تذكرني !

 





بحوث ودراسات منوعة أوراق بحثية ودراسات علمية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #5  
قديم 03-09-2013, 06:08 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,425
افتراضي

ويجدر التنويه إلى أن تلك الرسومات لا تعد الأولى من نوعها، فهي ليست إلا حلقة في سلسلة ممتدة من الحلقات التي لا تريد أن تنتهي. فعلى سبيل المثال، نشرت إحدى دور النشر البريطانية عام 2001 كتاباً لمؤلف يدعى (عبد الله عزيز)، يتضمن صوراً هزلية في منتهى السخرية والتطاول على عقيدة المسلمين وقرآنهم وسنة نبيهم. إذ عرضت تلك الصور بمنتهى الفحش والابتذال النبي الكريم وزوجته عائشة وبعض الصحابة أثناء تطبيقهم العديد من تعاليم الإسلام وأحكامه، بل إنها تجرأت على تصوير الذات الإلهية على شكل هلال يجلس على كرسي، ويقوم النبي محمد (عليه السلام) بالسجود له!(13).
2 ـ إثارة النزاعات بين المسلمين:
ما انفكت الدول الغربية، وبخاصة الاستعمارية منها، تبدي حرصاً واضحاً على تسليط الأضواء على مواطن الاختلاف القائم على أسس دينية في العالم الإسلامي والعمل على تضخيمها وتطويرها إلى مستوى الخلاف، سعياً إلى إثارة الصراعات بين المسلمين أنفسهم من جانب، والمسلمين والأقليات غير المسلمة من جانب آخر. وفي هذا المقام، ربما كان بالإمكان استذكار الجهود الحثيثة التي بذلتها فرنسا في أوائل القرن الماضي لتمزيق وحدة لبنان وإذكاء نار الخلافات الدينية بين أبنائه، وذلك بعد تمكن الدول الاستعمارية من تشظية المشرق العربي إلى دويلات ضعيفة عقب توقيع معاهدة سايكس بيكو عام 1916، حيث غدا لبنان مسرحاً لتوازنات دينية وطائفية هشة، أثبتت الأيام قابليتها للانهيار وتفجير الصراعات الدموية أكثر من مرة.
ويكاد المسلسل ذاته يتكرر في العراق تحت هيمنة قوات الاحتلال الأمريكي. إذ يقف العراق اليوم على شفير حرب أهلية طاحنة تعصف بعشرات الأبرياء من أبنائه كل يوم، مردها الخلافات الطائفية والمذهبية، التي يسهم الاحتلال الأمريكي بتحالفاته المغرضة وتوجهاته المنحازة لبعض الفئات على حساب فئات أخرى في تأجيج اشتعالها(14).
وفي ذات الإطار، يحسن التنبيه إلى البرامج الأكاديمية التي تحرص الدول الغربية على إنشائها وتطويرها في الجامعات والمراكز الأكاديمية والبحثية، التي تنصرف عناية جزء كبير منها إلى دراسة الاختلافات المذهبية والفرق الغالية التي تزعم انتماءها للإسلام ـ وهو منها براء ـ في محاولة لرمي الدين الإسلامي بما ليس فيه من التناقض والانفلات والشذوذ ...الخ(15).
3ـ السعي إلى إخضاع بلاد المسلمين واحتلالها:
كانت حروب الفرنجة على العالم الإسلامي، التي سماها البعض حروباً صليبية، قد انطلقت بذريعة تحرير المدينة المقدسة، أي القدس، من أيدي المسلمين (الوثنيين) في زعمهم. والواقع إن المجازر التي ارتكبها (الصليبيون) في المدن الإسلامية خلال تلك الحملات قد لا تعكس مجرد الخوف المرضي من الإسلام وأتباعه، بل تعكس درجة متقدمة من الحقد والرغبة في الانتقام. وكأن في الانتقام الدموي البشع من المسلمين ضرباً من ضروب التعويض عن الخوف المزمن منهم ومن دينهم.فقد روي عن أحد شهود العيان من رهبان الفرنجة الذين شهدوا احتلال (الصليبيين) لمدينة القدس سنة 492 هـ قوله: "كان قومنا يجوبون الشوارع والميادين وسطوح البيوت ليرووا غليلهم من التقتيل، وذلك كاللبؤات التي خطفت صغـارها! كانوا يذبحـون الأولاد والشباب، ويقطعونهم إرباً إرباً، وكانوا يشنقون أناساً كثيرين بحبل واحد بغيـة السرعة، وكان قومنا يقبضـون كل شيء يجدونه فيبقرون بطون الموتى ليخرجوا منها قطعاً ذهبية !!! فيا للشره وحب الذهب، وكانت الدماء تسيل كالأنهار في طرق المدينة المغطاة بالجثث"(16).
ويصف راهب آخر المجزرة نفسها دون أن يخفي شماتته بقوله: "حدث ما هو عجيب بين العرب عندما استولى قومنا على أسوار القـدس وبروجها، فقـد قطعت رؤوس بعضهم، فكان هذا أقل ما يمكن أن يصيبهم، وبقرت بطون بعضهم؛ فكانوا يضطرون إلى القذف بأنفسهم من أعلى الأسوار، وحرق بعضهم في النـار؛ فكان ذلك بعد عذاب طويل، وكـان لا يرى في شوارع القدس وميادينها سوى أكداس من رؤوس العرب وأيديهم وأرجلهم، فلا يمر المرء إلا على جثث قتلاهم، ولكن كل هذا لم يكن سوى بعض ما نالوا"(17).
ويبدو أن تلك الروح (الصليبية) الحاقدة على الإسلام والمذعورة منه قد ظلت تتلبس العالم الغربي حتى أيامنا، وربما كان هذا يفسر جزءاً من الهوس الغربي بمحاربة المسلمين وإخضاعهم إلى هيمنته. فقد ظل العالم الإسلامي محط أنظار المطامع الغربية التي تقنعت خلف الرغبة في نشر رسالة المسيح وإنقاذ ذلك العالم من تخلفه وانحطاطه!. وهو ما ترجم على شكل عشرات الحملات والمؤامرات الاستعمارية التي انتهت باحتلال معظم أرجاء العالم الإسلامي وتمزيق وحدته، بإسقاط الخلافة الإسلامية العثمانية عام 1918.
وقبل ذلك بسنوات قليلة، وفي ظل الشعور المستمر بالتهديد المحتمل للإسلام، كانت بريطانيا قد دعت عام 1907 إلى تشكيل لجنة عليا تألفت من سبع دول استعمارية غربية، وذلك لمناقشة الخطر الذي تشكله الخلافة العثمانية الإسلامية على تلك الدول. وقد خلصت اللجنة إلى تقرير أكدت فيه أن مصدر الخطر الحقيقي على تلك الدول يتمثل في "الولايات العربية في الدولة العثمانية، وفي الشعب العربي المسلم الذي يعيش في تلك الولايات"(18). وقد خلص التقرير المذكور إلى الخروج بجملة من التوصيات أبرزها:
1ـ العمل على خلق حالة من الضعف والتمزق والانقسام في المنطقة.
2ـ إقامة دويلات مصطنعة تتبع لتلك الدول الاستعمارية وتخضع لها.
3ـ محاربة أي شكل من أشكال الوحدة والاتحاد الروحي أو الثقافي أو التاريخي بين أبناء المنطقة.
4ـ وكسبيل لتحقيق كل ذلك، ينبغي إقحام حاجز بشري غريب يتمتع بالقوة على المنطقة، بحيث يجسد قوة معادية لسكانها، تنسجم في مصالحها مع مصالح الدول الإستعمارية الراعية لذلك الكيان المختلق، الذي لعب دوره بإتقان مميز الكيان الصهيوني الغاصب(19).

