تذكرني !

 





لوْ أَخَذَ القوسَ غيرُ باريها

للدكتور إبراهيم السامرّائي (كلية الآداب/ جامعة بغداد) رعاك الله – أخي الكريم- وسدَّد خُطاك، وأقال من عثرتك؛ لقد ضبطت الكَلِم في مبحثي المنشور في "العدد المزدوج الخامس

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 06-21-2013, 04:20 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,413
افتراضي لوْ أَخَذَ القوسَ غيرُ باريها




للدكتور إبراهيم السامرّائي

(كلية الآداب/ جامعة بغداد)
رعاك الله – أخي الكريم- وسدَّد خُطاك، وأقال من عثرتك؛ لقد ضبطت الكَلِم في مبحثي المنشور في "العدد المزدوج الخامس والسادس"، تكملة لعمل المطبعة التي ينقصها الشكل، ثم مررت بقولي: "يتوفر فيه" في آخر الموضوع، فرأيت أن تصحّح ما بدا لك أنه خطأ، فرسمت ألفاً بعد الواو، فصارت "يتوافر فيه".
شكر الله لك سعيك؛ إنك حفزتني إلى الكتابة في موضوع التصحيح اللغوي لما هو خطأ وتجاوز، ولما خُيّل لطائفة من أهل العلم أنه خطأ.
أقول: إن الذين ذهبوا إلى أن من الفصيح أن نقول: توافر الشيء، ولا نقول: توفّر الشيء، لم يكونوا على علم كاف بكتب العربية، وأقرب هذه هي المعجمات. ليس غريباً أن أقول: إننا نحن معاشر العرب، ولا سيّما أهل العلم منهم، لا نرى فينا حاجة إلى الرجوع إلى المعجم القديم. فماذا من أمر "تَوَفَّر" و"تَوافَرَ" في المعجم؟ جاء في "التهذيب" للأزهري:
والمستعمل في التعدي: وفَّرناه توفيراً.
وجاء في "اللسان":
وَفَّرَ عليه حقه توفيراً، واستوفره، أي استوفاه. وتوفَّر عليه أي رعى حُرُماته، ويقال: هم متوافرون أي هم كثير، ووَفُر الشيء وَفراً، ووفَّره: كثّره. فليس من "توافَرَ" إلاّ قولهم: "هم متوافرون" أي هم كثير. وقولهم "توفَّر عليه" شيء آخر ليس من قبيل استعمالنا في اللغة المعاصرة، لأنه يفيد رعي الحُرُمات.
وليس لنا إلاّ أن نقول إن استعمالنا الحديث "توفَّر الشيء" (متأتٍّ) من وفّرْتُه فتوفَّر، كما تقول علَّمْتُه فَتَعَلَّم. إن المعجم لا يعرض لما هو واقع وجارٍ على سنن العربية.
لقد خلت مادة "حزب" من بناء "تَحَزَّبَ"، كما خلت مادة "خرب" من بناء "تَخَرَّبَ". فهل يجوز لنا أن نقول: إن الفعلين "تَحَزَّبَ" و"تَخَرَّبَ" غير صحيحين. وإن استعمالهما من الخطأ؟ فإذا كان "تحزيب"، كما في حديث أوس بن حذيفة قال: سألت أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم- كيف تُحَزِّبون القرآن؟
أقول إذا كان هذا، فلِمَ لا يكون "تحزُّب"؟ وإذا اشتملت العربية على الفعل "خَرَّب" والمصدر التخريب، فلِمَ لا يكون "تَخَرَّب"؟ ألم يَقُلْ اللغويون بالمطاوعة، نحو قدَّمتُه فتقَدَّم؟ ثم ألم يستعمل الفصحاء طوال قرون الفعلين: تَحَزَّبَ وتَخَرَّبَ في نثرهم وشعرهم؟ وعلى هذا كان استعمال "تَوَفَّر" هو الفصيح المليح، ولم يرد "توافَرَ" إلاّ في قولهم: "هم متوافرون" أي هم كثير، وهذا لا يعني ما نريد من "توفّر" الشيء إذا كان وافراً.
