تذكرني !

 





شذرات إسلامية مواضيع إسلامية عامة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #357  
قديم 12-28-2013, 09:36 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة

تفسير سورة طه
ـــــــــــــــــــــ

مكية
ـــــــــ

اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ( 42 ) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ( 43 ) فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ( 44 ) قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى ( 45 ) قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ( 46 ) .
لما امتن الله على موسى بما امتن به، من النعم الدينية والدنيوية قال له: ( اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ ) هارون ( بِآيَاتِي ) أي: الآيات التي مني، الدالة على الحق وحسنه، وقبح الباطل، كاليد، والعصا ونحوها، في تسع آيات إلى فرعون وملئه، ( وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ) أي: لا تفترا، ولا تكسلا عن مداومة ذكري بل استمرَّا عليه، والزماه كما وعدتما بذلك كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا فإن ذكر الله فيه معونة على جميع الأمور، يسهلها، ويخفف حملها.
( اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ) أي: جاوز الحد، في كفره وطغيانه، وظلمه وعدوانه.
( فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا ) أي: سهلا لطيفا، برفق ولين وأدب في اللفظ من دون فحش ولا صلف، ولا غلظة في المقال، أو فظاظة في الأفعال، ( لَعَلَّهُ ) بسبب القول اللين ( يَتَذَكَّرُ ) ما ينفعه فيأتيه، ( أَوْ يَخْشَى ) ما يضره فيتركه، فإن القول اللين داع لذلك، والقول الغليظ منفر عن صاحبه، وقد فسر القول اللين في قوله: فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى فإن في هذا الكلام من لطف القول وسهولته وعدم بشاعته ما لا يخفى على المتأمل فإنه أتى بـ « هل » الدالة على العرض والمشاورة التي لا يشمئز منها أحد ودعاه إلى التزكي والتطهر من الأدناس التي أصلها التطهر من الشرك الذي يقبله كل عقل سليم ولم يقل « أزكيك » بل قال « تزكى » أنت بنفسك ثم دعاه إلى سبيل ربه الذي رباه وأنعم عليه بالنعم الظاهرة والباطنة التي ينبغي مقابلتها بشكرها وذكرها فقال وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى فلما لم يقبل هذا الكلام اللين الذي يأخذ حسنه بالقلوب علم أنه لا ينجع فيه تذكير فأخذه الله أخذ عزيز مقتدر
( قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا ) أي يبادرنا بالعقوبة والإيقاع بنا قبل أن تبلغه رسالاتك ونقيم عليه الحجة ( أَوْ أَنْ يَطْغَى ) أي يتمرد عن الحق ويطغى بملكه وسلطانه وجنده وأعوانه
( قَالَ لا تَخَافَا ) أن يفرط عليكما ( إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ) أي أنتما بحفظي ورعايتي أسمع أقوالكما وأرى جميع أحوالكما فلا تخافا منه فزال الخوف عنهما واطمأنت قلوبهما بوعد ربهما

----------------------------
رد مع اقتباس
  #358  
قديم 12-28-2013, 09:38 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة

تفسير سورة طه
ـــــــــــــــــــــ

مكية
ــــــــ


فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى ( 47 ) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 48 ) .
أي: فأتياه بهذين الأمرين، دعوته إلى الإسلام، وتخليص هذا الشعب الشريف بني إسرائيل - من قيده وتعبيده لهم، ليتحرروا ويملكوا أمرهم، ويقيم فيهم موسى شرع الله ودينه.
( قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ ) تدل على صدقنا فَأَلْقَى موسى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ إلى آخر ما ذكر الله عنهما
( وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى ) أي من اتبع الصراط المستقيم واهتدى بالشرع المبين حصلت له السلامة في الدنيا والآخرة
( إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا ) أي خبر من عند الله لا من عند أنفسنا ( أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ) أي كذب بأخبار الله وأخبار رسله وتولى عن الانقياد لهم واتباعهم وهذا فيه الترغيب لفرعون بالإيمان والتصديق واتباعهما والترهيب من ضد ذلك ولكن لم يفد فيه هذا الوعظ والتذكير فأنكر ربه وكفر وجادل في ذلك ظلما وعنادا

----------------------------
رد مع اقتباس
  #359  
قديم 12-28-2013, 09:40 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة

