تذكرني !

 





بحوث ودراسات منوعة أوراق بحثية ودراسات علمية

الأمن القومي الأمريكي بعد أحداث 11 سبتمبر

مقدمة: بحث بعنوان : الأمن القومي الأمريكي بعد أحداث 11 سبتمبر بقلم : د.عبد الحكيم سليمان دنيا الرأي : تاريخ النشر : 2013-02-22 بحث بعنوان : الأمن القومي

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 03-20-2013, 01:54 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,451
افتراضي الأمن القومي الأمريكي بعد أحداث 11 سبتمبر

مقدمة: بحث بعنوان : الأمن القومي الأمريكي بعد أحداث 11 سبتمبر بقلم : د.عبد الحكيم سليمان
دنيا الرأي : تاريخ النشر : 2013-02-22
الأمن القومي الأمريكي أحداث سبتمبر 9999455635.jpg


بحث بعنوان : الأمن القومي الأمريكي بعد أحداث 11 سبتمبر
د.عبد الحكيم سليمان وادى
رئيس مركز راشيل كوري الفلسطيني لحقوق الانسان ومتابعة العدالة الدولية
مقدمة
لقد شكلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر تحديا كبيرا للولايات المتحدة الأمريكية ولأمنها القومي.ولذلك كان لابد من مراجعة سياستها فيما يتعلق بالأمن القومي والتي أتبت فشلها بعد التفجيرات التي حدتث في الحادي عشر من سبتمبر(1 ) وقد أدت هذه الأحداث إلى ازدياد عدد التدخلات الأمريكية في شؤون الدول الأخرى .وكذلك إلى تصاعد العلاقة بين الداخلي والخارجي ، فالخارجي صار داخليا ، والإقليمي صار دوليا ففي 20/9/2002 أصدر البيت البيض وثيقة بعنوان :"استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة تتألف من حوالي 3000 كلمة نستطيع من جراء قراءتها أن نقف على التفكير الإستراتيجي الامريكي الذي يعكس رؤية عدد من الشخصيات في الإدارة الأمريكية الذين يدعون للإستفاذة من الظروف الناجمة عن أحداث 11 سبتمبر لتكريس الهيمنة الأمريكية على العالم.
لقد أصبحت فكرة استباق العدووالحرب الوقائية مكرسة في السياسة الأمريكية ، بل أصبحت جزءا من استراتجيتها الجديدة . فالولايات المتحدة الأمريكية في استراتيجيتها السابقة كانت تقوم بحروب إما بالأصالة وإما بالإنابة . ولكن بغطاؤ من الشرعية الدولية .إلا في بعض الحالات في أمريكا اللاتينية التي كانت تعد في أثناء الحرب الحرب الباردة مجال امريكا الحيوي،وهو ما يوازي التدخل السوفيتي في المجر وتشكوسلوفاكيا.أما الآن فقد كرست الولايات المتحدة فكرة التدخل المباشر وبقرار أمريكي صرف . فالولايات المتحدة ترى أن الحروب الإستباقية من الآن فضاعدا قرار أمريكي تمليه مصالح الأمن القومي وضرورته. . فالولايات المتحدة لم تعد بحاجة إلى الحلفاء والأصدقاء ، أو حتى العملاء وخاصة بعد حرب العراق 2003 وكذلك لم تعد العناصر الثقافية والإجتماعية للتدخل الأمريكي منفصلة عت العناصر العسكرية والإقتصاد(2 ).














(1 ) كمال مصطفى (2002). أمريكا والإرهاب.السياسة الدولية.العدد 147 يناير ص59,
(2 ) غليون برهان (2005).العرب وعالم ما بعد 11 سبتمبر: دار الفكر ص26.




إن ماوقع في 11 سبتمبر كان حادثا عالميا وشاملا وتاريخيا بكل المعايير .عالميا لأنه أثر في العالم أجمع وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية . وفي العالم الإسلامي بصورة أكثر قصوة. وفي العالم الآخر بدرجة أقل . وشاملا لأن تأثيره كان نفسيا واقتصاديا وسياسيا وعسكريا . ناهيك عن كونه اكتسب صبغة حضارية وثقافية بمستوى معين من التحليل ،وتاريخيا لأنه كان حدثا فاصلا في طريقة التعبير عن الإستراتيجيات والسياسات الأمريكية . وخلف حجما من مشاعر الخوف، والغضب،والرغبة في الإنتقام بشكل يفوق كل التصورات .
وقد أدى هذا إلى ردود أفعال لم نرى مداها بعد وإنما رأينا نمادجها .وقد وضع العالم أمام حالة من الفوضى وانعدام اليقين ، فضلا عن استفحال التوثر والتأزم وربما إذكاؤ الكثير من الحروب. ومن ذلك نرى كيف أن إدراة الرئيس بوش الإبن تسعى لتحقيق هيمنتها على العالم والقضاء على جميع الجهود الرامية لإقامة نظام تجاري دولي جديد، أو خلق جبهة عالمية واسعة عادلة ومؤيدة للعمل الموحد والفاعل عبر قنوات التعاون الدولي المتعدد الأطراف ومن أجل تحقيق ذلك تسعى الإدارة إلى تصفية وتقليص دور الأمم المتحدة ووكالاتها وإعادة النظر في مهماتها وبرامجها من أجل السيطرة الأمريكية الكاملة على العالم (1 ).
فما هي مهددات الأمن القومي الأمريكي؟ وأين تكمن تجليات استراتيجية الأمن القومي ما بعد احداث 11 سبتمبرعلى المجتمع الدولي؟
ولمعالجة موضوعنا سنتناول التصميم التالي:
المبحث الأول:ملامح استراتيجية الأمن القومي الأمريكي مابعد 11 سبتمبر
المطلب الأول:تكريس فكرة استباق العدووالحرب الوقائية في الإستراتيجية الجديدة
المطلب التاني:مهددات الأمن القومي الأمريكي
المبحث التاني:الأبعاد الإستراتيجية المتباناة في سياسة الأمن القومي
المطلب الأول:دعم إسرائيل وضمان تدفق النفط العربي
المطلب التاني:مشروع الشرق الأوسط الكبير






64- السياسة الدولية وصياغة العالم الجديد. دمشق:دار كنعان ص63: ( 2003 (1 ) شعيبي .عماد فوزي




المبحث الأول: ملامح استراتيجية الأمن القومي الأمريكي مابعد 11 سبتمبر
المطلب الأول :تبني مبدأ الوقائية والإستباقية للمحافظة على مصالحها الكونية


وجدت الولايات المتحدة في الحرب او الضربة الوقائية و الاستباقية كما يحلوا للبعض إن يسميها هي الوسيلة الامثل للقضاء على اعداءها,وكان وزير الدفاع الامريكي دونالد راميسفلد اكثر وضوحاً في انتهاج الولايات المتحدة لهذا الاسلوب اذ قال ((ان الدفاع عن الولايات المتحدة يتطلب الوقاية والدفاع الذاتي أحياناً المبادرة في العمليات وقد يتطلب الدفاع ضد الارهاب وغيره من المخاطر البارزة في القرن الحادي والعشرين نقل الحرب لدى الاعداء ففي بعض الاحيان يكون الهجوم أفضل أشكال الدفاع)).
وقد ذكر رامسفيلد ايضا (( اذا كان بمقدور الارهابيين تنظيم هجمات في أي وقت واي مكان بمختلف الوسائل ربما انه من المستحيل الدفاع عن كل شئ طوال الوقت وضد جميع الوسائل ، علينا اذ في مطلق الاحوال اعاده تحديد ماهو دفاعي ….ان الدفاع الوحيد الممكن هو البحث عن الشبكات الارهابية الدولية ومعاملتها كما يجب كما فعلت الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق)).
لقد وجدت الولايات المتحدة ان الردع لم يعد الصيغة الامثل للحفاظ على القوة ومركز التفوق فما فائدة امتلاك الولايات المتحدة الجيوش والاساطيل وهي تتعرض للتهديد والاختراق لذا وجدت ان الردع قد انهار وان اسلوب استخدام القوة العسكرية هو الامثل للمحافظة على مصالحها الكونية وبعد ان حققت الولايات المتحدة نصر عسكري سريع في أفغانستان وجدت ان استعراض القوة امام العالم امر لابد منه فقد يكون ذلك حافز لشن حروب وقائية اخرى, مثلما حصل في العراق بعد ذلك. ان اسلوب الحرب الوقائيه يمنع العدو من فعل التهديد فالولايات المتحدة تريد القضاء على العدو قبل ان يهددها وهي ترى ايضاً في اسلوب الحرب الوقائية هو الذي يعيد استراتيجيه الردع فمثلا عندما كان الرد الأمريكي ضعيف على تفجير سفارتها في كينيا وتنزانيا من خلال قصف صاروخي لمواقع في السودان وافغانستان وهذا الرد لم يخلق الردع للاعداء ، لذا وجدت الولايات المتحدة ان أفضل وسيلة هي البدء بالهجوم من أجل عدم اعطاء فرصة للعدو ان يهدد الامن القومي الامريكي فوجدت في النظام السياسي في افغانستان و العراق أفضل فرصة للحرب الوقائية فهي رات في ان هذا النظام ياؤي الارهاب ويسعى لأمتلاك اسلحة الدمار الشامل وفي مثل هذه الحالة سيكون اللجوء للقوة هو الافضل من اجل منعه من تهديدها وردع الاخرين.










