تذكرني !

 





ازدواجيَّـة اللغَة للدكتور محمد راجي الزغول

جامعة اليرموك تعتبر مشكلة ازدواجية اللغة العربية من أهم المشكلات اللغوية الاجتماعية التربوية التي تواجه الوطن العربي. ولطبيعة هذا الموضوع الحساسة من الناحيتين القومية السياسية والدينية فإنه لم يلقَ

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 06-21-2013, 04:53 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,445
افتراضي ازدواجيَّـة اللغَة للدكتور محمد راجي الزغول

جامعة اليرموك
تعتبر مشكلة ازدواجية اللغة العربية من أهم المشكلات اللغوية الاجتماعية التربوية التي تواجه الوطن العربي. ولطبيعة هذا الموضوع الحساسة من الناحيتين القومية السياسية والدينية فإنه لم يلقَ عناية موضوعية كافية، أو بحثاً مستفيضاً في ضوء الدراسات اللغوية المعاصرة، خاصة التطورية والمقارنة منها. في هذا البحث سأتناول قضية الازدواجية بالتعريف، وأربطها بالوضع اللغوي العربي، شارحاً أربعة أنماط للعربية تَحَدَّث عنها الغربيون، وتبعهم العرب في الحديث عنها؛ ثم فكرة الدعوة إلى العامية، مبيّناً ثلاث مراحل تاريخية هامة لتطورها. ومن ثم سأناقش هذا الوضع في ضوء الدراسات اللغوية الحديثة، لأخلص بنتائج واقتراحات آمل أن تكون موضع المناقشة والتنفيذ. ونظراً لأن جذور المشكلة تكمن في الاهتمام الذي أبداه الغربيون بها، فسأورد في كثير من المواقع استشهادات مما قاله بعض مفكريهم في الجوانب المختلفة لهذه القضية.
إن كلمة "ازدواجية" ترجمة للاصطلاح الإنجليزي "Diglossia". يُعتَقَد أن أول من تحدث عن هذه الظاهرة هو اللغوي الألماني كارل كرمباخر في كتابه المشهور مشكلة اللغة اليونانية الحديثة المكتوبة([1])عام 1902، إذ تطرَّق إلى طبيعة هذه الظاهرة وأصولها وتطورها، وأشار بشكل خاص إلى اللغتين اليونانية والعربية، وخلص إلى نتائج تفسر كثيراً من التطورات المتأخرة لبعض الدعوات في العالم العربي، إذ اقترح على اليونانيين ترك "ازدواجيتهم الشرقية" واللحاق بالعالم الغربي، بتبني العامية لغة قومية. كذلك دعا العرب إلى ترك فصيح لسانهم وتبنّي إحدى اللهجات – مفضلاً المصرية – لغة قومية. لكن الرأي العام المقبول في أدب هذه الظاهرة اللغوية هو أن العالم الفرنسي وليم مارسيه أول من نحت هذا الاصطلاح (بالفرنسية La Diglossie) وعرَّفه في مقالة تخص الازدواجية في العربية عام 1930 بقوله: "هي التنافس بين لغة أدبية مكتوبة ولغة عامية شائعة للحديث"([2]).
وبعد ثلاثة عقود من الزمان، وعلى جهة التحديد عام 1959، وفي مقالة تُعَدّ من أشهر ما كتب عن الموضوع – لأنه قلما تجد باحثاً في الازدواجية لم يرجع إليها- قَدَّم اللغوي الأمريكي شارلز فيرجسون هذا الاصطلاح إلى الإنجليزية، إذ بحث أربع حالات لغوية تتميز بهذه الظاهرة، وهي: العربية واليونانية والألمانية السويسرية، واللغة المهجنة في هايتي. كما قَدَّم فيرجسون تعريفه المعروف لهذه الظاهرة:
" حالة لغوية ثابتة نسبياً، يوجد فيها فضلاً عن اللهجات الأساسية (التي ربما تضم نمطاً محدداً أو أنماطاً مختلفة باختلاف الأقاليم) نمط آخر في اللغة مختلف، عالي التصنيف (وفي غالب الأحيان أكثر تعقيداً من الناحية القواعدية) فوقي المكانة، وهو آلة لكمية كبيرة ومحترمة من الأدب المكتوب لعصور خلت، أو لجماعة سالفة. ويتعلم الناس هذا النمط بطرق التعليم الرسمية، ويستعمل لمعظم الأغراض الكتابية والمحادثات الرسمية، لكنه لا يستعمل من قبل أي قطاع من قطاعات الجماعة المحلية للمخاطبة أو المحادثة العادية"([3]).
دعا فيرجسون هذا النمط "المرتفع" وهو الفصحى، وقارن استعماله "بالمنخفض" وهو النمط العامي، وأعطى نموذجه التالي لاستعمالات كل منهما لتوضيح الفروق المذكورة:([4])
الحالة
عال
منخفض
1- الوعظ في المسجد (أو الكنيسة)
×
2- التعليمات للخدم والعمال والكتبة
×
3- الرسائل الشخصية
×
4- الخطبة في مجلس الأمة، الحديث السياسي
×
5- محاضرات الجامعة
×
6- الحديث مع الأصدقاء والزملاء وأفراد العائلة
×
7- إذاعة الأخبار
×
8- التمثيليات الاجتماعية في الإذاعة
×
9- افتتاحية الصحف، أخبار الصحف والعناوين
×
10- التعليق على الكاريكاتير
×
11- الشعر
×
12- الأدب الشعبي
×
ويمضي فيرجسون في المقالة نفسها ليتنبأ بما ستكون عليه الحالة اللغوية في اللغات الأربع المذكورة بعد القرنين القادمين، وعلى وجه تقديره عام 2150. والجزء الخاص بالعربية جدير بالذكر هنا، ويفسر لنا أيضاً بعض الاتجاهات والدعوات في العالم العربي. يتوقع فيرجسون أن يكون هناك تقدم بطيء نحو تطور مجموعة من الأنماط اللغوية يرتكز كل منها على إحدى العاميات مع مزيج من مفردات الفصحى. وهناك بناءً على توقعه ثلاثةُ أنماط رئيسية: أولها العربية المغربية، وترتكز على عامية الرباط أو تونس؛ وثانيها المصرية، وترتكز على عامية القاهرة؛ والثالثة ما أسماه المشرقية، وترتكز على عامية بغداد. ويضيف فيرجسون مكملاً توقعاته أنه بناء على تطورات سياسية واقتصادية غير متوقعة، فلربما نشأ نمط جديد للعربية في سوريا، مرتكزاً على عامية دمشق، وآخر سوداني يرتكز على عامية أم درمان أو الخرطوم، أو أنماط أخرى على حد قوله.([5])
ودعا فيرجسون في ختام مقالته المختصين لدراسة هذه الظاهرة بشكل أوسع. وقد تم ذلك بالفعل، وخاصة بين علماء اجتماع اللغة. يقول دل هايمز([6]) اللغوي الاجتماعي الأميركي تعليقاً على مقالة فيرجسون: إن الازدواجية مثال ممتاز لتعايش نظامين غير متبادلي الفهم، (ويقصد هنا الفصحى والعامية، وصعوبة فهم الفصحى على العوام)، وترابط كل من هذه الأنظمة بمفاهيم وقيم مختلفة، وكمثال لضرورة الرجوع إلى الجماعة المحلية للتحكيم لتجنب أي تحريف أو تشويه قد ينشأ بحالة الاتصال. وكذلك تعرّض لهذه الظاهرة بالدرس كل من جمبيرز Gumperz وفشمان Fishman؛ فقد أضاف جمبرز في أعماله الكثيرة ذات العلاقة بهذه الظاهرة([7]) أن الازدواجية ليست حصراً في المجتمعات المتعددة اللغات، التي تعترف رسمياً بعدة لغات، ولا في المجتمعات التي تتكلم أنماطاً عامية وفصحى، ولكن في المجتمعات التي تستخدم لهجات منفصلة، أو أساليب مختلفة، أو أي أنماط أخرى تخدم وظائف مختلفة. كذلك بحث النماذج الاجتماعية التي تحدد استعمال نمط دون آخر. أما فشمان([8]) فقد لخَّص ما قدّمه لدراسة هذه الظاهرة بأنه تناول استمرارية الازدواجية وتعطيلها على المستوى القومي والاجتماعي. وحاول ربط الازدواجية ببعض الاعتبارات النفسية وما يختص منها بثنائية اللغة bilingualism بشكل رئيسي، ودرس نماذج من الجماعات التي تتميز بالازدواجية والثنائية، وبالازدواجية دون الثنائية، وبالثنائية دون الازدواجية، والجماعات التي لا تعاني من الازدواجية أو الثنائية. وقبل سنوات قليلة، تناول ألن كي([9]) A. Kaye تعريف الازدواجية بشكل مختلف، إذ انتقد تعريف فيرجسون لها، ووصفه بأنه "انطباعي". ونظر إلى وضع الازدواجية كوضع لا يميل إلى الاستقرار والثبات كما فهمه فيرجسون؛ كذلك فهم الفرق بين النمطين الأساسيين للعربية الفصحى والعامية بأنه الفرق بين نمط معرف "defined"، وهو العامية، وغامض التعريف "ill defined" وهو الفصحى. فالعامية في رأيه نمط معرف، لأن الطفل يتعلمها لغة أولى، أما الفصحى فإنها نظام غامض التعريف لأنها لا تكتسب لغة أولى، بل يتعلمها الطفل فيما بعد في المدرسة. وفي اعتقاده أنه لوجود تفاعل مستمر بين النظامين، لا يمكن أن نستنتج بأن الوضع الازدواجي يميل إلى الثبات، بل على العكس هو متغير.
