تذكرني !

 





إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #17  
قديم 02-27-2013, 09:57 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,445
افتراضي

( ج )الكشف عن مزوري الكتاب :

سنجيب –بحول الله تعالى- عن التساؤلين السابقين فيما يأتي من هذا المبحث ، معتمدين على الأخبار الآتي ذكرها ،و هي بمثابة شواهد ومعطيات مرجحة و هادفة ، تزيد ما تقدم ذكره تبيانا و تحقيقا .
أولها هو أن هناك روايات تطرقت لحكاية الكتاب المزعوم ،و لم تتهم مروان بن الحكم ،و لا غيره بتزوير الكتاب[1].و هذا يعني أن الروايات التاريخية لم تتفق على اتهام مروان بن الحكم بالتزوير . و ثانيها هو أنه توجد بعض الأخبار أشارت إلى أن من أهل المدينة من شك في أمر عودة البغاة إلى المدينة-بعدما غادروها راضين- و تنبّه إلى احتمال وجود مكر و تخطيط مبيتين ؛ فروي أنه عندما رجع هؤلاء قال علي- رضي الله عنه- للكوفيين و البصريين : كيف علمتم بما لقي أهل مصر و قد سرتم مراحل ، ثم رجعتم إلينا ؟ هذا و الله أمر أبرم بالمدينة . فقالوا : ضعوه على ما شئتم لا حاجة لنا في هذا الرجل ليعتزلنا[2].
و مما يُثبت وجود ذلك المكر و التخطيط و التزوير ، أنه رُوي أن هؤلاء الأشرار زوّروا كتبا على الصحابة الكرام ، فمن ذلك أنه صحّ[3] الخبر أنه لما استشهد عثمان- رضي الله عنه- و أنكرت عائشة أم المؤمنين قتله ، قال لها مسروق بن الأجدع : (( هذا عملك أنت كتبت إلى الناس تأمرهم بالخروج إليه )) فقالت : (( لا و الذي آمن به المؤمنون ،و كفر به الكافرون ، ما كتبتُ إليهم بسوداء في بيضاء ، حتى جلستُ مجلسي هذا )) ، ثم قال سليمان الأعمش –أحد الرواة- : إنهم كانوا يرون أنه كُتب علي لسانها ))[4] . و في رواية أخرى[5] أن الأشتر النخعي جاء إلى عائشة – رضي الله عنها- و قال لها : (( ما تقولين في قتل عثمان ؟ ، فقالت : معاذ الله أن آمر بسفك دماء المسلمين ، و استحلال حرماتهم و هتك حجابهم)) ، فقال لها الأشتر : (( كتبتن إلينا تأمرننا ، حتى إذا قامت الحرب على ساق ، أنشأتن تنهيننا )) ، فحلفت عائشة بقولها : (( لا و الذي آمن به المؤمنون و كفر به الكافرون ، ما كتبتُ إليهم سوداء في بيضاء في أمر عثمان إلى يومي هذا ))[6] . و هذا يعني أن رؤوس الفتنة كانوا يُزوّرون الكتب على لسان زوجات رسول الله –عليه الصلاة و السلام- و ينسبونها إليهن ، ليستخدموها كوسيلة فعالة في تحريض الناس على عثمان و ولاته ،و إعطاء شرعية لأعمالهم التخريبية ، بدعوى أن الصحابة هم الذين شجّعوهم عليها ،و يُوافقونهم عليها .
و يزيد ذلك تأكيدا و توضيحا الروايات الآتية ، أولها أنه رُوي أن محمد بن أبي حذيفة –لما حل بمصر- كان يُزوّر الكتب على ألسنة زوجات النبي-صلى الله عليه و سلم- ، فكان يُرسل أناسا إلى طريق المدينة ، ثم يُقدمون بالكتب و عليهم آثار السفر ، فيتلقاهم و معه الناس ، و يُنزلهم المسجد و يقرؤون عليهم الكتب –المزوّرة- ،و فيها الشكاية من عثمان و الطعن فيه ، فيضج الناس بالبكاء و الدعاء[7] .
و ثانيها أنه رُوي أن جماعة السبئية و أعوانهم من رؤوس الفتنة ، كانوا يُزوّرون الكتب في عيوب ولاتهم ،و يُرسلونها إلى الأمصار ،و يتبادلونها فيما بينهم ، لينشروا سمومهم بين أكبر عدد ممكن من الناس[8] .

