تذكرني !

 





كتب ومراجع إلكترونية عرض وتحميل الكتب الإلكترونية ebooks

الحضارة الإسلامية بين أصالة الماضي وآمال المستقبل

الحضارة الإسلامية وأسسها جمع وإعداد الباحث في القرآن والسنة علي بن نايف الشحود تحميل السلسلة من المرفقات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 03-07-2013, 06:04 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,418
افتراضي الحضارة الإسلامية بين أصالة الماضي وآمال المستقبل


الحضارة الإسلامية وأسسها
جمع وإعداد
الباحث في القرآن والسنة
علي بن نايف الشحود



تحميل السلسلة من المرفقات


المصدر: ملتقى شذرات


hgpqhvm hgYsghldm fdk Hwhgm hglhqd ,Nlhg hglsjrfg l,s,um

الملفات المرفقة
نوع الملف: rar الحضارة الإسلامية بين أصالة الماضي وآمال المستقبل (1).rar‏ (335.1 كيلوبايت, المشاهدات 16)
نوع الملف: rar الحضارة الإسلامية بين أصالة الماضي وآمال المستقبل (2).rar‏ (259.0 كيلوبايت, المشاهدات 14)
نوع الملف: rar الحضارة الإسلامية بين أصالة الماضي وآمال المستقبل (3).rar‏ (131.0 كيلوبايت, المشاهدات 14)
نوع الملف: rar الحضارة الإسلامية بين أصالة الماضي وآمال المستقبل (4).rar‏ (133.2 كيلوبايت, المشاهدات 18)
نوع الملف: rar الحضارة الإسلامية بين أصالة الماضي وآمال المستقبل (5).rar‏ (853.2 كيلوبايت, المشاهدات 16)
نوع الملف: rar الحضارة الإسلامية بين أصالة الماضي وآمال المستقبل (6).rar‏ (916.1 كيلوبايت, المشاهدات 27)
نوع الملف: rar الحضارة الإسلامية بين أصالة الماضي وآمال المستقبل (7).rar‏ (879.8 كيلوبايت, المشاهدات 17)
نوع الملف: rar الحضارة الإسلامية بين أصالة الماضي وآمال المستقبل (8).rar‏ (631.8 كيلوبايت, المشاهدات 15)
نوع الملف: rar الحضارة الإسلامية بين أصالة الماضي وآمال المستقبل (9).rar‏ (796.9 كيلوبايت, المشاهدات 15)
__________________
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 03-07-2013, 06:15 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,418
افتراضي

مقدمة هامة
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد :
فإن الكلام عن الحضارة الإسلامية حديث له شجون ، فعندما أكرم الله تعالى هذه الأمة بالرسالة الخاتمة وجعلها خير أمة أخرجت للناس كما قال تعالى : {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} (110) سورة آل عمران
أمرها أن تكون شاهدة على الخلق بتبليغ الرسالة وأداء الأمانة ، كما قال تعالى : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (143) سورة البقرة
يقتضي ذلك أن يكونوا أهلا لحمل هذه الأمانة للناس ، كما قال تعالى :{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (55) سورة النــور
فانطلق المسلمون في الأرض وفقاً لأمر الله تعالى لهم بذلك كما قال تعالى :{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (33) سورة التوبة
فاتحين للقلوب والعقول والنفوس ، ومطهرين لها من كل رجس وإثم ،
إن هذه الأمة المسلمة تواجه اليوم من الجاهلية الشاملة في الأرض , نفس ما كانت تواجهه العصبة المؤمنة التي تنزلت عليها هذه الآيات , لتحدد على ضوئها موقفها , ولتسير على هذا الضوء في طريقها ; وتحتاج - من ثم - أن تقف وقفة طويلة أمام هذه الآيات , لترسم طريقها على هداها .
لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية ; وعادت البشرية إلى مثل الموقف الذي كانت فيه يوم تنزل هذا القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويوم جاءها الإسلام مبنيا على قاعدته الكبرى:"شهادة أن لا إله إلا الله" . .
لقد كانوا يقولون كما قال ربعي بن عامر , وحذيفة بن محصن , والمغيرة بن شعبة , جميعاً لرستم قائد جيش الفرس في القادسية , وهو يسألهم واحداً بعد واحد في ثلاثة أيام متوالية , قبل المعركة:ما الذي جاء بكم ? فيكون الجواب:الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده . ومن ضيق الدنيا إلى سعتها . ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام . . فأرسل رسوله بدينه إلى خلقه , فمن قبله منا قبلنا منه ورجعنا عنه , وتركناه وأرضه . ومن أبى قاتلناه حتى نفضي إلى الجنة أو الظفر" .
