما فعل قائد المركب، ولكنَّ أحدًا لن يعير هذه الحادثة انتباهه، فإنَّ جثث القتلى في كلّ مكان، وهو ليس إلاَّ جثة ضائعة بين الرّكام الإنسانيّ الهائل".

صحيح أنَّ إشكاليّة الانتحار والموت من خلال فلسفة اختيار الإنسان لإنهاء حياته بيده، تكاد تستولي على جانب كبير من مقالات تيسير ونقداته ودراساته في الشعر والرواية والقصة والسينما، إلاَّ أنها تتفاوت في نظرة تيسير إليها وتمييزه ما بينها بمحاكمة الموقف الذي يؤدي إلى خيار فعل الانتحار في ظلّ شروط معينة، قد تكون صارمة، للقيام به. ففي قراءته لكتاب صلاح عبد الصبور "قراءة جديدة في شعرنا القديم"، يُبرِز أكثر ما يُبرِز مواقف الشّعراء العرب القدامى من الموت والوجود، مثل طرفة بن العبد، ومتمم بن نويرة الذي يرى الموت "صورة مبثوثة في شتى مظاهر الحياة"، ويشير كذلك إلى أبي نوّاس، وأبي العلاء المعرّي "الذي يرى الموت لونًا من النّعيم سيلقاه الإنسان، لأنَّ الدّنيا – بنظره – لون من الأسر". وفي مقالته "رحلة إلى الشِّعر العربيّ/ المتنبّي" يتجلّى موقفه بإسقاط ذاته المُحبَطة المحتجّة في حديثه عن شاعر ذي نفس تتكسَّر حسرات، وهو يبدي التجلُّد والقوّة؛ صائحًا مع المتنبّي:

(حَتَّامَ نحنُ نُساري النّجمَ في الظُلَمِ/ وما سُراهُ على خُفٍّ ولا قدمِ/ ولا يحُسُّ بأجفانٍ يحُسُّ بها/ فَقْدَ الرُّقاد غريبٌ باتَ لم يَنَمِ).

يرى تيسير أنَّ المتنبّي إنّما "ينعى ذاته من خلال نعيه الزّمان العربيّ المتأخِّر، ويحنّ إلى تليدٍ من ماضي الأمة حينما كانت العروبة علمًا في الذّرى"، وينظر بنور عيني سلفه القديم إلى مجمل اللوحة الإنسانيّة فيرى قلقًا ورعبًا، "فالعدل منعدم بين النّاس، ولذلك تتمزَّق الأواصر بينهم حتى أواصر القُربى"، ويغوص أكثر في نَفْس الشّاعر المعذّبة أو يصعد مع روحه التائهة أعلى وأعلى، ليجد أنَّ نَفْسه هذه تجعله من الطراز الرّفيع الذي يضعه مع النُّخبة من شعراء العالم". وتعليل ذلك عند تيسير أنَّ المتنبّي عاش عمره على مستويين: مستوى من الواقع، ومستوى من الكونيّة، وتمزَّق بينهما!

عمن يتحدَّث تيسير؟ عن المتنبّي أم عن نَفْسه هو؟ … سؤال يثيره نصّه النّقديّ هذا، كما كثير من الأسئلة الكبيرة وعلامات الاستفهام الحادّة والمتكرِّرة التي كان يثيرها دائمًا في نصوصه ويتركها في بعض الأحيان معلَّقة بلا أي جواب: "نعم إلى متى نحن نجري في هذه الحياة؟" أيعلن احتجاجه كما أعلن المتنبّي "حَتَّامَ …؟!" ويضمر الجواب غامضًا لحين يطول أو يقصُر؟!

لا بدّ عند ذِكر الشِّعر العربيّ وارتحال تيسير في معارجه من التطرُّق إلى حديث إذاعيّ قدَّمه تحت عنوان "رحلة مع الشِّعر"، وبدأه بأسئلةٍ صِداميّة يجيب عنها بأسئلةٍ حائرة. يقول هنا: "في موكبٍ من قدماء شعراء العربيّة نرتحل اليوم، موكب يفترق فيه المسافرون ثم يلتقون. وإلى أي أرض اليوم نرتحل؟ بل إلى أي أُفق نمضي؟ هناك حيث تلتقي السماء بالأرض، إلى أُفق الحب؟ ولِمَ يفترق المسافرون ويلتقون ثانيةً؟ … ثم يختار نماذج من شعر الحب في الأدب العربيّ؛ مستوضحًا ومتذوِّقًا دلالاتها في علاقة الحب بالموت. فبعض الشُّعراء يرى في "الحب غاية اللذّات"، وآخرون يرون أنّه "ضيم للنّفْس، وينقسم على ذاته، فلا يدري من أمره حالاً"، وفريق ثالث يرى أنْ لا حياة له بعد موت الحبيبة، إلاَّ في العالم الآخر معها. ويخالف هؤلاء جميعًا مَنْ "لا يؤمن بالحب، ويعتبره نزوة ساعة" … إلخ. أما تيسير فيقف أمام صورة شعريّة عن الحب يجدها "غريبة"، وفي ظنّه "أنّها جوهر فريد"، وتمثّلها الأبيات الآتية:

