تذكرني !

 





بحوث ودراسات منوعة أوراق بحثية ودراسات علمية

حلب.. وطريق الحرير

علي القيّم* حلب مدينة فريدة من نوعها في العالم، فهي قديمة قدم التاريخ، وهي تحمل كل سيماء المدينة المعاصرة، وكانت موجودة ومزدهرة في كل مراحل التاريخ، ولعبت أدواراً هامة في

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 06-05-2013, 10:11 AM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,456
افتراضي حلب.. وطريق الحرير

علي القيّم*

حلب مدينة فريدة من نوعها في العالم، فهي قديمة قدم التاريخ، وهي تحمل كل سيماء المدينة المعاصرة، وكانت موجودة ومزدهرة في كل مراحل التاريخ، ولعبت أدواراً هامة في تاريخ المشرق العربي القديم وفي تاريخ العرب المسلمين.. إنها حلب أو حلبابا، وتعني النحاس باللغة العمورية، فقد كانت منذ القديم مركزاً لتجارة النحاس، وورد اسمها (أرمان) أو (أرمانو) في عهد سارغون الآكادي منذ عام (2500) قبل الميلاد.‏

وأصبحت هذه المدينة عاصمة لمملكة (يمحاض) واستمرت مزدهرة في مراحل التاريخ المختلفة، ومحطة هامة في طريق الحرير العالمي.‏

ومن خلال هذه الأهمية والخصوصية النادرة دفعت وزارة الثقافة في نطاق نشاطاتها المتعددة للعقد العالمي للثقافة الذي أقرته منظمة اليونسكو لإقامة الندوة الدولية: حلب وطريق الحرير، التي رعاها السيد الرئيس المناضل حافظ الأسد، وأشرفت عليها المديرية العامة للآثار والمتاحف، وذلك بين 26 و 30 أيلول 1994، وشارك فيها (42) باحثاً ومختصاً ومؤرخاً قدموا من بعض الدول العربية والأجنبية بالإضافة إلى سورية.‏

موضوعات هذه الندوة الدولية كانت حول أربعة محاور:‏

المحور الأول:‏

-الوسط الطبيعي لمنطقة حلب: معطياته الجغرافية، الجيولوجية، الجيومورفولوجية، والبيئوية القديمة.‏

*وكانت أولى هذه المحاضرات للدكتور عبد الرحمن حميدة حول "المعطيات الجغرافية عن منطقة حلب" الذي تطرق إلى ما تتمتع به هذه المنطقة من وضح جغرافي متميز على صعيد الاتصالات الأرضية بين بلاد ما بين النهرين والخليج العربي من ناحية، وبين البحر المتوسط الشرقي من ناحية أخرى، وذلك بعد اجتياز ممر بيلان الذي لا يتجاوز ارتفاعه (600) متر والذي يقود بسهولة إلى اسكندرونة بعد اختراق سهل العمق.‏

وتبدو حلب في وسط منطقتها وكأنها العنكبوت في قلب شبكتها المؤلفة من شبكة طرق، مما منحها موضعاً ممتازاً كعقدة مواصلات ونواة تجارية بين القارات الثلاث في العالم القديم، وإذا كانت المواد الأولية المعدنية لا تتوافر بكثرة في هذه المنطقة، فإن المواد الأولية الزراعية تقدم أساسات صناعية نشيطة، وفضلاً عن ذلك فإن الحركة التجارية البرية والبحرية كانت تقدّم لها منذ أقدم العصور المواد الأولية والثمينة من الشرق، ولا سيما الحرير نظراً لوقوعها على محور تجارة هذه المادة.‏

*وبحث "بول سلانلافيل" في التغيرات المناخية في سورية والشرق الأدنى خلال العشرين ألف سنة "الماضية" فأكد على وجود علاقة تبادلية بين التغيرات المناخية والتطور الديمغرافي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي في المجتمعات الإنسانية، فالمستوطنات تتراجع نحو المناطق الأقل سوءاً، وتتضاءل في الفترات التي يسود فيها المناخ، في حين وبتحسن المناخ تزداد كثافة المواقع وتتوسع إلى أبعد من حدود مناطق الحضارات المطرية، ومن جهة أخرى، نجد أن التطور في المجتمعات الإنسانية غالباً ما يتوافق مع الفترات التي يصبح فيها المناخ غير ملائم، وكأن الإنسان يدفع دفعاً ليجد حلولاً للاستخدام الأمثل للمكان والأرض (الانتقال من البداوة إلى الاستقرار حصل في فترة جافة في بداية الألف الثامن قبل الميلاد) وهذا يعني أن التغيرات المناخية قد شجعت التطور الاجتماعي والثقافي وزادت من سرعته في المجتمعات الإنسانية المشرقية.‏

