تذكرني !

 





شاعر السموّ زهير ابن أبي سلمى

للدكتور عبدالقادر الربّاعي (جامعة اليرموك/ الأردن) ما زال الشعر الجاهلي يشغل الدارسين والمهتمين بالفن

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 06-21-2013, 04:27 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,483
افتراضي شاعر السموّ زهير ابن أبي سلمى

للدكتور عبدالقادر الربّاعي
(جامعة اليرموك/ الأردن)
ما زال الشعر الجاهلي يشغل الدارسين والمهتمين بالفن عموماً، وذلك لما له من تميز في الإشراق والبساطة مع العمق والشمول. وهو ككل فن بدائي ممتاز يشكل، بجدارة، الأصول الأولى للفن الشعري العربي الأصيل كله.
أما أَعلامُه فيُنْظَر إليهم على أنهم الفلاسفة الأُول الذين ابتكروا المعاني وشقّقوها بقدرتهم الذهنية، وبإخلاصهم في الوصول إلى حلول مقنعة لمسألة الإنسان والوجود.
وزهير واحد من أعلام الشعر الجاهلي، بل هو واحد من المبرّزين فيه، فهو لهذا يستحق اهتماماً مستمراً ودراسة متجددة، لأن مثل هذه الدراسة وذلك الاهتمام قادران على اكتشاف عناصر جديدة تضاف إلى تراث هذا الشاعر الخالد.
سأتعرض لزهير في الصفحات التاليات من زاويتين: أدرس في أولاهما زهيراً الإنسان: أصوله وفروعه، ثم سماته الخلقية والمسلكية، على أساس أن لهذا دوراً كبيراً في تشكيل فكره والاهتمامات الشعرية عنده؛ كما أدرس في ثانيتهما زهيراً الشاعر، بهدف الوقوف على قدراته الفنية التي جعلته شاعراً متميزاً في خصائصه ومذهبه.


- 1 -
هو زهير بن أبي سُلمى (بضم السين)(1). واسم أبي سلمى – والده- ربيعة بن رياح بن قرة بن الحارث، من بني مزينة(2). وأكد كعب بن زهير نسبه في مزينة بقوله(3):
همُ الأَصلْ مني حيثُ كنتُ وإنني

من المُزَنِييِّن المصفّين بالكَرَمْ

ومزينة إحدى قبائل مضر، فهي منسوبة – كما يقول ابن الكلبي – إلى مزينة بنت كلب بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، التي كانت عند عمرو بن أد بن طانجة بن مضر بن نزار من معدّ بن عدنان؛ ولم تلد مزينة لعمرو غير عثمان وأوس، وهذا الأخير هو الجد الأصل لزهير(4).
وذكر عن طريق آخر أن مزينة هي أم عمرو بن أد، وليس زوجته(5).
أما ابن سلام فيجعل مزينة واحداً من أجداد ربيعة والد زهير(6).
وعلى كل حال فزهير مزني النسب، لكنه ولد في بني عبدالله بن غفطان، لأن والده كان مع أهل بيته في هؤلاء القوم حتى عرف بهم ونسب إليهم.
وقد ذهب بعض الباحثين واهماً إلى أنه منهم(7). وكان بعض أهل العلم من غفطان يدّعون أنه منهم، ويشككون في صحة ادّعاء كعب السابق في أنه من مزينة(8).
أما انضمام أبي سلمى، والد زهير، إلى بني غفطان وبقاؤه فيهم، فسببه – كما تقول أكثر الروايات(9) – أن أبا سلمى هذا كان قد خرج مع خاله أسعد بن الغدير، وابن خاله كعب، وبعض من بني مرة للإغارة على طيء، فأصابوا نعماً كثيراً وأموالاً؛ فرجعوا حتى انتهوا إلى أرضهم، أرض بني مرة، فطلب أبو سلمى من خاله وابنه أن يفردا له سهماً من الغنيمة، فأبيا عليه ومنعاه حقه، فكفّ عنهما حتى إذا كان الليل أكره أمه على الارتحال معه من أرضهم. وقد قال في ذلك:
لتعدونْ إِبلٌ مُخَيَّسةٌ
الآكليْن صريحَ قومِهما

من عند سعدٍ وابنه كعبِ
أكلَ الحبارى بُرْعُمَ الرُّطَبِ(10)

واتجه إلى قبيلته مزينة فلبث فيهم حيناً، ثم أقبل بمزينة مغيراً على أخواله من بني غطفان. ولما ابتعد المزنيون عن ديارهم وأشرفوا على ديار غطفان، تطايروا عنه راجعين، وتركوه وحيداً. فقال معتبراً:
من يشتري فرساً لخيرٍ غزُوها

وأبتْ عشيرةُ ربِّها أن تُسْهِلا

ثم أقبل حين رأى ذلك من مزينة حتى دخل في أخواله من بني مُرة، وفي بني عبدالله بن غطفان منهم، وقد كان هؤلاء يسكنون (الحاجر) في نجد(11).
فعلى هذا يكون الغطفانيون أخوالاً لوالد زهير، وليسوا أصولاً له كما زعم بعض الباحثين. أما أمّ زهير فكل ما نعرف عنها أنها من غطفان، من بني مُرّة بن سعد بن ذبيان(12)، وأنها أخت أو ابنة أخ للشاعر الجاهلي الكبير بشامة بن الغدير. وكان زهير يعجب بشعره ويدعوه بالخال(13).
وذكر حمّاد أن بشامة هذا كان أشعر غطفان في زمانه، وكان رجلاً مقعداً حازم الرأي كثير المال. ولم يكن له ولد؛ جمع ثروته من حزم رأيه، إذ كانت غطفان إذا أرادوا الغزو أتوه فأمّروه واستشاروه وصدروا عن رأيه، فإذا انصرفوا قسموا له مثلما يقسمون لأفضلهم. فلما حضره الموت جعل يقسم ماله في أهل بيته وبين إخوته، فأتاه زهير فقال: يا خالاه، لو قسمت لي من مالك؟ قال: قد والله يا ابن أخت قسمت لك أفضل من ذلك وأجزله. قال: ما هو؟ قال: شعري ورثتنيه. فمن أين جئت بهذا الشعر؟ لعلك ترى أنك جئت به من مزينة، وقد علمت العرب أن حصاتها وعين مائها في الشعر هذا الحي من غطفان. (14) والحدث في هذه الرواية – إنْ كان صحيحاً – يدلّ على تأثير بشامة في زهير، وعلى أن زهيراً كان شاعراً معجباً به، مما دعا بشامة إلى الاعتزار بأنه امتداده الفني.
ويظهر أن والدة زهير تزوجت بعد وفاة أبيه؛ فقد ورد في الأخبار أن أوس بن حجر كان فحل مضر في الشعر، حتى نشأ النابغة وزهير فأخملاه، وكان زهير راويته. وكان أوس زوج أم زهير(15).
لم يترك زهير الحاجر في نجد، أرض أخواله بعد موت والده، بل ظل فيها هو وأهل بيته الذين لا نعرف منهم سوى أخيه، وكان يدعى أوساً، وهو أخوه من أمه الغطفانية(16). وأخته الخنساء التي عاشت إلى ما بعد موته، حيث نظمت فيه مرثية حزينة معبرة(17).
أما زهير فقد تزوج إلى أخواله؛ تزوج كبشة بنت عمار بن عدي بن سحيم، أحد بني عبدالله بن غطفان، فهي أم ولده(18)؛ ويبدو أنها كانت الزوجة الثانية بعد (أم أوفى) زوجته الأولى التي أحبّها كثيراً، لكن الذي دفعه إلى زواج كبشة عقم أمّ أوفى(19)، أو أنها ولدت له ومات أولادها جميعاً(20).
لم يرح هذا الزواج أمّ أوفى فدبّت فيها الغيرة وآذت زهيراً كثيراً، مما اضطره إلى طلاقها وهو كاره، ثم ندم على ذلك وقال(21):
لَعَمْرُكَ والخطوبُ مُغَيَّراتٌ
لقد باليتُ مظْعَن أمِّ أوفى