هناك العديد من الركائز التي تتعكز عليها إستراتيجية الضربة الوقائية والاستباقية واخترنا منها الأتي:الركيزة السياسية(1)
يقصد بالركيزة السياسية تلك القدرات التي تتوافر عليها الدولة والناجمة عن توظيف مدخلات القوة النابعة من البيئة الداخلية والخارجية والتي يتاح لحكومة ما استخدامها لتأمين ما تريدة , ولايكاد يخرج الكلام عن المقومات السياسية للولايات المتحدة عن هذا الاطار اذ ساهمت عدة متغيرات سياسية واقتصادية وعسكرية ...الخ , في تشكيل مقومات السياسة الامريكية (1 ). وقد وضفت الولايات المتحدة الامريكية الركيزة السياسية للتسويق لاعمالها ومن بينها الضربات الاستباقية والوقائية التي وجهتها لكثير من الدول بدافع الدفاع عن النفس والحماية المسبقة من الاخطار ولهذا فان الولايات المتحدة الامريكية تتمتع بهامش واسع من الحركة السياسية على المستوى العالمي يؤهلها للعب دور القوة العظمى بالرغم من حداثة النشأة- قياسا بالدول الاخرى- اذ لا تمتد في عمقها التاريخي الى اكثر من ثلاثة قرون.و يتفق المراقبون في العالم على أن «القرن العشرين كان أمريكياً» بإمتياز أذا تمكنت فيه الولايات المتحدة من إحتلال المواقع المتقدمة الأولى في الميادين جميعها.التكنلوجية، والاقتصادية والعسكرية والثقافية والدبلوماسية. وصارت "زعيمة العالم الحر" الغربي من مواجهة الاتحاد السوفيتي، طوال نصف قرن، قبل أن يتركها إنهيار هذا الأخير على نفسه، لتصبح القوة العظمى الوحيدة المتربعة على عرش النظام العالمي ما بعد الحرب الباردة. ومن المعروف إن صناعة القرار مهما كان شكلها سواء أكان القرار إدارياً أَم اقتصادياً أَم سياسياً أَم ستراتيجياً، ليست بالعملية السهلة وإنما هي عملية تتباين أنماطها تبعاً لما تمتاز به من تعقيد في الاداء أو البناء المؤسساتي الرسمي أو
غير الرسمي من إضطراب .
وهكذا يبدو التعقيد قابعاً، وهذه مفارقة حقيقية، في تعدد المؤسسات القرارية الأمريكية. وإذ يضن البعض بذلك ميزة تشترك فيها الديمقراطيات الغربية، الا أن فيصل التفرقة هنا يكمن في التغير المستمر في القابضين على الأداء السياسي وقدرتهم على التأثير في صياغة، تغير أو تغذية، التوجهات الستراتيجية ولا سيما مؤسسة الرئاسة التي لها قدرات مناورة تصل في أحيان كثيرة الى حد الإلتفاف على الدستور تأثراً بالمؤسسات العاملة ومركز القوى وجماعات المصالح أو تأثيراً بها(2 ).ولا جدال في ان هذا الدور تبلور بفضل عوامل ومتغيرات دولية عديدة , فضلا عن المقومات الاقتصادية والعسكرية التي ساهمت بشكل اساس باسناد الحركة السياسية الخارجية الامريكية بوسائل الاكراة والاقناع معا والتي تعد ضرورية لتحقيق الاهداف السياسية لأي دولة فقد شهدت بداية عقد التسعينات انتهاء رسميا للحرب الباردة بعد انهيار القطب الموازن للولايات المتحدة وهو الاتحاد السوفيتي ذلك الانتهاء الذي لم يشكل فرصة امريكية سانحة للهيمنة على الساحة الدولية فحسب,بل مثل بدلالاتة الاعمق للتغير , فرصة تاريخية لكي يحقق للولايات المتحدة مشروعها الكوني الممتد نحو القيادة العالمية .


(1 ). فلاح مبارك الدليمي ، الوقائية في الإستراتيجية الأمريكية بعد الحرب الباردة ، رسالة ماجستير غير منشورة مقدمة الى مجلس كلية العلوم السياسية جامعة النهرين،ص 21 .
(2 ). باسل محسن مهنا العميري،استراتيجية الضربة الوقائية واثرها في الفكر الاستراتيجي الامريكي ،رسالة ماجستير 2006 ص 49
وكان لهذا التحول انعكاسات كبرى على سياسات ومواقف ومن ثم انماط العلاقات الدولية التي كانت سائدة حتى عام 1990. ومنذ ذلك الوقت صدرت الكثير من التصريحات التي تروج "للنظام العالمي الجديد" ان الولايات المتحدة الدولة الاكثر قدرة على تزعم العالم وأن الآخر لابد ان تأتمر بأوامرها , وان تكون جميع التفاعلات والانشطة السياسية الدولية تجري بمعرفتها او على الاقل الحصول على موافقتها صراحة او ضمنا (1 ).
وهذا الكلام كله قبل إن تقع احداث 11/ايلول التي غيرت مجرى التاريخ واعلنت بداية حقبة جديدة في العلاقات الدولية على تطور مفهوم الردع الا وهي الضربات او الحروب الوقائية والاستباقية التي مارستها الولايات المتحدة من خلال نفوذها السياسي الواسع من خلال دورها في الامم المتحدة ومجلس الامن الدولي وايضا الضغوطات التي تمارس على الدول الاخرى لشرعنت حروبها واستحصال القرارات من مجلس الامن على اساس مبدأ من ليس معنا فهو ضدنا الذي روج له الرئيس جورج دبيليو بوش بعد احداث 11/ايلول ثم تطور واصبح ما يسمى عقيدة بوش القائمة على مكافحة الارهاب وفق رؤية تقول اننا يجب علينا إن نذهب إلى المعركة بانفسنا ولا نجلس ننتظرها لكي تأتي الينا وهذا ما ترجم إلى ما يسمى الضربات الاستباقية والوقائية عن طريق التوظيف السياسي لها وشرعنتها بدافع الدفاع عن النفس المشروع ونتيجة لهذه الديناميكية التي اصابت الفكر الاستراتيجي الأمريكي أصبح لدينا مفاهيم جديدة ومن اهمها التصنيفات التي اطلقتها الولايات المتحدة الامريكية كالدول المارقة ومحور الشور ومنابع الارهاب والعدو المحتمل وغيرها الكثير من المفاهيم التي تصب في مصلحة التدخلات العسكرية على اساس الضربات الوقائية والاستباقية(2 ) .
: الركيزة العسكرية (2)
لا شك ان القوة العسكرية تعتبر من العناصر المهمة والاساسية في تحديد مركز الدولة ومكانتها في النظام الدولي وبسبب من اهمية القوات المسلحة في قوة الدولة اخذ الخلط يغزو مفهوم القوة بمعناه العام حتى زاغ النظر عن معطياته الاستراتيجية ليركز على الزاوية العسكرية البحته كضمان اساس للامن القومي وحمايته
والولايات المتحدة حالها حال الدول الاخرى اعتمدت في الجانب الاكبر لوضع استراتيجيتها و تحديد اهدافها على القدرات العسكرية التي تتمتع بها حتى اصبحت الاخيرة صاحبة الفضل في ما وصلت اليه الولايات المتحدة من مكانة عالمية ومصالح واسعة الانتشار ،تردفها قدرات عسكرية تقليدية ضخمة ، وقدرة نووية فريدة وانتشار عسكري عالمي واسع في كافة انحاء العالم اضافة الى نظام تحالفات استراتيجية مستمرة ( 3). و من الوسائل التي كانت وما زالت تستخدم لهذا الغرض هي القواعد العسكرية فضلاً عن إنشاء الأحلاف العسكرية أو الدخول في أحلاف قائمة وربط أمن الدول المنظمة اليها بأمن الولايات المتحدة الأمريكية وهذا ينطبق على حلف شمال الأطلسي "الناتو (4 ).


(1 )باسل محسن مهنا العميري،المصدر نفسه.


(2 ) فلاح مبارك الدليمي ، المصدر السابق ،ص 29.
(3 ) باسل محسن مهنا العميري،المصدر السابق،ص103-104
(4 )كاظم هاشم نعمة، دراسات في الإستراتيجية والسياسة الدولية، ط1، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد1990، ص175


ان الولايات المتحدة تتصرف باسلوب تحاول من خلاله تأكيد الغلبة لها على المستويات والأصعدة كافة لاسيما العسكرية التي تعد الركيزة الاساس في القيادة الأمريكية للنظام أو النسق الدولي ( 1).وتجدر الاشارة الى أن الاستراتيجية العسكرية الامريكية تتمتع بميزة مهمه جدا وهي قدرتها على أعادة التنظيم والتكيف المستمر مع البيئة الدولية. فقد شهد القرن المنصرم محاولات متكررة لاعادة القييم بهدف اعادة تنظيم مقوماتها في ضوء المتغيرات المتلاحقة التي واجهها الدور الكوني للولايات المتحدة الامريكية لاسيما بعد انغماسها العميق في الادوار الاستراتيجية الكونية .( 2)وقد جعلت الولايات المتحدة الامريكية من الاداة العسكرية منطلقا لكي تقوم بعملياتها الوقائية والاستباقية من خلال وجودها في الكثيير من مناطق العالم ، حيث قامت الولايات المتحدة الامريكية بالكثير من العمليات العسكرية تحت شعار الوقائية والاستباقية ومن بينها الحرب على العراق والحرب على افغنستان ، وبهذا فأن الولايات المتحدة تعتمد على الركيزة العسكرية لتنفيذ أستراتيجيتها في جميع انحاء العالم .
*أفغانستان انموذجا للضربة الوقائية
تبنت الولايات المتحدة استراتيجية جديدة بعد أحداث (11/أيلول/2001) ترتكز على إستخدام القوة العسكرية تحت مسمى الضربة الوقائية (وهي استراتيجية تمثل الدفاع بصيغ الهجوم) في مواجهة تحديات القرن الجديد، فأن الواقع لحد هذه اللحظة لم يكن بالقدر الذي يسمح بالتنبؤ بنتائج تلك الاستراتيجية وإنعكاساتها على المدى البعيد، وتسعى الولايات المتحدة الأمريكية للحفاظ على موقعها المتفوق الحالي على قِمة الهرم الدولي كقوة عظمى وحيدة، من خلال إستثمار الفرص السانحة أو صنعها إذا تطلب الأمر في سبيل تعزيز الهيمنة الأمريكية، محققين بذلك صلة قوية بين الفكر والستراتيجية القائمة على أساس توفير المقومات اللازمة للوصول الى الهيمنة .
ليست السياسة الأمريكية التي أبرزت أنيابها في أفغانستان وليدة حدث فرض نفسه على واشنطن في 11/9/2001 ، كما تزعم الدبلوماسية الأمريكية أحياناً، بل هي وليدة إعداد مسبق، وجهود متواصلة، اتخذ ذلك الحدث مكانه في مجراها، وجرى توظيفه فساهم في تحقيق أهداف موضوعة من قبل وقوعه.(3 ) حيث شكلت أحداث 11 سبتمبر عام 2001 فرصة ذهبية للولايات المتحدة لإعادة صياغة التوازنات الاستراتيجية في العالم، وخاصة في منطقة آسيا الوسطى التي تفصل بين الصين شرقاً وأوربا غرباً، إذْ يمثل التمركز فى وسط آسيا المحور الرئيسي للحملة العسكرية الأمريكية على أفغانستان.




(1 )فلاح مبارك الدليمي ، المصدر السابق ،ص 32.


