تذكرني !

 





إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #25  
قديم 02-27-2013, 10:02 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,456
افتراضي

لكن إحقاقا للحق أقول : إن قلة قليلة من الصحابة المغمورين رُوي-أقول رُوي- أنهم شاركوا في التأليب على عثمان و قتله ، و هم : زيد بن صوحان، و حندب بن زهير، و عبد الله بن بديل بن ورقاء، و عبد الرحمن بن عديس ،و عمرو بن الحمق، الثلاثة الأولون اُختلف فيهم و لم تثبت صحبتهم[1] , و الاثنان الأخيران ثبتت صحبتهما ، فعبد الرحمن بن عديس رُوي أنه شهد بيعة الشجرة ، و كان على رأس وفد مصر ،و شارك في حصار عثمان .و عمرو بن الحمق يُروى أنه أسلم في حجة الوداع[2] ،و كان من بين الأربعة الذين تسوّروا على عثمان داره و شارك في قتله ، لكن هذا لم يثبت ، فقد عثرتُ على أربع روايات أشارت لذلك لم تصح أسانيدها ، فالأولى ذكرها ابن سعد ،و قال فيها أن عمرو بن الحمق كان من بين الذين أعانوا على قتل عثمان[3]، دون أن يذكر لها إسنادا .
و الثانية رواها ابن عبد البر، أشار فيها إلى أن عمرو بن الحمق كان من بين الأربعة الذين دخلوا على عثمان[4] ، دون أن يذكر لها إسنادا .و الثالثة رواها ابن سعد ، و فيها أن عمرو بن الحمق دخل الدار و طعن عثمان بعدة طعنات[5] . لكن إسنادها لا يصح ، لأن من رجاله : محمد بن عمر الواقدي، و هو معروف بأنه متروك ضعيف، كذاب يمارس التقية[6] . و الأخيرة أي الرابعة- رواها الطبري ،و فيها أن عمرو بن الحمق، كان من بين الذين دخلوا على عثمان ،و طعنه عدة طعنات[7] . و هي الأخرى إسنادها لا يصح ، لأن من رجاله محمد بن عمر ، و قد تقدم ذكر حاله .
و بذلك يتبين لنا أن الصحابة الذين من الراجح أنهم شاركوا في التأليب على عثمان هما اثنان مغموران ؛ شاركا في التحريض عليه و لم يقتلاه ، و هما ليسا من السابقين الأولي و لا يدخلان في الآية السابق ذكرها ، و موقفهما هذا إن صحّ- فهو استثناء يُؤكد ما قلناه عن عدم مشاركة الصحابة في قتل عثمان .
و أما عن سبب مشاركتهما في الثورة على عثمان ، فلعلهما اجتهدا فأخطآ ،و التبس عليهما الأمر ، بتأثير من دعايات و أكاذيب رؤوس الفتنة ، فاستزلهما الشيطان ، و صدق عليهم قوله تعالى : (( و فيكم سماعون لهم ))- سورة التوبة / 47 - ،و ربما يصدق عليهم قوله تعالى : (( منكم من يريد الدنيا ، و منكم من يريد الآخرة )) سورة آل عمران / 152 - و الله أعلم بالصواب .
و هنا يفرض علينا سؤال نفسه ، مفاده : بما أن الصحابة لم يُشاركوا في قتل عثمان ،و ما رضوا بقتله ، فلماذا لم يمنعوا الأشرار من قتله ؟ ؟ .