(فإن تمنعوا ليلى وحُسن حديثها/ فلن تمنعوا عنّي البكا والقوافيا/ فهلا منعتم إذ منعتم حديثها/ خيالاً يوافيني على النأي هاديا!؟)

لقد سبق لتيسير أنْ حاول الانتحار ذات مرّة في دمشق في أواخر دراسته الحقوق في جامعتها، بشهادة صديقه صادق عبد الحق، والسَّبب "عذاب حب" لفاتنة تفنَّنت في تعذيبه، وقد دعاها "غجريّة" في قصيدتين له نشرهما في مجلّة "الآداب" اللبنانيّة. لكنّه بعد ذلك الحب المرير وتلك المعاناة والشّروع في الانتحار ودخوله المستشفى خرج سليمًا، وتزوّج من الدكتورة الطّبيبة مي يتيم، وذهب إلى لبنان. وفي تلك الفترة أيضًا كتب قصتيه القصيرتين "صياح الدّيك" و "هندي أحمر"، ومضمونهما سخرية من زيف مجتمع المدينة الكبيرة، كما ترجم قصة "الخطيئة" لإدوارد مكارثي(6).

بالطبع لم تكن خيبة الحب وطعناتها وحدها بؤرة إصرار تيسير على تدوير فكرة الانتحار في رأسه، ودَرس طرقها والتدرُّب على تحقيقها فعليًّا، لكنّها خيبة انجذبت إلى خيبات أخرى أكبر وأعمّ وأشدّ طعنًا في العمق على أصعدة مختلفة، خيبات أخذت تتشكَّل في خلايا عالمه فكرًا ورؤى، وشيئًا فشيئًا، بوتيرة ربما كانت سريعة أو بالأحرى متفاقمة، تحوّلت من الخاصّ الشّخصيّ إلى العام الإنسانيّ، لتصبح لديه طريقة مقاومة ومواجهة واحتجاج ضدّ مرارات الواقع وانهيار القيم فيه، واستشراء الظُّلم والقسوة المُضطهِدة للضعيف والبريء والنّقيّ، وانقلاب الموازين بالكذب والتملُّق والنّفاق النّذل، "وعبثية التحدُّث في وسط مشحون بالضّجيج والتخبُّط والأحقاد واللاأباليّة بكلّ شيء"(7)، وليكون تنفيذ الانتحار بالفعل الاختياري نوعًا من السخرية إزاء هذا الخراب كلّه، ببساطة "تِك"، لكنْ بكلّ الامتلاء الرّوحيّ نحو سبيل الخلاص.

يضع النّاقد د. سليمان الأزرعي بعد طول بحث واستفسار واستيضاح في الأسباب المباشرة لدخول تيسير، الرّافض للواقع، لعبة الموت، نقاطًا على الحروف في هذا الصّدد؛ مستبعدًا الأسباب التي جاء بها البعض والمتعلقة بمرض الصفراء الراجعة في العينين، ومستعينًا بآراء النفسانيين والمفكّرين مثل "فرويد" الذي ينظر إلى "الكاتب والأديب نظرته إلى أي عُصابي يصون نفسه بواسطة العمل الإبداعيّ من الانفجار". ويرجع نكوص معظم الكُتَّاب عن اتمام ما كان بعضهم قد شرعوا به من علاج بالتحليل النّفسيّ، بل "رفض معظمهم أن يشفى أو يتلاءم .. إما إلى أنهم ظنّوا أنّهم قد يتوقّفون عن الرّتابة إذا تلاءموا، أو لأنَّ الملاءمة المقترحة مع المحيط كانت رجوعًا إلى حالة عاديّة أو محيط اجتماعيّ يرفضونه"(8). ويكاد د. الأزرعي يطابق بين ما قاله "دوركهايم" وظروف انتحار تيسير، من حيث أنَّ ظروف المُنْتحِر الاجتماعيّة تتميَّز "بالاضطراب المستمرّ والاختلال العام في جميع الأصعدة، وعندها تقصُر قدرة الفرد دون تخطيط أهدافه بسبب الأيديولوجيّة المضطربة وأسلوب الحياة السّائد غير المستقرّ، فيفقد الفرد ذاتيته ويعاني من مشاعر الفراغ والجمود، ويصبح كائنًا بيولوجيًّا دون التمتُّع بالجانب الإنسانيّ فيه، وتفقد الحياة معناها لدى الفرد، ويعاني من أحاسيس العزلة المفزعة والفرديّة الضّائعة، ويفقد تلقائيته تدريجيًّا حتى تبلغ أقصى مداها في إحساس داخليّ بالموات يسبق الإقدام على الموت الفيزيقي وتنفيذ الانتحار".إنَّ الشعور الدّاخليّ بالموات لدى تيسير جعله يكتب في العدد الثاني من مجلّة "صوت الجيل": "لعلي لنْ أكتب إطلاقًا لأنني لا أملك شيئًا أقوله للقراء". ولم يكن الأمر كذلك، فقد كتب مرثية "القافلة الأولى" و"الرحلة" و"السؤال" و"المستحيل" و"أشباح الرّجال"، غير أنّه في الوقت نفسه تأكَّد شعوره بالموات من خلال هذه الكتابات(8).

