تذكرني !

 





تحريرُ اسمِ الفاعلِ من مزاعمِ المُجاراةِ

د. حامد علي أبو صعيليك جامعة البلقاء التّطبيقيّة كليّة الأميرة عالية الجامعيّة ملخّص البحث يُعدُّ اسم الفاعل من أكثر الأبنية الصرفية العربية إثارة لاختلاف

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 06-30-2013, 11:28 AM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 17,327
افتراضي تحريرُ اسمِ الفاعلِ من مزاعمِ المُجاراةِ


د. حامد علي أبو صعيليك
جامعة البلقاء التّطبيقيّة
كليّة الأميرة عالية الجامعيّة

ملخّص البحث
يُعدُّ اسم الفاعل من أكثر الأبنية الصرفية العربية إثارة لاختلاف النحاة، وبخاصة عند إضافته، إذ ينبني على إضافته قدر غير قليل من أوجه الخلاف، ويدرس هذا البحث أولاً المشابهة اللفظية والمعنوية بين اسم الفاعل والفعل المضارع، ثمَّ يدرس ثانيًا اسم الفاعل المضاف ودلالته الزمنية، ثمَّ يعرض ثالثًا لإضافة اسم الفاعل بين الأصلية والفرعية وموقف النحاة منها، ثمَّ ينتهي رابعًا إلى ما تفضي إليه إضافة اسم الفاعل من قيم دلالية، ويتّكئ هذا البحث على ما يقدّمه الدرس اللغوي العربي القديم، وجهود بعض علماء اللغة المحدثين، بغية الوصول إلى وصف علمي دقيق للظاهرة، يزيل ما علق بها من مشكلات.

مُقـدِّمــة
يُعدُّ اسم الفاعل من أكثر الأبنية الصرفية إثارةً لاختلاف النحاة؛ ومرَدُّ ذلك ما لاحظه النُّحاة من شبه تركيبيّ ودلاليّ بينه وبين صيغة الفعل المضارع، فكثُرت اجتهاداتهم في ما يتعلّق بدلالة اسم الفاعل على الحدث مقترناً بزمن تارة، وغير مقترن به تارة أخرى، وإذا كان مقترناً بزمن، فهل يختص بزمن ما، أم أنه يستغرق الأزمنة الثلاثة؟
وينبني على هذا الاختلاف جملة من القضايا التّركيبيّة والدلاليّة، ولعل القضية الأبرز هي مسألة إعماله وإضافته، ومقتضى هذا أنّ لاسم الفاعل ذي الدّلالة على الحال والاستقبال بنيتين تركيبيّتين في الاستعمال، يرِدُ في الأولى عاملاً ناصباً لمعموله، نحو: "هذا ضاربٌ زيداً"، وفي الثّانية مضافاً إلى معموله، نحو: "هذا ضاربُ زيدٍ" وأهمُّ ما يسترعي النَّظر اعتبار النّحويين إحدى البنيتين أصلاً لقسيمتها، أو لِنقُل الإعمال أصل الإضافة وما ينبني على إضافته من دلالة توافق دلالته أو تغايرها إذا كان منقطعاً عن الإضافة.
وسأناقش المسألة في أربعة محاور، أرى أنها مثار الخلاف وموضع الاجتهاد:
1- المشابهة اللـفظية والمعنوية للـفعل المضارع.
2- اسـم الفـاعـل المضـاف ودلالـته الزمنيـة.
3- إضافـة اسم الفاعــل بين الأصـل والفـرع.
4- القِيَم الدلالية المتحَصّلة من إضـافة اسم الفاعل.