(13) أنظر:
Aziz, Abdullah. Mohammed's Believe it or Else!,Kent: Crescent Moon Publishers, 2001.

(14) أنظر: بجك، باسيل يوسف. "قراءة قانونية لمستقبل وحدة شعب العراق"، المستقبل العربي، العدد 323 (كانون الثاني 2006)، ص 100- 104.

(15) على سبيل المثال، صدر عن مراكز البحث الغربية المعنية بالإسلام مئات الكتب التي تركز على بعض الشخصيات الخلافية في التاريخ الإسلامي، التي اتهمت بالكفر والزندقة والخروج عن تعاليم الدين الإسلامي، كالحلاج، وابن عربي، والسهروردي...الخ.


(16) لوبون، غوستاف. حضارة العرب، ترجمة عادل زعيتر، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2000، ط2، ص 325.

(17) المرجع السابق، ص 326.

(18) العويسي، عبد الفتاح محمد. "دور بريطانيا في تأسيس الدولة اليهودية (1840-1948)"، شؤون اجتماعية، عدد 75 (خريف 2002)، ص152.

(19) المرجع السابق، ص152.
__________________
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 03-09-2013, 06:08 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,425
افتراضي

وتتعدد الشواهد التي تؤكد استمرارية حضور الذهنية التي انطلقت منها (الحروب الصليبية) في أعماق الكثيرين من أبناء الغرب حتى عصرنا الحديث. فعلى سبيل المثال، عندما احتلت القوات البريطانية مدينة القدس سنة 1917 بقيادة الجنرال (اللنبي) الذي كان أول غربي يدخل المدينة منذ تحريرها على يد صلاح الدين الأيوبي، هتف (اللنبي) معلناً: "الآن انتهت الحروب الصليبية"(20). وعندما اجتاحت القوات الفرنسية مدينة دمشق بعد انتصارها في معركة ميسلون عام 1921، توجه قائد القوات الفرنسية الجنرال (غورو) إلى قبر صلاح الدين الأيوبي قائلاًً "أنظر يا صلاح الدين ها قد عدنا"(21). ويقال أن في جنوب فرنسا، وفي المكان الذي انطلقت منه الحروب الصليبية على وجه التحديد، جمعية تعقد اجتماعاً دورياً كل عام حتى يومنا هذا لاستحضار الأجواء التي احتضنت ولادة الحروب الصليبية، حيث يتم في الاجتماع إلقاء الخطب المحاكية لخطبة البابا (أوربان الثاني) الذي أعلن عن انطلاق تلك الحروب، كما يجري إعادة تمثيل انطلاق الحملة الصليبية الأولى(22).
وتشكل (زلة اللسان) الشهيرة للرئيس الأمريكي الحالي (جورج بوش) التي انزلق فيها إلى القول بأن حربه على الإرهاب بعد تفجيرات الحادي عشر من أيلول هي (حرب صليبية) مؤشراً مهماً على استيطان فكرة الحروب الصليبية في أذهان كثير من رجال السياسة في العالم الغربي، وتعبيراً عن إرث غربي قديم يتم توارثه(23)، وبخاصـة في الولايات المتحدة الأمريكية(24)، التي شهدت بعد تلك التفجيرات استحضاراً صاخباً لتلك الفكرة(25). فعلى سبيل المثال، يجاهر القس الأمريكي (فيليب بينهام) بالدعوة عبر منابر الإعلام إلى إطلاق "الحملة الصليبية ضد الشر لإنقاذ الولايات المتحدة… عن طريق كشف كذبة اسمها الإسلام"(26)، معلناً أن "النبي محمد ذبح الملايين منذ ظهوره مطلع القرن السابع"(27). وتكمن المفارقة في تقاطع هذا الخطاب مع خطابات علمانية تتردد أصداؤها في دهاليز السلطة والإعلام الأميركي، مرددة المفردات العدائية للحروب الصليبية، وداعية لانقسام العالم إلى معسكرين متناقضين: أحدهما خيّر ومتحضر، والآخر ـ وهو المعسكر الإسلامي ـ شرير وبربري!(28).
