تذكرني !

 





التاريخ الإسلامي صفحات خالدة في التاريخ الإسلامي

الجيـــل المثــــالي

محب الدين الخطيب من ايام أفلاطون ( 430 – 348 ق . م ) وكتابه (( الجمهورية )) ثم من عصر أبي نصر الفارابي ( 260 – 339ه )

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 01-27-2012, 07:15 PM
الصورة الرمزية تراتيل
تراتيل غير متواجد حالياً
متميز وأصيل
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 720
24 الجيـــل المثــــالي

محب الدين الخطيب

من ايام أفلاطون ( 430 – 348 ق . م ) وكتابه (( الجمهورية )) ثم من عصر أبي نصر الفارابي ( 260 – 339ه ) (( وكتابه المدينة الفاضلة((
إلى زمن السر توماس مور Tomas More ( 1478 – 1535 م ) وكتابه يوتوبيا (( Utopia )).

من تلك العصور والأزمان – إلى يوم الناس هذا – والإنسانية تحلم بالجيل المثالي الذي يود البشر لو يظفرون به فيتخذونه قدوة لهم في السلم والحرب ، والمنشط والمكره في مختلف أطوار الحياة ، ليكون لهم من كماله الإمكاني المثل المقتدي به في كمالهم الإنساني .
هي أمنية من أماني الشعوب والأمم ، من أقدم الأزمان إلى الآن ، تحدث عنها الحكماء ، وتغنى بها الشعراء ، وترنم بها رخيم أصوات الهاتفين ، وهمس بها ثفوة الضارعين والمناجين ، من كل صادح أو باغم .

بل إن (( الجيل المثالي )) هو الذي دعا إلى تكوينه وعمل على تحقيقه الأنبياء من اولى العزم ، وهو الذي تمناه الحكماء وأهل العم ، وهو الذي كانت الإنسانية ولا تزال ترنو إلى شبحه المرجى في أحلام يقظاتها وفترات غفواتها .

تريث موسى بقومه في آفاق العريش وبرية سيناء وصحاري النقب وحوالي بئر سبع أربعين حولا يلتحف معهم سحائب السماء ويفترش أديم الغبراء ، وهو يحاول أن يربي منهم جيلاً مثالياً يستن بسنن الله ويتخلق بأخلاق الرفق والحزم والتضحية والاستقامة والاعتدال ، فيرضى بها عن ربه ويرضى ربه عنه ، ثم مات موسى ولما يبلغ من أمته هذه الأمنية …

ونبغ في الصين حكيمها … كونغ فوتس الذي عرفناه من طريق الإفرنج باسم كونفوشيوس ( 550 – 479 ق . م ) ، ولا شك أنه كان من اصدق الدعاة إلى أن يتعامل الناس بالمروءة . لكنه لم يرتفع بدعوته إلى تخليص الصين من عبوديتها لين السماء ( الامبراطور ) ولما في السماء من شمس وقمر وكواكب وسحائب ورعود وصواعق وأمطار ، ولا إلى تخليصها من عبادة الأرض ، وما في الأرض من جبال وبحار وأنهار . ولا من أرواح الآباء ، وما تقيمه في سبيلهم من حدود وسدود وقيود . وقد أخفق كونغ فوتس في كل ما قام به من دعوة في أرجاء الصين ، فعاد إلى بلده يؤلف الصحائف في الدعوة إلى المروءة ، وقد رأينا تفصيل ذلك في كتابه ( الحوار ) ( 1 ) . ثم مات وليس له من المتأثرين بدعوته إلا عدد قليل من تلاميذه ، وبقيت الصين هي الصين من ذلك الحين إلى الآن …
وأعلن حكماء اليونان مذاهبهم في الحكمة وتهذيب النفس ، فصنفوا في ذلك المصنفات ، وألقوا به الخطب . وقد اشتطوا في كثير مما صنفوا وخطبوا . وقد اشتطوا في كثير مما صنفوا وخطبوا . وكتاب (( الجمهورية )) لأفلاطون من أبرز الأمثلة على هذا الشطط . ثم أنقضى زمن حكماء اليونان وحكمتهم ، دون أن تعمل شعوبهم بما دعوها إليه ، لأن الدعوة والمدعوين للعمل بها لم يكونا أهلاً لذلك …