أولا إن أهم سبب حال دون الصحابة من منع الأشرار من قتلهم لعثمان-رضي الله عنه- ، أنه هو شخصيا-أي عثمان- منعهم من القتال عنه ،و قد كان معه 700 رجل من الصحابة و أبنائهم ،و قد طلبوا منه قتال الأشرار فلم يأذن لهم بقتالهم[8] ، لكي لا تُسفك الدماء بسببه ؛ لأنه كانت معه أحاديث نبوية- صحيحة- أوصاه فيها رسول الله عليه الصلاة و السلام- بالصبر و عدم عزل نفسه إذا طُلب منه ذلك ، فقال له في الحديث: (( إن الله لعله يُقمصك قميصا ، فإن أرادوك على خلعه ، فلا تخلعه )) ،و في حديث آخر ، أن رسول الله عهد إليه عهدا حثّه على التمسك به ، لذا عندما حاصروه أصر على موقفه و صبر على البلاء[9] . كما أنه ربما كان يأمل أن الأشرار سيرفعون عنه حصارهم دون قتال .
و ثانيا يبدو أن الصحابة الكرام كانوا يرون أن الأمر سينفرج و لا يطول ، و سيرفع الأشرار حصارهم عن عثمان بن عفان، و لا يصل بهم الأمر إلى ارتكاب جريمة قتل خليفة المسلمين .
و ثالثا إنه واضح من الروايات الصحيحة التي سبق ذكرها- أن عملية قتل عثمان تمت بالحيلة و المكر ، و ذلك أن مجموعة المجرمين الذين قتلوه تسوّروا عليه الدار ،و لم يأتوها من بابها ، في غفلة من الصحابة و من معهم- الذين كانوا يحرصونه ، فلم ينتبهوا للقتلة إلا بعد تنفيذ جريمتهم ، و إلا ما كانوا يتركونهم يدخلون عليه ليقتلوه .
و رابعا إن الأشرار كانت لهم شوكة في المدينة ،و هم في نحو 2000 أو أكثر ، مقابل أهل المدينة الذين ربما لم يكن فيهم العدد الكافي للتصدي لهؤلاء ، لأن أهلها كانوا في الحج و الثغور، الأمر الذي مكّن الثائرين من الإسراع في ارتكاب جريمتهم قبل أن تصل الإمدادات من الأقاليم لنجدة الخليفة[10] .
و أخيرا أقول : إن الخليفة الشهيد عثمان بن عفان قًتل مظلوما ،و كان قتله جريمة شنعاء، جرّت على الأمة و الويلات ، وفرّقتها شيعا و أحزابا ،و ما تزال آثارها قائمة إلى يومنا هذا ؛ و صدق من قال عن عثمان : (( هو أمير البررة، و قتيل الفجرة ،و مخذول من خذله ، منصور من نصره ))[11] .

[1] انظر: ابن عبد البر : الاستيعاب، ج 2ص: 555-556 .و ابن حجر: الإصابة ، ج 2 ص: 647 .و ابن عساكر: تاريخ دمشق، ج11 ص: 303-304 .و المِزي: تهذيب الكمال، ج 14 ص: 325 .و ابن حبان: مشاهير العلماء، ج 1 ص: 83.

[2] عنهما انظر : ابن عبد البر: نفس المصدر، ج 2 ص: 840.و ابن سعد : الطبقات الكبرى ، ج7 ص: 509 .و ابن عساكر: المصدر السابق، ج 35 ص: 109 . و المِزي: المصدر السابق ، ج 21 ص: 196 .

[3] الطبقات الكبرى، ج 6 ص: 25 .

[4] الاستيعاب، ج 3 ص: 1173 .

[5] الطبقات، ج 3 ص: 73-74 .

[6] سبق ذكر حاله .

[7] تاريخ الطبري، ج 2 ص: 177 .

[8] انظر المبحث الرابع ، و الخلال : السنة ، ج 2 ص: 338، 334 .

[9] الخلال،: السنة ، ج 2 ص: 326، 327 .

[10] ابن كثير: البداية ، ج7 ص: 197 .

[11] نفس المصدر، ج7 ص: 199 .
__________________
رد مع اقتباس
  #26  
قديم 02-27-2013, 10:02 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,456
افتراضي

خامسا: مصير رؤوس الفتنة بعد قتلهم للشهيد عثمان :
التحق رؤوس الفتنة بعد قتلهم لعثمان- بجيش علي بن أبي طالب في خلافه مع أهل الشام ، فانتقم الله تعالى منهم ، بأن كان مصير معظمهم القتل ،و كثير منهم قُتل شر قتلة ، أذكر منهم 18 رأسا ، كعينات عن مصيرهم .