وفي طول المعاشَرةِ التَّقالي
ولكنْ أمُّ أوفى ما تُبالي

ومن الطبيعي أن يؤثر استمرار هذا الحب لأم أوفى على علاقته بكبشة، زوجته الجديدة. لقد واجهته بإحساس المرأة: برمت كثيراً بفتور مشاعره نحوها فعاتبته عتاباً مرّاً، ذكّرته فيه بواجب الزوج تجاه امرأته التي تخلص لبيتها وتقوم بواجبها. أمّاً وزوجة؛ وهذا واضح في أبياته التالية(22):
وقالت أمُّ كعب لا تَزُرْنا
رأيتُك عِبْتَني وصددْتَ عَنِّي
فلم أُفْسِدْ بينك ولم أقرِّبْ

فلا واللهِ ما لَك من مَزارِ
فكيفَ رأيتَ عِرْضي واصْطِباري
إليْكَ من الملمّاتِ الكِبارِ

ويدافع عن نفسه بجواب مقتضب حمله بيته:
أقيمي أمَّ كعب واستقرِّي

فإنَّك ما نَزَلْتِ بها بِداري

لقد أكد لها أن الذي يحكم معاملته لها هو شعور الزوج الذي يستشعر مسؤوليته بضرورة العمل على توفير الأمان لزوجته ما دامت في داره تقوم بمهامها جيداً.
أما مسألة الحب فليس لها أن تكلفه بها، ذلك لأن الحب لا يُفرض على الإنسان فرضاً. ولعل موقف زهير هذا يعكس لنا مفهوم الناس في عصره للزواج والحب على حد سواء؛ فليس الزواج لتحقيق عاطفة الحب دائماً، وإنما الزواج في كثير من حالاته للإنجاب والعناية بشؤون الحياة العائلية والمنزلية فحسب.
وعلى أية حال فقد أنجبت له كبشة هذه ثلاثة أبناء ذكوراً، هم: كعب وبجير وسالم(23)؛ أما سالم فمات في حادث شؤم ينقله الرواة على النحو التالي: كان سالم هذا جميل الوجه حسن الشعر، فأهدى إليه رجل بُردين، فلبسهما وركب فرساً خياراً، فمرّ بامرأة من العرب في مكان ماء يقال له النَّتاءة، فقالت: ما رأيت كاليوم قط رجلاً ولا بردين ولا فرساً أحسن مما أرى، فما مضى قليلاً حتى عثر به الفرس، فاندقت عنقه، وانشقّ بُرداه، وكُسرت عنق فرسه؛ فقال زهير يرثيه ويشير إلى الحادثة:
رأتْ رجلاً لاقى من العيشِ غبطةً
وشبَّ له فيها بَنُون وتوبِعَتْ
وعندي من الأيام ما ليس عنده
لعلكِ يوماً أن تُراعي بفاجعٍ

وأخطأه فيها الأمورُ العظائِمُ
سلامةُ أعوامٍ له وغنائِمُ
فقلتُ لها مَهْلاً فإنَّكِ حالمُ
كما راعني يوم النَّتاءة سالمُ(24)

إن في الأبيات تذكيراً بأن السرور لا يدوم، وبأن على الإنسان دائماً أن يتهيأ لاستقبال الفواجع لأن الدنيا في تقلب مستمر. ونحن على أية حال لا ندري مدى الصدق في قصة مقتل سالم، ولكن الثابت لدينا أن زهيراً فجع بابنه هذا فجيعة عظمى، جعلته يقف في الأبيات السابقة عند حالين متناقضين: حالِ من مَدّت له الدنيا حبل السلامة والغنى، وحال من بَلَته بالمصائب وفجعته بأبنائه. فالشعور بالأسى العميق كان حتماً وراء إبراز تناقض الدنيا السحيق.
أما ولداه كعب وبجير فلحقا الإسلام وأسلما: أسلم بجير أولاً وتمنّع كعب، بل قال أبياتاً يؤنب فيها بجيراً على إسلامه، ويعرّض بالإسلام والرسول. قال(25):
ألا أبلِغَنْ عنِّي بُجَيْراً رسالةً
سُقِيتَ بكأسٍ عند آل محمدٍ
وخالفتَ أسبابَ الهُدى وتبعْتَهُ

فهلْ لكَ فيما قلتُ بالخَيْفِ هلْ لكا
فَأنْهلَك المأمونُ منها وعلَّكا
على أيِّ شيءٍ وَيْبَ غَيْرِكَ دلَّكا

فبلغ رسول الله شعره هذا فتوعده ونذر دمه، فكتب إليه أخوه بجير يحذره ويدعوه إلى القدوم على الرسول وإعلان التوبة والإسلام، وطمأنه بأن محمداً عليه السلام لا يقتل أحداً جاءه تائباً. ففعل ذلك كعب، وقال قصيدة جليلة ألقاها بين يدي الرسول الكريم، فقبل توبته وعفا عنه، وكساه برداً اشتراه منه معاوية بعشرين ألف درهم.
هذا وتذكر بعض المصادر أن إسلام كعب قد أعلن بعد بعثة الرسول مباشرة، وذلك تحقيقاً لوصية والده قبل وفاته، وهي تورد على هذا روايتين:
إحداهما أن زهيراً رأى في منامه وفي أواخر عمره أن آتياً أتاه فحمله إلى السماء حتى كاد يمسكها بيده، ثم تركه فهوى إلى الأرض. فلما حضره الموت قصّ رؤياه على ولده كعب ثم قال: إني لا أشك أنه كائن من خبر السماء بعدي، فإن كان فتمسكوا به وسارعوا إليه. ثم توفي قبل المبعث بسنة؛ فلما بعث رسول الله خرج إليه ولده كعب بقصيدته (بانت سعاد) وأسلم(26). وثانيتها أن زهيراً رأى في منامه أن سبباً تدلى من السماء إلى الأرض وكان الناس يمسكونه، وكلما أراد أن يمسكه تقلص عنه؛ فأوله نبي آخر الزمان، فإنه واسطة بين الله والناس، وأنّ مُدَّتَه لا تصل إلى زمن مبعثه، فأوصى بنيه أن يؤمنوا به(27). وأعتقد أن هاتين الروايتين موضوعتان، وأن الخبر الأول المشفوع بأبيات شعرية لبجير هو أقرب إلى التصديق منهما. والذي يدفعني لهذا الاعتقاد الافتعال الواضح للرؤية من أجل التدليل على تنبؤ بعض الناس بالنبوة قبل وقوعها. ولربما استفاد واضعها من التقوى التي عرف بها زهير في الجاهلية كما سيأتي.
ومن أخبار زهير أيضاً أن كانت له ابنة اسمها (وبرة) وأنها كانت شاعرة؛ فعندما قال زهير:
أرادتْ جوازاً بالرُّسَيْسِ فصدَّها
كأنَّ مُدَهْدَى حَنْظَلٍ حيثُ سَوَّفَتْ

