تذكرني !

 





شذرات إسلامية مواضيع إسلامية عامة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #5  
قديم 05-30-2013, 08:56 PM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
29

سكنت لم لام يلقى....في الدنيا سكن
لا يُهمل صغيرا لصغره، ولا فقيرا لفقره. بل يعامل كل أحد بما يقتضيه حاله ظمنت منهج دعوي ثبت أركانه ورسم حدوده في قوله: (أنزلوا الناس منازلهم).
فطارت نحوه الأرواح حبًّا....فأضحت حوله مثل الفراش
حِمًى إن أَمَّه لاجٍ وراجٍ....يكونا آمنَيْن وغانَمْين
قابل الوفود، وتعامل مع كل وفد، بما يناسبه من رفد. لما قدم وفد عبد القيس أكرمهم وحياهم بأزكى التحايا: (مرحبا بالقوم غير خزايا ولا نداما).
فالمسك يعبق منها....قد فاح في كل حُلة
ثم أثنى على أشجهم: ( إن فيك ليخصلتين يحبهما الله). بل بلغ من اهتمامه أن شغلوه عن الركعتين التين بعد الظهر فقضاهما بعد العصر. وحال الوفد:
فلم نك نحتاج الدليل على الهدى.....فهذا لسان الحال والوجه شاهدُ
وإن الله أعلم حيث يُؤْتي.......رسالته وأعلم بالرجالِ
وحين دخل صلى الله عليه وسلم مكة فاتحًا جاءه أبو سفيان، وهو سيد قومه، ومثله يحب الفخر وأهل له، فثبت رسول الله إسلامه، أشبع مشاعره بقوله: (ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن).
فتضوَّعت في كل ناد....وبها ترنم كل شادِ
متى قرعت سمع ابن حرب....تَشُوقُهُ وتُغريه بالدين الذي كان يهجرُ
وهذا جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه، سيد بجيلة، نعم الفتى ونعمت القبيلة، يقول: (لما دنوت من المدينة، أنخت راحلتي، وحللت عَيْبتي، ولبست حلتي، ثم دخلت المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فرماني الناس بالحدق. فقلت لجليسي: ياعبد الله؟ هل ذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم ذكرك بأحسن الذكر. بيُنَا هو يخطب إذ قال: (إنه سيدخل عليكم من هذا الفج رجل من خير ذي يَمَنْ، ألا إن على وجهه مِسحة ملك). وكان رضي الله عنه جميلا حتي قال عمر عنه: (جريرُ يوسف هذه الأمة). حمد الله جرير، وبها نطقت العين، وتبلَّجت الأسارير.
وللعيون أحاديث بلا كَلِمِ....وكم لها في الهوى شرح وتِبيانُ
ويدخل جرير بعدها على النبي صلى الله عليه وسلم في بيته وعنده جمع من الصحابة، فظن الناس بمجالسهم ولم يفسح له أحد، ولم يجد مكانا فعلى الباب قعد، فنزع رسول الله صلى الله عليه وسلم رداءه ثم ألقاه إليه ليجلس عليه، فأخذه جرير وألقاه على وجهه وجعل يقبله ويبكي ويقول: (ماكنت لأجلس على ثوبك! أكرمك الله كما أكرمتني يارسول الله).
والعين ما برحت من فيظ عبرتها....لسانها يختفي طورًا وينكشفُ

نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينا وشمالاً ثم قال فيما رُوي، قولا ألذ من لذيذ الكرى، بعد مشقة السهر في السهر، وأحلى في السمع من هدي القُمرية أثناء *****: (إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه).
وهل فاز بالمسك إلا فتًى.....تيمم دارينَ أو داراه
يقول جرير رضي الله عنه: (ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم مذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي).
فذا قلبي يُسَ لِّمه زِمامه، لا طاب للمسك شذَى نفحة إن كان أذكى من ثنائي عليه
وكتن صلى الله عليه وسلم يُلاطف من يُرجى إسلامه من الأسرى، ويتألفه لعل يهديه ويهدي به قومَه ويُعز به دينه.
بتعامل فاق القلائد إذ غدت يوما.....على جيد المليحة تستهوي
يُطلِق ثمامة سيد اليمامة، مع قُدرته على قتله يوم وقع في أسره، فأسلم وحسن إسلامه، وقدم مكة، وأدى عمرته وجهر بتوحيده، ثم أعلن وقوفه في وجوه الكفار المعاندين بقوله: (ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم).
فلست بهياب لمن لا يهابني....ولست أرى للمرئ ما لا يرى ليَ
ومن يدنو مني تدنو منه مودتي....ومن ينأى عني يُلفني عنه نائيا
وليس القصد معشر الإخوة من إكرام هؤلاء تمييزًا بين الناس ولا تفريقًا، حاش! فالناس سواسية والأكرم الأتقى. إنه إكرام لهدف نبيل، وتقدير لمصلحة ظاهرة، تُرجى للإسلام ظاهرة، مدارات لا مداهنة، وتألف لا رضًى بما هم فيه.
فذاك طيب هديه يفوق نشر الورد....تَغنَى به عن هندِ وعن مغاني دَعْدِ
لقد كان يذكر مواقف ذوي المروءة، ويُكافئ عليها بالتي هي أحسن، وزإن كانوا على شركهم، في حكمة لو وعاها ذو الضلال هُدي.
في ختام معركة بدر، وقد نصر الله المسلمين، وأسروا من عدوهم سبعين ، وحينما كان المؤمنون يتطلعون لإجراء أقصى العقوبة بمن آذوهم أيما أذى، يوم كانوا مستضعفين، إذ أعلن أن هاؤلاء الأسرى كانوا سينالون حريتهم لو كلمه رجل مشرك كان يتعامل معه بكريم الأخلاق قائلا: ( لو كان المطعم حيًّا ثم كلمني في هاؤلاء النتنى لتركتهم له).
تحلو لدى كل ذي سمع وذي صممِ.
