تذكرني !

 





الحداثة بين الاستيعاب والاستلاب قراءة مفاهيمية ونقدية

الحداثة بين الاستيعاب والاستلاب : قراءة مفاهيمية ونقدية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ{ د/ مولاي المصطفى البرجاوي }ـ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 04-01-2013, 08:02 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة الحداثة بين الاستيعاب والاستلاب قراءة مفاهيمية ونقدية

الحداثة بين الاستيعاب والاستلاب : قراءة مفاهيمية ونقدية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ{ د/ مولاي المصطفى البرجاوي }ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ


من أعظم الفتن انتشاراً كانتشار النار في الهشيم، وأشدِّها هيجاناً، فلسفةُ الحداثة، وما من ناحية في الوطن العربي الإسلامي إلا أثير فيها نَقْعُها، وما من صُقْع وجِهَة فيها إلا استُفتِح فيها بابها، حتى أثخنت في المجتمعات جراحَها، وفشت في العقول تعفناتها.
إن موضوع الحداثة من الموضوعات التي أثير حولها اللغط والجدال ولا يزال؛ من كثرة ما كُتِب عنها وقيل، وخاصة أنه يُطرَق بطريقة مطاطية يستحيل على القارئ العادي فهم تصوراتها وأبعادها. وهناك من يرى أن التغير التاريخي الشامل الذي أحدثه الإسلام على النظم والأوضاع والأخلاق والقيم الدينية والاجتماعية والسياسية والإنسانية، هو بمقاييس الحداثة نفسِها حداثة، وأنه أقدر على الاستيعاب بحكم كونيته وعالميته إذا أُبرِزت بشكل صحيح خصائصه وتجلَّت أحكامه.
وبطريقة تعتمد إرضاء جميع الأطراف يذهب أحد المفكرين إلى «أن الاجتهاد هو حداثة المسلمين، وإذا صارت مجتمعاتهم تئنُّ من وطأة الجمود والتأخر، فمردُّ ذلك إلى تخلِّيهم عن الاجتهاد وتشبُّثهم بالتقليد»[1]. لكن السؤال المطروح: أي اجتهاد هو؟ ومن له الحق فيه؟ وخاصة في الآونة الأخيرة؛ إذ أضحى كل من له زاد علمي أو حقد على الدين، يتطاول على هذا الدين بفتاوى سائبةٍ؛ الغرض منها الخروج على الفطرة السليمة[2].
وثمة اتجاه آخر يعلن التمرد على التراث والقيم؛ في محاولة يائسة لاستئصال الثقافة العربية والإسلامية ومحوها، والاقتداء بالنموذج الغربي غثِّه وسمينه، لكن هيهات هيهات! فقد وجد نفسه معزولاً في وسط أمواج متلاطمة أفقدته هويته وجذوره التاريخية من جهة، ولقي صدوداً وتمعُّراً من طرف ذويه الذين حصَّنتهم ثقافتهم الإسلامية من شرور وآثام هذا التيار الحداثي الجارف من جهة أخرى، ومن ثَمَّ أصبح مثل الغراب الذي أراد تقليد الحمامة؛ فلا هو أتقن مشيتها ولا هو حافظ على مشيته، أو على حد تعبير الأستاذ محيي الدين عطية: كمن حُشر في مقعد غيره، وبدل أن يبحث عن مقعد يلائم حجمه بدأ يحاول التكيف مع وضعه الحرج في صورة (كاريكاتورية) مضحكة.
وهذا الاتجاه المغالي يمثله كلٌّ مِنْ: المفكر الجزائري محمد أركون، والمصـري نصـر حامد أبو زيد، والمفكـر المغـربي عبد الله العروي، وكمال أبو ديب، ومحمود درويش من فلسطين، وعبد الله الغذامي وسعيد السريحي من السعودية... وغيرهم من الذين أعلنوا ما يسمونه «القطيـعة الإبسـتمولوجية مع التراث»، ويقصدون بطريقة أو بأخرى الإسلام أو ما يسمى بـ «التاريخانية»[3].
إذن: ما معنى الحداثة؟ وما المفاهيم والمصطلحات اللصيقة بها؟ وهل هي مجرد كلمات لغوية؟ أم أنها ذات مضامين أيديولوجية تاريخية وفلسفية تتخطى المضمون اللغوي العادي؟ وهل يمكن الحديث عن حداثة واحدة ووحيدة؟ أم حداثات متعددة، مترامية الأطراف؟ وما مقوِّمات وركائز الحداثة، وخاصة ذات النبتة الغربية؟ وهل تشكِّل مجالاً للالتقاء مع الثقافة العربية والإسلامية؟ أم تتجاوز ذلك إلى حد التنافر، رغم أنه لا مجال للمقارنة؟ ورحم الله من قال:
ألم ترَ أن السيفَ ينقص قدرُه
إذا قلتَ: إن السيفَ أمضى مِنَ العَصا؟
وسعياً منَّا إلى الأخذ بالمنهج العلمي في البحث والدراسة، سيكون من الأَوْلى الوقوف على التعريفات المحيطة بالحداثة، ثم محـاولة الـطواف بقـراءة بانورامـية، لن تحيط ـ بطبيعة الحال ـ بكل شاردة وواردة؛ لأن هذا الموضوع يستحق أكثر من مقال؛ نظراً لتشعُّب خيوطه وتشابك مفاصله، وخاصة الأدبية منها التي تتقاطر علينا كل يوم من أبناء جلدتنا وممن يَتَسَمَّوْن بأسمائنا في محاولة يائسة للتشويش على مبادئ الإسلام الراقية والرفيعة...
قراءة في الجهاز المفاهيمي للحداثة:
الدلالة اللغوية لكلمة حداثة:
لقد تعرض ابن منظور لكلمة (ح د ث)، فقال: الحديث نقيض القديم. حدث الشيء حدوثاً وحداثة. وحَدَثَ أمرٌ إذا وقع[4]؛ فحداثة السن كناية عن الشباب وأول العمر.
