تذكرني !

 





شذرات موسوعية ثقافية |علمية| سياسية | تاريخية | اقتصادية | اجتماعية

علم استنباط المياه عند المسلمين

كتبه د. خالد عزب

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 04-07-2013, 02:00 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,445
افتراضي علم استنباط المياه عند المسلمين




كتبه د. خالد عزب
رزق العرب منذ قديم الدهر فراسة حاذقة يتعرفون بها على مكامن الماء في باطن الأرض ببعض الإشارات الدالة على وجوده، وبعده وقربه، بشم التراب أو برائحة بعض النباتات فيه، أو بحركة حيوان مخصوص. سمى العلماء معرفتهم هذه(1) علم الريافة(2).
قال الألوسي : >هو نوع من الفراسة، وهي موجودة في بعض أعراب نجد، ويسمى من له هذه المعرفة اليوم "النصات"، ولم تذكره معاجم اللغة، وهو من مبالغات اسم الفاعل من : نصت الرجل ينصت نصتاً، وهو "القنقن"، وجمعه بالفتح "القناقن". وقد عرفته دواوين اللغة بأنه "البصير بالماء تحت الأرض" و"البصير بحفر الماء واستخراجها" و"الذي يسمع فيعرف مقدار الماء في البئر قريباً أو بعيداً" من القن، وهو "التفقد بالبصر"<(3).

وورد (القناقن) بالجمع في شعر للطرماح بن حكيم (تـ نحو 125هـ) قال :

يخافتن بعض المضغ من خشية الردى

ويـنـصـت للسـمـع انتـصـات (القـناقـن).

ويقال لمن يقوم بالحفر وإنباط الماء (القناء)، وقد تطورت هذه المعرفة الفطرية عند العرب إبان تفجر ينابيع العلم في الإسلام وتبحر العلماء المسلمين فيه، وقامت الحضارة الإسلامية وعمرانها على أسسه وقواعده، فصارت بجهود علماء الرياضيات والطبيعيات علماً محرراً ومدوناً، وفناً تطبيقياً بالغ الدقة، ارتقى به بعضهم إلى اختراع موازين يزن بها ارتفاعات الأرض على النحو الدقيق الذي اهتدى إليه، وشرح صفته المهندس الرياضي (الكرجي) على ما ستأتي الإشارة إليه.

وبدأ العلماء المسلمون التأليف في الماء في أواخر المائة الثانية الهجرية، وقد تناولوا بحثه من جوانب مختلفة، وأرقاها وأبلغها فوائد وعوائد ما ألفوه في (استنباط المياه الخفية). ولعل أول كتاب في هذا الفن، بلغنا خبره، هو كتاب "علل المياه وكيفية استخراجها وإنباطها في الأرضين المجهولة"، الذي ألفه أبو بكر أحمد بن علي المعروف بابن وحشية، من أهل المائة الثالثة الهجرية، وأدرك المائة الرابعة، وقد عرفنا من ذلك الكتاب اسمه، ولم يبلغنا عن وجوده في مظنة خبر.

ووضع فيلسوف العرب "أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي" المتوفى نحو سنة 260هـ شرحاً على كتاب "في قود المياه"، أي جرها لفنيلون البيزنطي.. ذكره أبو عمر أحمد بن محمد بن حجاج الإشبيلي في كتاب "المقنع في الفلاحة"، ونقل إلى كتـابه فصـلاً مـنه (فيما يعرف به قرب الماء من بعده وحلوه من مره)، وقال في صفته : >هو أحسن كتاب ألف في هذا الشأن، ولا بد لمن أراد قود ماء من موضع بعيد إلى مدينة أو قرية أو نحوهما، من تصفح هذا الكتاب، لما فيه من المنافع وقرب المآخذ<.

ونجد أيضاً في رسالة الكندي "في العلة الفاعلة للمد والجزر" اكتشافه للدورة الهيدرولوجية، فيذكر عناصرها المعروفة في الوقت الحاضر تقريباً وهي : التبخر. ويذكر أنه يتم بتأثير الشمس، التكاثف، وينعقد سحاباً. الهطل، ويصير مطراً أو ثلجاً أو بردًا. الجريان أو الانتقال : عائداً إلى الأرض سائلاً إلى البحار. ويشير بشكل واضح إلى دورية هذه الحوادث التي تشكل الدورة الهيدرولوجية بقوله : دائماً بهذا الدور أبداً ما بقي العالم، ثم يشير إلى حقيقتين تتعلقان بالمياه الجوفية :

أولاً : أن المطر والثلج يشكلان المصدر الأساس للمياه الجوفية.

ثانياً : وجود أجواف وخزانات في باطن الأرض تحتوي على المياه الجوفية.

ثم يشير إلى مصير هذه المياه محدداً أشكال ظهورها وأماكن استخراجها بأشكال مـختلفة، مثـل القنـوات الجـوفية أو الآبار أو ظهورها تلقائياً، كالعيون التي يعرفها كالآتي : >وهى الخروق المتفجرة من بطون الأرض انفجاراً<، أي باندفاعها الذاتي من غير حفر. هذا الكلام يقترب من الحقائق العلمية المعروفة حالياً. ثم يحدد الكندي أنواع الماء الجوفي : >فأما كون الماء في بطون الأرض فيكون بحالين : أما أحدهما فالجاري من أعلى، وأما الآخر فالمستحيل في بطون الأودية<. فالأول هو الذي مصدره المطر أو الثلج الذي يمكن الاعتماد عليه، كمصدر للإمداد بالماء. ويذكر نوعاً آخر من الماء الجوفي، وهو الماء الناجم عن التكاثف في أجواف الأرض الباردة، وعلى الرغم من أن هذه العملية تحدث، إلا أنها لا تساهم بحال من الأحوال في زيادة كمية المياه الجوفية.

ثم يسهب الكندي في بيان تحول الهواء إلى ماء : >لأن الهواء والماء مشتركان في الكيفية المنفعلة<، وهو يعني هنا الرطوبة "متضادان في الكيفية الفاعلة"، وهو يعني هنا الحرارة والبرودة، فإذا استحال في رأيه الهواء بارداً وعدم الحرارة، فإنه يصير عنصراً بارداً رطباً، وهذا هو الماء. ويلاحظ أنه أدخل تأثير الرطوبة والحرارة والبرودة، وأن عملية التكاثف هذه، إنما يخضع لها الماء نتيجة لانخفاض درجة الحرارة. كما أشار إلى أن هذه العملية يمكن أن تحدث في الآبار ذات الأعماق البعيدة.