لقد عاش المطعم مشركا، ومات مشركا، لكنه صاحب نجدة ومروءة، لما عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف دخل مكة في جواره، ولما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم قال لقومه: إنكم فعلتم في محمحد ما فعلتم، فكونوا أكَف الناس عنه. فحفظها له رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كريم لا يدانيه كريم.....يصيد بحس منطقه قلوبًا تحاذر أن تُصاد
معشر الإخوة:
هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدث عن المطعم مخاطبا قرابته وأهل ملته، كلا! لقد كان يخاطب أصحابه ليؤصل فيهم شرف هذه الأخلاق، ومكانة من صدرت منه وإن كان مشركا.
على هديه فابنِ بيت الهدى، وهو توجيه من باب أولى، إلى لزوم الإنصاف مع إخواننا وأهل ملتنا، فإن سمعت من مسيئ خبرًا.
فالأصل في الأخبار أن تؤخرا....وشاع في ذا الباب إسقاطُ الخبر
وقد استوعب الدرس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الحدث وبعده، فهذا حسان رضي الله عنه يذكر مآثر المطعم ويثني على خلقه بقوله:
فلو سئلت عنه معد بأسرها .....أو قحطان أو باق بقية جرهم
لقالوا هو المُوفي بخُفْرةِ جاره وذمَّــ....ـته يوما إذا ما تذممَ
فما تطلع الشمس المنيرة فوقهم....على مثله منهم أعز وأكرمَ
ونحن بالدرس أولى، فلن يُصلحنا إلا ما أصلح أولنا.
كذاك تبلغ الذرى الفروع....بانتمائها إلى أكرم الأصول
ومن درى الأخبار والشمائل....لم يك عن صوْب الهدى بمائل
(لقد كان لكم في رسول الله أسوة) صلى الله عليه ربنا، ما عاش شيخ وصبي.
كان صلى الله عليه وسلم أحكم الناس تعاملا.
بشرع الله جندل كل عات.....على رغم وجدَّل كل عاتِ
من لم يردعه القرآن، فطبه في السيف والسنان، لما نقض يهود بني قريظة العهد، حكم فيهم بحكم الله الذي حكم به سعد، فسُبي النساتء والذراري وغُنمت الأموال وخُدت الخنادق وضُربت أعناق الرجال.
ولا عجبٌ أن قدَّت البيض هامهم....فتلك حروف اللين لاقت جوازمه
من لم يرتدع بالزواجر فلا يلومنَّ إلا نفسه، ولا يقلعن إلا ضِرسه، ولا يخمشن إلا وجهه، ولا يشقَّن إلا ثوبه، وإن غضب قلنا له:
غضبك غضبُ الخيل على اللجُمِ....فإن كنت غضبانا فلا زلت راغما
وإن كنت لم تغضب إلى اليوم فاغضبِ
لما عدى يهودي على جارية وأخذ ذهبها، ورضخ بالحجارة رأسها، رضخ النبي صلى الله عليه وسلم رأس اليهودي بين حجرين كما فعل بها.
ولما أسلم العُرنيون ألحقهم بإبل الصدقة فشربوا من ألبانها، وتداووا بأبوالها، ثم ارتدوا وقتلوا الراعي واستاقوا الإبل، فلما أُتي بهم قطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم حتى ماتوا.
فمن لم يقوِّمه الكتاب أَقامه.... حدود الظبى والسمهري المثقف
إنه معشر الإخوة رسالة، إلى أولئك المفتونين الذين إذا تحدثوا عن الإسلام، اختزلوه في صورة العفو والسماحة، فلا يتعرضون للعقوبات إلا على استحياء وانهزامية، لانبهارهم بمواد حقوق الإنسان الوضعية الوضيعة، يحاكمون الشريعة إليها، فما وافقها فرحوا وقالوا سبق الإسلام إليها، وما خالفها أخفوه أو تأولوه أو بحثوا له عن قول مهجور لا دليل عليه ليوافق قوانينهم، وماا علم المفتونون أنا لسنا مُلزمين بإقناعهم، إن آمنوا فلهم وإن كفروا فعليهم، (إن عليك إلا البلاغ)، لكننا ملزمون بتعظيم شرع ربنا وعدم الحرج مكن أحكامه، ولو خالف من بأقطارها، (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما)، فليعلم كل مزور لشريعة الله قول الله: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم)، فأولى له سلامة دينه من مراعات عدوه.
ولإن تمادى إن يعش فليُقرعن.... وليقرعن إن مات سِن النادمين
(لقد كان لكم في رسول الله أسوة) صلى الله عليه ربنا، ما عاش شيخ وصبي.
كان صلى الله عليه وسلم أحسن الخلق تعاملا.
سعى لأخلاقه المثلى ويممها....جهابذ الخلق من قاصٍ ومن دانِ
يُنزل أصحابه منزلتهم، ويثني عليهم، ويتسامح مع أهل الفضل والسابقة منهم.
بتعامل بين تالورى لم يُجحدِ....يُسقى بريا ريقه العطش الصدي
لما أرسل حاطب رضي الله عنه إلى قريش يخبرهم بغزو رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة قال له: (ماحملك على ما صنعت) قال: (والله ما بأن لا أكون مؤمنا بالله ورسول، ولكني أردت أن تكون ليَ عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي، فإن الضعف مني غير خاف، ومالي في قريش يد قوية). وعمر رضي الله عنه من غيرته على دولة الإسلام طلب الإذن بقتله، أما النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينظر إليه من زاوية مخالفته وإن كانت كبيرة، لكنه نظر إلى رصيده الماضي في إعزاز دولة الإسلام، فوجده شهد بدرا ولم يشهدها إلا مؤمن صادق الإيمان، فصدقه وحماه من أن يسمع كلمة كلمة واحدة في نقده والإساءت إليه بقوله: (صدق ولا تقولوا له إلا خيرًا، ولعل الله اطلعه على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت لكم).
فاليصنع الركب ما شاءوا بأنفسهم....هم أهل بدر فما يخشون من حرج
تتلى مواقفه هيعبق طيبها....وكذا الخلال الغاليات غوالي
ينزل كل أحد منزلته، ويذكر مزيَّته، وينصح له.