رجالٌ قُعُودٌ في الدُّجى بالمَعَابِل
بأعْطَانِها من جَرِّها بالجَحَافِلِ

فقال زهير من يجيز هذا. فقالت وبرة: يا أبتاه أنا أجيزه. وأنشدت:
جدودٌ فَلَتْ بالصَّيْفِ عنها جِحاشُها

فقد غَرَزَتْ أطْباؤُها كالمَكاحِلِ(28)

- 2 -
ترسم لنا الأخبار وشعر الشاعر صورة جميلة لزهير؛ فهو من النفر الذين كانوا يحاسبون أنفسهم كثيراً ليقتربوا من الخير، ويبتعدوا عن الشر؛ ولهذا استقام خلقه، وباعد بينه وبين الموبقات، كالخمر والميسر والأزلام(29).
لقد تساوت نفسه وابتعدت عن تدني المجتمع الجاهلي وتساقطه في الحضيض؛ وبذلك اقترب من الإيمان. وفي شعره أبيات تشير إلى أنه كان قريباً من الإيمان حقاً فهو – مثلاً- يؤمن بأن هناك إلاهاً يتدبر الكون ويحاسب على الأعمال. قال(30):
والمالُ ما خَوّلَ الإلهُ فلا
والإثْمُ من شَرِّ ما يُصَالُ بِهِ

بُدَّ لَه أنْ يَحُوزَهُ قَدَرُ
والبِرُّ كالغَيْثِ نَبْتُهُ أَمِرُ

وهو – كما يبدو في شعره أيضاً – يؤمن بالحساب والعقاب، وبأن أعمال الإنسان مرصودة ومحفوظة بكتاب مدخور(31):
يؤخّرْ فيوضعْ في كتابٍ فيُدَّخَرْ

ليوم حسابٍ أم يُعَجَّل فَيُنْقَمِ

لقد كان ذا خلق جميل، مشدود برباط الإيمان دائماً؛ ذلك لأنه يرى أن الإنسان قادر على اكتساب خلق حميد إذا ما سعى للتعلق بالخير الذي يريده الإله أن يعم الكون والناس(32):
عَوَّدْتَ قومك، إنَّ كلَّ مُبَرِّزٍ
حَزْماً وَبِرّاً للإلهِ وشيمةً

مَهْما يُعَوَّدُ شيمةً يَتَعَوَّدِ
تعْفو على خُلُقِ المسيءِ المُفْسِدِ

وقد بلغ من إيمانه أنه خشي عقوبة الله لأنه هجا بني عليم بن خباب بدون حق، وكان يقول: "ما خرجت في ليلة ظلماء إلاّ خفت أن يصيبني الله بعقوبة لهجائي قوماً ظلمتهم(33)". ولقد اعتقد بعض الباحثين أنه كان خاضعاً لتأثير النصرانية، كما عده بعضهم نصرانياً؛ لكن يبدو أن الرأي الذي ذهب إليه بروكلمان صواب، فهو يعتقد بأن تأثير النصرانية كان واقعاً في الجزيرة العربية، لكننا لا يجوز لهذا أن نعد زهيراً من النصارى(34). وكان عادلاً يحب العدل، ويدعو دائماً إلى إعادة الأمور لنصاب الحق؛ ولهذا بارك عمل كل من هرم بن سنان والحارث ابن عوف، اللذين تحملا ديات القتلى، وأصلحا بين الحيّين المتخاصمين: عبس وذبيان، بعد حرب دامت أربعين عاماً.
يميناً لنِعْمَ السيدانِ وُجِدْتُما
تداركْتُما عبساً وذُبْيانَ بعْدَما

على كلِّ حالٍ مِنْ سَحيلٍ وَمُبْرَمِ
تفانَوْا ودقُّوا بينهُمْ عِطْرَ مَنْشِمِ(35)

ورأيه في تلك الديات أنها أُخِذت بغير حق؛ لأن الذي تحمَّل دفعها لا ذنب له سوى حبه أن يسود الصفاء بدل الشر:
لَعَمْرُكَ ما جَرَّتْ عليهِمْ رماحُهُم
فكلّاً أراهُمْ أصبَحُوا يَعْقِلُونَهُ
تساقُ إلى قَوْمٍ لقومٍ غرامةً

دَمَ ابن نَهِيك أو قتيل المُثَلَّمِ
عُلاَلَةَ ألْفٍ بَعْدَ ألْفٍ مصتم
صحيحات مالٍ طالعاتٍ لِمَخْرَمِ(36)

إنه يستغل هذه الحادثة غير المنطقية لحث المجتمع على رؤية الخطأ في نظامه الاجتماعي؛ فلو كان العدل هو الذي يسيّره لما احتاج إلى أن يقبل هذا الأمر الغريب.
إن مطلب العدالة ربما نما مع الشاعر، خاصة وأن أخواله كانوا قد ظلموا والده ظلماً دفعه إلى تصرفات حادة جدّاً، كما مرّ بنا سابقاً. وإنني أعتقد أن حادثة والده التي كانت السبب المباشر في توطنه بأرض أخواله إلى الأبد كانت مؤثرة جداً في نفسية زهير وفكره وسلوكه، ولهذا أصبح السلام والعدالة مطلبه الأساسي في الحياة والوجود الإنساني كله.
ولهذا كان أليفاً جداً لمن عرفهم واختلط بهم، مهما كانت مستوياتهم الاجتماعية، وعلى أية صفة كانت علاقتهم به. والمثل الرائع الذي يستأهل التوقف هنا قصته مع راعيه (يسار): كان الحارب بن ورقاء الصيداوي، من بني أسد، أغار على بني عبدالله بن غطفان، فغنم فاستاق إبل زهير وراعيه يساراً(37)، مما دفع زهيراً أن يجاهد طويلاً لاسترداد راعيه، حيث قال قصيدة يهجو بها الحارث بن ورقاء وقومه، ويهدده بغيرها إن لم يعد يساراً سالماً، ومطلع القصيدة(38):
تَعَلَّمْ أَنَّ شَرَّ الناس حَيٌّ