وهو يعلم أن رستم وقومه لا يعبدون كسرى بوصفه إلها خالقا للكون ; ولا يقدمون له شعائر العبادة المعروفة ; ولكنهم إنما يتلقون منه الشرائع , فيعبدونه بهذا المعنى الذي يناقض الإسلام وينفيه ; فأخبره أن الله ابتعثهم ليخرجوا الناس من الأنظمة والأوضاع التي يعبد العباد فيها العباد , ويقرون لهم بخصائص الألوهية - وهي الحاكمية والتشريع والخضوع لهذه الحاكمية والطاعة لهذا التشريع - [ وهي الأديان ] . . إلى عبادة الله وحده وإلى عدل الإسلام .
----------------
إن هناك مبرراً ذاتياً في طبيعة هذا الدين ذاته ; وفي إعلانه العام , وفي منهجه الواقعي لمقابلة الواقع البشري بوسائل مكافئة لكل جوانبه , في مراحل محددة , بوسائل متجددة . . وهذا المبرر الذاتي قائم ابتداء - ولو لم يوجد خطر الاعتداء على الأرض الإسلامية وعلى المسلمين فيها - إنه مبرر في طبيعة المنهج وواقعيته , وطبيعة المعوقات الفعلية في المجتمعات البشرية . . لا من مجرد ملابسات دفاعية محدودة , وموقوتة !
وإنه ليكفي أن يخرج المسلم مجاهداً بنفسه وماله . . (في سبيل الله) . في سبيل هذه القيم التي لا يناله هو من ورائها مغنم ذاتي ; ولا يخرجه لها مغنم ذاتي . .
إن المسلم قبل أن ينطلق للجهاد في المعركة يكون قد خاض معركة الجهاد الأكبر في نفسه مع الشيطان . . مع هواه وشهواته . . مع مطامعه ورغباته . . مع مصالحه ومصالح عشيرته وقومه . . مع كل شارة غير شارة الإسلام . . ومع كل دافع إلا العبودية لله , وتحقيق سلطانه في الأرض وطرد سلطان الطواغيت المغتصبين لسلطان الله . .
--------------------
نعم عندما انطلق المسلمون في الأرض لتحقيق هذه الغاية السامية لم تقف في طريقهم قوة أبدا
فمن حق الإسلام أن يخرج "الناس" من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده . . ليحقق إعلانه العام بربوبية الله للعالمين , وتحرير الناس أجمعين . . وعبادة الله وحده لا تتحقق - في التصور الإسلامي وفي الواقع العملي - إلا في ظل النظام الإسلامي . فهو وحده النظام الذي يشرع الله فيه للعباد كلهم . حاكمهم ومحكومهم . أسودهم وأبيضهم . قاصيهم ودانيهم . فقيرهم وغنيهم تشريعاً واحداً يخضع له الجميع على السواء . .
أما في سائر الأنظمة , فيعبد الناس العباد , لأنهم يتلقون التشريع لحياتهم من العباد . وهو من خصائص الألوهية . فأيما بشر ادعى لنفسه سلطان التشريع للناس من عند نفسه فقد ادعى الألوهية اختصاصاً وعملاً , سواء ادعاها قولاً أم لم يعلن هذا الادعاء ! وأيما بشر آخر اعترف لذلك البشر بذلك الحق فقد اعترف له بحق الألوهية سواء سماها باسمها أم لم يسمها !
والإسلام ليس مجرد عقيدة . حتى يقنع بإبلاغ عقيدته للناس بوسيلة البيان . إنما هو منهج يتمثل في تجمع تنظيمي حركي يزحف لتحرير كل الناس . والتجمعات الأخرى لا تمكنه من تنظيم حياة رعاياها وفق منهجه هو . ومن ثم يتحتم على الإسلام أن يزيل هذه الأنظمة بوصفها معوقات للتحرر العام . وهذا - كما قلنا من قبل - معنى أن يكون الدين كله لله . فلا تكون هناك دينونة ولا طاعة لعبد من العباد لذاته , كما هو الشأن في سائر الأنظمة التي تقوم على عبودية العباد للعباد !
إن الباحثين الإسلاميين المعاصرين المهزومين تحت ضغط الواقع الحاضر , وتحت الهجوم الاستشراقي الماكر , يتحرجون من تقرير تلك الحقيقة . لأن المستشرقين صوروا الإسلام حركة قهر بالسيف للإكراه على العقيدة . والمستشرقون الخبثاء يعرفون جيداً أن هذه ليست هي الحقيقة . ولكنهم يشوهون بواعث الجهاد الإسلامي بهذه الطريقة . . ومن ثم يقوم المنافحون - المهزومون - عن سمعة الإسلام , بنفي هذا الاتهام ! فيلجأون إلى تلمس المبررات الدفاعية ! ويغفلون عن طبيعة الإسلام ووظيفته , وحقه في "تحرير الإنسان" ابتداء .