لقد اعتُبر الوضع الازدواجي في أية لغة أنه يشكل عوائق مختلفة للناطقين بتلك اللغة؛ كما اعتبره الكثير من الباحثين عائقاً للتعليم وللتطور التربوي والاقتصادي والتماسك القومي. يقول الباحث سوتيرو بولص([10]) الذي تناول بالتفصيل الوضع القائم باليونان، حيث كان لأمد قصير التنازع بين الفصحى والعامية كلغة للبلاد (لقد حلت المشكلة في اليونان قبل بضعة أشهر بتبني العامية "ديموتيكا" لغة رسمية للبلاد، وترك الفصحى "الكاثارفوسا" بناء على قرار حكومي) في وصف انعكاسات الازدواجية اللغوية:
... "وإن تكن الازدواجية، وبشكل موضوعي، أداة بارعة للضرورة، فإنها من وجهة النظر الاقتصادية والتماسك القومي وفعالية التعليم والاتصالات وأجهزة الإعلام لعائق. وبالإضافة إلى ذلك، إذا اعتبرنا أن وظيفة اللغة ليست للاتصال وحسب؛ وحقيقة أن اللغة تخدم احتياجات الشخص والمجتمع العاطفية والمعرفية والنفسية، فإن وجود الازدواجية في الجماعة اللغوية لذو آثار محددة، بل معقدة لقوتها التعبيرية. الازدواجية رمز وتذكرة للصراع الاجتماعي ونقص التماسك الاجتماعي".
هل يَصدُق هذا على العربية؟ إن كان الحال كذلك فكيف الطريق لتجنب تلك العوائق؟ هل للعربية وضع خاص يختلف عن غيرها من اللغات؟ سأحاول الإجابة عن هذه الأسئلة بعد أن أحدد المشكلة في سياقها العربي. لذلك سأبدأ ببحث أربعة أنماط للغة العربية، يعرف منها العرب الفصحى والعامية؛ أما النمطان الآخران فقد أبرزهما كتّاب غربيون أو عرب تعلموا بالغرب وبأمريكا خاصة. ولو وضعنا الأنماط الأربعة على خط مستقيم لوجدنا الفصحى على طرفه الأيمن، والعامية على طرفه الأيسر، وقارب كل من النمطين الجديدين أحد الطرفين. والأنماط الأربعة هي العربية الفصحى، العربية الحديثة، عربية المثقفين والعامية. سأبحث تلك الأنماط مبيناً بعض الاتجاهات نحو الأنماط، مناقشاً ومبيّناً بعض آراء الدارسين الغربيين لظاهرة الازدواجية في اللغة العربية.
1- العربية الفصحى؛ وهي ما يسميه الغربيون Classical Arabic أو Fusha Arabic وما سماه فيرجسون بالنمط العالي أو "المرتفع".
الفصحى بالدرجة الأولى هي لغة القرآن ولغة الإسلام، وهي الوسط الذي انتشر به الإسلام ديناً وثقافة. والعلاقة بين العربية الفصحى والإسلام علاقة عضوية حميمة. قال تعالى: "إنا أنزلناه قرآناً عربياً"، وقال: "بلسان عربي مبين". ولا غرو أن يكون هذا السبب الأول في احتفاظ العرب، على اختلاف مآربهم وأهوائهم عبر التاريخ، ورغم كل ما يبذله الغازون والمستعمرون عبر التاريخ العربي الإسلامي من جهد في سبيل تحويرها أو تحريفها أو إبدالها بلغة أخرى. ولا بد من نظرة عميقة في هذه العلاقة بين العربية والإسلام، التي تنعكس في آراء المسلمين في بلاد منها الصين وبورما وأفغانستان وروسيا السوفيتية وغرب إفريقيا، وفي آراء ومعتقدات العرب منهم خاصة، حتى ندرك قيمة هذه اللغة ومدى تمسك المسلمين بها. وقد حاول عدد من المفكرين المسلمين أن يشرحوا أو يبينوا هذه العلاقة وللفكر الغربي بالذات، وللمستغربين في تفكيرهم. فعلى سبيل المثال يقول الشيخ عناية الله الأستاذ في جامعة البنجاب، في مقالة نشرتها مجلة Islamic World في توضيح هذه العلاقة([11]):
"العربية ذات أهمية عظمى، لكونها اللغة الدينية للمسلمين الذين يكوّنون خمس الجنس البشري ... ويتم التأكيد في القرآن الكريم مراراً وتكراراً على حقيقة أن كلمة الله قد أوحي بها باللسان العربي. ومن طرف العالم الإسلامي إلى الطرف الآخر، ومهما كانت لغة المسلم، سواء أكانت بربرية أم حوساوية أم بشتو أم فارسية أم تركية أم جاوية أم ملاوية، فإن الصلوات تقام خمسة أوقات بالعربية يومياً. أما الكلمات الأساسية في العقيدة الإسلامية – لا إله إلا الله محمد رسول الله- فإنها تهمس في أذن الوليد، ومن بين أولى الجمل التي يعلم الطفل أن ينطق بها، وينبغي أن تكون هي الكلمات الأخيرة على شفاه الميت".
ويستطرد الشيخ عناية الله:
"بدون العربية يكون فهم الإسلام ناقصاً؛ ولأي فهم للأفكار المؤثرة بطريقة حياة المسلمين وعقائدهم التي يعتبرونها أكثر الأشياء قدسية، ومبادئ دينهم وأخلاقهم التي ينشأون عليها، علينا أن نعود للعربية فهي الأداة الأصيلة لكل العلوم الدينية في الإسلام".
من هنا نبع الاعتقاد بقدسية اللغة العربية بشكلها الفصيح. وقد أثر هذا الاعتقاد تأثيراً واضحاً باتجاهات العرب نحو لغتهم. يقول أنور شحنة([12]) في كتابه المعروف في الغرب عن اللغة العربية وأهميتها في التاريخ واصفاً أثر هذا الاعتقاد:
"إن الإيمان بقدسية القرآن فيما يتعلق بمعانيه وكلماته، وحتى أدق تفصيلاته، أصبحت تشمل وتحتوي اللغة العربية بكليتها. إن مسألة كون العربية أعطية الله – وبناء عليه فهي فوق اللغات جميعاً بجمالها وثروتها ونبلها- قد استحوذت بعمق على اهتمام وتفكير فقهاء اللغة ومشرعي الإسلام والفلاسفة والفقهاء وغيرهم".
إن ما لا يفهمه الغربيون والمستغربون من أعداء أمة العرب هي هذه العلاقة العضوية الحميمة بين الإسلام والعربية، وما لها من انعكاسات على تفكير المسلمين، ومنزلة هذه اللغة بأنفسهم. وعلاوة على ذلك كله ما تركته هذه اللغة من آثار على استمرار الخط الحضاري المتماسك للعرب والمسلمين. فبالإضافة إلى كونها لغة الإسلام، فقد كانت اللغة التي سُجّلت بها الحضارة العربية الإسلامية وحُفظت. ولا نستطيع أن نعطي هذه النقطة حق قدرها إلا إذا أمعنا التفكير فيها، ووضعنا الفرضيات المختلفة فيما لو كان الحال غير ذلك. دعني هنا أقتطف بعض ما قاله المستشرق كاشيا في تبيان توضيح هذا الأمر؛ يقول كاشيا:
"فوق ذلك كله فإن الفصحى هي مفتاح تلك الكنوز الضخمة من الماضي ... ثباتها لم توازه أية لغة. وفي هذا اليوم يستطيع أي عربي في المرحلة الثانوية من تعليمه، إن كان مهتماً وقادراً على بذل قليل من الجهد، أن يعبر إلى (ويكون في متناوله) السجل الكامل للألف وثلاثماية عام الماضية"([13]).
هل يستطيع الإنجليزي أو الفرنسي أو الإسباني عمل ذلك؟ هل يستطيع التركي أو الطلياني عمل ذلك؟ هل يستطيع أي شاب من تلك الجنسيات أن يقرأ تراث أمته كما كتب لفترة ما قبل ألف عام مثلاً؟ وحتى خمسماية عام؟ تتمنى الأمم أن يكون أبناؤها قادرين على دراسة تراثها لهذه الفترة الزمنية. إن الإنجليزي، على سبيل المثال، لا يستطيع أن يقرأ أي شيء من تراثه بشكله الأصلي مما يزيد تاريخه على خمسماية عام؛ وحتى ذلك من الصعوبة بمكان. إننا لن نستطيع إدراك أهمية ذلك إلا إذا أدركنا قيمة الاستمرارية الحضارية على المستوى الإنساني وبشكل شامل.
بالإضافة إلى هذه العلاقة مع الإسلام فإن علاقة العربية بالقومية العربية والوحدة العربية ليست أقل من ذلك بمكان؛ فهي عماد القومية العربية، وأحد أهم مكوناتها، كما أوضح ذلك عدد كبير من كتاب العالم العربي وأدبائه، ومن بينهم ساطع الحصري في معظم كتاباته في هذا الميدان.([14]) كذلك ما زالت العربية بشكلها الفصيح أكبر قوة موحِّدة، في عالم عربي تتنازعه قوى التفتت، بعد الإسلام. وهنا أود أن أقتطف بعض ما قاله الأستاذ السابق في الجامعة الأميركية في بيروت ريتشارد يوركي في مقدمة لمحاضرة ألقاها في قاعدة لاكلانز الجوية الأميركية، بمجموعة من العسكريين الأميركيين الذين يدربون مبعوثي بعض الجيوش العربية في أميركا. يقول يوركي:([15])
"وعلى اختلاف تلك الدول وتشعبها، هناك قوة موحِّدة عظيمة واحدة: العربية الفصحى؛ هذا النمط من العربية الذي تَحمَّلَ وثَبَتَ لألف وخمسماية عام خلت، والذي يعتبر لغة القرآن المقدسة، ويحترم تراثه الأدبي الهائل. بشكل رئيسي، لم تتغير هذه النوعية من العربية منذ عهد محمد؛ وهي تراث عام يوحد جميع العرب: ذلك العربي الفرنسيّ الثقافة في المغرب، وذلك الكاتب الإنجليزي التعليم في فلسطين، وذلك البدوي الذي ما زال متنقلاً في الحجاز، جميعهم يتقاسمون احتراماً شبه أسطوري لفصاحة ومرونة العربية، وبشكل خاص ما دعاه المستشرق البريطاني جب "لغة الأدب الثمينة، والمزينة بخيال غالباً ما يكون ساحراً ومترامي الأطراف".