ولا حجة لأصحاب التخطئة من المتصدّين إلى تصحيح الألفاظ والأبنية ووجوه القول في أنّ المعجم القديم خلا من هذه اللفظة أو تلك، ذلك أنّ المعجم القديم مُعوِز يفتقر إلى شيء كثير من الاستقراء. ثم إن المعجم قد يذكر الكلمة ويفوته ذكر الجمع؛ فهل يعني هذا أن الجمع غير وارد في اللغة، وليس من حق المعربين إلا يأتوا بجمعها حملاً على نظائرها؟ إن "الخمر" معروف، وهو مادة طويلة في المعجم القديم، ولكنها خلت من "الخمور" وهو الجمع؛ فهل يقال: إن "الخمور" خطأ لأن المعجم أخلّ بها؟ و"الخَمَر" بالتحريك ما واراك من الشجر، وليس من جمع له في المعجم، فهلاّ أذِنّا لأنفسنا أن نجمعه على "أفعال" مثل قلم وأقلام؟ وإذا اشتمل المعجم على "تمر وتمور" فلِمَ لا نقول إن المعجم أخلّ بـ"الخمور" جمعاً لـ"خَمْر"، وأخلّ بـ"البقول" جمعاً لـ"بَقْل"، وغير هذا كثير لا يحصره العد. وإذا خلا المعجم من "التطور" في مادة "طور" فهل ترى أن جمهرة المعربين، منذ ما يقرب من مئة سنة، مخطئون في صوغ هذا المصدر؟ ثم إنك تجد الفعل في المعجم ولا تجد مطاوعه، وهو جار في الاستعمال الفصيح منذ قرون عدة. ألا ترى أن المعجم قد أخلّ بـ"انحبس" و"انحجز" و"انجحر"، وكلّه فصيح جار في أساليب المتقدمين؟ ولعل مما آخذه على أصحابنا المتصدين للتخطئة في عصرنا هذا أنهم لا ينظرون في أساليب المعربين في المظانّ الأدبية واللغوية والتاريخية غير ما ندعوه "معجمات". ومن أمثلة هذا الكثير مما ندعوه خطأ، لأنه لم يرد في المعجم القديم، ما قالوا في الفعل "ساهم" بمعنى "شارك" كأنْ يقال: "ساهم محمد في إنجاز المشروع الثقافي الكبير" بمعنى أنه شارك مع غيره من العاملين.
جاء الفعل "ساهم" في لغة التنزيل العزيز في قوله تعالى: "فساهَمَ فكان من المُدْحَضين". أي قارع أهل السفينة فقُرِع، في الكلام على النبي يونس – عليه السلام فقال تعالى: "إذ أَبَقَ إلى الفُلك المشحون، فساهم فكان من المدحضين، فالتَقَمَه الحوتُ وهو مُليم"([1]).
وفي الحديث الشريف: أن رجلين احتكما إلى النبي – صلّى الله عليه وسلّم- في مواريث قد دَرَست، فقال لهما: اذهبا فتوخَّيَا، ثم استَهِما، ثم ليأخذ كل واحد منكم ما تُخرجه القِسمة بالقُرعْة.
إن هذا ليشير إلى أن الفعل "ساهم" أو "استهم" متصل بالمقارَعة التي تقوم على المساهمة، أي المقارعة بـ"السهام"؛ فأما دلالة المشاركة العامة كما هي الحال في اللغة المعاصرة فقد أخلّ بها المعجم القديم والنصوص القديمة. غير أن اللغة حين اتسعت فيها مجالات القول، وتأثرت بما فَرَضَت عليها الحضارات، استجابت للتوسّع الكبير، فاتّسعت، فكان من ذلك أن يكتب الشريف الرضي إلى أبي إسحق الصابي رسالة يعزّيه بفقد ولده فيقول له: وأنا المساهِمُ لك في تحمّل النائبة.
لقد أخلّ المعجم القديم بالفعل "شاكَسَ"، وهو معروف مشهور، في حين ورد فيه "تشاكس"، كما في لغة التنزيل العزيز: "ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سَلَماً لرجل هل يستويان مثلاً". أقول: إذا ورد الفعل "تشاكس" فمن الصحيح أن يكون الفعل "شاكَسَ"، لأن "التشاكس" أن "يشاكس" الرجل آخر. فهل من الحقّ أن نقول إن الفعل "شاكس"، والمصدر المشاكسة، أو الشِكاس، من الخطأ لأن المعجم القديم قد أخلّ بها؟
وإذا عرفنا أن قياس المصدر في "فاعَلَ" هو "الفِعال والمُفَاعَلَة"، وجدنا المعجم قد يكتفي بأحدهما، والغالب ما جاء على "مفاعلة"، ويهمل "الفِعال"؛ كما في "المواظبة" ولم يشر المعجم إلى "الوظاب". ومثل هذا "المباراة" مصدر الفعل "بارى"، يشير إليه المعجم القديم ولا يشير إلى نظيره "البِراء". ونجد "المضاهاة" ولا نجد "الضِهاء" ونجد "المساماة" ولا نجد "السِماء".