1- المشابهة اللفظيَّة والمعنويَّة للـفعل المضارع:
ارتبطت فكرة الإضافة اللفظية (غير المحضة) عند النحاة بالوصف العامل المراد به الحال أو الاستقبال، يقول الأزهري: "وضابطها غير المحضة- أن يكون المضاف صفة تشبه المضارع في كونها مراداً بها الحال أو الاستقبال"(1). ويقول الرضي: "أمّا إضافة اسم الفاعل والمفعول إضافة لفظية، فنقول كون إضافة الصفة المشبهة إضافة لفظية، مبني على كونها عاملة في محل المضاف إمّا رفعاً وإما نصباً، وذلك إذا كان كذا، فالذي هو مجرور في الظاهر ليس مجروراً في الحقيقة، والتنوين المحذوف في اللفظ مقدّر منويّ،فتكون الإضافة كلا إضافة وهو المراد بالإضافة اللفظية"(2).
ويقول أبو حيّان: "ومن غير المحضة إضافة اسم الفاعل واسم المفعول والأمثلة إذا أُضيفت إلى المفعول وكانت بمعنى الحال أو الاستقبال، وإضافة الصّفة المُشَّبهة وهذا مُجمَعٌ عليه عند أصحابنا"(3).
ومقتضى ما تقدم أن الحكم على الإضافة لفظية أم غير لفظية مبنيّ على أمرين: الوصفية العاملة، والزّمنية المقيّدة (الحال أو الاستقبال). وأساس الإعمال قائم على ما لحظه النحاة من شبه شكليّ ومعنويّ بين اسم الفاعل والفعل المضارع.
لاحظ علماء اللغة أن ارتباطاً ما يوجد بين صيغتي (اسم الفاعل والفعل المضارع) من جهة اللفظ والمعنى(4)، فقالوا بحمل إحدى الصيغتين على الأخرى في العمل لهذا الشبه. والارتباط الذي قال به النحويون بين الصيغتين، ارتباط لفظيّ أولاً ومعنويّ ثانياً.
أمّا اللفظي فلأن حركات حروف الأصل توجد في الصيغتين المتشابهتين بالترتيب نفسه، وإن اختلف الهيكل، كالمشاكلة بين (ينطَلِقُ ومُنْطَلِق)؛ ولذا حُملت إحدى الصيغتين على الأخرى، يقول ابن الخشاب: "ومعنى جريُ هذا الاسم على الفعل في حركاته وسكناته أنّ عدد حروف ضارب كعدد حروف يضرب، وضاد ضارب مفتوحة كما ياء يضرب مفتوحة، والألف الثانية ساكنة، كما ثاني يضرب ساكن، والرّاء فيهما ثالثة مكسورة، والباء فيهما حرف إعراب، وكذلك مُكرِم كيُكْرِمُ"(5).
ويقول ابن عقيل: "وإنما أُعمل - اسم الفاعل- لجريانه على الفعل الذي هو بمعناه، وهو المضارع، ومعنى جريانه عليه: أنه موافق له في الحركات والسكنات لموافقة "ضَارِب" لـ "يَضْرِب"(6).
وتعطينا هذه الأقوال صورة واضحة عن مفهوم المضارعة اللفظية، التي تحصل في عدد الحروف وفي الحركات المتشابهة؛ إذ الأصل في هذه الحركات هو كسر ما قبل آخره كما في (ضارِب) و(يضرِب).
ويقف علماء السّلف حيارى في تعليل قوة الشّبه بين اسم الفاعل والفعل؛ لأن بعضهم لا يعترف بالترتيب في حروف الصيغة وحركاتها كشرط من شروط المشابهة، ويعتمد في دعوى المجاراة على تأويل المراد بالمشابهة، أنها تَقَابُل حركة بحركة لا حركة بعينها، أما توافق أعيان الحركات فغير معتبر.
يقول ابن هشام: "ونبّهت على أن عدم المجاراة هو الغالب، بتقديم مثال ما لا يُجارى، وهذا بخلاف اسم الفاعل؛ فإنه لا يكون مجارياً للمضارع كضارب فإنه مُجارٍ ليضرب. فإن قلت هذا مُنتَقض بداخل ويدخل؛ فإن الضمّة لا تقابل الكسرة قلت: اُعْتُبِرَ في المجاراة تقابل حركة بحركة، لا حركة بعينها، فإن قلت: كيف تصنع بقائم ويقوم، فإن ثاني قائم ساكن، وثاني يقوم متحرك؟ قلت: الحركة في ثاني (يقوم) منقولة من ثالثة، والأصل يَقْوُمُ كَيَدْخُلُ، فنُقلت الضمّة لعلّة تصريفية"(7).
وهذا التفات من ابن هشام يضعف علل النحاة في هذا الجانب، إذ يلاحظ هنا أن الاتّفاق اللفظي في ترتيب الحروف تعليل لا يقوى على إقامة حجة المشابهة اللفظية بين الصيغتين.
فإن اتفق جريان بعض الصيغ على بعض في الحروف والحركات، أمكن القول بانعدام اطّراد المجاراة في مثل (سالم ويَسْلَمُ وداخل ويَدْخُلُ)إذ لا يبقى لأسماء الفاعلين هذا الكسر الذي قبل أواخرها في الأفعال التي اشتُقّت منها نحو: يَذْهَب ويَقْتُل(8)، وغيره كثير مما لا يُحصى، ممّا يجعل علّة المجاراة اللفظية واهية ضعيفة، ويهدم ما بُني عليها من أحكام(9).
والنظرة الفاحصة تكشف عن مبلغ تضارب الحجج في منطقها، حتى لو قيل إن صاحب كل حجة منها غير قائل الحجة الأخرى، فهذه الحجج تكشف عن عدم الوحدة في بعض جوانب فلسفة النظرية النحوية.
أما قول ابن هشام: "إن اسم الفاعل لا يكون مجارياً للمضارع كضارب فإنه مجارٍٍ ليضرب، فإن قلت: هذا منتقض بداخل ويدخُلُ، فإن الضمة لا تقابل الكسرة. قلت: اعتبر في هذه المجاراة تقابل حركة بحركة لا حركة بعينها".(10) قول مردود، بدليل ورود غير صفة توافق المضارع في حركاتها ولا تعمل عمله، فاسم المفعول وصيغ المبالغة والمصادر تعمل باتفاق مع أنها لا تجري على الفعل المضارع، ممّا يجعل علّة المجاراة في الحركات ضعيفة(11).
فضلاً عن هذا، فإننا نجد كثيراً من الأبنية الصرفية التي تعمل من دون مضارعة للفعل المضارع، كاسم المفعول وصيغ المبالغة والمصدر، "فإن قيل: لعملها علّة أخرى، قلنا: مهما أمكن أن تكون العلة بلا كلفة كان أولى"(12).
ويبدو لي أن الذي دفع النحاة إلى هذه التأويلات حرصهم على تعليل الظاهرة النحوية بما يضمن لهم اطّراد منهجهم القائم على تنظيم الظواهر، وفق كلّيات عامة ترتدّ إليها.