(2 )فيليب جولوب، تحولات السياسة الإمبراطورية، نقلا عن (لوموند ديبلوماتيك) آذار/ مارس 2003م، المصدر: الانترنت، الموقع
http://midadulqalam.net/midad/of_phpfunktion
/hauptrahmen.php


(3 )باسل محسن مهنا العميري ، المصدر السابق ، ص ، 132




فأفغانستان لها أهمية استراتيجية كبيرة، من حيث تعد هي الدولة المفتاح بالنسبة لمنطقة وسط آسيا، وهي المنطقة التى تضم دولاً مهمة متصلة جغرافياً ومشرفة على مواقع استراتيجية أمنياً واقتصادياً، هذه الدول لم تبدأ فقط فى تعزيز إستقلاليتها عن دائرة الهيمنة الأمريكية، بل بدأت فى إقامة علاقات تفاعل وتكامل فيما بينها، ومع دول قريبة منها جغرافياً أيضاً، وهى العلاقات التى يمكن أن تعزز استقلالية دول شرق أوربا عن الولايات المتحدة، ويكفى تدليلاً على ذلك أن نلاحظ كمثال، الدعوة المستمرة منذ منتصف تسعينات القرن الماضي من جانب الصين وروسيا حول ضرورة بناء عالم متعدد الأقطاب(1 ) وعلى هذا الاساس برز موضوع الارهاب الى الوجود بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول2001 بوصفه عدواً عالمياً جديداً وضرورة محاربته بقيادة الولايات المتحدة وطبقاً لتوجهاتها وإملاءاتها ، إذْ بدأت الولايات المتحدة حملة عالمية لمكافحة الإرهاب في إطار نظرية الرئيس بوش المعروفة بأسم الضربة الوقائية . والإرهاب هو (العدو الجديد) الذي كانت تبحث عنه الإدارة الأمريكية بوصفه محفزاً جديداً لإبقاء الإرادة الداخلية متماسكة ومتمسكة بالحفاظ على سياسة التسلح والمحافظة على مواقع القوة وسياسة ملء الفراغ في المناطق الحيوية بعد غياب المحفز الاستراتيجي الذي كان يمثله الإتحاد السوفيتي . وبدأت الحملة الأمريكية ضد الإرهاب في الإنتقال إلى مرحلة جديدة طبقا للاستراتيجية الشاملة، التي أشار إليها الرئيس جورج بوش أمام الاجتماع المشترك لمجلسي الكونجرس والشيوخ الأمريكي يوم20 سبتمبر2001، بعد تسعة أيام من الهجمة الإرهابية المدمرة التي تعرضت لها الولايات المتحدة، إذْ ترتكز هذه الاستراتيجية على محورين رئيسين هما الإستمرارية والشمول(2 )
وقد باشرت الولايات المتحدة عملياتها العسكرية ضد أفغانستان في السابع من أكتوبر/2001، وكانت هناك بعض الصعوبات التي تركزت في الطبيعة الجغرافية لأفغانستان، من حيث استحالة الوصول إليها برا أو جوا من دون المرور بدول أخرى، وقسوة أراضيها الجبلية وما تمثله من صعوبة حقيقية لأية حملة برية، وما تمنحه للخصم الموجود على الأرض من ملاذ آمن ليس من السهل اكتشافه أو الوصول اليه.






(1 )عبد الله أشعل، مستقبل الحملة الأمريكية لمكافحة الإرهاب في
ضوء الإتجاهات الدراسية الحديثة،السياسة الدولية، العدد (159)، يناير2005،الأنترنت، الموقع/


http://www.siyassa.org.eg/asiyassa/Ahram/
2005/1/1/Stud2.htm.


(2 )أحمد إبراهيم محمود، الإرهاب الجديد: الشكل الرئيسي للصراع المسلح في الساحة الدولية،
مجلة السياسة الدولية، العدد(147)، يناير 2002، المصدر الأنترنت، الموقع/ http://www.siyassa.org.eg/asiyassa/Ahram/2002/1/1
/File1.htm .




وبهدف الوصول إلى خيار مناسب لسيناريوهات الحملة العسكرية، طرحت القيادة السياسية والعسكرية في الولايات المتحدة على بساط البحث عدداً من الخيارات.
الأول: الإكتفاء بالحملة الجوية وتوجيه ضربة كاسحة من صواريخ الكروز والمقذوفات الموجهة الدقيقةبالطائرات القاذفة مثل B52 وB2. وميزة هذا الخيار أنه يجنب الولايات المتحدة التعرض لخسائر بشرية، لكنه لا يحقق هدف الوصول إلى بن لادن إلا إذا قام طالبان بتسليمه تحت وقع الضرب الجوي
الثاني: غزو أفغانستان واحتلالها بالكامل باستخدام القوات البرية والجوية معا. وكان واضحا أن هذا الخيار يحتاج إلى أعداد كبيرة من الجنود وإقامة قاعدة أمريكية داخل الحدود الأفغانية والتخطيط للدفاع عنها.
الثالث: الإعتماد بشكل رئيسى على قوات الجبهة الموحدة لتحالف الشمال عدوة طالبان الأساسية التي تمتلك قوة قوامها نحو 20000 رجل متمركزين فى أماكن حاكمة بالنسبة للعاصمة (على مسافة 50 كم) وبقية مناطق أفغانستان. وكان من الواضح أن تحالف الشمال يمكنه فضلاً عمّا سبق تقديم عدد من الخدمات الحيوية للحملة الأمريكية مثل توفير المعلومات عن قوة طالبان وأماكن تمركزها وطريقتها فى القتال وشبكة القيادة التابعة لها، وتقديم الدعم والتوجيه العملياتى للقوات الأمريكية، كما يمكنه المساعدة فى فتح الطريق إلى إقامة حكومة مؤقتة موسعة بدعم من المجتمع الدولي.(1 ) وعلى هذا الاساس تم اعتماد الضربة الوقائية على افغانستان باهداف ودوافع معلنة وغير معلنة منها الحرب على الارهاب ومنها للعب دور استراتيجي اوسع في اسيا الوسطى وكذلك لكي يكون للولايات المتحدة موطئ قدم في الاقليم الاوراسي والقرب من الصين وروسيا ، وكذلك ايران خصوصا ان المنطقة غنية جدا بالنفط والموارد التي تشكل حوالي 75 % من نفط العالم والتي تدعى الحزام الاوراسي ، هذا الامر الذي ادى بالنهاية الى اعلان الحرب على افغانستان وكذلك اعلانها دولة داعمة للارهاب ومن هذا المنطلق قامت الولايات المتحدة بعمليتها بدافع حماية الامن القومي الامريكي من خطر الارهاب خصوصا بعد احداث 11/ايلول2001 .
*العراق ما بين الوقائية والاستباقية
شغلت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الامريكية على العراق ، مساحات واسعة من مخيلات الكثيرين من الذين اخذوا على عاتقهم إن يقوموا بتوضيح ماهية هذه الحرب ، ولعل الكثيرين منهم لم يضع يده على الجرح كما ينبغياو انه متعمدو إن يغلطوا نفسهم وهم يعلمون جوهر الحقيقة، وذلك لعتبارهم إن الحرب على العراق هي حرب استباقية ، وهذا الامر شاع استخدامه ما بين الكثير من الكتاب العرب الو الغربيين الذين تناولوا هذا الموضوع ، وعلى هذا الاساس سوف نقوم باثبات إن هذه الحرب التي شنت على العراق هي حرب وقائية اكثر من ما هي استباقية وذلك لان الحرب الاستباقية قائمة على اساس إن الطرفين هم على اهبة الاستعداد للهجوم ، وايضا وجود تصعيد وتعبئة من قبل الطرفين ، كان يكون نشر الجيش على مناطق حدودية واعلان النفير العام وهذه الاعمال يقوم بها الطرفين ، ولا يقوم بها طرف واحد فقط وايضا يكون
(1 )عادل سليمان، الحملة الأمريكية ضد الإرهاب خارج أفغانستان، السياسة الدولية،
العدد (148)،أبريل2002، المصدر:الانترنت،الموقع


/http://www.siyassa.org.eg/asiyassa/Ahram/2002/4/1
/Mili2.htm .


عامل الوقت مهم جدا بحيث لا يعلم أي الطرقين متى يحدث الهجوم عليه وكل هذه الامور تدخل في ضمن الحرب الاستباقية ، فهل تنطبق نقطة من النقاط السابقة على حرب العراق عام 2003 ؟؟
وبالحديث عن الولايات المتحدة واعلانها إن العراق يمتلك اسلحة دمار شامل وما هي الا مسألة وقت لكي يشن العراق هجومه الاستباقي على المصالح الامريكية في المنطقة ومن ضمنها (اسرائيل) ، انا ارى إن الولايات المتحدة اتفقت مع نفسها بان تعلن إن العراق يمتلك الاسلحة الدمار الشامل التي تهدد بها امن اسرائيل وامن الولايات المتحدة في المنطقة ، وبذلك اعطت الولايات المتحدة الامريكية لنفسها حق الدفاع عن نفسها واستباق العراق وضربه قبل إن يقوم العراق بهذه العملية ، وبالنتيجة وجدوا إن العراق لا يملك أي تقنية عالية لكي يقوم بصد الاجتياح الأمريكي ، وبهذا فان الولايات المتحدة الامريكية كذبت على الاخرين وصدقت كذبتها بان العراق يملك اسلحة دمار شامل لكي يقوم بشن الحرب على مصالح الولايات المتحدة في المنطقة ، واذا ما اردنا إن نفهم هل إن الحرب العراقية الامريكية عام 2003 كانت حرب استباقية ام وقائية فعلينا إن نرجع إلى المفهوم والمعنى للوقائية والاستباقية ، ونلاحظ الفرق ما بين المعنيين ومن ثم نسحب ذلك على التطبيق العملي لهذه الحرب وبالتحديد الحرب العراقية الامريكية الاخيرة ، وسوف نجد إن هذه الحرب تنطبق عليها صفة الحرب الوقائية اكثر من الحرب الاستباقية . فكيف يمكن إن تعد الحرب العراقية الامريكية الاخيرة حرب استباقية مقارنة مع الهجوم الياباني على ميناء بيرل هاربر الأمريكي عام 1941 ، أي إن الفارق كان بان الطرفين يقوم بالتحشيد والتعبئة حتى وان كانت الحرب مشتعلة ، ومن ثم قامت اليابان بشن هجومها الاستباقي على الاميناء الأمريكي الذي كانت تعتمد عليه الولايات المتحدة الامريكية كثيرا كعصب اقتصادي وحيوي لها.