[1] الطبري : المصدر السابق ، ج2 ص: 653 ، 662 .و ابن عساكر : المصدر السابق ، ج 39 ص: 423

[2] الطبري : المصدر السابق ،ج2 ص: 653 .

[3] رجاله كلهم ثقات ، و هم : أبو معاوية الضرير ،و سليمان الأعمش ،و خيثمة بن عبد الرحمن ،و مسروق بن الأجدع . انظر : الذهبي : السيّر ج 9 ص: 93،و ابن حجر : النقريب ، ج 1 ص: 254،و تهذيب التهذيب ، ج10ص: 100،و المزي: تهذيب الكمال، ج8 ص: 370 .

[4] ابن سعد : الطبقات ، ج 3ص: 82 .

[5] يبدوا أنها صحيحة الإسناد ، على ما قاله محقق كتاب السنة للخلال ، ج2ص: 340 .و هو قد أشار إلى أنه لم يتوصل إلى معرفة عائشة بنت عمرة أم الحجاج الجدلية ( نفسه ، ج2 ص: 340 ) ، لكن يبدوا أنها صحابية ،-فهي ثقة -، لأن ابن حجر ذكرها في كتابه الإصابة في معرفة الصحابة ج 8ص: 44 . و الرواية في النهاية تتقوى بالرواية الصحيحة السابقة الذكر .

[6] أبو بكر الخلال : السنة ، ج2 ص: 340 .

[7] ابن حجر: المصدر السابق، ج 6 ص: 11 .

[8] الطبري : التاريخ ج 1 ص: 647 .
__________________
رد مع اقتباس
  #18  
قديم 02-27-2013, 09:58 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,445
افتراضي

و ثالثها أنه رُوي أن الأشرار لما ، عادوا إلى المدينة ذهبوا إلى علي بن أبي طالب و طلبوا منه أن يذهب معهم إلى عثمان ، فلما رفض الذهاب معهم قالوا له : لِمَ كتبتَ إلينا : فقال :و الله ما كتبت إليكم كتابا قط . فنظر بعضهم إلى بعض ثم انصرفوا[1].
و بما أن تلك الروايات تُثبت أن الكتب المزوّرة هي من فعل رؤوس الفتنة الذين زوّروها خدمة لأغراضهم الدنيئة المبيتة ، فمن الممكن جدا ،و من المُرجح أن الكتاب المزوّر على عثمان ،و المتهم به مروان بن الحكم، هو من فعل هؤلاء الأشرار المتخصصين في تزوير الكتب .

و الشاهد الثالث هو أن موقف عثمان بن عفان من مروان بن الحكم ، في عدم اتخاذه لأي إجراء حازم و رادع لتأديبه و معاقبته ، هو دليل قوي على أن التهمة لم تثبت على مروان ؛ فعثمان صحابي جليل كبير القدر لا يُتهم بالتهاون في تطبيق الشرع ، فلو ثبت الجرم على كاتبه مروان لأتخذ ضده إجراء حازما و رادعا ، كما اتخذه مع أخيه من الرضاع : الوليد بن عقبة ، فعندما شهد عليه شاهدان بشرب الخمر ، أقام عليه الحد و عزله عن ولاية الكوفة[2].
و الرابع هو أن في تفاصيل حكاية الكتاب المزعوم ، غرائب و مضحكات و اختلافات ، تبعد التهمة عن مروان و تلقيها على طرف آخر . فمن ذلك أنه رُوي أن الغلام الذي وجد عنده الكتاب هو غلام لعثمان على جمل لعثمان .و قيل أنه على جمل من إبل الصدقة .و قيل أنه رجل على جمل[3]. و قيل عن الغلام أنه أسود .و قيل أنه اسمه : مدس .و قيل أن المبعوث هو : أبو الأعور بن سفيان السلمي[4].
و قد بحثتُ عن غلام لعثمان اسمه مدس فلم أعثر له على أثر . كما أن أبا الأعور السلمي لم يكن غلاما لعثمان ، وإنما هو من أعيان الناس تأمّر على جيش الشام في غزوة عمورية سنة 23ه ،و غزا قبرص سنة 26 هجرية ،و كان مع جيش الشام في موقعة صفين[5].
و أما عن حالة الغلام يوم وجده المصريون ، فرُوي أنه كان يتعرض لهم ثم يفارقهم ، ثم يرجع إليهم ثم يفارقهم ، مما أثارهم فأمسكوا به .و قيل أنه مر بهم مسرعا فأوقفوه .و قيل أنه مر بهم فوجدوا عنده الكتاب[6] . و قيل أنه مر بهم فأنكروه و استخرجوا منه الصحيفة[7]. و قيل أنه لحق بهم و هو على بعير يخبط (( خبطا كأنه يَطلب أو يُطلب )) فسألوه : ما قضيتك ،و ما شأنك ، هارب أو طالب ؟ فقال : أنا غلام من أمير المؤمنين وجهني إلى عامل مصر[8].