وبيَّن الكندي أيضاً في رسالته حادثة التكاثف تجريبياً كالآتي : تأخذ زجاجة قنينة، فتحشوها بالثلج حشواً تاماً ثم تستوثق من سد رأسها، ثم تزنها وتعرف وزنها، ثم تضعها في قدح تقرب أرجاؤها من ظاهرها، فإن الهواء يستحيل على ظاهر القنينة كالرشح على القلال، ثم يجتمع شيء، ثم يوزن الإناء والماء والقدح معاً، فيوجد وزنها زائداً على ما كان قبل. والوزن الزائد بالطبع ناتج عن تكاثف الهواء المحيط بزجاجة الثلج، ثم ذوبانه وسيلانه إلى مقر القدح.



كتاب إنباط المياه الخفية

مؤلف هذا الكتاب هو محمد بن الحاسب الكرجي المتوفى في القرن الخامس الهجري(4)، والكتاب الذي وضعه في هذا العلم كتاب نفيس يمكن أن يُعدّ موسوعة فنية في دراسة المياه الجوفية واستثمارها. ويقصد المؤلف في عنوان كتابه بالإنباط إخراج الشيء وإظهاره بعد خفاء، وأنبطنا الماء، أي استنبطناه وانتهينا إليه. والاستنباط : الاستخراج(5) والمياه الخفية هي المياه الجوفية حسب المصطلح العصري.

وقد أحاط الكرجي بموضوعه إحاطة الخبير المثقف الذي أدرك أهمية كل فكرة تحدث عنها. فدقة التفاصيل التي شرحها في هذا الكتاب وجمعه بين الهندسة العلمية والبرهان الرياضي، ولا سيما في (باب وزن الأرض) تدل دلالة واضحة على أن الكرجي ــ وهو العالم الرياضي ــ زاول مهنة المهندس وتعرف إلى دقائقها، بالشكل الذي كانت تعرف به في ذلك الوقت. فالمهندس هو المقدر لمجاري المياه والقنى واحتفارها حيث تحفر. وثق الكرجي في هذا الكتاب خبرة هندسية اختزنتها وطورتها الذاكرة العلمية والعملية للحضارة الإسلامية في مجال الاستفادة من المياه الجوفية. لذلك كله، فإن الكتاب لفت انتباه المستشرقين، فترجموه إلى الألمانية(6) والفرنسية(7) والإنجليزية(8).

ويذكر الكرجي عن سبب تأليف هذا الكتاب، أنه بعد أن تصفح شيئاً من كتب المتقدمين في الموضوع، ووجدها قاصرة على الكفاية واقعة دون الغاية، بدأ في تصنيف كتابه هذا في إنباط المياه الخفية، وعن مفهوم الدورة الهيدرولوجية للماء. ويذكر تحت عنوان صفة الأرض : >ومن حكمة الله أن خلق في الأرض مواضع كثيرة ذات جبال متصلة. فإذا كان الزمان في هذه المواضع شتاء، فإن الهواء يتكثف ويشتد البرد، ويستحيل الهواء إلى ماء استحالة قوية، ووقعت عليها الثلوج لا تنقطع شتاء ولا صيفاً. فإذا اشتد الحر بها بمسامته الشمس إياها، ذابت وصار ذوبها مادة الأرض والخروق التي في بطنها، فصارت مادة لمنابع في أماكن بعيدة<.

ويذكر كذلك : >لما خلق الله الأرض والماء خلق لكل واحدة منهما مادة، فمادة الماء الساكن في بطنها والعيون والأودية والينابيع عليها من الأمطار والثلوج، فلو انقطعت، قلت المياه وأدى ذلك إلى خراب الأرض<، ويقول أيضاً : >وعلى هذا يجب أن تكون المياه من الثلوج والأمطار من استحالة الماء إلى الهواء، والهواء إلى ماء<. وهو بقوله هذا يشير إلى التبخر والتكاثف. ولعل باقي كلامه من الوضوح، بحيث لا يحتاج إلى تعليق. ويصنف الكرجي أنواع المياه الأرضية تصنيفاً دقيقاً يثير العجب ينطبق تماماً على ما يعرفه الهيدرولوجيون اليوم، فيقول إن >الماء في بطن الأرض ثلاثة أنواع، ماء ساكن في جوفها لا يزيد بزيادة الأمطار ولا ينقص بنقصانها ولا يتغير حاله إلا شيء قليل، فقد غمر جرم الأرض بحسب وجود الخلل والمنافذ فيه، لا يتغير بشدة القيظ وأزمان الدهر، ويكون هذا الماء قليل الحركة والجريان في بطن الأرض، والثاني ما تكون استحالة الهواء إلى ماء في بطن الأرض دائماً، وهذا يدوم جريه ما بقي السبب الذي به يستحيل الهواء إلى ماء، والثالث الماء الذي مادته من الثلوج والأمطار وأكثر عمارة أهل الأرض به، لأنه مادة الأودية العظام والعيون والقنى<.

هذه النصوص تدل دلالة قاطعة على الوضوح الكامل لفكرة الدورة الهيدرولوجية عند مؤلف الكتاب الذي عاش في القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي، وهو عندما يسوق هذه المفاهيم، لا يسوقها ليبحث بحثاً نظرياً أكاديمياً يعارض فيه هذا المؤلف أو ذاك، إذ الغاية من كتابه غاية يمهد لها بمعطيات نظرية، وهو يعبر عن هذه الفكرة بوضوح فيقول : >ومن تصور ما ذكرته وحققته، فقد عرف قطعة كبيرة من صناعة إنباط المياه، لأن تصور طبع الأرض والماء، وكيفية وضعهما وخلقتهما وصفة حال الماء وخللها يدل على معرفة قوية في هذه الصناعة<.

فهي معطيات نظرية تقود إلى إتقان صناعة علمية : صناعة إنباط المياه الخفية التي بها عمارة الأرض، وهو يدرك أهمية هذه الصناعة، فيقول : >فلست أعرف صناعة أعظم فائدة وأكثر منفعة من إنباط المياه الخفية التي بها عمارة الأرض وحياة أهلها<(9).

ويقودنا الكرجي في كتابه إلى كيفية الاستدلال على وجود الماء الجوفي، فقد صنف الجبال والأحجار الدالة على الماء حسب كمية الماء الموجود فيها إلى :

ــ الجبال السوداء، إذا كانت من حجر يخالطه طين، والحجر رخو ذو أطباق، وعواليها ــ أي قممها ــ عريضة، وأجسامها ضخمة.