__________________
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 03-07-2013, 06:16 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,418
افتراضي

وقد غشى على أفكار الباحثين العصريين - المهزومين - ذلك التصور الغربي لطبيعة "الدين" . . وأنه مجرد "عقيدة " في الضمير ; لا شأن لها بالأنظمة الواقعية للحياة . . ومن ثم يكون الجهاد للدين , جهاداً لفرض العقيدة على الضمير !
ولكن الأمر ليس كذلك في الإسلام . فالإسلام منهج الله للحياة البشرية . وهو منهج يقوم على إفراد الله وحده بالألوهية - متمثلة في الحاكمية - وينظم الحياة الواقعية بكل تفصيلاتها اليومية ! فالجهاد له جهاد لتقرير المنهج وإقامة النظام . أما العقيدة فأمرها موكول إلى حرية الاقتناع , في ظل النظام العام , بعد رفع جميع المؤثرات . . ومن ثم يختلف الأمر من أساسه , وتصبح له صورة جديدة كاملة .
وحيثما وجد المجتمع الإسلامي , الذي يتمثل فيه المنهج الإلهي , فإن الله يمنحه حق الحركة والانطلاق لتسلم السلطان وتقرير النظام . مع ترك مسألة العقيدة الوجدانية لحرية الوجدان . . فإذا كف الله أيدي الجماعة المسلمة فترة عن الجهاد , فهذه مسألة خطة لا مسألة مبدأ . مسألة مقتضيات حركة لا مسألة مقررات عقيدة . وعلى هذا الأساس الواضح يمكن أن نفهم النصوص القرآنية المتعددة , في المراحل التاريخية المتجددة . ولا نخلط بين دلالالتها المرحلية , والدلالة العامة لخط الحركة الإسلامية الثابت الطويل .(الظلال)
-----------------
وهناك أمر هام جدًّا وهو أن المسلمين عندما انطلقوا في الأرض -فاتحين- كانوا من حيث النواحي الحضارية والعمرانية في آخر الركب كما هو معلوم ولكنهم كانوا من حيث النواحي المعنوية في القمة عقيدة وعبادة ومنهج حياة ، فلم يقدموا للعالم صناعات ولا مخترعات ولا فلسفات .....
إنما قدّموا لهم هذه الرسالة الخاتمة التي قال الله تعالى عنها : {الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} (1) سورة إبراهيم
وذلك لإخراج الناس من الظلمات إلى النور ظلمات الجهل وظلمات العقيدة الباطلة والفاسدة وظلمات الهوى وظلمات المجتمع وظلمات الحياة العفنة الآسنة .
ثم بعد مدة وجيزة هضموا جميع ما عند الناس من خير ، ثم طهَّروه من الرجس والمنكر ثم أضافوا عليه الكثير الكثير فغدوا بناة الحضارة الإنسانية الرفيعة ، والتي لا تماثلها حضارة أخرى في الأرض قديما وحديثا.
فإما حضارات جاهلية مادية وثنية صرفة ، وإما حضارة ربانية رفيعة
فالحضارة الإسلامية نسيج وحدها ، ولها تصور شامل عن الإنسان والكون والحياة ، فهي تربط بين الروح والجسد والقلب والعقل ، والدنيا والآخرة ، برباط متين محكم أنزله العليم الخبير بنفوس البشر ، قال تعالى : {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (14) سورة الملك
أبرز ما يلفت نظر الدارس لحضارتنا أنها تميزت بالخصائص التالية:
1 - الوحدانية المطلقة في العقيدة
- أنها قامت على أساس الوحدانية المطلقة في العقيدة ، فهي أول حضارة تنادي بالإله الواحد الذي لا شريد له في حكمه وملكه، هو وحده الذي يُعيد، وهو وحده الذي يُقصد (إياك نعبد وإياك نستعين) وهو الذي يعز ويذل، ويعطي ويمنح، وما من شيء في السموات والأرض إلا وهو تحت قدرته وفي متناول قبضته.
هذا السمو في فهم الواحدانية كان له أثر كبير في رفع مستوى الإنسان وتحرير الجماهير من طغيان الملوك والأشراف والأقوياء ورجال الدين، وتصحيح العلاقة بين الحاكمين والمحكومين، وتوجيه الأنظار إلى الله وحده وهو خالق الخلق ورب العالمين.
كما كان لهذه العقيدة أثر كبير في الحضارة الإسلامية تكاد تتميز به عن كل الحضارات السابقة واللاحقة، وهي خلوها من كل مظاهر الوثنية وآدابها وفلسفتها في العقيدة والحكم والفن والشعر والأدب، وهذا هو سر إعراض الحضارة الإسلامية عن ترجمة الالياذة وروائع الأدب اليوناني الوثني، وهو سر تقصير الحضارة الإسلامية في فنون النحت والتصوير مع تبريزها في فنون النقش والحفر وزخرفة البناء.