والذي ينبغي أن يُقال: إن عمل اسم الفاعل المحمول على الفعل مردّه ما يتضمنه من الحدث الذي يشكّل قاسماً مشتركاً بينه وبين زمرة الأبنية العاملة كالأفعال مثلاً، أما المشابهة الصوتية المزعومة، فينقضها إعمال بعض الأبنية التي لا مجاراة بينها وبين الأفعال كأبنية المصادر مثلاً.
أما الشبه المعنوي الدلالي، فلأن الملاحظ أن الصيغتين المتشابهتين تعبّران عن معنى واحد عام، تختلفان في دائرته، كما تختلف الصيغتان، وهذا الشبه لا يزيد عندهم على صحة وقوع الفعل موقع اسم الفاعل العامل(13)، دون أن يوازنوا موازنة فعلية بين معنى الفعل ومعنى اسم الفاعل.
واكتفوا بما نصّ عليه سيبويه من المجاراة المعنوية بالقول: "باب من اسم الفاعل الذي جرى مجرى المضارع في المفعول في المعنى، فإذا أردت فيه من المعنى ما أردت في (يفعل) كان منوّناً نكرة وذلك قولك: هذا ضارب زيداً غداً، فمعناه وعمله: هذا يضرب زيداً غداً"(14).
وواضح من قول سيبويه أن جملة (محمدٌ ضاربٌ زيداً) تساوي جملة (محمدٌ يضربُ زيداً)، بمعنى أنه يمكن وضع كلمة (ضارِب) وهي اسم فاعل مكان (يضربُ) ولا يتغيّر من المعنى شيء -على حد قول سيبويه-، ولذلك قيل في معناه: "ما دلّ على الحدث والحدوث وفاعله".
فضلاً عن ارتباط كلمة (ضارب) بضمائمها ارتباطاً علائقياً سياقياً، بمثل ما ارتبط به الفعل (يضرب) بضمائمه(15).
ويقول ابن يعيش: "اعلم أن اسم الفاعل الذي يعمل عمل الفعل هو الجاري مجرى الفعل في اللفظ والمعنى، فإذا أُريد ما أنت فيه، وهو الحال أو الاستقبال صار مثله من جهة اللفظ والمعنى، فجرى مجراه وحُمل عليه في العمل، كما حُمل فعل المضارع على الاسم في الإعراب، لما بينهما من المشاكلة"(16).
وممّا يؤكد أن مشابهة اسم الفاعل للمضارع مبنية على المعنى، قول السيوطي: "وقال الكوفيون إلا الفرّاء ووافقهم النحاس يعمل مصغراً -اسم الفاعل- بناء على مذهبهم أن المعتبر شبهه للفعل في المعنى لا الصورة"(17).
ولعلنا نرى أن النحاة هنا قد خرجوا في محاجتهم عن شكلية المجاراة، إلى إيجاد وجه آخر من الشبه بين الصيغتين، لكنهم لم يكونوا أبعد في تعليلهم عن المجاراة الشكلية، إذ ذهبوا إلى أن الصيغتين تعبِّران عن معنى واحد، يقول ابن جنّي: "ومن المضاف على تقدير التنوين أيضاً قولك: رأيتُ ضاربي زيدٍ ومررت بضاربي زيد، إذا أردت بضارب يضرب"(18).
فضلاً عن هذا، فإننا نجد من النحاة من أجاز إعمال اسم الفاعل (ماضياً أو حالاً أو استقبالاً) خاصةً إذا كان صلة لـِ "أل"، برغم انتفاء المشابهة بين بنيتيهما.
يقول الفارسي: "وقد أجاز بعضهم ذلك، واحتجّ بقوله تعالى: ]وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ[ [الكهف: 18]، ومقتضى هذا القول عدم مجاراة اسم الفاعل للفعل إذا كان بمعنى الماضي، لعدم تماثل الحركات أو تقابلها؛ لأن اسم الفاعل الذي يعمل عمل الفعل هو الجاري مجرى الفعل في اللفظ والمعنى"(19).
ووجه القول كما أراه عدم حمل اسم الفاعل على الفعل من جهة المطابقة في المعنى والعمل، وقد كان الأولى بهم أن يعدّوا هذه المشتقات في عداد الأفعال ما دامت ترد ومعها منصوبات ترتبط بها على نحو ما ترتبط بالأفعال، ويترك اصطلاح اسم الفاعل لما لا يرد من أسماء الفاعلين بهذه الصورة أو أن يُنظر إلى الارتباط بين هذه المشتقات وبين المنصوبات التي معها، لا باعتباره ارتباط عامل بمعمول، وإنما يدل كل اسم في الجملة بحركته الإعرابية على باب من أبواب النحو، والمبرر الوحيد لوجود صورة تركيبية ما، هو هذه الدلالة لا الشبه بالمضارع كما يقول النحاة، الأمر الذي أدركه البلاغيون برؤيتهم أن اسم الفاعل دالّ على الثبوت لا الحدوث بخلاف الفعل المفيد للتجدّد والحدوث"(20).
ويكفينا عبد القادر الجرجاني* مؤونة توضيح هذا بالقول: "إن موضوع الاسم على أن يثبت به المعنى للشيء من غير أن يقتضي تجدّده شيئاً بعد شيء. وأما الفعل فموضوعه على أنه يقتضي تجدّد المعنى المثبت به شيئاً بعد شيء، فإذا قلت: زيدٌ منطلقٌ، فقد أثبتّ الانطلاق فعلاً له من غير أن تجعله يتجدّد ويحدث منه شيئاً فشيئاً، بل يكون المعنى فيه كالمعنى في قولك: زيد طويل، وعمرو قصير.
فكما لا يُقصد هاهنا إلى أن تجعل الطول أو القصر يتجدّد ويحدث، بل توجبهما وتثبتهما فقط، وتقضي بوجودهما على الإطلاق. كذلك لا تتعرض في قولك: زيد منطلق لأكثر من إثباته لزيد.
وأما الفعل فإنه يُقصد فيه إلى ذلك، فإن قلت: زيد هاهو ذا ينطلق. فقد زعمت أن الانطلاق يقع منه جزءاً، وجعلته يزاوله ويزجيه، وإن شئت أن تُحس الفرق بينهما من حيث يلطف، فتأمل هذا البيت:
لا يَألَفُ الدِّرهم المَضروب صُرَّتنا لكن يمــرُّ عليها وهو منطلقُ