وإلى جانب هذا المعنى فإن للكلمة بُعداً دينياً؛ انطلاقاً من الحديث النبوي الشريف: «إياكم ومحدثات الأمور... »[5]؛ فمحدثات الأمور هي كل ما ابتدعه أهل الهوى من الأشياء التي كان السلف الصالح على غيرها.
الدلالة الاصطلاحية للحداثة:
إن من أبرز صفاتها عدمَ قدرة أبواقها على وضع تعريف دقيق لها، وقد عرَّفوا الحداثة بعد الجهد بـ (الحداثة) ولقد صدق فيهم الشاعر ظنه حين قال:
وفسَّر الماءَ بعد الجهدِ بالماءِ
وقد عرَّفها أحدهم تعريفاً متطرفاً إلى حد الانبهار والانسلاخ بقوله: «مسار تاريخي كوني»[6]. وهناك من يحاول خلطها بالتحديث كما سنرى لتتماشى مع أطروحاتهم، ولتمرير أفكارهم التي تخفي ما وراءها بقوله: «إن الحداثة عملية متكاملة؛ فهي اكتساب معرفة متقدمة، ورَفْعُ مستوى المهارات، واستيعاب التكنولوجيا المتطورة، وإنتاجيةٌ منافسة»[7].
ومن ناحية أخرى تعرِّف «الموسوعة البريطانية» الحداثة بأنها: حركة ظهرت في أواخر القرن العشرين، تدعو إلى إعادة تفسير التعاليم الكاثوليكية التقليدية في ضوء النظريات التاريخية والفلسفية والنفسية، وتدعو إلى حرية الضمير، وترى أن العهدين (القديم والجديد) مقيَّدان بزمانهما، وأن هناك تطوراً في تاريخ الديانة الإنجيلية.
تبنَّى مثقفون من العرب هذا المفهوم للحداثة، واعترف بعضهم بعدم فصل الحداثة العربية عن الحداثة الغربية، ونظروا إلى الحداثة على أنها وحدة متجانسة مشعة عالمياً من الغرب؛ ولهذا حاولوا إسقاط الفهم الغربي للحداثة على الإسلام والقرآن؛ فقاموا بتفسير الإسلام في ضوء النظريات التاريخية والفلسفية والاجتماعية التي تقوم على أساس إلحادي متعالٍ للدين، كما نظروا للإسلام والقرآن على أنهما مقيَّدان بفترة تاريخية معيَّنة لا تمتد إلى غيرها؛ فالعبرة عندهم بخصوص السبب لا بعموم اللفظ، وقام بعضهم باسم الحداثة بإحداث ما يسميه: «الإصلاح والتجديد في الإسلام»، وهو في الحقيقة تزوير وتحريف كما هو الشأن بالنسبة لحسن حنفي الذي دعا إلى استبدال اللغة التقليدية في التراث الإسلامي لمجانبتها الدقة والوضوح والتجـديـد، بل يـرى أن لفـظ «الله» لا يعبِّر عن معنى معيَّن (تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً)؛ حيث يمثِّل الرغيفَ عند الجائع، وعند المستعبَدِ «الحريةَ»[8].
وتناول الدكتور «الحداثي» محمد شحرور في كتابه (الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة)[9] كلَّ النصوص قطعية الدلالة - تقريباً - بالنظر والتأويل المنحرف؛ فقد تناول آيات الميراث وآيات الطلاق والزواج... وانتهى من تناوله لكل الآيات السابقة إلى فهمها فهماً جديداً مخالفاً لكل الفهوم الشرعية الصحيحة؛ فبالنسبة للربا حرم ربا الأضعاف المضاعفة دون غيره، وبالنسبة لآيات الميراث أباح التلاعب بالأنصبة التي حددها الشرع لكل فرد من أفراد الأسرة، وبالنسبة لتعدد الزوجات أباحه للأرامل ذوات الأولاد... إلخ. وقد استند في تناول النص القطعي الدلالة إلى شبهة تطوُّر المحيط البشري.
وبعـبارة مـوجـزة نقول: إن الإسـلام راعـى الـثابت والمتحول ونحن في غنى عن هذه الاجتهادات المزيفة التي تطاولت على نصوصٍ قطعية الدلالة انطلاقاً من قاعدة أصولية «الأصل في العبادات المنع حتى يرد الدليل، والأصل في المعاملات الإباحة حتى يرد المنع»[10].
وفي محاولة أخرى من الكاتبة المغربية رجاء ناجي مكاوي - وقد يكون ذلك منها بحُسْن نية لتلميع صورة الفكر الحداثي في الوطن العربي الإسلامي - تقول: إن كثيراً من أحكامنا على الحداثة لا تعتمد تمييزاً واعياً بمعانيها المختلفة؛ ففي المفهوم الشعبي وحتى النخبوي اختُزلَت الحداثة في اللائكية (العَلْمانية)؛ أي: الفصل الصارم بين الدين والدولة في معنى التصارع والتضاد، وفي الانتصار للمادية كـ (نقيض الروح) والعقلانية (الرافضة لكل حضور إبستمولوجي)، وفي كلمة نختزل ـ نحن العربَ والمسلمين ـ الحداثةَ في النموذج الفرنسي (كما يمثله فلاسفة عصر الأنوار)؛ وإن كانت فرنسا نفسها ليست باللائكية التي يصورها بها الكثيرون، بل هي دولة كاثوليكية منتصرة لمبادئ الكنيسة، ولا زال للكنيسة تأثير على عدد هائل من القرارات السياسية فيها[11].
ولكن: كيف نفسر الإعلان الصادر عن جاك شيراك الذي عبر فيه عن استيائه من انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي باعتبار أن أوروبا «نادٍ مسيحي»؟ وكيف نفسر الهجمة الشرسة على القرآن من خلال كتابات تدعو إلى قراءةٍ معاصرة للقرآن الكريم تتماشى مع أهواء الحداثيين اقتداءً بالنموذج الغربي، وإلى الهجوم على شخصية الرسول الكريم # باستخدام أبواق داخلية، بدعوى الحداثة؟