وما النصح إلا روضة ذات بهجة.....وما هو إلا وردها والأزاهر
شكا عبد الرحمن بن عوف خالدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: (ياخالد! لم تؤذي رجلا لو أنفقت مثل أحد ذهبًا لم تُدرك عمله).فبين خالد أنه إنما يرد عن نفسه، فقال صلى الله عليه وسلم: (ولا تؤذوا خالدا فإنه سيف من سيوف الله صبه الله على الكفار).
تحلى بها الأسماع....بل هي أنظر
ولو كان يرج للجمادات منطق....لفاه بذاك النصح كل الجماد
---------------------------------
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 05-30-2013, 08:58 PM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
29

علم صلى الله عليه وسلم أصحابه منزلة أبي بكر، ودعا إلى توقيره وإن بدر منه ما هو خلاف الأولى، فهو مقدم لفظا ورتبة، على كل ذي رُتبة

هو شيخ أصحاب النبي وخيرهم.......وإمامهم حقّا بلا بطلان
وأبو المطهرة التي تنزيهها..... قد جاءنا في النور والفرقانِ
صِدِّق أحمد صاحب الغر الذي.....هو في المغارة والنبي اثنانِ
أحب الرجال إلى رسول الله، أول من أوذي في سبيل الله، ودافع عن رسول الله، ودعا إلى الله، وبذل ماله في سبيل الله، صاحب رسول الله المطلق (إذ يقول لصاحبه)، (الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكَّى وما لأحد عنده من نعمة تُجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى).
هذه منقبة ما بعدها..... جل من خص ومن قد وهب
وقعت بينه وبين عمر محاورة ومراجعة، وهما من هما رضي الله عنهما، وعن من ترضى عنهما، إنهما العمران، غيثان هطَّالان، وكَّافان هتَّانان، ثجَّاجان مسكوبان.
رجلان قد خلقا لنصر محمد....بدمي ونفسي ذانك الرجلان
وهما لدين محمد جبلان
وهما لأحمد ناظراه وسمعُه.... وبقُربه في القبر مضطجعان
سيدا كهول أهل الجنة، وشيخا هذه الأمة، ما أكثر ما نقرأ في سيرته وسنته: (ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر). بل انتهت أعمارهما عند الحد والقدر الذي انتهى إليه عمره، ثلاث وستون سنة، شهد لهما بكمال الإيمان وغما غائبان، حين حدث عن ذئب عدى على شاة فاستنقذها صاحبها منه، فقال الذئب: (من لها يوم السبع، يوم لا راعي لها غيري) فقال الناس: (سبحان الله ذئب يتكلم). فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فإني أومن بذالك أنا وأبو بكر وعمر) وما هما ثمَّ. وتوجهما بتاج: (اقتدوا باللذيْن من بعدي).
ما حاد أحد منهم ولا انزوى.... عن الهدى ذالك وما عدل روى
ومع ذا! فكل من سوى الأنبياء، ليست له العصمة أبدًا.
أسرع أبو بكر إلى عمر بكلمة فأغضبه، ثم ندم أبو بكر على ما كان منه وسأله أن يغفر له، فأبى عمر ومضى. فتبعه الصديق حتى دخل داره وأغلق الباب في وجهه، ولما عجز عن استرضائه ذهب فزعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذًا بطرف ثوبه حتى أبد رُكبته –ولعله أراد أن يستشفع برسول الله صلى الله عليه وسلم للصلح بينه وبين أخيه- ويُخبر الصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم بما جرى فيقول صلى الله عليه وسلم: (يغفر الله لك يا أبابكر، يغفر الله لك يا أبا بك، يغفر الله لك يا أبابكر).
ثلاثا من فيه مثل جنى النحل....بماء الحَشْرَجِ يُخال مثلوجًا وإن لم يُلجِ
ندم عمر حين سكن غضبه، فذهب يبحث عن أخيه في منزله فلم يجده، فأقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو في مجلسه، فلما رآه تمعَّر وتلون واحمر وجهه وبان غضبه، فأشفق أبو بكر على أخيه وخشي أن يكون من رسول الله إليه ما يكره، فجثى على ركبتيه وقال: (يا رسول الله أنا كنت له أظلم) مرتين. ورسول الله يقول كما أورد الحافظ في الفتح من حديث ابن عمر: (يسألك أخوك أن تستغفر له فلا تفعل) فقال عمر: ( والذي بعثك بالحق ما من مرة يسألني وأنا أستغفر له، وما خلق الله أحدا أحب إلي منه بعدك). فقال في الصحيح مناشدًا أمته لتعرف للصديق حقه: (إن الله بعثني إليكم فقلتم كذب، وقال أبو بكر صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟).
لا كِنايات ولا تَوْرِيَِةٌ...... إنما العاجز من كنَّى ووَرَّى
فلما تبينت منزلة أبي بكر عند نبي الهدى، ما أوذي بعدها أبدًا.
وإذا الشيئ أتى في وقته...... زاد في العين جمالا لجمالِ
إن ما جرى بين الشيخين رضي الله عنهما جدير بالتأمل للاقتداء، فما حصل ما هو إلا تأثير عابر بقيت معه المحبة والأخوة، فأبو بكر الذي لقي من عمر ذالك الإعراض، هو أبو بكر الذي حظرته الوفاة فلم يكن في قلبه أزكى من عمر ليعهد له بالخلافة من بعده، وعمر مع غضبه الذي عرض له، هو عمر الذي بلغ من تقديره لأخيه أن قال: (لأن أُقدّضم فتُضرب عنقي من أن أكون أميرًا على قوم فيهم أبو بكر).
كلِمٌ مثلُ أزاهير الربى.....ضحكت للعارض المنسكبِ
إنهم إخوة، إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا، وبقُوا إخوة.
وقد يُخفي الهلالَ مِحاقُ ليل.....ليظهر بعده بدرًا تماما
إنها معشر الإخوة، إشارة إلى أن ذا القدر والمنزلة ينبغي أن يُعامل بما يليق بفضله ومكانته، والفاضل لا ينبغي أن يُغاضب من هو أفضل منه.