أولهم الأشتر النخعي ، دعت عليه عائشة أم المؤمنين ،و وصفته صفية أم المؤمنين بأنه كلب ،و قد اعترف لما قُتل عثمان- بأن هذه الأمة قتلت خير أهلها[1] أي عثمان- ،و الأمة التي قصدها هي أصحابه الأشرار .و عندما عينه علي واليا على مصر و أرسله إليها (سنة 37ه)، شرب في الطريق شربة عسل مسمومة فقتلته ، فقال فيه عمر بن العاص : (( إن لله جنودا من عسل ))[2]
و ثانيهم محمد بن أبي حذيفة ، كان شديدا على عثمان ، فأنكر جميله و طعن فيه ،و دعا إلى خلعه ، فلما قُتل أي عثمان- عينه علي واليا على مصر، فقتله شيعة عثمان بفلسطين سنة 36هجرية[3] . و ثالثهم محمد بن أبي بكر ، دعت عليه عائشة أم المؤمنين ،و سماه الحسن البصري بالفاسق ،و لما عيّنه علي واليا على مصر ، التقى به جيش لمعاوية فكسره و قتله ، ثم اُدخل في جوف حمار و اُحرق ، سنة 83 هجرية[4] .
و رابعهم حُكيم بن جبلة ، شارك في موقعة الجمل مع جيش علي- فقُطعت رجله ، ثم أُجهز عليه فمات ، سنة 36هجرية[5] . و خامسهم سودان بن حمران ، رُوي أن أحد غلمان عثمان قتله عندما دخل عليه يوم الدار[6] . و سادسهم كِنانة بن بشر ، قيل أنه قُتل يوم مقتل عثمان ،و قيل أنه قُتل مع محمد بن أبي بكر على يد جيش معاوية بن أبي سفيان سنة 36 هجرية[7] .
و سابعهم عمرو بن الحمق، قاتل مع علي بن أبي طالب في معاركه، و كاتب الحسين بالخروج إلى الكوفة ، فخانه و خذله ، ثم ندم و تاب ،و خرج مع المطالبين بدم الحسين ، و في سنة 50ه قتله الأمويون ،و قيل مات بسبب حية لدغته[8] . و ثامنهم عدي بن تميم دعت عليه عائشة أم المؤمنين ، و مات مقتولا على يد رجل دخل عليه داره[9] . و تاسعهم عمير بن ضابيء ، قتله الحجاج بن يوسف[10] . و عاشرهم عبد الله بن بديل الخزاعي ، دعت عليه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنه- ،و قتل في معركة صفين سنة 35 هجرية[11] .
و الحادي عشر هو عبد الرحمن بن بديل الخزاعي أخ السابق- ، دعت عليه عائشة أم المؤمنين ، و قُتل مع أخيه في معركة الجمل ، و كانا في جيش علي بن أبي طالب[12] . و الثاني عشر هو عبد الرحمن بن عديس البلوي، وقع تحت قبضة جيش معاوية فسجنوه ، ثم تمكن من الفرار ، لكنه قُتل بجبل لبنان سنة 36 هجرية[13] .
و الثالث عشر هو زيد بن صوحان ، ندم على مشاركته في قتل عثمان ،و قال : (( غزونا القوم في ديارهم ،و قتلنا إمامهم ، فليتنا إذ ظلمنا صبرنا ،و لقد مضى عثمان على الطريق ))،و قُتل في معركة الجمل سنة 36ه ، و رُوي أن عائشة ترحّمت عليه ، ضمن الذين ترحّمت عليهم من قتلى المعركة[14] .
و الرابع عشر هو كميل بن زياد النخعي ، كان مغاليا في علي بن أبي طالب، قتله الحجاج بن يوسف (سنة 82ه )، عندما قدم إلى الكوفة و علِم أنه من قتلة عثمان [15] . و الخامس عشر هو شبث بن ربعي التميمي ، أصبح من رؤوس الخوارج الثائرين على علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- و كان من بين الذين أعانوا على قتل الحسين بن علي ، ثم فارق الخوارج و تاب عما كان عليه ،و تُوفي سنة 70 هجرية[16] .
و السادس عشر هو حرقوص بن زهير المعروف بذي الخويصرة ، خرج على علي بن أبي طالب ، و أصبح رأسا في الخوارج ،و قُتل معهم سنة 37 هجرية[17] .و السابع عشر هو جندب بن زهير الغامدي ، قُتل في معركة صفين سنة 37ه ، و كان في جيش علي بن أبي طالب[18] .
و آخرهم أي الثامن عشر- هو عبد الله بن سبأ المعروف أيضا بابن السوداء ، نشط بقوة في نشر ضلالاته و أباطيله بعد مقتل عثمان- بين شيعة علي ، مما جعل عليا يتصدى له و لطائفته ، فاحرق بعضهم و ردّ على ضلالاتهم ، إلا أنه اختلفت الروايات في مصير كبيرهم ابن السوداء ، فقيل أن عليا أحرقه مع أصحابه ،و قيل بل نفاه إلى مدائن كسرى جنوب بغداد -، فبقي بها إلى أن مات[19] . و ذكر شيخ الإسلام بن تيمية أن عليا أراد قتل ابن سبأ فكُلّم فيه ، فقال : لا يساكنني في بلد أنا فيه ، فنفاه إلى المدائن ، و تركه خوفا من الفتنة في جيشه من أن تغضب له بعض العشائر[20].