*ونقف مع ملاحظات (جاك بيزانسون وبرنارد جبير) حول تبدلات المحيط الجيو- بيئي في سورية الشمالية، لنصل إلى دراسة الوسط الطبيعي لحلب وموقعها الجغرافي مع الدكتور عادل عبد السلام، فيشير إلى أهمية الموقع الجغرافي الفريد الذي جعل من حلب مركزاً تجارياً واستراتيجياً بارزاً، ويميزه بالخصائص التالية:‏

1-يبعد موقع حلب مسافات متقاربة عن كل من الفرات (شرقاً) والبحر المتوسط (غرباً) وعن جبال طوروس (شمالاً) والجبال الوسطى (جنوباً).‏

2-أرض موقع حلب منخفض شبيه بوعاء واسع ترتفع حافاته تلالاً بارزة حوله، تعلو في الشمال والغرب وتنخفض في الجنوب والشرق، يشقه وادي نهر قويق في الغرب، وتتوسط هذا المنخفض تلّة كبيرة، وأخرى غربها، هما تلّة القلعة وتل حي العقبة الأصغر التي كانت الموقع الأول لمستوطنة حلب، مما أكسب موقعها قيمة استراتيجية كبيرة وأمّن لها حماية طبيعية ودفاعاً سهلاً.‏

3-يفرض وضع التضاريس وتوزيعها على الطرقات الرئيسة القادمة من الشرق إلى شمالي سورية أن تلتقي في موقع حلب.‏

4-تتصل منطقة حلب بآسيا الصغرى وبثغور البحر المتوسط بممرات ومفازات تخترق الجبال المحيطة بها، وبالتالي فإن الطرقات المؤدية إليها تخرج من حلب كما تلتقي القادمة منها فيها.‏

5-حلب في موقع تلتقي فيه أقوام الجبال مع كان السهول والهضاب الشامية والرافدية ومع أقوام البحر المتوسط، تتبادل فيها الأفكار والثقافات في أثناء تبادل المنتجات والسلع التجارية، فهي موقع تجاري مهم أمين محمي، ومكان لتمازج الحضارات منذ القدم..‏

إن وجود مدينة حلب على مفترق الطرق التجارية الرئيسة أقدم من وجود طريق الحرير، فطريق الحرير من بدايتها حتى نهايتها كانت في أساسها موجودة أخذت اسمها من سلعة الحرير التي نقلت على امتدادها في زمن ازدهرت فيه صناعته وتجارته وكثر الطلب عليه، لذلك فطريق الحرير هي واحدة من شرايين التجارة القديمة المارة بحلب، وجدت بتل الحرير ودامت بعد تراجع أهميته وانتشار إنتاجه خارج الصين، وكان لحلب دور بارز في جذب تجار سلعة الحرير والقوافل الناقلة لها ولسلع أخرى وتنشيط حركة التبادل على الطرقات التجارية عامة، وعلى طريق الحرير خاصة.‏

*ويقوم محمد بهجت قبيسي بتفسير بعض أسماء الأماكن الجغرافية القديمة في منطقة حلب وتخومها، فقد ثبت بالخبرة لا الخبر أن أسماء القرى والمدن القديمة قبل دخول الاسكندر المقدوني للمنطقة في أواخر القرن الرابع قبل الميلاد كانت تمثل ثلاثة مدلولات:‏