إن الإسلام الذي أعلن الحرب على الوثنية ومظاهرها لم يسمح لحضارته أن تقوم فيها مظاهر الوثنية وبقاياها المستمرة من أقدم عصور التاريخ، كتماثيل العظماء والصالحين والأنبياء والفاتحين.
وقد كانت التماثيل من أبرز مظاهر الحضارات القديمة والحضارة الحديثة؛ لأن واحدة منها لم تذهب في عقيدة الوحدانية إلى المدى الذي وصلت إليه الحضارة الإسلامية.
2 - إنسانية النزعة والهدف، عالمية الأفق والرسالة
- وثاني خصائص حضارتنا أنها إنسانية النزعة والهدف، عالمية الأفق والرسالة، فالقرآن الذي أعلن وحدة النوع الإنساني رغم تنوع أعراقه ومنابته ومواطنه، في قوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)[الحجرات: 13].
إن القرآن حين أعلن هذه الوحدة الإنسانية العالمية على صعيد الحق والخير والكرامة جعل حضارته عقدًا تنتظم فيه جميع العبقريات للشعوب والأمم التي خفقت فوقها راية الفتوحات الإسلامية، ولذلك كانت كل حضارة تستطيع أن تفاخر بالعباقرة الذين أقاموا صرحها من جميع الأمم والشعوب، فأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والخليل وسيبويه والكندي والغزالي والفارابي وابن رشد وأمثالهم ممن اختلفت أصولهم وتباينت أوطانهم، ليسوا إلا عباقرة قدمت فيهم الحضارة الإسلامية إلى الإنسانية أروع نتاج الفكر الإنساني السليم.
3 - مراعاة المبادئ الأخلاقية تشريعًا وتطبيقًا
- وثالث خصائص حضارتنا أنها جعلت للمبادئ الأخلاقية المحل الأول في كل نظمها ومختلف ميادين نشاطها ، وهي لم تتخل عن هذه المبادئ قط ، ولم تجعل وسيلة لمنفعة دولة أو جماعة أو أفراد، ففي الحكم وفي العلم وفي التشريع وفي الحرب وفي السلم وفي الاقتصاد وفي الأسرة، روعيت المبادئ الأخلاقية تشريعًا وتطبيقًا، وبلغت في ذلك شأوًا ساميًّا بعيدًا لم تبلغه حضارة في القديم والحديث، ولقد تركت الحضارة الإسلامية في ذلك آثارًا تستحق الإعجاب وتجعلها وحدها من بين الحضارات التي كفلت سعادة الإنسانية سعادة خالصة لا يشوبها شقاء
4 - الحضارة الإسلامية حضارة تؤمن بالعلم في أصدق أصوله ، وترتكز على العقيدة في أصفى مبادئها
- ورابع هذه الخصائص أنها تؤمن بالعلم في أصدق أصوله، وترتكز على العقيدة في أصفى مبادئها، فهي خاطبت العقل والقلب معًا ، وأثارت العاطفة والفكر في وقت واحد ، وهي ميزة لم تشاركها فيها حضارة في التاريخ.
وسر العجب في هذه الخاصة من خصائص حضارتنا أنها استطاعت أن تنشئ نظامًا للدولة قائمًا على مبادئ الحق والعدالة، مرتكزًا إلى الدين والعقدية دون أن يقيم الدين عائقًا ما دون رقي الدولة واطراد الحضارة، بل كان الدين من أكبر عوامل الرقي فيها، فمن بين جدران المساجد في بغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة وغرناطة انطلقت أشعة العلم إلى أنحاء الدنيا قاطبة.
إن الحضارة الإسلامية هي الوحيدة التي لم يُفصل فيها الدين عن الدولة مع نجاتها من كل مآسي المزج بينهما كما عرفته أوروبا في القرون الوسطى.
لقد كان رئيس الدولة خليفة وأميرًا للمؤمنين، لكن الحكم عنده للحق والتشريع للمختصين فيه، ولكل فئة من العلماء اختصاصهم والجميع يتساوون أمام القانون، والتفاضل بالتقوى والخدمة العامة للناس " والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها " (رواه البخاري ومسلم)، " الخلق كلهم عيال الله فأحبهم إليه أنفعهم لعياله "(رواه البزار). هذا هو الدين الذي قامت عليه حضارتنا، ليس فيه امتياز لرئيس ولا لرجل دين ولا لشريف ولا لغني (قل إنما أنا بشرٌ مِثلُكم)[الكهف: 110].
