تذكرني !

 





أثر أبي علي الفارسي في جهود ابن سيده النحوية

الدكتورة ناديا حسكور(1) نشطت الدراسة النحوية في القرن الرابع الهجري نشاطاً بيّناً، وقد عمل لتزايد هذا النشاط تلك المناظراتُ التي كان يعقدها سيف الدولة الحمداني بين كبار النحويين، فضلاً

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 06-05-2013, 11:29 AM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 17,432
افتراضي أثر أبي علي الفارسي في جهود ابن سيده النحوية

الدكتورة ناديا حسكور(1)



نشطت الدراسة النحوية في القرن الرابع الهجري نشاطاً بيّناً، وقد عمل لتزايد هذا النشاط تلك المناظراتُ التي كان يعقدها سيف الدولة الحمداني بين كبار النحويين، فضلاً عن المحاورات والمناقشات التي كانت تدور بين النحويين في مناسبات عديدة(2)، وكان أبو علي الفارسي علماً من أعلام النحو في عصر اتسم بذلك النشاط العلمي، إذ تخرج في حلقاته علماء أفاضل، وتعلم منه الكثيرون، فكان بحق حامل راية الإعراب ولواء الصرف بلا منازع، فها هوذا يقول عن السيرافي: "إنه تعلم مني وأخذ عني هو وغيره ممن ينظر في شيء من هذا العلم"(3).

ولم يقتصر أثر علم الفارسي على معاصريه بل تعداهم إلى كثير من العلماء الذين تتلمذوا على كتبه، وأخذوا عنه آراءه، فابن هشام يتتبع أقوال أبي علي ويذكرها في كتبه(4)، أما عبد القادر البغدادي فقد نقل عن الفارسي نصوصاً كاملة في كتبه، وهو يشير إلى هذا النقل فيقول أحياناً في آخر نقله: "انتهى كلام أبي علي وسقناه برمته لنفاسته"(5). وقد نقل عنه أيضاً في كتابه "شرح أبيات المغني" في مواضع كثيرة(6)، فكان بذلك من أكثر أهل العلم انتفاعاً بكتب الفارسي.

ودأبت كتب النحو التي أُلِّفت بعد عصر أبي علي على ذكر اسمه وآرائه لأن النحاة استفادوا من علمه، وهذا ما فعله ابن يعيش، وابن عصفور، وابن مالك وابنُ هشام والسيوطي وآخرون. وكان نشاط أبي علي في إجراء الإعراب ووجوه التخريجات مدداً سخياً لكل المعربين الذين جاؤوا بعده، فقد قيل عن تأثر ابن الشجري بالفارسي:"إنه موصول النسب النحوي بأبي علي، ويبدو إجلاله له واحتفاله بمصنفاته في هذا الحشد الهائل من النقول التي حكاها عنه وملأ بها كتبه، ثم في تصديه لشرحه، ورده كتبَه بعضَها إلى بعض..... وفي أن قدراً كبيراً من الآراء التي ساقها ابن الشجري غير معزوة إنما ترجع إلى مصنفات أبي علي(7)". ولكننا هنا سنخص البحث بدراسة أثر الفارسي في ابن سيده مفصلاً ليكون صورة عن النحويين الذين نهلوا من علم الفارسي في المغرب والمشرق.

يعدّ ابن سيده(8) من أبرز العلماء الذين تأثروا بأبي علي الفارسي ونهلوا من علمه ومصنفاته، وهو صاحب "المحكم والمحيط الأعظم"، وهذا المصنف معجم لغوي استقصى فيه ألفاظ اللغة استقصاء يكاد يكون تاماً حتى قال فيه القفطي: "كتاب المحكم يقارب العشرين مجلداً، لم يُرَ مثله في فنه، ولا يعرف قدره إلا من وقف عليه.... ولو حلف الحالف أنه لم يُصنَّف مثله لم يحنث"(9). وعدّه ابن خلكان من المصنفات النافعة(10). وقد أتبعه ابن سيده بمعجم آخر للمعاني هو المخصَّص الذي يعد موسوعة شاملة في بابه ويقع في سبعة عشر جزءاً؛ فهو أوسع معاجم المعاني لما امتاز به من اطلاع على كل ما أُلِّفَ قبله، ولحسن تبويبه وإحكام منهجه"(11).

وقد أشار ابن سيده في مقدمة كتابيه إلى ثلاث غايات ابتغاها من التصنيف، أولها الجمع وثانيها الترتيب وثالثها عرض بعض المباحث النحوية والصرفية، فقال في ذلك: "فلما رأيت اللغة على ما أريتك من الحاجة إليها لمكان التعبير عما نتصوره وتشتمل عليه أنفسنا وخواطرنا، أحببت أن أجرد فيها كتاباً يجمع ما انتشر من أجزائها شَعاعاً، وتنثّر من أشلائها حتى قارب العدم ضياعاً.... وتأملت ما ألفه القدماء في هذه اللسان المعربة الفصيحة، وصنفوه لتقييد هذه اللغة المتشعبة الفسيحة، فوجدتهم قد أورثونا علوماً نفيسة جمة... إلا أني وجدت ذلك نشراً غير ملتئم ونثراً ليس بمنتظم، إذ كان لا كتاب نعلمه إلا وفيه من الفائدة ما ليس في صاحبه، ثم إني لم أر لهم فيها كتاباً مشتملاً على جلّها، فضلاً عن كلها، مع أني رأيت جميع من مدّ إلى تأليفها يداً وأعمل في توطئتها وتصنيفها ذهناً قد حُرموا الارتياض بصناعة الإعراب... فإنا لا نجدهم يبينون ما انقلبت فيه الألف عن الياء مما انقلبت الواو فيه عن الياء.... فاشرأبت نفسي عند ذلك إلى أن أجمع كتاباً مشتملاً على جمع ما سقط إليَّ من هذه اللغة".(12)

ولكنه شعر بعد تصنيفه لكتبه تلك أنها قد توصف بالتبعية وفقدان الأصالة والإبداع فقال: "وإذا رأيت قضية في كتابي قد ساوت قضية من كتب أهل اللغة في اللفظ أو قاربتها فاقرن القضية بالقضية يلح لك ما بينهما من المزية، إما بفائدة يجلّ موضعها وإما بصورة عبارة يلذ موضعها(13)". ومن الجدير بالذكر أن المادة اللغوية في المخصص والمحكم واحدة وإن اختلف ترتيبها في الكتابين.