يُنَادَى في شِعارِهِمُ يَسَارُ

ويبدو أن الحارث قد تأثر بأقوال زهير فعزم على إعادة يسار، لكن قومه نهوه وحالوا بينه وبين رغبته. فبعث زهير فيهم قصيدة يهجوهم ويمدح الحارث ويشجعه، ويهيب به أن لا يستمع إليهم. ويبدو أنه نجح في ذلك كما يقول(39):
أبلغْ لديك بني الصيداءِ كلَّهُمُ
ولا مهان ولكنْ عند ذي كَرَمٍ

أَنَّ يساراً أتانا غيرَ مَغْلُولِ
وفي حِبَالِ وفيِّ العهدِ مَأمُولِ

من الملاحظ في هذه القصائد أن زهيراً لم ينشد استرداد شيء من أمواله، لكنه كان شديد الحرص على أن يعود إليه (يسار) فقط؛ وهذا يدل على الألفة المتأصلة في طبع هذا الرجل، وعلى الوفاء الذي فطر عليه أيضاً. فيسار مجرد راع بسيط، لكن اختلاطه بزهير ولّد في ذات الشاعر مشاعر جميلة: خاصَمَ ومالَأَ بدافع منها حتى يستردّ راعيه المخلص.
هذا وفضلاً عن وفائه السابق الذكر لهرم، مدحه لأهله(40) تحقيقاً لهذا الوفاء، عرف عنه شدة وفائه لزوجته (أم أوفى)؛ فلقد ظل يذكرها بأحسن ما تذكر به أنثى بالرغم من نشوزها وانفصالها عنه؛ وقد أدى به هذا الوفاء إلى مواقف صعبة مع زوجته الجديدة، لكنه في علاقته بهذه المرأة الجديدة أثبت أيضاً أنه رجل طُبع على الألفة وحسن المعشر؛ فحين عاتبته على استمرار تعلقه بأم أوفى – زوجته القديمة- لم ينكر ذلك، بل ذهب في صراحته إلى حد أن عرّفها موقعها منه: فهي ليست أكثر من امرأة تزوجها للإنجاب، وهو معها يقوم بواجبات الزوج على أكمل وجه، كما مرّ بنا سابقاً.
وكان زهير متعففاً، يترفع عن الماديات في علاقاته دائماً؛ لقد ظهر ذلك جليّاً في تعامله مع ممدوحيه، وخاصة هرماً؛ فلقد أكثر زهير من مدحه حتى حلف هرم ألاّ يمدحه زهير إلاّ أعطاه، ولا يسأله إلاّ أعطاه، ولا يسلم عليه إلاّ أعطاه عبداً أو وليدة أو فرساً. فاستحيا زهير من كثرة ما كان يقبل منه، وكان إذا مر به في ملأ قال: "عموا صباحاً غيرَ هرم، وخيركم استثنيت(41)".
وإلى جانب هذا كان زهير سيداً كثير المال: فقد أغناه هرم ثم آل إليه نصيب من مال خاله بشامة بن الغدير، كما يذكر صاحب الأغاني(42)؛ وكان كريماً يصرف ماله فيما يراه واجباً. روي أن زيد الخيل بن المهلهل الطائي تمكن من بجير فأخذه وهو لا يعرفه؛ ولما عرف أنه ابن زهير حمله على ناقته وخلّى سبيله. فأتى بجير أباه فأخبره خبر زيد وما فعله، فأرسل زهير بفرس كميت كان لكعب من كرام الخيل إلى زيد، وكان كعب غائباً فلما جاء أنكر على والده ذلك وقال: كأنك أردت أن تقوي زيداً على قتال غطفان، فقال زهير: هذه إبلي فخذ ثمن فرسك وازدد عليه. وقد عنفت كعباً زوجته فقالت: أما استحييت من أبيك في سنه وشرفه أن تردّ هبته؟
وقد أثر هذا الموقف في زيد الخيل فقال:
فلولا زهيرٌ أنْ أكَدِّر نِعْمَةً

لقارعت كعباً ما بقيتُ وما بَقَى(43)

ويقال أن زهيراً مات قبل البعثة بقليل. ويحدّد بعضهم وفاته فيجعلها قبل البعثة بسنة واحدة(44)، أما بروكلمان فيقول: إن "الراجح أنه مات قبل ظهور النبي بزمن طويل(45)"، وهناك رواية تجعل وفاته بعد البعثة، وتزعم أن الرسول عليه السلام، مرّ به وهو شيخ فقال: اللهم أعذني من شيطانه(46)؛ وهي رواية مشكوك فيها على أية حال. هذا وقد رثته أخته الخنساء بأبيات جيدة تقول فيها(47):
فلا يغني توقّي المرءِ شيئا
إذا لاقى منيته فأمسى
ولاقاه من الأيام يومٌ

ولا عَقْدُ التميم ولا الغَضَارُ
يساق به وقد حقَّ الحِذارُ
كما من قبلُ لم يَخْلُدْ قُدارُ

وهكذا انتهت حياة شاعر عاش للخير، واتخذ من شعره أداة لنشره وتمكينه في مجتمع كَثُر فيه الجهل والظلم والشر.

- 3 -
لزهير ديوان شعر طبع عدة طبعات(48)، ولعل أجودها طبعة دار الكتب التي اعتمدت على رواية ثعلب، وهي الطبعة التي اعتمدتها في دراستي هذه.
على الرغم من أن قضية الحرب والسلم أخذت القسط الأكبر من اهتمام الشاعر، فنظم فيها شعراً كثيراً مثَّلَتْه قصائده المدحية، إلاّ أنّ شعره يحوي أيضاً أغراضاً أخرى، كالرثاء والغزل والهجاء والفخر والحكمة. هذا بالإضافة إلى أن شعره يحوي عناصر مختلفة من معارف عصره ومعالمه؛ فشعره مثلاً من أكثر الأشعار الجاهلية اهتماماً بالكتابة، لقد كررها أكثر من مرة وبخاصة في مقدماته الطللية؛ مثال ذلك قوله(49):
لمن الديار غشيتها بالفدفد