1-أسماء ذات دلالات طبيعية (حلب –دفنا (أنطاكية) وإبلا).‏

2-أسماء ذات دلالات عسكرية مثل حرستا وبقرحا وماري وتوتول وتدمر.‏

3-أسماء ذات دلالات دينية مثل: بليرمون وسرجلا وببيلا.‏

أما الأسماء ذات الدلالات الشخصية والإنسانية مثل: أنطاكية على اسم أنطيوس وسلوقيا على اسم سلوقس ولاودكيا على اسم لاودكيا وآفاميا على اسم آبامي... فهذا النوع من التسميات لم يعرف إلا بعد فترة الاحتلال الإغريقي للمنطقة، ولما دخل العرب العدنانيون إلى المنطقة فإن أصحاب البلاد أنفسهم أعادوا التسميات القديمة إلى سابق عهدها بعد فترة غياب دامت زهاء الألف سنة.‏

ويبرز عبد الهادي التازي، أهمية رحلة ابن بطوطة بكونها تراثاً عربياً أصيلاً، بما يمثله من بعد دولي واسع، فقد عايش ابن بطوطة طائفة من الأمم وحاور عدداً من الحضارات، ومن ثم كانت رحلته مرجعاً لكل من تهمه خريطة عالم الأمس وتهمه كذلك محطات الحرير.‏

المحور الثاني:‏

حلب عبر العصور (السمات الحضارية العامة)‏

*أولى محاضرات هذا المحور كانت للدكتور سلطان محيسن عن "منطقة حلب في العصور الحجرية" حيث تناول بالبحث المنطقة الممتدة من جرابلس وحوض الفرات الأعلى في الشمال الشرقي إلى وادي عفرين في الشمال الغربي هبوطاً إلى حوض نهر قويق والمتخ ومنطقة خناصر، فسبخة الجبول في الجنوب، وقد جرت على امتداد هذه المنطقة أبحاث وتنقيبات أثرية تناولت عصور ما قبل التاريخ في إطارها الجغرافي والجيومورفولوجي الرباعي وتبين أن منطقة حلب ذات الموقع المتوسط بين المناطق الساحلية في الغرب وسهول الجزيرة والفرات في الشرق، قد توفرت فيها مقومات وجود الإنسان الأول من ماء وغذاء وحيوان وخامات صوانية جيدة، أنها أعطت حضارات ذات صفات مشتركة بين المنطقة متوسطية السكن من جهة، ومنطقة الفرات من الجهة الأخرى.‏

لقد تكاملت الأبحاث والنتائج العلمية التي قام بها مجموعة من العلماء، وأعطتنا صورة مفيدة عن إنسان العصور الحجرية في منطقة حلب، يمكن إيجازها على النحو التالي:‏

1-العصر الحجري القديم الأدنى (الباليوليت الأدنى): لم يعثر –حتى الآن- في منطقة حلب على دلائل أكيدة تعود إلى بداية العصر الحجري القديم الأدنى، وتعاصر ما هو معروف من مناطق أخرى كحوض نهر الكبير الشمالي أو حوض العاصي.‏

2-العصر الحجري القديم الأوسط (الباليوليت الأوسط): في هذه المرحلة التي تعود إلى نحو (100.000) سنة خلت، ظهر إنسان النياندرتال الذي انتشر وبكثافة في كل أرجاء سورية والمشرق، وتعدّ منطقة حلب من أهم وأغنى مناطق هذا العصر، فقد عثر على آثار النياندرتال في الكثير من المواقع، بعضها على السطوح أو ضمن المصاطب النهرية وفي المغاور والملاجئ الجبلية، وتعدّ الأدوات الحجرية الشاهد الأهم من تلك المواقع وهي من النوع المسمى اللفلوازي- الموستيري، وفيها نصال وحراب ومقاحف متقنة الصنع، وجدت هذه الأدوات في وديان الفرات والساجور وقويق وحتى منطقة خناصر وفي وادي عفرين.‏

وتعدّ مغارة (الديدرية) في وادي عفرين، الموقع الأكثر أهمية، فهي إضافة إلى معطياتها الأثرية والنباتية والحيوانية قدمت ولأول مرة من سورية بعض أجزاء هياكل عظيمة لإنسان النياندرتال.‏

3-العصر الحجري القديم الأعلى (الباليوليت الأعلى): لا وجود لآثاره في منطقة حلب، وتعود آثاره إلى نحو (40.000) سنة خلت‏

4-العصر الحجري الوسيط (الميزوليت): إن وادي عفرين أهم منطقة أعطت دلائل حضارات العصر الحجري الوسيط، وتعود إلى نحو (13) ألف سنة قبل الميلاد.‏