والحق أن ابن سيده كان ينقب في كل موضوع من موضوعاته عن أحسن كتاب أو كتب أُلِّفتْ في هذا الموضوع، وأغزرها مادة ثم يجعلها عماده، ويكملها بما يعثر عليه في المراجع الأخرى، ولما كان المؤلِّف يغلب عليه الميل إلى النحو فقد كانت كثير من المواد التي زادها في أبوابه من الإعرابيات والصرفيات، ولذلك فقد بدت على مؤلفاته الصبغة النحوية، حتى إننا وجدنا عنده أبواباً نحوية خالصة.(14)

أما علاقة ابن سيده بالفارسي فقد بدأت حين وصلت كتب أبي علي إلى الأندلس في وقت مبكر عن طريق أبي العلاء صاعد بن الحسن(15)، وقد ذكر ابن سيده صراحة في مقدمة كتبه أنه استفاد من كتب أبي علي إذ أشار إلى أنه استعمل الإيضاح والحجة والأغفال والحلبيات والبغداديات والشيرازيات(16)، وقد وقفت على نص لابن سيده ينطق بأنه قدا ستفاد من علم أبي علي، وذلك في مفتتح كتاب الأضداد، فبعد أن نقل كلام سيبويه في اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين، واختلاف اللفظين والمعنى واحد، واتفاق اللفظين واختلاف المعنيين قال: "وأنا أشرح ذلك كله فصلاً فصلاً إن شاء الله تعالى، وأتحرى فيه.... ما سقط إليَّ من تعليل أبي علي الفارسي"(17).

وابن سيده يجلّ الفارسي ويقدر له احتكامه إلى الحكم العقلي فقد قال فيه: "يفسر أبو علي المنطق بالفكر"(18). وهو لذلك يحذو حذوه في تصريف الكلمات حين يعتبر نوع اللام مسترشداً بحركة الفاء، ففي كلامه على (الأُثفيّة) قال: يجوز أن يكون من يثفوه أو من يثفيه، ويرجح أن يكون من الواو لقولهم: جاء يثِفُه لأن الياء لا تحذف في مثل هذا ولا يلتفت إلى (يَئِسُ) لقلته، "وهذا من أقوى ماكان أبو علي يروم به حقيقة التصريف، أعني أن يعتبر بالفاءِ اللامَ"(19).

وقد تَبع أبا علي أيضاً حين رأى أن (الـ) زائدة في (الذي) وأن الاسم الموصول يتعرف بالصلة لا بها فقال: "ولو كان (الذي) إنما حصل له التعريف من أجل الألف واللام لا بالصلة لوجب أن تكون (من) و(ما) الموصولتان نكرتين لأنه لا ألف ولا لام فيهما، وإن كان الظاهر من كلام سيبويه غير ما ذهب إليه الفارسي".(20)

وابن سيده يعتمد كلاماً للفارسي ويحكم على نظيره بالحكم نفسه، فقد نقل عن العرب أنهم يقولون: سلام عليك، مجيزين الابتداء بالنكرة، لأن فيها معنى الدعاء، وقد استعان بهذا الحكم وفسّر به الابتداء بالنكرة للدعاء في قولهم:"تربٌ وجندلٌ. إذ قال: إنما الناصب له أصبت ترباً وجندلاً، أو أُلزمت ترباً وجندلاً، فإن فيه معنى المنصوب، وإن رُفِعَ فقيل: تربٌ وجندلٌ، فالكلمة "رفِعت على الابتداء مع أنها نكرة لأن فيها معنى الدعاء وإن كانت من الجواهر"(21).

وعلي بن سيده كثيراً ما يستصوب رأي الفارسي بعد أن يعرض آراء غيره في الموضوع الواحد؛ فقد اختلف النحاة في الواو من قولهم: أبوك ونحو ذلك، فقيل: إنها دليل الإعراب، وقيل: إنها حرف الإعراب المحذوف وقد رُدَّ في الإضافة وكُرهت فيه الضمة. والفارسي يرى أنها حرف الإعراب لا دليله(22)، وأيد ابن سيده هذا الرأي وقال: "هو الصحيح(23)". وهو يجيز كالفارسي تقدير (أن) في الكلام الخبري الموجب(24) وقد حمل عليه قول الأعشى:

لنا هضْبَةٌ لا ينزِلُ الذّلُّ وسْطَها





ويأوي إليها المستجيرُ فيُعصَبا(25)





وابن سيده، ينقل عن الفارسي مسائل لغوية كثيرة وأخرى نحوية وقد أوردها في معجميه بلفظها، وهذا إن دلَّ على شيء، فهو يدل على تقديره للشيخ الفارسي(26). وقد وافقه في بعض الآراء التي خالف بها سيبويه وجمهور النحاة، فقد رأى أن وزن(تئفّة) تفْعِلة خلافاً لمن يقول: إن وزنها فَعِلّة، وقد حكى هذا ابن سيده فقال: هي عند سيبويه فعِلّة وعند أبي علي تفعِِلّة، وأقول أنا: "إن الصحيح في زنة الكلمة أن تكون تفعِلة ولا تكون فَعِلِة"(27). ورأى أيضاً مثله أن التاء في (كلتا) بدل من الواو، لأن الألف في كلا منقلبة عن واو(28).

ولعل دراسة منهج ابن سيده في تناول الأصول النحوية، ثم تبيين ملامح منهجه الفكري والتأليفي يظهران تأثر ابن سيده بالشيخ أبي علي الفارسي.

منهجه في الأصول النحوية:

ذكر ابن سيده في المخصص والمحكم المصادر التي كانت المنبع الذي جمع منه المادة اللغوية لكتابيه كـ"إصلاح المنطق وكتاب الفصيح لابن السكيت والنوادر والمجالس لثعلب"(29)، وقد نثر في كتبه إلى جانب المادة اللغوية عروضاً لمسائل نحوية منوعة أخذها عن شيوخ النحو الذين تتلمذ على كتبهم وتعلم منها مثل سيبويه والفراء والمبرد والفارسي وابن جني.

وهذا يعني أن ابن سيده كان يستعين بالإرث النحوي واللغوي الذي أخذه عمّن قبله، فيجمعه ويرتبه ويعيد عرضه بالشكل الذي يرتضيه، فمصادره هي مصادر الفارسي، وقد كانت له آراء في بعض كتب اللغة تشابه رأي الفارسي فيها، فقد تابع معجم العين للخليل تارة بالتوضيح وتارة بالتخطئة والتصويب، فروى عن صاحب العين قوله: ألقى الكلام على عواهنه: لم يتدبره، وقيل: لم يبال أصاب أم أخطأ، وقيل: قاله من قبيحه وحسنه. وقال علي: حقيقته أيضاً أنه قال: ما ألّم به وحضره.(30) ونقل عنه أيضاً أنه نَهَع ينهَع نهوعاً تعني تهوّع من قلْسٍ أي من غير قيء، وقال بعد ذلك: "وليس عندي بصحيح"(31).