وقد حلا لأبي عثمان الجاحظ أن يستعمل الأبنية القياسية وإن لم تكن مما ألفها الاستعمال وأشارت إليها كتب اللغة، فقد استعمل "الخِطار" ولم يقل "المخاطرة"، وهي أشيع في القياس؛ واستعمل "البراء" ولم يستعمل "المباراة"([2])، ولأبي عثمان نظر فريد في دلالة الألفاظ؛ لقد فرضت علينا الحياة المعاصرة ألفاظاً تعد بالمئين بل الآلاف لا مكان لها في المعجم، فهل جاز لنا أن نعدّها من الخطأ أو المولّد أو ما شئت؟ أفليس من الحكمة أن يكون لنا معجم جديد يشتمل على المباحثة والمكالمة والمشادّة ونحو هذا؟ أما أن تقول – حفظك الله- إن هذا خطأ وتجاوز، فما أراك رعيتَ للّغة حقّها وحُرمتَها، أفلستَ ممن حَمَل الضيمَ عليها ووشمها بالتخاذل والضيق؟!
قلت: إن المتصدّين للتخطئة والتصحيح لم يتجاوزوا المعجم القديم، ومنهم من لم يُطِل النظر في هذا المعجم فيعرف ما فيه معرفة يستوفي فيها الكلمة واستعمالها. وكيف يتأتّى لفلان أو فلان من أصحاب العلم المتصدّين للتخطئة وتقويم اللسان والقلم، وهو لم يستوعب ما جاء في كلام الله العزيز؟!.
أعرف من خبر أحد هؤلاء الفضلاء، بل من متقدّميهم ممن ضربوا في هذا الأمر بسهم صائب، أنه قد شارك في وضع كتاب مدرسي في "البلاغة" مع اثنين آخرين، فاتفق الثلاثة على أن يضطلع اثنان منهم بوضع مادة الكتاب، وينفرد صاحبنا المعنيّ بتقويم اللغة وأساليب القول والكتابة بمراجعة الكتاب. ولما أن تم لصاحبيه وضع الكتاب، أقبل هو يراجعه فوجد في فاتحته شيئاً موجَّهاً إلى الطالب جاء فيه:
"فليتدبَّر الطالب هذه الموضوعات ...". كأن أستاذنا الجليل قد هجس في نفسه أن "التدبُّر" في قول كاتب مقدمة الكتاب من الخطأ فقال: "إن التدبُّر" يعني النظر في الأدبار.
أقول: لو أن أستاذنا الجليل قد أطال النظر في كتاب الله العزيز لقرأ الآية الكريمة: "أفلا يتدبَّرون القرآن ...". ثم إنه قد أثِر عنه أنه كان يقول: "يقال هذا الشيء عاديّ" وهو خطأ، لأن "العاديّ" هو الشيء القديم العتيق، والنسبة إلى "عاد" من الأمم البائدة الأولى، ومن ذلك "العاديات" للنفائس والتحف. لقد قيل له: وكيف النسب إلى "العادة"؟ فلم يكن منه إلاّ أن تراجع وصدَّق.
أقول: أن يبتدر المرء إلى القول بـ"الخطأ" شيء يناقض العلم، ذلك أن الإحاطة بالمستعمل وغير المستعمل من الأبنية والأساليب أمر عسير، ومن هنا كان الاقتصار على ما في المعجم القديم لا يحقق غرضاً علمياً. ألا ترى أن المعجم القديم لم يشر إلى بناء "فظّع" المضاعف، وقد تحسبه من لغة العوام لأنهم يستعملون "التفظيع"، ولكنك تفاجأ حين ترى هذا البناء في "شرح المفضليات" للتبريزي حيث يقول([3]): "والقصد إلى التفظيع .."
ثم نجد ابن المقفع يقول في "الأدب الصغير"([4]):
"فالسعيد الفالح، والمرجوُّ من لم يخصِم".
لقد أخلّ المعجم القديم بـ "الفالح" اسم الفاعل من "فَلَحَ"، ذلك أن في المعجم "أفلح" الرباعي ليس غير، أفجائز أن نذهب إلى خطأ القول بـ"الفالح"، وقد استعمله ابن المقفع، بحجة أن المعجم لم يشر إليه؟ ولا بد لي أن أتوجه إلى أصحابنا الغيارى على العربية والساعين إلى سلامتها فأقول لهم: إن الطريق إلى معرفة الصحيح والخطأ في الإبنية والأساليب رهين بالنظر في كتاب الله العزيز، والحديث الشريف، وسائر المواد الأخرى مهما اشتملت عليه كتب اللغة والأدب والتاريخ، وإن الاقتصار على المعجمات اللغوية لا يحقق هذا الغرض العسير.