بالرغم من تلك الوظائف التي تؤديها، وأدَّتها، العربية الفصحى، إلا أنها وصفت وتوصف من قبل أبنائها أحياناً وأعدائها أحياناً أخرى بالجمود والاصطناعية والصعوبة المتناهية، خاصة من قبل الداعين إلى العامية.
كذلك يعتبرها عدد من الباحثين لغة "غير طبيعية"، لأنه ليس هناك من يتعلمها لغة أولى، بل يتعلمها الطفل لغة ثانية في المدرسة. وهذا الكلام، ولا شك، نابع عن جهل؛ إذ إن الكثير من اللغة العربية الفصحى يتعلمه الطفل أثناء اكتسابه لعاميته. أما صعوبتها وصعوبة تَعَلُّمها فيتذرع الداعون لذلك بصعوبة نحوها الذي كتب قبل ما يقارب ألف عام، وقلما تغيّر بعد ذلك. بالرغم من ذلك فإنه يشهد لها كواحدة من أغنى، إن لم تكن أغنى، لغات العالم بمفرداتها. ورغم أن فيرجسون، في مقالة ثانية عما دعاه خرافات عن اللغة العربية، يدرج هذه كإحدى الخرافات، إلا أنه يدعمها كحقيقة بقوله إن ذلك ناتج عن الاستمرار الطويل في استعمال الفصحى، ودوام إثرائها من اللهجات وطرق النحت الأخرى.([16])
2- العامية أو المحكية أو الدارجة؛ وهو النمط الذي يسميه الباحثون الغربيون Colloquial Arabic أو Spoken Arabic.
في الكثير من الأبحاث المنشورة عن العربية، هناك تركيز على الفكرة القائلة بأن اللهجات العامية تطورت عن الفصحى، بعد اتساع رقعة الدولة العربية الإسلامية، واتصال الشعوب العربية بشعوب أخرى بالإضافة إلى توزيعهم الجغرافي. لا داعي هنا لمناقشة هذا الرأي، لكن هناك الكثير من الدلائل التي تشير إلى أن اللهجات العربية قديمة قدم اللغة العربية نفسها؛ وما الفصحى مقارنة بتلك اللهجات إلا لغة أدبية مشتركة، كَتَبَ بها الشاعر الشمالي والجنوبي والشرقي والغربي، على اختلاف لهجاتهم المحلية تبعاً لاختلاف لهجات قبائلهم.
كذلك كانت هذه اللغة الأدبية هي أداة التفاهم في اللقاءات والأسواق الأدبية. يخلص الدكتور محمود حجازي في كتابه "اللغة العربية عبر القرون"([17]) إلى نتيجة أنه انطلاقاً من وجود هذه اللغة الأدبية فإنه "من الطبيعي أن يكون القرآن الكريم بلسان عربي مبين"، وأن لا يكون محلياً في التعبير بلهجة ما، بينما الإسلام دعوة إلى تجاوز المحلية القبلية إلى أفق عالمي أرحب. وقد اعتبر عدد من الباحثين أن هذه اللغة الأدبية هي لهجة قريش. وقد تبنى من بين المحدثين الدكتور صبحي الصالح في كتابه "دراسات في فقه اللغة" وجهة النظر هذه ودافع عنها.([18]) بالرغم من ذلك فإن اللغويين العرب لم يبدوا اهتماماً باللهجات ودراستها؛ ومردّ ذلك غلبة التشابه بين هذه اللهجات من جهة، وبينها وبين اللغة الأدبية من جهة أخرى، وسهولة التفاهم، أو وجود ما يسمى بالنظرية اللغوية الحديثة، "الفهمية المتبادلة" (Mutual intelligibility) بين هذه اللهجات واللغة الأدبية. بالرغم من عدم الاهتمام الفائق ذلك، فإن هناك إشارات للمزايا البارزة لكل من هذه اللهجات واختلاف بعضها عن بعض، أورد الكثير منها ابن جني في الخصائص([19]). ومن الطبيعي أن يكون التركيز على المزايا البارزة، وخاصة في حقل الأصوات؛ وهو حقل يثير الاهتمام والملاحظة. وجملته المشهورة تلخص بعض الخصائص البارزة لتلك اللهجات حين قارنها بلهجة قريش "فقد ارتفعت قريش في الفصاحة عن عنعنة تميم، وكشكشة ربيعة، وكسكسة هوازن، وتضجع قيس، وعجرفية ضبة، وتلتلة بهراء"، كما ورد المزيد منها في المزهر([20]) كالفخفخة في لغة هذيل، والعجعجة في لغة قضاعة، وشنشنة اليمن، ولخلخانية اعراب عمان، وطمطمانية حمير ... إلخ.
لكنه باتساع رقعة الدولة العربية الإسلامية، ومخالطة الأعاجم، والاتصال بلغات مختلفة ومتعددة الأصول والفروع، أخذت الفوارق تزداد بين تلك اللهجات من جهة، وبينها كمجموعة وبين الفصحى من الجهة الأخرى. وبالرغم من اتساع الفوارق، إلا أن انتشار الفصحى لم يتوقف؛ إذ كانت هي الأساس، وأصبحت لغة العلم والسياسة والإبداع والتأليف والترجمة فيما بعد. ثم أخذت في الركود في العصور المتأخرة، حتى كان الحكم العثماني ومحاولات التتريك، ثم الاحتلال الفرنسي ومحاولات الاحتواء والضم بالقضاء على العربية، والاحتلال الإنجليزي ومحاولات التجزئة بضرب الفصحى. وهكذا زاد اتساع الشقة بين اللهجات والفصحى بزيادة استعمال اللهجات، وقلة استعمال الفصحى، حتى وَصَف بعضهم الفصحى بأنها لغة ثانية، وأصبح الاعتقاد الشائع أن الفهم المتبادل بين اللهجات ضعيف.
ينظر العربي بشكل عام للهجته بالنسبة للفصحى على أنها ليست ناقصة وحسب، بل إنها تشويه للغتنا المقدسة، لغة الفصاحة والأدب. وقد وُصفت العاميات بأقذع الألفاظ من قبل الأدباء والكتاب العرب، فهي مصاحبة للجهل والسوقية، كما قال عبدالملك([21]) لغة السكارى والخدم ... فوضوية ولا قواعد لها، كما يقول مبارك([22]) علامة للجهل والإمبريالية، كما يقول ناصيف([23])، لا تستحق أن تسمى لغة، ولا تلائم أهداف الحياة الثقافية، كما يقول طه حسين([24])، ينشرها ويحبذها الأميون، كما يقول فهمي([25]) ... إلخ. وبعض هذه الأوصاف مبالغة في الاتهام وتنقصه العلمية؛ فللعامية قواعد، وتستطيع كتابتها إن كان ذلك ذا جدوى؛ وهي تميل إلى التبسيط في النحو، إذ تلغى الحركات وتقلّ الأوزان والتمييزات؛ ولكن هناك أسساً أمتن من ذلك للحكم على العامية وتفضيل الفصحى. وبالرغم من هذه الاتجاهات السلبية نحو العامية في العالم العربي، فإن العامية تقوم بوظائف جديدة في عالمنا، ربما تستمر ولردهة من الزمن، وذلك لارتفاع نسبة الأمية. يقول صالح الطعمة في كتاب نشرته جامعة هارفارد في أميركا واصفاً هذه الوظائف([26]):
"إن تطور أشكال جديدة من الأدب والدراما، والاستعمال المكثف لوسائل الإعلام، قد زود العامية بوظائف مهمة في بعض الحالات، كما في الفنون المحلية: كالأغاني، والسينما، فإنها تخدم كلغة أساسية. وفي أشياء أخرى، كالدراما والقصص، فقد أخذ استعمال العامية يزداد ويركّز عليه، وخاصة في الأعمال الموجهة للمشكلات الاجتماعية".
لا شك في أن العامية تميل إلى التبسيط، وخاصة في القواعد؛ إذ على سبيل المثال تختفي صيغة المثنى تقريباً، وينقص عدد الضمائر، وتختفي معظم أوزان الجمع، وصيغ الأفعال، وكذلك تختفي حركات الإعراب ... إلخ. لكن هذا التبسيط هو لا شك على حساب القدرة على التعبير، ويتناسب طردياً مع تضييق الآفاق لا توسيعها. كذلك فإن العامية قاصرة عن أن تفي بالتعبير عن الأمور الثقافية والفكرية والفلسفية؛ وعلى المتكلم في هذه المواضيع أن يعود إلى الفصحى ليمزجها بتراكيب العامية، إن أراد التعبير عما يقول بشيء من الدقة.
هناك بين هذين النمطين، الفصحى والعامية، نمطان آخران من ابتداع دارسي العربية والمهتمين بالظواهر اللغوية في الغرب، وهما ما يسميان بعربية المثقفين Educated Arabic والعربية الحديثةModern Standard Arabic (M.S.A).
3- عربية المثقفين Educated Arabic. عربية المثقفين اسم جديد لنماذج العاميات الإقليمية، وداخل الإقليم الواحد، مع الفصحى في كلام المتعلمين من إقليم عربي واحد، أو من أقطار عربية مختلفة حينما يجتمعون. وقد قام بدراسة تحليلية لهذا النمط عدة باحثين، أخص بالذكر منهم ثلاث دراسات قام بها "حاييم بلانك"([27]) عندما حلل كلام أربعة من الطلبة العرب القادمين إلى أميركا (1960)؛ وشعبان([28]) الذي حلل كلام ستة من الطلبة العرب (لبنانيان، وسعودي، وعراقي، وعماني، وتونسي)؛ وزغول([29]) الذي حلل كلام عشرة من الطلبة العرب (سعودي، ومصريان، وعراقي، وجزائري، وأردنيان، وسوداني، وعماني، ومغربي).
اتفقت نتائج هذه الدراسات الثلاث على أن ترتيب الكلام يبقى عامياً؛ كذلك يبقى النحو والصرف عامياً. ولكن هناك ميلاً لاختيار الألفاظ من الفصحى؛ كما أن هناك ميلاً لاستعمال أصوات الفصحى، وخاصة الصحيحة منها. لكن هناك انتقالاً للاصطلاح الأجنبي في كثير من الأحيان. إن هذا النمط خليط من العامية وبعض جوانب الفصحى، لكنه يبعد عن الفصحى كثيراً. يقول بلانك مثلاً في ختام دراسته:
"إنه الاستثناء وليس القاعدة أن تجد أي كلام متواصل في أي من الأنماط المشار إليها (الفصحى أو العامية)؛ إذ يميل المتكلم إلى التنقل من نمط لآخر، وفي داخل الجملة الواحدة".
ويستنتج شعبان: "تبقى عربية المثقفين بغالبيتها تحت سيطرة العاميات وخصائصها، خاصة في مجالي الأصوات والقواعد؛ والركون إلى الفصحى يعتمد على الموضوع المثار، وبلد المتكلم، ومعرفته باللهجات الأخرى.
4- العربية الحديثة أو ما يسمى في الغرب
Modern Standard Arabic (MSA) أو Neo-Classical Arabic.
لقد تطور هذا النمط من العربية بنمو الصحافة وتطورها وانتشار وسائل الإعلام؛ ويقصد به تلك النوعية من العربية التي تكتب بها الصحف، وتذاع بها نشرات الأخبار والبرامج الثقافية في الإذاعة والتلفاز. يختلف هذا النمط قليلاً عن الفصحى، وما هو إلا تبسيط للفصحى من بعض الجوانب، وذلك ليكون الكلام مفهوماً لأي عربي يجيد القراءة والكتابة. وهذا كذلك ما سماه الأدباء العرب قبل حين "لغة الجرايد". للمثقف العربي ليست هناك فروق واضحة، إذ ما تزال أصوات الفصحى نفسها تستعمل، وكذلك قواعد النحو والصرف نفسها.
والفرق الوحيد الذي يستحق الذكر هو الميل إلى استخدام الشائع من الألفاظ، والبعد عن الاغراب، والمرونة الزائدة أحياناً تجاه استعمال العبارات المترجمة (مثل يلعب دوراً هاماً، في الجانب الآخر، إلخ) والألفاظ المستعارة من اللغات الأجنبية.
إن مفهوم ما يسمى بالعربية الحديثة، غريب عن العالم العربي؛ والكل يفترض أن هذا النمط هو الفصحى بعينها. ومِن غير المتخصصين الذين تلقوا تعليمهم في بريطانيا أو أميركا، هناك القليل ممن يعلمون بوجود هذا النمط. إن وجد فعلاً. بالرغم من ذلك فإن بعض الباحثين قد بالغ في تقدير هذا النمط خطوة نحو تحديث العربية وتسهيلها. وآراء الباحث جارسلوف ستيتكيفتيش([30]) التي ضمّنها في دراسة من أوسع الدراسات عن العربية الحديثة، والتي نشرت في كتاب في الإنجليزية، جديرة بالعرض والتمحيص لأهميتها وحتى خطورتها في بعض الأحيان. يقول ستيتكنفتش في خلاصة كتابه عن هذا النمط من العربية([31]):
"إن المفهوم الخادع بأن هذا النمط من العربية غير مطعم لموجود؛ إذ نادراً ما سيكون القاموس ذا فائدة في تتبع آثار الابتعاد عن الفصحى. والتوسعات في المعنى الواردة واسعة وشفافة لدرجة أنها لا تعيق استيعاباً مرضياً. توسيع الصفات يدعمه السياق التشبيهي، والانطباع العام هو أن تلك لغة واضحة ودقيقة بحيث لا يتردد الشعراء والكتاب في استعمالها؛ ونادراً ما يركز النقاد على خصائصها. وفي الحقيقة فإن الانطباع المتزايد هو أنه لا يبدو أن هناك ما يميز ما يختص بهذا النمط. وهي ليست "بلغة الصحفيين" كما كانت تسمى قبل خمسين عاماً. كذلك فإنها ليست اختراعاً جديداً أو صرعة. لقد غمر الوضوح الطبيعي في هذا النمط المصطلح المستعار، حتى أصبح من الصعب التمييز بأن هذا النمط غريب أو خارج عن العربية الفصحى. وفي الوقت نفسه فإن قليلاً من مستعملي هذا المصطلح العربي الجديد يعلمون مدى قربهم من آفاق لغوية جديدة. يستطيع المترجمون الآن دون عناء، وبسهولة فياضة أن ينقلوا العربية المعاصرة للغات الحديثة الأخرى، والعكس بالعكس.
كذلك تظهر المحبة والألفة اللغوية على التباين الذي ساد سابقاً. كذلك يجد العرب اللغات الأجنبية أسهل، والآخرون يرون العربية أسهل كذلك".
ويمضي ستيتكيفتيش بعيداً في استنتاجاته ليصل إلى نتيجة أن قواعد اللغة العربية الحديثة لم تبدأ بالابتعاد وحسب عن العربية الفصحى، لكنها بدأت تتسبب في غربنة ديناميكية التفكير في العربية؛ وأن العربية كلغة قد تعدت حدودها من الوجهة السلالية، من لغة سامية لتدخل مجموعة اللغات الأوروبية الحديثة الفوق السلالية. ونتيجة ستيتكيفتش التي ينهي بها كتابه جديرة بالتمحيص، خاصة من الهيئات المشرفة على التخطيط اللغوي في العالم العربي. يقول ستيتكيفتش:([32])
"من خلال مفرداتها (الغربية) الجديدة، وسياق صقل التفكير الذي تقوم به المفردات، وأخيراً وليس آخراً من خلال تلك الثروة العظيمة والتنويع لتلك النماذج الاصطلاحية المستوعبة، وأشباه الجمل الأدبية المستعارة، فإن العربية الحديثة قد تعدت حدود سلالتها النسقية، وإنها قد دخلت بصلة ألفة مضماراً لغوياً حضارياً مع عائلة جديدة فوق سلالية من اللغات الأوروبية الحديثة. أما عملية استيعابها في الغرب فقد بدأت حديثاً، لكن تهيئتها ثابتة وخطاها بالطبع سرية. تستمر العربية الحديثة من ناحية صرفها لغة ساميّة، وإلى حد بعيد ما زالت الفصحى في هذا المجال؛ لكن بقاءها ضمن هذا التعريف سيكون غلطة. فجلّ تركيب نحوها الآن يتمشى مع ديناميكية تفكير غير ساميّة إلى حد بعيد. فالعقل العربي الحديث يتحول إلى فرع للعقل الغربي الحديث، ويحتفظ بالقليل القليل من صلابة ديناميكية التفكير الساميّة. والعقل العربي الحديث يتحول إلى استمرار للعقل الغربي، ولهذا فإنه يحتفظ بالقليل من عادات التفكير الساميّة المتصلبة، وكذلك بالقليل من القوالب الكلاسيكية والخصائص التركيبية. وإن روحاً لغوية ثقافية حديثة مشتركة تتطور الآن لتكون العامل المعرف للعربية الحديثة".
لا شك في أن ستيتكيفتش يبالغ في نتائجه بتأثير اللغات الأوروبية على العقل العربي، وطريقة التفكير العربية من خلال التأثير اللغوي. لكن تلك الاستنتاجات لا تخلو من الكثير من الصحة. يعارض هذا الرأي لستيتكيفتيش نجم بزرقان، أستاذ الأدب العربي والفلسفة السابق في جامعة تكساس بأميركا، في مقالة له، إذ يقول بأن هناك تياراً جديداً في الكتابة العربية وهو يمثل الميل إلى الكتابة بأسلوب مشابه لأساليب الكتّاب العرب في الفترة الوسطى. ويستشهد بزرجان بكتاب مصير لسركيس وكتاب عبدالله لكرم كأمثلة لهذا التيار. كذلك يقول بزرجان بأنه رغم التغييرات التي اعترت العربية الحديثة في نحوها وأسلوبها فهي استمرار للفصحى؛ ولذلك فإنها "تشهد بانتصار دعاة الفصحى على خصوم أبطال العامية في المعركة التي استعرت في نهاية القرن التاسع عشر، واستمرت للعقود الثلاثة الأولى من القرن الحالي".([33])
إن الجانب التاريخي لقضية الازدواجية يقدم العمق لتفهم تلك المشكلة وجوانبها المختلفة، كذلك فإن هذا الجانب يقدم تفسيراً للكثير من الدوافع لبعض الدعوات في العالم العربي. وفيما يلي سأعرض لما أسميته مراحل ثلاثاً لهذا التطور التاريخي.
1- مرحلة الاهتمام الغربي
كان أول من أبرز الفصل بين العامية والفصحى بعض المدارس الأوروبية التي أسست برامج لتدريس العامية فيها.
لقد بدأت تلك البرامج في إيطاليا عام 1727 – مدرسة نابولي للدراسات الشرقية – وفي النمسا عام 1754، وفي فرنسا عام 1795، وفي روسيا عام 1814، وفي بريطانيا عام 1856. وقد استخدمت تلك المدارس عرباً لتدريس العامية وكتابة قواعدها. أما الأوروبيون الذين عاشوا في العالم العربي، وهم موظفو الاستعمار البريطاني والفرنسي في البلاد العربية، فلم يخفوا كيدهم للفصحى أبداً؛ وقد أبدوا إعجابهم بالعامية، وقاموا بحملات صليبية لإظهارها وإحلالها محل الفصحى. من أشهر هؤلاء مهندس الري البريطاني وليم ولكوكس. في سلسلة من المحاضرات والمقالات نُشر بعض منها في مجلة الأزهر، شنّ ولكوكس هجوماً لا مثيل له على الفصحى في أشهر اثنتين من محاضراته: واحدة بالعربية "لماذا لم يكن للمصريين قوة الاختراع"، والثانية بالإنجليزية وعنوانها "سوريا ومصر وشمال إفريقيا ومالطا يتكلمون القرطاجية لا العربية"، عزا فيهما ولكوكس أسباب تأخر المصريين، ونقص الاختراعات عندهم، وقلة الأصالة في تفكيرهم، إلى استعمال الفصحى التي نعتها بأنها لغة ميتة.
أما القاضي ويلمور فقد جدد الدعوة لتبنّي العامية وكتابتها بالحروف اللاتينية. وتعاقب كثيرون بعد هؤلاء.([34])