المطلب التاني:مهددات الأمن القومي الأمريكي
*الكوارث الطبيعية والأمن القومي الأمريكي
جاء إعصار كاترينا مفاجئا، وساهم في تشكيل بيئة الأمن القومي الأمريكي خلال فترة إدارة بوش الثانية؛ لقد كشف الإعصار عن نقاط الضعف الجوهري الناتجة عن تخصيص إدارة بوش جل الموارد الأمريكية للحرب في العراق، والتركيز الزائد للمؤسسات المعنية بالأمن القومي على الحرب ضد الإرهاب، على نحو أدى في النهاية إلى تقليص الموارد المخصصة لإدارة أخطار الكوارث الطبيعية(1). يضاف إلى ذلك ما كشفت عنه كارثة الإعصار من تخفيض الإدارة لمخصصات عدد من خطط ومشاريع الجاهزية للطوارئ بسبب كلفة الحرب في العراق التي بلغت 200 بليون دولار مما خفض من قدرة سلطات ولاية لويزيانا على التعامل مع تلك الكارثة. علاوة على ذلك، فإن 35% من الحرس الوطني في الولاية والذين خدموا لفترة طويلة كخط أمامي في عمليات الإغاثة كان قد تم نقلهم إلى العراق، بالإضافة إلى امتناع المئات من الرجال والنساء الذين كان يمكن أن يشاركوا في عمليات الإغاثة - وكان يفترض تسجيلهم أو إعادة تسجيلهم في الحرس الوطني- امتنعوا عن الانضمام إلى فرق إدارة الكوارث بسبب خوفهم من نقلهم إلى العراق(2). وفي دراسة لمكتب المحاسبية الحكومي في يوليو 2005، وجد أن أكثر من ثلثي الإنفاق المقترح على جاهزية الأمن الوطني المتضمن في الموازنة المالية لعام 2006 تم توزيعه على برامج موجهة للإرهاب وليس للإغاثة في حالة الكوارث، وقد تم تخفيض تمويل عمليات وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية للعام 2005من 664 مليون دولار إلى 444 مليونا .




1) National Strategy for victory in Iraq, National Security Council, November 2005, P. P. 1-2.
http://www.whitehouse.gov/infocus/
iraq/iraq_national_strategy_
20051130.pdf
2) Marc Sandalow, “War on Terror: Four Years After 9/11, The Quest for National Security, Natural Disasters MARK, September 11, 2005.
http://www.sfgate.com/cgi-bin/articl...NG40EM00T1.DTL




وقد نتج عن عدم قدرة الحكومة الفيدرالية على التفاعل السريع مع كارثة الإعصار تصاعد الانتقادات الموجهة للحرب في العراق لإهدارها الكثير من الموارد. وذكر البعض أنه ضمن "بارانوايا" الحرب على الإرهاب، وُجهت البلايين إلى الأمن الوطني وفقدت وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية مستوى الدعم المالي وموازنتها حيث تم إلحاقها بوزارة الأمن الداخلي، وتم تقليص وضعيتها البيروقراطية وتوجيه جهودها للحرب على الإرهاب، على نحو أعاق قدرة الإدارة على القيام بواجبها حيال أخطر كارثة طبيعية في التاريخ الأمريكي(1). وأشار البعض إلى تزايد احتمالات تكرار مثل تلك الأعاصير مستقبلا في ضوء التغيرات المناخية وارتفاع درجة الحرارة، لافتا النظر إلى خطأ إدارة بوش الأولى في تقويض المساعي الدولية للتعاطي الفاعل مع تلك المشكلة العالمية الناتجة عن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الولايات المتحدة والدول الصناعية(2).
ودفع قصور الإدارة الأمريكية في إدارة كارثة الإعصار بآخرين إلى التساؤل عن مدى كفاءة عملية اتخاذ القرار في الإدارة الأمريكية. واعتبر البعض أن الفشل في مواجهة إعصار كاترينا هو أكبر فشل إداري في التاريخ الأمريكي، وأنه استمرار لفشل الخيال الذي أشارت إليه لجنة 11 سبتمبر بخصوص عدم القدرة على توقع الهجمات .
لكن رغم الانتقادات التي وجهت لإدارة بوش فيما يتعلق بإعصار كاترينا إلا أن هذا الجدل لم يتمكن من إزاحة الحرب ضد الإرهاب عن موقعها كجوهر لاستراتيجية الأمن القومي في الفترة الثانية، إذ لم يكن من المتصور إحلال هدف مواجهة أخطار الكوارث الطبيعية محل هدف مكافحة الإرهاب، ففكرة العدو فكرة مهمة في ضمان التماسك الأيديولوجي للاستراتيجية. ولكن نتائج الإعصار فتحت الباب لتوجيه النقد لهدف طالما ظل متفردا على عرش استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لأربع سنوات. وقد استوعبت الإدارة النقد الشديد، ولكن لا يبدو أن التصدي للكوارث الطبيعية سيكون هو جوهر السياسة الأمريكية العالمية أو أن يزيح هدف مكافحة الإرهاب.








(1) Marc Sandalow, War on Terror, op.cit.
21) Stephen Zunes, Hurricane Katrina and the War in Iraq, op. cit.
(1) بول كينيدي، "من العراق إلى كاترينا ••• مصداقية واشنطن في مهب الريح"، الاتحاد، 24/11/2005.
(2) Donald F. Kettl, The Worst Is Yet to Come: Lessons from September 11 and Hurricane Katrina, Fels Institute of Government, University of Pennsylvania, September 2005, p.2.
http://www.tcf.org/Publications/HomelandSecurity/
Worstisyettocomekettl.pdf


*انهيار الإقتصاد الأمريكي مهدد للأمن القومي
يُعدّ الانهيار الاقتصادي لسوق المال الأمريكي من أكبر الانهيارات الاقتصادية في تاريخ الاقتصاد الغربي المعاصر، فقد أفلست أكبر البنوك الأمريكية مثل بنك ليمان براذرز الاستثماري في 15/9/ 2008, وخلّفت وراءها دماراً هائلاً لا تزال تداعياته مستمرة إلى الآن (1)
فمسلسل تراجع قيمة العملة الأمريكية بدء منذ عدة سنوات، إلا انه لم يبلغ المستوى الدراماتيكي الذي بلغه مؤخرا. ومنذ بعض الوقت، يتحدث الخبراء الاقتصاديون والسياسيون عن المشاكل التي تكاثرت بشكل سرطاني في بنية النظام النقدي الامريكي مؤدية إلى بدء العد التنازلي لانهيار الدولار.ولم تعد أنباء الكوارث التي تحدق بالدولار الأمريكي لتثير الشك في طبيعة الاتجاه النزولي الذي يسلكه.
إن الأزمة‏التي يمر بها الاقتصاد الأمريكي حاليا‏,‏ والتي جسدها مسلسل السقوط المروع للشركات الأمريكية العملاقة ربما تؤدي لانهيار طبقات النظام الرأسمالي الأمريكي علي الأمد البعيد‏,‏ تماما كما فعلت طائرات أحداث سبتمبر في طبقات برجي مركز التجارة العالمي بل أكثر منها وذلك لعدة أسباب‏:‏ أولها أنها تمثل ضربة للنظرية الاقتصادية التي تأسست عليها العولمة وروجت لها الرأسمالية مرارا والتي تقوم علي إعطاء صلاحيات غير محدودة للشركات كي تتصرف كما تشاء لتحقيق الكفاءة القصوي بأقل التكاليف‏.‏ وثانيها أنها تأتي في وقت الذروة للتربع الأمريكي علي العرش الدولي دون منازعة والذي تأكد بصورة جلية عقب أحداث سبتمبر ، وثالثها وهو الأهم أن هذه الأزمة قد تمثل بداية النهاية للازدهار الاقتصادي الأمريكي الذي دام لسنوات طويلة مما قد يترتب عليه في الأمد الطويل أفول النجم الأمريكي عن السماء العالمية‏. ‏






(1) عصام سعد، العولمة جدل الرأسمال والسياسة، ط1، دار الفقيه للنشر، 2004.
الموقع الالكتروني: miamessa.blogspot.com
http://www.saaid.net/arabic/214.htm#15
الموقع الرسمي الالكتروني لصندوق النقد الدولي: http://www.imf.org