وفي المقابل؛ يبتعد المفكر الحداثي ذو الطابع الفلسفي الدكتور طه عبد الرحمن خارج السرب بإعلانه أن كل من نسـخ الحداثة الغربية (لا يُعَدُّ حداثياً؛ حتى لو قلد الحداثة)؛ فقـد تحقـق أن الحداثة لا يمـكن أن تكـون إلا إبداعاً، وأنه ما من تـقليد لها إلا وهو نسخ، وما من نسخ لها إلا وهو مسخ.
• تعريفات:
ـ الحديث: هو ترجمة لكلمة فرنسية (Moderne) التي تدل على ما هو معاصر وعلى ما هو محدَّد تاريخياً، وتتعارض مع ما هو قديم. ويبدو أن الكلمة تنحدر من اللغة الفرنسية القديمة. ونجد في اللاتينية (موديرنوس) (modernus) وتعني: الحديث. ولكن سرعان ما استُعملت الكلمة مصطلحاً لتحديد الحقبة التاريخية التي تمثل فترة انتقالية في أوروبا من العصور الوسطى المظلمة التي سيطرت فيها الكنيسة على جميع دواليب الحياة المدنية والدينية إلى عصر النهضة الأوروبية.
ـ التحديث: يقوم على إدخال ونقل العلوم العصرية والتكنولوجيا؛ شريطةَ ملاءمتها للمجتمعات المنقولة إليها وحفاظها على تراثها الثقافي؛ وهي الحقيقة التي سعى تيار التغريب إلى طمسها والتعتيم عليها، ووظف أدعياءه لمحاربة الفكر التحديثي واصفاً إياه بالظلامية والرجعية.
وتجدر الإشارة إلى أن التحديث للحضارة بتعبير مالك ابن نبي ـ رحمه الله ـ: «ليس سلعة يمكن استيرادها في صناديق أو بين دفَّتي كتاب ونقلُها من مكان إلى آخر، وليس إحدى لوحات الرسم التي ننقلها من مسمار الجدار الذي عُلِّقت عليه إلى مكان آخر؛ فأيُّ مشروع تحديثي لا يحترم دين الأمة وثقافتها مشروعٌ آيلٌ - لا محالة - إلى الفشل الذريع مهما وُظِّفت له من طاقات وأموال».
وللخروج من هذا اللغط وهذا اللَّبْس المفاهيمي سنبحر في كتاب د. محمد خضر عريف الماتع (الحداثة مناقشة هادئة لقضية ساخنة) الذي يقول فيه: «إننا بصدد فكر هدام يتهدد أمتنا وتراثنا وعقيدتنا وعلمنا وقيمنا، وكل شيء في حاضرنا وماضينا ومستقبلنا... والذي يدفع إلى ذلك الظنِّ الخاطئ هو الخلط بين مصطلح الحداثة (Modernism)، والمعاصَرة (modernity)، والتحديث (Modernization). وجميع تلك المصطلحات كثيراً ما تترجَم إلى «الحداثة» على الرغم من اختلافها شكلاً ومضموناً وفلسفة وممارسة. والواقـع أن الاتجـاه الفكري السليم يتفق مع التحديث، ولكنه لا يتفق مع الحداثة. وإن يكن مصطلحا: (Modenity) و (Modenization) يمـكن الجـمع بينهما ليعـنيا: المعـاصرة أو التجديد، فإن مصطلح (modernism) يختلف عنهما تماماً؛ إذ ينبغي أن نفرق بين مصطلحين أجنبيين، ومن المؤسف أن كليهما يترجَم ترجمة واحدة؛ وهي (الحداثة).
أما المصطلح الأول فهو (modernity)، وهو يعني: إحداث تجديد وتغيير في المفاهيم السائدة المتراكمة عبر الأجيال نتيجة وجود تغيير اجتماعي أو فكري أحدثه اختلاف الزمن.
أما الاصطلاح الثاني فهو (modernism)، ويعني: مذهباً أدبياً، بل نظرية فكرية لا تستهدف الحركة الإبداعية وحدها، بل تدعو إلى التمرد على الواقع بكل جوانبه السياسية الاجتماعية والاقتصادية... وهو المصطلح الذي انتقل إلى أدبنا العربي الحديث، لا مصطلح (modernity) الذي يَحْسُن أن نسميه المعاصرة؛ لأنه يعني التجديد بوجه عام دون الارتباط بنظرية ترتبط بمفاهيم وفلسفات متداخلة متشابكة[12].
ما بعد الحداثة أو الحداثة القيمية المعيارية: وتسمى أيضاً بالحداثة العصرية التي تسعى إلى التخلص من الفكر المادي الإلحادي، وإلى إحياء القيم التي يؤمن بها رائدوها (القيم النصرانية - اليهودية)، وإلى بعث التقاليد وتقويمها عِوضَ نبذها، وإلى الموازنة بين العلم والدين، وإلى احترام الطبيعة...[13]. و (جاك دريدا) أبرزُ فلاسفة (ما بعد الحداثة) المعاصرين، وهو من أكثر الفلاسفة المعاصرين تأثـيراً على الباحثين العرب، ويسـمى بـ (فيلسـوف التفـكيك أو التقويض).
وخلاصة فلسفة (ما بعد الحداثة) التي قام الباحثون العرب بتطبيقها على النصوص القرآنية أنه لا حدود فاصلة بين النص والتفـسير، وهو ما يعني: تقويض مرجعية صاحب النـص مـن جـذورها، بمعـنى: أن صـاحب النص لا يستطيع أن يفرض على النصوص المعاني التي يريدها؛ فالعقل يجدد النصوص على نحو دائم... والتفكيك هنا إستراتيجية مهمتها إنكار أن يكون لأي نص معنى ثابتٌ ومستقرٌ[14].
• الإطار التاريخي للحداثة:
نظراً لاختلاف مدلول الحداثة، واستعماله المفرط من اتجاهات مختلفة، فإنه أفضى إلى إدخال اللبس والغموض عليها، وإلى تضارب التعريفات لدرجة فقدانها لمدلولها الأصلي، ولكن في محاولة منا للإمساك أكثر بهذا المدلول بالنواجذ، تحتم علينا النبش في حفريات التاريخ وما يختزنه من وسائل حِجاجِية في أفق ملامسة هذا الموضوع؛ وفي هذا الإطار نسبر أغوار بعض الحداثات الغربية لتباينها:
الحداثة اللاتينية أو القديمة: وهي التي تمخضت عن عصر الأنـوار والفلسفات المـاديـة التـي تبـلورت خـلالـه، وهو ما استعجل الثورة الفرنسية سنة 1789م؛ لارتكازها على نظريات فلسفية تلخَّصت مبادئها الأساسية في التمرد على الكنيـسة وتسـلُّطِها واسـتبدِادها (سيـاسـيـاً)، ولأنها لم تمـيز بين استبداد الكنيسة وبين المبادئ الدينية كما هو الشأن بالنسبة للذين يحكمون على الإسلام انطلاقاً من سلوكيات المسلمين؛ فقد جاءت على شكل تمرد على الدين؛ وهو ما أفضى إلى الفصل الصارم بين الدين والدولة وصدور قانون اللائكية (العَلْمانية) سنة 1905م.
ومن سمات هذه العَلْمانية: إقصاء كل تفسير ديني للعلم، والتعقيل المنفصل عن الإبستمولوجيا والفردانية... وهي حداثة سياسية لكونها - انطلاقاً من النظريات الفلسفية - أنتجت قيماً جديدة تنتصر لحقوق وحريات الأفراد والمساواة وإشراك المواطن في تدبير الشأن العام...
كل هذه المبادئ والقيم الجديدة ظاهرياً استقيت من مبادئ تراكمت عبر التاريخ الطويل للبشرية، بدءاً من ديمقراطية أثينا إلى حقوق الإنسان كما أقرها القانون الروماني.
وفي هـذا الجانـب تبـنَّى الغـلاة مـن الحداثيـين العـرب ما يسمى بـ «المقايسة السطحية» على حد تعبير المفكر الإسلامي عدنان زرزور؛ وذلك سعياً منهم للتمرد على الأحكام الشرعية للإسلام بقولهم: إن أوروبا تقدمت لأنها تخلت عن دينها؛ ولهذا يجب بذل الإمكانات لوضع نسخة ببغاوية مطابقة في المجتمعات العربية.
لكن نسيَ هؤلاء المغفلون أن الدين النصراني محرَّف، وأن الإسلام دين قويم لا تشوبه شائبة ولا تستطيع الأيادي العفنة اقتلاعه؛ لأن الذي تولَّى حفظه والدفاع عنه هو الله، سبحانه وتعالى.
وما يؤكد أيضاً زيف هذا الادعاء انخراط فرنسا في مسلسل استعماري ضمَّ شمال إيطاليا سنة 1795م، واحتلال مصر سنة 1798م، وكذا الجزائر سنة 1830م، والمغرب سنة 1912م.
الحداثة الأنجلوسكسونية:
وتعود بداية نشأتها إلى فترة قريبة من السالفة. ورغم تشابهها مع الحداثة اللاتينية في ضمان الحقوق (حقوق الطبقات البورجوازية وذوي النفوذ، ولم توسَّع إلا لاحقاً لتشمل بعض الحقوق للمواطنين العاديين والرعايا الإنجليز)، إلا أنها تتماهى معها في التسابق على الأسواق واستعمار العالم؛ فهي لم تؤمن باللائكية ولم تجعلها ركيزتها الأساس. ومع أنها اعتمدت فلسفة عصر الأنوار لكنها - سياسياً - لم تتعامل مع الدين بالشكل الراديكالي الفرنسي؛ لذلك أنتجت حداثة توفِّق بين الثورة العلمية والصناعية وبين الأعراف والتعاليم الدينية (الكنيسة). وامتد شكل الحداثة هذا إلى أمريكا الشمالية بحكم ارتباطها السياسي آنذاك بالبلد الأم[15].
ومن هنا نستخلص أن إنجلترا في بداية حداثتها لم تتخلَّ عن دينها، بل عدَّته إحدى الركائز الأساسية في نهضتها وتقدُّمها، والشيء نفسه ينطبق على باقي الدول التي تمسكت بقاطرة التقدم، مثل: اليابان، والدولة الصهيونية، والولايات المتحدة الأمريكية، والبلد الإسلامي الصاعد ماليزيا...
• دعائم ومقومات الحداثة:
يُجْمِع أغلب الحداثيين على أن أواني الحداثة تقوم على الركائز التالية:
١ ـ العَلْمانية: هذا الداء الذي عشش وباض وفرَّخ لتمتد مخالبه وأدواؤه في جميع أوصال المجتمع العربي الإسلامي، وسال المداد بشأنها إلى حدِّ التخمة، وطبعاً كلٌّ على شاكلته، ولكن لا بأس من طَرْقها للوقوف على سمومها وجراحاتها التي اتسع فَتْقُها. وقد جـاءت أغلب التعاريف في مجمـلها متفـقةً على أن العَـْلمانـية تعـنـي: إقـصـاء الديـن بمعناه الإسلامي عن الحياة، ومن أهم تعاريفها غيـر الملتـويـة ما ذهب إليه صاحـب المفـرقعـات التـاريخية - وقد صدر له مؤخراً كتاب (نهاية الأسطورة... نظريات ابن خلدون مقتبسة من رسائل إخوان الصفا) - محمود إسماعيل في قوله: «مصطلح العَلْمانية يشتمل على نمط في التفكير يتعلق برؤية عامة للكون والحياة، ولا يقتصر على تصوُّرٍ للحكم فقط، إنه مشتق من العالم كبديل للرؤية اللاهوتية التي ترى أن هذا العالم محكوم بقوة غيبية مفارقة لهذا العالم تقدِّر مصائره وتتحكم في أقداره»[16].
ويميز بعض الكُتَّاب (وعلى رأسهم الدكتور عبد الوهاب المسيري) بين نوعين من العَلْمانية:
ـ العَلْمانية الجزئية: وهي رؤية جزئية للواقع لا تتعامل مع الأبعاد الكلية والمعرفية، من ثَمَّ لا تتسم بالشمول، وتذهب هذه الرؤية إلى وجوب فصل الدين عن عالم السياسة، وهو ما يعبَّر عنه بعبارة: «فصل الدين عن الدولة» ومثل هذه الرؤية الجزئية تلزم الصمت حيال المجالات الأخرى من الحياة.