2- مرحلة الإقليمية رداً على القومية العربية
بعد ثورة عام 1919 في مصر، برزت مجموعة من الكتّاب يدعون لما نسميه الفرعونية المصرية، أو الإقليمية الضيقة. ولم يكن الاستعمار البريطاني مشجعاً للفكرة وحسب، بل متبنياً لها. وقد علق محمد حسين على هذه الحركة بأنها حركة استعمارية انفصالية كان وراءها الإنجليز([35]).
وقد دعت هذه الحركة إلى "مصرنة" اللغة والفن والأدب، واستعمال العامية المصرية كوسط لهذه الأشكال الأدبية. في هذه الفترة دعا أحمد لطفي السيد إلى ما أسماه "التسامح اللغوي"، وما قصده بذلك هو إصلاح الفصحى باستعمال ألفاظ من العامية، بالإضافة إلى الألفاظ المستعارة الأخرى في الكتابة([36]). أما محمد تيمور وسلامة موسى فقد دَعَوَا إلى النهوض بالعامية لتكون لغة قومية. وفي تلك الأثناء وفي عام 1943 فاجأ عبدالعزيز فهمي مجمع اللغة العربية بالقاهرة باقتراحه أن تكتب العربية بأحرف لاتينية؛ لكن هذه الدعوة التي سبقه إليها سلامة موسى ماتت بموته.
ومما يثير الاهتمام هنا هو أن أي دعوة انفصالية إقليمية تتسلح بسلاح تجزئة اللغة العربية بالدعوة إلى استعمال العامية. وعكس ذلك، أي الدعوات الاتحادية التي يهمها أن تبقى على وفاق تام مع العروبة والإسلام؛ فإننا دائماً نجد الدعوة إلى وحدة اللغة أحد أهم أركان الدعوة. ويصدق ذلك على أجزاء كبيرة حاول الاستعمار أن يقتطعها كلياً من الوطن الأم، إذ تعرضت لجميع صنوف الاضطهاد الفكري واللغوي والحضاري بقصد الضم إلى الدول الاستعمارية، ألا وهي أقطار شمال إفريقيا. وهذا تأييد مطلق للفرضية القائلة إن أولئك الذين يطمحون للانفصال يدعون للتجزئة، وأولئك الذين يدعون للوحدة والتماسك يتمسكون بالعربية ووحدتها. يقول شحنه في بحث الوضع اللغوي في شمال إفريقيا([37]):
كان الاهتمام الشمال إفريقي بالعربية يتركز على الاعتراف بها كلغة للشعب والدولة، ودون تأكيد على عمليتها كأداة للاتصال؛ إذ إن عدداً من قواد الحركات الاستقلالية كان أكثر طلاقة وقدرة في التعبير في الفرنسية لا بالعربية - وهذا الوضع كان محرجاً لبعضهم – وقد قام أحمد بن بلّا، رئيس الوزراء السابق للجزائر، بتأمين مدرس خصوصي في العربية حتى يستطيع استعمالها في جزائر مستقلة".
لقد توقعت دول شمال إفريقيا العربية أن تواجه صعوبات جمة في التعريب، وخاصة الجزائر وتونس ومراكش؛ لكن الجهود تظافرت وما زالت تتظافر بكل حيوية واندفاع نحو التعريب الشامل. يقول شحنه([38]) في هذا الصدد:
"لم تضعف جهود الشمال إفريقيين في سبيل تحصيل تعريب تام وكامل. فحال حصول تلك الدول على الاستقلال أعيد تأسيس العربية كلغة رسمية وشعبية، واتّبعت جميع الطرق لإعادة حيوية اللغة، بتأسيس مدارس متعددة، وبنشر الدوريات والكتب. وفي السنوات القليلة الماضية أصبح الشمال إفريقيون واعين للمشكلة اللغوية، ودأبوا في المحاولة لإيجاد الطرق لحلها، كما يثبت ذلك المؤتمر العربي المنعقد في الرباط عام 1961".
وعلى النقيض من ذلك فإن الطريق إلى "غربنة" العرب تبدأ بكتابة لهجاتهم وتطويرها، أو ما يسمى "النهوض بها"، إلى لغات قومية. ومن أروع الأمثلة لمثل هذا التحول هو مثال الجماعات الناطقة بالعربية في الاتحاد السوفيتي: فباسم جعل العربية لغة ديمقراطية كتبها السوفييت بأحرف سيرلية (العامية طبعاً)، وبهذا أنجز السوفييت، كما تقول باتيسون في كتابها "تشعيب هذه المجموعات، وقطعها تماماً عن القومية العربية، وعن نصيب من الثراء الثقافي القديم والجديد"([39]).
3- مرحلة الوعي العربي:
تبدأ هذه المرحلة بفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية؛ إذ بدأت الدول العربية تأخذ استقلالها ولو شكلياً من الدول المستعمرة. لقد واجهت تلك الدول مشكلات جمة، منها مشكلة ازدواجية اللغة لعلاقتها المباشرة في التعليم. وفي هذه الفترة أعيد طرح بعض المقترحات القديمة بالدعوة إلى العامية؛ ثم لبست هذه الدعوة ثياباً جديدة، فطرح أنيس([40]) في عام 1960 تعميم إحدى اللهجات العربية – المصرية- كلغة قومية، وكذلك طرح فريحة([41]) عام 1955 نمطاً عاماً يتكلمه المثقفون العرب. لكن الاهتمام بدأ ينصب على ما يسمى إصلاح اللغة وتيسير قواعدها. وفي هذه الفترة أيضاً نشطت المجامع اللغوية العربية، واجتمعت في دمشق عام 1957؛ وكان هناك شبه إجماع على رفض الدعوة إلى العامية رفضاً باتاً، واتخذت التوصيات لتسهيل العربية والرقي بها، ونشرت تلك التوصيات في حينه في مجلة مجمع اللغة العربية السوري([42]).
أستطيع القول وبكل ثقة أن الدعوة إلى العامية الآن لا تقابل بأكثر من الاستهزاء في الوسط الثقافي العربي، ولا أظن أن هناك عربياً يمتلك شيئاً من الولاء للعروبة أو الإسلام، أو كليهما، يتفوه بتلك الدعوة، وذلك لخطرها على الأمة العربية ووحدتها ووحدة تراثها واستمرارية تأثير ذلك التراث. وإن كانت الدعوة قد تلبس أثواباً جديدة، كثوب اللغة الوسطى، أو عربية المثقفين، فإن عمقها معروف، وبالتالي لا تختلف عن العامية شيئاً. وقد أيقن المثقف العربي من ذلك.
والمبدأ العام هو أن كل ما يعارض لغة القرآن وتراث العرب فهو موجه لضرب وحدتهم والتشكيك في هويتهم. ولو نظرنا في الدوافع النفسية للدعاة إلى العامية والكتابة باللاتينية لأيقنّا أي غيرة تدفعهم للسير في هذا الاتجاه. دعنا ننظر لبعض ما كتب سلامة موسى مثلاً تبريراً للدعوة للكتابة بالأحرف اللاتينية؛ وهذا مقتطف قصير من مقالة نشرتها مجلة شؤون الشرق الأوسط بالإنجليزية. يقول سلامة:
"لن يفاجأ الكاتب إن طالب العرب في يوم من الأيام بالأحرف اللاتينية لكتابة لغتهم. هذا الانتقال، إن تحقق، فلن يؤثر بحياتنا الثقافية والأدبية وحسب، ولكنه سيكون علامة لتغيُّر في اتجاهاتنا النفسية. سنرحب بالحضارة الصناعية الحديثة بقيمها الأخلاقية والثقافية والروحية. والمشاكل التي تبدو الآن صعبة الحل ستكون أسهل. لن نرفض استعمال الكلمات الأوروبية؛ لن نتعلق حينها بتراثنا الماضي وكأنه الدعم الوحيد لحياتنا ..."([43]).
هل نحن بحاجة لقيم وأخلاق وثقافة وروح الحضارة الصناعية الحديثة؟ هل غيّر اليابانيون لغتهم أو دينهم أو مُثل أخلاقهم عندما أصبحوا ينافسون أميركا صناعياً؟ حتى لو كنا بحاجة لذلك، فهل يتم ذلك إن غَيّرنا الطريقة التي نكتب بها لغتنا؟ إنه تفكير لا ينقصه شيء من مهارة إخفاء دوافع أخرى لا يجوز المجاهرة بها.
إن هناك مما أثبتته النظرية الحديثة ما يجعلنا نتمسك بفصيح لغتنا، بتضييق الشقة بينها وبين عامياتنا؛ كذلك هناك في الدراسات اللغوية التاريخية المقارنة ما يحتم علينا أن نتمسك بالفصيح، وإلا كُتب لنا التفرق والضياع، وذلك كله بجانب العوامل الدينية والقومية. وفي هذا الجزء من هذا البحث سأبحث العاملين السابقين وانعكاساتهما على الوضع اللغوي العربي.
لا شك في أن اللغة الواحدة، إن أمكن إيجاد مثل تلك اللغة للكتابة والحديث في البيت والشارع والمدرسة والمكتب، لهو وضع مثالي. لكن هل يمكن ذلك؟ إن ذلك شبه مستحيل، إذ إن كل لغة في العالم تواجه وضعاً ازدواجياً بشكل أو بآخر. لنضرب مثلاً في الإنجليزية: هل يتكلم الأميركي في تكساس بالطريقة نفسها التي يتكلم بها الأميركي في مساشوستس مثلاً؟ أو الطريقة التي يتكلم بها الأميركي في أهايو أو شيكاغو؟ ماذا نسمي كلام السود في أميركا مقارنة بالمستوى الكلامي العام للرجل الأبيض الحاكم؟ ما نسمي كلام الكوكني والسكوتلانديين مقارنة بكلام الملكة في بريطانيا؟ أليس ذلك أشبه بالفصحى والعامية؟ ألا يستطيع الأميركي معرفة مواطنه من أي بقعة في أميركا عندما يتكلم؟ إن ذلك يحصل في أميركا، البلد الذي تستطيع فيه أن تتكلم من الساحل الشرقي إلى الساحل الغربي ببضع ثوان، وأن تراقب نفس البرنامج التلفزيوني الذي يُبَث للشعب الأميركي كاملاً، وتنتقل أينما شئت دون سؤال أو جواب أو هوية أو جواز سفر أو تأشيرة أو تصريح. هل يستطيع الأبيض من الطبقة الوسطى في أميركا أن يفهم مواطنه الأسود أكثر مما يستطيع العربي من اليمن أن يفهم العربي في تونس؟ إن كلام الملكة في بريطانيا، وكلام الرجل الأبيض البروتستانتي الانجلوسكسوني في أميركا ليسا سوى مثيل للفصحى في لغتنا، مع فارق العاملين الديني والقومي. وما اللغة الفرنسية التي نطق بها التلفاز والمدرس في الجامعة والنخبة المثقفة من الفرنسيين إلا اللهجة الباريسية التي فرضتها الثورة الفرنسية إثر بيان ثوري، واتخذت قراراً باستعمالها والقضاء على العاميات التي كانت تسمى "الباتواز". لكن هل انتهت "الباتواز"؟ لا، لقد بقيت وستبقى، لكن المثقف الفرنسي يأبى التحدث بها ليتحدث باللهجة الباريسية عنوان الثقافة الفرنسية.