وقد تعقب اللحياني أيضاً في نوادره ذاكراً قول ابن جني: "ذاكرت بنوادر اللحياني شيخنا أبا علي فرأيته غير راض بها"(32). وقال أيضاً: "كان الفارسي يرد حكاية اللحياني لأنه لا يعجبه نقله"(33)، وعلى الرغم من تعظيمه لأبي زيد ونوادره فقد اعتمد قول الفارسي فيه: "كان أبو زيد يتسع في اللغات حتى ربما جاء بالشيء الضعيف فيجريه مجرى القوي"(34)، وراح يخطئه.

وما يعنينا من هذا الكلام أن ابن سيده كالفارسي كان يخضع كل ما يسمع لحكمه العقلي بعد أن يناقشه ليرى فيه رأيه، ولا يمنعه تقديره للقديم والموروث من النقد وإبداء الرأي والتعقب والتخطئة. ولكنه كان في الوقت نفسه كثير التحرز في تخطئة الفارسي، فقد ذكر (اليعسوبة) ورواه عن الفارسي وقال: هكذا وجدتها في التذكرة بالهاء فلا أدري أهو ضبطه أم هو غلط من الناقل؟"(35) وقد يكون تعقبه للفارسي من باب التوجيه والتمثيل وليس من باب التخطئة، فقد حكى كلام أبي علي في أن "الظّلال يحتمل أن يكون جمع ظُلّة كعُلبة وعُلب وعِلاب، ويحتمل أن يكون جمع ظلّ، ثم قال فيه: "يجوز أن يكون جمع ظُلَّة أولى لأن الظلال ليس بجوهر ولا بشبيه الجوهر فيتضمن شيئاً، والظُلة كالوعاء فهي أولى بالتضمين"(36). وابن سيده حذر في تخطئة ابن جني أيضاً، فقد ذكر عن أبي الفتح أن (سجعاً) تجمع على (سجوع) ولما رآه غريباً، قال: "فلا أدري أرواه أم ارتجله؟"(37).

ومنهج ابن سيده في تعامله والإرث النحوي في مؤلفاته، يقوم على التخفّف من ذكر المسائل القياسية المطردة التي تكررت في كتب النحو قبله، وعلى التنبيه على أمور أخرى شاذّة، وعلى التمييز بين الأمور المتشابهات، التي قد يقع فيها الغلط، وقد ذكر كل ذلك حين بيَّن منهجه ووضَّحه فقال عن كتابه المحكم: "ومن طريف اختصاره ورائق بديع نظم تِقصاره، أني إذا ذكرت مِفعلاً لم أذكر مِفْعالاً لعلمي أن كل مِفعل مقصور عن مِفعال، على ما ذهب إليه الخليل".(38) ومنه أيضاً أنه لا يذكر افعالّ إذا ذكر افعلّ من الألوان لأن كل افعلّ عند سيبويه محذوفة من افعالّ، لإيثار التخفيف، أما التنبيه عنده فموجّه للشاذّ: "ومنه التنبيه على شاذ النسب والجمع والتصغير والمصادر والأفعال".(39)

وابن سيده يعتمد رواية الفارسي ويقرها، فقد حكى عنه أن الفاء معناها الافتراق لكنها تأتي بمعنى الواو في البلدان نحو قولهم: "أصاب المطر كذا فكذا"(40). وقد روى عنه (تجذو) على أنها لغة في (تجثو)، وقال: إن أبا عبيد كان يؤوله على إبدال الذال من الثاء(41). وهو يثق بأبي علي وبما يحكيه فيعتمد روايته فيما حكاه من أن الأصمعي كان يأبى "شتان مابين زيد وعمرو"(42). وهو يروي عنه ما حكاه عن أبي زيد من قولهم في جمع التكسير (رائح، وَرَوحٌ) كقولهم: (عازب، وعَزيب وقاطن وقطين)(43).

وقد يقوي رأي الفارسي على غيره من النحاة، وعدّته في التقوية ما سمع عن العرب، فقد رأى أبو علي أن النون حرف يشابه الياء والواو والألف من غير جهة، ولذلك أُبدلت النون من الواو في قولهم: "صنعاني في الإضافة إلى صنعاء"، وأوضح ابن سيده كلام الفارسي مقوياً حكمه معتمداً ما سُمِعَ عن العرب، فقال: "لا تكون النون بدلاً من الهمزة "فلم نر النون أُبدلت منها الهمزة، ورأيناها أبدل منها الموافق للواو، وهو الألف في قولهم: "رأيت زيداً، وإذا في الوقف على إذاً".(44).

فإذا سمع عن الفارسي شيئاً لم يُرضه دافع عنه، من هذا أنه حكى عن الفارسي قول العرب هيهات هيهات وقال شبّهه بالأصوات كقولهم: غاقٍ في حكاية صوت الغراب، ومن قال هيهاتاً نصبه على التشبيه بالمصدر، وأضاف بعد ذلك: "ولا أظن هذا لفظ أبي علي.(45) وهو قد يروي سماعاً عن العرب لم يحكه أبو علي ممّا يُعدّ شاذاً، من هذا أنه روى قول العرب: "لعلَّتَ بإيراد (لعل) مؤنثة بالتاء، وقال:"إنهم لم يبدلوها هاءً في الوقف كما لم يبدلوها في (ربّت وثَمَّتَ)، لأنه ليس للحرف قوة الاسم وتصرفه"(46).

ولعل مصادر السماع تكتسب أهمية خاصة في بحوث ابن سيده، وذلك لأن كتابيه الكبيرين معجمان في أصلهما، وهما يجمعان مواد اللغة، فهما بالضرورة سماعيان، ولقد كان ابن سيده يدرك هذا ويعرفه بجلاء، لذا فإنه أكثر من الحديث عن الشاذ والنادر وعمّا يقتصر فيه على السماع.

أما الاحتجاج وهو توظيف المادة المسموعة لخدمة القاعدة النحوية فهذا ملمح لم يتضح بجلاء عند ابن سيده في المجال النحوي أو اللغوي، وذلك لأنه كان مسبوقاً في كل ما رواه، وهو لم يهدف في كتابيه إلى تأصيل وجه نحوي أو قانون لغوي بل كان ـ كما تقدم من قوله ـ يهدف إلى الجمع والترتيب وإضاءة هذا الكلام المجموع ببعض من الملاحظات النحوية التي يقتضيها السياق الكلامي. ولكنه مع ذلك كان يروي ما احتج به الفارسي من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة والكلام العربي والشعر. فقد روى عنه ما أنشده من قول الشاعر عبد يغوث بن وقاص:

وتضحكُ منّي شيخةٌ عبشمّيةٌ





كأنْ لم تريْ قبلي أسيراً يمانيا(47)





وقال: "وروي البيت: كأن لم ترى قبلي، وزعم ذلك أبو علي الفارسي وعلل الروايتين".(48)