4ـ تفعيل أنشطة التنصير:
ربما كان من الجائز القول إن هناك علاقة طردية بين ازدياد المخاوف الغربية من الإسلام وتصاعد وتيرة الأنشطة التنصيرية التي يلجأ إليها، وكأن في السعي إلى تنصير المسلمين وإدخالهم في "المحبة المسيحية" شكلاً من أشكال الحيل الدفاعية للتعويض عن كراهيتهم!. فعلى سبيل المثال، وقبل أن يمضي وقت طويل على جفاف حبر المعاهدة التي وقعتها مملكة إسبانيا مع الأمير (أبو عبد الله الأحمر) آخر أمراء غرناطة سنة 897هـ، تم إنشاء ما عرفت تاريخياً بمحاكم التفتيش، التي تورطت باقتراف كثير من الفظائع والمجازر بغية إجبار المسلمين على ترك دينهم واعتناق الديانة المسيحية. وكان أول ما قامت به تلك المحاكم هو جمع كل المصاحف والكتب العلمية والدينية وإحراقها على الملأ في ساحة عامة، كخطوة أولى لتنصير المسلمين بقطع صلتهم مع كتبهم الدينية والتراثية والعلمية. ثم عمدت عقب ذلك إلى تحويل المساجد إلى كنائس، وإجبار من تبقى من الفقهاء وأهل العلم على التنصر، ليوافق بعضهم مكرهاً ويواجه بقيتهم القتل شر قتلة، مع التمثيل بجثث الضحايا، وذلك لبث الهلع في صفوف المسلمين وإيصال رسالة لهم مفادها التخيير بين التنصر أو التعذيب والقتل وسلب الأموال والممتلكات(29).
أما في عالم اليوم، فتشهد عملية التنصير نشاطاً محموماً في العالم الإسلامي، وبخاصة في البلدان الفقيرة التي تعاني من عدم الاستقرار السياسي، التي يؤمن الغرب أنها تشكل بيئة مناسبة لتفريخ ما درج على اعتباره إرهاباً. ففي أفغانستان وحدها على سبيل المثال، التي تولت الولايات المتحدة الأمريكية قيادة حملة عسكرية شعواء لإسقاط نظام طالبان الإسلامي فيها بذريعة دعمه للإرهاب، هناك حالياً ما لا يقل عن (1000) منظمة أمريكية وأوروبية تعمل في مجالات الإغاثة والتنمية، يمارس كثير منها أنشطة تبشيرية مختلفة. الأمر الذي دفع القس (بن هومان) رئيس إرسالية التنصير المسيحي المجرية إلى أن يصرح في عام 2003، وبعد زيارة استطلاعية استغرقت شهراً كاملاً، عن اعتقاده بنجاح "عقيدة التثليث" في تثبيت أقدامها، وعن إمكان نجاح برنامج التنصير في أفغانستان(30).
ظاهرة "الإسلاموفوبيا" في الوطن العربي:
مع صدمة احتكاكه بالغرب قبل قرابة القرنين، بات المجتمع العربي يعاني حالة من الانفصام والانشطار الحضاري، تتجسد وعلى شتى المستويات في سائر أنساق حياة ذلك المجتمع وتفاعلات أبنائه. فبات أسير التخبط والاضطراب والتصارع بين تيارين رئيسين يتنازعان الساحة: تيار إسلامي يعبر عن الفهم الذي حمله المسلمون للإسلام منذ وجد، الذي يدعو إلى جعل الشريعة مرجعية حاكمة وموجهة لسائر شؤون المجتمع، وتيار علماني ينادي بإقصاء الدين عن التدخل في مسائل إدارة المجتمع وتسيير أموره، ناظراً إليه ـ في أفضل الأحوال ـ باعتباره شأناً شخصياً بين الإنسان وربه، بما يذكر، إلى حد بعيد، بوجهة النظر السائدة عن طبيعة الدين في المجتمعات الغربية.