كالوحي في حجر المسيل المخلد

وزهير في شعره يشغل بقضايا إنسانية بالغة الدقة والخطورة في مجتمع جاهلي بدائي، كانت تسوده – إلى حد كبير- شريعة باغية قاسية؛ لذا احتاجت من الشاعر قدراً كبيراً من التجرد والتفكير لوضعها وضعاً مؤثراً. فالشاعر متألم للأوضاع السيئة التي ينحدر إليها مجتمعه؛ وقد تمثل تألُّمه هذا بصور شعرية توحي بأن طريق الخلاص هي السير مع حس السلام الذي بدأ يتخذ جانباً إيجابياً فاعلاً، ومع كل ما من شأنه ترسيخ قيم أو مثل عليا فوق الأرض. ومن هنا التقى كلام الشاعر في دعوته الإصلاحية مع الخُلُق الإسلامي الذي جاء بعيد موته. قيل: أنشد عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قوله في هرم:
أثني عليك بما علمت وما
والستر دون الفاحشات ولا

أسلفت في النجدات من ذكر
يلقاك دون الخير من ستر

فقال عمر: ذلك رسول الله(50). وكلام عمر هذا هو من نوع كلامه حين سأل بعض ولد هرم أن ينشده بعض مدح زهير في أبيه، فلما أنشده ما طلب قال: إن كان ليحسن فيكم القول. قال: ونحن والله إن كنا لنحسن له العطاء، فقال: لقد ذهب ما أعطيتموه وبقي ما أعطاكم(51).
ومن هنا قال عبدالملك بن مروان: ما يضر من مدح بما مدح زهير آل أبي حارثة من قوله:
على مكثريهم رزق من يعتريهم

وعند المقلّين السماحةُ والبذلُ

ألاّ يملك أمور الناس(52) (يعني الخلافة).
إن المعاني التي عاشت وقدرت هذا التقدير في العصور اللاحقة لمعانٍ إنسانية كثيفة وإن بدت بسيطة مكشوفة؛ فلا عجب إذن أن تلتقي بعض معاني شعره مع بعض الآيات القرآنية الكريمة. لقد لاحظ بعضهم موضع التقاء قوله:
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه

ولو رام أسبابَ السماء بسُلَّمِ

مع فحوى الآية الكريمة: "أينما تكونوا يدركم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة"(53). وألاحظ التقاء قوله:
فإن الحق مقطعه ثلاثٌ:
فذلكم مقاطع كل حق

يمينٌ أو نفارٌ أو جلاءُ
ثلاث كلهن لكم شفاء(54)

بالبعد الاجتماعي والإنساني الذي عليه القول الإلهي: "ولكم في القصاص حياة". ولربما كان هذا وراء قول ابن قتيبة: "وكان زهير يتأله ويتعفف في شعره، ويدلّ شعره على إيمانه بالبعث"(55).
ويبدو أن اتجاهه الخلقي كان وراء تفضيل كثير من الناس له. لقد فُضل على الشعراء لأنه – كما قيل- : "كان أبعدهم من سخف، وأشدهم اجتناباً لحوشي الكلام(56)".
والواقع أن زهيراً كان شاعراً فذَّاً، فلقد فهم بخبرته وذكائه قضايا الإنسان والوجود، وعبّر عنها تعبيراً أدبياً أكسبها سمة البقاء، وهذا ما جعله قائماً في عقول الناس على مر العصور.
وشاعريته أصيلة عريقة تمتد في جذورها وفروعها بشكل جعلها متميزة في تاريخ الشعر العربي القديم. قال ابن الأعرابي: "كان لزهير في الشعر ما لم يكن لغيره، كان أبوه شاعراً، وهو شاعر، وخاله شاعر، وأخته سلمى شاعرة، وابناه كعب وبجير شاعران، وأخته الخنساء شاعرة(57)". وقد ذكر أيضاً أن عقبة بن كعب بن زهير المعروف بالمضرب كان شاعراً، وأنه كان لعقبة هذا ابن يقال له العوام، وكان شاعراً أيضاً(58).
لقد اجتمعت لزهير عناصر وراثية في الشعر أعطته استعداداً فطرياً لقوله؛ ويبدو أنه أحسّ مثل هذا الاستعداد مبكراً، فأخذ نفسه به وعوّل على تأصيله وتهذيبه حتى غدا شاعراً مذكوراً. لقد وضعه ابن سلام في الطبقة الأولى، تالياً لامرئ القيس والنابغة(59).
أما أبو الفرج فقد ذكر أن الرواة لم يتفقوا على تفضيل أي من امرئ القيس أو النابغة عليه؛ قال: "هو أحد الثلاثة المتقدمين على سائر الشعراء، وإنما اختلف في تقديم أحد الثلاثة على صاحبيه؛ فأما الثلاثة فلا اختلاف فيهم، وهم امرؤ القيس وزهير والنابغة الذبياني(60)".
وفي التراث النقدي ما يؤيد قول أبي الفرج؛ فقد جاء في طبقات ابن سلام نفسه أن أهل النظر قالوا: "كان زهير أحصفهم شعراً ... وأجمعهم لكثير من المعنى في قليل من المنطق(61)".
وقد نسب صاحب خزانة الأدب إلى ثعلب تقديم زهير، كما أورد محاورة بين جرير وابنه عكرمة مؤداها: أن جريراً كان يقدّم زهيراً ويجعله أشعر الجاهليين(62). وممن كان يقدّمه أيضاً قدامة بن موسى الجمحي، الذي كان – كما يقول ابن سلام- من أهل العلم(63). وكان كل من عمر بن الخطاب ومعاوية يسميه بشاعر الشعراء أو أشعر الشعراء(64). وقد زعم حماد أنه لم يدرك أحداً من أهل العلم من قريش يفضل على زهير من الناس أحداً في الشعر، لكنه يقول: غير أن قريشاً قد اتفقوا على تفضيل زهير والنابغة معاً(65). وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: "كان أوس فحل مضر، حتى نشأ النابغة وزهير فأخملاه"(66). وسجل بعض النقاد القدامى أحكاماً نقدية توازن بين زهير وغيره على أساس الدوافع النفسية التي اشتهروا بها، فقيل: "كان امرؤ القيس أشعر الناس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وزهير إذا رغب، والأعشى إذا طرب"(67).
والنقد الحديث لا يأخذ بهذه الآراء المطلقة لأنه يدرك اختلاف الشعر والشعراء من حال إلى حال؛ فالمسألة كلها ترتبط بقضايا دقيقة في الشاعر ذاته، وفي الموضوع الذي يتناوله، والجو العام الذي يقال فيه الشعر. ولكن تظل الأقوال التي فاضلت بين زهير وغيره على أساس من الضوابط النفسية خاصة أقرب إلى الاحتمال والتقبل من تلك التي اعتمدت التعميم أسلوباً في أحكامها.
وعلى مستوى الصنعة الشعرية يصادفنا الرأي المنسوب إلى عمر بن الخطاب في تفضيل زهير، حيث قال: "كان لا يعاظل في الكلام، وكان يتجنب وحشي الشعر، ولم يمدح أحداً إلا بما فيه"(68). لقد أعجب به لأن شعره مستوٍ، وفصيح اللفظ، وناطق بالصدق الحقيقي عن مجريات الأحداث وأوصاف الناس. إن هذا النقد – بالرغم من أن نظريات الشعر الحديثة قد تجاوزته بكثير – يظلّ نقداً يقدم أوليات أساسية في الحكم النقدي المعلل.
وقد لاحظ الأقدمون تأثر زهير في الصنعة بطريقة أوس بن حجر – وكان زهير راوية له – وهي قائمة على البروز الحسّي، والاستقصاء للصور وتفصيلاتها(69). وعرف عن زهير أنه صاحب مذهب التحكيك الشعري في العصر الجاهلي، إذ به عُدَّ واحداً من الذين أطلق عليهم الأصمعي "عبيد الشعر".(70) قيل إنه كان ينظم القصيدة في ليلة أو شهر، ثم يتركها عنده عاماً كاملاً لا يذيعها في الناس إلاّ بعد أن يعاود فيها النظر مرات عديدة. ولهذا سميت قصائده بالحوليات أو المقلدات والمنقحات(71). وحتى نحكم حكماً مقنعاً على عمل زهير هذا، لا بد لنا من الإجابة عن مسألة هامة في المعرفة النقدية: هل الشعر ابن الملكة الشعرية وحدها، أم ابن الصنعة الحاذقة فقط، أم ابنهما معاً؟
إن الإجابات العصرية لا تميل إلى فصل الصنعة عن الموهبة، وهي تعدّهما أساساً متحداً لكل فن ناجح. وبهذا يكون زهير واحداً من الذين وعوا باكراً دورهم الشعري الريادي، لذلك جاء شعره ناضجاً متقناً، ولقد لاقى قدراً كبيراً من الإعجاب في عصره وبعد عصره. إن الأساس الفني لمذهبه اهتمامه كثيراً بالصور الكثيفة التي قادت إلى خلق الترابط العضوي في القصيدة الواحدة، لأنها تشيع معان عميقة شديدة التشابك والترابط. إن مثل هذه المعاني تؤدي بتفاعلها وتجاوبها وتجاذبها إلى الكشف عن الرموز والإيحاءات التي تؤلف الوحدة المعنوية الباطنية للقصيدة: فرصدنا لحركات النفس داخل القصيدة الواحدة يقودنا إلى الوقوف على قضايا إنسانية بعيدة بعداً جذرياً عن الموضوعات الظاهرية التي نتحدث عنها .. وهذه هي القيمة المتوقعة لكل ترابط صوري كهذا الذي يشيعه زهير بإتقان نادر.
بهذا تغدو الأقوال التي اتهمت معلَّقته كما اتهمت غيرها من المعلقات بالتفكك(72) أقوالاً قاصرة، عاجزة عن الرؤية الشمولية التي تعتمد اكتشاف الحقيقة من خلال حل العقد والتداخل الشعري العجيب.
ولكن الرواة والنقاد أخذوا على زهير عدة مآخذ في شعره، تنحصر في مجالات اللغة والسرقات والفن وغاياته بشكل عام:
ومن مآخذهم اللغوية استبشاعهم كلمة (حقلّد) في بيته(73):
تَقِيٌّ نَقِيٌّ لم يُكَثِّر غنيمة