يتضح أن الجبال السوداء التي يتحدث عنها هي من الصخور الرسوبية التي تتألف من طبقات مرصوفة متوازية تفصلها سطوح الارتصاف التي تكون عادة من مواد متبلورة، ومن الصخور التي تمتاز بلون أسود "الهيماتيت". وتعدّ الصخور الرسوبية كالرمل والحصى، مناسبة لترسب الماء وامتصاصه. وهناك صخور استحالية تمتاز بلون أسود، كالغنايس الهوربنلندى والميكاشيست، ولونه فضي أسود. ومن الصخور سوداء اللون أيضاً، الصخور الاندفاعية:البيروكسيت، والبازلت والغابرو، وكلها صخور دالة على وجود ماء جوفي.

أما الصخور الأخرى التي يذكر الكرجي أنها تحتوي على الماء، فهي الصخور الخضراء، ومنها الدونيت، وهو أخضر مصفر، والفيليت، وكذلك الكلوريت شيست ولونه أخضر به قطع سوداء، وكذلك يذكر الصخور الصفراء، ومنها الأنديسيت(10).

ويصف الكرجى أيضاً في كتابه أشكال الجبال التي تحتفظ بالثلوج وتختزن الماء في أجوافها. ومن صفاتها أن تكون مغطاة بالشجر، بشكل يظللها فيؤدي إلى احتفاظ الأرض بالرطوبة وتقليل البخار. وفي الصحارى ينظر إلى الأرض وشكل حجارتها. فالحجارة الرخوة السوداء تدل على الماء، والحجر المختلف الألوان المتبدد يدل عليه، و الحجر الأبيض المتفرق، وكذلك الصخور الثابتة، ويلاحظ أنه يشير إلى الحجر المتفرق والمتبدد، وهذا يعطي دليلاً على الفراغات، وبالتالي ازدياد تسرب الماء إليها(11).

كما يذكر الكرجي في كتابه مجموعة من النباتات يدل وجودها على الماء الجوفي، ويذكر أن وجود هذه النباتات يدل على وجود الماء الجوفي مع الشروط الآتية :

ــ أن يكون نابتاً من غير زرع.

ــ أن يكون غضاً.

ويعلق على نبات الحاج بأن جذوره تمتد حتى تصل إلى الماء، وتمتد جذوره إلى 15 ذراعاً، أي ما يقرب من 8 أمتار تقريباً، وذكر مثالاً آخر لنفس النبات، حيث وصلت جذوره إلى 50 ذراعاً، أي نحو 27 متراً.

ويصنف الكرجي المياه الجوفية وخواصها الكيميائية والفيزيائية إلى ثلاثة أنواع :

ــ الماء الساكن : هو ماء يجري في جوف الأرض، وهو لديه اضطراب في تعريف هذا الماء، خاصة عندما يذكر أن نشأته من استحالة الهواء إلى ماء في الأرض.

ــ الماء المتكاثف : ما تكون مادته استحالة الهواء إلى ماء، هذه العملية تحدث في أجواف الأرض الباردة، وهى بالطبع لا تعطي إلا كميات قليلة جداً من الماء، ولا علاقة لها بالماء الجوفي.

ــ الماء الذي مادته من الثلوج والأمطار، لأنه مادة الأودية العظام والقنى والعيون. وهو تعريف أيضاً يدل على طبقة الماء الجوفي، والتي تعرف بمنطقة الإشباع.

ويذكر الكرجي أيضاً صفات الماء الصالح للشرب والمتمثلة فيما يلي :

ــ أن لا يثقل على المعدة.

ــ ينفذ نفاذاً سريعاً.

ــ يقبل البرد والحر بسرعة.

تحتوي الشروط الثلاثة للماء الصالح للشرب ضمناً انخفاض نسبة المواد المنحلة (عدم الإثقال ــ النفاذ ــ قبول البرودة والحرارة)، والشروط الثلاثة لا تختلف من حيث الجوهر، وإنما من حيث الدقة والتحديد الكمي لهذه الشروط. وتم تحديد درجة حرارة الماء الملائم للشرب بين (15-10) درجة مئوية. وتعد نسبة 1000 ملغ من المواد الذائبة حداً فاصلاً بين المياه العذبة وسواها. ويشير الكرجي إلى أن الماء الذي لا تتحقق فيه الشروط السابقة هو ماء (رديء وبيء)، والكلمتان لهما مدلولان محددان تماماً. فرديء، تعني عدم إمكانية شربه، أما وبيء فتعني أنه ناشر للوباء. والوباء هو المرض القابل للانتشار، ولا يخفى ما للمياه الملوثة من قدرة على نشر الأوبئة(12). ويتحدث الكرجي عن الماء العذب الذي يسميه الرقيق أو الخفيف، باعتباره الماء الصالح للشرب، والماء الثقيل أو الثخين أو الكريه، باعتباره الماء الملوث الذي لا يصلح للشرب.ويوصي بفحص الماء بالنظر والشم والتذوق. فالماء الصالح للشرب ليس له طعم ولا لون ولا رائحة ويقبل الحرارة والبرودة(13).

وبعد هذه الرحلة مع كتاب "إنباط المياه الخفية"ومؤلفه، فإن الدراسة المتعمقة له قد أفضت إلى مجموعة من النتائج، التي تجدر الإشارة إليها في النقاط التالية :

ــ تضمن الكتاب براهين رياضية وتحليلات هندسية، ووصفاً لتنفيذ أعمال إنشائية ولأجهزة قياس.

ــ ربط بين الاختلاف التضاريسي على سطح الأرض وحركة المياه.

ــ عرف الدورة المائية " الهيدرولوجية " وتوصل إلى أن الأمطار والثلوج تتسرب عبر شقوق القشرة الأرضية لتشكل مصدراً مغذياً للمياه الجوفية التي تظهر من جديد على سطح الأرض.

ــ شرح آلية انبثاق العيون، حين يصادف أن تتقاطع الطبقة المائية مع سطح الأرض من موقع الخزان الجوفي، فيؤدي هذا إلى تدفق العيون.

ــ شرح عدد من الحركات التي تحدث في الأرض، كالسقوط والانهدام بتأثير المركز، وانتقال المياه، وحركة الأجزاء الترابية الدقيقة لتترابط، وحركة القارات.

ــ ربط الكرجي بين الظاهرة الطبيعية والظاهرة الإنسانية.

ــ شرح وفصل أنواع الماء الجوفي تبعاً لأشكال وجودها ومنسوبها عن سطح الأرض، منها الماء الساكن "البساط المائي" وماء التوآب "الماء المعلق".