إن أصحابنا أهل التصحيح وتخيُّر الأساليب القويمة قد وقعوا في أوهام بسبب من نقص أدواتهم. لقد قال أحدهم مثلاً: إن الصحيح "أجوِزَة السَفَر" لا "جوازات السَفَر"، والحجة ما جاء في "أساس البلاغة": "وخذوا أجوزة سفركم" ومثله في "التاج".
أقول: وفات المصحح الفاضل المتوخي استعمال الأبنية الصحيحة أن الجاحظ استعمل في إحدى رسائله "الجوابات"([5]) جمعاً لـ"جواب". ألا يحق لنا أن نقول بعد استعمال الجاحظ هذا، بصحة "جوازات" السفر كما نقول بصحة "أجوزة" السفر الذي جاء ذكره في (أساس) الزمخشري وفي "تاج العروس" .. وقد جمع الجواب على "أجوبة"([6]) أيضاً. وكنت قد لاحظت، كما لاحظ غيري، أن أهل التصحيح قد عرضوا لموادَّ نجدها مكررّة مردّدة منذ عصر الحريريّ إلى يومنا هذا؛ فأنت تجد أن جُلَّهم قال: الحوائج جمع حاجة من الخطأ الشائع، وإن أثَّر في الشيء هو الصحيح لا أثّر عليه. ولا يشير المتأخر من هؤلاء إلى ما ذكره المتقدم حين يعود إلى القول نفسه.
وسأعرض لنماذج من هذا الذي تردّد في مصنَّفات أصحابنا الذين تصدّوا إلى تصحيح الأبنية والأساليب. وليس غريباً أن أقول: إن طائفة كبيرة مما ذهبوا فيه إلى الخطأ قد ورد في كتب الأدب والتاريخ واللغة، ولكنهم حين اقتصروا على المعجمات فاتهم علم كثير. على أن من الحق أن أقول إن بينهم من كان دائم النظر في كتب الأدب والتاريخ واللغة، ولكن الإحاطة والشمول أمر معجز، فقصَّر كما قصَّر غيره.
قال غير واحد من الأساتذة العلماء في مادة التصحيح:
يقولون: تسرَّب إليه بمعنى تسرَّب فيه، والثانية هي الصواب. أقول إذا كان السابق المتقدم قد أشار إلى هذا، فلِمَ يتكثَّر علينا من جاء بعده فيحشُر هذا في مادته دون أن يشير إلى سابقيه؟ وقال الشيخ إبراهيم اليازجي في "لغة الجرائد"([7]): ويقولون: تخرَّج على فلان، وتخرَّج في مدرسة كذا وهو خرِّيج فلان.
وخلف بعده جماعة فأعادوا المسألة مع خلاف، فقال أحدهم: تخرَّجَ فلان في الكلية الفلانية وليس تخرَّجَ من الكلية.
أقول: والذي وقفت عليه في كتب الرجال أني قرأت كثيراً وتخرَّج به جمهرة من العلماء.
وإذا كنا قد عرفنا في باب التضمين قوله تعالى: "عَيْناً يشربُ بها عبادُ الله" فهل ترانا أنصفنا العربية وأنصفنا أنفسنا؟ أفلا يكون من الجور أن نتشدَّد إلى هذا الحد؟ قالوا: لقد حجَّرتَ واسعاً.
وقالوا: من الصواب أن نقول: تعرّفتُ الأمورَ لا تعرَّفْتُ بها.
إنّ من المتقدمين في عصرنا من قال بهذا: الشيخ إبراهيم اليازجي في "لغة الجرائد"([8]):
ويقولون: تعرَّفت على فلان إذا أحدثت به معرفة، وهو من التعبير العامي.
ومرجع الشيخ اليازجي والذين أعادوا مقولته هو المعجم القديم. ولكن الأساليب تتغير، وإن المعربين يصيرون إلى أنماط من الإعراب تخالف ما درج عليه متقدموهم. ولست أذهب مذهب اللغويين الأوائل فأحظر أن يؤخذ بأقوال من سمّوهم "مولّدين" أو "مُحدَثين"؛ تلك شنشنة قديمة عفَّى عليها الزمان؛ أفلا ترى أن من التعسف الكبير ألاّ نأخذ بقول أبي الفرج الأصبهاني، صاحب "الأغاني" الشهير، في أخبار "عُبادل" ونسبه وهو قوله: "فحرَّكت بعيري لأتعرَّف بهنَّ وأنشدهنّ"؛ ومثل هذا ما قرأناه في "نفح الطيب"، في الكلام على يوسف الدمشقيّ: وكان من الذين أخفاهم الله لا يتعرَّف به إلا من تعرَّف له([9]).
ومما كرَّره غير واحد من غير إشارة إلى المتقدم السابق قولهم: دَعَسَتْه السيارة لا دَهَسَتْه.
وقولهم: كتاب شائق لا شيِّق.