ففي الفترة من 11 سبتمبر 2001 وحتي 11سبتمبر 2002 انهارت وافلست مجموعة كبيرة من الشركات الامريكية ، قدرت بي 60 الف شركة وقد تم تسريح مالا يقل عن 140 الف عامل امريكي في نفس الفترة وفقا لتقرير صحيفة " وول ستريت جورنال" - وما زال مسلسل النهيارات والافلاسات مستمرا حيث يسجل قطاعى الطيران الامريكى ، والتأمين اعلي معدلات الافلاس والتسريح للعمال .
هذا بالإضافة الي حالات الإفلاس الشخصي والتي سجلت في نفس الفترة – عام تقربيا- 391 ألف حالة إفلاس وبخسائر تصل الي ‏8.6‏ تريليون دولار وذلك وفقا للمعطيات الأولية لإتحاد أسواق المال الدولي
وبإفلاس وإنهيار اسماء عملاقة ولامعة في الاقتصاد الامريكي مثل شركة " أنرون" ، و (جلوبال كروسينج) و(زيروكس) و(أدلفيا كوميونيكيشن) و(باليجرين سيستمز) و(وورلد كوم) ، ظهرت علي السطح ازمة الاقتصاد الامريكي والتي كانت تغلي في القدور إلي أن جاءت أحداث 11 سبتمبر لتفضح الإقتصاد الأمريكى والفساد والتلاعب المحاسبي الذى يضرب أطنابة بين جنبات اكبر اقتصاد في العالم ، غير أن المحللين يرون أن هذه روائح الفساد الامريكي .. وربما ما خفى كان اعظم حيث يعاني الأقتصاد الأمريكي من هشاشة لا تخفى علي الناظرين ، حيث تعيش الولايات المتحدة أزمة اقتصادية حادة , تجلت مظاهرها فى انخفاض ارباح الشركات الامريكية , و الاعلان المستمر عن خطط اعادة الهيكلة وتسريح الاف الموظفين , الامر الذى جعل الحديث عن حقيقة الاقتصاد الامريكي أمرا بالغ الاهمية , خاصة و أن اعلام العربي الرسمي يصور الاقتصاد الامريكي قوة لا تقهر. و تتم بصورة منظمة عملية تعتيم واسعة على الكوارث الاقتصادية الأمريكية و تصويرها بأنها أزمات عابرة.. و أن أمريكا "القادرة على كل شئ" .. قادرة على تجاوز أزماتها الراهنة .
و الحقيقة ان الأزمة الاقتصادية الأمريكية ليست أزمة عابرة .. بل هى أزمة فى صميم بنية الاقتصاد الأمريكى .. و قد تم التمويه عليها فى العقد الماضى من خلال البلطجة العسكرية .. و لكن فى الاقتصاد فان البلطجة العسكرية لاتستطيع ان تعالج لفترة طويلة أزمة فى صميم البناء الاقتصادى .
و نجمت موجة الانهيار الأخيرة التى تعتبر الأكثر حدة منذ 11 سبتمبر الماضى (والتى حققت خسائر قوامها 4 تريليون دولار ) بعد فقدان الثقة فى بيانات الشركات بعد سلسلة فضائح كبرى اضافة الى ان ضخامة الخسائر لم تدع أمام المستثمر (حامل الأسهم) من خيار سوى محاولة الحفاظ على ما تبقى من استثماراته . خاصة و ان مسلسل انهيار الشركات لم يتوقف بعد ، و تتوالى الأنباء عن الأحوال المالية السيئة لمزيد من الشركات الكبرى فى قطاعات التكنولوجيا و الأدوية و قد شملت الخسائر ما لا يقل عن 80 مليون أمريكى من حملة الأسهم . ذلك ان 50% من الأمريكيين يملكون أسهم فى البورصة.
و تقول المجلة الاقتصادية الشهيرة "فورشن" : [ هناك عفن مرعب فى النظام الاقتصادى الأمريكى ] .
و يقول ديفيد روش رئيس المجموعة الاستثمارية المعروفة "اندبندنت استراتيجى" فى لندن : ان عهد الدولار القوى قد ولى و انقضى و ان الدولار الأمريكى قد دخل بالفعل فيما سيصبح فترة طويلة و مستمرة من الهبوط و الاتجاه التنازلى ، و هو ما لن تتمكن السلطات الأمريكية من مكافحته هذه المرة . و قال ان الأرصدة المالية الأمريكية لم تعد تمثل عنصر جذب و اغراء مثلما هو الحال مع أرصدة أوروبا و اليابان بل انها ستعانى من مزيد من سؤ السمعة مع أى تطور سياسى أو عسكرى مثير للقلق ، كما فى حالة اقدام واشنطن مثلا على مهاجمة العراق بصورة انفرادية . ويفتح نيوز أرشيف ملف افلاس الشركات الامريكية ليوضح ابعاد الازمة وتداعياتها ومدى ارتباط ذلك بالحرب الاقتصادية خاصة بعد احداث 11 سبتمبر خاصة مع العجز في الموازنة الأمريكية وإرتفاع النفقات العسكرية.
وقد بلغت استقطاعات الضرائب التي انتقصت من خزائن الحكومة 1.35 تريليون دولار نتيجة للكساد الذي أصاب الاقتصاد اعتبارا من آذار/مارس 2001 مع والدواعى الأمنية التي تفرضها ، والحملات العسكرية التي قامت وتقوم بها بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر.
وبلغت النفقات العسكرية 359 مليار دولار في العام المالي الذي ينتهي في 30 أيلول/سبتمبر، في مقابل 198.9 مليار دولار في نفس الفترة من العام الماضى 2002 كما جاء في تقرير البيت الابيض.
ومن المتوقع أن ترتفع النفقات العسكرية الى 480 مليار دولار في العام خلال الاعوام العشرة المقبلة بسبب نفقات "الحرب ضد الارهاب" كما تدعى الولايات المتحدة.
ومن المفترض لمواجهة هذا العجز ان تزيد النفقات الحكومية بوتيرة اسرع من التضخم وتبلغ معدلا وسطيا سنويا بمقدار 426 مليار دولار بين 2008 و2014 مقابل 408 مليارات دولار بحلول 2007و430 مليار دولار بين 2015 و 2020.
وهذا غير متوقع نظرا للنفقات العسكرية الأمريكية الأخذة في الإرتفاع خاصة مع العدوان الأمريكى المرتقب علي العراق(1) .




(1)الموقع الإلكتروني:
http://www.startimes.com/f.aspx?t=12592710




*التهديد الإسلامي :
ما إن وقعت الواقعة، ونزلت بأمريكا "قارعة 11 سبتمبر سنة 2001" حتى أعلنت أمريكا، ومعها كثير من الدوائر الغربية - السياسية.. والفكرية.. والإعلامية.. والدينية- "حربا عالمية" على الإسلام لذلك كانت "الحرب الثقافية والإعلامية" التي شنها الغرب - بقيادة أمريكا - على الإسلام، عقب "قارعة سبتمبر" تصعيدا لموقف تاريخي، وإعلانا عن موقف قديم.. ولم تكن "مفاجأة" بأمر غير مسبوق، ليس له تاريخ.
ولقد كان السعي إلى "علمنة الإسلام" وتحويله إلى "صيغة نصرانية" تقف عند العبادات والشعائر والوصايا الأخلاقية، تاركة شؤون الدنيا والدولة والسياسة والاجتماع والاقتصاد للنموذج الغربي والقيم الغربية هو القاسم المشترك في كثير من التصريحات والكتابات التي طفحت بها هذه الحرب الإعلامية الغربية ضد الإسلام وحضارته وثقافته ومناهج التعليم فيه . فالرئيس الأمريكي "جورج بوش- الابن" الذي أعلن حربا عالمية قبل بدء التحقيقات في "قارعة سبتمبر" قد وصف هذه الحرب - في16 سبتمبر- بأنها "حملة صليبية"، وذلك عندما وجه أصابع -بل وصواريخ- الاتهام إلى الإسلام المقاوم للاستعمار والصهيونية، واصما كل ألوان المقاومة الإسلامية، ومنظمات الجهاد الإسلامي، التي تسعى لتحقيق التحرر الوطني وحق تقرير المصير "بالإرهاب"!.. رغم أن هذه المنظمات جميعها تقاتل لتطبيق قرارات الشرعية الدولية .!!
وفي 17 سبتمبر 2001 بعد ستة أيام من الأحداث -وصف "توني بلير" -رئيس وزراء إنجلترا- هذه الحرب بأنها "حرب المدنية والحضارة (في الغرب) ضد البربرية (في الشرق) " )
وفي 26 سبتمبر 2001 أعلن "سيلفيو بيرلسكوني" -رئيس وزراء إيطاليا أن الحضارة الغربية أرقى من الحضارة الإسلامية.. ولا بد من انتصار الحضارة الغربية على الإسلام، الذي يجب أن يهزم، لأنه لا يعرف الحرية ولا التعددية ولا حقوق الإنسان.. وأن الغرب سيواصل تعميم حضارته، وفرض نفسه على الشعوب.. وأن الغرب قد نجح حتى الآن -في تعميم حضارته وفرض نفسه- مع العالم الشيوعي، وقسم من العالم إن تصريح (بوش) الذي حدد فيه طبيعة الحرب ضد الإرهاب بأنها "حرب صليبية" لم يكن مجرد "زلة لسان" كما قيل، كما أن تصريحات الرئيس الإيطالي (بيرلوسكوني) حول الإسلام وحضارته لم تكن سهواً أو خطأ ديبلوماسياً. مثل هذه التصريحات ينبغي أن تؤخذ على محمل الجد، وأن ينظر إليها كتعبير عن النوايا الدفينة لأصحابها. وتصريحات (بوش) المتكررة التي قال فيها بأن الإرهاب مصدره "الشر" الكامن في النفوس (لافي السياسات الدولية والعوامل الخارجية) هي تصريحات تشير إلى المضمون والأبعاد التي تعطى لمفهوم "الإرهاب" لدى الولايات المتحدة الأمريكية.
إن هذا التحديد لمصدر الإرهاب يعني أن الإرهاب ليس نتاجا للظلم العالمي، والاحتلال والعدوان العسكري، والسياسات الأمريكية والغربية تجاه الدول والشعوب، بل نتاج الثقافات والعقليات والأفكار والقوالب الحضارية والهوية، لقد أصبح "الشر" يتجه إلى نفسيات الشعوب وأساليب التربية والتنشئة الاجتماعية والسلوك، في مقابل "الخير" الذي تعبر عنه الحضارة الغربية بثقافتها وأساليبها التربوية والعقليات والأفكار الغربية والأمريكية(1).
(1)محمد فلاح الزعبي .الإستعمار الأمريكي الجديد للشرق الأوسط ملامحه وتداعياته.ص78