لا يعرف الفضل لأهل الفضل....إلا أولوا الفض من أهل الفضلِ
هيهات يَدري الفضلَ من ليس له......فضل ولو كان من أهل النبلِ
(لقد كان لكم في رسول الله أسوة) صلى الله عليه ربنا، ما عاش شيخ وصبي.
كان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس تعاملا.
كَنَمير سلسبيل سلِسٍ عذْب المعينِ.....معْ شذى الكاذي ومع أنسام زهر الياسمين
تعامل مع أبنائه وبناته معاملة لطيفة فريدة، يفرح كعادة البشر بقدومهم، ويكافئ من يبشره بهم، يحسن إليهم، ويربيهم على الصالحات ويعودهم، يقبلهم ويرحمهم، ويعطف عليهم، كان يأتي ابنه إبراهيم وهو مُسترضع في عوالي المدينة، في بيت حداد قد علا دخانه، فيأخذ إبراهيم ويشمه ويقبله. وحاله:
له المنزل الأدنى من القلب والأحظى....وعي السرور لا تزال به يقظى
ثم يرجع ويدعه، وقد فاح في الأرجاء طيبه
فكأن البيت رشت .... أرضه بمياه الورد أفواه الرياح
إذا دخلت عليه فاطمة رضي الله عنها قام إليها، وقبلها وأخذ بيدها وأجلسها في مجلسه. والروض لا يُنكر معروف المطر.
كان إذا دخل عهليها قامت إليه فقبلته وأخذت بيده، فأجلسته في مجلسها وحالها:
فكأنني وكأنه جسم..... وروح فُرِّقا بتعدد الأسماء
يرحب ببناته، ويبالغ في إكرامهن أمام نسائه، تقول عائشة: (أقبلت فاطمة ما تخطئ مشيتها مشيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآها رحب بها، مرحبا بابنتي، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله).
فاليُمن يَجري يمينا حول يمناه.....واليسر يختال تيها حول يُسراه
كان إذا قدم من سفر أو غزو، بدأ بالمسجد فصلى ركعتين، ثم دخل على فاطمة، وحاله:
وقدم الأخص في اتصال....وصل ذوي الأرحام غير آل
يختار لبناته الأكفاء، رقية فأم كلثوم لذي النورين، وزينب لأبي العاص، وفاطمة لعلي رضي الله عنهم أجمعين. يحزن ويغضب لهن ويعاتب لأجلهن، يبوح بحبه والناس تومي.
لما أراد علي أن يتزوج بنت أبي جهل غضب لفاطمة، وجهر بمعاتبة علي، ولعل ذالك كما يقول ابن حجر: مبالغة في رضى فاطمة، وقد أصيبت بموت أمها وجميع أخواتها، فكان إدخال الغَيرت عليها مما يزيد حزنها... فقالها كلمة مسجلة، على ظمير لائق مشتملة: (إن بني هشام بن المغيرة، استأذنوا في أن يُنكحوا ابنتهم عليًّا! فلا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن، إلا أن يريد ابن أبى طالب أن يطلق ابنتي ويَنكح ابنتهم، إنما فاطمة بضعة مني يَريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها. إن فاطمة مضغة مني وإني أتخوف أن تُفتن في دينها، وإنها والله لا تجتمع بنت رسول الله مع بنت عدو الله عند رجل أبدا). حاله:
قرة العينين في........ أغلى من الشِّريان عندي
سواد القلب فيه وتلك عندي...... كما بالعين يظهر من سوادِ
وحال علي، يال علي:
عُذرا فقد يكبو الجواد بفارس.....إن الحروف من المهابة تهربُ
اللفظ يعجز، واللسان مُ***بُ. وحال فاطمة:
فديتك والدي يا خير والي....تكن في القلب آثارٌ بوادِ
فمن وادٍ يطوف بكل روض....ومن روض يطوف بكل وادِ
وظهرت نُصرته عليه الصلاة والسلام جلية في دفاعه عن زينب، وانتقامه لها من رجلاين روعاها يوم أن أُخرجت من مكة قاصدة أباها، فبعث صلى الله عليه وسلم بعثا وقال لهم بأحرف كالنار: (إن وجدتم الرجلين فأحرقوهما بالنار) فلما هم البعث بالخروج قال في عودة للحق، وعطف عليه بالبيان والنسق: (إني أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانا، وإن النار لا يُعذِّب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما).
لآلئ قذف البحر الخِضمُّ بها....كذالك الدُّرُّ إذ يُلقيه تيّارُ
يبوح لهن بسره، ولا يُعطي الإنسان سره إلا من هو على ثقة به.
حزن التَّقدم فالمُأخَّر غيرهن....شتان بين مُقدم ومُأخَّر
سارَّ فاطمة أمام نسائه بأنه يُقبض في وجعه ذاك فبكت، فلما رأى جزعها سارَّها بأنها أول من يتبعه، وأنها سيدة نساء أهل الجنة فضحكت. ولما سئلت عن ما سارَّها قالت: (ما كنت لأفشي على رسول الله سرَّه).
حروفها مثلُ ياقوتٍ ومرجان.....طابت خلائقها لِطيب المنبت
فلم تُخبِر إلا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم.
والماء إن سُقيَت بماء طيِّب...لا غرْو فيها أن يطيب غِراسُ
جعل من بيوت بناته رياضا مونقة، وحدائق مُغْدقة، فما حدث خلاف إلا قتله في مهدهـ بأسلوب فريد منتقى، يفعل في الأباب ما تفعل الطِّلى.
فلست تسمع من لغوٍ ولا صخبِ....بل جرسُ ألفاظهم أحلى من الضرب
جاء يوما بيت فاطمة، وقد وقع خِلاف بينها وبين علي، ولأن لا يتفاقم الخلاف خرج علي، فسألها عنه النبي، فقالت: (كان بيني وبينه شيئ فغاضبني وخرج ولم يَقِل عندي). ولم تُصرّح بما جرى حِفظا لحق علي، فسأل أين هو فقيل أنه في المسجد، فجاءه فوجده نائما وقد سقط رداءه عن شِقه وأصابه التراب، فجعل يمسح عنه التراب ويقول: (قم أبا تراب! قم أبا تُراب!).