5-العصر الحجري (النيوليت): وجدت آثار هذا العصر في العديد من التلال الأثرية التي تضم بقايا القرى الزراعية الأولى سواء في حوض قويق والجبول أم في وديان الفرات والساجور ومنبج أو في وادي عفرين.‏

*وقدمت "يسرى الكجك" دراسة أولية عن مراكز الاستيطان الأولى في حوض الساجور، حيث أخذت آثار الاستيطان تظهر في هذه المنطقة بدءاً من العصر الآشولي الأعلى في الباليوليت الأدنى، وقد استقر الإنسان في المناطق القريبة من السطوح الغنية بالصوان والقريبة من المياه، فأقام بكثافة واضحة في منطقة منبج وبخاصة على أطراف نهر الساجور ووادي رميلة، كما ظهر في مواقع عرب حسن، شيوخ فوقاني، شيوخ تحتاني، حلونجي، حمام كبير، محسنلي، وغيرها، وتصل إلى نتيجة مفادها أن منطقة منبج عموماً وحوض الساجور خصوصاً كانت منطقة زاخرة بالحياة منذ العصر الحجري القديم...‏

قدم الإنسان المنتصب لسكناها وتوسع في هذا الانتشار الإنسان النياندرتالي، ولم يهجرها الإنسان العاقل بعد ذلك، إنما استمر في التحرك بينها وبين وادي الفرات وسهل العمق وجبل سمعان، وبذلك نلاحظ أن محافظة حلب الحالية كانت عامرة منذ قدم الأحقاب الإنسانية.‏

*ويبحث جاك كوفان عن "دور الفرات الأوسط في تكوين المجتمعات الزراعية –الرعوية الأولى وانتشارها" فيشير إلى أن الفرات الأوسط السوري بالإضافة إلى واحة دمشق ووادي الأردن كانت المنطقة الأولى في العالم الذي نشأت فيها القرى الزراعية منذ (9800) سنة، وقد لوحظ في موقع المريبط بداية لزراعة غير مدجنة منذ بداية العصر النيوليتي، ومنه انتقلت إلى مواقع أخرى، وأصبح الفرات الأوسط مركزاً لحضارة باكرة كانت الأولى من نوعها في العالم.‏

*وقدم أنطون سليمان دراسة عن "حلب في منتصف الألف الثالث والثاني قبل الميلاد من خلال حفريات الأنصاري" فألقى الضوء على مدى التطور التاريخي والحضاري لمدينة حلب ويوضح علاقاتها الثقافية بالدول المجاورة.‏

وموقع الأنصاري بحلب أحد أهم المواقع الأثرية لحضارة شمال سورية، أسفر عن نتائج تقول بأن العلاقات التجارية بين دول مصر، وبلاد ما بين النهرين والأناضول لا يمكن أن تكون إلا عن طريق شمال سورية، حيث كانت هناك في الألف الثاني قبل الميلاد طرقاً للتجارة البرية، والطرق الرئيسية كانت تمتد محاذية مجرى الفرات وتتفرع بعد وصولها إلى إيمار "مسكنة القديمة" إلى الساحل والجنوب، والذي يقع على الطريق الجنوبية من مدينة حلب، وكان الآشوريون والبابليون بحاجة ماسة إلى أخشاب وحجارة جبال الأمانوس وطوروس وجبال لبنان منذ عهد سارجون الآكادي، مما يؤكد أهميتها بالنسبة لبلاد الرافدين، ومما يميز مستوطنة الأنصاري عن بقية المراكز الحضارية في الشرق، كونها تقع في سهل مستو وبالقرب منها تقع هضبة الراموسة ومدينة الحمدانية الحديثة، وينفرد هذا الموقع بصناعته الفخارية المحلية ذات النوعية العالية، وقد كانت الأنصاري من أكبر المراكز الحضارية المستقلة في شمال سورية، وربما كان هذا المركز هو مدينة حلب القديمة نفسها، والتي كانت تعرف باسم أرمان أو يمحاض، ولعل هذين الاسمين هما تسمية قديمة واحدة لمدينة حلب الحاضرة.‏