ــ وضح أهمية الجبال كمخازن للماء الجوفي.

ــ أشار إلى أثر التبخر في تحويل الماء العذب إلى ماء ثخين وارتفاع نسبة المواد الصلبة فيه.

ــ ربط بين الأحواض المائية الجوفية والتكوينات الجيولوجية، وذكر من هذه التكوينات، حواجز قائمة ومسطحة ومائلة، وهذا الاختلاف أدى إلى ظهور المياه الجوفية بأشكال مختلفة.

ــ شرح وفصل طرق الاستدلال على الماء الجوفي، منها ما يتعلق بنوعية الصخور والتربة وصفاتها الفيزيائية، ومنها ما يتعلق بأنواع النبات، ومنها بعض الاختبارات، كطريقة القدح المقلوب.

ــ فصـل الحـديث في أنواع الماء الجوفي من الناحية الكيميائية، أي على حسب المواد المنحلة فيها، كالماء الصالح والمر والحلو والكبريتي والزرنيخي.

ــ تحدث عن الشروط الواجب توافرها في مياه الشرب، ومنها ضرورة انخفاض نسبة المواد المنحلة فيها، والاختبارات المتبعة لتحديد هذه الصلاحية، وتحديد أفضلية ماء على ماء، وبعض طرق تنقية المياه.

- تحدث عن دور الفصول والظواهر الطبيعية العائدة إلى كل فصل، وأعاد أصل الظواهر إلى التكاثف والتبخر والحالة المناخية الحرارية.

- صنف التربة تبعاً لمدى صلاحيتها لحفر القناة، والصفات الفيزيائية الواجب توافرها فيها، مثل كمية الرطوبة والقساوة، وخلوها من المواد العضوية والمركبات الضارة.

- شرح تأثير الزلازل على المياه الجوفية بالتغيرات الجيولوجية التي تحدث في باطن الأرض، وما تؤدي إليه من تغير مواقع التكوينات المائية، مما يؤدي إلى أخذها وضعية جديدة.

- أفاض في الحديث عن الأحكام والقوانين الشرعية الإسلامية التي تحكم مصادر المياه الجوفية، فأشار إلى اجتهادات عدد من الفقهاء.

ويلاحظ أن الكرجي كان مجتهداً في حل مشكلات حُرُم المصادر المائية الجوفية، وقد استفاد من ثقافته وخبرته العلمية الهندسية، مستشهداً بالأحاديث الشريفة، ومعتمداً على اجتهادات الفقهاء، فأدرك ضرورة فحص التربة والصخور، وضرورة اتباع اختبارات هندسية، كالآبار الاختبارية، وذلك من لأجل وضع تصور لأشكال التكوينات المائية الجوفية، وتحديد الحريم بناء عليه.

ــ فصل الحديث عن الصعوبات التي تعترض حفر الآبار والقنوات، وقدم حلولاً شاملة، منها حلول هندسية وتنفيذية، ومنها نصائح وقائية، ومنها أدوات وتقنيات تساعد في تذليل تلك الصعوبات.

ــ شرح طرق تنفيذ بعض منشآت المياه الجوفية، مثل تفاصيل حفر وإنشاء القناة وحفر الآبار والمصاعب التي تعترض العمل، والتعامل مع التربة في أثناء ذلك، كدعم التربة الرملية أو اللجوء إلى الأنابيب في التربة الطينية التي تحوي بقايا عضوية.

ــ ناقش الناحية الاقتصادية، وأكد أن قيمة الفائدة المرجوة يجب أن تكون أكبر من كلفة الاحتياطات المتخذة.

ــ أكد ضرورة حماية العمال الذين يقومون بالحفر من الغازات السامة التي يمكن أن تنطلق، وذلك باتباع طرائق هندسية معينة، أو باستخدام بعض الأجهزة، وكذلك ضرورة ارتداء الملابس الواقية من الماء أثناء حفر القناة.

ــ شرح كيفية استخدام الأنابيب الرصاصية في رفع ماء البئر إلى سطح الأرض.

ــ شرح بالتفصيل استخدام البرابخ "الأنابيب"، كوسيلة هندسية لجر المياه وأسباب اللجوء إليها، ووصف شكل البربخ و كيفية صناعته وطريقة تنفيذه.

ــ وأوضح أيضاً حلاً آخر للأنابيب، وهو رص ورصف جوانب الساقية.

ــ أشار إلى العديد من مواد البناء التي تستخدم في المنشآت المائية، كالآجر والحجارة والطين، وخلائط النورة بجميع أنواعها كرابط، واعتنى بتفصيل طريقة تصنيعها واستخدامها.

ــ ذكر ثلاثة أجهزة مساحية لقياس فروق الارتفاع في موقع القناة لتحديد ميلها الطولي، وهي : (جهاز الأنبوبة، وجهاز الصفيحة، وجهاز العمود، وهي أجهزة كانت معروفة في عصره).

ــ اخترع ميزانين آخرين : ميزان الصفيحة المربعة المدرجة، و ميزان الصفيحة ذات الأنبوبة. ومن معرفته الرياضية في استخراج هذه الموازين وتطويرها وتعديلها، حولها إلى أجهزة متكاملة مدرجة تعطي فرق الارتفاع للراصد مباشرة.

ــ إن الكرجي باختراعاته هذه يكون قد أدخل الأعمال المساحية بوصفها جزءاً من عمل هندسي مائي في حقل العلوم التطبيقية، فحولها من مجرد عمل حرفي يقوم به المساح، إلى عمل هندسي دقيق.

ــ ذكر مراحل تنفيذ منشأة القناة، كاختبار موقع القناة و توقيت البدء بتنفيذها، واختيار مقطع القناة على حسب نوعية التربة و الصخور، ثم تحديد ميول الأرض لتحديد الميل الطولي لأرضية القناة، ثم حفر وإنشاء القناة والحالات المختلفة التي تعترض ذلك، والأجهزة والأدوات المستخدمة أثناء العمل.

ــ أكد ضرورة ***** منشأة القناة وترميمها باستمرار.

ــ ذكـر تقـاليد تسـليم الأعمـال المـنفذة من المتعهدين منفذي القنوات "القنائين"، والشروط الواجب توافرها في القناة عند استلامها (انظر الأشكال 1، 2، 3، 4).