فالجانب الازدواجي طبيعي إذن وبأية لغة؛ لئن كان هناك أي فرق بين ازدواجية اللغة العربية واللغات العلمية الأخرى كالإنجليزية والفرنسية، فإنه فرق كَمّي، إذ ربما كانت الفجوة وما زالت أضيق بين الفصحى والعامية في تلك اللغات مما هي في العربية. وما ذلك إلا بسبب عمل القوانين الطبيعية للتغير اللغوي.
من طبيعة اللغة أن تتغير إن تُركت دون ضوابط. وهذا التغير قد يؤدي بفعل عوامل متعددة إلى خلق لغة جديدة. وهذا كان من الممكن أن يحصل للعربية لولا العوامل الدينية والقومية السالفة الذكر، التي احتفظت بالفصحى وبوحدة اللغة. وهذا الاحتفاظ قد زاد إثراءها وسعة ثقافتها ودوام عطائها للوحدة. وهذا جانب تحسدنا عليه الشعوب الأخرى. ولأوضح هذه النقطة دعني أسأل هذا السؤال:
تَخيَّلْ ماذا كان يمكن أن يحصل لو رفعنا اللهجات لمستوى اللغات القومية وكتبناها؟ وللإجابة عن هذا السؤال أود أن أستشهد بعبرة تاريخية يجب أن تبقى في أذهاننا كلما طلع صوت ناشز ينادي بالعامية في وطننا العربي.
ومثالي هو اللغة اللاتينية واللغات الرومانية "Roman ********s"، وكانت اللاتينية هي لغة الأدب والعلم والثقافة والدين في أوروبا في أول الإمبراطورية الرومانية؛ ومن لم يلق نصيباً من العلم في هذه اللغة يبقى علمه ناقصاً، بالتغاضي عن حقل تخصصه أو وظيفته أو مكانته الاجتماعية. وبمرور الزمن تطور نمط آخر من اللاتينية يتكلمه العامة وعساكر الرومان، فأصبح الوضع موازياً للعربية، إذ كان هناك اللاتينية الفصحى Classical Latin والعامية المسماة Vulgar Latin، (والاسم لا يعني العامية فقط بل يتضمن معنى السوقية وعدم الصقل). وبالرغم من أن اللاتينية ذات أثر كبير دينياً، إلا أنها لا تملك قدسية العربية في نفوس الناطقين بها؛ كما لا تلعب دور العربية بوحدة متكلميها؛ لذا ترك الأمر لتطورها الطبيعي. وباختلاط جنود الرومان، متكلمي العامية، بالشعوب الأخرى الذين يتحدثون لغات مختلفة، أو لهجات من لغات مختلفة، تطور من العامية – وهذا نسق طبيعي- لغات جديدة تعتمد على الجذور اللاتينية كأساس، والمؤثرات اللغوية الأخرى كعوامل مكونة. وهكذا كانت ولادة الفرنسية والإسبانية والبرتغالية والطليانية والرومانية. وإن قَلَّ الضبط عن أي من تلك اللغات فلا يستبعد، بل من الطبيعي أن ينشأ عنها لغات جديدة. وهذا حتماً ما كان سيحصل لأي لهجة عربية لو كُتبت أو أصبحت لغة قومية.
في الحقيقة لقد حصل ذلك التحول بإحدى اللهجات العربية، وهو مثال حي أمام أعيننا وقلما نفكر بجدّيته وعقبى نتائجه؛ وهو مثال مالطا: فقد كان أهل مالطا يتكلمون العربية، ونظراً لانسلاخها دينياً وقومياً عن جسم العالم العربي، فقد كتبت هذه اللغة بالأحرف اللاتينية، وفتح باب الاقتراض على مصراعيه من اللغات الأوروبية، وخاصة الطليانية والإنجليزية، وتطورت هذه اللهجة العربية إلى ما يسمى اليوم اللغة المالطية، التي تتحدى أي عربي أن يفهمها، رغم أن جل الكلام فيها عربي الجذور. كيف نتعامى عن مثل هذه النتائج الحتمية. هل يعرف دعاة العامية أمثلة من هذا النوع؟ هل درسوا أو اطلعوا على النظرية اللغوية والتغير اللغوي قبل أن ينصبوا أنفسهم مصلحين؟ إني أستبعد ذلك.
إذا كان وضع الازدواجية طبيعياً في معظم لغات العالم، فلماذا يكون هذا الوضع "غير طبيعي" أو عائقاً للتقدم في بلادنا العربية؟ باعتقادي أن ذلك يعود لسببين رئيسيين: أولهما ازدياد الفجوة بين الفصحى واللهجات نتيجة العوامل التاريخية السالفة الذكر، حتى أصبحتا وكأنهما لغتان مختلفتان في أعين كثير من الباحثين؛ ومع المبالغة بذلك الاختلاف أصبح الكثير يعتقد أنهما مختلفتان فعلاً. وثانيهما أنه رغم استقلالنا كدول وتبني اللغة العربية رسمياً وشعبياً، إلا أن اعتمادنا على اللغات الأجنبية، وفي القطاعات المختلفة، ما زال واسعاً. وسأعرض لهذين السببين بمزيد من التفصيل.
لقد بالغ كثيرون من الذين كتبوا عن العربية في الغرب بالاختلافات بين الفصحى والعامية، حتى أن كثيراً من التعميمات التي نشرها بعض باحثيهم المحترمين علمياً تثير الاستغراب، بل تشكك بنوايا ومقدرة هؤلاء الباحثين.
فاللغوي الاجتماعي جمبيرز([44]) على سبيل المثال يساوي بين دور العربية الفصحى في المجتمع العربي ودور اللاتينية في أوروبا العصور الوسطى، والسينسكريتية في جنوب آسيا؛ ويعطي اللغات الثلاث – بما فيها العربية - "كمثال للغات مميزة ليس لها علاقة بالكلام الشعبي (اللهجات) ... وإن الطقوس المفصلة والمراسيم التي تحيط استعمالها لا تُكتَسَب إلا بعد سنين عديدة من التدريب الخاص. التعليم بها متوفر فقط بواسطة المدرسين الخاصين، ومحدود لأصحاب الامتيازات القلائل الذين يملكون الجاه الاجتماعي والموارد المالية. نتيجة ذلك، فمعرفة تلك اللغات في المجتمعات التقليدية حصر لجماعة مختارة محدودة نسبياً".
هل يصدق هذا التعميم على العربية كما يصدق على اللاتينية والسينسكريتية؟ هل يدلّ هذا التعميم على أي اطلاع على العربية؟ دعنا نقارنه بما يقول اللغوي الأميركي مايكل بريم([45]) الذي درس العربية وأجادها وكتب أطروحته عن صوتياتها كما سجلته أمهات الكتب العربية. يقول بريم:
"إن المدعي بأن الفصحى نمط اصطناعي (بمعنى أنه غير طبيعي من ناحية أن الطفل لا يتعلمه كلغة أولى) فإنما يكشف عن جهله. إن الاختلافات التي تفرق بين الفصحى والعاميات المختلفة قد بولغ فيها. في الحقيقة، إن المشكلة الحقيقية الصعبة الوحيدة التي يواجهها العربي في الفصحى هي مشكلة تزويد الحركات في أواخر الكلمات للأسماء ونهايات الأفعال، لأنه من المفهوم أن ليس من تلك الحركات شيء في لهجته".
كيف بنا أن نرد الاعتبار إلى فصيح لغتنا؟ وكيف بنا أن نضيّق الفجوة بين فصيحنا وعامياتنا، وبذلك تقترب عامياتنا من بعضها البعض ومن الفصحى؟ في الجزء التالي من هذا البحث سأجيبُ ولو جزئياً عن هذين السؤالين، وأتركهما مفتوحين للاجتهاد لكل من دعاه واجبه للنهوض بالعربية.
لا ريب في أن أهم مسببات اتساع الفجوة بين العامية والفحصى، بل من أهم أسباب ازدهار العامية، هو ارتفاع نسبة الأمية في مجتمع ما. والرقم في مجتمعنا العربي معيب إذ يقارب، إن لم يتجاوز، 70%. وبعكس ما أشار إليه بعض الباحثين أمثال ألن كي([46]) ووكسلر([47]): لا نستطيع أن نعزو ارتفاع نسبة الأمية في الوطن العربي إلى الازدواجية، بل نستطيع أن نستنتج أن ارتفاع نسبة الأمية زاد الفجوة اتساعاً بين الفحصى والعامية، وليس بأي حال نتيجة له. إن هذه النسبة العالية في عالمنا العربي هي نتيجة مباشرة لخمسة قرون من الإهمال تبعها فترة من الاستغلال الاستعماري البشع، كان هم المستعمر فيه تجهيل الشعوب العربية. لكنه بعد الاستقلال، وبهذه الواردات المادية التي تفوق تخيل الإنسان، فإنه لم يعد هناك مبرر لمثل هذا الرقم المعيب من الأميين في العالم العربي. وعلى حكوماتنا العربية أن تبدأ بحملات واسعة النطاق لإزالة الأمية في وطننا من شرقه إلى غربه. وجدير بالذكر أن من أنجح الحملات التي بدأت فعلاً هي تلك التي تقوم بها الحكومة العراقية حالياً، والتي يظن أنها ستقارب أنجح الحملات العالمية لإزالة الأمية، كالحملة في كوبا وتركيا. ومن المنتظر أن يكون عطاء الدول المنتجة للنفط أكبر مما هو عليه الآن في هذا السبيل. وجميع الدول العربية بأمسّ الحاجة لتلك الحملات، لكن أحوج تلك البلاد الآن هي السعودية، واليمن، وعمان ودول الخليج، والسودان والمغرب.