زفَّها لُطفا وحبًّامثلما.....زفت الأنسام أنفاس الخزامَ
فأثار معناها وجوهر لفظها....شوقًا غدى بين الأضالع يَنْطلي
فما لعلي كُنية أحب إليه منها، إن كان ليفرح إذا دُعي بها وحاله:
بربك روحني وغني بذكره....ودندن ورجِّع واشدُ لي لفظها شدوا
انتهت المشكلة على يدِ المصطفى، ولم يُعرف ما جرى.
فقد ذهب الجفى وحل الصفا.... وذكر الجفا أيام ذكر الصفا جفى
من عالج الأدواء قبل تذجُّر شُفيت....ولم تحتج للشق المبضاعِ
ذاكم تعامله صلى الله عليه وسلم مع ولده.
قد حاطهم بكريم العطف والحدبِ.....وحفَّهم بسياج من عنايته
كما تُحف جفون العين بالهدبِ
ومع تلك المعاملة، لا محابات في حدود الله ولا مُجاملة: (وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها).
------------------------------------------------
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 05-30-2013, 08:59 PM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
29

تعطري يا نسمات الرياح....بنفحت العدل إذا العدل فاح
لكل جِسم شرايان يعيش بها....وهديه الحق للإنسان شِريانُ
صلى عليه ربنا، ما عاش شيخ وصبي.
كان صلى الله عليه وسلم أحسن الخلق تعاملا.
تعامل كعرف الورد عبِقِ....هبت به ريح الصبا في الغسقِ
أو كزلال وسْط دَنٍّ مطبق.....كأنه رضاب ذات الشّوْذقِ
تعامل مع أزواجه أمهات المؤمنين، بأخلاق خاتم النبيين، معلنا للعالمين: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي).
سهل التعامل مخفوض الجناح.....متى سألنه قال بالعينين والراسِ
تشرب عائشة من إناء ثم تُناوله الإناء، فيضع فاه وهو يشرب على موضع فيها، وتتعرَّق العظم ثم تُناوله إياه فيضع فاه على موضع فيها.
خِلال ما رأيت أجل منها ....ولا أحْلى ولا أشهى إليَّ
يناديها متلطِّفًا بترخيم اسمها ومبشّرًا لها بالسلام: (ياعائشُ، هذا جبريل يُقرئك السلام). (وعليك وعلى جبريل السلام).
ترى ما لا نرى يا رسول الله....تكثر الأسماء لكنما المُسمَّى هو أنت
لك الثناء فإن يُذكر سِواك به.....يومًا فكالرابع المعهود في البدلِ
سابقها مرة فسبقته، ثم سابقها أخرى فسبقها وقال تطييبًا لخاطرها وهو يضحك: (هذه بتلك، هذه بتلك).
فما رأت البرية مثل هذا....ولا هذه بإجماع البرية
يضع رُكبته لصفية، لتركب من فوقها المطية.
تُناطح هامة الشِّعرى وترقى.....مراقٍ فوق رُكبت قصِيَّة
إنه شمسُ عدلٍ ومُباسطة
يُشيع بذور الودّ في كل مهجة.....فتلك التي تهفو إليه سنابله
أُهديَ إليه قلادة ملمّعة بالذهب، ونساؤه مجتمعات عنده، وأُمامة بنت زينب تلعب في جانب البيت بالتراب، فقال لهن: (كيف ترين هذه القلادة)، قلن: (ما رأين أحسن منها قطّ ولا أعجب)، قال: (والله لأضعنها في رقبة أحب أهل البيت إلي)، قالت عائشة: (فأظلمت علي الأرض بيني وبينه خشية أن يضعها في رقبة غيري منهن، وأراهن أصابهن مثل الذي أصابني، فوجمنا جميعًا)، وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدله الذي لا نظير له، ليجرح شعور الجميع لتفرح واحدة، أقبل بالقلادة حتى وضعها في رقبة الجارية أمامة، قالت عائشة: (فسُرّي عنا جميعا، وزال الذي نخشى).
فحمدا لربنا، وأعشب وادينا وقد كان أغبرَ
فأحمد منا الأنف والعين والحجى.....يظاهي شغاف القلب بل كان آثر
كذا كانت مُباسطته ومزاحه، تُفصح عن سماحته وخلقه الذي وصفه الله به.
فاق السما والورى من دون رُتبته.....ولم تزل تَظْللُ الأرضَ السماوات
يدور على نسائه بعد العصر، يتفقد ويحنو ويسأل، ويضطجع أحيانا ويتكئ على الواحدة، ويستند لصدرها وهو يقرأ القرآن.
أفعاله قد حسنت أقواله.....ما أحسن الأفعال والأقوال
ويشاور ويعمل بالمشورة، استشار زينب في حادثة الإفك بشأن عائشة، فقالت وهي التي تسامي عائشة مقاة ورع خالدة،.
كأنها النشْر من أعطار دارينِ....بين الأزاهر ضيعت والرياحين
أحمي سمعي وبصري: (والله ما علمت إلا خيرا).
وأشارت عليه أم سلمة يوم الحديبية، بنحر هديه وحلق رأسه، لما تأخر الصحابة في امتثال أمره. فكان في مشورتها الخير للصحابة وله. ما عذر أرض تُربها من عنبرٍ، كان يُثني على نسائه، ويعدل إلا فيما لا يملكه من عواطف قد اعتذر فيها إلى ربه: (كنت لك كأبي زرع لأم زرع) لعائشة، وزينب التي كانت تعمل وتتصدق من كسب يدها أطولهن يدًا.