*الدكتور "هورست كلينغل" قدم محاضرة عن "إله الطقس السوري والعلاقات التجارية" حيث كانت حلب مركزاً لعبادة إله الطقس الذي عُبد في مناطق عديدة من سورية كانت تعتمد على الزراعة، وقد عُرف هذا الإله بأسماء عدة منذ الألف الثالث قبل الميلاد، وقد ظهر لأول مرة في الرقم الإبلائية وعُرف في ذلك الوقت باسم (حدا/ حدو) ولا يمكن تحديد مكان وجود معبده بشكل مؤكد في مدينة كثيفة السكان كحلب.‏

سجلت أهمية إله الطقس في حلب بشكل واضح، في نصوص ماري العائدة للقرنين التاسع والثامن عشر قبل الميلاد, وهو مذكور كإله المدينة الذي قدم له الملك "زمري-ليم" تمثاله، وتمتع كهنته باحترام حكام سورية وبلاد ما بين النهرين، ثم ظهرت أهميته في نصوص الأناضول، فالملك الحثي "حاتوشيلي" الأول (القرن السابع عشر قبل الميلاد) تباهى بأنه أسر تمثال إله الطقس الحلبي، ثم نصب التمثال وعُبد في العاصمة "حاتوشا" لقرون عديدة، أما في سورية فقد عرف هذا الإله من ملك آلالاخ "إدريمي" الذي كرس كالهه وإله والده ملك حلب، كما اعتبر ملوك آلالاخ اللاحقون (آلالاخ مدينة لا تبعد كثيراً عن مصب العاصي) هذا الإله كأهم آلهتهم، كما هو واضح في نقوش أختامهم، ونظراً للدور الكبير الذي لعبه الحوريون في شمال سورية، أطلق على إله الطقس الاسم الحوري "تشوب".‏

*فاروق إسماعيل، كانت محاضرته عن "المركز التجاري (كاروم) في الألف الثاني قبل الميلاد" فمع نمو الفعاليات التجارية وتنوعها برزت الحاجة إلى وضع أسس تنظيمية للحياة الخاصة بها، ويعد المركز التجاري (كاروم) الذي أسسه الآشوريون في كانيش في منطقة الأناضول، أبرز مراكز الألف الثاني قبل الميلاد، وقد عثر فيه على مئات الوثائق المسمارية المدونة باللهجة الآشورية القديمة، وهي تصوّر بجلاء دقة العلاقات والنشاطات التي كانت تمارس هناك، كما انتشرت تلك المراكز في سورية أيضاً، فقد أنشأ التجار الذين كانوا يتنقلون بين بلاد بابل وسورية الداخلية مركزاً هاماً في مدينة ماري، كما تشير الوثائق المكتشفة في تل ليلان (شيخنا) (شوبات انليل) إلى وجود مركز تجاري فيها، وكان يجمع القوى التجارية في منطقة مثلث الخابور.‏

ومن خلال نصوص ماري يتضح أيضاً أن مدينة قِطنه (تل المشرفة) كانت ملتقى التجارة، وكانت تضم مركزاً تجارياً، وأن مدينة إيمار (مسكنة) كانت مرفأ نهريا ومحطة تجارية تربط بين شرق الفرات وغربه.. وكان النشاط التجاري الذي يمارس فيه الأسواق التجارية في المدن الكبرى الواقعة داخل البلاد مثل حلب ودمشق وبيروت...‏

*ويدرس "فيصل عبد الله" (دور السلالة الحلبية الأولى في تجارة الشرق وشمال سورية في القرنين الثامن عشر والسابع عشر قبل الميلاد) فيتطرق في محاضرته إلى تميز حلب في هذه المرحلة بالقوة العسكرية والتجارية على حد سواء، وقد سجلت مئات النصوص الاقتصادية كميات كبيرة من المواد الأولية التي ترسل إلى ملوك حلب وتخزن في مستودعاتهم، يعاد تصديرها باتجاه البحر (بحر ايجه) أو شبه جزيرة الأناضول.‏