وعالج المسيح في فلسطين عقول مواطنيه من العامة والخاصة ، ممن كانوا يقصدون هيكل أورشليم ، أو يتسلقون جبل الزيتون ، أو يترددون على شواطئ بحيرة طبريا وحقول أراض الجليل وحدائقها ، فلم يستجيب لدعوته إلا عدد ضئيل لا يكاد يسمى جماعة فضلاً عن أن يكون امة .
إن الإنسانية من اقدم ازمانها ، وفي مختلف أوطانها ، لم تشهد (( الجيل المثالي )) إلا مرة واحدة حين فوجئت بإقباله عليها من صحارى أرض العرب يدعوا إلى الحق والخير بالقوة والرحمة ، فكان ذلك مفاجأة عجيبة لكل من شهد هذا الحادث التاريخي الفذ من روم وفرس وآراميين وكنعانيين وعبريين ومصريين وليبيين وبربر وفاندال ولا تين وتيوتون وسكسونيين وصقلبيين وغيرهم .

وكانت المفاجأة عجيبة – بمصدرها ، وكيفيتها ، وأطوارها – ثم كانت عجيبة العجائب بنتائجها التى لا تزال إلى اليوم من معجزات التاريخ .
أين كان هؤلاء ؟ وكيف تكونوا على حين غفلة من الأمم ؟ وما هذه الرسالة التي يحملونها ؟ وكيف نجحت ؟ وما هي وسائل نجاحها( 2 ) .
سلسلة من الأسئلة لا يكاد الناس يتساءلون بأولها حتى يفاجأوا بما ينسيهم تاليه أوله . إلى أن رأوا من صفات هذه الأمة المثالية ما ايقنوا به أنها تحمل إلى الإنسانية رسالة الحق والخير ، وأنها تترجم عن رسالتها بأخلاقها ، وسيرتها وأعمالها ، وأن الذي اعتقدته وتخلقت به ودعت الأمم إليه هو الحق الذي قامت به السماوات والأرض .

وكما تساءل الناس عن هذه العجائب في زمن وقوعها ، ثم أنساهم بعضها بعضاً . كذلك نحن نتساءل اليوم عن كثير من اسرارها . وبالرغم من ضياع العدد الأكبر من المراجع القديمة فيما احترق مع بيوت الفسطاط ومدارسها وجوامعها مدة أربعة وخمسين يوماً( 3 ) ، وفيما غرق دجلة أيام ابن العلقمي ومستشاره ابن أبي الحديد( 4 ) ، وفيما خسرناه بضياع الأندلس وكوارث الحروب الصليبية ، وفيما فرطنا به في أزمان الجهل والانحطاط – بالرغم من كل هذا – فإن النفوس استيقظت الآن لدراسة أحوال (( الجيل المثالي )) الفذ الذي عرفته الدنيا ، ولنقد الأصيل والدخيل من اخباره ، وتحليل عناصر الخير التى أنطوى عليها ، ومعرفة الأسباب التى صار بها جيلاً مثالياً ، لتستفيد الإنسانية من الأقتداء به ، والتاسي بسننه واخلاقه وتصرفاته .

وأول ما نعلمه ونؤمن به من أسباب الكمال في هذا الجيل المثالي أنه تلقى تربيته على يد معلم الناس الخير خاتم رسل الله المبعوث بأكمل رسالات الله ? .إن هذا السبب في طليعة أسباب الكمال لهذا الجيل المثالي ، لا يشك أحد ذلك عاقل فضلاً عن مؤمن . ولكن يحق لنا أن نتسائل : ألم يكن موسى أحد المبعوثين برسالات الله ؟ ألم يتح لموسى أن يعاشر قومه في الحل والترحال معاشرة تربية ودعوة أكثر من أربعين سنة ؟ ومع ذلك فقد جاء في (( سفر العدد )) من التوراة الموجودة الآن في ايدي قومه ( 14 : 26 – 27 ) ما نصه : (( وكلم الرب التوراة وهارون قائلاً : حتى متى أغفر لهذه الجماعة الشريرة المتذمرة عليَّ ؟ (( 29 )) (( في هذه الفقرة تسقط جثثكم جميع المعدومين منكم حسب عددكم ، من ابن عشرين فصاعدا الذين تذمروا عليّ )) .