منطلقنا الثاني يجب أن يكون المدرسة العربية. لن نحقق أي تحسن في هذا السبيل إلا إذا التزم المدرس العربي بلغته؛ والتزامه يحتم عليه أن يستعمل الفحصى في محاضراته، وأن يشجع تلاميذه للسؤال والمناقشة بالفصحى إن كان الدرس ديناً أو فيزياء أو رياضيات أو جغرافيا، كذلك يجب التركيز على المراحل الأولى من تدريس الفصحى وآدابها، وذلك بتدريب معلمين أكفياء لتدريس مختلف المهارات اللغوية، من استماع وكلام وقراءة وكتابة. ولا يتسنى ذلك إلا إذا تعاون البيت مع المدرسة، والمؤلف مع المدرسة، والمجمع اللغوي مع المدرسة.
كما أنه لا يكفي لعمل ذلك أن تصدر القرارات، بل يجب أن تراقب الهيئات المعنية مختلف مراحل تطبيقها وتنفيذها.
ولا يقلّ عمل أجهزة الإعلام أهمية عن المدرسة والبيت. لا نريد أن نحرم قطاع عامة الناس من فهم تلك الأجهزة، ولكننا نطالب بأن يقل استعمال العامية في الصحف والمجلات، وأن توجه لعامة الناس برامج بالإذاعة، والتلفاز بلغة فصيحة سليمة سهلة. وكلما قل استعمال الكلمة العامية في تلك الأجهزة، وكثر استعمال الفصيح، أعطينا مجالاً أوسع لانتشار الفصيح واضمحلال العامية على المدى البعيد.
أما المجامع اللغوية فعليها، بالإضافة إلى نشاطها في التعريب، وخاصة تعريب المصطلحات، أن تراقب استعمالها في أجهزة الإعلام والمدارس والجامعات، وأن تستمر بتفاعلها المباشر مع المجتمع ومع المؤسسات التعليمية في البلاد العربية، لتكون مراكز تخطيط لغوي لمجتمعنا ومؤسساتنا، وأن تستمر بتقديم يد العون وتقديم المشورة إلى وزارات التعليم ومختلف الهيئات التي تطلبها.
إن ما قدمته تلك المجامع يستحق التقدير، لكن المزيد من العمل مطلوب. نقطة أخيرة؛ فإن زيادة التنسيق بين هذه المجامع يجعلنا نتجنب إعادة بعض الأبحاث، ويزيد من فعاليتها بشكل عام.
أما تسهيل الاتصال، وبمعناه المطلق، في العالم العربي فليس مدعاة لوحدتنا العربية وحسب، بل مدعاة لتماسكنا السياسي والاجتماعي. وتسهيل الاتصال يتم بتطوير أجهزة الاتصال الحديثة، من الشبكات التلفزيونية، إلى البث التلفازي والإذاعي الموجه للعالم العربي بأسره؛ كذلك بتسهيل تنقل المواطن العربي من بلد لآخر، وفتح أبواب التبادل ثقافياً واقتصادياً على مصراعيها. هدف اللغة هو الاتصال؛ ووحدة متكلميها تتم بتسهيل اتصالهم بعض ببعض.
من أهم الأسباب التي أدت إلى ازدهار تعلم اللغات الأجنبية في العالم العربي، وبشكل خاص الإنجليزية والفرنسية، لا شك أسباب تتعلق بفرص العمل. إذ إنه لسوء حظ المواطن العربي يصعب عليه في عقر داره أن يجد عملاً جيداً، خاصة في القطاع الخاص، إذا لم يكن يجيد الإنجليزية أو الفرنسية. لماذا نجعل لتلك اللغات تلك القيمة على لغتنا طيعين مختارين؟ لماذا نجعل تلك اللغات علامة الرفعة الاقتصادية والاجتماعية، وتؤثر بذلك باتجاهات أبنائنا النفسية لتلك اللغات وللغتنا بالمقارنة بها؟ فجعل العربية عاملاً أساسياً في التوظيف والترقية يولّد دوافع جديدة للإقبال على تعلمها وإجادتها، ويخلق تأثيرات نفسية جديدة نحن أحوج الناس إليها. لا أقصد أن أقلل التشجيع على تعلم اللغات الأجنبية، لكن يجب أن نخفف اعتمادنا عليها ونجعل نظرتنا لها متواضعة بعض الشيء.
يرتبط هذا العامل بعامل آخر وهو ما أسميته "الغربة الحضارية" عند المواطن العربي؛ فبالرغم من الأحداث الجسام التي تعيشها أمتنا العربية، وبالرغم مما قاست وتقاسي من الغرب ودوله وثقافته و "حضارته"، إلا أننا إن أردنا أن نصارح أنفسنا وجدنا أن قطاعاً كبيراً من شبابنا يقاسي من غربة حضارية مريرة، تتجلى بتهافت شبابنا على "الغربنة" المتمثلة بالنظر للغرب على أنه النموذج الذي يحتذى. كذلك تتجلى هذه الغربة بنظرة مجتمعنا العالية لمن يجيد إحدى اللغات الغربية، وبتهافتنا على استعمال الاصطلاح الأجنبي في حديثنا العادي وفي صحفنا وأجهزة إعلامنا. إن ذلك ما أسماه ابن خلدون في مقدمته تقليد المغلوب للغالب. لكن أما آن الأوان لأن تتوقف هذه الظاهرة، ونبدأ كشعوب نعتز بلغتنا وحضارتنا!.
العربية تستصرخ أبناءها لمزيد من البحث والتأليف والنشر، وخاصة في حقل المعاجم؛ إذ يأسف المثقف العربي أن لا يكون في العربية حتى الآن قاموس واحد بجودة وشمول ووضوح وسهولة استعمال "وبسترز" في الإنجليزية مثلاً. كذلك حتى هذه اللحظة لا توجد دائرة معارف واحدة بمستوى دائرة المعارف البريطانية أو الأميركية. لذلك تحتاج العربية إلى مجموعة شاملة واضحة حسنة التصنيف من معاجم المترادفات والمتناقضات والمكنزات والمواد المرجعية الأخرى. وقد قام سلفنا بالبحث وحصر المعلومات، وما علينا إلا أن نصنف تلك المعلومات ونطبعها. إنه وضع مؤسف.
أما تعريب التعليم الجامعي، فليس ضرورة ومطلباً قومياً فحسب، إنما هو خدمة نزجيها للعربية، بل لأبنائنا الواقعين الآن بين نارين: نار جهلهم بلغتهم، ونار صراعهم مع اللغة الأجنبية التي لا يجيدونها؛ ومع ذلك عليهم أن يتعلموا بها. ليس هناك على وجه الأرض دولة ذات قيمة تدرّس أبناءها بلغة غير لغتهم. فمن البديهيات في التعليم أن الطالب يستوعب بشكل أفضل، ويفكر بشكل أسلم في لغته الأم لا بلغة فرضت عليه. ولا يتم ذلك إلا إذا بدأنا به وبالحال؛ إذ سيبقى دعاة استعمال الأجنبية يبرزون الحجة تلو الحجة لتأخير التعريب، وسيجدون دائماً حججاً مقنعة ما لم نبدأ بالتعريب. كيف يمكن أن يكون هناك مصادر علمية بالعربية ما لم نخرج جيلاً عربياً تَعلَّم بالعربية كي يبحث وينشر بها؟ لماذا لم نبدأ بحملة ترجمة شاملة للكتب المدرسية العلمية؛ وهي بالواقع محصورة العدد وليست بذلك الحجم البالغ الذي يصوره بها أعداء التعريب؟ إذا أخذنا الكيمياء مثلاً، فإنك تجد كتاباً واحداً مشهوراً عالمياً ككتاب مدرسي، ويستعمل في مستوى معين – كالسنة الأولى أو الثانية مثلاً- وفي كثير من الأحيان نجد أن هذا الكتاب قد أعيدت طباعته مرات ومرات، وبتعديلات طفيفة تستطيع إضافتها لترجمتها سنوياً. إن الكلام سيطول عن التعريب، وسنبقى نعاني نفس المشاكل التي نتحدث عنها ما لم نبدأ وبالحال بتحضير جيل يتعلم في الجامعة وفي أعقد العلوم بالعربية. والتجربة السورية، وكذلك التجربة العراقية الجديدة جديرتان بالإعجاب والتقدير.
في ختام هذا البحث، أود أن أوجه الدعوة إلى المثقفين العرب، والمختصين منهم أو العاملين في حقل اللغويات وتدريس اللغات بشكل خاص، لإبداء آرائهم وتوجيه بحوثهم نحو مزيد من الاقتراحات العملية الممكنة التنفيذ، التي تهدف إلى إعادة الاعتبار للغتنا العربية لغة رسمية وشعبية للعالم العربي، لا بالاسم بل بالفعل.
يقول العقاد([48]) في مقالة له عن الفصحى والعامية، وفي ما يقول عمق بالتفكير، وملخص لكثير مما قيل ويقال عن هذا الموضوع، لولا بعض كلام عن العامية تنقصه العلمية (كقلة القواعد):
"إن في كل أمة لغة كتابة ولغة حديث، وفي كل أمة لهجة تهذيب ولهجة ابتذال، وفي كل أمة كلام له قواعد وأصول، وكلام لا قواعد له ولا أصول. وسيظل الحال على هذا الحال ما بقيت لغة، وما بقي ناس يتمايزون في المدارك والأذواق. فلن يأتي اليوم الذي يُكتَب فيه فردوس ملتون بلغة العامل الإنجليزي، وفلسفة كانت بلغة الزارع الألماني، ولن يأتي اليوم الذي تستوعب فيه قوالب السوق كل ما يخطر على قرائح العبقريين، ويختلج في ضمائر النفوس، ويتردد في نوابغ الأذهان، فالفصيحة باقية والعامية باقية مدى الزمان!
الدكتور محمد راجي زغول