[1] الهيثمي: مجمع الزوائد ، ج 9 ص: 97 .و ابن الجعد : مسند ابن الجعد ، ج 1 ص: 390 .

[2] البخاري: التاريخ الكبير، ج 7 311 .و التاريخ الصغير، ج 1 ص: 95 .

[3] الذهبي: الخلفاء الراشدون ، ص: 365.و ابن حجر: الإصابة، ج 6 ص: 10-11 .

[4] الهيثمي: مجمع الزوائد، ج9 ص: 97.و الذهبي: المصدر السابق، ص: 364 .

[5] الذهبي: نفس المصدر، ص: 297 .

[6] مقتل الشهيد عثمان ، ص: 218 .

[7] نفس المصدر، ص: 219 .و ابن عساكر: تاريخ دمشق، ج50، ص: 257-258 .

[8] ابن سعد: الطبقات، ج6 ص: 25 .و المِزي: تهذيب الكمال ، ج 21 ص: 596 .

[9] البخاري: التاريخ الصغير، ج 1 ص: 95 .

[10] ابن كثير: البداية ، ج 9 ص: 9 .

[11] الهيثمي: مجمع الزوائد، ج9 ص: 97 .و ابن عبد البر: الاستيعاب، ج 3 ص: 872 .

[12] نفسه ، ج 9 ص: 97 .و نفسه ، ج 3 ص: 872 .

[13] ابن عساكر: المصدر السابق، ج 35 ص: 108 .

[14] معمر بن راشد : الجامع ، حققه حبيب الأعظمي، ط2 بيروت، المكتب الإسلامي،1403، ج 11ص: 289 . و ابن عيد البر: الاستيعاب، ج 2 ص: 556 .

[15] ابن حبان : المجروحين، ج 2 ص: 221 .و ابن سعد: الطبقات ج6 ص: 197 . و ابن حجر: الإصابة ، ج 5ص: 653 .

[16] الذهبي: الميزان ، ج 3 ص: 361 . و السيّر ، ج 4 ص: 150 .

[17] الطبري: التاريخ ، ج 2 ص: 544، ج3 ص: 122 .

[18] المِزي: المصدر السابق، ج 5 ص: 141-142 .

[19] ابن تيمية: الصارم المسلول، ج 3 ص: 1100-1101 .و أبو عبد الله الذهبي: صدق النبأ ، ص: 78، 79 .

[20] الصارم المسلول ، ج3 ص: 1101 .
__________________
رد مع اقتباس
  #27  
قديم 02-27-2013, 10:03 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,456
افتراضي

و يبدو أن الرأي القائل بنفيه إلى المدائن هو الأرجح ، لأنه صحّ الخبر أن عليا كان يشتكي من عبد الله بن سبأ ،و يعترف بعجزه في قتله ، فكان يقول: (( من يعذرني من هذا الحميت ، الذي يكذب على الله و رسوله ، لو لا أن لا يزال يخرج عليّ عصابة تنعي عليّ دمه كما اُدعيت عليّ دماء أهل النهر أي معركة النهروان مع الخوارج- لجعلت منهم ركاما ))[1].
و لأنه أيضا أنه رُوي أن ابن سبأ كان ما يزال حيا عندما قُتل علي بن أبي طالب سنة40ه ، فقد سبق و أن ذكرنا أن الجاحظ روى أن جرير بن قيس ذهب إلى المدائن بعد مقتل علي- فوجد بها ابن سبأ ما يزال حيا ، و أخبره بموت علي ، فأنكر أن يموت[2] .