هذا هو الحسن اللائق بالمعنى، ولو قلته بالفعل: لكن يمرّ عليها وهو ينطلق لم يَحسن. وإذا أردت أن تعتبره بحيث لا يخفى أن أحدهم لا يصلح في موضع صاحبه. فانظر إلى قوله تعالى: ]وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ[ [الكهف: 18] فإن أحداً لا يشكّ في امتناع الفعل ههنا وأن قولنا: "وكلبهم يبسط ذراعيه بالوصيد" لا يؤدي الغرض، وليس ذلك إلا؛ لأن الفعل يقتضي مزاولة وتجدّد الصفة في الوقت. ويقتضي الاسم ثبوت الصفة وحصولها من غير أن يكون هناك مزاولة وتزجية فعل ومعنى يحدث شيئاً فشيئاً. ولا فرق بين "وكلبهم باسط "، وبين أن يقول: و"كلبهم واحد" مثلاً في أنك لا تثبت مزاولته، ولا تجعل الكلب يفعل شيئاً، بل تثبته بصفة هو عليها، فالغرض إذن هو تأدية هيئة الكلب. ومتى اعتبرت الحال في الصفات المشبّهة وجدت الفرق ظاهراً بيّناً، ولم يعترضك الشّك في أن أحدهم لا يصلح في موضع صاحبه. فإذا قلت: زيد طويل وعمرو قصير، لم يصلح مكانه يطول ويقصر. وإنما تقول: يطول ويقصر إذا كان الحديث عن شيء يزيد وينمو كالشجر والنبات والصبي، ونحو ذلك ممّا يتجدّد فيه الطول أو يحدث فيه القصر. فأما وأنت تتحدث عن هيئة ثابتة، وعن شيء قد استقرّ طوله، ولم يكن ثم تزايد وتجدّد فلا يصلح فيه إلا الاسم"(21).
إن عبد القاهر المؤمن بنظرية النظم القائمة على حسن الصياغة، وتوخّي معاني النحو ودقّة استعمال الألفاظ ووضعها في مواضعها، ينظر إلى ما تتشابه به الألفاظ والمعاني من علاقات لغوية نتيجة التحامها وشدة ارتباطها.
وليس من شكّ في أن ما أبانه الجرجاني، خير دليل على أن ثمة فرقاً كبيراً بين اسم الفاعل والفعل المضارع، إذ لا يصلح أحدهما للقيام مقام الآخر، ومن ثمَّ اقتضى هذا سقوط المجاراة اللفظية وسقوط المجاراة المعنوية كذلك.
2- اسـم الفـاعـل المضاف ودلالـته الزمنيّة:
تتألف الصيغ الصرفية من عناصر عديدة، أو من أجزاء يقوم كل عنصر منها بوظيفة حيوية تتحد جميعاً؛ لتسهم في تكوين المعنى ضمن تركيب لغوي. ويثير النحاة كثيراً من القضايا التي تخصّ طبيعة العلاقة بين مكونات الصيغة.
ومن القضايا الأساسية في الصيغ الصرفية دراسة عنصر الزمن، وهي مسألة مركزية في أبنية اسم الفاعل، من حيث إن بناء (فاعل) يدل على الحدث وفاعله بحكم بنائه الصَّرفي. فقد ذكر النحاة في حدهم لاسم الفاعل أنه اسم يدل على الحدث والذات التي قامت بهذا الحدث ولمَّا كان كذلك، أي حدثاً وفاعلاً لذلك الحدث لم يخلُ بأصل وضعه من تصوّر فكرة الزمن فيه(22).
ففي قول الله -عزّ وجل-] : إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ[ [ص: 71]، يبيّن الشاهد أن صيغة (خالق) تدل على ثلاثة أمور: حدث الخلق، وفاعله، وزمن الخلق، إذا كان ثمة قرينة لغوية أو سياقية تصرف صيغة اسم الفاعل إلى زمن ما، وتقوم الصيغة بهذه الأشياء الثلاثة.
وعليه فدلالة اسم الفاعل على الزمن دلالة وضعية حاصلة من كونه دالاً على الحدث وصاحبه، وإذا تحقّق وجود الحدث تحقّق أن يكون الحدث صدر من صاحبه في زمن معين يُستفاد من القرائن والسياق، ويُقصد به الزمن النحوي المعبّر عنه بالمضي والحال والاستقبال(23).
وقد ترتّب على القول بفكرة الزمنية في اسم الفاعل جملة من الأحكام التركيبية والقضايا الدلالية المتعلّقة بإضافة كل بنية وارتباطها بزمن معيّن.
فالصيغة الصرفية قد لا تكون كافية بمفردها لأداء المعنى المراد، فهي إذ ذاك في حاجة إلى قرينة لتوضّح ما فيها من غموض وتزيل ما فيها من اشتراك، فصيغة (قاتل) مثلاً مشتركة بين اسم الفاعل والصفة المشبهة، لعدم وجود قرينة تحدّدها، وعندها نحتاج إلى الاستعانة بقرينة تعين في تحديد المراد، تلك القرينة هي التنوين، إذا أُريد الحال أو الاستقبال، والإضافة إذا أُريد المضيّ أو الثبوت، أو تقييد الوصف بما يشعر بزمنيته كقولنا: "زيدٌ ضاربُ عمرو أمسِ".
ومن الأحكام التّركيبيّة المتعلّقة بالزمن، ما ذهب إليه النحاة من أن اسم الفاعل إذا كان دالاً على (المضيّ)، نحو "زيد ضاربُ عمروٍ أمسِ"، امتنع تنوينه؛ لأن التنوين قرينة ترشّح صيغة اسم الفاعل للزمن المستقبل(24)، ووجب استعماله مضافاً إلى ما يليه، مما هو في أصله مفعولاً للفعل الذي اُشتُقَّ منه اسم الفاعل، وفي الدلالة تكون إضافته من قبيل الإضافة المحضة التي تكسبه التعريف والتخصيص(25).
وعلّة ذلك أن اسم الفاعل عندهم لا يعمل بمعنى المضي، لأنه لا يوجد في مثال الماضي تلك المشابهة اللفظية والمعنوية السالفة.
أما إن كان اسم الفاعل دالاً على الحال أو الاستقبال نحو: "هذا ضاربٌ زيداً" جاز تنوينه ونصب معموله، أو إضافته، وتكون إضافته من قبيل الإضافة اللفظية التي لا تفيد تعريفا أو تخصيصاً(26).
واختلفوا في إضافة اسم الفاعل المراد به الاستمرار في جميع الأزمنة، من غير تقييد بزمان معين، فذهبت طائفة إلى أن إضافته لفظية، وذهبت طائفة - وهم الأكثرون- إلى أن إضافته معنوية، وذهب بعضهم إلى أن إضافة اسم الفاعل المستمر تكون محضة تارة وغير محضة أخرى بالنظر إلى جانب المضيّ فيه أو الحال والاستقبال(27).
وإذا كان اسم الفاعل بالمعنى السابق مشتقّاً من فعل يتعدّى إلى مفعولين أو ثلاثة، وجب إضافته كذلك إلى ما يليه مما كان مفعولاً به لفعله الأصلي، ويُترك الباقي منصوباً على حاله.
3- إضافة اسم الفاعل بين الأصل والفرع:

لم يكتفِ النحويون بمجرد القول بعلاقة المشابهة بين الصيغ، وإنما وجّهوا العلاقة توجيهاً آخر، فقرروها على أساس الأصل والفرع، بمعنى أن أحد التركيبين هو أصل، والتركيب الآخر معدول عنه.
فذهب سيبويه ومن تابعه من النحاة إلى أن اسم الفاعل المجرد من "أل" والتنوين، إذا أُضيف بمعنى الحال أو الاستقبال، فإضافته لفظية، والأصل في هذا الضرب من الإضافة ثبوت النون أو التنوين، ففي تعليقه على قول الشاعر:
]الكامل[
سلِّ الهمومَ بكلِّ مُعْطي رأسِه


ناجٍ مُخَالِطِ صُهْبَةٍ متعيِّس


قال: "فهو على المعنى، لا على الأصل والأصل التنوين؛ لأن هذا الموضع لا يقع فيه معرفة، ولو كان الأصل ههنا ترك التنوين لما دخله التنوين ولا كان ذلك نكرة، وذلك أنه لا يجري مجرى المضارع فيما ذكرت لك"(28)، وقريب منه قول الرضي: "فالذي هو مجرور في الظاهر ليس مجروراً في الحقيقة، والتنوين المحذوف في اللفظ مقدّر منويّ، فتكون الإضافة كلا إضافة وهو المراد بالإضافة اللفظية"(29).
وعلّة حذف النون أو التنوين من الاسم المضاف هي (التخفيف)، يقول سيبويه*: "وَاعْلَمْ أَنَّ العَرَب يَسْتَخِفّون، فَيَحْذِفُونَ التَّنوين والنُّون، ولا يَتَغَيَّر من المعنى شَيء"(30).
ومقتضى هذا الكلام أن لاسم الفاعل ذي الدلالة على الحال والاستقبال بنيتين تركيبيتين في الاستعمال، يرد في الأولى عاملاً ناصباً لمعموله، نحو: "هذا ضاربٌ زيداً "، وفي الثانية مضافاً إلى معموله، نحو: "هذا ضاربُ زيد".*
وأهم ما يسترعي النظر اعتبار النحويين إحدى البنيتين أصلاً لقسيمتها، أو لِنَقُل الإعمال أصل الإضافة، ومما يؤكد هذه المسألة، جعل سيبويه ومن تابعه التنوين منوياً في التركيب الإضافي بل هو أصل(31). ومن ثَمّ، فالأصل في الإضافة اللفظية الإعمال، وهذا معنى قول الرضي: "إنَّ الإضافة كلا إضافة".
وقد ترتّب على هذا القول جملة من الأحكام والقضايا الدلالية هي:
1- لا فرق في المعنى بين التركيب الذي أُضيف فيه اسم الفاعل إلى معموله، وذلك الذي عمل فيه اسم الفاعل في معموله. على الرغم من تخالف التركيبين على مستوى البنية المكونية فإن قيمتهما الدلالية متّفقة.
2- مقتضى ما تقدّم عن النحاة أن الغاية من الإضافة هي التخفيف بحذف النون أو التنوين، ومن ثَمَّ، فإن إضافة الوصف العامل إلى معموله لفظية لا تفيد المضاف تعريفاً أو تخصيصاً.
وعودة إلى مسألة الأصل والفرع، فلقد كنا نفهم أن يؤدي منطق النحويين بهم إلى حمل اسم الفاعل على الفعل المضارع في الشبه اللفظي والمعنوي، ومن ثَمَّ الإعمال أو الإضافة، بحكم ما لاحظوه من شبه في جوانب تزيد وتضعف لما تتضمنه أبنية الفاعل من دلالة على الحدث المقترن بزمن.
أما أن تُجعل إحدى البنيتين فرعاً على الأخرى، فهذا لا يتماشى ومنهج النّحاة في وصف الظواهر التي يحدّدها الاستعمال لا المنهج، "والأصل أن يُقال: لدينا وجهان، وجه يجري فيه اسم الفاعل على الإضافة، ووجه يجري فيه على التنوين، وليس أحدهما أصلاً للآخر"(32).
وخير شاهد على ذلك تواتر القراءات القرآنية بالوجهين "الإضافة والإعمال" كقوله عزَّ وجلَّ:]كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ[ [العنكبوت: 57] وقرأ اليزيدي: (ذائقةٌ) بالتنوين، و(الموتَ) بالنصب، وذلك فيما نقله عنه الزمخشري(33)ونقلها ابن عطية(34) عن أبي حيوة. وكقوله تعالى: ]وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ[ [الصف: 8]، قرأ ابن كثير والكسائي وخلف وحفص (مُتِمُّ) بغير تنوين (نُورِهِ) بالخفض، وقرأ الباقون بالتنوين والنصب(35)، وكقوله تعالى:]إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ[ [الطلاق: 3] قرأ حفص (بَالِغُ) بغير تنوين (أَمْرِهِ) بالخفض وقرأ الباقون بالتنوين والنصب(36).
يُضاف إلى ما قيل تفاوت نظرة العلماء حول قضية الأصل والفرع؛ إذ إننا نجد من النحاة من لا يفاضل بين الإعمال والإضافة، ويرى أنّ الإضافة والإعمال سيّان(37).