عَرفها طار إلى المستنشقِ....هكذا السكر يهدى فذقِ
(وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام). شدى بها من بعده الأحرار والعبيد، وأكلة الكباث والهبيد، برغم أنف الروافض اللئام الطَّغام الأقزام الرعاديد، وكل ظربان وجعلان وابن أتان وبنات وردان، وزنديق لئيم خسيس حقير دَعيٍّ لقيط زنيم، يُحدى بمثل:
اخسأ أي ابن الخنا فأنت ذو نسب باردِ.....يا خادم الخنزير والحارِدِ
صحح لنا والدة أولاً....وأنت في حِلّ من الوالد
فالطهر كاشكس لا تخفى على أحد....ولا تُضام إذا في الغيم تحتجبُ
إنها ابنت أبي بكر وأمُّنا ولنا الفخر، وقد قال فيها لفاطمة الرسول الكريم البر: (ألست تحبين ما أحب؟) قالت: (بلى) قال: (فأحبي هذه) وأشار لعائشة، فحال فاطمة:
فوالله ما حُلتُ عن حُبّها.....إلى أن أُوسَّد في مُلحدِ
ومن تمام عنايته بأزواجه، اهتمامه بهن بعد موته، تقول عائشة رضي الله عنها: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إحنى علي فقال: (إنكن لأهم ما أترك وراء ظهري، والله لا يعطف عليكن بعدي إلا الصابرون).
ومع ما لهن من منزلة، كان يُنكر على من أخطأت منهن مهما بلغت في المنزلة.
هو ظل فإن دجى وجه خطب....عاد شمسا بظوئها يُستنار
قدم من سفر فوجد عند عائشة سترا فيه تصاوير، فلما رآه تلون وجهه ثم هتك، وقال: (أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يظاهون بخلق الله)، ولما قالت عائشة: (حسبك من صفية كذا وكذا) تعني أنها قصيرة، قال: (لقد قلت كلمة لو مُزجت بماء البحر لمزجته).
قالها، والكل مُحتاج لها .....حاجة الظمآن للماء الزلالِ
ودخل يوما على صفية وهي تبكي، قال: (ما يبكيك؟)، قالت: (حفصة تقول إني بنت يهودي) فقال: (إنك لابنة نبي، وإن عمك لنبي، وإنك لتحت نبي، ففيما تفخر عليك). فحال صفية:
أدركت نفحتها بغير تمشُّق.....فازت مُنايَ بها وقرَّتْ أظلعي
أبدت فظائل من مضى فيمن بقي.
إنها من سلالة هارون، فهارون أبوها، وعمها موسى، وزوجها عليه وعليهم الصلاة والسلام نبينا.
كرُمتْ أَرُومتُها، وأينع فرعها، تَحكي بعُنصُرها الغمام الصَّيبا. أزال ما بنفس صفية، ثم توجه إلى حفصة وقال: (اتقي الله يا حفصة). وحاله:
صفي عندي مثلُ عين اليمين......نسبتها من جوهر قد خلى من خبث فهو اللبيس الثمين
ذا تعامله مع أهله معشر الإخوة، (لقد كان لكم في رسول الله أسوة)، صلى عليه ربنا، ما عاش شيخ وصبي.
كان صلى الله عليه وسلم أحسن الخلق تعاملا.
أمد فسيلنا شرفا وعزّا.....فأصبح باسقًا ذاك الفَسِيل
اعتنى بذوي المواهب وشجعهم، ودعى لهم، وشحذ هممهم، وفجر طاقاتهم، وإلى ما يُرضي الله دفعهم ورفعهم.
فكانوا الورد تَطْيابًا ونفحا....وكانوا المُزْن جودًا وانسكابًا
اندفعوا وانطلقوا:
يرسلون الضياء في كل أفْقِ......ويداون كل سُقم وداءِ
فاخضرَّت الأرض وازدانت مساربها.....وأصبحت تُنبت الجادي مغانيها
وضع لحسان رضي الله عنه منبرًا في المسجد يقوم عليه ينافح عنه، ودفعه بقوله: (إن الله يؤيد حسان بروح القدس، ما نافح أو فاخر عن رسوله).
فكان بالبيان:
أعظم نكاية في العدو من السِّنان.....ضَيْغَمِيّا هَصَمْصَمًا مَزْبَرَانِ
لو تتبعتُ فريه للأعادي.......بسيوف البيان كَلَّ لسانِ
ولما دخل رسول الله مكة في عمرة القظاء، كان ابن رواحة يمشي بين يديه مرتجزًا:
خلوا بني الكفار عن سبيله....اليوم نضربكم على تنزيله
ضربًا يُزيل الهام عن مقيله.....ويُذْهل الخليل عن خليله
فقال عمر: (بين يدي رسول الله، وفي حرم الله يابن رواحة؟) فقال صلى الله عليه وسلم: (خلِّ عنه يا عمر، لهي أسرع فيهم من نضح النبل). عندها غدى ابن رواحة ببيانه:
كالفعل يعمل ظاهرًا ومُقدّرًا.
بطلاً إذا نطق الحروف حسبتها.......عُقبانَ جوٍّ عاضدت أُسْد الشرى
وفي غزوة المُريْسع، قام رأس المنافقين، بسب المهاجرين.
بوجه لا يَهِشّ إلى المعالي....وينهق في النوادي كالحميرِ
فذهب زيد بن أرقم فأخبر رسول الله بالذي سمعه منه، مع أن من في مثل سنه يصعب عليه الدخول في صراع مع ذالك البغل الذي ما زال له أنصار يقولون برأيه، ولكن:
عظيم النفس من يأبى الدَّنايا.....ولو نِيطت بمُهجته المنايا
أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى ابن أُبي ليسمع منه، فهذا كعادته وهذر، وحلف الفاجر ما قال المقال، وصدقته للمكانة رجال، وأكذب ما يكون إذا تألَّى وشدَّدها بأيمان غلاظِ. يقول زيد رضي الله عنه: (فوقع علي من الهم ما لم يقع على أحد، وبينا أنا أسير وقد خفقت برأسي من الهم إذ أتاني رسول الله فعرك أذني وضحك في وجهي، والله ما يسرني أن لِيَ بها الخلد في الدنيا) وأنزل الله: (لإن رجعنا إلى المدينة ليخرجنَّ) الآية. فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى زيد، ثم قرأ عليه ما نزل، وشجَّعه على غَيْرته وقدرته على استعاب ما سمعه بقوله: (إن الله قد صدقك). وشهد الله على المنافقين، بالكذب المحض وأولاه اليقين.