أين – من أصحاب موسى هؤلاء – اصحاب محمد عليهما صلاة الله وسلامه يوم سار بهم إلى بدر وهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً ليناجزوا ثلاثة أضعافهم من أهل الرجولة والحماسة والبأس ، فلما بلغ النبي ? بهذه القلة القليلة من أصحابه وادي ذفران أراد أن يختبر إيمانهم ، فأخبرهم عن ريش ، واستشارهم في الموقف . فقام الصديق أبو بكر فقال وأحسن ، ثم قام عمر بن الخطاب الذي أعز الله به الإسلام فقال واحسن ، ثم قام فارسهم المقداد بن عمرو ( الأسود ) الكندي فقال : (( يا رسول الله ، امض لما أراك الله فنحن معك . والله ل نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : أذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون . فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه )) ، فقال له رسول الله ? خيراً ، ودعا له . ثم قال رسول الله ? : (( اشيروا عليَّ أيها الناس )) .

فقال له سعد بن معاذ سيد الخزرج واقوى زعيم في الأنصار : (( والله لكأنك تريدنا يا رسول الله ؟ )) قال : (( أجل )) . قال سعد : (( فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة . فامض يا رسول الله لما اردت فنحن معك . فوالذي بعثك بالحق لو أستعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً . إنا لصبر في الحرب ، صدق في اللقاء ، لعل الله يريك منا ماتقر به عينك . فسر بنا على بركة الله )) . وقد كان عملهم أبين من قولهم وأصدق .