(20) الميلاد، زكي. نحن والعالم: من أجل تجديد رؤيتنا إلى العالم، الرياض: مؤسسة اليمامة الصحفية، 2005، ص 90.

(21) المرجع السابق، ص 90.

(22) المرجع السابق، ص 91.

(23) يزخر كتاب نشره جورج بوش الجد عام 1831 بعنوان (حياة محمد) بالحقد على الإسلام والمسلمين، حيث نقرأ في الكتاب: " ما لم يتم تدمير إمبراطورية المسلمين، فلن يتمجد الرب بعودة اليهود إلى وطن آبائهم وأجدادهم"، أنظر: العكش، منير. حق التضحية بالآخر.. أمريكا والإبادات الجماعية، بيروت: دار رياض الريس للكتب والنشر، 2002، ص 149.

(24) للأبعاد الدينية، وبخاصة المستمدة من مقولات العهد القديم (التوراة)، حضور واضح في أروقة صنع السياسة الأمريكية منذ زمن بعيد يتزامن مع قيام الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، للتوسع في هذا الموضوع، أنظر: الحسن، يوسف. البعد الديني في السياسة الأمريكية، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2000.

(25) الشيشاني، مراد بطل. "المجتمع الأمريكي بعد 11 سبتمبر"، مقالة منشورة في الموقع الإلكتروني (الجزيرة) على الرابط التالي:
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/6...D53CF8D25F.htm

(26) المرجع السابق.

(27) المرجع السابق.

(28) المرجع السابق.


(29)"الأندلس بعد سقوط غرناطة: ماذا حدث لأمة الإسلام وفارس الأندلس الأخير، مقالة منشورة في الموقع الإلكتروني (الأندلس للأخبار) على الرابط التالي:
http://press.arabandalucia.com/?p=1081

(30) الأعظمي، حفيظ الرحمن. "أخطبوط التنصير يجتاح أفغانستان"، مقالة منشورة في الموقع الإلكتروني (الحقائق) على الرابط التالي:
http://www.alhaqaeq.net.
__________________
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 03-09-2013, 06:09 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,425
افتراضي