وصار زيد بعدها أرفعا....كأنه الصَّمْصام إِذْ يُنتظى
وعامِلُ الرمح إذا أُشرعَ
ويثني عليه الصلاة والسلام على أهل البأس من المسلمين، فيبذلون في سبيل الله أنفس ما يملكون.
كأنما القوم ألفاظُ لهن به .....رفع وخفض وتحريك وإسكان
يُناول سعد بن أبي وقاص السهام، وهو يقاتل بين يديه ويدفع بقوله: (ارمي فداك أبي وأمي).
نفحها يلب ألباب الرجال.....فجرى ما لم يكن يجري ببالي
إذا خرجت عن يديه السهام، غدا كل عُضو لها مقتله.
وفي يوم أحد كان أبو طلحة رضي الله عنه مُترّسًا على رسول الله، نحره دون نحره، ويمر الرجل بجعْبة النبل فيقول: (انثرها لأبي طلحة)، فتحت تأثير تلك الكلمة، أثخن في الكفار برميِه، فكسر قوسين أوثلاثة، وكان شديد الرمي، وأرعبهم بشديد صوته، الذي زكاه المصطفى بعبارة تهتز دلالة وبلاغة: (لصوت أبي طلحة في الجيش أشد على المشركين من فئة).
---------------------------
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 05-30-2013, 09:02 PM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
29

فلا كتب المحيط بها أحاطت....ولا كتب البديع ولا المعاني
ويدفع القراء بالثناء عليهم وعلى قراءتهم، فيقول لأبي موسى: (لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داوود) ولأبي مسعود: (من أحب أن يقرأ القرآن غضًّا كما أُنزل، فاليقرأه على قراءة ابن أم عبد). وبتلك الإشادة أينع الثمر، فعبَّر بأنقى من ماء المطر، قائلا كما في صحيح الأثر: (والله الذي لا إله غيره، ما أُنزلت سورة من كتاب الله، إلا وأنا أعلم أين نزلت، ولا أنزلت آية إلا وأنا أعلم فيمن نزلت، ولو أعلم أحدًا أعلَمَ مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه).
ففي ريحها ورد....وفي طعمها شهدُ
يغني بها من لا يغني .....مغردًا ويشدو بها بين المحافل
من يشدو معشر المربين.
ذا حداؤه للموهوبين...لآلئٌ في عقود المجد تنتظمُ
تُقَبِّل النَّجم في الجوزا وتستلمُ.....إن توكيد نفعها مستحيل به البدل
والشواهد ماثلات، فبتلك اللمسات، ظهرت عبقريات وكِفايات، تُسند لها جلائل المهمات، على حداثات سنِّها، والكفاية لا سِنَّ لها.
عمُر الرجال يُقاس بالمجد الذي.....شادوه لا بتقادم الميلاد
ولى أسامة جيشًا تخفق راياته على مثل أبي بكر وعمر وأهل بدر، وعمْره لم يُجاوز الثامنة عشرة، وولى عتَّاب بن أُسيد على مكة وهو في الحادية والعشرين، وولى معاذًا على اليمن وهو دون العشرين، وخير الهدى هُدى الأمين.
صلى عليه ربنا، ما عاش شيخ وصبي.
وبعد إخوتي:
ماذا عسى أن أقول في شمائله الحسان، ولو استعرت لِسان سحبان، ومُلِّكتُ أزمَّمة البيان.
فإذا جلت المعاني تسامت.......عن قيود الأفعال والأسماءِ
يتأبَّى اللسيل الذي يصدع.......الأجبال أن يحتويه جوف إناءِ
إذا الله العزيز عليه أثنى ....بما جا في المثاني ما ثناءِ
مهما أقلْ فيه فإني عاجز عن حصر عشْر العشر من تلك الحلى، وحسبي أن أردد: (وإنك لعلى خلق عظيم) وكفى.
صلى عليه مسلمًا رب الورى....ما لمع البرق على أم القرى
وهتفت قُمريَّة على الذُّرى.
بهذا التعامل سَجَّل أتباع محمد صلى الله عليه وسلم صفحات أنظر من الدر الأزهر، والياقوت الأحمر.
تجود بوَبْلها الصافي المُقَطَّر.....كماء المُزْن بل أنقى وأطهر
إن أظلمت كانت شُعاعًا مجتلا.....أو أجدبت كانت ربيعا مُغْدقا
تحلو على تَردادها فكأنها.....سَجْعُ الحام إذا تردد أطربَ
هذا عمر رضي الله عنه، ماتمَلَّى بيانَه ذو بيان وذكاءٍ، إلا اعترته الحمايَّا. لم يرضى أن تُذكر له فضيلة والصديق في مجلس، رأى رجل في منامه أن القيامة قامت وعمر قد فرع الناس وعلاهم بسطة وشرفًا، فقيل بم علاهم؟ قيل بالخلافة والشهادة وأنه لا يخاف في الله لومة لائم. فلما أصبح ذهب لعمر، فوجد الصديق عنده، فقصَّ عليه الرأيا فانتهره عمر قائلا: (أحلام نائم! أحلام نائم!) ولما توفي الصديق، دعا الرجل وقال: (قُصّض عليَّ تلك الرأيا) قال: (أما نهرتني ورددتها علي يا أمير المؤمنين) فقال العبقري: (أما تستحي أن تذكر لي فضيلة في مجلس فيه أبو بكر) حاله:
أبو بكر أبو بكر:
يقايس بين الناس حتى إذا انتهى.....إلى قدره القيَّاس طاح المقايِسُ
إنه نفسي وروحي والجوا....ليت شعري بعده ماذا أكونُ
ولا غرابة معشر الإخوة.
إنما يُكرم الكرام كريم......والأبي الجواد يهوى الأبيَّ
وكذا المجدُ سيِّد ليس يرضى.....من كريم الرجال إلا الكَمِيا
وذالكم الشيخ عبد الرزاق عفيفي، يتعامل مع طلاب العلم وذوي الحاجات تعاملا عفيفي، يجود بحسن موعظة وبُعد عن التجريح والقول العنيف، يُنفق على طلبة العلم ويُقرضهم، وبالكتب النافعة يُمدهم، ويستأجر يوم أن كان عزبًا دارًا له ولهم، ولا يأخذ شيئًا منهم، ولما تزوج كان لهم بمنزلة أبيهم، يدعوهم لبيته ويُكرمهم ويوجههم.