وقولهم: "ثُكْنة الجنديّ"، بضم الثاء مع سكون الكاف لا "ثَكَنة" بفتحتين.
وقولهم: "فلان يرأَس اللجنة"؛ بفتح الهمزة، لا "يرئِس" بكسرها.
وقولهم: "كابَدَ فلان العذاب" لا "تكبَّد".
وقولهم: "استُهتِرَ بالخمر" لا "استَهتَرَ".
أقول: إن ممن نبّه على هذا من السابقين أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه "تقويم اللسان"؛ قال ناقلاً عن غيره: "تقول استُهتِر فلان بكذا" بضم التاء الأولى وكسر الثانية على ما لم يُسَمَّ فاعله، والعامة تفتح التاءين([10]).
وكان الأساتذة قد وقفوا على ما في "لسان العرب" حين صححوا هذا الخطأ الشائع، لقد جاء في "اللسان" الحديث الشريف: سبق المُفرِدون؛ قالوا وما المُفرِدون؟ قال الذين أهتِروا في ذكر الله. وجاء في حديث آخر: هم الذين استُهتِروا بذكر الله، أي أولِعوا به. كما جاء في "اللسان" وفلان مُستَهتِر بالشراب، أي مولَع به.
ومما ردده أصحاب التصحيح من أقوال يأخذها لاحقهم عن سابقهم قولهم:
أسِّسِت المدرسة لا تأسَّسَتْ.
و "ما زال الخلاف قائماً" وليس "لا زال الخلاف قائماً".
و "هو عائل على غيره، وهم عالة على غيرهم" وليس "هو عالة على غيره".
و "ينبغي لك" لا "عليك". و "صادَرَه على المال واستصفَى ماله" لا "صادَرَ ماله".
هذه جملة موجزة لمواد أدرجت في كتب التصحيح في عصرنا هذا، يرددها غير واحد منهم مع أن شيئاً منها قد تنبَّه له المتقدمون.
وأريد أن أعرض لنمط آخر ممّا لم يَرِد في هذه الكتب، بل اختصّ به علم من الأعلام من أهل الفضل والدراية والتبحُّر.
قال – رحمه الله-
قل: "أيُّما أفضلُ العلمُ أم المالُ" ولا تقل "أيُّهما أفضل العلم أم المال". والحجة أن "هما" في قولك "أيهما" ضمير يعود إلى اسم ظاهر متأخر عنه لفظاً ورتبة عوداً غير مجاز.
وقال: "إن التركيب مخالف للمنطق اللغوي".
أقول: إن ما ذهب إليه الأستاذ الجليل هو الأسلوب الفصيح الذي نجده في كلام المتقدمين الفصحاء؛ غير أن الوجه الآخر الذي شدّد النكير عليه مما نواجهه في كلامهم أيضاً؛ فمن ذلك ما جاء في أخبار أبي عمرو بن العلاء: أنه كان يخاف الحجاج بن يوسف، فكان يتستّر. قال: فخرجت في الغَلَس أريد التنقل من الموضع الذي كنت فيه إلى غيره فسمعت منشداً ينشد:
رُبَّما تكرَهُ النفوس من الأمر له فَرْجَةٌ كحَلِّ العِقالِ.
وسمعت عجوزاً تقول: مات الحجّاج، فما أدري بأيِّهما كنتُ أُسَرُّ أبقول المنشد "فَرْجَة" بالفتح، أم بقول العجوز: مات الحجّاج؟([11])
ولقد استدرك الأستاذ صبحي البصام على أستاذه الدكتور مصطفى جواد – رحمه الله- شواهد كثيرة تشير إلى أن ما أنكره، وهو القول "أيهما" كلام فصيح وارد في كلام المتقدمين الفصحاء، ومن ذلك:
1- جاء في "نهج البلاغة": وسئل عليه السلام أيُّهما أفضل. العدل أو الجود؟.
2- وفي طبقات الشعراء لابن سلام الجمحي: "أن أبا العطاف قال: إن شاباً لقي الفرزدق، فقال له: أيهما أحبّ إليك، تسبق الخير أو يسبقك"؟
3- وفي "الأغاني": إنّ أم عمر بنت مروان قالت لطُوَيس المغنّي:"أيهما أحبُّ: العاجل أم الآجل"؟([12])
واستوفى الأستاذ البصام من هذا خمسة عشر موضعاً كلها تؤيد استعمال "أيهما" وعودها على الضمير المتأخر.