بِنَهْكَةِ ذي القُربى ولا بِحقلّدِ

ومنها إنكارهم عليه قوله (ركك) في بيته:
ثم استمروا وقالوا إنّ موعدَكُمْ

ماءٌ بشرقيِّ سَلْمى فَيْدُ أو رَكَكُ

لأنه حكى بعض الأعراب أنه قال: إنما هو "رك"(74). ولست أرى وجهاً لهذه المآخذ. فـ(حقلد) كلمة عربية مستعملة، قد تكون ثقيلة على اللسان، لكنها في موضعها في البيت أدت ما أراد الشاعر؛ أما (رك) فثقلها هو الذي دفع الشاعر إلى فك إدغامها. والشاعر – على أية حال- اطمأن على وضع كل كلمة في موضعها من شعره، لذا فإن أي مأخذ لا يكون بإفراد الكلمة ومحاسبته على جمالها أو قبحها منعزلة، وإنما في موضعها من القصيدة. وهذا مبدأ غير الذي حوكم على أساسه زهير، كما هو واضح.
وأما في نحل الشعر فقد روي أن الأصمعي كان "يرى أن أبياتاً من قصيدة زهير الميمية (أمن أم أوفى ...) ليست له، وإنما هي لصرمة بن أنس الأنصاري"(75). واتّهم أيضاً بالإغارة على شعر غيره من الشعراء؛ فقد جاء على لسان أبي عبيدة قوله: كان قراد بن حنش من شعراء غفطان وكان جيد الشعر قليله، وكانت شعراء غطفان تغير على شعره فتأخذه وتدّعيه، منهم زهير بن أبي سلمى ادعى المقطوعة التي مطلعها:
إنّ الرزيَّةَ لا رزيَّةَ مثلَها

ما تَبْتَغي غطفانُ يومَ أضَلَّتِ(76)

والمقطوعة في ديوان الشاعر، وقد ذكر أنها في رثاء سنان بن أبي خارجة، مع زيادة بيت على الأبيات التي رواها أبو عبيدة وهو:
ومُلَعَّنٍ ذاقَ الهوانَ مُدَفّعٍ

راخَيْتَ عُقْدَةَ كَلْبِهِ فانحَلَّتِ(77)

ومع تقديم وتأخير في الأبيات، ثم مع اختلاف في رواية بعض الألفاظ والعبارات.
وهذا أمر يرتدّ إلى مسألة النحل والانتحال في الشعر الجاهلي. ومن الصعب أن يجزم الإنسان فيها برأي، وتظلّ خاضعة للفرض والتخمين. على أن مما يضعف احتمالات كون الأبيات لقراد أن أحداً لم يقل بذلك سوى أبي عبيدة، وأن الأبيات في الديوان مزيدة ومختلفة بعض الاختلاف، ومقرونة عند زهير بمناسبة؛ ولم ترد أية إشارة من ثعلب، شارح الديوان، تشير إلى اتهامها على غير عادته.
أما في مجال السرقة الشعرية فيذكر الرواة أن زهيراً أخذ أبياتاً ممن سبقه أو عاصره من الشعراء. من ذلك – مثلاً- قول امرئ القيس(78):
فلأْياً بلأْيٍ ما حملنا غلامنا