5 - التسامح الديني العجيب
- وآخر ما نذكره من خصائص حضارتنا هذا التسامح الديني العجيب الذي لم تعرفه حضارة مثلها قامت على الدين. إن الذي لا يؤمن بدين ولا بإله لا يبدو عجيبًا إذا نظر إلى الأديان كلها على حد سواء، وإذا عامل أتباعها بالقسطاس المستقيم، ولكن صاحب الدين الذي يؤمن بأن دينه حق وأن عقيدته أقوم العقائد وأصحها، ثم يتاح له أن يحمل السيف، ويفتح المدن، ويستولي على الحكم، ويجلس على منصة القضاء، ثم لا يحمله إيمانه بدينه، واعتزازه بعقيدته، على أن يجور في الحكم، أو ينحرف عن سنن العدالة، أو يحمل الناس على اتباع دينه. إن رجلاً مثل هذا لعجيب أن يكون في التاريخ، فكيف إذا وجد في التاريخ حضارة قامت على الدين وشادت قواعدها على مبادئه ثم هي من أشد ما عرف التاريخ تسامحًا وعدالة ورحمة وإنسانية ! وحسبنا أن نعرف أن حضارتنا تنفرد في التاريخ بأن الذي أقامها دين واحد ولكنها كانت للأديان جميعًا.
خاتمة
هذه هي بعض خصائص حضارتنا وميزاتها في تاريخ الحضارات، ولقد كانت بذلك محل إعجاب العالم، ومهوى أفئدة الأحرار والأذكياء من كل جنس ودين، يوم كانت قوية تحكم وتوجه وتهذب وتعلم، فلما انهارت وقامت من بعدها حضارة أخرى، اختلفت الأنظار في تقدير قيمة حضارتنا، فمن مزرٍ بها ومن معجب، ومن متحدث عن فضائلها، ومن مبالغ في الانتقاص منها، هكذا تختلف أنظار الباحثين الغربيين اليوم في حضارتنا، وما كانوا ليفعلوا ذلك لولا أنهم وهم الذين بيدهم مقاييس الحكم وعنهم تؤخذ الآراء، هم الأقوياء الذين يمسكون بدفة الحضارة اليوم، وإن الذين يُحكم عليهم وعلى حضارتهم هم الضعفاء الذين تتطلع أبصار الأقوياء إلى استلاب خيراتهم وحكم بلادهم بشره وجشع، ولعله هو موقف القوي من الضعيف يزري به وينتقص قدره. كذلك فعل الأقوياء في كل عصور التاريخ، إلا نحن يوم كنا أقوياء فقد أنصفنا الناس قويهم وضعيفهم، وعرفنا الفضل لأهله شرقيهم وغربيهم، ومن مثلنا في التاريخ، عدالة حكم، ونزاهة قصد، واستقامة ضمير ؟
ومن المؤسف أننا لم ننتبه تمامًا لعصبية الأقوياء ضدنا وجورهم في الحكم على حضارتنا، وكثير منهم إما متعصب لدين أعمت العصبية بصره عن رؤية الحق، أو متعصب لقومية حمله كبرياء القومية على أن لا يعترف لغير أمته بالفضل، ولكن ما عذرنا نحن في تأثرنا بآرائهم في حضارتنا ؟ فيم يزري بعض الناس من أبناء أمتنا بهذه الحضارة التي ركعت الدنيا أمام قدميها بضعة قرون ؟
__________________
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 03-07-2013, 06:17 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,418
افتراضي

لعل حجة المستخفين من قومنا بقيمة حضارتنا أنها ليست شيئًا إذا قيست بروائع هذه الحضارة الحديثة واختراعاتها وفتوحاتها في آفاق العلم الحديث، وهذا لو صح لا يبرر الاستخفاف بحضارتنا لسببين:
الأول: أن كل حضارة فيها عنصران: عنصر روحي أخلاقي، وعنصر مادي. أما العنصر المادي فلا شك في أن كل حضارة متأخرة تفوق ما سبقها، تلك هي سنة الله في تطور الحياة ووسائلها، ومن العبث أن تطالب الحضارة السابقة بما وصلت إليه الحضارة اللاحقة، ولو جاز هذه لجاز لنا أن نزري بكل الحضارات التي سبقت حضارتنا، لما ابتدعته حضارتنا من وسائل الحياة ومظاهر الحضارة ما لم تعرفه الحضارات السابقة قط، فالعنصر المادي في الحضارات ليس هو أساس التفاضل بينها دائمًا وأبدًا.
أما العنصر الأخلاقي والروحي فهو الذي تخلد به الحضارات، وتؤدي به رسالتها من إسعاد الإنسانية وإبعادها عن المخاوف والآلام، ولقد سبقت حضارتنا كل الحضارات السابقة واللاحقة في هذا الميدان، وبلغت فيه شأوًا لا نظير له في أي عصر من عصور التاريخ، وحسب حضارتنا بهذا خلودًا.
إن الغاية من الحضارة هي أن تقرب الإنسان من ذروة السعادة، وقد عملت لذلك حضارتنا ما لم تعمله حضارة في الشرق والغرب.