هكذا كانوا في مواقف البأس وعند الشدائد . ورأيناهم في تحريم الحقوق وإذعانهم للإنصاف والعدل في حياتهم السلمية كما تحدثت عنهم أم سلمة رضي الله عنها – فيما رواه عنها الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه – قالت : (( جاء رجلان يختصمان إلى رسول الله ? في مواريث قد درست ليس بينهما بينه ، فقال لهما رسول الله ? : إنكم تختثمون إليّ ، وأنما أنا بشر ، ولعل بعضكم الحن بحجته من بعض ، وإنما اقضى بينكم على نحو مما اسمع ، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا ياخذه ، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها اسطاماً في عنقه يوم القيامة فبكي الرجلان ، وقال كل واحد منهما : حقى لأخي ! فقال رسول الله ? : أما إذا قلتما ذلك فأذهبا ، فاقتسما ثم توخيا الحق ، ثم استهما ( أي اعملا قرعة على القسمين بعد قسمهما ) ، ثم ليحل كل واحد منكما صاحبه )) . وهذان الرجلان المثاليان في الإيمان بالحق لا نزال إلى الآن نجهل أسميهما ، لأنهما من عامة الصحابة لا من خواصهم الممتازين بالفضائل الإنسانية النادرة المثال كالعشرة المبشرين بالجنة وطبقتهم ممن اختصم النبي ? بالمكانة والمناقب وهذه الطريقة في تربية محمد ? لصحابه على محبة الحق ، واستجابة أصحابه له فيما أحب ? أن يكونا عليه ، قد اشاعت هذا الخلق في الخاصة والعامة من أبناء ذلك الجيل المثالي . فلما كانت خلافة الصديق رضوان الله وسلامه عليه ناط منصب القضاء برمز العدالة في الإنسانية – وهو عمر بن الخطاب – فكانت تمر على عمر الشهر ولا ياتيه اثنان يتقاضيان عنده ، وأي حاجة بهذه الأمة المثالية إلى القضاء والمحاكم وهي أمة الحق ، ومن اخلاقها أن تتحرى الحق بنفسها فلا تحتاج إلى تحكيم القضاء فيه بل أن الطبقة الدنيا في هذا الجيل ( وأحوالها وأخلاقها معروفة في كل جيل وقبيل ) وهم ممن يستطيع الشيطان في العادة أن يغلبهم على إرادتهم في بعض الأحيان فيقعون في زلة يستوجبون عليها الحد الشرعي ، فإن من أعجب ما وقع في تاريخ البشر أن يأتي من يقع في شيء من تلك الزلة من أهل تلك الطبقة إلى رسول الله ? فيعترف له بزلته ، يلح بلجاجة وإصرار إقامة الحد عليه ( وفي ذلك حتفه ) ليتطهر مما دنسه به الشيطان . وكان نبي الرحمة إذا رأى هذا الإيمان العجيب في هذه الطبقة من أصحابه الطيبين يحاول جهده أن يدرأ الحد عنهم بكل ما يجيزه الشرع ، فيأبون إلا أن يتعجلوا عقوبة الدنيا ليتقوا بها عقوبة الآخرة .
وهذه الملاحظة – عن هذه الطبقة بالذات – قد سبق إلى التنويه بها والتحدث عنها إمام كبير من ائمة أهل البيت من زيدية اليمن ، وهو الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة بن سليمان بن حمزة ( المتوفى ببلدة كوكبان باليمن سنة 614 ) نقل ذلك عنه عالم الزيدية في القرن التاسع السيد محمد بن إبراهيم بن علي المترضي الوزير ( 775 – 840 ) في كتابه (( الروض الباسم )) ( 1 : 55 – 56 ) فذكر تلك الطبقة وقال : (( إن اكثرهم تساهلا في امر الدين من يتجاسر على الإقدام على الكبائر ، لا سيما معصية الزنا … لكنا نظرنا في حالهم فوجدناهم فعلوا مالا يفعله من المتأخرين إلا أهل الورع الشحيح والخوف العظيم ، ومن يضرب بصلاحه المثل ويتقرب بحبه إلى الله عز وجل . وذلك أنهم بذلوا أرواحهم في مرضاة رب العالمين ، وليس يفعل ذلك إلا من يحق له منصب الإمامة في أهل التقوى واليقين )) . أي أن طبقة الدهماء في ذلك الجيل المثالي – ممن قد يقعون في الكبائر – كان لهم من صدق الإيمان والإستقامة على الحق ما يرفعهم إلى مرتبة من يحق له منصب الإمامة في امة من اهل التقوى والدين ، فكيف بخاصة الصحابة الذين نزههم الله عز وجل عن اصغر الهفوات ، ورفعهم إلى أعلى الدرجات . ولولا أن النبوة ختمت بمربيهم وهاديهم إلى الحق ? لما كان مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي أقل من الأنبياء الذين سلفوا في الأمم الأخرى . وإن هذا الذي يتكلم عن الزناة من دهماء الصحابة واستحقاقهم لمنصب الإمامة إمام من علماء أهل البيت يعني ما يقول ، ويعلم معني أقواله . لكنه رأى هذه الطبقة في ذلك (( الجيل المثالي )) قد صدر عنها من صدق الإيمان ما لم تر أمة من امم الأرض مثله ، فحكم بعلمه ، وكان منصفاً لنفسه وللحق ، ولدعوة الإسلام واثارها في اهلها الأولين .

وقد علق على كلام المنصور بالله علامة الزيدية السيد محمد بن إبراهيم الوزير ( 1 : 56 – 57 من الروض الباسم ) قائلاً يخاطب قارئ كتابه : (( فاخبرني على الإنصاف : من في زماننا – وقبل زماننا – من اهل الديانة سار إلى الموت نشيطاً ، وأتى إلى ولاة الأمر مقراً بذنبه مشتاقاً إلى ربه ، باذلاً في رضا الله لروحه ، ممكنا للولاة أو القضاء من الحكم بقتله ؟ ! وهذه الأشياء تنبه الغافل ، وتقوي بصيره العاقل . وإلا ففي قول الله تعالى : { كنتم خير أمة أخرجت للناس } كفاية وغنية ، مع ماعضدها من شهادة المصطفي عليه السلام بأنهم (( خير القرون )) ، وبأن غيرهم (( لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصفيه )) إلى أمثال ذلك من مناقبهم الشريفة ومراتبهم المنفية )) .