ــ من المحتمل أن الكرجي قد اطلع على الباب الخامس حول هندسة إنباط المياه في كتاب الفلاحة النبطية لابن وحشية. ومن المحتمل أيضاً أن يكون قد اطلع على كتب غير عربية في مجال الاستفادة من المياه الجوفية، ومما يشير إلى ذلك أنه أورد أقوالاً وآراء ينسبها للأولين : "قال الأولون" ــ "قال الحكماء" دون أن يتبناها، وفى أحيان كثيرة ينقدها.



كتاب البئر(14)

ألف هذا الكتاب أبو عبد الله محمد بن زياد الأعرابي. ويعدّ هذا الكتاب من الرسائل التي كانت نواة للمعاجم العربية الكبيرة فيما بعد. ويجمع كتاب البئر لابن الأعرابي مجموعة لا باس بها من الألفاظ التي توصف بها الآبار في حفرها واستخراج المياه منها، وقلة تلك المياه وكثرتها، وأجزاء البئر وأنواعها، وأسماء كل نوع، وأنواع المياه الخارجة منها، وآلات استخراج المياه من الآبار.



كتاب عين الحياة في علم استنباط المياه

يعدُّ هذا الكتاب من المؤلفات المتأخرة في هذا العلم، وعلى الرغم من ذلك فإن للكتاب أهمية خاصة، سنبينها من خلال تحليل مضمون هذا الكتاب.

مؤلف الكتاب :

هو أبو العباس أحمد بن عبد المنعم الدمنهورى، نسبة إلى دمنهور بمصر(15)، ولد فيها سنة 1101هـ، ونشأ يتيماً ولا وزر له وكان ذكياً فهماً، وفي نفسه طموح وعزم، ووجد في اكتساب العلم والتحلي بحليته ما يخرجه من واقع حاله إلى ما يطمح إليه من الرفعة والمجد والعلم. فنزح إلى الأزهر صغيراً ولم يكفله أحد، واجتهد في تحصيل العلم، واشتد ولعه بالفقه، واجتهد في التعرف على المذاهب الفقهية الأربعة المشهورة، وعني بعلوم الهندسة والمساحة والهيئة (الفلك) والميقات، وصنع المزاول(16) والحساب... إلخ.

وفي أواخر حياته سنة 1181هـ ولي مشيخة الأزهر ولم تطل مدته فيها، إذ توفي في شوال 1182هـ.

سبب تأليف هذا الكتاب :

التمس تأليف هذا الكتاب من المؤلف الشيخ يوسف بن محمد الزغواني التونسي، وهو فقيه تونسي معروف. والغريب في هذا المطلب هو بعده عن تخصصه، والأمر الطبيعي من مثله أن يطلب منه تأليف كتاب في خاص علمه يزيل إشكالاً، أو يحل عويصاً، أو يفصل مجملاً، وليس كتاباً في علم إنباط المياه.

ويجلو هذا الاستغراب ما علمناه من صلة الرجل بأمير بلاده وما كان يدركه من حاجاته ومطالبه في العمران. وقد كان هذا الأمير (الباي حسين بن علي التركي) مؤسس الإمارة الحسينية بتونس، وإليه نسبتها، كان حفياً بالعمران، جاداً في نشره، وفي طليعة متطلباته هذا الماء ولزوم توفيره وإنشاء الفوارات والسقايات، فبنى المآجل والصهاريج واستكثر من نشره، ومن هنا نشأ اهتمام الشيخ بمطلب الماء، وحرص على التعرف على طرق إنباطه ووسائله ليستعين بها هذا الأمير في نشر العمران والخصب.

محتويات الكتاب :

يتألف هذا الكتاب من مقدمة وبابين وخاتمة.

فأما (المقدمة)، فقد خصها المؤلف بأشياء تتصل بطبيعة موضوع الماء، ففسر الاستنباط لغة واصطلاحاً، وتكلم عن العالم والعناصر الأربعة التي كان القدماء يظنون أن العالم مركب منها، وهي الماء والهواء والنار والتراب، معللاً وشارحاً خواصها ونسبة بعضها إلى بعض، وذكر الرياح الأربع وحدوثها وصفاتها، وبين علاقتها بالمياه في تجفيفها أو زيادتها.

وأما (البابان)، فأولهما في "تعريف المواضع التي فيها ماء، والتي ماؤها قريب، والتي ماؤها بعيد وما يستدل به على ذلك من أمارات ذكرها"، وثانيهما تكلم فيه عن حفر الآبار، وطرائقه، ووسائل معالجته، وختمه بأقوال بعضها من الاعتقاد الباطل بالنجوم والقمر، مما يحكيه المنجمون، وبعض آخر من حكايات أهل الشعوذة. وقد كان الخليق بالمؤلف، إذ شاء أن يذكرها، أن يفندها، ويذكر بطلانها وسخفها كما لمثله بعلمه الواسع وعقله الحصيف أن يفعل(17). وهذان البابان هما لب موضوع الكتاب.

أما الخاتمة فقد ضمنها ثلاثة مباحث : الأول في إيضاح ما تقدم، مستمداً مادته من (عجائب المخلوقات) وغيره، وهو يتعلق بالأرض وطباعها وطبقاتها وما يحيط بها من الماء والهواء، وصفة الماء وأنواعه والأبخرة.

المبحث الثاني في بيان المعمور من الأرض، طوله وعرضه وطول البلد وعرضه، وقسمة الأقـاليم إلى سبـعة، وأثر الأقاليم في الأبدان والطبائع والأخلاق. والمبحث الثالث عـقده لـبيان فضل العلم وأهله، فذكر فيه بعض ما تواترت به الآيات والأحاديث والآثار على فضله والحث على تحصيله، كأنه أراد منه أن يحفز همم الأمة إلى اكتسابه لتفيد منه في شؤون دنياها وآخرتها فتعمر الأرض، وتنبط المياه، وتزرع وتغرس ما تتقوت به، وما يمد لها من أسباب الحياة الهانئة، إذ الحكمة تقول : >اعـمل لـدنياك كأنـك تعـيش أبـداً، واعـمل لآخـرتك كأنـك تموت غداً<.

في مضمون الكتاب وخاتمته وضع المؤلف صوراً لمهاب الريح وكرة الأرض والأقاليم السبعة وغيرها.