إن هذا يعني أن العربية وإنْ دَرَجت في سننٍ واضح من النظام النحوي في نظم الكلم في الجمل المفيدة، تبتعد كثيراً عن هذا السنن في طائفة من وجوه القول. ثم ألم نذكر أن النحاة حين رسموا القاعدة في عدم عود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة أشاروا في الوقت إلى شواهد ما جاء شاذاً عن هذه القاعدة النحوية كقول أبي الأسود الدؤليّ يهجو عديّ بن حاتم الطائي، وقد نسبه ابن جني إلى النابغة الذبياني:
جزى ربُّه عنّي عَديَّ بنَ حاتمٍ جزاءَ الكلابِ العاوياتِ وقد فَعَـلْ
وكقول حسان يرثي مُطعم بنَ عدي أحد أجواد العرب:
ولو أن مجداً أخلَدَ الدهرَ واحداً من الناس أبقَى مجدُهُ الدهرَ مُطْعِما
وقال – رحمه الله-:
قل: "السكك الحديد ولا تقل: السكك الحديدية".
وقال شارحاً العلّة: وذلك لأن السكك المذكورة مصنوعة كلها من الحديد ولم يُضَف إليها شيء آخر من الفلزات والمعدنيات.
وهو يقول: إن الناس اتبعوا في هذا الخطأ ما جاء في "تذكرة الكاتب" لأسعد خليل داغر.
وقد عرض لهذا القول الأستاذ البصام فجاء بشواهد من الشعر والنثر ما يردّ به مقولة الدكتور مصطفى جواد، وخلص منها إلى أن السكة الحديد والسكة الحديدية كلاهما فصيح([13]).
وقال – رحمه الله -:
"قل أجاب عن السؤال، ولا تقل أجاب على السؤال".
أقول: إن القول بفصاحة الاستعمال الأول صحيح مليح، ولكن الاستعمال الثاني قد ورد في نثر المتقدمين كما ورد الاستعمال الأول، والشواهد كثيرة في كليهما.
ثم إن لاستعمال حروف الجر في العربية طرائق عدة تظهر أن بعضها ينوب عن بعض ويحلّ محله. وما القول بـ "التضمين" في هذه الأدوات إلا مظهر من مظاهر التطور اللغوي، فإذا كان التضمين جائزاً وقد عرض للعربية في عصورها المتقدمة، فلِمَ لا نقبل حلول "على" محل "عن" مثلاً في قولنا: أجاب عن السؤال أو على السؤال؟
ولِمَ لا نقول: وفق الحاجة تأسّياً بأبي عثمان الجاحظ، كقوله في رسالته "استنجاز الوعد": "وأسماؤكم وكُناكُم بين فَرحٍ ونُجحٍ، وبين سلامةٍ وفضلٍ، ووجوهكم وُفق أسمائكم، وأخلاقكم وفق أعراقكم"([14]).
ومجيء "وفق" من غير أن يسبقها "على" كثير، فهل آن للمتصدين للتصحيح أن يعيدوا النظر في مناهجهم ويتعقبوا النصوص في كتب الأدب واللغة والتاريخ؟.
ثم إنهم لم يأخذوا في أن "الإيجاز" هو من البلاغة في الأساليب العربية حيث يجب الإيجاز. ومن الإيجاز البليغ قوله تعالى: "واختار موسى قومه سبعين رجلاً" أي من قومه. إن حذف الجارّ تفرضه علينا البلاغة العربية فنقول: حَدَثَ أثناءَ ذلك، أو خلال ذلك، وهو أبلغ مما نقول: "في أثناء" أو "في خلال".
ولقد عُني بموضوع التصحيح في عصرنا جمهور من العلماء من أهل الفضل والدراية، حتى إذا توفّاهم الله خَلَفَ من بعدهم خلفٌ لم يكن لهم من العلم ما كان لأولئك، فتعجلوا الطريق فكانوا كحاطب الليل، وعادوا إلى ما سطّره أولئك الأعلام فزادوه عبثاً.
لم يكن هذا الخلف على علم بالعربية، معتمداً على كثير من المواد التي توزعتها كتب الأدب والتاريخ. ومن أجل ذلك اقتصر جلّهم على مادة من سبقهم فرددوها غير مشيرين إلى أصحابها، ثم إنهم يصلون إلى تلك المواد بلغة العصر الجديد التي كثر فيها التجاوز بل الخطأ.
إن أحدهم يستعمل "التصويب" وهو يريد به "التصحيح"، وهذا من لغة العصر؛ فالتصويب أن تصوِّب كلاماً أي تجده صواباً وتعدُّه صواباً، كأن يقال: أبدى فلان رأيه فصوَّبتُه. وإن آخر يستعمل "الكواهل" فيقول: "كواهل عقولهم"، وما أدري أعرف صاحبنا معنى "الكاهل" أم جهله؟ وإذا كان قد عرفه فهل جائز استخدام هذه الاستعارة في حدود العقل؟ وكيف يكون للعقول "كوهل"؟