و قيل في رواية أخرى أن المصريين اعترضهم رجل على جمل يسير بأعلى الطريق بين النخيل ، فشكوا فيه و فتشوه فوجدوا عنده الكتاب[9].و قيل أن أبا الأعور السلمي لما لحق بالمصريين سألوه – عندما رأوه على جمل عثمان- : أمعك كتاب ؟ قال : لا . فقالوا له : فيم أُرسلت ؟ قال : لا علم لي . فقالوا له : ليس معك كتاب ،و لا علم لك ، إن هذا لمريب ! ففتشوه فوجدوا عنده الكتاب[10].
و منها أيضا ، موضوع محتوى الكتاب ، فقد تضاربت الروايات في تحديده ؛ فرُوي أنه نصّ على أنه لولي مصر حرية التصرّف في معاقبة جماعة من المصريين ، بين القتل و الصلب ،و قطع الأيدي و الأرجل .و قيل نصّ على الأمر بالقتل و القطع و الصلب[11] . و قيل فيه الأمر بالقتل فقط . و قيل أن فيه: قتل بعضهم ،و عقوبة آخرين في أنفسهم و أموالهم[12]. و في روايات أخرى نصّ الكتاب على قطع الأيدي و الأرجل .و قيل قتل بعضهم و صلب آخرين[13].و قيل القطع و الصلب .و قيل القتل و الصلب .و قيل القتل و القطع[14] .
و روي في أخبار أخرى أن في الكتاب أمر بضرب أعناق من ألب على الخليفة عثمان بن عفان .و قيل أن فيه القتل و إبطال الكتاب الذي مع وفد مصر .و قيل الجلد 100 جلدة ،و حلق الرأس و اللحية ، مع إطالة الحبس حتى يأتي أمر الخليفة .و قيل قطع الأيدي و الأرجل فقط[15]. و قيل في خبر آخر، الحبس و حلق الرأس و اللحية و صلب بعضهم .و قيل القتل و إبطال الكتاب ، و حبس من يأتي إلى عثمان يتظلم من والي مصر[16] .

[1] نفس المصدر ، ج2 ص: 656 .

[2] الطبري : المصدر السابق ، ج 2ص: 608 .

[3] نفس المصدر ، ج 2 ص: 664، 665 ، 666 ، 667 .و ابن طاهر المقدسي : المصدر السابق ، ج 5 ص: 204-205 .و المسعودي: المصدر السابق ج 2ص: 410 .و ابن عساكر: المصدر السابق ، ج39 ص: 224 .

[4] ابن الأثير : الكامل في التاريخ ، ج 3 ص: 59 . الطبري : المصدر السابق ج2 ص: 662 .و ابن طاهر المقدسي : البدء ، ج5 ص: 202 .و ابن عساكر : المصدر السابق ج 39 ص: 416 ، 417 .

[5] ابن عبد البر : الاستيعاب ، حققه علي محمد البجاوي ، ط1 ، بيروت دار الجيل ، ج1412 ، ج3 ص: 1178، 1179 .و ابن حجر : المصدر السابق ، ج 4ص: 641 .