يلتقي هذا المفهوم العنصري البغيض تماما مع مضمون نظرية "صدام الحضارات"، وفي جذور هذه النظرية وغيرها من نظريات الاستشراق الغربي ينبغي إيجاد تفسير لـ "زلة لسان" الرئيس الأمريكي وتصريحات الرئيس الإيطالي، لا في شيء آخر خارجها. أما ذلك التمييز التكتيكي الذي حاول الزعماء الأوروبيون والأمريكيون وضعه بين الإسلام والإرهاب فليس سوى طريقة للخداع، وما يؤكد ذلك هذه الحملات "المسعورة" ضد الجمعيات والمنظمات الإسلامية الخيرية والفكرية والثقافية عبر مجموع دول العالم الغربي، والدعوات والمطالب الموجهة إلى الدول العربية والإسلامية بمحاربة الجمعيات الإسلامية الخيرية والدعوية وتجفيف منابعها، فهذا يؤكد أن الغرب لا يضع فرقا بين ما يسمى إرهابا، وبين الإسلام في تعبيراته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المختلفة، وأن الإسلام هو المستهدف أولا وآخراً. وأن اللوائح التي وضعتها واشنطن بأسماء المنظمات والجمعيات المتهمة بالإرهاب لا تترك مجالا للشك حول النوايا "الصليبية" والاستعمارية للولايات المتحدة والغرب من ورائها، فما يجمع بين أسماء هذه المنظمات كونها لا تحظى برضا واشنطن، ولا نستغرب بعد هذا إذا وضعت أمريكا حركة حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله في إحدى هذه اللوائح، لأن منطق الاستعمار الجديد لا يفرق بين "الإرهاب" وبين "المقاومة المشروعة"، ولأنه أيضا منطق مقلوب، يتعامل مع الاحتلال باعتباره واقعاً تاريخياً وسياسياً وجغرافياً ثابتاً، ومع المقاومة ضده باعتبارها خرقاً للاستقرار(1).
وفي 8 نوفمبر 2001 حدد الرئيس "بوش الابن" أن الحضارة الغربية - التي أعلن الحرب للدفاع عنها-هي حضارة اليهود والمسيحيين.. وأن هناك - في الجانب الإسلامي- من يحرض على قتل اليهود والمسيحيين".. ولذلك حمّل الرئيس "بوش" ملكا عربيا - هو ملك الأردن- "رسالة تحذير موجهة إلى عدد من الحكام العرب، تطالب بضرورة أن يتوقف الإعلام في بلادهم عن حملة الكراهية لأمريكا وإسرائيل " ثم توالت التصريحات -غير المسؤولة- من "المسؤولين" الغربيين، ذوي التأثير في"صناعة القرار" الغربي.. فوجدنا:
" السيناتور الديمقراطي الأمريكي "جوزيف ليبرمان" الذي كان مرشحا لمنصب نائب الرئيس في الانتخابات الرئاسية السابقة.. ومرشح الرئاسة القادمة- يعلن " أنه لا حل مع الدول العربية والإسلامية إلا أن تفرض عليها أمريكا القيم والنظم والسياسات التي نراها ضرورية.. فالشعارات التي أعلنتها أمريكا عند استقلالها لا تنتهي عند الحدود الأمريكية، بل تتعداها إلى الدول الأخرى.
هكذا بدأت الحرب الثقافية والفكرية والإعلامية - السياسية والحضارية - التي شنها الغرب على الإسلام وأمته وعالمه.. فور حدوث "قارعة سبتمبر 2001" بمستويات غير مسبوقة، من حيث الإعلان والتصعيدالولايات المتحدة تستغل أبشع استغلال عملية تفجير العمارتين التوأمين في نيويورك. وقد جاء الرفض لهذه العملية من معظم الجماعات الإسلامية . ولكن أمريكا تستغل الجريمة لنشر العنصرية المعادية للإسلام والمسلمين، بينما الحقيقةيتمثل الخطر الحقيقي حاليا بالنسبة للولايات المتحدة في أن القوى والجماعات الاجتماعية الإسلامية، رغم اعتراضها على الوسائل الإرهابية التي تستخدمها "القاعدة" فإن رؤاها الفكرية باتت تقترب شيئا فشيئا من "بن لادن" في كراهية الولايات المتحدة (2).
(1)محمد فلاح الزعبي .الإستعمار الأمريكي الجديد للشرق الأوسط ملامحه وتداعياته.ص80
(2)قاسم عبده قاسم .التهديد الإسلامي خرافة أم حقيقة؟ دار الشروق الطبعة التانية 2002 ص291
ويتنامى شعور العرب بفداحة الظلم حين تتجاهل الولايات المتحدة ترسانة الدمار الشامل التي تتباهى بها إسرائيل، في الوقت الذي تهدد فيه العراق بالحرب بزعم امتلاكه أسلحة دمار لم يثبت وجود شيء منها، وقد فرضت عليه اثني عشر عاماً من الحصار الظالم بحجة عدم تنفيذه قرارات الأمم المتحدة، بينما تسخر إسرائيل كل يوم وعلى مدى تاريخها من الأمم المتحدة، ولا تهتم في شيء لقرارات مجلس الأمن، وكان ما حدث يوم جنين فضيحة دولية، ستبقى مخزية في تاريخ البشرية.




المبحث الثاني: الأبعاد الإستراتيجية المتبناة في سياسة الأمن القومي الأمريكي المطلب الأول:دعم إسرائيل وضمان تدفق النفط العربي
*دعم إسرائيل:
لا احد يختلف على وجود إلتزام أمريكي ليس فقط بالمحافظة على أمن إسرائيل في المنطقة وإنما بمدها بكل أسباب ووسائل التفوق على الدول العربية مجتمعة.وبالتالي هناك إجماع على أن إسرائيل هي مصلحة امريكا .والتحليل الموضوعي للموقف الأمريكي من تطور الصراع العربي/الإسرائيلي منذ نشأة إسرائيل سنة 1948حتى الآن يفضي إلى مجموعة من الحقائق يمكن إجمالها على النحو التالي: *إن قدرة إسرائيل على الولوج إلى أعماق التفكير الأمريكي والتاثير على الرؤية الأمريكية للصراع لصالح إسرائيل ليس فقط بسبب نفوذ اللوبي الصهيوني وحده، وإنما يعود لعدة عوامل أخرى تاريخية ، دينية،حضارية إضافة إلى الإعتبارات الإستراتيجية والأمنية.
*إسرائيل أتبتت فاعليتها كحليف للولايات المتحدة الأمريكية في مقاومة أعدائها المشتركين في المنطقة الإتحاد السوفياتي في السابق والدول ذات التوجه الرديكالي .
*كما نجحت إسرائيل في استغلال التناقضات العربيةِ، العربية من ناحية والتناقضات العربية الأمريكية من ناحية اخرى وتوظيفها لصالحها والحيلولة دون بناء علالقات عربية ،أمريكية قوية ،وكانت أهم الإنجازات التي حققتها في ذلك المجال هي:في إقناع الولايات المتحدة الأمريكية أن الإرهاب العربي الإسلامي الذي ضربها في في 11 سبتمبر ماهو إلا شكل من اشكال الإرهاب الذي تتعرض له يوميا من جانب الفصائل الفلسطينية . فمن ضمن الأهداف التي شكلت هاجسا لدى الإدارة الأمريكية في لجوئها للحرب الوقائية ضد العراق ، كان ضرورة تقوية النفوذ الإسرائيلي بالشرق الوسط لتصبح إسرائيل القوة النووية الولى والوحيدة بالمنطقة بعد قصف المفاعل النووي العراقي في تموز "تموز1981" ، وهي الآن في سبيل تكرار نفس السيناريو مع إيران إذاما أعطيت الضوء _الأخضر من واشنطن .
إذ يعتبر الإسرائيليون العراق وإيران في منطقة الشرق الأوسط الحاجزين الرئيسيين في وجه أي خطط لهم في المنطقة . الأول بسبب ترسانته من السلاح وموقفه المعارض لمسلس أوسلو، بسب مواقفها الإسلامية التابثة من التسوية السلمية للقضية الفلسطينية وعدم اعترافها بإسرائيل ودعمها الإنتفاضة الفلسطينية .
في ذات الصدد اعتبرت الحرب الوقائية الأمريكية ضد العراق الفرصة السانحة والمنتظرة بالنسبة لإسرائيل لتنفيذ مشروعها للهيمنة على الشرق الأوسط انطلاقا من العراق ووصولا إلى سوريا وإيران والبقية تأتي .وهذا يعني انه من الخطأ الإعتقاد بغياب الدور الإسرائيلي في هذا السيناريو ولا سيما أن نتائجه اخذة في التبلور الإستراتيجية الإسرائيلية لمستقبل الشرق الأوسط كما سبق وأن نظر لها"شمعون بيرز" في كتابه "الشرق الأوسط الجديد ".
والذي تتمثل اهدافه في دمج الكيان الصهيوني بالمحيط الشرق الأوسطي وجعله جزءا من هذا المحيط .بل المركز القطب الذي يحرك باقي الكيانات المندمجة في هذا النظام الإقليمي،ويوجهها وفقا لمصالحه ومصالح المركز القطب في النظام الدولي الجديد ،أي الولايات المتحدة الأمريكية ،وذلك مادامت مصالهما متفقة(1) . إذ تسعى إسرائيل والولايات المتحدة من خلال تحقيق وضمان التفوق العسكري الإسرائيلي على الدول العربية إلى فرض الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية على المنطقة وتحقيق الردع الذي يتحدث عنه "نتنياهو" في كتابه بأن أي سلام يمكن أن يقوم بين العرب وإسرائيل لابد وأن يدعم بقوة ردع حقيقية لمواجهة أي هجوم عربي محتمل ، ويخلص إلى أن أي سلام في الشرق الأوسط لا يمكن أن يستمر إلا إذا كان سلاما مرتبطا بالردع الإسرائيلي.