وقد غلب ميل ابن سيده للنحو عليه فساقه إلى تخصيص أبواب للحديث عن قضايا نحوية صرفة، وعن عدد من حروف المعاني، وقد استعان في هذه الأبواب بالقراءات القرآنية، فجعلها من وسائل الاحتجاج، وإن لم يكن في بعض الأحيان متابعاً الشيخ، فقد رأى أن (لم) قد تكون زائدة في المعنى في مثل قوله تعالى: )والّذين إذا ذُكِّروا بآياتِ ربِّهِم لم يخِرُّوا عليها صُمَّاً وعُمياناً((49). إذ المعنى: إذا تُليت عليهم الآيات خرَّوا سُجَّداً بكيَّاً.(50)

ولعل ما يلفت نظر القارئ ويثير انتباهه أن ابن سيده لم يكن يهتم في احتجاجه بالقراءات القرآنية بأن يسند القراءة التي يدرسها، بل يكتفي بالإشارة إليها، من هذا أنه قال: "قرئ: )لا يَدْخُلونَ الجنّة حتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ((51)، وعلّق على هذه القراءة فقال: السمّ ثقب الإبرة، ويقال سَمٌّ وسُمٌّ وقد حكى ذلك الفارسي.(52)

أما موقفه من الحديث الشريف فقد كان مشابهاً لموقف أبي علي في أنه لم يجعله وسيلة لاستنباط الأحكام النحوية، بل كان عنده وسيلة استئناس داعمة، ولا يُعدّ إكثاره من رواية الحديث خروجاً على مذهب الفارسي، لأن هذا الإكثار من الأحاديث الكريمة كان في باب الكلام على اللغة والمعاني، وهذا باب لا خلاف بين النحاة في الاحتجاج به، ولعل إكثار ابن سيده من روايته يعود إلى غلبة الطابع اللغوي على كتابيه المحكم والمخصص، ولذا فإنّا نستطيع القول إنه كان متابعاً للفارسي في استخدام الأحاديث الشريفة لتدعيم القاعدة النحوية. ومن الأحاديث التي كرر ابن سيده ذكرها وهو ينحو فيها منحى أبي علي قوله عليه السلام: (المسلمون تتكافأ دماؤهم) و(اللهمّ اشددْ وطْأَتَكَ على مُضَرَ)، و(إنَّ اللهَ يَنْهاكُمْ عَنْ قيلٍ وقالٍ)، و(هُنَّ صواحباتُ يوسفَ).(53)

ولكن استقصاء ابن سيده للكلام العربي شعراً ونثراً وللقراءات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة يظل أمراً علينا أن نقدره حق قدره، ولا نغمط جامعه حقه فالمخصص والمحكم موسوعتان لغويتان تجمعان الكلام العربي على تعدد ألوانه، وتضمان في ثناياهما عدداً كبيراً من كتب التراث الذي تشكّل كتب أبي علي جزءاً هاماً منها.(54)

ومع هذا الإجلال للسماع لم يكن ابن سيده يلغي القياس أو ينقص قدره، فقد تأثر بالفارسي في إدراك أهميته، فاتّخذ عنده صوراً كثيرة كالقياس على النظير والضدّ وعلى الشائع والمطرد. وقد أجاز القياس وإن لم يرد به سماع في الضرورة الشعرية متبعاً بذلك مذهب الفارسي، فالشاعر إذا اضطرَّ جاز له أن ينطق بما يبيحه القياس، وإن لم يرد به سماع(55). وقد جعل لكل ما أورد من الأقيسة عللاً وجدنا مثلها عند الفارسي كعلة الفرق(56) وعلة الاستغناء(57) وعلة الأولى(58).

وهو قد يستفيد من علل الفارسي، فقد نقل عنه أن التأنيث يغلب التذكير في الأيام والليالي على خلاف المعروف من غلبة التذكير على التأنيث في الحالة العامة، وعلة ذلك أن ابتداءَ الأيامِ الليالي لأن دخول الشهر يكون برؤية الهلال في أول الشهر، فـ"الهلال يُرى في أول الليل فتصير الليلة مع اليوم الذي بعدها يوماً في حساب أيام الشهر، والليلة هي السابقة فجرى الحكم لها في اللفظ فإذا أبهمتَ ولم تذكر الأيام ولا الليالي جرى اللفظ على التأنيث"(59). فإذا ما وجد لأبي علي رأياً خالف فيه غيره ارتضى ما رآه الفارسي ونقل عنه علته في مخالفة غيره وهو يصرح بذلك قائلاً: "أنا مورد ما صح عن أبي علي في تعليل هذه الكلمة، ورده فيها على أبي إسحاق إبراهيم بن السري"(60). وذلك في كلامه على رواية من قال: "أيهات في هيهات".

وهو يتابع أبا علي فيقول إن الواو في (أبوك) حرف إعراب ويورد العلل التي يسوقها الفارسي لتأكيد رأيه(61)، ولكنّا قد نرى عنده تعليلات إضافية لم يذكرها أبو علي، لكنها مستوحاة منه، ومن هذا أن التاء عنده كما هي عند الشيخ الفارسي أضعف حروف الجر، وهذا لأنها بدل من الواو، والواو بدل من الباء فلما بعدت ضعفت ولم تدخل إلا على اسم الله عزَّ وجلَّ(62). وهو يرى كالفارسي أن (عسى) قد تكون مثل (كاد) وتجيء مكانها في الأمثال (لأنه قد يأتي في الأمثال ما لا يأتي بغيرها).(63)

ويسوق ابن سيده تعليلات أبي علي الفارسي في قضايا لغوية صرفة مبدياً إعجابه بتعليلات الشيخ، ففي كتاب الأضداد وهو أحد أبواب المخصص، تحدث عن اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين واختلاف اللفظين والمعنى واحد، واتفاق اللفظين واختلاف المعنيين، وقال: "أقدم فصلاً دقيقاً نافعاً.... لأشرح ذلك كله فصلاً فصلاً إن شاء الله تعالى، وأتحرى فيه أشفى ما سقط إليَّ من تعليل أبي علي الفارسي"(64). ثم لخص بعد ذلك رأي الفارسي بأن وجه القياس الذي يجب أن يكون عليه الكلام اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين وذلك لأن كل معنى يختص فيه بلفظ لا يشركه فيه لفظ آخر، فتنفصل المعاني بألفاظها ولا تلتبس، واختلاف اللفظين والمعاني بعد واضحة للحاجة إلى التوسع بالألفاظ، وبيّن أن "هذا القسم لو لم يوجد من الاتساع مايوجد بوجوده...... ومن هنا جاءت الزيادات.... لغير المعاني في كلامهم.... وأيضاً فإذا أراد التأكيد قال: قعد وجلس، فتكون المخالفة بين الألفاظ أسهل من إعادتها أنفسها وتكريرها".(65)وهذا يبين لنا أن العلم سلسلة متصلة يكمل الآخر ماكان قد بدأه الأول، ويضيف الخالف إلى كلام السالف ما ارتضاه فكره وما هدته إليه دراسته.