وبطبيعة الحال، وبحكم استلهام منطلقاته ومقولاته المرجعية الرامية إلى تحييد المكون الديني من معين التجربة الغربية، ومحاولة إسقاط تلك التجربة على الواقع الإسلامي، دون الأخذ بعين الاعتبار مواطن الاختلاف ومواضع الخصوصية بين التجربتين الإسلامية والغربية، لم يكن للتيار العلماني إلا أن يتورط ـ بصورة واعية أحياناً وغير واعية أحيان أخرى ـ في تبني كثير من المقولات التي يتبناها الغرب حيال الإسلام. ومن هنا يمكن تفسير معاناة أصحاب الاتجاه العلماني في الوطن العربي من ظاهرة الخوف المرضي من الإسلام، التي لا تتردد في التعبير عن نفسها، بصورة عدائية أحياناً، كلما نجح الاتجاه الإسلامي في إحراز نصر سياسي هنا أو هناك، كما شهدنا عند حصول حركة الإخوان المسلمين في مصر على نسبة معتبرة من مقاعد المجلس التشريعي في الانتخابات التي أجريت في شهر كانون الأول من عام 2005(31).
وبعيداً عن اللجوء إلى توظيف نظرية المؤامرة، والافتراض بأن بعض أرباب الاتجاه العلماني ومروجيه يرتبطون بعلاقات نفعية ـ بصورة غير واعية أحياناً ـ مع بعض الدوائر الغربية المشبوهة(32)، فإن المرء لا يحتاج إلى كثير من التدقيق كي يلاحظ قدراً كبيراً من الالتقاء بين المخاوف التي يحملها العلماني في الوطن العربي من الإسلام، وتلك التي يتم تداولها على نطاق واسع في الأوساط الغربية، وكأن الأولى مستمدة في أصلها من الثانية!. فالإسلام في وعي كثير من العلمانيين العرب، بوجه عام، عصي على الانسجام مع الديموقراطية ومقتضياتها، وبعيد عن الإقرار بحقوق المرأة ومساواتها بالرجل، وقصي عن احترام حقوق الأقليات غير المسلمة، وقاصر عن امتلاك أو تطوير برامج عملية ناجعة للتعامل مع قضايا العصر ... الخ(33).
الخــاتمــــة:
معقدة العناصر ومتشعبة الأبعاد ومتداخلة الارتباطات وعميقة الآثار هي ظاهرة الخوف من الإسلام. ومن ثم فإن التعامل مع تلك الظاهرة يستوجب تضافر كل الجهود الممكنة في العالم الإسلامي من أجل الخروج باستراتيجية شاملة، ترتقي بإحكامها وتماسكها وإحاطتها إلى مستوى تلك الظاهرة البلغة الخطورة، التي تقف عقبة جدية أمام تمكن دول ذلك العالم منإقامة علاقات إيجابية سليمة، ليس مع بقية دول العالم، وبخاصة الدول الغربية، وحسب، بل فيما بينها ومع أبنائها أيضاً.
غير أن الخروج بتلك الإستراتيجية المنشودة يستوجب العمل على تحديد معالم المنظومة المرجعية المتماسكة والموحدة التي ستنظم سبل التعامل مع تللك الظاهرة، وتضمن الانطلاق في ذلك من صف متضامن موحد. إذ إن من المستبعد أن يتمكن العالم الإسلامي من مجابهة وعلاج ظاهرة خوف الآخر من الإسلام، ما زال هو نفسه يختبر الظاهرة نفسها في ربوعه!. وعلى الرغم من إقرارنا بصعوبة الاتفاق على مثل تلك المرجعية المتوخاة، إلا أننا نزعم أن الخطوة الأولى إلى ذلك تتمثل في وجوب الإقرار الفعلي من جانب المجتمعات الإسلامية بأن الإسلام، بثوابته وأصوله العامة، هو الإطار العريض الذي يحتضن تلك المرجعية ويحتوي قواعدها. إذ يغدو انتساب تلك المجتمعات إلى الإسلام واعتبارها (مجتمعات إسلامية) محض لغو لا طائل منه، ما لم يشكل الإسلام بالفعل الأرضية التي تنطلق منها في تعريف نفسها وتحديد هويتها الحضارية، مقارنة بالهويات الحضارية الأخرى.