كما أن الطائفة السبئية استمرت في نشر ضلالاتها و تجميع نفسها بعد مقتل علي- ،و كان لها أتباع منذ القرن الأول الهجري و ما بعده [3] ، مما يشير إلى أنه كان لابن سبأ دور في ذلك التجميع و النشاط ،و هذا يعني أن عليا لم يقتله .
و بذلك يتبين- مما ذكرناه- أن معظم رؤوس الفتنة قُتلوا مباشرة بعد قتلهم للشهيد عثمان ، بين سنتي : 36-38ه ، فانتقم الله تعالى منهم ، فلم يمهلهم و لا أهملهم ،ولا تمتعوا بالدنيا التي كانوا يرجونها ، إلا قلة قليلة منهم تابت و رجعت عن غيها ، لكن ابن سبأ وأصحابه استمروا في نشر ضلالاتهم و أباطيلهم ، تنفيذا لخطة مرسومة سلفا .
سادسا: المكر و التخطيط ، الأسباب و الآثار :
يتبين للباحث في حوادث الثورة على عثمان و قتله ، أن رؤوس الفتنة ما كانوا يتحركون خبطة عشواء ،و إنما كانت لهم قياداتهم و خططهم و مكائدهم ، و أهدافهم المبيتة ، ففيما تمثل ذلك ؟ و ما هي مظاهره و آثاره ؟ .

أولا[4] إنهم استخدموا وسائل اتسمت بالمكر و الخداع ، و التزوير و التدليس ، فخدعوا العوام ،و استمالوا المغفلين و الطامعين و الحاسدين ، و هيجوا الجميع و حرّضوهم على الخليفة و ولاته . و كانوا في تحركاتهم يتنقلون بين الأمصار تنسيقا لخططهم و تنفيذا لها ، و عندما قرروا تنفيذ جريمتهم خرجوا في ثلاثة وفود من مصر و البصرة و الكوفة ، خرجوا كلهم في وقت واحد متظاهرين بالخروج إلى الحج و توجهوا كلهم إلى المدينة لا إلى مكة .
و عندما وصلوا إلى المدينة و استجاب لهم الخليفة كرّوا راجعين إلى أوطانهم ، لكنهم سرعان ما عادوا كلهم في وقت واحد إلى المدينة رغم اختلاف اتجاهاتهم لينفذوا جريمتهم ، متذرعين بحكاية الكتاب المزوّر ، الذي أثبتنا أنهم هم الذين زوّروه .
و يتضح للناظر في الثائرين على عثمان ، أنهم كانوا على ثلاثة أصناف ، أولها عوام مخدوعون ،و ثانيها رؤساء طماعون حسادون مخادعون ، و ثالثها منافقون زنادقة مكارون ،و العوام المخدوعون هيجهم ما كان يُروّجه الرؤساء و المنافقون من أكاذيب على الخليفة و ولاته .

و وجود السبئية -فكرا و طائفة -دليل قاطع على وجود المكر و التآمر و التخطيط الشيطاني لضرب الدين و الدولة ،و البلاد و العباد ، لأن ما رَوّجت له السبئية من ضلالات و أباطيل و كفريات ، هو أمر غريب كلية عن المجتمع الإسلامي ، و لا يمكن في أي حال من الأحوال أن يقول مسلم صادق الإيمان بتلك الأفكار ، خاصة و أن ذلك العهد كان قريبا من نور النبوة ،و الصحابة الكرام ما زالوا على قيد الحياة ، لأن تلك الأفكار السبئية تتناقض مع الإسلام و التاريخ الصحيح جملة و تفصيلا ، فدل كل ذلك على وجود السبئية التي بثت بين أتباعها النفاق و الزندقة ،و الرفض و الغلو ،و الكفر و الإلحاد ، تنفيذا لخطة غاياتها مرسومة سلفا .