ولكن ابن سيده قد ينقل تعليلات الآخرين راضياً بها دون أن يفسر وجه قبولها، فقد ذكر نقلاً عن ابن جني أن التاء في (أخت) للإلحاق فقال: التاء في (أخت) للإلحاق وقد حذف هذا الحرف في الجمع "لأن هذا البناء الذي وقع الإلحاق فيه إنما وقع في بناء المؤنث دون المذكر.... فصار البناء لما اختص به المؤنث بمنزلة مافيه علامة التأنيث فحذفت التاء".(66)



لقد ارتضى ابن سيده لنفسه أن يكون لغوياً بالدرجة الأولى، وكان لاختياره هذا مظاهر بدت في مؤلفاته فهو يبدأ قبل كل حديث نحوي بشرح المعنى اللغوي للمصطلح، فقد قال: "الدعاء طلب الطالب للفعل من غيره".(67) وأول ما يلاحظ عنده في المنهج إفادته البالغة من المنطق وهو متأثر بهذا بالفارسي، وهذه النزعة نجدها في الترجيحات المنطقية وفي التقسيمات العقلية الدقيقة. واستعراض عناوين أبواب المخصص تظهر هذا بوضوح(68). ففي كتاب المقصور والممدود من المخصص ذكر ابن سيده تفصيلات عن الاسم المقصور وأبنيته، فقال: إنها ثمانون بناء، أما الممدود فأبنيته خمسون بناء، ثم ذكر مايكون من هذه الأبنية اسماً وما يكون صفة وما يكون اسماً وصفة معاً، وبعد هذا العرض الإحصائي للأوزان ذكر مقاييس معرفة الاسم المقصور والممدود معتمداً كلام الفارسي في ذلك(69).

وإنّا نلمح عند ابن سيده تقسيمات في تسمية الأبواب أكثر نضجاً منها عند الفارسي كقوله: ماجاء في المبهمات من اللغات، وما جاء في الذي وأخواتها من اللغات، وباب تحقير الأسماء المبهمة(70)، على الرغم من أن المخصص كتاب لغوي أولاً وليس كتاباً نحوياً.

وتبدو في المخصص أيضاً تعاريف واضحة المعالم وحدود بيّنة الأطراف حتى في المصطلحات البديهية:"فالقسم يمين يقسم بها الحالف ليؤكد بها شيئاً يخبر عنه من إيجاب أو جحد، وهو جملة يؤكّد بها جملة أخرى، فالجملة المؤكَّدة هي المقسم له والجملة المؤكِّدة هي القسم، والاسم الذي يدخل عليه حرف القسم هو المقسم به".(71) ويورد ابن سيده بعد ذلك أمثلة محكية ويشير إلى كل قسم من الأقسام التي ذكرناها في جملة القسم. وفي كلامه على التشبيه بدأ على غير ما اعتاد النحاة البدء به إذ قال:"التشبيه يأتي على ضربين: تشبيه حقيقةٍ وتشبيه بلاغةٍ. فتشبيه الحقيقة قولك: هذا الدرهم كهذا الدرهم..... وأما تشبيه البلاغة فهو التشبيه غير الحقيقي"(72). ولعل من طريف ما اشتمل عليه هذا الكتاب الفرق بين التخفيف البدلي والتخفيف القياسي، وهما نوعان من تخفيف الهمز تكلّم عليهما النحاة لكنهم لم يميزوا بينهما اصطلاحاً بوضوح، وقد أورد مثلاً لتوضيح الفرق بين المصطلحين، فقال:"أخطيت ليس بتخفيف قياسي، وإنما هو تخفيف بدلي محض، لأن همزة أخطأت همزة ساكنة قبلها فتحة، وصورة تخفيف الهمزة التي هذي نِصبتُها أن يخلص ألفاً محضة فيقال: أخطات".(73)



إن هذه اللمحات التفصيلية الدقيقة سمة من سمات البحث اللغوي النحوي عند ابن سيده إذ يبتدعها فكره اللغوي أحياناً أو يستفيد من كلام أبي علي الفارسي في كلامه التنظيري عليها، فالكلمات التي تقال بالهمزة مرة وبالواو أخرى على ضربين: اطرادي وسماعي، وقد قال فيها: "وأنا أبين ذلك بما سقط إلي من تعليل أبي علي رحمه الله".(74) وابن سيده كالفارسي يورد وجهات النظر المختلفة ويوازن بينها مجرحاً ومرجحاً حتى يقر على رأي(75)، ولكنه في أحيان كثيرة يكتفي بالعرض فقط دون ترجيح(76)، فتختفي بذلك شخصيته، فقد نقل عن الفارسي قول ثعلب: ضغَنْتُ إلى القوم أضغَنُ ضَغناً، جلستُ وأضاف: قال أبو عبيدة: معناه جئتُ إليهم حتى أجلس معهم(77). دون أن يبين رأيه فيما روى، وإذا أبدى الفارسي حيرة في أمر تابعه ابن سيده ناقلاً كلامه دون تعليق، فقد روى عنه: "وقد رأيت جِلْساً في الشعر لا أدري ألغة أم ضرورة؟ لأنهم مما يعيدون جميع المصادر الثلاثية في الشعر إلى فِعْلٍ إذا اضطروا"(78). ولا يبدي ابن سيده تعليقاً على هذا الكلام. وهويحتكم إلى المعنى في بعض تأملاته اللغوية، ويستند إلى التحليل المنطقي الفكري، فالكاف يجب أن يحكم بزيادتها في الآية الكريمة: (ليس كمثِلِهِ شَيءٌ)(79) بدلالة المعنى، وقد قال في ذلك: لابد من الاعتقاد بزيادة الكاف ليصح المعنى، لأنك إن لم تعتقد ذلك أثبتَّ له ـ عزَّ اسمه ـ مثلاً، وزعمت أنه ليس كالذي هو مثله شيء، فيفسد هذا من وجهين: أحدهما مافيه من إثبات المثل لمن لا مثل له، والآخر أن الشيء إذا ثَبَّتَّ له مثلاً فهو مثل مثله، لأن الشيء إذا ماثله شيء فهو أيضاً مماثل لما قبله.(80)

وقد يختلف قولا ابن سيده في المسألة الواحدة إلى حد التناقض(81)، وإنا نرى في كلامه تكراراً يبعث على الملل، فهو يعيد عبارات بأعيانها منقولة من كتب سيبويه والفارسي في كل مكان يرد فيه شاهد على الفكرة التي تتضمنها تلك العبارة فقد نقل كلام أبي علي على (هلّم) وعلى حيّهل بحروفه(82). ، ولكنا نجد مما يُحمد له أنه كان حريصاً على إيراد النوادر واللهجات واستقصائها بشكل قلَّ أن نال الاهتمام اللازم من النحاة قبله(83).