ـ العَلْمانية الشاملة: وهي رؤية شاملة للواقع تحاول بكل صراحـة تحيـيد علاقـة الديـن والقـيم المطـلقة والغيبيات بكـل مجـالات الحيـاة، ويتـفرع عن هذه الرؤية نظريات ترتـكز علـى البـعد المـادي للكـون، وأن المعـرفـة المادية هي المصدر الوحيد للأخلاق، وأن الإنسان يغلب عليه الطــابــع المــادي لا الروحي[17].
هذا التقسيم الذي تبنَّاه المسيري شديد البيان، وهو يحاول من خلاله إيهام القارئ أن لا تعارض بين الإسلام والعَلْمانية الجزئية؛ لأنه حتى لو كانت العَلْمانية الجزئية هي فصل الدين عن الدولة؛ فهي تعني العمل على الانتقاص من شمولية الدين، بل تهدف إلى تبعيضه، وهو الأمر الذي يتناقض مع قوله ـ تعالى ـ: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إلاَّ خِزْيٌ فِي الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة:٥٨].
2 ـ العقلانية: ويُقصَد بالعقلانية: احتكام الإنسان إلى العـقـل، في كل ما يحيط به، وفي وجوده وحياته وعلاقاته؛ فلا يقـبل إلا ما يقبله عقله، ويرفض ما لا يقبله، ومن ثَمَّ يكون العقل أداةً للحكم على كل شيء، ووسيلةً لسَبْر أغوار مخـتلف الظـواهر، وإدراك كنهـها. وهنـاك مدارس فلسفية ومذاهب فكرية عقلانية متعددة، لا مجال لاستعراضها هنا، غير أنه لا بد من الإشارة إلى (روني ديكارت 1596م - 1650م René Descartes ) الذي يُعدُّ مؤسساً للعقلانية الحديـثة، والذي يـركز على «الشـك المنـهجي» أو الشك العقلي الذي يرمي إلى تحرير العقل من كل حكم مسبق، ومن أي سلطة مرجعية، ويؤدي إلى الحقيقة عن طريق البداهة العقلية[18].
أما مفهوم العقل عند المسلمين فيمثل قوة ربانية يسَّرها الله ـ تعالى ـ للإنسان؛ ليستعملها ميزاناً يميِّز به بين الخير والشر. وقد ذكر ـ تعالى ـ كلمة (عقل) تسعاً وأربعين مرة في كتابه العزيز، ولم تَرِد في صيغة الاسم، بل في صيغة الفعل الماضي مرة واحدة عند قوله ـ تعالى ـ: {يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} [البقرة:٥٧]، وذُكِرت الكلمة في صيغة المضارع ثمانياً وأربعين مرة. ومجمل المعاني التي تدل على العقل في القرآن تدور حول عدم الإدراك وغياب الفهم الناتج عن غشاوة الجهل التي تمنع هذا النور الإلهي وهذه المَلَكة من القيام بواجبها، وتجعل الإنسان يعي ربه ليأخذ العبرة ويسيرَ في الصراط المستقيم.
وانطلق فقهاء الإسلام من الاستعمالات القرآنية ليحددوا العقل التشريعي؛ أي: العقل التكليفي عند المسلمين المراعين لله. وتساءل الحارث المحاسبي: متى يسمى الرجل عاقلاً عن الله تعالى؟ وكان جوابه: «إذا كان مؤمناً خائفاً من الله عز وجل. والدليل على ذلك أن يكون قائماً بأمر الله الذي أوجب عليه القيام به، مجانباً لما كرهه ونهاه عنه؛ فإذا كـان كذلك استـحـق أن يسـمـى عـاقـلاً عـن الله، بل إنـه لا يسمى عاقلاً عن الله من يعزم على القيام بشخصه فأقام على ذلك مصرّاً غير تائب»[19].
ورأى الغزالي أن «العقل منبع العلم ومطلعه وأساسه؛ لأنه يجري فيه مجرى الثمرة من الشجرة، والنور من الشمس، والرؤية من العين؛ فكيف لا يَشْرُف ما هو وسيلة السعادة في الدنيا والآخرة؟»[20].
3 ـ العلم: ويعني ذلك عند أغلب الحداثيين: التخلص من قيود الميتافيزيقا والغيبيات، والأخـــذ بالمنهج العلمــي الذي لا يُقِرُّ إلا ما تثبته التجارب العلمية، وقد سبق لي أن توقفت عند مقالات متعددة في هذا المجال تحاول اختزال أسباب تخلُّف البلدان العربـية والإسلاميـة في الركون إلى الغيــبيات، وكأن الإسلام يقف حجر عَثْرة أمام مسايـرة البلـدان المتـقدمة. يقـول الدكـتور الإنـتربـولوجي الحداثي أحمد أبو زايد: «التفكير العلمي يتميز بالعقلانية والمنطق الواقعي الذي يرتفع عن مستوى الخرافات التي تؤلف جانباً لا يستهان به من التراث الثقافي لدى كل الشعوب بما في ذلك التراث الثقافي العربي، أي أن التفكير العلمي يقوم على المواجهة المباشرة مع الواقع وفَهْم الأمور كما تتمثل للواقع الواعي المدرك لأبعاد الحقيقة العِيانية، والتي يمكن البرهنة عليها بالأدلة والحجج المقبولة عقلاً، مع توخي عدم الخلط بين النظرة العقلانية الواعية للأشياء والأفكار والتخيلات التي تفتقر إلى الدليل؛ كأن تُردَّ حالات الأعاصير والفيضانات المدمرة إلى غضب الله...»[21].
ويمكن الرد على هذا الحداثي في نقطتين:
ـ النقـطة الأولى: أن الإسلام لـم ولـن يـكون فـي يوم مـن الأيام باباً موصـوداً في وجه العلم، بل حث على طلبه في مواضع كثـيرة من الكـتاب والسـنة. يقول الرسول الكريم #: «من سلك طريقاً يلتمـس فيه علمـاً، سهَّل اللـه له به طـريقاً إلى الجنة»[22]؛ شـريطةَ عدم مخـالفته للضـوابط الشرعية، ومـا زوبعـة الاسـتنسـاخ البشـري عنـا ببعيـدة؛ تلك التي وقف في وجهها كل ذي لبٍّ وبصيرة من أهل العلم والدين.