ومن أتى قاصدا منهم الصِّلاتِ.....يكن مِثْل الذين ومثل اللئي واللتي
فطهرهم من كل جهل وبدعة وقلدهم بالعلم أزهى القلائد، سكن أحدهم في بيته خمسا وعشرين سنة، وما أخذ منه هللة.
يعِفُّ عن الحُطام فكان.....حقًّا كما سمَّوه بالشيخ العفيفي
جزاه الله أفضل ما يُجازى به العلماءُ، من رب لطيف.
وهذا ابن هذيل والظبي، فقيها أهل السنة في الشمال الإفريقي، لما ادعى عُبيد الرافضي الباطني الرسالة، تعاملا معه بما يليق بزنديق مثله، أمر بإحضارهما فأحضرا وهو على كرسيه، وقد أوعز لأحد خدمه أن يسألهما عنه، فقال خادمه مشيرًا إليه، أتشهدان أن هذا رسول الله!.
يَرْغُو بها مثل البعير الأجربِ.
فقالا بملئ فيهما: (والله لو جاء والشمس عن يمينه والقمر عن يساره يقولان إنه رسول الله ما قلناها). فأمر بذبحهما، فلما جُرِّدا للقتل، قال للظبي: أترجع عن مذهبك؟ قال: (أعن الإسلام أرجع؟).
لا لعمري.
فبه استغنيت عن زيد وعمرو.....وِردًا فمضمون نجاح المصدرِ
بعنا النفوس والدما....وربنا قد اشترى
وذُبحا! ولرحمة الله بإذنه مضيا.
لا يستوي من سار نحو مُراده قُدُمًا....ومن يمشي إليه القهقرى
بذا تعامل الشيخ محمد الخضر حسين مع المنصب بلا مَيْن، لما قُلِّد مشيخة الأزهر، احتفظ في جيبه باستقالة محررة، وأعطى نسخة أخرى مدير مكتبه، وقال له: (إذا أحسست بضعف مني، فقدمها نيابة عني).
لا تلمني إنني من أمة.....تركب الهول ولا ترضى الدنايا
ولم يمضي سوى زمنت يسير، حتى قدم استقالته احتجاجًا على التدخل في شؤون الأزهر قائلا: (إن الأزهر أمانة في عنقي أسلمها موفورة كاملة).
ومطمح همَّتي في أن أراه.....يسامي في عُلاه الفرقدين
ولما سأله أحد مقربيه عن ملابسات استقالته، قال عن مشيخة الأزهر ما مضمونه: (يا بني إن كانت جنة فقد دخلتها، وإن كانت نارًا فقد خرجت منها والسلام).
أنا لولا همة تحدو إلى......خدمة الإسلام آثرت الحِمامَ
والجواد الكريم يبقى جوادًا....نابض الحِسِّ في إباءٍ سنيِّ
لا يُعير الحمار أي التفاتٍ....عند قلب الزمان ظهر المِجَنِّ
فهو صدر أين ما كان وإن.....جلس الأذناب في صدر الندي
ومن قبل تعامل قاض البصرة سوَّار العنبري، بما يليق بالعالم الرباني، والقاضي الأمين القوي، كتب له المنصور: (أيها القاضي انظر الأرض التي فيها خصومة بين القائد فلان والتاجر فلان، فادفعها للقائد)، فكتب القاضي: (البينة قامت على أنها للتاجر ولن أخرجها إلا ببينة) فكتب له المنصور: (والله الذي لا إله إلا هو لتدفعنها له). فكتب القاضي: (والله الذي لا إله إلا هو لا أخرجها منه إلا ببينة).
كأنما كان إعصارا أطاح بهم....أو صيحة فوقهم من هولها وجموا
والحق جبار، يبر صاحبه، ويكفر من جار.
ثم اقتيد القاضي وشُكيَ إلى المنصور أخرى، وأُثنيَ عليه عنده شرًّا، فطلب المنصور قدومه فقدم عليه، وبينا هو في المجلس عطس المنصور، فلم يُشمِّته، فقال: (ما يمنعك من أن تُشمّتني) قال: (قال لأنك لم تحمد الله)، قال: (فقد حمدت في نفسي)، قال: (فقد شمَّتك في نفسي)، فقال المنصور: (ارجع لعملك، إذا لم تحابني لم تحاب غيري)، فمضى وحاله لو حدى:
إنَّا بني الإسلام شُمُّ الأنوف.....لسنا نحابي رهبةً من حتوف
مهما توالت مظلمات الصروف....آثارهم يا إخوتي كالشنوف
حلل وفي تأثيرها كالسيوف، هم الخِصب للبلدان إن أخلف الحيا، ولا يُخلِف البلدان عن خِصبهم خصبُ.
متى يمَّموا للشرق يزدد شروقه....وإن يمموا للغرب فالمشرق الغربُ
لقد صيروا نفل المكارم واجبا عليهم.....فلا استحباب فيها ولا ندبُ
------------------------------------
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« الضمانات الوقائية لمنع شيوع الفاحشة | اكتشاف "أخطاء" في نسخة مصحف "سوري" تُباع بالسعودية »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
رفق النبي صلى الله عليه وسلم عبدالناصر محمود شذرات إسلامية 2 02-07-2017 06:06 PM
الخلال النبوية (أدب النبي صلى الله عليه وسلم مع الله تعالى) عبدالناصر محمود شذرات إسلامية 0 04-29-2016 06:50 AM
فضل نسب النبي صلى الله عليه وسلم عبدالناصر محمود شذرات إسلامية 1 03-02-2013 01:20 AM
موت النبي صلى الله عليه وسلم جاسم داود شذرات إسلامية 0 03-14-2012 04:20 PM
نسخة مصورة عن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنذر بن ساوى رضي الله عنه Eng.Jordan التاريخ الإسلامي 0 01-21-2012 03:31 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 04:34 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68