المحور الثالث:‏

التجارة، ظهورها وتطورها عبر العصور‏

*من الأبحاث الهامة التي تطرقت لهذا الموضوع، كانت محاضرة الدكتور "عيد مرعي" الذي بحث في (التجارة بين ماري وحلب في القرن الثامن عشر قبل الميلاد) من خلال محفوظات ماري الملكية، التي نتعرف من خلال ترجماتها دور سورية في القرن الثامن عشر قبل الميلاد وبخاصة في المجال التجاري حيث تتحدث النصوص عن المنتجات المختلفة التي كانت ترسل من حلب إلى ماري أو بالعكس مثل: الخمر والعسل وزيت الزيتون والأخشاب المختلفة التي كان المرء يحصل عليها من الجبال والمناطق القريبة من يمحاض كالأمانوس وطوروس، وتمر عبر مملكة يمحاض متجهة إلى ماري وبلاد ما بين النهرين.‏

وقد لعب نهر الفرات دوراً هاماً في عملية التبادل التجاري والمواصلات بين ماري ويمحاض بشكل خاص، فالبضائع والمنتجات كانت تنقل عبره في سفن متخصصة بذلك، فنصوص ماري تذكر سفناً متخصصة في نقل الخمر وأخرى متخصصة في نقل الحبوب وثالثة متخصصة في نقل الجواريش، وكانت ايمار (مسكنة حالياً) بمثابة ميناء لمملكة يمحاض على نهر الفرات تؤمها السفن ويقصدها التجار وتؤلف عقدة مواصلات نهرية وبرية هامة بين بلاد الرافدين وشمال سورية حيث يمر عبرها الطريق البري القادم من ماري والمتجه غرباً إلى حلب فسواحل البحر المتوسط الشرقية.‏

ويشير الباحث إلى أن التجارة بين ماري وحلب كانت تجارة ملكية، فالملوك هم الذين يرسلون أو يتلقون البضائع والمنتجات المختلفة كما يظهر من النصوص. أما العمليات التجارية فيقوم بها التجار ولكن بتكليف من ملوكهم.‏

*وقدم "جان شارل" دراسة عن "حلب وطرق تجارة الشرق الإغريقية والرومانية" تطرق فيها إلى استمرار دور حلب التجاري في العهدين الهيليسنتي والروماني، حيث عرف سلوقس نيكاتور أهمية حلب فأمّن منطقة العبور الإجبارية التي تتمتع بها حلب في ملتقى طريق التجارة الرئيسي في آسيا الوسطى وحوض دجلة والفرات..‏

لقد احتلت المدن الإغريقية والرومانية النقاط التجارية الرئيسة مكان عواصم الألف الثالث والثاني قبل الميلاد، ومراكز التجارة القديمة في سورية الشمالية، فقامت لاوديسا قرب أوغاريت، وسلوقية قرب المينا، وآفاميا فوق نيجا وبيريه فوق حلب، كما أخذت أنطاكية دور آلالاخ (تل عطشانة) واحتلت دورها الاقتصادي الهام.. ولما كانت المراكز التجارية لم تتغير أبداً على طريق الشرق فإن نشوء هذه المدن، ارتبط بعملية الاستمرارية لا بعملية التغيير، ويتبين من دراسة أسلوب توزعها أن خطة سلوقس لم تكن عسكرية، فهو لم يتقدم في منطقة صحراوية على الرغم من قلّة الشواهد والتنقيبات الأثرية، وإذا لم تكن حلب الألف الأول قبل الميلاد بنفس ازدهارها في الألف الثاني قبل الميلاد، إلا أنها لم تكن مجرد أنقاض عند تأسيسها وتوسيعها من قبل سلوقس، وأما التل الذي نشأ مكان معبد حدد/ تشوب، فقد أصبح اكروبول المدينة الإغريقية الرومانية وفق مخطط مشابه لمخططات مدن معاصرة له مثل آفاميا، ثم لم يلبث أن تحول إلى قلعة المدينة في القرون الوسطى.‏

لقد كانت حلب /بيريه/ نقطة إجبارية على الطريق الواصلة بين أنطاكية وهيرا بوليس والفرات واستمرت بازدهارها في زمن الرومان حيث انتقلت إلى قلب المقاطعة الرومانية، وبعد معركة اليرموك والفتح العربي كانت الأولى في سك العملة في عهد الخليفة عبد الملك /693-694م/ وهذا دليل آخر على الإشعاع الاقتصادي الدائم لهذه المدينة القديمة.‏