الثاني: أن الحضارات لا يقارن بينها بالمقياس المادي، ولا بالكمية في الأعداد والمساحات، ولا بالترف المادي في المعيشة والمأكل والملبس، وإنما يقارن بينها بالآثار التي تتركها في تاريخ الإنسانية، شأنها في ذلك شأن المعارك والممالك، فهي لا تقارن بينها بسعة الرقعة ولا بحساب العدد، والمعارك الفاصلة في التاريخ القديم والوسيط لو قيست بمعارك الحرب العالمية الثانية من حيث أعداد الجيوش ووسائل القتال لكانت شيئًا تافهًا، ولكنها لا تزال تعتبر معارك لها قيمتها البالغة في التاريخ لما كان لها من الآثار البعيدة.
إن معركة " كاني" التي هزم فيها القائد القرطاجي الشهير " هنيبال " الرومانيين هزيمة منكرة لا تزال من المعارك التي تدرّس في المدارس العسكرية في أوروبا حتى الآن. وإن معارك خالد بن الوليد في فتوح العراق والشام لا تزال محل دراسة العسكريين الغربيين وإعجابهم، وهي عندنا من الصفحات الذهبية في تاريخ الفتوحات العسكرية في حضارتنا. ومع هذا فما كان قدم معركة كاني أو معركة بدر أو معركة القادسية أو حطين ليحول دون النظر إليها على أنها معارك فاصلة في التاريخ.
=============
وقد كتب الكثيرون عن الحضارة الإسلامية وخصائصها منهم :
العلامة عبد الرحمن حبنكة – الحضارة الإسلامية وأسسها
كتب العلامة أنور الجندي
العلامة أبو الأعلى المودوي
أنور الرفاعي – الإسلام في حضارته ونظمه
صحبي الصالح – النظم الإسلامية
عبد المنعم خفاجة في عديد من الكتب
السيد قطب رحمه الله
عماد الدين خليل وخاصة في كتابه القيم التفسير الإسلامي للتاريخ
محمد سعيد رمضان البوطي – منهج الحضارة الإنسانية في القرآن الكريم
ومالك بن نبي في عديد من كتبه
العلامة مصطفى السباعي وخاصة في كتابه النفيس من روائع حضارتنا
وعبد الكريم بكار
ومحمد تقي المدرسي _ وهو عالم شيعي معاصر – له كتابات قيمة عن الحضارة الإسلامية ، ولكنها لا تخلو من نزعة شيعية واضحة ، ومع هذا فهي بشكل عام مقبولة وجيدة
وغيرهم كثير جزاهم الله عنا ألف خير
وهذا الكتاب الذي بين يدينا يتحدث عن الحضارة الإسلامية من خلال الأبواب التالية :
الباب الأول -الحضارة الإسلامية وأسسها
الباب الثاني -الفكر الإسلامي مواجهة حضارية
الباب الثالث -الحضارة الإسلامية آفاق وتطلعات
الباب الرابع -كيف نبني حضارتنا الإسلامية؟
الباب الخامس -قيم التقدم في المجتمع الإسلامي
الباب السادس -حقيقة الحضارة الإسلامية
الباب السابع -الحضارة الإسلامية وأسباب سقوطها وعوامل النهوض بها
وقبل ذلك تمهيد عن أهم خصائص التصور الإسلامي
وفي كل منها أبحاث كثيرة
وقد جمعتها من مواقع كثيرة جدا وأهمها :
موقع صيد الفوائد
المسلم اليوم
المسلم المعاصر
شبكة مشكاة الإسلامية
الشبكة الإسلامية
شبكة نور الإسلام
المختار الإسلامي
الإسلام سؤال وجواب
موقع المنبر
مجلة البيان
مجلة الجامعة الإسلامية
ومن كتب ومقالات أولئك المذكورين وغيرهم
====================
وحتى تعود لنا عزتنا القعساء ومجدنا التليد لا بد من العودة التامة للإسلام عقيدة وعبادة وشريعة ومنهج حياة متكامل ، لا نستقي شيء من أمور حياتنا صغر أم كبر إلا من وحي القرآن والسنة ، قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} (24) سورة الأنفال
إنها دعوة إلى الحياة بكل صور الحياة , وبكل معاني الحياة . .
إنه يدعوهم إلى عقيدة تحيي القلوب والعقول , وتطلقها من قيود الجهل والخرافة ; ومن ضغط الوهم والأسطورة , ومن الخضوع المذل للأسباب الظاهرة والحتميات القاهرة , ومن العبودية لغير الله والمذلة للعبد أو للشهوات سواء . .
ويدعوهم إلى شريعة من عند الله ; تعلن تحرر "الإنسان" وتكريمه بصدورها عن الله وحده , ووقوف البشر كلهم صفا متساوين في مواجهتها ; لا يتحكم فرد في شعب , ولا طبقة في أمة , ولا جنس في جنس , ولا قوم في قوم . . ولكنهم ينطلقون كلهم أحراراً متساوين في ظل شريعة صاحبها الله رب العباد .