على ظهر محبوك السراة محنَّبِ

أخذه زهير فقال:
فلأْياً بلأي ما حملنا غلامنا

على ظَهْر محبوكٍ ظِماءٍ مفاصِلُهْ

والمسألة هنا ترتبط بمفهوم السرقات الشعرية قديماً وحديثاً، لأن هذا المفهوم ليس واحداً في العصرين: فبينما يعدّ النقد القديم التأثر والتأثير في الشعر سرقة معيبة، ينظر إليها النقد الحديث على أنها طبيعية، بل ربما كانت عامل إغناء كبير في الشعر؛ لأن حصيلة هذا الفن تلاقح المشاعر والمواقف والأفكار الإنسانية. وهو لا يفترض السرقة في الشعر أبداً، لأنه يعتبر الشاعر مسؤولاً عن كل حرف يستخدمه. وهو – على أية حال- لا ينظر إلى الشعر نظرات جزئية تتوقف عند التقاء شاعرين عند كلمة أو جملة، لأن الشاعر الذي يصدر عن تجربة ذاتية حية لا بد أن يحدث شيئاً ما فيما يتأثره، وذلك ليحوّله إلى عالمه الخاص المفروض من المواقف الذاتية. فزهير تصرّف ببيت امرئ القيس تصرفاً يبدو قليلاً، لكنه إذا قرن إلى السياق كله ونظر إليهما نظرة شاملة، أمكن أن يقال إن التجربة الكلية المتكاملة في القصيدة هي التي فرضت مثل هذا التصرف؛ عندها يغدو الشعر كله ملك زهير، يحاسب عليه ويحاكم به.
وأما في المجال الفني فقد أخذوا عليه إضافته (أحمر) إلى (عاد) في قوله:
فَتُنْتَج لكمْ غلمانَ أشأمَ كلهم

كأحمرِ عادٍ ثم تُرْضِعْ فَتُفْطِمِ

قائلين: (إن ثمود لا يقال لها عاد، لأن الله عز وجل إنما نسب قداراً إلى ثمود"(79) كما خطأوا قوله:
يخرجْن من شَرَباتٍ ماؤها طحل

على الجذوعِ يَخَفْنَ الغم والغرقا

قائلين: "ظن أن الضفادع يخرجن من الماء مخافة الغرق"(80) وهذا خلاف الواقع.
إنهم – كما يبدو من نقدهم لشعره هنا – لا يفرقون كثيراً بين الصدق الحقيقي والصدق الفني. فالشاعر – فنياً- لا يتقيد بسرد الواقع كما كان وإنما كما يمكن أن يكون من جهته؛ ومن هنا لا يعيب زهيراً أن وضع (عاد) بدلاً من (ثمود)، لأنهما في خياله ترمزان إلى معنى ذهني واحد هو الشر الرابض في الأرض؛ ومن هنا أصبحت الواحدة تعني الثانية عنده.
كما لا يعيبه أيضاً أن خالف المفهوم السائد في تفسير خروج الضفادع من الماء، لأنه وهو ينظم القصيدة التي منها البيت أراد هذا التفسير لحاجة خاصة به. فالذي يجب أن يحاسب عليه الشاعر هو مدى ارتباط الجو الذي يستحدثه بدوافعه ومواقفه؛ إذ لا بأس حينئذ من تحوير الواقع أو استبداله بواقع جديد يخترعه خيال الشاعر وعواطفه. إن عدم وضوح هذا المفهوم في أذهان كثير من النقاد الذين درسوا زهيراً هو الذي دفعهم إلى محاكمته على أساس محاكاة الواقع، وبالمعنى الحرفي لهذه المحاكاة، فأخطأوا في أحكامهم النقدية عليه.
هذه صورة كاملة لزهير الإنسان وزهير الشاعر، وهي صورة تحوي مضموناً واحداً هو "السمو": فلقد كانت أفكاره ومواقفه الاجتماعية تصدر عنه وتهدف إلى إنجازه على مستوى العصر كله؛ فبالسمو – كما عبر زهير في شعره مراراً – يعرف الإنسان موقعه من الحرب والسلام، وبه أيضاً يدرك أبعاد إيجابياته في تفاعله مع غيره ممن يؤلفون معه وحدة اسمها المجتمع المتكامل. وكان أيضاً يطبّق السمو في خلقه. يُرْوَى أنه كان يقول: ما أنا بأشعر من النابغة.(81) ويروى أيضاً أنه كان محبوباً ومحترماً ممن عرفه(82). كما كانت مناهجه في الإبداع الفني تتصف بالسمو أيضاً، فإذا وعينا أن السمو الفني يعني النتيجة التي يتوصل إليها شاعر يجتهد في تعمق تجربته وإتقان وسائل فنه حتى تخرج، حين تخرج، وهي صاعدة إلى قمم الإبداع، ومتجاوزة كل ما قد يسمها بالابتذال والسوقية، أدركنا كم كان حظ زهير من السمو الفني عظيماً.
إن إحساسي بصفة السمو في شعره فكراً وفناً هو الذي دفعني لإطلاق لقب (شاعر السمو) عليه؛ فزهير شاعر متميز بإخلاصه لعصره وإخلاصه لشعره، لذا فهو ما زال بحاجة منا إلى دراسة جديدة واعية هادفة تستقصي شعره وتستخرج منه كنوزه الثمينة.
د. عبدالقادر الرباعي