وإذا بحثنا في كتب ابن سيده عن منهج التزمه في تصنيفه من الناحية النحوية فإنَّا لن نجد عنده ذلك المنهج الذي يستقصي كل شيء نحوي ويجمعه في بابه، بل سنرى المعلومات النحوية متناثرة يقولها مستعرضاً الآراء فيها حين تدعو الحاجة إلى ذلك، فهو لغوي أولاً، وماكان خوضه في الإعراب والصرف إلا لخدمة اللغة وتوضيح ألفاظها بغية الوصول إلى الكلام الفسيح الصحيح. ولكن مصنفاته برغم ذلك لا تخلو من البسط النظري أحياناً، فقد أفرد باباً للحديث عن حروف المعاني، وأتبعه بحديث عن حمل بعض حروف الجر على بعضها الآخر، وكلامه في هذا الباب يترجّح بين التفصيل والإيجاز، فقد تحدث عن الواو حديثاً مفصلاً فذكر أنها إذا لم تكن بدلاً من الحرف الجار لزمتها الدلالة على الإتباع، ورأى أنها تجيء على ضربين: أحدهما أن تدل على الاجتماع متعرية من معنى العطف، والآخر أن تأتي عاطفة تدل على الاجتماع، وأتى لكل من هذين الضربين بأمثلة وشواهد ثم ذكر أهم أحكامها(84)، أما (لن) فلم يزد على أن معناها نفي المستقبل(85).

وهو يردف كلامه النظري بالبحث التطبيقي الذي يلائمه، ففي تعليقه على قول ساعدة بن جؤّية:

فَورَّكَ لَيناً لا يُثمثَم نصلُهُ





إذا صاب أوساطَ العظامِ صميمُ(86)





أشار إلى أن (يثمثم) معناه يحبس وذلك لأن معنى (ثم) المهلة والتباطؤ عن رتبة الشيء، لأن احتباس الشيء وإبطاءه بمعنى(87).

وابن سيده يستخدم مصطلحات الفارسي بعد أن يحدها، فهمزة النقل هي الهمزة التي تنقل غير المتعدي إلى المتعدي(88)، و(العباس) من الأوصاف الغالبة وهي تعرف بالوضع لا بالألف واللام، وإنما أُقرَّت اللام فيها بعد النقل مراعاة لمذهب الصنعة فيها قبل النقل(89). ولكنه قد يسمي الشيء بمصطلحين مختلفين، فقد سمَّى همزة النقل السابقة الذكر همزة الجعل فـ"أحمى المكان جعله حمى.... وأسكنه الله جعله مسكيناً.... وأطردته جعلته طريداً"(90) دون أن يبين الفرق بين المصطلحين كما يراه، وهو يتابع أبا علي في كثير من أحكامه وينقل كلامه كما فعل في حديثه عن زيادة الباء(91) وعن التركيب الذي يحدث في المركبين معنى لم يكن قبل فيهما(92).

وهو يعتمد طرق تأويل الفارسي ويستعين بها في تحليلاته النحوية، فمن المعروف أن الفتحة التي هي علامة النصب تظهر على الواو وعلى الياء في آخر المضارع إذا كان منصوباً كما في قوله تعالى: )أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ على أن يُحييَ الموتى((93)، وقد قرئَ بتسكين الياء وأُجريَ النصب مجرى الرفع الذي لا تلتزم فيه الحركة(94)، وهذا تأويل الفارسي لقول الأعشى:

فآليتُ لا أرثي لها من كَلالةٍ





ولا من حَفىً حتى تُلاقيْ محمّدا(95)





كما نقل عن الفارسي جواز إشباع الفتحة وقلبها ألفاً في (ينباع) من قول عنترة:

ينباعُ من ذِفْرَى غضوبٍ جسرةٍ





زيّافةٍ مثلِ الفَنيقِ المُكْدَمِ(96)





ولكن ابن سيده قد يخالف الفارسي فيما رآه معتمداً تأويلاً آخر، فهو على الرغم من تقديره لأبي علي لا يتردد في تعقب الهفوات التي رآها في كلامه أو الآراء التي خالفه فيها، من هذا أن (سوى) عنده قد تكون ظرفاً على غير ما رآه الفارسي من أنها تكون ظرفاً أو اسماً(97)، فقد قال: "ومعنى (سوى) كمعنى (غير)، إلا أن (غير) اسم، و(سوى) ظرف، ومن حيث كان معناها معنى (غير) أطلق للشاعر أن يضعها موضع الاسم(98). وهو قد ينقل بعض آراء الفارسي التي خالف فيها النحاة فعن (أولق) قال: إن زنتها أفعل، من الولق: الذي هو السرعة، وأسند هذا الكلام للفارسي دون أن يعلق عليه، ولكنه أوردها في موضع آخر فجعلها من الألق(99).

وهو قد يغني البحث الذي ينقله بإيراد تفصيلات لم تدرس فقد نقل كلام الفارسي على اللام من كلمة (ابن) وأضاف إلى ذلك بحثه في حركة الفاء من هذه الكلمة، وهذا أمر لم يذكره أبو علي الفارسي فقال في ذلك: "أبناء يدل على أن ابناً أصل وزنه فَعَلَ.... لأن أفعالاً بابه فَعَلَ، فأما قولهم: بنات في جمع بنت، فهو يدل على ما قلناه من أن أصل الفاء من (ابن) الفتح، ورُدَّ في الجمع إلى أصل بناء المذكر كما رُدَّ (أخت) إلى أصل بناء المذكر، فقيل: بنات كما قيل أخوات، لأن أصل بناء المذكر من كل واحد منهما فَعَلَ..... وهذا الضرب من الجمع، أعني الجمع بالألف والتاء قد يُرَدّ فيه الشيء إلى أصله كثيراً..... فكما ردّوا الحرف الأصلي فيه كذلك رُدَّت الحركة التي كانت في الأصل في بناء المذكر"(100).

ولعل من مظاهر علم ابن سيده أنه كان كالفارسي صاحب فكرٍ شاملٍ لكل علوم العربية، فقد برع في اللغة والعروض والنحو وتمثّل كل ذلك في بحوثه إذ استعان بكل أدواته في مصنفاته، وقد عرف في نفسه هذه القدرات الشاملة فقال عن المخصص: "وقد ضمنّته مايدل على تقدمي في جميع أبواب الآداب كالنحو والعروض والقافية والنسب والعلم بالخبر إلى غير ذلك من العلوم الكلامية التي أبذّ بها المؤلفين وأشذُّ عن المصنفين"(101). وقال في موضع آخر في الموضوع ذاته: "إني أجد علم اللغة أقلَّ بضائعي، وأيسر صنائعي إذا أضفته إلى ما أنا به من علم حقيق النحو وحوشي العروض وخفي القافية وتصوير الأشكال المنطقية والنظر في سائر العلوم الجدلية"(102).