[6] خليفة خياط : المصدر السابق ، ج1 ص: 146 .و الطبري : المصدر السابق ج 2 ص: 656، 665 .و الذهبي : الخلفاء الراشدون ، ص: 270 .و ابن طاهر المقدسي : المصدر السابق ، ج 5 ص: 202

[7] اليعقوبي : تاريخ اليعقوبي ، ج2 ص: 174 .

[8] ابن عساكر : المصدر السابق ، ج39 ص: 416 .

[9] نفس المصدر ، ج39 ص: 423 .

[10] الطبري : المصدر السابق ج2 ص: 662 .

[11] نفس المصدر ، ج2 ص: 656 ، 666 ، 667 .و خليفة خياك : المصدر السابق ، ج1 ص: 146 .

[12] الطبري : نفس المصدر ، ج2 ص: 653 ، 662 .

[13] ابن عساكر : المصدر السابق ، ج 39 ص: 423 .و اليعقوبي : المصدر السابق ، ج2 ص: 174 .و الطبري : المصدر السابق ، ج2 ص: 662 .

[14] المسعودي : المصدر السابق ، ج2 ص: 410 .و ابن العربي : المصدر السابق ، ص: 96 .و الطبري : المصدر السابق ، ج2 ص: 665

[15] اليعقوبي : المصدر السابق ، ج2 ص: 1123 .و الذهبي : الخلفاء ، ص: 270 .و الطبري : نفس المصدر ، ج2 ص: 655 ، 665 .و ابن طاهر المقدسي : المصدر السابق ، ج5 ص: 202 .

[16] ابن الأثير : المصدر السابق ، ج 3 ص: 59 .و ابن عساكر : المصدر السابق ، ج39 ص: 417 .
__________________
رد مع اقتباس
  #19  
قديم 02-27-2013, 09:58 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,445
افتراضي