إن إقرار أبناء المجتمع العربي الإسلامي بأنهم أبناء حضارة عربية إسلامية حقاً، لا يعبر، فيما هو مفترض، عن مجرد شعارات مثالية خالية من الدلالة، يتم ترديدها بلا روح في الخطب والمؤتمرات. بل ينبغي أن يعبر عن هوية حقيقية تتم ترجمتها إلى أفعال ملموسة، تقضي بأن تكون ثوابت تلك الحضارة وأصولها وقواعدها الكلية هي الإطار الذي يستلهم منه أبناء تلك الحضارة رؤيتهم للواقع وسبل فهمهم له وتعاملهم معه. وهذا هو السبيل الأمثل، فيما نزعم، لإبراز الهوية الحضارية المتميزة للإسلام، وصونها من أخطار التهميش والتشويه.
وتشكل تلك الثوابت والأصول والقواعد الأنموذج المرجعي الذي يحتكم إليه أبناء الحضارة في تشكيل نظرتهم إلى الوجود وموقفهم منه، وفي إسباغ المعاني والدلالات على موجودات هذا الكون، بما يتصل بذلك من مسائل بالغة الأهمية، تتعلق بمفهوم الإنسان نفسه، وأسباب وجوده، ومواصفات دوره الحياتي، وعلاقته بتفسه وبالآخر وبالطبيعة... الخ.
ويجسد ذلك الأنموذج حضوراً واضحاً يحل في سائر أنشطة المجتمع الذي يقر بتبنيه، فنستطيع تحسس آثارة جلية في كل بعد من أبعاد الحياة في ذلك المجتمع، ونراه علامة فارقة مميزة في الآداب والفنون وطرق العيش ووتائر التفاعل والسلوك. ومن هنا تظهر إمكانية الحديث عن حضارات متمايزة، يصدر كل منها عن أنموذج موجه له سمات خاصة، تضفي عليه التميز والاختلاف عن بقية الحضارات، وتمنحه هويته وشخصيته المتفردة.
والإسلام، وهو الذي وقف خلف صنع حضارة بالغة الفرادة والقوة والرقي والتميز، لم يأت ليكون مجرد دين روحاني لا شأن له إلا بأمور الآخرة والاعتكاف في انتظارها. بل جاء ليكون ديناً شمولياً ـ ليس بالمعنى السلبي للشمولية الذي أثر عن الأنظمة الاشتراكية الآفلة ـ ينظّم لأتباعه كل جوانب حياتهم: الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والروحية، والحضارة المبدعة التي تشكلت في رحم ذلك الدين شاهدة على ذلك!.
وعليه؛ فقد يكون من أفضل السبل لمواجهة ظاهرة الخوف من الإسلام بعث الحياة في الجوانب الحضارية لذلك الدين، عبر إبراز أبعاده المشرقة وتجليتها للعالم، وفتح باب الاجتهاد على مصراعيه، انطلاقاً من منطق المبادرة الفاعلة الواثقة بقوة هذا الدين وإمكاناته الرحبة غير المتناهية، وليس من منطق ردة الفعل الاعتذارية الخجولة، الذي يحكم حتى الآن تفاعل العالم الإسلامي مع معظم التحديات التي تعترض سبيل تقدمه!.
إن هناك حاجة ملحة للتعرف إلى الإسلام، من جانب أبنائه أولاً، تمهيداً لتعريف العالم به. وهذا يتطلب جهوداً حثيثة صادقة من لدن الحكومات الإسلامية لتعريف الناس بجوهر دينهم وتعاليمه الحقيقية. مع ما يرتبط بذلك من وجوب وضع تلك التعاليم موضع التطبيق الفعلي، سعياً إلى تجاوز حالة النفاق والتذبذب والتنافر المعرفي التي تعيشها المجتمعات الإسلامية، نتيجة التأرجح بين الإيمان بمبادئ عقدية وعدم القدرة على الالتزام السلوكي بها!.
وبكل تأكيد، فإنه ليس من الحكمة إحجام العالم الإسلامي عن تعريف أمم الأرض بالإسلام إلى أن يحسم مشكلاته الداخلية المتشابكة المتعلقة بهذا الدين. بل إن من الحكمة المسارعة إلى بذل قصارى الجهود الممكنة لتقديم الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة إلى أكبر عدد ممكن من الناس على امتداد المعمورة. إذ تثبت الآلاف المؤلفة من الذين يدخلون في الإسلام كل عام في أرجاء الأرض ـ على الرغم من الواقع المزري للمسلمين ـ أن البشرية التائهة تتعطش إلى التفيؤ تحت ظلال الدين الذي ارتضاه الله خاتماً للأديان والرسالات، بعد أن أضناها اللهاث في بيادي العبثية والعدمية والضلال.