وكيف يتأتّى هذا وقد عاب النقاد المتقدمون على أبي تمام قوله:
يا دهرُ قَوِّمْ من أخدعَيْـكَ فقـد أضجَجْتَ هذا الأنامَ من خُرُقِك
لقد هالهم أن يكون للدهر "أخدعان" كما يهولنا الآن أن نعير "العقول كواهل". ويستعمل هذا النفر كلمة "التشويش"، وهذه الكلمة عامية في عصرنا هذا، يقال: "حدث تشويش في البلد" أي اختلاط واضطراب. ولقد عدَّ اللغويون المتقدمون هذه الكلمة من العامية. قال ابن الأنباري: أجمع أهل اللغة على أن "شوّش" عامية([15])، ووهم الجوهري في عدّها في جملة الفصيح الصحيح. أترى بعد هذا أن من الفصاحة أن نستعمل هذه في كتاب لغوي انصَرَف لتصحيح الأبنية والأساليب؟!.
و "التشويش" نظير "الفوضى"، وقد استعملت "الفوضى" في المعنى نفسه، والأصل فيها الجمع، والمفرد "فضيض"، ثم عرض لها الإبدال، فإذا قلنا: "الناس فوضى" فالمعنى: متفرقون مختلطون. قال الأفوه الأودي:
لا يصلُحُ الناسُ فوضى لا سَراة لهمْ ولا سَـراةَ إذا جُهّالُهـم سادوا
ولست أرى أن يضطر مُعرِب في كتاب في أصول العربية أن يستعمل "القرون الوسطى" مستعيراً هذا المصطلح من التاريخ الغربي المسيحي.
ثم أليس من التساهل والتعسف أن تستعمل وصف "الإملائية" للأخطاء فنقول: "الأخطاء الإملائية"؟ إن مصطلح "الإملائية" مأخوذ من مادة "الإملاء"، وهو أن المعلم يملي على تلامذته ليختبر معرفتهم بـ"رسم" الحروف؛ وعلى هذا لا يمكن أن ينصرف "الإملاء" إلى معنى رسم الهمزة والألف المقصورة، كأن ترسم ألفاً قائمة أو برسم الياء ونحو هذا. ويستعملون "الاستعجال" بمعنى العجلة فيقولون: "إن هذا الكتاب يعين المستشير المستعجل". وكان الصواب أن يقال "العجلان"، لأن الاستعجال والإعجال والتعجل بمعنى الاستحثاث وطلب العجلة. وأعجله وعجّله واستعجله إذا استحثّه وطلب العجلة.
ومن العجب أننا نقف على أخطاء يذكرها هذا النفر فلا نراها إلا في كتبهم، وهي إنْ وُجِدَت ففي استعمال الصبية أو قل العوام؛ وإلاّ فمن يقول "المروءة" بفتح الميم أو "الخراج" لما يخرج من القرح أو شبهه، بفتح الخاء؟
وإني لأعجب من طائفة منهم في قولهم يقال: خرج عن القانون ولا يقال: خرج على القانون. ولو قرأ هؤلاء في كتب التاريخ وأحصوا الخارجين على السلطان في عصر بني أمية وعصر بني العباس لوجدوا جمهرة من هؤلاء كلهم "خارج على السلطان". ولا يعني هذا أن المرء حين يقول: "خرجت عن الحد اللائق" مخطئ، فكلاهما صحيح؛ ولكل توجيه في الدلالة والمعنى؛ فاعرف ذلك – رحمك الله-.
ولم أكن أقصد إلى استيفاء هذه المواد، ولو قد فعلت لكان لي منه كتاب برأسه ما زلت أحتفظ بمواده، ولكني أقول: إن المعربين في العربية قد ضاقوا بها ذرعاً فلم تسلس لهم؛ ولم تسلمهم قيادها لأنهم لم يملكوها ولم يشقوا بالنظر في مصادرها.
وإذا لم يكن هذا فكيف أقرأ في مجلة مغربية أن أحدهم كتب: لقد خلا الوطاب ونوعت الأسباب وكثرت السبل ...
أقول: إن صاحب هذا الكلام لا بد أن يكون قد فهم أن "الوطاب" مفرد لا جمع لـ"وطب"، ومن أجل هذا لم يلحق الفعل "خلا" بتاء التأنيث، في حين أن الفعل الذي أتى بعده مقترن بالتاء في قوله: "وتنوعت الأسباب" وبعده "وكثرت السبل"، مع أن الأمر جائز مع الفاعل إذا كان جمعاً مكسراً.
غير أن التزام تاء التأنيث في الجملتين مع خلو الأولى منها يشعر أن المُعرِب حَمَل "الوطاب" على الإفراد والتذكير، وهو في حقيقته جمع. قال تأبط شراً:

أقول للَحْيانٍ وقد صَفِرَتْ لهم وطابي ويومي ضيّق الحُجر مُعوِرُ
ومثل هذا استعمالهم "إذ"، وهو ظرف للزمان الماضي، استعمال "إذا" الشرطية فيقولون: "وإذ لم يتهيأ لي العمل في بغداد فقد غادرتها إلى ...".
والصواب "إذا" أما "إذ" فكقوله تعالى: "ربَّنا لا تُزِغْ قلوبَنا بعد إذ هديتنا".
وبعد فهذه إلمامة موجزة بشيء يتّصل بمبحث سلامة العربية ونهج المعنيين فيه، لم أرد منه أن أقسو على أحد من العاملين، وفقهم الله لخير هذه اللغة الشريفة.
الدكتور إبراهيم السامرائي





1- سورة الصافات، الآيات 140، 141، 142.

2- لأبي عثمان الجاحظ مادة لغوية ذات قيمة تاريخية كبيرة، وكنت أشرت إلى هذا في كتاب لي ما زال مخطوطاً وسميته بـ"معجم الجاحظ".

3- التبريزي، شرح المفضليات (بتحقيق البجاوي) 1/217.

4- ابن المقفع، الأدب الصغير (دار الجيل في بيروت) ص172.

5- الجاحظ، فصل من صدر كتابه في الجوابات في الإمامة (المورد ج7، 1978).

6- ولأبي حامد الغزالي كتاب عنوانه "الأجوبة الغزالية في المسائل الأخروية" ط. مصر 1319هـ.

7- اليازجي، لغة الجرائد، ص54.

8- اليازجي، لغة الجرائد، ص54.

9- من كتاب "الاستدراك على كتاب قل ولا تقل" للأستاذ صبحي البصام ص90.

10- تقويم اللسان (دار المعرفة، القاهرة 1966) ص77.

11- الزبيدي، طبقات النحويين ص29.

12- البصام، الاستدراك ص13- 14.

13- البصام، الاستدراك ص23- 24.

14- مجموعة رسائل الجاحظ، الطبعة الأولى، القاهرة 1324هـ، ص175.

15- انظر اللسان (هوش).
المصدر: ملتقى شذرات


g,X HQoQ`Q hgr,sQ ydvE fhvdih

__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« صناعة المعاجم والجدول الهجائي الكامل | العرب وتراث فارس في العصر الحديث »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 05:24 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68