بينما يرى فريق آخر أن الإضافة أصل، يقول أبو حيّان في تعليقه على قول الله: ]وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَ[[البقرة:30] "جاعل: اسم فاعل بمعنى الاستقبال، ويجوز إضافته للمفعول إلا إذا فُصل بينهما كهذا، فلا يجوز. وإذا جاز إعماله، فهو أحسن من الإضافة، نصّ على ذلك سيبويه والذي أختاره أن الإضافة أحسن"(38).
ويقول أيضا: "وقد قررنا .. أن الأصل الإضافة؛ لأن العمل إنما هو بالشبه، والإضافة هي أصل في الأسماء"(39).
وقريب منه قول السيوطي: "يظهر لي أن الجر أولى؛ لأن الأصل في الأسماء إذا تعلّق أحدهما بالآخر الإضافة، والعمل إنما هو بجهد الشّبه للمضارع فدلّ على أن الأصل أولى"(40).
والقول بأن بنية تركيبية ما، أصل لبنية أخرى مما يتنافى مع المنهج اللغوي الحديث؛ إذ لا يَصحُّ أن تكون بنية تركيبية أصلاً لأخرى، والوجه أن تدرس كل ظاهرة بما يميزها من قسيمتها، وفقاً لما يظهره الاستعمال، وعلى هذا لا يصحّ أن تكون إحدى القراءتين أصلاً للأُخرى، "والوجه أن يُقال كُلٌّ منهما أصل قائمٌ برأسه غير محمول على الآخر"(41).
القِيَم الدِّلاليّة المُتحصِّلة من إضافة اسم الفاعل
أمّا قول النحاة: إن الإضافة والإعمال في المعنى سيّان، وهو ما أراده سيبويه بقوله: "فيحذفون النون أو التنوين ولا يَتَغَيَّر من المعنى شَيّء".(42)، وقوله: "وليس يُغير كفّ التنوين إذا حذفته مستخفاً شيئاً من المعنى"(43). وهو عين قول ابن مالك: "ومعنى المضاف والمتروك الإضافة واحد"(44)، فرأي مرجوح لغة واصطلاحاً ودلالة.
أمّا من حيث اللغة فقد نصّت المعجمات اللغوية على أن "الإضافة" هي "الإلصاق"؛ ولذا قيل: إن "الْمُلْزَقَ بِالْقَومِ هُوَ المُضَافُ وَقيل: أَضَفتَه إِذَا أَمَلْتَه إِلَيْكَ..ومنه يُقال: هو مضاف إلى كذا أي مُمال إليه(45)، وفي الحديث: "نُهِيَ عن الصلاة إذا تضيَّفت الشَّمس للغروب"(46)، يعني: إذا مالت للمغيب.
والذي تشير إليه جملة الدلالات المذكورة أن محور ما تدل عليه الإضافة هو "الإلصاق والتقريب" وهذا المعنى لا يتحقّق للتركيب في حال الإعمال والفصل بالتنوين. ومن ثّم، فإننا نلحظ في كل تركيب إضافي مما يمكن حمله على صورتي الإعمال والإضافة، أن صورة الإضافة من مثل قولنا: "زَيْدٌ بالِغُ هَدَفِه" فيها قُرب وإلصاق وتحقّق وقوع، في حين أن تركيب الإعمال في نحو قولنا: "زَيْدٌ بالِغٌ هَدَفَهُ" فيه استقبال وتوقّع تحقّق.
أمّا اصطلاحاً فقد نصَّ النحاة على أن الإضافة هي "نسبة تقييدية بين اسمين توجب لثانيهما الجر"(47)، وأن إضافة الاسم إلى الاسم إيصاله إليه من غير فصل، وجعل الثاني من تمام الأول يتنزَّل منه منزلة التنوين"(48).
ولا يخفى أن هذه الدلالات لا يحققها تركيب "زيدٌ ضاربٌ عمراًَ" كما تتحقّق في "زيدٌ ضاربُ عمرو". فضلاً عن قول النحاة إن المضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد.
ولقد كان بعض النحاة والأصوليين واعياً بدلالة هذا الاختلاف، الذي تعكسه الشواهد، فهم يمايزون طبقتين من التراكيب: تركيب متحقِّق وآخر محتمل، وقد أشار الأخفش إلى هذه المسألة بالقول: ".. وإنما أضاف إذا كان قد وقع الفعل، تقول: "هُمْ ضارِبو أبيكَ" إذا كانوا قد ضربوه. وإذا كانوا في حال الضرب أو لم يضربوا قلت: "هُمْ ضَارِبو أخاك"(49)؛ لأن موقف المتكلم في البناء الأول غير موقفه في التركيب الثاني، فليس كل منهما إعادة لكلمات سابقة فقط، بل هو إنشاء لتركيب ودلالة جديدين؛ لأنه لا يمكن أن يكون التركيب كقسيمه في كل تفاصيله، ففي الأول نجد المرسل موكولاً إلى الإقرار، والثاني موكولاً إلى الإنكار، ولا شكّ أن تحليل النحاة عملية شكلية إلى أقصى حد.