ـ النقطة الثانية: وهي المتمثلة في محاولة تحييد الدين عـن الكـوارث: مـن أعاصير وزلازل وغيرها، واعتبارها ظاهرة كونية لا علاقة لهـا بغضب اللـه. هذه النقطة التي أَفْحَمَ فيها علماء الإسـلام، وخاصة المهتمين بالإعجـاز العلمي بأدلـة علميـة وشـرعية مِثْـلَ هــؤلاء القــائلين بتحييـد الدين؛ وإلا فكيـف نفسر قــول اللـه ـ تعالـى ـ: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا}. [الطلاق:٨]
4 ـ الحرية الفردية/ الليبرالية: وتعني عند الحداثيين: تحرُّر الفرد من كل القيود والأغلال التي تعطِّل قدراته الذاتية في البحث عن أنجع السبل لتحقيق ما يطمح إليه مــن تطــوُّر، أو تحول دون تلبيتــه لـرغــباته، أو تمنعه من الوصول إلى السعادة وَفْقَ تصوره الخاص، ويمتزج هذا المفهوم بمقاصد المذهب الليبرالي الذي يَعدُّ الحرية هي الغاية الأولى والرئيسة التي يتطلع إليها الفرد بطبيعته، وهو ما أدى إلى ظهور بعض الأمراض الاجتماعية: من لواط وسحاق وانتحارات جماعية وأنواع شتى من السفور والتغنج، ثم الأمراض الفكرية المتمثلة في التطاول على كتاب الله وسُنة نبِّيه المصطفى #، دون أن ننسى ما قامت به بعض الصحف الغربية - خاصة الدنماركية والنرويجية وبعدها الصحف العربية الحداثية - من نشر رسوم كاريكاتورية مسيئة لرسول الله # بدعوى حرية التعبير (الليبرالية).
5 ـ الديمقراطية: وهي إحدى الأدوات المهمة التي وظفها الحداثيون؛ من خلال استعمالها استعمالاً غربياً، وهي تجعل المرجعية في الأحكام الدينية والدنيوية إلى الشعب، ولا أدلَّ على ذلك من اشتقاق كلمة الديمقراطية من كلمتين يونانيتين: (Demos) وتعني: الشعب، و (kratos) وتعني: السلطة، فتكون العبارة: «سلطة الشعب»، ومفاد ذلك كلِّه إرضاء الشعب ولو كان ذلك على حساب القيم الدينية الإسلامية.
لم يبتعد الزعيم البريطاني (ونستون تشرشل) عن الحقيقة عندما قال: «إن الديمقراطية هي أسوأ نظام يمكن الأخذ به، ما لم يطبَّق على الجميع». ولا نظن أننا نبتعد عن الحقيقة أيضاً عندما نقول: إن أسوأ ما في هذا النظام أنه صُمِّم بحيث لا يمكن أن يطبق على الجميع، بل لمن يملك شراء الأصوات وبيع الذمم والاتِّجار في الأزمات بالشعارات؛ فالتطبيق الديمقراطي لا يعدو أن يكون بيعاً للحكم، وهو ما تنبأ الرسول # بحصوله حين قال: «أخاف عليكم ستاً: إمارة السفهاء، وسفك الدم، وبيع الحكم، ونشوء جماعة يتخذون القرآن مزامير، وكثرة الشُّرَط»[23].
6 ـ احترام حقوق الإنسان: المقصود بذلك احترام الحقوق والحريات الفردية والجماعية، وحماية الكرامة الإنسانية المتأصلة في طبيعة الكائن البشري، وَفْقَ المعايير الكونية التي أقرَّتها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
فمن حيث الالتزام بالتطبيق نجد بَوْناً شاسعاً بين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يكاد يخلو من تحديد الجهة المكلَّفة بتنفيذه، أو الإجراءات التي تُتَّخذ بحق من يخرق تلك المبادئ، ما عدا إشارات قليلة مبهمة؛ ومن هذه الإشارات قوله في الديباجة: «... فإن الجمعية العامة تنادي بهذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه المستوى المشترك الذي ينبغي أن تستهدفَه كافة الشعوب والأمم...»[24].
أما الشريعة الإسلامية فإن فقهاءها متفقون بشكل عام على دلالات النـصوص المتـعلقة بحقوق الإنسان في الإسلام. ومما ييسر ذلك أن المكلفين بحماية حقوق الإنسان وتمكين الأفراد من ممارسة تلك الحقوق محدَّدون بوضوح في الـشريعة الإسـلامـية؛ فالتكافل الاجتماعي في الإسلام - مثلاً - منظَّم بدقة؛ فالزكاة محددٌ مقدارها وتُفْرَض على المقتدرين من أبناء الأمة لصالح الضعفاء بصرف النظر عن جنسهم أو دينهم أو أصلهم، ويُلزَم ولي الأمر بتطبيق ذلك. والحدود مقررة بوضوح وخرقها يستدعي عقوبتين:
- دنيوية: يُنزِلها أولياء الأمور.
- وأخروية: تتمثل في العذاب الذي يَحيق بالظالمين يوم الحساب: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِـمُونَ} [البقرة:٩٢٢].
والأمثلة الباهرة على احترام الإسلام لحقوق الإنسان يصعب حصرها؛ لكثرتها، منها قصةُ ذلك القبطي في عهد أمير المؤمــنين عمر بن الخـطاب ـ رضي الله عنه ـ الذي قصد المدينة، وهو يرمي إلى لقاء أمير المؤمنين هناك، عندما أقــدم ابن والي مـصر آنـذاك عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ على ضربه دون وجه حق، وقطع هذا القبطي كلَّ تلك المسافة؛ لأنه كان يعلم بأن أمير المؤمنين سينصفه من ابن والي مصر، ولولا ذلك لما كان تجشم كل ذلك الجهد والعناء وطول المسافة، ولَـمَّا دخل على الخليفة وألقى شكواه، فما كان من الخليفة إلا أن أمر الوالي وابنه بالحضور إليه، ولَـمَّا تثبَّت من الظلم الذي حاق بالقبــطيِّ أمــر القبطي بأن يضرب ابن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ وقال كلمته الشهيرة: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟».