ويدعوهم إلى منهج للحياة , ومنهج للفكر , ومنهج للتصور ; يطلقهم من كل قيد إلا ضوابط الفطرة , المتمثلة في الضوابط التي وضعها خالق الإنسان , العليم بما خلق ; هذه الضوابط التي تصون الطاقة البانية من التبدد ; ولا تكبت هذه الطاقة ولا تحطمها ولا تكفها عن النشاط الإيجابي البناء .
ويدعوهم إلى القوة والعزة والاستعلاء بعقيدتهم ومنهجهم , والثقة بدينهم وبربهم , والانطلاق في "الأرض" كلها لتحرير "الإنسان" بجملته ; وإخراجه من عبودية العباد إلى عبودية الله وحده ; وتحقيق إنسانيته العليا التي وهبها له الله , فاستلبها منه الطغاة !
ويدعوهم إلى الجهاد في سبيل الله , لتقرير ألوهية الله سبحانه - في الأرض وفي حياة الناس ; وتحطيم ألوهية العبيد المدعاة ; ومطاردة هؤلاء المعتدين على ألوهية الله - سبحانه - وحاكميته وسلطانه ; حتى يفيئوا إلى حاكمية الله وحده ; وعندئذ يكون الدين كله لله . حتى إذا أصابهم الموت في هذا الجهاد كان لهم في الشهادة حياة .(الظلال)
وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) [الحج/77، 78] }
وفي هاتين الآيتين يجمع المنهاج الذي رسمه الله لهذه الأمة , ويلخص تكاليفها التي ناطها بها , ويقرر مكانها الذي قدره لها , ويثبت جذورها في الماضي والحاضر والمستقبل , متى استقامت على النهج الذي أراده لها الله .
إنه يبدأ بأمر الذين آمنوا بالركوع والسجود . وهما ركنا الصلاة البارزان . ويكني عن الصلاة بالركوع والسجود ليمنحها صورة بارزة , وحركة ظاهرة في التعبير , ترسمها مشهدا شاخصا , وهيئة منظورة . لأن التعبير على هذا النحو أوقع أثرا وأقوى استجاشة للشعور .
ويثني بالأمر العام بالعبادة . وهي أشمل من الصلاة . فعبادة الله تشمل الفرائض كلها وتزيد عليها كذلك كل عمل وكل حركة وكل خالجة يتوجه بها الفرد إلى الله . فكل نشاط الإنسان في الحياة يمكن أن يتحول إلى عبادة متى توجه القلب به إلى الله . حتى لذائذه التي ينالها من طيبات الحياة بلفتة صغيرة تصبح عبادات تكتب له بها حسنات . وما عليه إلا أن يذكر الله الذي أنعم بها , وينوي بها أن يتقوى على طاعته وعبادته فإذا هي عبادات وحسنات , ولم يتحول في طبيعتها شيء , ولكن تحول القصد منها والاتجاه !
ويختم بفعل الخير عامة , في التعامل مع الناس بعد التعامل مع الله بالصلاة والعبادة .
يأمر الأمة المسلمة بهذا رجاء أن تفلح . فهذه هي أسباب الفلاح . . العبادة تصلها بالله فتقوم حياتها على قاعدة ثابتة وطريق واصل . وفعل الخير يؤدي إلى استقامة الحياة , الجماعية على قاعدة من الإيمان وأصالة الاتجاه .
فإذا استعدت الأمة المسلمة بهذه العدة من الصلة بالله واستقامة الحياة , فاستقام ضميرها واستقامت حياتها نهضت بالتبعة الشاقة:
(وجاهدوا في الله حق جهاده) . . وهو تعبير شامل جامح دقيق , يصور تكليفا ضخما , يحتاج إلى تلك التعبئة وهذه الذخيرة وذلك الإعداد . .
(وجاهدوا في الله حق جهاده) . . والجهاد في سبيل الله يشمل جهاد الأعداء , وجهاد النفس , وجهاد الشر والفساد . . كلها سواء . .
(وجاهدوا في الله حق جهاده) . . فقد انتدبكم لهذه الأمانة الضخمة , واختاركم لها من بين عباده: (هو اجتباكم) . . وإن هذا الاختيار ليضخم التبعة , ولا يجعل هنالك مجالا للتخلي عنها أو الفرار ! وإنه لإكرام من الله لهذه الأمة ينبغي أن يقابل منها بالشكر وحسن الأداء !
وهو تكليف محفوف برحمة الله: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) . . وهذا الدين كله بتكاليفه وعباداته وشرائعه ملحوظ فيه فطرة الإنسان وطاقته . ملحوظ فيه تلبيته تلك الفطرة . وإطلاق هذه الطاقة , والاتجاه بها إلى البناء والاستعلاء . فلا تبقى حبيسة كالبخار المكتوم . ولا تنطلق انطلاق الحيوان الغشيم !