(1) البغدادي: خزانة الأدب (ط. دار الكاتب العربي بالقاهرة 1967) 2/332، وورد فيها أنه جاء في الصحاح: "ليس في العرب سُلمى (بضم السين) غيره".
(2) الأصفهاني: الأغاني (ط. دار الكتب المصرية) 10/288.
(3) السكري: شرح ديوان كعب بن زهير (ط. دار الكتب المصرية)/67.
(4) ثعلب: شرح ديوان زهير بن أبي سلمى (ط. دار الكتب المصرية)/ 330.
(5) الأغاني: 10/288.
(6)الجمحي: طبقات فحول الشعراء (ط. دار المعارف. د.ت)/43.
(7) ابن قتيبة: الشعر والشعراء (ط. دار المعارف 1967) 1/86 وما بعدها.
(8) طبقات فحول الشعراء/92. ورد على لسان ثعلب في شرح ديوان زهير ص86 أن بني عبدالله بن غطفان يقولون: هو منا إلاّ أنه يكذّب ادعاءهم ويعدّه باطلاً.
(9) الأغاني 10/291.
(10) الحبارى: طائر يقع على الذكر والأنثى، يضرب به المثل في البلاهة والحمق فيقال: (أبله من الحبارى).
(11) الأغاني: 10/309. وشوقي ضيف: العصر الجاهلي (ط. دار المعارف، الطبعة السابعة)/300.
(12) وكان أبو سلمى تزوج إلى رجل من بني سهم بن مرة، أو فهر بن مرة، يقال له الغدير. انظر شرح ديوان زهير/55 والأغاني 10/390.
(13) جاء في شرح ديوان زهير ص325 أن بشامة عم لأمّ زهير، لكن صاحب الأغاني يذكر في ج10/312 أنه خال زهير. أما ابن سلام فقد نص في طبقات فحول الشعراء/564 على أن زهيراً ابن أخته.
(14) الأغاني 10/312 وشرح ديوان زهير 325.
(15) طبقات فحول الشعراء/81.
(16) شرح ديوان زهير/ 55.
(17) المصدر السابق/366.
(18) المصدر نفسه 326، 335.
(19) الموجز في الأدب العربي وتاريخه (وضع لجنة من الأساتذة بالأقطار العربية، دار المعارف بلبنان 1962)/179.
(20) الأغاني 10/313، والخبر منقول عن ابن الاعرابي.
(21) شرح ديوان زهير/342.
(22) شرح ديوان زهير 335.
(23) العباسي: معاهد التنصيص (المطبعة البهية 1316هـ) 2/110.
(24) الأغاني: 10/313 وما بعدها ثم شرح ديوان زهير/341.
(25) شرح ديوان كعب بن زهير/ 3 وما بعدها، و(وَيْب) كَوَيْل، تقول وَيْبَك ووَيْب لك.
(26) خزانة الأدب 2/235.
(27) المصدر السابق 2/336.
(28) شرح ديوان زهير/ 345.
(29) جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام (دار العلم للملايين ببيروت ومكتبة النهضة ببغداد 1976) 4/671.
(30) شرح ديوان زهير /314.
(31) المصدر السابق/18.
(32) المصدر نفسه/ 277.
(33) الأغاني 10/309 وشرح ديوان زهير /56.
(34) كارل بروكلمان: تاريخ الأدب العربي (ط. دار المعارف بمصر د. ت) 1/95.
(35) شرح ديوان زهير/ 14، ومنشم امرأة تبيع العطور وقيل: من التنشيم في الشر.
(36) المصدر السابق/25 وما بعدها. العلالة: الزيادة هنا. مصتم: تام. المخرم: الثنية في الجبل.
(37) الأغاني 10/307- 309.
(38) شرح ديوان زهير/300.
(39) المصدر نفسه/ 308.
(40) انظر مديحه لسنان والد زهير في ديوانه/ 193، 268، 292، 316، 346 ورثاءه أباه/334.
(41) معاهد التنصيص 2/110.
(42) الأغاني 10/312.
(43) أبو علي القالي: ذيل الأمالي (طبعه مصطفى إسماعيل يوسف بن دياب، الطبعة الثالثة)/53 وما بعدها. وشرح ديوان كعب بن زهير/126 وما بعدها.
(44) شرح ديوان زهير/ 56 وخزانة الأدب 2/335.
(45) تاريخ الأدب العربي 1/95، وانظر أيضاً تاريخ الآداب العربية لنالّينو (ط. دار المعارف بمصر)/78.
(46) معاهد التنصيص 2/110.
(47) السيوطي: شرح شواهد المغني (دار مكتبة الحياة – بيروت 1966) 1/134، والغضار: كان أحدهم إذا خشي على نفسه علّق عليه خرقاً أخضر.
(48) انظر مقدمة ديوان زهير /30- 44. وكتاب إحسان النص: زهير بن أبي سلمى (دار الفكر بدمشق 1973) 119، وقد عثرت على نص في خزانة الأدب 2/334 يشير إلى ديوان زهير وشروحه. قال البغدادي: (وديوان شعر زهير كبير وعليه شرحان، وهما عندي والحمد لله والمنة، أحدهما بخط مهلهل الشهير الخطاط صاحب الخط المنسوب)، ولم يذكر في مخطوطات الديوان المكتشفة ما يشير إلى هذه النسخة.
(49) شرح ديوان زهير/268.
(50) الأغاني 10/304.
(51) المصدر السابق 1/305، ويقال أن عمر قال أيضاً: (ولكن الحلل التي كساها أبوك هرماً لم يبلها الدهر).
(52) المصدر نفسه 10/306.
(53) ناصر الدين الأسد: مصادر الشعر الجاهلي (دار المعارف بمصر 1956) 406، والآية في النساء/ 78.
(54) شرح ديوان زهير/75. والآية من البقرة/179.
(55) خزانة الأدب 2/333.
(56) المرزباني: الموشح (دار نهضة مصر 1965) 95.
(57) شرح شواهد المغني 1/133 ومعاهد التنصيص 2/110.
(58) الأغاني 10/314 وخزانة الأدب2/333.
(59) طبقات فحول الشعراء /93.
(60) الأغاني 10/288.
(61) طبقات فحول الشعراء/53، والثعالبي: خاص الخاص (دار مكتبة الحياة ببيروت 1966) 96.
(62) خزانة الأدب 2/333.
(63) الأغاني 10/289.
(64) شرح شواهد المغني 1/131.
(65) شرح ديوان زهير/ 86، 326.
(66) طبقات فحول الشعراء/ 81.
(67) العسكري: كتاب الصناعتين (عيسى البابي الحلبي بالقاهرة 1952) 23.
(68) الأغاني 10/289 ومعاهد التنصيص 2/109.
(69) شوقي ضيف: الفن ومذاهبه في الشعر العربي (ط. دار المعارف بمصر، الطبعة الرابعة) /28 وما بعدها.
(70) الشعر والشعراء 1/23.
(71) الجاحظ: البيان والتبيين (عبدالسلام هارون 1938) 2/9، ومعاهد التنصيص 2/111، وخزانة الأدب 2/335. وابن جني: الخصائص (ط. الهلال 1913) 1/330.
(72) الموجز في الأدب وتاريخه 1/185.
(73) كتاب الصناعتين/30 والبيت في الديوان/234، والحقلّد: الضيق البخيل، والسيء الخلق.
(74) الموشح/61، وحكي عن بعض الأعراب أنه قال: إنما هو (ركّ)، والبيت في الديوان/ 167.
(75) مصادر الشعر الجاهلي 328 عن كتاب المعمرين/66. وهناك قصيدة أخرى منسوبة للأنصاري في ديوان زهير/284.
(76) المرزباني/ معجم الشعراء (عيسى البابي الحلبي 1960) 205.
(77) شرح ديوان زهير /334.
(78) انظر هذين البيتين وغيرهما من الأبيات مجموعة في شرح ديوان زهير 15- 17 المقدمة.
(79) طبقات فحول الشعراء/73 والموشح/56.
(80) كتاب الصناعتين/72.
(81) شرح ديوان زهير/ 326.
(82) خزانة الأدب 4/150 وذيل الأمالي/23 وديوان كعب بن زهير/26.
---------------

------------------------------------------------------------

---------------

------------------------------------------------------------

31


165
المصدر: ملتقى شذرات


ahuv hgsl,~ .idv hfk Hfd sgln

__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« موقف من يونس بن حبيب النحوي البصري | التـنافسُ وأثره على النحو والنحاة »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ما بين سهير ومها العلي ؟ Eng.Jordan الأردن اليوم 0 03-06-2015 04:46 PM
شاعر العرب ( قصيدة ) عبدالناصر محمود أخبار ومختارات أدبية 0 04-19-2014 07:35 AM
معلقة زهير بن أبي سلمى عبدالناصر محمود أخبار ومختارات أدبية 0 04-04-2013 06:19 PM
شاعر الحب والحرية يقيني بالله يقيني أخبار ومختارات أدبية 7 05-09-2012 10:07 AM
بلاغة شاعر عبدالناصر محمود الملتقى العام 1 01-19-2012 12:24 AM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 06:10 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68