7 ـ النسبية: وهو مذهب ظهر لأول مرة في القرن الخامس قبل الميلاد، يقول بأن الصحيح والمغلوط والجيد والرديء ليست صفات مطلقة، وأن كل شيء يتغير ويتبدل حسب الظروف. إن هذه القضية ليست صحيحة على إطلاقها؛ فالإسلام على عكس ذلك؛ يجمع بين الثوابت (المتمثلة في الأحكام)، وبين المتغيرات (المتمثلة في الفروع الاجتهادية)، وقد توقف بشكل موسَّع فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه الممتع (الخصائص العامة للإسلام) على اللَّبْس والغبش اللذين يلفَّان هذين العنصرين اللذين تحاول الاتجاهات التشكيكية توظيفهما في هذا الزمن الذي أصبح فيه التخلف بل الضعف حكمة للإجهاز على الإسلام وقيمه الراقية، والذي لا يحتاج إلى بيان وتوضيح مميزاته، ورحم الله القائل:
وليس يصحُّ في الأذهان شيء
إذا احتاج النهار إلى دليلِ
الحداثة في مقابل الدين، إسقاطٌ لتجربة وتعميمٌ لما هو خاص:
إن المرء حين يفتح الحوار مع الآخر في إطار تبادل وتداول المعـرفـة والخبـرات، إنمـا يسعى إلـى إدراك المنـاهج العلميــة لا التـربـويـة، تلك التي ارتكزت عليها البلدان المتقدمة في بناء حضارتهـا ومجـدها، واستيـعـابـها بشـكل حـذر وفطــن لا الابتلاع التـام دون التمييـز بين الصـالح والطـالح. أمـا التـربية والثقافة فيستمدها من دينه وتراثه والعـرف السـائد الـذي لا يصطدم بالقيم الحضارية الإسلامية لمجتمعه، وبذلك يصبح الهدف من التلاقح الفكري إدراك الحضارات الإنسانية في عمقها المعرفي، وليس الولوغ في فكرها التربوي وفلسفتها الحياتية. والتجربة اليابانية مثال صارخ وساطع لأنموذجٍ استطاع في ظرف وجيز أن يَخرُج من رِبْقة التخلف إلى بريق إشعاع التقدم دون محو ثقافته وإرثه العتيق، كما تسعى إلى ذلك ثلة من الحداثيـين العرب بكـل ما أوتيت من قوة الإعلام والمنشورات والدعم الخارجي، في العمل على التعتيم على تاريخ الأمة الإسلامية وطمس هويتها الدينية. يقول «برتراند راسل»: «كانت اليابان دولة متخلفة اقتصادياً ولم تكن تشعر أبداً أنها متخلفة ثقافياً».
ولكن ما يحزُّ في النفس هو إقبال المسلمين على استيراد ثقافة الآخر الممسوخة: من إعلامٍ ماجن، ولباسٍ عارٍ مفضوح زاعمين أن التقدم في العري؛ فراحوا ينزعون الثياب، وفاتَهم الأخذُ بالعلم وآلياته التي هي أساس نهضة البلدان ما لم تتعارض مع المبادئ السامية للإسلام. يقول الشاعر العربي:
قلَّدوا الغربيَّ لكن بالفجورِ
وعن اللُّب استعاضوا بالقشورِ
لهذا - كما قال أحد دعاة هذا العصر - فإن: «الواجب أن نأخذ الحق من كل شخص، وأن نتجنب الباطل مهما كان قائله». وقبله ابن رشد ـ رحمه الله ـ قال: «إنا ألفينا لمن تقدَّمَنا من الأمم السالفة نظراً في المـوجـودات واعتبـاراً لهـا بحسب ما اقتضتـه شرائط البرهان، أن ننظر في الذي قالوه من ذلك، وما أثبتوه في كتبهم، فما كان منها موافقاً للحق قبلناه منهم وسُرِرنا به، وشكرناهم عليه، وما كان غير موافق للحق نبهنا عليه».
وخلاصة القول: إن الفكر الحداثي يرتكز على النقاط التالية:
ـ إعلان القطيعة التامة مع الدين، وتجاوز ما يسمونه (سلطة النص)، والتأكيد على أن النص يجب أن يُقرَأ في سياقه التاريخي (أي: النص الشرعي بطبيعة الحال).
ـ التمرد الصارخ على القيم والثوابت الفكرية والأخلاقية، والضيق الشديد بكل ما له صلة بالدين.
ـ الدعوة إلى الاقـتـداء بالأسـياد البيض (الغرب) بكل ما عندهم من إنجازات معرفية، وظواهر إلحادية، وتمزقات اجتماعية.
ـ الدعوة إلى فسح مجال الاجتهاد الشرعي للجميع، ومن ثَمَّ إقصاء دَوْر العلماء.
سبحان الله! هل يريدون أن تكـون أمَّتُنَا ثُلَّـةً مـن الغـلمـان بلا رُؤوس؟ ويـرحـم الله أبا حنيفة؛ إذ مرَّ على جماعة يتفقهون، فقال: ألَهم رأسٌ؟ قــالوا: لا. قــال: إذن لا يفلحون أبداً[25].
ولله درُّ القاضي عبد الوهاب بن علي المالكي ـ رحمه الله ـ إذ يقول:
متى يصلُ العِطاشُ إلى ارتواءٍ
إذا استَقَتِ البحارُ من الرَّكايَا
ومن يَثْنِي الأصاغِرَ عن مُرادٍ
إِذا جلس الأكـابرُ في الزَّوايَا
وإنَّ تَرَفُّع الوضَعَـاء يـوماً
على الرُّفَعَاء من إحدى الرَّزَايَا
إذا استوتِ الأسافلُ والأعالي
فقد طابت مُنَادَمَةُ المَنَايـا