لقد كان ابن سيده ذا عقلٍ محيطٍ ونظرةٍ شمولية، ففي كتبه أحاديث طويلة عن البحور الخليلية والزحافات والعلل والضرورات الشعرية وقد فاق في هذا المضمار أبا علي(103). إذ وظفها كلها في خدمة بحثه اللغوي إذا دعت إليها الحاجة، لأن علوم اللغة عنده كلّ متكامل يفضي بعضه إلى بعضه الآخر، ويوضح كل علم من هذه العلوم جانباً من المنطوق اللفظي حتى تتضح صورة دراسته بجلاء. أما طريقة العرض التي كان يتبعها ابن سيده في تآليفه فهي أنه يشير أولاً إلى المادة المسموعة ثم يشرح المعنى اللغوي، فإذا وجد في المسألة اللغوية مايمكن الحديث عنه نحوياً أشبع ذلك بحثاً ودراسة فإن كان في الموروث النحوي خلافات في المسألة التي أوردها ونقل ما قيل في الرد عليها متبعاً طريقة أبي علي في أسلوب الفنقلة(104)، وإيراد الاعتراضات، ثم شفع كل تلك الاعتراضات بالحجج المناسبة وقارع الدليل بالدليل، والقول بالقول، حتى يستطيع تبيين صحة الوجه الذي ارتضاه(105).

وبعد، فهذه ملامح تبين جهود ابن سيده النحوية وتظهر تأثّره بآراء أبي علي الفارسي، ويمكن أن تلخص تلك الجهود بأنها كانت علمية منطقية تعتمد القياس والتعليل والجمع والنقل والترجيح، وتجمع معظم ما قيل في أبواب النحو العربي في إطار واحد لتبدو كل المظاهر اللغوية متسقة فيما بينها تلائم هندسة النحو العربي وقوانينه.

فهرس المصادر والمراجع

(1)ـ إنباه الرواة على أنباه النحاة للقفطي علي بن يوسف 1384 هـ. ـ تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ـ مصر.

(2)ـ ابن الشجري وآراؤه النحوية 1978م، رسالة دكتوراه مخطوطة لمحمود محمد الطناحي، دار العلوم في القاهرة.

(3)ـ خزانة الأدب لعبدالقادر بن عمر البغدادي ـ تحقيق: عبد السلام هارون ـ مصر ط3.

(4)ـ ديوان الأعشى أبو بصير ميمون بن قيس 1927م ـ تحقيق: رودولف جاير، فينا.

(5)ـ ديوان الهذليين 1369 هـ. ـ مصر.

(6)ـ ديوان طرفة بن العبد 1975م ـ شرح الأعلم الشنتمري ـ تحقيق: درية الخطيب ولطفي الصقال.

(7)ـ ديوان عنترة بن شداد 1970م ـ تحقيق: محمد سعيد مولوي ـ دمشق.

(8)ـ سر صناعة الإعراب لابن جني 1985م ـ تحقيق: حسن هنداوي ـ دمشق.

(9)ـ فهارس المخصص لعبد السلام هارون 1990م بيروت.

(10)ـ كتاب الشعر لأبي علي الفارسي 1987م ـ تحقيق: حسن هنداوي ـ حلب و1988، تحقيق: محمود محمد الطناجي ـ القاهرة ـ ط1.

(11)ـ المحكم والمحيط الأعظم في اللغة لابن سيده ـ تحقيق: حسين نصار وآخرين، القاهرة.

(12)ـ المخصص لابن سيده دار الكتب العلمية، لبنان.

(13)ـ المخصص لابن سيده، دراسة ودليل: لمحمد الطالبي 1956م تونس.

(14)ـ المدرسة النحوية في مصر وبلاد الشام لسالم مكرم عبد العال 1990 مصر.

(15)ـ المسائل البصريات لأبي علي الفارسي 1985م ـ تحقيق محمد الشاطر ـ مصر.

(16)ـ المسائل الحلبيات لأبي علي الفارسي 1987م ـ تحقيق: حسن هنداوي ـ دمشق ـ ط1.

(17)ـ المسائل العسكريات لأبي علي الفارسي 1981م ـ تحقيق: إسماعيل أحمد عمايرة ـ الأردن.

(18)ـ المسائل المنثورة لأبي علي الفارسي 1986م ـ تحقيق مصطفى الحدري ـ دمشق ـ ط1.

(19)ـ مصادر التراث العربي ـ لعمر الدقاق 1975م ـ حلب.

(20)ـ مغني اللبيب عن كتب الأعاريب لابن هشام ـ تحقيق: مازن المبارك ومحمد علي حمد الله.

(21)ـ المنصف في شرح التصريف لابن جني 1954م ـ تحقيق إبراهيم مصطفى ـ مصر ط1.

(22)ـ وفيات الأعيان لابن خلكان 1978م ـ تحقيق: إحسان عباس ـ بيروت.



--------------------------------------------------------------------------------

(1) باحثة من سورية

(2) المدرسة النحوية في مصر وبلاد الشام ص 81.

(3) الحلبيات ص 159.

(4) ينظر فهرست الأعلام من كتاب المغني، ص 985.

(5) الخزانة 3/363.

(6) ينظر على سبيل المثال 3/149 و 5/90.

(7) رسالة دكتوراة مخطوطة لمحمود محمد الطناحي، بعنوان: "ابن الشجري وآراؤه النحوية" ص 108.

(8) هو أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيده، تمتد حياته مابين سنتي 398، و458، وهو عالم أندلسي جليل نبغ في اللغة فصنّف كتابي "المخصص والمحكم"، وله أرجوزة لغوية مرتبة على حروف المعجم. كان ضريراً قوي الحافظة محباً للعزلة. ينظر للاطلاع على ترجمته وصفاته وحياته بالتفصيل: "الذخيرة لابن بسام"، 1/386 و"معجم الأدباء" 12/231.

(9) إنباه الرواة 2/ 225.

(10) وفيات الأعيان 3/18.

(11) مصادر التراث العربي لعمر الدقاق ص 157.

(12) المخصص 1/7 والمحكم 1/3-4.

(13) المحكم 1/8.

(14) مقدمة المخصص ص 13 و14 /47 ومابعدها.

(15) صاعد بن الحسن الموصلي توفي سنة 417، وكان قد دخل الأندلس وهو نديم المنصور بن أبي عامر. بنظر معجم الأدباء 11/281، و286 وبغية الوعاة 1/7.

(16) المخصص 1/13 والمخصص لابن سيده دراسة ودليل لمحمد الطالبي ص50.

(17) المصدر نفسه 13/258.