ونعود إلى المقارنة الأولى بين أمة محمد ? وأمة موسى عليه السلام – وكلاهما من الأنبياء أولى العزم وموسى أتيح له من الوقت لتربية أمته ضعف الوقت الذي أتيح لمحمد ? في تربية أمته ، فكيف نالت أمة محمد ? هذه المكرمة فكانت (( الجيل المثالي )) الذي خلده الله عز وجل في القرآن الكريم بقوله في سورة آل عمران 110 { كنتم خير امة اخرجت للناس } ، بينما الجبل الذي كان مع موسى استحق أن يدمغ بما ورد في سفر العدد ( 14 : 26 – 27 و 29 ) كما نقلناه أنفاً عن التوراة التي يطبع منها في كل سنة ملايين النسخ بكل اللغات ؟
أنا فكرت في هذا الأمر كثيراً من خمسين سنة إلى الآن ، ومن ذلك الحين وأنا أراقب كل ما يقع عليه نظري من تحقيقات العلماء وخطرات أفكارهم لأصل إلى حكمة في هذا الامتياز الذي أختص به أصحاب رسول الله ? فجعلهم (( الجيل المثالي )) الوحيد الذي عرفه تاريخ الإنسانية .

فكرت في معادن الأمم ومواهبها وسجاياها ، فراقبتها جميعاً وهي في بداوتها ( أي في مادتها الخام ) قبل أن تطرأ عليها الحضارات والعلوم المكتسبة والصناعات والأنظمة الاجتماعية التي هي من صنع التشريع البشري ، فتبين لي أن الأمة التى منها (( الجيل المثالي )) في الإسلام امتازت في بداوتها على كل أمة أخرى في بداوتها بسعة المدارك ونضوج العقل ودقة المشاعر ودودة الأخلاق وأنها امتازت بداوتها بلغة هي ارقى على الإطلاق من كل لغة أخرى للبشر في الحضارة واتساعها الحادث في الصناعات والعمران والفنون والثروة ، ولو أن عالما من علماء اللغات أمسك بيده قلماً بالمداد الأحمر وشطب به كل لفظة في المعجم الألماني أو الإنجليزي أو الفرنسي يرى أنها من الألفاظ التى حدثت بعد التقدم الصناعي أو العلمي أو الأقتصادي أو الفني ، ولم تكن للألمان أو الأنجليز أو الفرنسيين في بداوتهم ، لما بقى لهذه الأمم في اكبر معاجمها اللغوية غلا ما يعادل نصف جزء من أجزاء لسان العرب العشرين إن لم يكن اقل من ذلك . والعرب لما استفحل ملكهم وصارت لهم جيوش عظيمة واصطلاحات عسكرية وإدارية وفلسفية وعلمية وصناعية أبي علماؤهم أن يقحموا على معاجمهم واصل لغتهم هذه الاصطلاحات ، وبقيت معاجم اللغة تمثل اصل اللغة بشواهدها من شعر العرب وحكمتهم وأمثالهم في ايام بداوتهم . فهي برهان حسي قائم أمام الأنظار على ما امتازت به العربية بين جميع اللغات التى نطق بها البشر ، ومما امتازت به الأمة التى ظهر منها (( الجيل المثالي )) إنسانيتها العليا في معاملة الغير وغكرامه بالأمن والقرى ، وإذا استثنينا ما يكون في حالة الحرب بين القبيلة وغيرها من العرب ، فإن جزيرة العرب من أقدم أزمانها إلى هذه الساعة اعظم بلاد الله أمناً على الإطلاق ، ويتنقل فيها من يشاء حيث يشاء فيجد لنفسه فندقاً مجانياً عند كل بصيص ضوء يعشو إليه في الليل ، أو أي خباء يلوح له في النهار ، وله ( حق ) الضيافة ثلاثة أيام بلا من عليه ولا فضل لمضيفيه . ومن آداب الضيافة عندهم أن لا يسالوا ضيفهم حتى عن أسمه . وكان عندهم نظام الأشهر الحرم يمتنع فيها القتال بين المتحاربين ، وكان عندهم الأمن المطلق حتى للحمام وسائر الصيد في داخل أعلام الحرم في جميع أيام السنة : ولو لقي الرجل قاتل أبيه في ارض الحرم ماكان له ان يروعه أو يزعجه . أنا مقتنع بأنه كما أختار الله محمداً ? لأكمل رسالاته وآخرها ، اختار كذلك العربية لكتابة الحكيم ، لأنها أكمل اللغات وأغناها . واختار ايضاً لرسوله أصدق الأمم وأكرمها معدناً وأجمعها للصفات التى تكفل نجاح هذه الدعوة وتقوى بها على حمل هذه الأمانة ، فكانت بها خير أمة أخرجت للناس . وقد دعت إلى الإسلام بسيرتها وأخلاقها وتصرفاتها فتعرفت الأمم إلى الرسالة المحمدية بما رأت العيون من سيرة الصحابة ، أكثر مما سمعته الآذان من بيانهم . وأصحاب رسول الله ? لما استجابوا لهذه الدعوة وتشرفوا بالدخول في الإسلام كانوا متفاوتين في مبلغهم من سجايا أمتهم : فبعضهم كان اسرع إدراكاً من بعض . وإذا أمتاز أحدهم على أخيه بناحية من نواحي الخير ، كان لأخيه ناحية آخرى من الخير يمتاز بها . كان أبو بكر أسبق من عمر إلى إدراك الحق في دعوة الإسلام ، لكن عمر حتى في أشد عصبيته على الإسلام – يوم بلغه إسلام أخته وابن عمه وجاء ليبطش بهما – طرقت سمعه صيحة من صيحات الحق التى يهتف بها الإسلام ، فبردت عصبيته ، وتغلب نزوعه للحق على نزوعه لنصرة الإلف ، فكان – في خلال دقيقتين أثنين – من أكرم أنصار الحق على الله ، ومن أسرع البشر إلى الإستجابة لنداء الحق . وخالد بن الوليد كان شاباً من أبناء الأعيان من رؤساء قريش ، سكر بخمره النصر على المسلمين في أحد ، وعاد إلى مكة نشوان بها ، لكن الحق الذي كان الإسلام يهتف به كان يطرق مسامع خالد ، فتأمل فيه فوجده حقاً ، فترك ثروة أبيه وجاهه ومربط خيله الواسع في مكة ، وخرج قاصداً المدينة ليدخل في دين الذين حاربهم وانتصر عليهم ، فلقي في طريقه عمرو بن العاص وحامل مفتاح الكعبة وعلم أنهما مثله قد تبين لهما الحق وخرجا في طلبه والالتحاق بأهله والجهاد في سبيله ، فقال النبي ? فيهم عند بلوغه المدينة : (( رمتكم مكة بأفلاذ كبدها )) .