*ودرس محمد زيود موضوع "النشاط التجاري في حلب خلال القرنين الرابع والخامس للهجرة/ العاشر والحادي عشر للميلاد" فتطرق إلى دور حلب في عهد الروم الغزاة وغيرهم، حيث غدت أثناء النفوذ البيزنطي عليها أحد المنافذ الرئيسة الهامة لتجارة بيزنطة مع العالمين العربي والإسلامي في الشرق، وحلّت بذلك محل أرمينية التي فقدت أهميتها في هذه الفترة...‏

ويشير إلى وجود أماكن مقدسة ومشاهد ومزارات في حلب دفعت بالكثيرين للتوجه إليها وهذا مما ساعد على التجارة ونشط عملياتها التجارية، وتطرق إلى دور الإسلام وتعاليمه وحضه على العمل التجاري وأثر ذلك في نشاط الحركة التجارية في حلب وغيرها من المدن الشامية.‏

وكانت محاضرة "نعمان جبران" عن "حلب، محطة على طريق الحرير وأثر الصليبيين والمغول عليها". فأشار إلى أن الطرق التجارية كانت تتأثر بالتطورات السياسية والعسكرية وتبادل القوى في السيطرة على أهم المعابر التجارية، ومن هذا المنطلق يرصد الآثار الإيجابية والسلبية التي أثرت على حلب كمحطة على طريق الحرير من خلال تصارع القوى المختلفة حول الاستفادة من المناطق التي تلعب دوراً هاماً في النشاط التجاري ويبدو ذلك أكثر وضوحاً في فترة الغزو الصليبي لبلاد الشام، حيث كان من ضمن استراتيجياتهم السيطرة على المناطق المهمة استراتيجياً واقتصادياً والعمل على قطع الاتصال أو إعاقته بين المناطق الإسلامية، ضمن هذا التوجه كانت أنطاكية والرها من المناطق الإسلامية، المحتلة التي هددت اقتصاديات حلب وطرق تجارتها، فالرها مثلاً شكلت ولمدة (40) سنة تهديداً للطرق التجارية بين حلب والموصل علاوة على الغارات الصليبية المتكررة على مناطق حلب وما رافق ذلك من ضربات لاقتصاديات المنطقة.‏

وبعد حركة الإفاقة العربية الإسلامية منذ عهد عماد الدين زنكي شكلت حلب ومناطقها نقطة هامة في الحسابات الاستراتيجية للصليبيين والمسلمين في محاولة من كل طرف للفوز بحلب لما تمثله من أهمية على الصعيدين الاستراتيجي العسكري والاقتصادي.‏

وإثر إخفاق الصليبيين في السيطرة على حلب أو تحييدها لجؤوا إلى محاولة الاستفادة من موقعها التجاري وذلك عن طريق المراسلات وعقد الاتفاقيات التجارية، وتبرز أهمية حلب في فترة الحكم المملوكي ولكن بشكل متعثر في البداية، وقد استطاعت في بعض الفترات أن تزدهر وتعمق دورها التجاري.‏

المحور الرابع:‏

حلب وتجارة الحرير‏

كانت بداية هذا المحور محاضرة للدكتور "شوقي شعث" عن "حلب وتجارة الحرير وصناعته في العهدين المملوكي والعثماني" حيث نجد أن إنتاج الحرير وبخاصة المقصّب منه قد تركز في أواخر العهد الأيوبي والعهد المملوكي الأول في مدينة حلب، وقد برعت حلب في تقصيب الحرير وتاجرت به مع أوربا التي كانت تقبل على شرائه نظراً لجودته ورخص أسعاره بالمقارنة بأسعار الحرير الذي كان ي*** من أواسط آسيا، وقد كانت حلب في العصر المملوكي الأول محطة هامة للتجارة بين الهند والبندقية (فينيسيا) بإيطاليا وحافظت على ذلك فترات طويلة بسبب مهارة أهل حلب التجارية حيث أصبحت الأعمال التجارية لدى الحلبيين من أهم الأعمال ممارسة وبسبب التقاء عدة طرق تجارية عند حلب من أهمها الطريق التي كانت تعرف بطريق الهند التي تنطلق من حلب إلى بغداد فالبصرة فعبدان فهرمز ثم الهند.‏