(31) على سبيل المثال، وفي سياق تخوف أحد الكتاب المصريين من فوز حركة الإخوان المسلمين في مصر في الانتخابات التشريعية، ينهي الكاتب مقالة له بقوله: "الجماعة روعتنا في بداياتها بالعنف، وشغلتنا دائماً بالأمور الهامشية ودعم ركائز الدولة الدينية الفاشية، وسعت لتخريب علاقات مصر الدولية، ولم تقترب من تحديات الحياة المعاصرة المعقدة وحقوق المواطن في دولة حديثة". أنظر: خليل، مجدي."الإخوان المسلمون في البرلمان المصري .. وقائع وشواهد قريبة"، مقالة منشورة في الشبكة الإلكترونية على الرابط التالي:
http://www.amcoptic.com/n2005/magdy_khaleel.htm

(32) للمؤلفة فرانسيس ساوندرز كتاب مهم يتناول بالوثائق والأسماء أساليب عمل المخابرات الأمريكية، بالتعاون مع المخابرات البريطانية أحياناً، في دعم وتمويل أنشطة ثقافية وسياسية تصب في خدمة المصالح الأمريكية. وتشير المؤلفة إلى كيفية عقد ندوات واجتماعات وتمويل مؤسسات عالمية ثقافية وبحثية من جانب المخابرات الأمريكية دون معرفة أصحابها في كثير من الأحيان. لمزيد من التفصيل أنظر:
Saunders, Frances Stonor. The Cultural Cold War: The CIA and the World of Arts and Letters, New York: The New Press, 2000.

(33) للاطلاع على آراء بعض المفكرين والأدباء العلمانيين العرب في الإسلام، أنظر: باربولسكو، لوك ؛ كاردينال، فيليب. رأيهم في الإسلام: حوار صريح مع أربعة وعشرين أديباً عربياً، ترجمة ابن منصور العبدالله، لندن: دار الساقي، ط2، 1990.
__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« انتقال التكنولوجيا الحديثة، بين خوفين | الجرائم المعلوماتية »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
بحث بعنوان المنهج الوصفي Eng.Jordan بحوث ودراسات منوعة 0 12-01-2016 02:16 PM
ما هي ظاهرة الالبيدو ؟ Eng.Jordan شذرات موسوعية 0 10-29-2016 10:02 AM
ظاهرة الفتور بعد رمضان عبدالناصر محمود شذرات إسلامية 0 07-24-2015 04:08 AM
قصة بعنوان ؛ [ قلة أدب ] صباح الورد الملتقى العام 0 10-11-2014 09:36 AM
ظاهرة التصحر Eng.Jordan شذرات موسوعية 0 02-05-2013 01:52 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 08:37 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68