[1] Taha Jabir AL Alawani, Lijtihad, London, International Institut Thought 1991p 4.

[2] لا يحق لأحد الخوض في الاجتهاد الفقهي إلا لمن يملك الكفاءة وشروط العلم؛ بأن يكون عارفاً باللغة العربية، ماهراً في التفسير وعلم الحديث والناسخ والمنسوخ وأصول الفقه وغيرها من العلوم المجمَع عليها لدى علماء الإسلام. ولقد نهى الإسلام عن القول بغير علم بشدة، من ذلك قوله ـ تعالى ـ: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـئُـولاً} [الإسراء:٦٣].

[3] التاريخانية (Historicisme): مصطلح طبقه أهل التخريب العقدي على الإسلام، ويعنون به: فهم الإسلام في حدود الحقبة الزمنية التي ظهر فيها، وفي ضوء البنية الاجتماعية والثقافية التي عمل عبرها، مع التأكيد على نسبية وعدم اتساع قواعده ومفاهيمه لتطبَّق على حِقَبٍ زمنية لاحقة.

[4] ابن منظور، لسان العرب، بيروت، دار صادر، 1300هـ، مادة: ح د ث.

[5] أخرجه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، السلسلة الصحيحة للألباني، (ح 937).

[6] Abdallah Laroui, Islamisme, modernisme, lie`ralisme, op, cit, p 27.

[7] علي أومليل: مواقف الفكر العربي من التغيرات الدولية: الديمقراطية والعولمة، منتدى الفكر العربي، سلسلة دراسات عربية، عمان الأردن، 1998م، ص: ٢٣.

[8] د. حسن حنفي: ماذا يعني اليسار الإسلامي؟ مجلة اليسار الإسلامي، العدد الأول، 1401هـ، ص ٤٤، وهي مجلة لسان حال هذا التيار، لكنها انقطعت عن الصدور بعد فشلها في ترويج فلسفتها تلك.

[9] هذا الكتاب قراءة عَلْمانية صدرت بعده عدة تعقيبات وانتقادات علمية لكثير من الباحثين والعلماء.

[10] لمزيد من التوسع في هذا الموضوع يُرجَع إلى مقال الأستاذ غازي التوبة: (الكتاب والقرآن) قراءة معاصرة، مجلة الوعي الإسلامي، العدد 391، ربيع الأول، 1419هـ يوليو 1998م.

[11] د. رجاء ناجي المكاوي: من الحداثة المادية إلى الحداثة الأخلاقية: دور المسلم في ترشيد الانتقال، مجلة مدارك، العدد الأول، ديسمبر 2005م، ص ٧٤.

[12] للتوسع في الموضوع يُرجَع إلى كتاب الدكتور محمد خضر عريف: الحداثة مناقشة هادئة لقضية ساخنة، ص: ١١ - ٢١.

[13] د. رجاء ناجي مكاوي: مرجع سابق، ص ٧٤.

[14] د. أحمد إبراهيم خضر: الأساس الإلحادي للمفاهيم الغربية، مجلة البيان، السنة الحادية والعشرون، العدد223، ربيع الأول 1427هـ مارس 2006م، ص ٩٩.

[15] د. رجاء ناجي مكاوي، مرجع سابق، ص ٦٤.

[16] جريدة الأحداث المغربية، وهي جريدة حاقدة على الدين.

[17] سبق لمجلة البيان أن تناولت أطروحة د. المسيري هذه حول العَلْمانية الجزئية والشاملة بدراسة ناقدة للأستاذ محمد إبراهيم مبروك في العدد 215 الصادر في رجب 1426هـ ، أغسطس 2005م.

[18] في بعض الروايات القصصية، واستناداً إلى ما يسمى بالشك المنهجي والإلحادي في الآن نفسه؛ حاول أحد المعلمين إيهام التلاميذ استغلالاً لبراءتهم بنفي وجود الله، فقال لهم: لو قلت لكم إن في هذا النهر البعيد عنا فرساً يشرب ماء، سيكون جوابكم بطبيعة الحال بالنفي والإنكار؛ لأنكم لم تروه، الشيء نفسه ينطبق على وجود الله؛ لا نراه، إذن هو غير موجود. فتقدم أحد التلاميذ النجباء بسؤال معجــز ومحيــر: «يا أصدقائي وزملائي: هل ترون عقل المعلم؟ فأجابوا: لا، فقال لهم: إذن المعلم بدون عقل.

[19] الحارث بن أسد المحاسبي وأبو حامد محمد بن محمد الغزالي، شرف العقل وماهيته، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، بيروت، دار الكتب العلمية، 1986، ص ٢٣.

[20] أبو حامد الغزالي، مرجع سابق، ص ١٥.

[21] د. أحمد أبو زايد: هل تقوم ثورة علمية في العالم العربي؟ مجلة العربي، العدد 568، مارس، 2006م، ص ٢٣.

[22] أخرجه مسلم في صحيحه، (ح 2699).

[23] أورده الألباني في صحيح الجامع برقم: 216.

[24] للتوسع يُرجَع إلى كتاب: حقوق الإنسان بين الشريعة الإسلامية والإعلان العالمي، للدكتور علي القاسمي، كتاب المعرفة للجميع، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، 2001م.

[25] أخرجه الخطيب في الفقيه والمتفقه، (790).


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــ
(م: البيان)
ـــــــــــــــــــــــ


المصدر: ملتقى شذرات


hgp]hem fdk hghsjduhf ,hghsjghf rvhxm lthidldm ,kr]dm

رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« تجنيد العقائد المنحرفة في الأدب العربي الحديث | البناء الفني في شعر سعدي يوسف »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
آخر سرقات كاهن الحداثة الأكبر عبدالناصر محمود أخبار ومختارات أدبية 1 11-12-2015 01:08 PM
الحداثة والهولوكوست عبدالناصر محمود بحوث ودراسات منوعة 0 11-08-2014 08:46 AM
الحداثة : لفظ له رنين لإلغاء الدين عبدالناصر محمود مقالات وتحليلات مختارة 0 07-19-2013 06:33 AM
عودة إلى نشأة الحداثة في أوربا Eng.Jordan كتب ومراجع إلكترونية 0 01-04-2013 03:57 PM
شرط الحداثة الأدبية Eng.Jordan أخبار ومختارات أدبية 0 12-17-2012 10:29 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 04:33 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68