"إذًا فعلها!!!" … هكذا عبَّر بعض أصدقاء تيسير سبول عن دهشتهم وذهولهم ساعة بلغهم نبأ إقدامه على الانتحار وارتحاله الأخير، رغم أنَّ حديث الانتحار كان - من جانبه - معروفًا لديهم ومتكرِّرًا في أحاديثه وكتاباته ورسائله، لا سيما الرسائل إلى صادق عبد الحق، لكن في غمرة الذهول كانت سيرة الانتحار قد اكتملت وبلغت الخاتمة.


(*) كاتب أردني

(1) من إجابات كتبها د. إحسان عباس ردًا على أسئلة لمحيي الدّين صبحي، الذي نشر نصّ الإجابات في جريدة "السفير" اللبنانيّة 30 نيسان 1999 (النصّ كاملاً في كتاب د. يوسف بكّار: حوارات إحسان عباس، الحوار العاشر ص162-168. بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2004، ص 163).

(2) صدرت الطبعة الأولى من كتاب "الأعمال الكاملة لتيسير سبول" عن دار ابن رشد، بيروت، 1980 بمقدّمة من محقّقه د. سليمان الأزرعي، إلاّ أن الطبعة الثانية عن دار أزمنة في عمّان، ، والثالثة في منشورات البنك الأهلي الأردني تخلوان – للأسف - من هذه المقدمة التي هي في كلّ الأحوال جزء من سيرة الكتاب وقصّته.

(3) عبدالله رضوان: "أدباء أردنيّون: دراسات في الأدب العربيّ الحديث". عمّان، دار الينابيع – بدعم من وزارة الثقافة، 1996، ص 165.

(4) يُنظر: رسمي أبو علي: "تلك الشجرة الجليلة … ذلك الانحدار السحيق – أوراق من عمّان الخمسينات". عمّان، منشورات أمانة عمّان الكبرى، 1998، ص 65-66.

(5) يُنظر: تيسير النجّار: "المنتحر الذي ما تزال تسكن مرآته أحزاننا الكبرى …". مجلّة "نزوى"، 48 (عن www.nizwa.com).



(6) المصدر السابق نفسه.

(7) د. سليمان الأزرعي: من مقدّمة الطبعة الأولى للأعمال الكاملة لتيسير سبول، الصادرة عن دار ابن رشد، بيروت، 1980 (كذلك في كتاب "تيسير سبول: دم على رغيف الجنوبيّ"، الذي يشتمل على شهادات لعددٍ من أصدقاء تيسير وعارفيه. منشورات غاليري الفينيق للثقافة والفنون التجريبيّة، عمّان، د.ت، ص 19-31).

(8) المصدر السابق نفسه، ص 25.

(8) المصدر السّابق نفسه، ص 26 و 30.
المصدر: ملتقى شذرات


jdsdv sf,g >> ,/ghg lk sdvm hgk~hr]

__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« عيسى الناعوري في رحلاته شرقًا وغربًا | دور المصطلح الغربي في معادلة احتواء الشرق »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
شجرة القشطة Eng.Jordan الملتقى العام 0 11-07-2012 02:56 PM
سيرة أبو سهل الكوهي توفيق بن علو علماء عرب 0 06-10-2012 12:37 PM
حيثيات حكم المؤبد على مبارك والعادلى وبراءة مساعديه وعلاء وجمال فى محاكمة القرن يقيني بالله يقيني أخبار عربية وعالمية 3 06-02-2012 01:24 PM
تنبؤات فرعون " مخاوى الجن " : موت مبارك قبل نهاية 2012 .. وعلاء وجمال لن يحضرا جنازته ! يقيني بالله يقيني مقالات وتحليلات 3 05-03-2012 07:51 PM
سيرة الشاعر الأردني تيسير السبول Eng.Jordan أدبيات 1 02-02-2012 09:26 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 01:01 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2016, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73