ومّما يُعزّز هذه الفكرة ما نقله السيوطي من حديث المرزباني عمّن سمع الكسائي يقول: "اجتمعتُ وأبو يوسف القاضي عند هارون الرشيد، فجعل أبو يوسف يذمّ النحو، ويقول: ما النحو؟ فقلتُ وأردتُ أن أُعلّمه فضل النحو-: ما تقول في رجل قال لرجل: أنا قاتِلُ غُلامِكَ، وقال له آخر: أنا قاتِلٌ غُلامَكَ، أيُّهما كنتَ تأخُذُ به؟ قال آخذهما جميعاً، فقال له هارون: أخطأتَ، وكان له عِلْمٌ بالعربية، فاستحيا، وقال كيف ذاك؟ فقال: الذي يُؤخذ بقتل الغلام الذي قال: أنا قاتِلُ غلامِكَ بالإضافة، فأما الذي قال: أنا قاتِلٌ غُلامَكَ - بلا إضافة - فإنه لا يُؤْخَذ؛ لأنه مستقبل لم يكن بعد"(50)، كما قال الله تعالى: ]وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا[ [الكهف: 23]، ويظهر من الرواية أن اسم الفاعل إذا أُضيف دلّ على تحقّق وقوع الفعل، وإذا عمل دل على عدم تحقّق وقوعه.
وممّا نقله صاحب الكوكب الدريّ: "إذا قال شخص: أنا قاتِلُ زَيْدٍ، ثم وجدنا زيداً ميتاً واحتمل أن يكون قد مات قبل كلامه وأن يكون بعده؛ فإن نوّنه ونصب به ما بعده لم يكن ذلك إقراراً، لأن اللفظ لا يقتضي وقوعه ..لكن جزم القاضي حسين في فتاويه: إذا جُرَّ كان إقراراً بخلاف ما لو نُصب"(51).
ولعلّ القول بوحدة دلالة التركيبين، يسوق إلى إلغاء دور الحركة الإعرابية، إذ المقصود من أي حركة إعرابية هو الربط بينها وبين معنى وظيفي خاص، فإمّا أن يُقال: إن مجيء الإضافة في نمطية اللغة؛ لأن العرف قد ارتضاها كذلك، أو أن يكون هناك ارتباط تام بين اختلاف الحركات واختلاف الأبواب النحوية التي ترمز إليها.
أما مقتضى كلام النحاة أن الحكم على الإضافة لفظية كانت أو غير لفظية مبنيّ على العمل، والعمل - كما هو معلوم- مبنيّ على المشابهة بين اسم الفاعل والفعل، فقد قادهم إلى بناء حكم آخر هو سلب دلالة التعريف والتخصيص من الإضافة غير المحضة واعتبار الإضافة لفظية تفيد التخفيف، وأن اسم الفاعل الدّال على الحال والاستقبال تُحذف منه النون والتنوين، ولا يكون الاسم بالإضافة إلى معرفة إلا نكرة.
يقول سيبويه: "وليس يُغيّر كفّ التنوين إذا حذفته مستخفاً شيئاً من المعنى، ولا يجعله معرفة"(52)؛ لأن التنوين حُذف استخفافاً، فلمّا ذهبت النون عاقبتها الإضافة والمعنى معنى ثبات النون(53).
ويرى سيبويه(54) ومن تابعه أن إضافة اسم الفاعل المراد به الحال أو الاستقبال، لا تُكسب المضاف تعريفاً أو تخصيصاً؛ لوقوعها وصفاً للنكـرة، كما في قـول الله تعـالى: ]هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ[ [المائدة: 95] فقوله: (بـالِغَ الكَعْبَة) من نعت الهدي وصفته. وإنـما جاز أن يُنعت به وهو مضاف إلـى معرفة؛ لأنه فـي معنى النكرة، وذلك أن معنى قوله: (بـالِغَ الكَعْبَةِ) يبلغ الكعبة، فهو وإن كان مضافـاً فمعناه التنوين، لأنه بـمعنى الاستقبـال.
ومن الشواهد التي ساقها النحاة، على عدم تمحض اسم الفاعل الدالّ على الحال والاستقبال، قوله تعالى: ]فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ[ [الأحقاف: 24]. فلو لم يكن "مستقبل أوديتهم" في معنى النكرة لم توصف به النكرة "عارضاً".
ومثل ذلك قوله تعالى: ]قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا[ [الأحقاف: 24] "فلو لم يكن قوله "مُمْطِرُنَا" في معنى النكرة والتنوين لم توصف به النكرة كذلك"(55) فـ(بالغ) و(ممطرنا) اسما فاعل مضافان إلى ما بعدهما ولو أفادا التعريف؛ لصارا صفتين معرفتين للموصفين النكرتين، وذلك غير وارد في اللغة.
يقول سيبويه: "ومما يكون مضافاً إلى المعرفة ويكون نعتاً للنكرة، الأسماء التي أُخذت من الفعل وأُريدَ بها معنى التنوين، من ذلك مررتُ برجل ضاربك، فهو نعتٌ على أنه سيضرِبه، كأنك قلت: مررتُ برجلٍ ضاربٍ زيداً."(56).
ومن أدلّة النحاة على تنكير الوصف المضاف إلى المعرفة، مجيء قرينة التنكير (رُبّ) ومدخولها اسم فاعل مضاف، في قول جرير(57):
[البسيط]
يَا رُبَّ غَابِطَنَا لَوْ كَانَ يَطْلُبُكُمْ