المصادر العربية
المصادر الأجنبية
(1) Karl Krumbachen. Das Problem der Modern griechischen Schriftsprache. Munich, 1902.

)[2] (William Marcais "La diglossie arabe" L´enseignement Public, Vol. 97, 1930.

(3) C. Ferguson. "Diglossia."

([4]) المصدر نفسه، 9. 328

([5]) المصدر نفسه.

D. Hymes. Introduction to Social Structure and Speech Community." ([6])
In D. Hymes (ed.), ******** in Culture and Society. New York:
Harper and Row Publishers, 1964, 385-390.

(7) J. Gumperz. "Types of Linguistic Communities"
أخص بالذكر منها:
------ "Linguistic and Social Interaction in. Two Communities"
------ "On the Ethnology of Linguistic Change"
------ "The Speech Community"
بحث فشمان ظاهرة الازدواجية في مؤلفات كثيرة أخص بالذكر منها:

)8) a- J. Fishman etal (eds.) ******** Problems in Developing Nations
b- ----- The Sociology of ********
c- -----******** and Nationalism
d- ----- Readings on the Sociology of ********

A. Kaye. "Remarks on Diglossia: Well - defined Vs. III- defined" ([9])
وله مقالة أخرى جديرة بالدراسة هي:
------- "Modern Standard Arabic and the Colloguials."

Sotiropoulos. "Diglossia and the National ******** Question ([10])
in Modern Greece", Liguistics, 197 (1977) pp-5-31.

(11) Inayatullah "Arabic as the Religious ******** of the Moslems."

(12) A. Chejne. The Arabic ********: Its Role in History p.9.

(12) P. Cachia "The Use of the Colloquial in Modern Arabic Literature.", p.12

(14) ذكر الحصري وركز على هذه الناحية في معظم مؤلفاته وأخص بالذكر منها آراء وأحاديث في اللغة والأدب، وأبحاث مختارة في القومية العربية.

(15) R. Yirkey. "Practical EFL Techniques for Teaching Arabic Speaking Students" p. 59.

(16) C. Ferguson "Myths About Arabic" p. 377

(17) د. محمود فهمي حجازي. اللغة العربية عبر القرون، ص43-44.

(18) صبحي الصالح، دراسات في فقه اللغة ص109-116.

(19) ابن جني، الخصائص ج1 ص411

(20) السيوطي، المزهر ج1 ص222-224

(21) Z. Abdel-Malek. "The Influence Diglossia on the Novels of Yusif Al-Sibai" p. 132.

(22) مازن مبارك، نحو وعي لغوي ص41-44

(23) علي ناصيف، من قضايا اللغة والنحو ص49

(24) طه حسين، مستقبل الثقافة في مصر ص236

(25) مصطفى فهمي، النظرية العامة للقومية العربية ص150

(26) S. Al-Toma. A Comparative Study of Classical and Iraqi Arabic, p. 114.

(27) H. Blank. "Stylistic Variation in Spoken Arabic: a Sample of Interdialected Conversation," 1960.

(28) K. Shaaban. "Code Switching in the Speech of Educated Arabs,: 1978.

)29) M. Zughoul "Diglossia in Arabic: Investigating Solutions", 1979.

(30) J- Stetke cych. The Modern Arabic Literary ********: Lexical and Stylistic Development, 1970.

(31) نفس المصدر ص 114

(32) المصدر نفسه، ص119-120

(33) N. Bezirgan "******** and Reality in The Arab World" p.24

(34) لمزيد من التفصيلات راجع كتاب نفوسة سعيد، تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر، فهو كتاب شامل وموثق في هذا المجال.

(35) محمد حسين، الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر ص124-144

([36]) أحمد لطفي السيد، المنتخبات ص 246-250

(37) A. Shej ne The Arabic ********: Its Role in History, p. 109

(38) نفس المصدر ص109

(39) M. Bateson. Arabic ******** Handbook

(40)إبراهيم أنيس، مستقبل اللغة العربية، 1960

(41) أنيس فريحة، نحو عربية ميسرة، 1955

(42) مجلة المجمع العربي مجلد 32، عدد 1، 1957

([43]) S. Moussa. "Arabic ******** Problems" p. 44.

(44) J. Gumperz "The Speech Community", 222

(45) M. Brame, "Arabic Phonology" p. 1

(46) A. Kaye. "Modern Standard Arabic and the Colloquials".

(47) Wexler. "Diglossia, ******** Standardization and Purism".

([48]) العقاد، ساعات بين الكتب ص 145-146
المصدر: ملتقى شذرات


h.],h[d~QJm hggyQm gg];j,v lpl] vh[d hg.y,g

__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« كتاب " نهاية السؤل وَالأمنية " للدكتور أحمد سعيدان | مع كتاب "الفرج بعد الشدة" للتنوخي للدكتور إبراهيم السامرّائي »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
توقيف الصحفي عبد الهادي راجي المجالي 15 يوما في سجن ماركا Eng.Jordan الأردن اليوم 0 08-17-2014 02:10 PM
شبهات حول القرآن الكريم للدكتور محمد عمارة Eng.Jordan كتب ومراجع إلكترونية 1 08-22-2013 11:36 PM
كتاب " نهاية السؤل وَالأمنية " للدكتور أحمد سعيدان Eng.Jordan دراسات وبحوث أدبية ولغوية 0 06-21-2013 04:51 PM
اللغَة العربيّة بَين الأصالة والإعجاز والحَداثة Eng.Jordan دراسات وبحوث أدبية ولغوية 0 06-05-2013 09:30 AM
هَلْهَلَةُ الشِّعْرِ الْعَرَبيِّ الْقَديمِ جَزالَةٌ أَوْ رَكاكَةٌ - للدكتور محمد جمال صقر Eng.Jordan دراسات وبحوث أدبية ولغوية 0 07-01-2012 11:31 AM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 01:42 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68