[1] انظر ؟ ثانيا من الفصل الأول .

[2] انظر ثانيا من الفصل الأول .

[3] سبق تناول هذا الموضوع في المبحث الثاني من الفصل الأول .

[4] ما نذكره في هذا المبحث لا نوثّقه لأنه مجرد استنتاجات من معطيات سبق ذكرها .
__________________
رد مع اقتباس
  #28  
قديم 02-27-2013, 10:03 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,456
افتراضي

كما أنه يتبين للمتتبع لتحركات رؤوس الفتنة و أتباعهم ، أنهم كانوا مصرين على أفكارهم ،و لم ينفع معهم الترغيب و لا الترهيب ، فسيّرهم عثمان إلى الشام ، ثم أعادهم إلى بلدانهم ،و استجاب لمطالبهم عندما جاءوا إلى المدينة ، فعادوا إلى بلدانهم ثم كروا راجعين إليها بكتابهم المزوّر، و حاصروا عثمان ، فلم يهدأ لهم بال حتى قتلوه شهيدا ، فهذا الإصرار دليل على وجود رؤوس ماكرة منافقة ، تُخطط و تُوجه ،و تغير أساليبها حسب الظروف المحيط بها ، لتحقيق أهدافها الدنيئة المبيتة سلفا .
و نحن في إبرازنا لظاهرة الكيد و التآمر في الثورة على عثمان ، لا نبالغ في تضخيم ذلك و لا نلغيه ، لأنه من الخطأ تجاهله و تقزيمه ، و من الخطأ أيضا نفخه و تجعيده و تضخيمه ،و إنما مقصودنا إثبات أن الثورة على عثمان و فنله ، لم يكن عملا عشوائيا ،و إنما كان له رؤوس ماكرة متآمرة استغلت الظروف الاجتماعية و السياسية لصالحها، مستخدمة في ذلك مختلف الوسائل المًُتاحة لها .
و ظاهرة المكر و التآمر على المسلمين حقيقة تاريخية ثابتة ، منذ بداية الدعوة الإسلامية إلى يومنا هذا ، فقد سجل القرآن الكريم -في آيات كثيرة - تآمر المشركين و اليهود على المسلمين ، و في تاريخنا شواهد كثيرة تثبت ذلك بالأدلة القاطعة ، كحركة الردة ،و الزنادقة، و الزنج، و الرواندية ،و البابكية ،و الحروب الصليبية ،و الغزو المغولي،و الاستعمار الغربي و الشيوعي للعالم الإسلامي ،و ضياع فلسطين من يد المسلمين ، و الغزو الثقافي و الاقتصادي و الإعلامي الحديث ، كل ذلك يُثبت أن التآمر و الكيد للمسلمين هما حقيقتان ثابتتان ، لكنهما لم يهزما المسلمين عندما كانوا أقوياء ، و هزماهم عندما تركوا دينهم ، فضعفوا و تفرّقوا و تكالب عليهم اليهود و النصارى و الهندوس و غيرهم .
و ثانيا ربما يُقال : إن هذا البحث ركّز على رؤوس الفتنة و أعمالهم و مصيرهم ،و لم يتطرق لأسباب ثورة هؤلاء على الخليفة عثمان ، فربما كانت لهم أسباب و أعذار موضوعية في ثورتهم عليه. و أقول : هذا اعتراض منطقي صحيح ، لكنني أشير هنا إلى أنني تتبعت أعذار و مزاعم و مبررات هؤلاء في ثورتهم على عثمان- رضي الله عنه- ، فوجدتُ أنهم اتهموه بأنه خصّ أقاربه بالإمارة ،و ولى منهم من لا يصلح لها . و أنه كان عاجزا عن إدارة شؤون الدولة ، و لم يحقق العدل الاقتصادي و الاجتماعي و السياسي بين رعيته . و هذه المزاعم و الاتهامات و الأعذار أفردتها بالبحث نقدا و تحقيقا و تمحيصا[1] ، فتبين لي بالأدلة القاطعة و الشواهد الصحيحة ، أنها مزاعمهم زائفة باطلة مفتعلة ، و أن عكسها هو الصحيح ، بمعنى أن أحوال البلاد و العباد كانت في حالة جيدة يسودها العدل و الإخاء . و تبيّن من جهة أخرى أن الأسباب الحقيقة في الثورة على عثمان و قتله تعود أساسا إلى نفوس رؤوس الفتنة المريضة، الذين بعضهم أعماهم الحسد و الطمع ،و آخرون كان دافعهم المكر و الكيد و التآمر على الإسلام و المسلمين[2] .
لكن ذلك لا يعني أن المجتمع كان خاليا تماما من المشاكل ، و إنما المقصود أن تلك المشاكل كانت عادية لا يكاد يخلو منها مجتمع ، و لا تصل بالناس إلى الطعن في الخليفة ،و الثورة عليه و قتله ، و نشر الأفكار الضالة ، كل ذلك ما كان ليحدث لو لا وجود رؤوس الفتنة الأشرار .
و ثالثا إن الثورة على عثمان-رضي الله عنه- كانت لها أثار خطيرة على الأمة و فكرها ، فأدت إلى قتل خليفة المسلمين ظلما و عدوانا ،و أدخلت الأمة في حروب و فِتن على امتداد العصر الإسلامي ، و ما تزال آثارها قائمة إلى يومنا هذا . كما أنها كانت سببا في إنهاء دولة الخلافة الراشدة ، فقسّمت الأمة سياسيا ، ثم قُتل علي بن أبي طالب بسببها ، فانهارت الخلافة الراشدة باستشهاده ، بعدما كانت قد تصدّعت بمقتل الخليفة عثمان بن عفان .
و تمثّل خطرها الفكري في نشرها للزندقة و الإلحاد و التطرّف و الغلو ، عن طريق الفكر السبئي الذي ساهم بقسط كبير في تحويل الخلاف السياسي إلى خلاف فكري عقائدي مذهبي ، مما أدى إلى انقسام الأمة إلى طوائف متناحرة ، من شيعة و خوارج و سنة .