وهو منهج عريق أصيل في ماضي البشرية , موصول الماضي بالحاضر: (ملة أبيكم إبراهيم) وهو منبع التوحيد الذي اتصلت حلقاته منذ عهد إبراهيم - عليه السلام - فلم تنقطع من الأرض , ولم تفصل بينها فجوات مضيعة لمعالم العقيدة كالفجوات التي كانت بين الرسالات قبل إبراهيم عليه السلام .
وقد سمى الله هذه الأمة الموحدة بالمسلمين . سماها كذلك من قبل وسماها كذلك في القرآن: (هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا) . .
والإسلام إسلام الوجه والقلب لله وحده بلا شريك . فكانت الأمة المسلمة ذات منهج واحد على تتابع الأجيال والرسل والرسالات . حتى انتهى بها المطاف إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم وحتى سلمت إليها الأمانة , وعهد إليها بالوصاية على البشرية . فاتصل ماضيها بحاضرها بمستقبلها كما أرادها الله: (ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس) . . فالرسول صلى الله عليه وسلم يشهد على هذه الأمة , ويحدد نهجها واتجاهها , ويقرر صوابها وخطأها . وهي تشهد على الناس بمثل هذا , فهي القوامة على البشرية بعد نبيها ; وهي الوصية على الناس بموازين شريعتها , وتربيتها وفكرتها عن الكون والحياة . ولن تكون كذلك إلا وهي أمينة على منهجها العريق المتصل الوشائج , المختار من الله .
ولقد ظلت هذه الأمة وصية على البشرية طالما استمسكت بذلك المنهج الإلهي وطبقته في حياتها الواقعية . حتى إذا انحرفت عنه , وتخلت عن تكاليفه , ردها الله عن مكان القيادة إلى مكان التابع في ذيل القافلة . وما تزال . ولن تزال حتى تعود إلى هذا الأمر الذي اجتباها له الله .
هذا الأمر يقتضي الاحتشاد له والاستعداد . . ومن ثم يأمرها القرآن بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والاعتصام بالله:فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله . هو مولاكم . فنعم المولى ونعم المصير . .
فالصلاة صلة الفرد الضعيف الفاني بمصدر القوة والزاد . والزكاة صلة الجماعة بعضها ببعض والتأمين من الحاجة والفساد . والاعتصام بالله العروة الوثقى التي لا تنفصم بين المعبود والعباد
بهذه العدة تملك الأمة المسلمة أن تنهض بتكاليف الوصاية على البشرية التي اجتباها لها الله . وتملك الانتفاع بالموارد والطاقات المادية التي تعارف الناس على أنها مصادر القوة في الأرض . والقرآن الكريم لا يغفل من شأنها , بل يدعو إلى إعدادها . ولكن مع حشد القوى والطاقات والزاد الذي لا ينفد , والذي لا يملكه إلا المؤمنون بالله .
فيوجهون به الحياة إلى الخير والصلاح والاستعلاء .
إن قيمة المنهج الإلهي للبشرية أنه يمضي بها قدما إلى الكمال المقدر لها في هذه الأرض ; ولا يكتفي بأن يقودها للذائذ والمتاع وحدهما كما تقاد الأنعام .
وإن القيم الإنسانية العليا لتعتمد على كفاية الحياة المادية , ولكنها لا تقف عند هذه المدارج الأولى . وكذلك يريدها الإسلام في كنف الوصاية الرشيدة , المستقيمة على منهج الله في ظل الله . .(الظلال)
=================
أسأل الله تعالى أن ينفع به كاتبه وناشره والدال عليه في الدارين آمين
{.. رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (4) سورة الممتحنة
وكتبه
الباحث في القرآن والسنة
علي بن نايف الشحود
في 28 شعبان 1428 هـ الموافق ل 10/9/2007 م
__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
موسوعة

« حمل كتاب صراع الديكة ( أزواج وزوجات ) لـ عبد الوهاب مطاوع | SPSS مقدمة فى الاحصاء الوصفى و الاستدلالى باستخدام spss »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
سراييفو: عبق الحضارة الإسلامية في قلب أوروبا Eng.Jordan المسلمون حول العالم 0 05-23-2014 11:48 AM
الصفويون والكرد انتهاكات الماضي ومخاوف المستقبل عبدالناصر محمود مقالات وتحليلات مختارة 0 06-06-2013 06:23 AM
عباقرة الحضارة الإسلامية ام زهرة دراسات وبحوث اسلامية 0 05-21-2013 06:33 PM
المدرسة العصرية بين أصالة الماضي و استشراق المستقبل Eng.Jordan بحوث ودراسات تربوية واجتماعية 0 08-31-2012 06:52 PM
من روائع الحضارة الإسلامية .. النظام الاقتصادي في الحضارة الإسلامية Eng.Jordan التاريخ الإسلامي 0 02-09-2012 12:06 AM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 08:37 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68