(18) المصدر نفسه 2/114، والمقصود بالمنطق هنا هو اللغة المنطوقة.

(19) المصدر نفسه 4/142.

(20) المصدر نفسه 14/101 . وقد منع سيبويه نداء الذي مباشرة لعدم جواز اجتماع النداء و التعريف بـ(الـ)، وقال: "إن الذي مع صلته اسم واحد هو الحارث. الكتاب 3/333.

(21) المخصص 12/185 و310.

(22) البصريات ص 896.

(23) المخصص 13/169.

(24) المنثورة ص 146 والمحكم 6/469.

(25) البيت ليس في ديوان الأعشى، بل هو في ديوان طرفة ص 159، وهذه روايته كما جاءت في المحكم.

(26) وردت في المخصص 10/116 المسألة 43 من البغداديات كاملة، وفي 7/28 من المخصص وردت المسألة 45، من المسائل البغداديات، وفي 13/259 ذكرت المسألة 62، من المسائل البغداديات، ونقل ابن سيده في المخصص 16/116 نصاً كاملاً من التكملة ص 19، وينظر أيضاً المحكم 4/234 والبصريات ص 908.

(27) المخصص 12/304.

(28) المصدر نفسه 13/195.

(29) المخصص 1/12 والمحكم 1/15.

(30) المخصص 2/128.

(31) المحكم 1/67.

(32) المحكم 3/270 والمخصص 14/232 وسر الصناعة ص 331.

(33) المخصص 14/232.

(34) المصدر نفسه 14/248.

(35) المخصص 16/114 واليعسوبة ملكة النحل وهي أنثرى، وكان العرب يظنونها ذكراً لضخامتها. والتذكرة كتاب للفارسي مفقود.

(36) المخصص 5/135.

(37) المحكم 1/178.

(38) المحكم 1/10 والتقصار هي القلادة.

(39) المحكم 1/13.

(40) المخصص 14/49 وهذا الذي رواه أبو علي محكي عن الجرمي، ينظر المغني ص 215.

(41) المخصص 12/86.

(42) المصدر نفسه 14/86.

(43) االمصدر نفسه 14/121.

(44) المصدر نفسه 1/134.

(45) المصدر نفسه 16/116.

(46) المحكم 1/47.

(47) العسكريات ص 149.

(48) المخصص 14/9.

(49) الآية 73 من سورة الفرقان.

(50) المحكم 4/368.

(51) الآية 40 من سورة الأعراف.

(52) المخصص 5/135.

(53) ينظر المخصص 12/239 و 6/192 و17/55 و12/246.

(54) يراجع كتاب "فهارس المخصص" لعبد السلام هارون، إذ تتضح فيه كثرة الأحاديث الشريفة و الكلام العربي المنثور إضافة إلى الآيات القرآنية والأبيات الشعرية.

(55) المخصص 12/102 والمحكم 2/238.

(56) المخصص 2/151.

(57) المصدر نفسه 2/89.

(58) المصدر نفسه 3/81.

(59) المصدر نفسه 17/115.

(60) المصدر نفسه 16/116.

(61) البصريات لأبي علي الفارسي ص 896 والمخصص 13/169.

(62) المخصص 13/111.

(63) المحكم 2/158.

(64) المصدر نفسه 13/258.

(65) المخصص 13/258.

(66) المخصص 13/196 و 17/88 و المنصف 1/59.

(67) المخصص 13/88.

(68) المخصص 14/79-80.

(69) المصدر نفسه 15/95 96-97.

(70) المصدر نفسه 14/100.

(71) المصدر نفسه 13/110.

(72) المخصص 14/49.

(73) المحكم 1/9.

(74) المصدر نفسه 14/11.

(75) المصدر نفسه 14/84.

(76) المصدر نفسه 4/81.

(77) المخصص 12/84.

(78) المصدر نفسه.

(79) الآية 11 من سورة الشورى.

(80) المحكم 7/111.

(81) المخصص 17/100.

(82) البصريات ص 908 والمخصص 14/87.

(83) المحكم 2/146.

(84) المخصص 4/44-70.

(85) المخصص 14/55.

(86) ديوان الهذليين 1/230. ورك ليناً: حمل عليهم سيفاً ليناً. والثمثمة: التعتعة، وهي هنا رد ضربة السيف، والصميم: الخالص.

(87) المخصص 12/95.

(88) المحكم 6/235.

(89) المحكم 1/314.

(90) المحكم 3/348 و 6/449 والمخصص 14/167.

(91) المحكم 1/203 ـ 234 و 2/223.

(92) المحكم 6/82.

(93) الآية 40 من سورة القيامة.

(94) المخصص 14/9.

(95) الديوان ص 135 والشعر ص 195.

(96) الديوان ص 22 والذِفْرى خلف الأذن، والغضوبُ: الناقةُ الغضبى، والزيّافةُ: المتبخترةُ، والكَدَمُ: العَضُّ.

والمعنى: ينبع العرق من خلف أذن الناقة إذا غضبت غضباً يشبه غضب الفحل المعضوض من فحل آخر. وينظر المحكم 2/136، والبصريات ص 242، إذ قال الفارسي : فيه المدة زائدة وهذا في يفعل نظير الواو في يفعل نحو أنظور.

(97) الشعر ص 452.

(98) المخصص 14/85. وفيه أن (سوى) حرف وأظن في هذا تحريفاً، وصوابه أنها ظرف.

(99) المحكم 6/350.

(100) المخصص 13/194 –195.

(101) المصدر نفسه 1/14.

(102) المحكم 1/16.

(103) المصدر نفسه 4/211 و247 و 5/65 و160 و 1/90 و119 و223.

(104) الفنقلة لفظ منحوت من قولهم: فإن قال.

(105) ينظر على سبيل المثال المخصص 13/170.
المصدر: ملتقى شذرات


Hev Hfd ugd hgthvsd td [i,] hfk sd]i hgkp,dm

__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« الأمثال العربية في أزجال ابن قزمان | بعض آراء ابن سِيْدَه النَّحويَّة من خلال شرحه لمشكل شعر المتنبِّي »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تلميذ يحكي أحوال شيخه ام زهرة شذرات إسلامية 0 04-23-2013 12:20 AM
أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الفارسي الإصطخري Eng.Jordan شخصيات عربية وإسلامية 0 03-03-2013 06:42 PM
هل جنى سيبويه الفارسي على اللغة العربية؟ Eng.Jordan دراسات وبحوث أدبية ولغوية 0 07-01-2012 12:35 PM
آراء الخليل النحوية في ضوء ‏كتاب العين Eng.Jordan دراسات وبحوث أدبية ولغوية 0 01-29-2012 07:54 PM
الكاتب والأخطاء النحوية والإملائية في النص مهند مقالات وتحليلات 0 01-08-2012 04:19 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 02:38 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2016, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73