ولا ريب في أن جملة ما تضمنه هذا الكتاب في المقدمة والبابين والخاتمة هو من العلم النافع الذي عني به الفلكيون وعلماء الفلاحة وتداولوه، وظل موضع نظر ودرس واعتبار على مسار رحلة العلم من زمن إلى آخر، ومن أوطان في الشرق إلى أوطان في الغرب، لا تحجزه حدود مغلقة النوافذ، ولا تقيده قيود(18)... ومع أن الدمنهوري لم يأت بجديد في كتابه، إلا أنه امتاز ببراعته في تلخيص الأصول التي أشارت إلى استنباط المياه، وغدت أصولها في حكم المفقود في زماننا(19)... يدل تأليف ذلك الكتاب في هذا الزمن المتأخر، فيما تدل عليه جملة معانيه، على مبلغ تعلق علماء الإسلام على تعاقب العصور بعلوم الحياة، دقيقها وجليلها، يدرسونها ويعلمونها، ويؤلفون فيها لا يفترون.



علم المياه الجارية

أحـدث ما كتبه علماء المسلمين في هذا المضمار، ما خطه الشيخ محمد حسين العطار الدمشقي (1243-1177هـ/1827-1764م)(20) تحت عنوان علم المياه الجارية في مدينة دمشق، أو رسالة في علم المياه. يـقول العطار عن سبب تأليف الرسالة ما يلي : >عنَّ لي أن أضع في ذلك تأليفاً وافياً بالمقصود كافياً، إذ لم أر في ذلك رسالة ولا كتاباً مع كونه من مهمات الحساب<. ركز العطار في رسالته على طرق حساب توزيع مياه نهر بَرَدَى على كل حارة وزقاق وبيت في دمشق وغوطتها، وهي تروي كل إنسان وحيوان ونبات، في كل وقت وزمان وعلى مدار أربع وعشرين ساعة في اليوم، سبعة أيام في الأسبوع، وعلى مدار العام، أليس ذلك دليلاً على التقدم والعلم ؟. لذلك قال العطار في مؤلفه إنَّ العلم وحده ودقة الحساب توصل الحياة إلى كل بيت وإنسان في زمن لم يكن للآلة والمضخات والرافعات وجود. لذا استخدم الدمشقيون الحسابات الدقيقة في تسيير قنوات المياه بمدينتهم، واستخدموا معها الأواني المستطرقة في التوزيع. وقد أوضح المؤلف في مخطوطته أسس علم توزيع المياه، وهو مبني على علم الفرائض والحساب، والعلوم الأخرى المساعدة، كعلم الهيئة، وهوعلم الفلك، ويفيد هنا في حساب الميول والانحدارات وفي توزيع المخططات، وعلم الميقات، وذلك لحساب الزمن المخصص في توزيع المياه. كما يبين لنا الأدوات التي يستخدمها العالم في هذا العلم، كالذراع والبيكار وغيرها، ثم يوضح لنا طرق الحساب بحسب الفرائض والنسب والقراريط، ويشرح لنا أيضاً المسائل التي ترد في تطبيقات العلم، ويضرب الأمثلة على كل حالة ليعلمنا كيف نحل الإشكالات، ويبين أسباب الخلل الذي قد يحدث في بعض الأحيان عند توزيع المياه. كما حفلت رسالة العطار بالعديد من المصطلحات العلمية الهامة الخاصة بهذا العلم(21).



الماء في مصنفات علماء المسلمين

إذا كانت الكتب السابقة قد أفردت الحديث عن المياه، فإن مخطوطات التراث الإسلامي حفلت أيضاً بنصوص وموضوعات هامة تتعلق بالمياه واستنباطها، نبدأ هذا من خلال تعريف طاش كبري زاده (علم إنباط المياه) الذي قال : >هو علم يتعرف منه كيفية استخراج المياه الكامنة وإظهارها، ومنفعته إحياء الأرضين وأفلاجها<، وعده فرعاً من فروع الهندسة، فهو فرع من فروع هندسة الري.

بينما نرى القزويني في كتابه (عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات) يقدم وصفاً للمياه الجوفية، حيث يقول : >ذهبوا إلى أن جوف الأرض فيه منافذ ومسام، وفيها إما هواء أو ماء، فإن كان أصابه مدد من جهة أخرى لا يسع ذلك الموضع تنشق الأرض إن كانت رخوة، ويظهر وجهها إن لم يكن لها قوة الخروج، فيحتاج إلى أن ينحي عنه التراب حتى يظهر كماء القنوات والآبار...<. هذا، ويعدد القزويني بعض عيون المياه العجيبة في نظره، لينتقل منها إلى ذكر الآبار مما عاينه مشاهدة أو مما سمعه من الرواة والرحالة، منها (بئر كنود) في ليبيا، وبئر بدر، وبئر زمزم في مكة المكرمة. ومن اللاَّفت للنظر أن القزويني يتحدث عن الدورة الهيدرولوجية قائلاً في فصل سماه "في السحاب والمطر وما تعلق بهما" : >زعموا أن الشمس إذا أشرقت على الماء والأرض حللت من الماء أجزاء لطيفة مائية تسمى بخاراً، ومن الأرض أجزاء لطيفة أرضية تسمى دخاناً. فإذا ارتفع البخار والدخان في الهواء وتدافعهما الهواء إلى الجهات من فوقهما، برد الزمهرير ومن أسفلهما مادة البخار غلظاً في الهواء وتداخلت أجزاء بعضهما في بعض، فإنه يكون منهما سحاب مؤلف متراكم، ثم إن السحاب كلما ارتفع أنمت أجزاء البخار بعضها إلى بعض حتى يصير ما كان منهما دخاناً وركاماً، وما كان بخاراً ماء، ثم تلتئم تلك الأجزاء المائية بعضها إلى بعض، فتصير مطراً، ثم تأخذ راجعة إلى الأسفل. فإن كان صعود ذلك البخار بالليل والهواء شديد البرد، منعه من الصعود وأجمده أولاً، فصار سحاباً رقيقاً، وإن كان البرد مفرطاً أجمده البخار في الغيم، وكان ذلك ثلجاً، لأن البرد أجمد الأجزاء المائية ويختلط بالأجزاء الهوائية وينزل برفق، فلذلك لا يكون له في الأرض وقع شديد كما هو الشأن بالنسبة للمطر والبرد، فإن كان الهواء دفيئاً وارتفع البخار في الغيوم وتراكمت منه السحب طبقات بعضها فوق بعض كما ترى في أيام الربيع والخريف، كأنها جبال من القطن مندوفاً. فإذا عرض لها برد الزمهرير من فوق غلظ البخار، فإنها تصير ماءاً وانضمت أجزاؤها فصارت قطراً عرض لها الثقل، فأخذت تهوي من أعلى السحاب وتلتئم القطرات الصغار بعضها إلى بعض حتى إذا خرجت من أسفلها صارت قطراً كباراً. فإن عرض لها برد مفرط في طريقها، جمدت وصارت برداً قبل أن تبلغ الأرض، وإن لم تبلغ الأبخرة إلى الهواء البارد، وكانت كثيرة صارت ضباباً، وإن كانت قليلة وتكاثف ببرد الليل ولم تجمد، نزلت صقيعاً<(22).