و أما الذين يعاقبون ، فإن معظم الروايات لم تحددهم ، و التي ذكرتهم هي الأخرى اختلفت في تعيينهم ، فمنها رواية نصت على قتل جماعة من المصريين ، حددت منهم محمد بن أبي بكر فقط .و في أخرى أن الكتاب نصّ على قطع و قتل أكثر جيش وفد مصر[1]. و في أخرى أمر بالجلد ،و حلق الرأس و اللحية في حق أربعة أشخاص، و هم : عبد الرحمن بن عديس ،و سودان بن حمران ،و عروة بن النباغ الليثي ،و عمرو بن الحمق[2] .
و تعقيبا على ذلك أقول : إن ما ذكرته الروايات عن الغلام و مركوبه هو أمر غريب و متناقض لا يُقبل ، فهي لم تتفق على الجمل أهو لعثمان ، أم هو من إبل الصدقة ؟ . و اختلفت أيضا في ذكر الهيئة التي كان عليها المبعوث عندما وجده المصريون . كما أنها لم تقدم لنا تفسيرا مقنعا عن الحركات البهلوانية التي كان يقوم بها الغلام ؛ فإذا كان مروان هو الذي أرسله بالكتاب إلى والي مصر ليضرب على أيدي البغاة ، فلا ريب أنه سيتخذ طريقا مغايرا لطريقهم ، ليسبقهم و لا يكتشفونه .و هذا هو الذي يتفق مع منطق التاريخ في مثل هذه الظروف ، لا أنه يسير في طريقهم ثم يقترب منهم و يعترضهم ، فهذا أمر لا يستساغ ، إلا إذا كان الغلام يمثل دورا في مسرحية خَطط لها مسبقا أعداء الخليفة و كاتبه .
و هل يُعقل أن مروان بن الحكم- الذي يصفه خصومه بالمكر و الدهاء- يخاطر بتزوير كتاب على الخليفة ثم يبعثه مع غلام يسلك ذلك الطريق ، و يصدر تلك الحركات البهلوانية ؟ إن المكر و الدهاء ،و التخطيط المحكم ، و المصلحة كل ذلك يقتضي إرسال شخص محنك غير مشبوه ، على مركوب غير ُممَيز ، لكي لا يُثير في الناس أدنى شبهة حوله ،و يتمكن من أداء مهمتة الاستعجالية في ظروف غير عادية ، إذا اُكتشف أمره فيها سيؤدي إلى حدوث فتنة لا تحمد عقباها .
لكن الذين أرسلوا ذلك الغلام البهلواني ليُمثل الدور الذي كُلّف به ، هم ليسوا بأغبياء لأن هدفهم هو إثارة العوام ،و إقناعهم بأدلة ظاهرها صحيح ليُرجعوهم إلى المدينة ناقمين على عثمان و أعوانه ؛ لكنهم مع ذلك لم يحبكوا للقصة تفاصيلها ،و لم يملئوا فجواتها .
و مما يُثير الغرابة في أمر الغلام ، أن الروايات التي ذكرت أنه هو الذي حمل الكتاب ، لم تشر من قريب و لا من بعيد إلى أن الخليفة و الصحابة حققوا معه ليسمعوا منه تفاصيل الحكاية ،و ليعرفوا من أرسله ؛ و هذا أمر في غاية الأهمية يجب ألا يغيب عنهم . لأن سر القضية عنده ، هو الشاهد الوحيد فيها . و حتى الذين زعموا أنهم و جدوه متجها إلى مصر لم تذكر الروايات أنهم استشهدوا بأقواله ! و شهادته أقوى و أولى من الكتاب المزوّر . فهل يُعقل أن يُهمل الغلام من الجانبين ،و مفتاح القضية و سرها عنده ؟ ! ألا يشير ذلك إلى أن حكاية الغلام من الراجح جدا أنها مختلقة من أساسها ، اتخذها رؤوس الفتنة ذريعة للعودة إلى المدينة و حصار عثمان وفرض شروطهم عليه ؟ .
و أما ما ذكرته الروايات عن محتوي الكتاب فهو في غاية الاضطراب و التناقض ،و فيه تباين كبير في أنواع العقوبات ، فشتان بين القتل و الحلق،و بين القطع و الحبس ، وبين الصلب و الجلد ! ألا يثير هذا الغرابة و الضحك ؟ و هل يُعقل أن يكتب مروان بن الحكم -المتهم بالتزوير- كتابا واحدا ثم تختلف محتوياته هذا الاختلاف الكبير؟ ! و ألا يدل ذلك على أن المزوّرين قد كتبوا عدة كتب متباينة المحتوى ، ثم أرسلوها إلى الوفود ليرجعوا إلى المدينة ؟ و ألا يكون الكتابان اللذان زُوّرا على عثمان و علي-رضي الله عنهما- هما من بين تلك الكتب المزوّرة ؟ .
و أشير هنا إلى أن اختلاف الروايات في الغلام و اسمه و مركوبه ، و تباينها الكبير في محتوي الكتاب ، يدل بالتأكيد على أحد أمرين أو كليهما معا ، أحدهما هو أن المزورين قد كتبوا مجموعة كتب و أرسلوها مع أكثر من شخص .و ثانيهما أن تلك الروايات قد تعرّضت للتلاعبات و التحريفات على أيدي الرواة .
و الشاهد الخامس هو أن الوفود الثلاثة التي غادرت المدينة عادت إليها في وقت واحد ، لذا أنكر عليهم علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- ذلك و قال لهم : هذا و الله أمر أبرم بالمدينة[3]. لأن رجوعهم هذا مشبوه ، فكيف يرجعون في وقت واحد ، بعدما ساروا أياما ؟ فاتجه وفد مصر ناحية الشمال الغربي ، و اتجه وفدا الكوفة و البصرة ناحية الشمال الشرقي .
و ربما يقال أن المصريين لما اكتشفوا الكتاب أرسلوا إلى الكوفيين و البصريين فاخبروهم بالأمر ،و انتظروهم حتى رجعوا و دخلوا المدينة معا .لكن هذا الاحتمال يسقطه ما قالته طائفة من هؤلاء لعلي بن أبي طالب ، بأنه وصلهم كتاب من عنده دعاهم فيه بالعودة إلى المدينة ، فأقسم لهم بأنه لم يكتب كتابا قط . فالذي ردّ هؤلاء إّذن ليس الاحتمال المفترض ،و إنما ردهم ما وصلهم من كتب مزوّرة على لسان علي و مروان و غيرهما .
و مما يُرجّح أن الأمر قد دُبر بالمدينة بعد عودة البغاة إلى بلدانهم ، أنه رُوي أن اثنين من رؤوس الفتنة قد تخلفا بالمدينة و لم يخرجا مع الوفود ، و هما : الاشتر بن مالك النخعي ،و حكيم بن جبلة[4] . فلماذا تخلفا بالمدينة و لم يرجعا مع الوفود ؟ فتخلفهما هذا فيه ما يشير إلى أنهما تخلفا لتزوير الكتب و إرسالها إلى الوفود ليعودوا إلى المدينة لتجديد الفتنة[5].