تفسير سورة طه
ـــــــــــــــــــــ

مكية
ــــــــ


قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى ( 49 ) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ( 50 ) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى ( 51 ) .
أي: قال فرعون لموسى على وجه الإنكار: ( فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى ) فأجاب موسى بجواب شاف كاف واضح، فقال: ( رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ) أي: ربنا الذي خلق جميع المخلوقات، وأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به، الدال على حسن صنعه من خلقه، من كبر الجسم وصغره وتوسطه، وجميع صفاته، ( ثُمَّ هَدَى ) كل مخلوق إلى ما خلقه له، وهذه الهداية العامة المشاهدة في جميع المخلوقات فكل مخلوق، تجده يسعى لما خلق له من المنافع، وفي دفع المضار عنه، حتى إن الله تعالى أعطى الحيوان البهيم من العقل، ما يتمكن به على ذلك.
وهذا كقوله تعالى: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ فالذي خلق المخلوقات، وأعطاها خلقها الحسن، الذي لا تقترح العقول فوق حسنه، وهداها لمصالحها، هو الرب على الحقيقة، فإنكاره إنكار لأعظم الأشياء وجودا، وهو مكابرة ومجاهرة بالكذب، فلو قدر أن الإنسان، أنكر من الأمور المعلومة ما أنكر، كان إنكاره لرب العالمين أكبر من ذلك، ولهذا لما لم يمكن فرعون، أن يعاند هذا الدليل القاطع، عدل إلى المشاغبة، وحاد عن المقصود فقال لموسى: ( فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأولَى ) أي: ما شأنهم، وما خبرهم؟ وكيف وصلت بهم الحال، وقد سبقونا إلى الإنكار والكفر، والظلم، والعناد، ولنا فيهم أسوة؟ فقال موسى:

قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى ( 52 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى ( 53 ) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُولِي النُّهَى ( 54 ) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ( 55 ) .
( عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى ) أي: قد أحصى أعمالهم من خير وشر، وكتبه في كتاب، وهو اللوح المحفوظ، وأحاط به علما وخبرا، فلا يضل عن شيء منها، ولا ينسى ما علمه منها.
ومضمون ذلك، أنهم قدموا إلى ما قدموا، ولاقوا أعمالهم، وسيجازون عليها، فلا معنى لسؤالك واستفهامك يا فرعون عنهم، فتلك أمة قد خلت، لها ما كسبت،ولكم ما كسبتم، فإن كان الدليل الذي أوردناه عليك، والآيات التي أريناكها، قد تحققت صدقها ويقينها، وهو الواقع، فانقد إلى الحق، ودع عنك الكفر والظلم، وكثرة الجدال بالباطل، وإن كنت قد شككت فيها أو رأيتها غير مستقيمة، فالطريق مفتوح وباب البحث غير مغلق، فرد الدليل بالدليل، والبرهان بالبرهان، ولن تجد لذلك سبيلا ما دام الملوان.
كيف وقد أخبر الله عنه، أنه جحدها مع استيقانها، كما قال تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا وقال موسى: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ فعلم أنه ظالم في جداله، قصده العلو في الأرض.
ثم استطرد في هذا الدليل القاطع، بذكر كثير من نعمه وإحسانه الضروري، فقال: ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا ) أي: فراشا بحالة تتمكنون من السكون فيها، والقرار، والبناء، والغراس، وإثارتها للازدراع وغيره، وذللها لذلك، ولم يجعلها ممتنعة عن مصلحة من مصالحكم.
( وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا ) أي: نفذ لكم الطرق الموصلة، من أرض إلى أرض، ومن قطر إلى قطر، حتى كان الآدميون يتمكنون من الوصول إلى جميع الأرض بأسهل ما يكون، وينتفعون بأسفارهم، أكثر مما ينتفعون بإقامتهم.
( وَأَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى ) أي: أنزل المطر فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وأنبت بذلك جميع أصناف النوابت على اختلاف أنواعها، وتشتت أشكالها، وتباين أحوالها، فساقه، وقدره، ويسره، رزقا لنا ولأنعامنا، ولولا ذلك لهلك من عليها من آدمي وحيوان، ولهذا قال: ( كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ ) وسياقها على وجه الامتنان، ليدل ذلك على أن الأصل في جميع النوابت الإباحة، فلا يحرم منهم إلا ما كان مضرا، كالسموم ونحوه.
( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأولِي النُّهَى ) أي: لذوي العقول الرزينة، والأفكار المستقيمة على فضل الله وإحسانه، ورحمته، وسعة جوده، وتمام عنايته، وعلى أنه الرب المعبود، المالك المحمود، الذي لا يستحق العبادة سواه، ولا الحمد والمدح والثناء، إلا من امتن بهذه النعم، وعلى أنه على كل شيء قدير، فكما أحيا الأرض بعد موتها، إن ذلك لمحيي الموتى.
وخص الله أولي النهى بذلك، لأنهم المنتفعون بها، الناظرون إليها نظر اعتبار، وأما من عداهم، فإنهم بمنزلة البهائم السارحة، والأنعام السائمة، لا ينظرون إليها نظر اعتبار، ولا تنفذ بصائرهم إلى المقصود منها، بل حظهم، حظ البهائم، يأكلون ويشربون، وقلوبهم لاهية، وأجسامهم معرضة. وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ
ولما ذكر كرم الأرض، وحسن شكرها لما ينزله الله عليها من المطر، وأنها بإذن ربها، تخرج النبات المختلف الأنواع، أخبر أنه خلقنا منها، وفيها يعيدنا إذا متنا فدفنا فيها، ومنها يخرجنا تارة أخرى، فكما أوجدنا منها من العدم، وقد علمنا ذلك وتحققناه، فسيعيدنا بالبعث منها بعد موتنا، ليجازينا بأعمالنا التي عملناها عليها.
وهذان دليلان على الإعادة عقليان واضحان: إخراج النبات من الأرض بعد موتها، وإخراج المكلفين منها في إيجادهم.