وفي كتاب الخراج تعرض القاضي أبو يوسف، لعديد من القواعد التي تتعلق بالمياه والتي يمكن أن نعدّها قوانين شرعية تحدد العلاقة بين الماء والأرض والإنسان، منها على سبيل المثال، أن تنفيذ أي منشأة مائية في ملكية خاصة يجب أن يكون بإذن من صاحب الأرض(23).

واشـتمل كـتاب صـورة الأرض لابـن حـوقل على وصف لبـعض المـشاريع المـائية. فعـن سجـستان يقول : >وللقرنين ــ وهي مدينة مياه جارية وقني من تحت الأرض كثيرة<، ويذكر عن مكة المكرمة : >وليس بمكة ماء حار إلا شيء أجري إليها من عين كان قد عمل فيها بعض الولاة فاستتم في أيام المقتدر<، وعن مدينة طبريا يقول : >وبها عيون جارية حارة ومستنبطها على نحو فرسخين من المدينة<(24).

كما اهتمت المؤلفات الكبرى في الزراعة والنبات كـ المقنع في الفلاحة للإشبيلي، وكتاب الفلاحة لابن البصال، والفلاحة النبطية لابن وحشية، بطرق إنباط المياه الجوفية وهندستها. ونتوقف عند الزمخشري الذي ولد سنة 467هـ وتوفي سنة 538هـ، فقد وضع كتاباً بعنوان كتاب الأمكنة والمياه والجبال عرف فيه بشكل مختصر بأشهر الآبار والعيون(25).

وقدم البيروني في مؤلفه الآثار الباقية عن القرون الخالية عرضاً علمياً عن المياه الجوفية، فحدد مصدرها وآلية جريانها الجوفي وأشكال وجودها بأسلوب دقيق ورصين قائم على التحليل الفيزيائي في معظم الأحيان، فهو يحدد بشكل قاطع وصريح، أن أصل المياه الجوفية هو (المطر)، حيث يقول : >فأما لما صارت مياه العيون في الشتاء أغزر... ومن البين أن وقوع الأنداء في الشتاء أكثر منه في الصيف، وفي الجبل أكثر منه في السهل، فإذا وقعت فيها وسال بالسيول غاص الباقي في المجاري التي في تجاويف الجبال وخزن هناك، ثم يأخذ في الخروج من المنافذ التي تسمى العيون...<، عبر هذا التحليل المنطقي المستند إلى انخفاض درجة الحرارة في الجبال وكون أمطارها أكثر، يوضح البيروني أن المطر له مسلكان، قسم يسلك في مسيلات سطحية، وقسم آخر يتسرب ويتخزن، كمياه جوفية، وهي المياه التي قد تخرج في شكل ينابيع.

ويعلّل البيروني حركة الماء الجوفي بالاستناد إلى مبادئ منها : حركة الماء إلى المركز، والمقصود بهذا بلغة العصر : خضوع الماء للجاذبية الأرضية مما يجعله يسيل آخذاً ميل الأرض، فهو يناقش وينتقد من قال إن : >صعود الماء في أنهار ومجاري مياه كلما تباعدت مع جري الماء تصاعدت< حسب هذا التصور. وفي الواقع أيضاً، قد ينبثق الماء الجوفي، ليس من الموضع الذي تسرب منه، وإنما من مكان بعيد عن هذا الموقع.

ويذكر البيروني أن الآبار على نوعين : إما بالرشح أو تفور بالقعر، ويبدو أن هذين النوعين يسميان حديثاً : الآبار العادية والآبار الارتوازية : >فإن من مياه الآبار ما يجتمع بالرشح من الجوانب فذلك لا يصعد، ويكون مأخذها من المياه القريبة إليها، وسطوح ما يجتمع منها موازية لتلك المياه التي هي مادتها<، هذه هي مادة الآبار العادية، فمياهها لا ترتفع إلى الأعلى، لعدم وجود الضاغط البارومتري، مصدرها طبقة مائية جوفية غير محتجزة، وقد تكون طبقة مائية معلقة تترشح مادتها في جوانب البئر، ويكون مستوى الماء في البئر هو مستوى الماء في الطبقة الجوفية.

أما النوع الثاني، فيصفه البيروني بقوله : >ومنها ما يفور في القعر، فذاك هو المرجو الممكن أن يفور إلى الأرض ويجري على وجهها، وأكثر ما يوجد في هذه الأرضين القريبة من جبال، بحيث لا يتوسطها بحيرات ولا أنهار مياه عميقة، فإذا كان مأخذه من خزانه أعلى من سطح الأرض، فإن الماء يصعد بالفوران إذا حصر، وإن كانت خزانه أسفل لم يتم ارتفاعه إليها ولم ينجح<، هذه هي البئر الارتوازية، ويقصد بخزانها (أعلى من سطح الأرض) أن موقع البئر الارتوازية يتعرض إلى ضغط مائي، مما يؤدي إلى الاندفاع إليه. فالمياه الجوفية تكون غير مقيدة أو حرة، عندما يساوي الضغط السطحي الضغط الجوي، وكذلك عندما لا تعزل بطبقات كتمية وسميكة غطائية، حتى يكون الضغط المائي السطحي أعلى من الضغط الجوي.

هكذا أبدى علماء المسلمين اهتماماً خاصاً بقضايا المياه وحلولها، حيث أفردوا لها كتباً خاصة، وفصولاً في مؤلفاتهم، وهذا يعني أنها كانت تعد عصب الحياة في الحضارة الإسلامية.



(1) للمزيد ينظر بحث محمد بهجة الأثري، خواطر وسوانح في حلول مشكلات الماء والتغذية وتزايد السكان، مجلة "الأكاديمية"، العدد 1، فبراير 1984، أكاديمية المملكة المغربية، الرباط.

(2) طاش كبري زاده، مفتاح السعادة، ج 1، ص 355، ج1 ، ص 355، ط مصر، محمود شكري الألوسي، بلوغ الأرب، ج 3، ص 343، ط 3، مصر. ومقدمة محمد بهجة الأثري، لكتاب عين الحياة في علم استنباط المياه، ص 8، مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية.

(3) انظر تهذيب اللغة، لسان العرب، القاموس المحيط، تاج العروس (قنن).