[1] ابن كثير : المصدر السابق ج 7 ص: 174-175 .

[2] الطبري : المصدر السابق ، ج 2ص : 655 .

[3] الطبري : المصدر السابق ، ج2 ص: 653 .

[4] نفس المصدر، ج2 ص: 666 .

[5] ابن العربي: العواصم ، ص: 96 .
__________________
رد مع اقتباس
  #20  
قديم 02-27-2013, 09:59 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,445
افتراضي

و الشاهد السادس هو أن الذين زوّروا الكتاب على الخليفة و كاتبه كانوا يخدمون مصالحهم أولا وأخيرا ، لكن ليس لعثمان و مروان مصلحة في كتابة الصحيفة و إرسالها إلى والي مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، لأن فعلهما هذا يجدد الفتنة و لا يقضي عليها . و بناء على ذلك فإن التزوير الذي حدث لا يخدم إلا مصالح رؤوس الفتنة الذين أخفقوا في تحقيق غايتهم بعدما عاد أتباعهم إلى بلدانهم ، مما دفعهم إلى ضرورة التحرك و التخطيط و السعي لإعادتهم إلى المدينة و إشعال الفتنة من جديد .
و الشاهد السابع هو أن الروايات التي تناولت قضية الكتاب المزوّر على عثمان- رضي الله عنه- قد تعرضت –ككثير من الروايات- للتلاعبات و التحريفات ،و احتوت على أباطيل و معلومات خاطئة ، بفعل الجهل و الكذب المتعمد ، الأمر الذي يحتم علينا نقدها و تمحيصها قبل الأخذ بها .
فمن ذلك أنني في بحثي هذا لم أعثر على أية رواية تناولت قضية الكتاب المزوّر على عثمان و لها إسناد صحصح . و في بعضها أخطاء مكشوفة ، كالتي ذكرت أن الوفود لما قدمت على عثمان بعث إليها عمرو بن العاص-رضي الله عنه- ، فذهب إليهم و تواطأ معهم على عثمان ، فلما سمع به و وّبخه ، طلّق عمرو زوجته أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ،و هي أخت عثمان لأمه ،و التحق بفلسطين[1] . و هذا خبر مكذوب مفضوح ، لأن عمرو بن العاص تزوّج أم كلثوم بعدما توفى عنها زوجها عبد الرحمن بن عوف-رضي الله عنه- الذي توفي سنة 32هجرية ، فمكثت عنده- أي عند عمرو- شهرا ثم ماتت[2] .