وقد لوحظ أن هذا الطريق انتعش في الفترة الأيوبية، ولكنه فقد أهميته حينما تعرضت حلب وبلاد الشام إلى الغزو المغولي، حيث تحولت الطريق إلى الجنوب فأخذت تستخدم البحر الأحمر إلى عدن ومن ثم إلى الهند، إلا أن هذا التحول لم يدم طويلاً فعاد إلى سابق عهده بعد أن زالت أسبابه على أثر موقعة عين جالوت، وأصبحت حلب من جديد مركزاً لتجارة الهند وظل هذا الطريق على نشاطه وازدهاره حتى اكتشاف رأس الرجاء الصالح عام (903هـ/ 1497م) من قبل البرتغاليين، حيث تحولت الطريق التجارية عن حلب من جديد، لكن حلب لم تفقد ثروتها بالكلية إنما بقي فيها من التجارة جانب عظيم لا يوجد مثله في كثير من الممالك.‏

*وقدم محمود حريتاني دراسة ميدانية عن "صناعة وتجارة المنسوجات الحريرية في حلب" فأشار إلى ازدهار حلب منذ القديم بمنسوجاتها وبخاصة الحريرية منها، التي حظيت بشهرة واسعة في هذه المدينة ومنها انتقلت إلى فرنسا ثم إلى أوربا، فضلاً عن انتشارها في منطقة الشرق الأوسط. وقد عرفت الخيوط الحريرية الطبيعية منذ عهود سحيقة، فكانت تربية دودة القز منتشرة في مناطق سواحل بلاد الشام وعلى ضفاف نهر العاصي، وتوسعت في جبال الساحل السوري، وقد تميزت مهارة صناع النسيج الحريري بحلب بالإنتاج الرائع والفريد، وعرف نسيج الحرير بحلب بطرازه التشكيلي الزخرفي، ونقوشه الجميلة، وفي حلب ظهر، وربما لأول مرة في صناعة النسيج في العالم القديم ما يعرف بـ "النقاش" والذي بدأت تظهر معه ملامح الإبداع في التصاميم والاختراع للأشكال المطابقة مع الألوان التي تتناسب وذوق المستهلك أينما كان، وكانت صناعة خيوط الذهب التي تضاف إلى النسيج الحريري خاصة بمدينة حلب.‏

وهكذا كانت ندوة حلب وطريق الحرير بما تضمنته من أبحاث ودراسات هامة وجديدة قدمها نخبة من كبار المختصين والعلماء، فرصة هامة لتعرف جانب من جوانب حضارة وعظمة هذه المدينة الخالدة التي تعتبر بحق واحدة من أبرز المحطات التجارية على طريق الحرير والتجارة بين آسيا من جهة وأوربة، وعالم البحر المتوسط من جهة أخرى، وكانت وراء شهرة طريق الحرير وازدياد أهميته على امتداد نحو ألف عام من القرن الثاني قبل الميلاد حتى القرن الثامن للميلاد، وقد حافظت هذه المدينة على عظمتها وازدهارها وتطورها بفضل نشاط أهلها وأهمية موقعها وتوفر عناصر استمرار ألفتها وحيويتها.‏

* كاتب وباحث في التاريخ والآثار، عمل في حقل الآثار والمتاحف أكثر من عشرين عاماً، ونشر العديد من الكتب والدراسات الهامة عن تاريخ وآثار وفنون وحضارة سورية العربية، يعمل حالياً معاوناً لوزير الثقافة في سورية.

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 58 - السنة 15 - كانون الثاني "يناير" 1995 - شعبان 1415

المصدر: ملتقى شذرات


pgf>> ,'vdr hgpvdv

__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« دمشق في أواسط القرن الثّامن عشر كما يُؤرّخ لها البُديري الحلاّق | استخدام مصادر المعلومات في مؤسسات القطاع الخاص:دراسة لواقعها في مدينة الرياض »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
لبس الحرير والذهب والفضة عبدالناصر محمود شذرات إسلامية 0 08-03-2015 07:14 AM
فاتحة الكتاب ...وطريق السعاده. صباح الورد شذرات إسلامية 0 07-28-2012 10:04 PM
طريق الحرير اوقات نثار الحرف 14 04-25-2012 04:57 PM
تأثير الحرير على النص درس فوتوشوب Photoshop Eng.Jordan الصور والتصاميم 0 01-30-2012 10:05 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 10:16 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68