(4) عاش أبو بكر محمد بن الحسن الكرجي في فترة السيطرة البويهية على الدولة العباسية التي تمتد بين سنتي 447-334هـ/1055-945م، ولا تذكر المصادر سنة ميلاده أو سنة وفاته، وإن كانت بعض الكتب الحديثة ترجح وفاته بعد سنة 406هـ. للكرجي إنجازات علمية رائعة، فله بحوث مبتكرة في الجذور الصم، ومربعات الأعداد الطبيعية ومكعباتها، والمتواليات الطبيعية التي تبدأ بواحد. كذلك أبدع الكرجي ما يسمى مثلث المعادلات ذات الحدين، وهو المعروف اليوم باسم "مثلث باسكال"، الذي عاش في القرن السابع عشر الميلادي، وكان الأولى أن يسمى "مثلث الكرجي". ومن مؤلفاته في الجبر "الفخري في الجبر والمقابلة"، وله رسالة "علل حساب الجبر والمقابلة"، وله في الحساب "الكافي في الحساب" قدم فيه القوانين والطرق الحسابية المبتكرة لتسهيل المعاملات، كما شرح فيه كيفية إيجاد الجذر التقريبي للأعداد التي لا يمكن استخراج جذرها التربيعي، وكيفية حساب مساحات بعض السطوح، وبخاصة التي تحتوي على جذور، وله "البديع في علم الحساب" و"عقود الأبنية" و"نوادر الأشكال" و"الدور والوصايا".

ـ سليمان فياض، عمالقة العلوم التطبيقية وإنجازاتهم العلمية في الحضارة الإسلامية، ص 109-108، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2001م.

ـ ابن خلكان، أحمد بن محمد أبي بكر، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، ج 2، ص 65، المطبعة اليمنية، القاهرة، 1310هـ.

ـ عمر رضا كحالة ،معجم المؤلفين، ج 9، ص 211، دمشق، 1960م.

ـ قدري حافظ طوقان، تراث العرب العلمي في الرياضيات والفلك، ص 282، ط 3، دار القلم، القاهرة، 1963م.

ـ الكرجي، محمد بن الحسن، إنباط المياه الخفية، ص 16-13، تحقيق بغداد عبد المنعم، معهد المخطوطات العربية، القاهرة، 1997م.

(5) انظر مادة نبط في لسان العرب لابن منظور.

(6) wiedmann beitrage zurgeschichte der natur wissenschaften. v 1905 bd 37. x I v 1908 bd 40. karagi (mohammad_ al).

(7) La civilisation des eaux cachées de lصexploitation des eaux souterraines, ****e etabli, traduit et commenté par aly mazaheri.

(8) ترجم قسم من الكتاب إلى الإنجليزية fr.bruin تحت عنوان : Surveying and surveying instruments being chapters 26, 27, 28, and 30 of the book on finding hidden water by Abu Baker Muhammad al Karaji, english edition, Beirut, 1970.

(9) الكرجي، إنباط المياه الخفية، ص 153.

(10) الكرجي، إنباط المياه الخفية، ص 154.

(11) المصدر السابق، ص 162.

(12) المصدر السابق، ص 162.

(13) المصدر السابق، ص 163، ود. حسين علي محفوظ، "القنوات في التراث"، ص 194-192، بحث في كتاب ندوة الري عند العرب، مركز إحياء التراث العلمي العربي، جامعة بغداد، 1989م.

(14) لأبي عبد الله بن زياد الأعرابي، تحقيق د. رمضان عبد التواب، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1970.

(15) وهي تقع غرب الدلتا، وهي مدينة كبيرة، عاصمة إقليم البحيرة بمصر.

(16) جمع مزولة، آلة يعرف بها زوال الشمس.

(17) أحمد بن عبد المنعم الدمنهوري، عين الحياة في علم استنباط المياه، ص 11.

(18) المصدر السابق، ص 11.

(19) د. محمد صالحيه ،علم الريافة عند العرب، ص 9، الجمعية الجغرافية الكويتية، نشرة (37) بالاشتراك مع جامعة الكويت.

(20) يعد الشيخ محمد بن حسين الشهير بالعطار والمدرس الحنفي الدمشقي من علماء دمشق البارزين، أخذ عن والده الذي عاش في الفترة من 1151 إلى 1227هـ الذي أخذ العلم عن والده أيضاً. ومن أهم مؤلفاته : رسالة في علم المياه، رسالة في الرمي بالقنبرة، رسالة في فن القبان، وهي شرح على منظومة معاصرة للشيخ حسن العطار المصري. وله أيضاً رسالة في المزولة. سافر العطار إلى مصر ودخل الأزهر وأخذ عن علماء مصر. توفي محمد العطار بالطاعون الذي أصاب دمشق، وذلك في سنة 1243هـ/1827م ودفن في دمشق.

ـ الشطي، أعيان دمشق، ص 91-90.

(21) محمد حسين العطار، علم المياه الجارية في مدينة دمشق، تحقيق أحمد غسان سبانو، دمشق، 1984م.

(22) القزويني، زكريا بن محمد، عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات، ص 118، مطبعة عيسي البابي الحلبي، القاهرة.

(23) أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم، كتاب الخراج، ص 97، ط2 ، القاهرة، 1352هـ.

(24) ابن حوقل، النصيبي أبو القاسم، كتاب صورة الأرض، ص 312، 420، طبع في ليدن، 1938م.

(25) الزمخشري، محمود بن عمر، كتاب الأمكنة والمياه والجبال، ص 3، تحقيق د.إبراهيم السامرائي، مكتبة سعدون، بغداد، بدون تاريخ.

عن كتاب: "كيف واجهت الحضارة الإسلامية مشكلة المياه؟"، د. خالد عزب
المصدر: ملتقى شذرات


ugl hsjkfh' hgldhi uk] hglsgldk

__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« ماذا قدم المسلمون للعالم ؟ | الأساس الإلحادي للمفاهيم الغربية »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
العراق و الصراع على المياه د. علي محمود التويجري مقالات 1 08-31-2016 11:27 AM
ازمة المياه ريما محمد العبد شذرات مصرية 0 06-08-2016 04:35 AM
ضخ المياه في الأنفاق عبدالناصر محمود شذرات مصرية 0 09-19-2015 05:01 AM
حرب المياه في معركة الأنبار عبدالناصر محمود مقالات وتحليلات مختارة 0 07-01-2014 08:13 AM
معالجة المياه Eng.Jordan شذرات موسوعية 0 02-05-2013 02:46 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 10:14 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68