(1) بول سالم، الشرق الأوسط الجديد.مؤسسة كارينغي للسلام
الدولي بيروت .ص48_50


*ضمان تدفق النفط العربي :
تنطوي مصالح الولايات المتحدة الأمريكية النفطية في المنطقة على عناصر وابعاد مركبة :
أولا:البعد الإقتصادي الخاص بمصالح شركاتها النفطية التي استثمرت ولا تزال أموالا ضخمة في مجالات استكشاف وإنتاج وتصنيع وتسويق النفط العربي. وتحقق من ورائها أرباحا خيالية .
تانيا: البعد الأمني الخاص بضمان استمرا تدفق النفط العربي إلى الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها بأسعار معقولة إن لم نقل زهيدة.
تالثا البعد الإستراتيجي الخاص بالنفط كآلية من آليات التحكم والسيطرة على النظام الدولي . لم تواجه الولايات المتحدة الأمريكية ، حتى عام 1973 أية عقبات تذكر تحول دون تحقيقها لمصالحها النفطية ، وتحقيق شركاتها لأرباح خيالية ، وتدفق نفط المنطقة إليها وإلى حلفائها بأسعار زهيدة ،كما نجحت في إبعاد النفوذ السوفييتي عن منطقة الخليج وبالتالي لم تكن هناك أية حاجة للتفكير في سيطرة مباشرة على منابع النفط.
لكن هذا الوضع تغير بعد اندلاع حرب أكتوبر 1973 بعد ان تمكنت الدول العربية من استخدام النفط كورقة ضغط سياسي في صراعها مع إسرائيل هذا التطور الخطير لعب دورا محوريا في إعادة تشكيل رؤية الولايات المتحدة الأمريكية للمنطقة (1). فقد لاكتشفت أن تعقيدات الصراع العربي_الإسرائيلي يمكن أن تلحق أضرارا بمصالحها الإستراتيجية في المنطقة ،مما جعلها تهدد بإحتلال منابع منابع النفط ذاتها إلا أنها لم تقدم على ذلك حتى بداية السبعينات لعدة أسباب تتعلق بالنظام الدولي التنائي القطبية والمؤكد أن الولايات المتحدة المريكية عملت مافي وسعها للفصل بين النفط والصراع العربي _الإسرائيلي وعدم السماح باستخدامه كورقة ضغط سياسي في هذا الصراع حتى لو تطلب الأمر احتلال منابع النفط العربي مباشرة إذا ما اتيحت لها الفرصة كما حصل مع "العراق".وعندما سقط الإتحاد السوفياتي وانهيار المعسكر الإشتراكي زالت أهم العقبات التي اعترضت طريق الولايات المتحدة الأمريكية للسيطرة على النفط في المنطقة . ثم جاءت أحاث 11 سبتمبر لتقدم للولايات المتحدة الأمريكية المبرر والغطاء السياسي الضروري للتدخل بشكل مباشر في المنطقة تحت ذريعة مكافحة الإرهاب وفرض الديمقراطية في المنطقة.
(1)عبد الكريم باسماعيل . السياسة الأمريكية في الخليج بعد الحرب الباردة: جدلية النفط والقوة. ص290
يعد النفط أحد أقوى العوامل تأثيرا في توجيه الحرب ضد أفغانستان والعراق خصوصا من طرف الولايات المتحدة الأمريكية نظرا لما يلعبه هذا العامل من دور كبير في تحريك عجلة الإقتصاد الأمريكي والعالمي، والتأثير على مجريات الأحداث السياسية الدولية .
فتأمين النفط والسيطرة على منابعه المحور الرئيسي الذي ترتكز عليه سياسة الحزب الجمهوري الذي يضع أولى أولوياته التحكم في أسعار النفط بعد السيطرة على مصادره(1).
ويعد اللوبي النفطي الأمريكي من أقوى جماعات الضغط التي تمارس دورا مؤثرا في صياغة السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية . ذلك أنه يقوم على نسج شبكة متداخلة من العلاقات البينية التي تربط صانعي القرار بالمصالح التي يمكن أن يحققها لذا اللوبي . وهو ما ينطبق على الإدارة الأمريكية. وقدساهم تصاعد نمو النشاط الإقتصادي والعالمي في تزايد الطلب على النفط وبالتالي في ارتفاع أسعاره في الأسواق العالمية، مما جعل منه الدينامو المحرك لأي تغيرات سياسية واقتصادية وعسكرية للسيطرة على منابعه والتحكم في القدرة الإنتاجية لهذه المادة ،كما أن سعر النفط أصبح مرتبطا بالمؤثرات الجيوسياسية التي يشهدها الشرق الأوسط .
ولا شك ان هذا افرتفاع في الطلب العالمي على النفط كان له أثر لا محالة في قرار افدارة الأمريكية لتبني حرب وقائية غير مبررة قانونيا وسياسيا ومخالفة لمقتضيات الشرعية الدولية في سبيل السيطرة على النفط في الشرق الأوسط . الأمر الذي سيمنحها ضمانا قويا للبقاء مطولا في موقع القوة العظمى المتفوقة عسكريا واقتصاديا وسياسيا ،والهيمنة على منافد الطاقة العالمية.








(1) شبكة النبأالمعلوماتية .مستقبل أمريكا في الشرق الأوسط. التلاثاء 15 نيسان 2008
http://www.annabaa.org/
nbanews/69/584.htmالموقع الإلكتروني:
المطلب التاني :مشروع الشرق الأوسط الجديد
لقد ارتبط مفهوم الشرق الأوسط بالرؤية الاستعمارية لمصالحها الإستراتيجية،
وبتصورها لإعادة صياغة وتركيب المنطقة منذ القرنالماضي وحتى اليوم،
ومن ثم جمع مفهوم "الشرق الأوسط" بين الجغرافيا والسياسة،
ولم تكن دلالته الجغرافية مستقرة؛ حيث تذبذبت بينالاتساع والضيق حسب المصالح الاستعمارية،
والرغبة في تفتيت الأمة العربية والإسلامية.
لقد كتب ونستون تشرشل في مذكراته عن الحرب العالمية الثانية، كما ذكر المفكر ساطع الحصري في كتابه "دفاع عن العروبة" (1955)(1). عن مفهومه للشرق الأوسط؛ وذلك في 26 أغسطس 1942، يقول: إني كنت أشعر على الدوام أن تسمية مصر والمشرق وتركيا
باسم"ميدل إيست" (الشرق الأوسط) لم تكن من التسميات الموفقة. فإن هذه البلاد تؤلف الشرق الأدنى، وإيران والعراق تؤلفان الشرق الأوسط؛وبلاد الهند وبورما وماليزيا تؤلف الشرق؛ أما الصين واليابان فتؤلفان الشرق الأقصى. وقام تشرشل بإعادة تقسيم القيادة العسكرية،
في مساءنفس اليوم، إلى قيادة الشرق الأدنى، وتحتوي مصر وسوريا وفلسطين ومركزها القاهرة؛
وقيادة الشرق الأوسط، وتشمل العراق وإيرانومركزها بغداد؛
وبذلك كانت البوصلة البريطانية في التسمية والتقسيم هي العمليات الحربية.




(1) ساطع الحصري، دفاع عن العروبة، ط2، مركز دراسات الوحدة العربية، 1985.
منذ الثمانينيات اتخذت الولايات المتحدة الأمريكية منحى جديدا. فقد قدم "بيتر دويجنان" بالمشاركة مع "إل إتش غان" دراسة عن الشرقالأوسط لصانع القرار الأمريكي، أشارا فيها:
إلى أن "لفظة الشرق الأوسط لفظة اعتباطية؛ فهي تشمل بالمعنى الضيق مصر والجزيرةالعربية وتركيا وإيران؛
أما بالمعنى الواسع فهي تشمل كافة المناطق الممتدة من شاطئ المحيط الأطلسي،
وعبر شمال أفريقيا، وصولا إلىحدود إيران الشرقية".
ولكن أخطر ما في هذا المفهوم الذي تجذر فيما بعد وتوسع بجهود العديدين من المختصين
ودوائر صنع القرار يتمثل في ثلاث نقاط:
1. تسفيه وتقليل شأن المفهوم الضيق للشرق الأوسط، وفيما بعد إلغاؤه.
2. الإشارة إلى أن هذه المنطقة الشاسعة تنطوي على اختلافات جغرافية وإثنية واسعة جدا،
كما تحوي العديد من المناطق التي لكلمنها تراثها التاريخي والحضاري الخاص بها؛ أي القول بعدم وحدته من جهة، وقبوله للتجزئة من جهة أخرى.
3. الاعتراف بوجود مؤشرات مشتركة بين بلدان الشرق الأوسط، يقع الإسلام في مقدمتها بوضوح؛ فالإسلام هو الذي استحوذ علىعالمها،
والمنطقة تدين بالإسلام باستثناء بعض الفئات. هذا العامل سوف يتم استخدامه سلبا في منظور صراع الحضارات، ونهايةالتاريخ من الزاوية الأيديولوجية الأمريكية، وفي استهداف ضربه، وربطه بالإرهاب في المنظور الإستراتيجي العسكري/السياسي(1).




(1) الموقع الالكتروني: www.islamonline.net


وإذا كانت وثائق وزارة الدفاع/مايو 1995، والكونجرس /مارس 1995 قد تضمنت إستراتيجية الولايات المتحدة بالشرق الأوسط-والتي اختزلت في ضمان تدفق البترول وبسعر مناسب، وضمان حرية الملاحة، والالتزام بأمن إسرائيل وتفوقها النوعي،
وزيادة القدراتالدفاعية (لا الهجومية) للدول الصديقة- فإن الدراسات الإستراتيجية الأمريكية منذ العام 1997 قد اعتمدت
المفهوم الأوسع لتعبير الشرقالأوسط الكبير؛
حيث إن هذا المفهوم الجديد يضم كلا من تركيا وإيران ودول آسيا الوسطى الإسلامية الغنية بالبترول،
والسوق الضخمةالمرتقبة للسلع الأمريكية؛
وهو ما أكدت عليه في خطتها المعلنة الآن،
المعروفة بمشروع الشرق الأوسط الكبير
(بلدان العالم العربي، زائدباكستان وأفغانستان وإيران وتركيا وإسرائيل). ومن هنا فإن التخطيط للاستقرار والأمن في المنطقتين العربية والإسلامية -كما ترىواشنطن- أصبح ضرورة حياتية وإستراتيجية بالنسبة لواشنطن.
إن الانتقال والتوسع في التعريفات بالعصر الأمريكي، بل ومحاولة الاستقرار على النتائج النهائية للمفهوم الشرق أوسط،
لا تعود إلى تقسيمات الجغرافيا والتاريخ (أي قوميات أو أقاليم متجانسة)، بل لاحتياجات الأمن والطاقة،
ورسم الخريطة الإستراتيجية الأمريكية، بما فيها نفي كل مايقال عن الدائرة أو الأمة العربية،
خاصة في ظل ربط المشرق بتركيا وإيران والعديد من دول آسيا، وفصل المشرق عن المغرب،
وربط الأخيربالدائرة الجنوبية للمتوسط،
والتقسيم للوحدات القطرية الموجودة باسم الفوارق العرقية أو الدينية؛ وفي الوقت ذاته دمج إسرائيل كأمر واقع، بلوكجزء في هذا التقسيم السياسي العسكري، وهو ما ظهر فيما بعد في حلف بغداد،
وظهر حديثا فيما سمي بالسوق الشرق الأوسطية(1).