-------------------------
رد مع اقتباس
  #360  
قديم 12-28-2013, 09:43 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة

تفسير سورة طه
ـــــــــــــــــــــ

مكية
ــــــــ



وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى ( 56 ) قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى ( 57 ) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى ( 58 ) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ( 59 ) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى ( 60 ) قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى ( 61 ) .
يخبر تعالى، أنه أرى فرعون من الآيات والعبر والقواطع، جميع أنواعها العيانية، والأفقية والنفسية، فما استقام ولا ارعوى، وإنما كذب وتولى، كذب الخبر، وتولى عن الأمر والنهي، وجعل الحق باطلا والباطل حقا، وجادل بالباطل ليضل الناس، فقال: ( أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ ) زعم أن هذه الآيات التي أراه إياها موسى، سحر وتمويه، المقصود منها إخراجهم من أرضهم، والاستيلاء عليها، ليكون كلامه مؤثرا في قلوب قومه، فإن الطباع تميل إلى أوطانها، ويصعب عليها الخروج منها ومفارقتها.
فأخبرهم أن موسى هذا قصده، ليبغضوه، ويسعوا في محاربته، فلنأتينك بسحر مثل سحرك فأمهلنا، واجعل لنا ( مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى ) أي: مستو علمنا وعلمك به، أو مكانا مستويا معتدلا ليتمكن من رؤية ما فيه.
فقال موسى: ( مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ ) وهو عيدهم، الذي يتفرغون فيه ويقطعون شواغلهم، ( وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ) أي: يجمعون كلهم في وقت الضحى، وإنما سأل موسى ذلك، لأن يوم الزينة ووقت الضحى فيه يحصل فيه من كثرة الاجتماع، ورؤية الأشياء على حقائقها، ما لا يحصل في غيره، ( فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ) أي: جميع ما يقدر عليه، مما يكيد به موسى، فأرسل في مدائنه من يحشر *****ة الماهرين في سحرهم، وكان ***** إذ ذاك، متوفرا، وعلمه علما مرغوبا فيه، فجمع خلقا كثيرا من *****ة، ثم أتى كل منهما للموعد، واجتمع الناس للموعد.
فكان الجمع حافلا حضره الرجال والنساء، والملأ والأشراف، والعوام، والصغار، والكبار، وحضوا الناس على الاجتماع، وقالوا للناس: هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ فحين اجتمعوا من جميع البلدان، وعظهم موسى عليه السلام، وأقام عليهم الحجة، وقال لهم: ( وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ ) أي: لا تنصروا ما أنتم عليه من الباطل بسحركم وتغالبون الحق، وتفترون على الله الكذب، فيستأصلكم بعذاب من عنده، ويخيب سعيكم وافتراؤكم، فلا تدركون ما تطلبون من النصر والجاه عند فرعون وملائه، ولا تسلمون من عذاب الله، وكلام الحق لا بد أن يؤثر في القلوب.
لا جرم ارتفع الخصام والنزاع بين *****ة لما سمعوا كلام موسى، وارتبكوا، ولعل من جملة نزاعهم، الاشتباه في موسى، هل هو على الحق أم لا؟ ولكن هم إلى الآن، ما تم أمرهم، ليقضي الله أمرا كان مفعولا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ فحينئذ أسروا فيما بينهم النجوى، وأنهم يتفقون على مقالة واحدة، لينجحوا في مقالهم وفعالهم، وليتمسك الناس بدينهم، والنجوى التي أسروها فسرها بقوله: قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى كمقالة فرعون السابقة، فإما أن يكون ذلك توافقا من فرعون و*****ة على هذه المقالة من غير قصد، وإما أن يكون تلقينا منه لهم مقالته، التي صمم عليها وأظهرها للناس، وزادوا على قول فرعون أن قالوا: وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى أي: طريقة ***** حسدكم عليها، وأراد أن يظهر عليكم، ليكون له الفخر والصيت والشهرة، ويكون هو المقصود بهذا العلم، الذي أشغلتم زمانكم فيه، ويذهب عنكم ما كنتم تأكلون بسببه، وما يتبع ذلك من الرياسة، وهذا حض من بعضهم على بعض على الاجتهاد في مغالبته، ولهذا قالوا:
فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ أي: أظهروه دفعة واحدة متظاهرين متساعدين فيه، متناصرين، متفقا رأيكم وكلمتكم، ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا ليكون أمكن لعملكم، وأهيب لكم في القلوب، ولئلا يترك بعضكم بعض مقدوره من العمل، واعلموا أن من أفلح اليوم ونجح وغلب غيره، فإنه المفلح الفائز، فهذا يوم له ما بعده من الأيام
فلله درهم ما أصلبهم في باطلهم، وأشدهم فيه، حيث أتوا بكل سبب، ووسيلة وممكن، ومكيدة يكيدون بها الحق، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ويظهر الحق على الباطل،.فلما تمت مكيدتهم، وانحصر مقصدهم، ولم يبق إلا العمل

قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ عصاك وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى خيروه، موهمين أنهم على جزم من ظهورهم عليه بأي: حالة كانت، فقال لهم موسى: بَلْ أَلْقُوا فألقوا حبالهم وعصيهم، فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أي: إلى موسى مِنْ سِحْرِهِمْ البليغ أَنَّهَا تَسْعَى أي: أنها حيات تسعى فلما خيل إلى موسى ذلك.
( أَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى ) كما هو مقتضى الطبيعة البشرية، وإلا فهو جازم بوعد الله ونصره.
قُلْنَا له تثبيتا وتطمينا: لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى عليهم، أي: ستعلو عليهم وتقهرهم، ويذلوا لك ويخضعوا.
وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ أي: عصاك تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى أي: كيدهم ومكرهم، ليس بمثمر لهم ولا ناجح، فإنه من كيد *****ة، الذين يموهون على الناس، ويلبسون الباطل، ويخيلون أنهم على الحق، فألقى موسى عصاه، فتلقفت ما صنعوا كله وأكلته، والناس ينظرون لذلك الصنيع، فعلم *****ة علما يقينا أن هذا ليس بسحر، وأنه من الله، فبادروا للإيمان.
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ فوقع الحق وظهر وسطع وبطل ***** والمكر والكيد في ذلك المجمع العظيم
فصارت بينة ورحمة للمؤمنين وحجة على المعاندين فـ قَالَ فرعون للسحرة آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ أي كيف أقدمتم على الإيمان من دون مراجعة مني ولا إذن؟
استغرب ذلك منهم لأدبهم معه وذلهم وانقيادهم له في كل أمر من أمورهم وجعل هذا من ذاك
ثم استلج فرعون في كفره وطغيانه بعد هذا البرهان واستخف عقول قومه وأظهر لهم أن هذه الغلبة من موسى للسحرة ليس لأن الذي معه الحق بل لأنه تمالأ هو و*****ة ومكروا ودبروا أن يخرجوا فرعون وقومه من بلادهم فقبل قومه هذا المكر منه وظنوه صدقا فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ مع أن هذه المقالة التي قالها لا تدخل عقل من له أدنى مسكة من عقل ومعرفة بالواقع فإن موسى أتى من مدين وحيدا وحين أتى لم يجتمع بأحد من *****ة ولا غيرهم بل بادر إلى دعوة فرعون وقومه وأراهم الآيات فأراد فرعون أن يعارض ما جاء به موسى فسعى ما أمكنه وأرسل في مدائنه من يجمع له كل ساحر عليم
فجاءوا إليه ووعدهم الأجر والمنزلة عند الغلبة وهم حرصوا غاية الحرص وكادوا أشد الكيد على غلبتهم لموسى وكان منهم ما كان فهل يمكن أن يتصور مع هذا أن يكونوا دبروا هم وموسى واتفقوا على ما صدر؟ هذا من أمحل المحال ثم توعد فرعون *****ة فقال فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ
كما يفعل بالمحارب الساعي بالفساد يقطع يده اليمنى ورجله اليسرى وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ أي لأجل أن تشتهروا وتختزوا وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى يعني بزعمه هو أو الله وأنه أشد عذابا من الله وأبقى قلبا للحقائق وترهيبا لمن لا عقل له
ولهذا لما عرف *****ة الحق ورزقهم الله من العقل ما يدركون به الحقائق أجابوه بقولهم
لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ أي لن نختارك وما وعدتنا به من الأجر والتقريب على ما أرانا الله من الآيات البينات الدالات على أن الله هو الرب المعبود وحده المعظم المبجل وحده وأن ما سواه باطل ونؤثرك على الذي فطرنا وخلقنا هذا لا يكون فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ مما أوعدتنا به من القطع والصلب والعذاب
إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا أي إنما توعدنا به غاية ما يكون في هذه الحياة الدنيا ينقضي ويزول ولا يضرنا بخلاف عذاب الله لمن استمر على كفره فإنه دائم عظيم
وهذا كأنه جواب منهم لقوله وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى وفي هذا الكلام من *****ة دليل على أنه ينبغي للعاقل أن يوازن بين لذات الدنيا ولذات الآخرة وبين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة
إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا أي كفرنا ومعاصينا فإن الإيمان مكفر للسيئات والتوبة تجب ما قبلها وقولهم وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ الذي عارضنا به الحق هذا دليل على أنهم غير مختارين في عملهم المتقدم وإنما أكرههم فرعون إكراها
والظاهر - والله أعلم- أن موسى لما وعظهم كما تقدم في قوله وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ أثر معهم ووقع منهم موقعا كبيرا ولهذا تنازعوا بعد هذا الكلام والموعظة ثم إن فرعون ألزمهم ذلك وأكرههم على المكر الذي أجروه ولهذا تكلموا بكلامه السابق قبل إتيانهم حيث قالوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا فجروا على ما سنه لهم وأكرههم عليه ولعل هذه النكتة التي قامت بقلوبهم من كراهتهم لمعارضة الحق بالباطل وفعلهم ما فعلوا على وجه الإغماض هي التي أثرت معهم ورحمهم الله بسببها ووفقهم للإيمان والتوبة وَاللَّهُ خَيْرٌ مما وعدتنا من الأجر والمنزلة والجاه وأبقى ثوابا وإحسانا لا ما يقول فرعون وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى يريد أنه أشد عذابا وأبقى وجميع ما أتى من قصص موسى مع فرعون يذكر الله فيه إذا أتى على قصة *****ة أن فرعون توعدهم بالقطع والصلب ولم يذكر أنه فعل ذلك ولم يأت في ذلك حديث صحيح والجزم بوقوعه أو عدمه يتوقف على الدليل والله أعلم بذلك وغيره ولكن توعده إياهم بذلك مع اقتداره دليل على وقوعه ولأنه لو لم يقع لذكره الله ولاتفاق الناقلين على ذلك

--------------------------------------------------
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« في أي قسم تندرج صلاتك ؟؟ | لماذا يشككون في عاشوراء؟! »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
من هو السعيد حقاً صابرة الملتقى العام 0 12-17-2015 08:07 AM
الجانب الفقهي في تفسير التحرير والتنوير المعروف بـ (تفسير ابن عاشور) Eng.Jordan دراسات وبحوث اسلامية 0 02-12-2013 09:28 AM
تفسير السعدي [ قراءة صوتية ] تراتيل شذرات إسلامية 0 06-23-2012 10:03 PM
البيت السعيد جاسم داود الملتقى العام 2 06-12-2012 10:28 PM
مجموعة البيت السعيد Eng.Jordan شؤون الدعوة 0 03-25-2012 08:24 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 02:03 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68