مثل هذه الأخلاق كثيرة جداً في (( الجيل المثالي )) الذي صنع منه محمداً ? أصحابه ولكننا قلما نجد ذلك شائعاً في الأمم الأخرى . نعم . إن الخير موجود في كل الأمم ، ولكن لا إلى الحد الذي يقوم به الجيل المثالي ، ولذلك كان أصحاب محمد ? خير أمة أخرجت للناس .

يقول رسول الله ? فيما رواه البخاري في صحيحه ( الكتاب 61 – الباب الأول ) من حديث أبي زرعة عن أبي هريرة أن رسول الله ? قال : ? (( قال تجدون الناس معادن ، وخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا )) . ومما لا شك فيه أن العرب كانوا على وثنية ، ولكن من من الأمم لم يكن عند ظهور الإسلام من أهل الوثنية بمختلف معانيها ؟ إلا أن العرب كانوا أحدث الأمم في وثنيتهم ، لأنها طرأت عليهم قبيل الإسلام بمئات قليلة من السنين على يد عمرو بن لحي الخزاعي في خبر طويل لا يتسع المقام للإفاضة فيه وكانت العرب قبل ذلك من أهل الحنفية دين إبراهيم وإسماعيل ، وبنو إسماعيل انتشروا من مكة وتوطنوا في جميع البقاع الشمالية من جزيرة العرب إلى أسوار مدينة دمشق . ومن العرب من كانوا على دين شعيب وقد ترك لها عندهم من الهياكل والسدنة والتهاويل ما يضارع الذي لها عند غيرهم ، فكان أقرب أمم الأرض إلى دين الفطرة ، وبذلك استحقوا ثناء الله عليهم فيهما جاء بسورة ( البقرة 143 ) : { وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس وليكون الرسول عليكم شهيداً وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤف رحيم } ، وما جاء في سورة ( الأنفال 64 ) : { يأيها النبي حسبك الله ومن أتبعك من المؤمنين } وما جاء في سورة ( التوبة 100 ) : { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين أتبعوهم بأحسن رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجرى تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم } .

نقل الحافظ ابن حجر في الإصابة ( 3 : 2 طبعة السلطان عبد الحفيظ ) عن الزبير بن بكار (( أن رجلاً قال لعمر بن العاص : ما أبطأ بك عن الإسلام ، وأنت أنت في عقلك ؟ قال : إنا كنا مع قوم لهم علينا تقدم ( يعني أباه ومن هم في طبقته ) وكانوا ممن توازي حلومهم الجبال ، فلما بعث النبي ? فأنكروا عليه ، قلدناهم ، فلما ذهبوا وصار الأمر إلينا نظرنا وتدبرنا ، فإذا حق بين فوقع في قلبي الإسلام ، فعرفت قريش ذلك مني ، من إبطائي عما كنت أسرع فيه من عونهم عليه ، فبعثوا إلى فتَّى منهم فناظرني في ذلك ، فقلت : أنشدك الله ربك ورب من قبلك ومن بعدك : أنحن أهدى أم فارس والروم ؟ قال نحن أهدى ( يعني الصدق والعدالة والأمانة والتعاون المحمود ) قلت : فنحن أوسع عيشاً أم هم ؟ قال : هم . قلت : فما ينفعنا فضلنا عليهم إن لم يكن لنا فضل إلا في الدنيا وهو أعظم منا فيها أمراً في كل شيء ؟ وقد وقع في نفسي أن الذي يقوله محمد – من أن البعث بعد الموت ليجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته – حق ، ولا خير في التهادي في الباطل )) .

إن المسلمين – بل الإنسانية كلها – اشد ما كانوا اليوم حاجة إلى معرفة فضائل أصحاب رسول الله ? وكرم معدنهم وأثر تربية رسول الله ? فيهم ، وما كانوا عليه من علو المنزلة التى صاروا بها (( الجيل المثالي )) الفذ في تاريخ البشر . وشباب الإسلام معذور إذا لم يحسن التأسي بالجيل المثالي في الإسلام لأن أخبار أولئك الأخيار قد طرأ عليها من التحريف والأغراض والبتر والزيادة وسوء التأويل في قلوب شحنت بالغل على المؤمنين الأولين فأنكرت عليهم حتى نعمة الإيمان ! وقد اصبح من الفرض الديني ….. على كل من يستطيع تصحيح تاريخ صدر الإسلام أن يعتبر ذلك من أفضل العبادات ، وأن يبادر له ويجتهد فيه ما استطاع ، إلى أن يكون أما شباب المسلمين مثال صالح من سلفهم يفتدون به ، ويجددون عهده ، ويصلحون سيرتهم بصلاح سيرته .

وهذه المعاني تحتاج إلى دراسات علمية عميقة ، لتبين لنا سر الله في تكوين هذا (( الجيل المثالي )) على يد حامل أكمل رسالات الله . وإن فصلا كهذا أضيق من ان يلم – ولو بإشارات قصيرة ولمحات سريعة – بمثل هذه المعاني التى تخطر على البال في أثناء المطالعات والتفكير ، ونحن نكتفي بتسجيلها ليتخذ منها أذكياء الطلبة والشبان مواضيع للدارسة والتمحيص . والله الموافق .


الهوامش :
(1 ) نقله إلى العربية السيد محمد مكين الصيني عن اللغة الصينية مباشرة باقتراح كاتب هذه السطور ، ونشرته المطبعة السلفية .
( 2 ) ولكاتب هذه السطور مقال في وصف لمحات من اسرار هذه المعجزة نشر في صحيفة ( الفتح ) بعنوان ( القرآن معجزة بين معجزتين ) أنظر الجزء 811 لجمادي الأولى 1363هـ.
( 3 ) في سنة 564 . أنظر ص628 – 631 من المجلد لمجلة الأزهر . وأنظر أيضاً ص385 – 386 من ذلك المجلد .
( 4 ) أنطر ص22و171و185 من هذا الكتاب .


جمعية الآل والأصحاب
المصدر: ملتقى شذرات


hg[dJJJg hgleJJJJhgd

__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« صور من العصبيات في التاريخ الإسلامي | ( أنا ابن الخليفتيــــن ) »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 01:34 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68