و منها أيضا أن نفس الرواية السابقة ذكرت أن الوفود التي جاءت إلى الخليفة عثمان (سنة 35ه) تشتكي إليه ولاّته ، ذكرت منهم أمير الكوفة الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، من أنه يشرب الخمر و يخرج إلى الناس مخمورا [3] . و الخطأ هنا هو ذكر الوليد بن عقبة في هذه الحادثة و في هذه السنة بالذات-أي 35هجرية- ، لأن هذا الرجل كان عثمان بن عفان –رضي الله عنه- قد عزله عن إمارة الكوفة سنة 30ه و عوّضه بسعيد بن العاص[4].
و منها أيضا أن رواية زعمت أن المصريين لما رجعوا بالكتاب إلى الخليفة عثمان كان معهم محمد بن أبي حذيفة و هو من بين الذين شاركوا في قتل عثمان[5] . و هذا كذب مفضوح و خطأ بيّن ، إذ من الثابت تاريخيا أن محمدا هذا بقي بمصر لما خرج وفدها إلى المدينة ، و تمكّن من التغلب عليها-أي مصر- لما غادرها أميرها عبد الله بن سعد بن أبي سرح[6] .
و أشير هنا إلى أنه إذا كان كثيرا من العلماء قد صدّقوا البغاة في اتهامهم لمروان بتزوير الكتاب ، فإن بعضهم لم يُسلّم بذلك و اتهم هؤلاء البغاة بالتزوير . فالمؤرخ عبد الرحمن بن خلدون قال عنهم : إنهم رجعوا إلى المدينة و (( قد لبسوا بكتاب مدلس يزعمون أنهم لقوه في يد حامله إلى عامل مصر ))[7] .و برّأ الباحث محب الدين الخطيب مروان من تهمة التزوير و حمّل دعاة الفتنة ، كالأشتر النخعي و حكيم بن جبلة ، مسؤولية تزوير الكتاب[8] .
و عدّ الباحث محمد الصادق عرجون قصة الكتاب بتفاصيلها أسطورة للتسلية افتراها السبئيون ، و هي لا تخرج عن فرضين ، الأول أنها حكاية مختلقة من أساسها افتعلها الثوار بالمدينة ثم تصايحوا بها .و الثاني أن الكتاب الذي وُجد مع الغلام هو من فعل الثائرين الذين زوّروا و سرقوا جملا من إبل الصدقة ،و أغروا غلاما لعثمان أو لمروان ،و أرسلوه ليقطع طريق وفد مصر[9].
و ختاما لما ذكرناه في هذا المبحث، يتبين لنا أن الشواهد و المعطيات السبعة التي أوردناها سردا ،و تحليلا ،و مناقشة ، قد كشفت بالأدلة المتنوعة القوية ، أن الكتاب لم يكتبه الخليفة عثمان ،و لم يزوّره كاتبه مروان ، و إنما هو من فعل رؤوس الفتنة الأشرار الثائرين على الخليفة الشهيد عثمان بن عفان .

[1] ابن عساكر : تاريخ دمشق ، ج39 ص: 423 .

[2] ابن عبد البر : المصدر السابق ، ج4 ص: 1954 . المزي : المصدر السابق /، ج35 ص: 382 .و ابن حجر : تهذيب التهذيب ، ط1 بيروت ، دار الفكر ، 1984 ، ج2 ص: 627 .و ابن سعد : المصدر السابق ، ج8 ص: 230 .و ابن الجوزي : صفة الصفوة ، ج23 ص : 55 .

[3] ابن عساكر : المصدر السابق ج 39 ص: 423 .

[4] الطبري : المصدر السابق ، ج2 ص: 608 .

[5] اليعقوبي : المصدر السابق ، ج2 ص: 175-176 .

[6] ابن كثير : المصدر السابق ، ج7 ص: 351 .و الذهبي : سير أعلام النبلاء ، ج3 ص: 33 .و الخلفاء الراشدون ، ص: 318 .و الطبري : المصدر السابق ، ج2 ص: 657-658 .

[7] ابن خلدون : المصدر السابق ، ص : 216 .

[8] ابن العربي : المصدر السابق ، ص: 96 .

[9] محمد الصادق عرجون : عثمان بن عفان ، ط2 الرياض ، الدار السعودية ، 1988 ، ص: 122 ، 125 ، 126 .
__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« [doc] فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري رحمه الله | إنصاف المرأة في أحكام الميراث في الشريعة الإسلامية »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
على درب زيد وعبدالله وجعفر ..مؤتة تقدم الشهيد تلو الشهيد Eng.Jordan الأردن اليوم 0 03-03-2016 11:27 AM
بين موقف عثمان بن عفان وموقف الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما عبدالناصر محمود مقالات وتحليلات مختارة 0 07-20-2013 06:14 AM
تحميل كتاب سيرة ذي النورين عثمان بن عفان Eng.Jordan كتب ومراجع إلكترونية 0 12-30-2012 02:35 PM
وقفة مع عثمان بن عفان رضي الله عنه جاسم داود التاريخ الإسلامي 0 02-24-2012 12:28 AM
الفتوحات الإسلامية في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه احمد ادريس التاريخ الإسلامي 0 01-26-2012 01:50 AM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 06:18 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68