و ختاما لهذا الفصل يتبين أن رؤوس الفتنة نجحوا في تأليب طائفة من المسلمين على عثمان و ولاته ،و جروهم إلى المدينة لحصاره و قتله ، مستخدمين في ذلك المكر و التآمر ، و التخطيط و التزوير ،و التدليس و تضخيم الهنات ، و الكذب على الصحابة ، انطلاقا من نواياهم الخبيثة و أهدافهم الشيطانية الدنيئة ، فكان مصير معظمهم أنهم لم يتمتعوا بالدنيا التي طلبوها ،و لم يعيشوا بعد الخليفة الشهيد إلا قليلا ،و قتلوا شر قتلة ، فكانت جريمتهم وبالا عليهم و على الأمة .

[1] انظر كتابنا : الثورة على سيدنا عثمان بن عفان، -دراسة في الأسباب الظاهرة و الخفية- ، ط1 الجزائر، دار البلاغ، 2003.

[2] للتوسع في ذلك انظر كتابنا : الثورة على سيدنا عثمان بن عفان .
__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« [doc] فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري رحمه الله | إنصاف المرأة في أحكام الميراث في الشريعة الإسلامية »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
على درب زيد وعبدالله وجعفر ..مؤتة تقدم الشهيد تلو الشهيد Eng.Jordan الأردن اليوم 0 03-03-2016 11:27 AM
بين موقف عثمان بن عفان وموقف الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما عبدالناصر محمود مقالات وتحليلات مختارة 0 07-20-2013 06:14 AM
تحميل كتاب سيرة ذي النورين عثمان بن عفان Eng.Jordan كتب ومراجع إلكترونية 0 12-30-2012 02:35 PM
وقفة مع عثمان بن عفان رضي الله عنه جاسم داود التاريخ الإسلامي 0 02-24-2012 12:28 AM
الفتوحات الإسلامية في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه احمد ادريس التاريخ الإسلامي 0 01-26-2012 01:50 AM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 06:47 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68