(1)محمدفلاح الزعبي .الإستعمار الأمريكي الجديد للشرق الأوسط ملامحه وتداعياته .ص58-61


فمن الصعب ان يفترض المرأ أن الولايات المتحدة الأمريكية حريصة على غرس بذور الديمقراطية في العالم العربي.ولذا أطلقت مبادرة الشرق الأوسط الكبير حتى تدعو للإصلاح الديمقراطي وتحث عليه. ولذا لم يكن غريبا أن تسخر الفئات العربية من المبادرة بإعتبارها مجرد محاولة جديدة للهيمنة الأمريكية _المدعومة إسرائيليا_على المنطقة والتدخل في شؤونهم بشكل فاضح .
وبالتالي يمكن القول أن هناك دوافع عديدة ربما تقف خلف إطلاق مبادرة "الشرق الأوسط الكبير"وذلك انطلاقامن حقيقة أنه ليس هناك مبادرة بدون ثمن "مقابل". ولعل أولى هذه الدوافع هو: محاولة الولايات المتحدة الأمريكية التغلب على البنية الثقافية العربية والتي ترى فيها خطرا داهما عليها وعلى الغرب بشكل عام . فبعد ان تعرضت لهجمات 11سبتمبر الإرهابية أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية على يقين بأمرين:
الدافع الأول: هو أن المنطقة العربية هي أكثر المناطق تهديدا لأمنها القومي.
الدافع الثاني: هو أنه لابد من تغيير المحتوى الفكري لشعوب هذه المنطقة الذي يتضمن أفكارا عكس مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وعليه كانت المبادرة أول خطوة تجاه تغيير أحوال المنطقة .والدليل على ذلك هو أنها لم تكن تكثرت بالجمود الذي يطغى على هذه المنطقة طالما ظلت واشنطن آمنة ومطمئنة .ويمكن ان نستشف هذا الدافع من روح المبادرة والتي تركز جهودها لإعادة هيكلة البنية المعرفية والفكرية في المجتمعات العربية بما يعني غرس مبادئ وقيم الليبرالية أملا في الإنعتاق من حالة الجمود الفكري التي تسيطر على المنطقة.مما يؤكد أن الإدارة الأمريكية الحالية تحاول تطبيق أفكار أهم منظريها وعلى راسهم فرانسيس فكوياما والذي يعتبر أن النظام الليبرالي هو النظام الأمثل والأفظل لشعوب العالم لذا وجب تبنيه وفرضه على هذه الشعوب . أما الدافع التالث: فيتمثل في أن الولايات المتحدة الأمريكية ربما ترغب فعلا في تغيير الوضاع المترهلة في المنطقة ولكن ليس لإنقاذ شعوب المنطقة والرغبة في الرقي بأوضاعهم نحو الأفضل وإنما بإعتبار ذلك خطوة نحو ضمان تحقيق مصالحها في المنطقة ، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو لماذا تقلق الولايات المتحدة الأمريكية على مصالحها ما دامت ترتبط بعلاقات وثيقة مع غالبية الحكومات القائمة ؟ أغلب الظن أن لها أهدافا من وراء ذلك ،يتقدمها حصولها على المزيد من المواءمة بهدف إحكام القبضة بقوة على منابع الكره والحقد اتجاه أمريكا .غير أن هذا الموقف يضع ساسة البيت الأبيض في موقف متناقض ،ففي الوقت الذي ينادون فيه بتغيير المنطقة نحو الديمقراطية يرغبون في القضاء على أي توجهات أخرى مخالفة لها في الرأي خاصة تلك المرتبطة بتيار الإسلام السياسي ، وذلك لإعتقادهم بضرورة قهر قوى التطرف والعنف في المنطقة .إضافة إلى أن واشنطن ربما ترى في هذه المبادرة مبررا للتدخل أكثر في شؤون المنطقة واعتبارها بأن فرض الديمقراطية في المنطقة قد يحسن من صورتها في نفوس شعوب المنطقة .
ثالث الدوافع: الكامنة وراء إطلاق المبادرة الأمريكية هو تحقيق عدة منافع لعل أولها هو دمج إسرائيل بشكل قسري في مسألة الإصلاح بما يذيب حالة الجمود الطاغية على العلاقات العربية_الإسرائيلية.
الدافع الرابع : يتجلى في إدراك أمريكا لحقيقة أنه يجب ألا تنتظر طويلا حتى تبدأ دول المنطقة بالإصلاح والذي ربما لن يأتي .ولذا فقد بادرت هي بطرح أجندة للإصلاح تتراوح مابين الترغيب والنصح من جهة والترهيب من جهة أخرى . بمعنى آخر أنها ليس على استعداد لتقبل أحداث 11 سبتمبر جديدة ولذا ستبادر هي بالهجوم قبل أن يأتيها. وهذا هو المنطق المريكي المهيمن على دائرة صنع القرار في البيت الأبيض . لهذا فالإصلاح العربي كما تراه واشنطن لن يصبح مجرد دعوة لينة للضمائر العربية بل هو مطلب هام وخيار استراتيجي للامن القومي الأمريكي .
ويمكن أن نضيف دافعا آخر إلى جانب الدوافع السابقة :ويتمثل في أن الولايات المتحدة الأمريكية بدأت فعلا في تنفيذ بعض من خططها التي أضمرتها قبل الحرب على العراق والمتمثلة في تغيير خريطة الشرق الأوسط (1).فمن خلال تجربتها في العراق أيقنت أنه لابد من بدأ مرحلة التغيير الجماعي للدول العربية في ذات الوقت وليس كل دولة على حدة ولذا فالمبادرة شملت مختلف الدول ودعتها جميعا لبذل جهود مضاعفة لإصلاح أحوالها.




1. محمد نور الدين : تركيا والشرق الأوسط الكبير، مجلة السفير اللبنانية 23/1/2004.




خاتمة :إن العالم أصبح يدرك تماماً أن نظام القطب الواحد مهلك عالمياً، ولكن إلى الآن لم تُبْنَ القوة(أو القوى) التي تقف أمام الإمبراطورية الأمريكية وقفة الند للند. ولكن سنة بعد أُخرى يتعمق الوعي بأن الهيمنة الأمريكية خطر على الحضارة الإنسانية وخطر على السلام.
مما سبق يتضح أن منظومة سياسات الأمن القومي لن تعود لما كانت عليه قبل أحداث 11 سبتمبر، لأن الأحداث والحرب على الإرهاب أحدثت ثورة في التفكير حول الأمن القومي، وولدت نظريات جديدة، واستحدثت أجهزة جديدة وأنماطا جديدة في العمل وفي علاقات القوى بين الأجهزة. كما أن هناك تغييرا في سياسات الأمن القومي في الفترة الثانية للرئيس بوش عنها في الفترة الأولى؛ وذلك في ظل تغير بيئة الأمن القومي في الفترة الثانية، وتغيير بيئة علاقات القوى القائمة على صنع قرارات الأمن القومي (الخارجية والدفاع والمخابرات). وقد شمل التغيير في سياسات الأمن القومي في الفترة الثانية لإدارة الرئيس بوش جوانب متعددة، كان منها: الاتجاه نحو مزيد من الواقعية، ونسبية تطبيق "عقيدة بوش"، والعودة إلى الشرعية الدولية والتحالفات وتقليص العمل العسكري الانفرادي، واعتبار محاربة الطغاة قضية أمن قومي. بينما سيطرت في الفترة الأولى المفاهيم الأيديولوجية للمحافظين الجدد، وتم طرح عقيدة بوش بشأن الحروب الاستباقية على نحو مطلق، واتبعت الولايات المتحدة سياسات انفرادية. هذه المبادئ لم تعلن الإدارة في خطابها الرسمي في الفترة الثانية تراجعها عن أي منها، مما يعني أنها ستظل قائمة ولكنها ستطبق في الظروف المشابهة لأحداث 11 سبتمبر، وفي حالات تمثل إغراء مثل حالات أفغانستان والعراق، وستظل هي الاستثناء وليس القاعدة.
كما يلاحظ أنه سيكون هناك قدر من الازدواجية بين تبني مبادئ الفترة الأولى ومستجدات الفترة الثانية، فبينما تتطور وزارة الدفاع بقيادة رامسفيلد على أسس وعقائد الفترة الأولى، فإن وزارة الخارجية على يد رايس تطبق مفاهيمها الجديدة. في الفترة الثانية تراجع نفوذ العسكريين في القرار السياسي، بينما كان قد تم عسكرة القرار السياسي في الفترة الأولى بالنظر إلى العلاقة الخاصة لوزير الدفاع رامسفيلد بالرئيس بوش، وبالنظر إلى ظروف الحرب على الإرهاب. أما في الفترة الثانية فإن الفكر العسكري يتطور في إطار نظرية الاستباق بينما التفكير السياسي لوزارة الخارجية يتطور لمصلحة العودة إلى قواعد وأنماط العلاقات الدولية المستقرة كما تعكسها المنظمات الدولية وعلاقات الأحلاف.
يمكن افتراض أنه بعد أحداث 11 سبتمبر تم رسم استراتيجية عامة للأمن القومي في ظل ظروف أحداث 11 سبتمبر، ومن ثم تأثرت الاستراتيجية وقامت كرد فعل على الإرهاب، ولكن حين تعرضت الاستراتيجية للواقع نزلت على الكثير من مقتضيات الواقع الدولي والداخلي. هذه الاستراتيجية تتعرض للتفسير والإضافة والتأويل طبقا للمتغيرات الجديدة، وتتسم في بعض جوانبها بقدر من الثبات وفي بعضها الآخر بقدر من الديناميكية. وهناك جانب كبير مما يتسم بالديناميكية في مفهوم الأمن القومي الأمريكي بعد 11 سبتمبر والحرب على العراق يتعرض الآن للتغيير. ومن ثم، فإنه لا يمكن القول بأن التحولات التي تشهدها استراتيجية إدارة بوش بشأن الأمن القومي في الفترة الثانية تخرج على الاستراتيجية التي وضعت بعد 11 سبتمبر، وإن كانت تمثل تغييرا في الاستراتيجيات المرحلية والخطط الموضوعة لتنفيذ الاستراتيجية الأكبر. وأخيرا، يمكن تصور أنه في الأمد القصير سوف تتبنى الإدارة سياسات بين الاستمرارية والتغيير، أي أن الإدارة لن تتخلى عن السياسات والمفاهيم التي طرحتها بعد 11 سبتمبر وحرب العراق بخصوص الحروب الاستباقية ومبادرة الإصلاح السياسي والديمقراطية مع استمرار تفوق – وليس انفراد- الدور الأمريكي في صياغة القرار الدولي وتغيير الأنظمة بالقوة.
المصدر: ملتقى شذرات


hgHlk hgr,ld hgHlvd;d fu] Hp]he 11 sfjlfv

__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« الأبعاد السياسية لحق العودة*- شاكر الجوهري | نحو صناعة سياحية في إطار رؤية تنموية مستدامة ومسؤولة »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
استقالة مستشار الأمن القومي الأمريكي مايكل فلين Eng.Jordan أخبار عربية وعالمية 0 02-14-2017 09:44 AM
الإفراج عن مواطن قطري معتقل بأمريكا منذ أحداث 11 سبتمبر Eng.Jordan أخبار منوعة 0 01-18-2015 10:43 AM
لم يعد خطراً على الأمن القومي عبدالناصر محمود شذرات مصرية 0 08-07-2014 06:48 AM
عدة جهات أمريكية متأكدة ان الموساد تقف وراء أحداث 11 سبتمبر Eng.Jordan أخبار عربية وعالمية 0 10-13-2013 02:03 PM
موظف متعاقد في وكالة الأمن القومي الامريكي يبرر سبب كشفه لبرنامج التجسس الأمريكي Eng.Jordan أخبار عربية وعالمية 0 06-10-2013 08:58 AM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 03:45 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68