لاقَى مُبَاعَدَةً مِنْكُم وَحِرْمَانا


فدخول "رُبَّ" على اسم الفاعل دليلٌ على أنَّ إضافته غير محضة؛ لأنَّ "رُبّ" لا يقع بعدها إلا نكرة، فذلك يدلّك على أن "غابطنا" نكرة"(58).
ومن الشواهد التي ذكرها النحاة على عدم تمحض اسم الفاعل، وقوع اسم الفاعل المضاف إلى معرفة "حالاً " في قوله تعالى: ]وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ في اللّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنيرٍ ثَانِيَ عِطْفِه[ [الحج: 9]، فـ "ثَانِيَ عِطْفِه" منصوب على الحال والحال لا تكون إلا نكرة.
ويرى الدكتور محمد حسن عواد:(59) أن إضافة اسم الفاعل بمعنى المضيّ أو الحال أو الاستمرار، معنويةٌ شأنها شأن أي إضافة حقيقية. ذاهباً إلى أن كل من "بالغ الكعبة" و"ممطرنا" يحتمـل أن يكون بدلاً، لجواز إبدال النكرة من المعرفـة، كقولـه تعالى: ]وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم ٍ(52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ[ [الشورى: 52-53].
أما مجيء اسم الفاعل المضاف حالاً، في قوله تعالى: ]ثَانِيَ عِطْفِه[ [الحج: 9]، فيرى فيه أن تنكير الحال ليس واجباً في جميع الأحوال؛ بل الغالب في الحال أن يكون نكرة(60)، مستدلاً على ذلك بمذهب البغداديين ويونس، الذين يجيزون تعريف الحال مطلقاً بلا تأويل، كما في "جاء زيدٌ الراكبَ"(61).
فضلاً عن مجيء الحال معرفة في قول الشاعر(62):
فَأَرْسَلَهَا العِرَاكَ وَلَمْ يَزُدْهَا

وَلَمْ يُشْفِقْ عَلَى نَغَصِ الدّخَالِ


وقول العرب: "اجتهد وحدك وكلَّمتُه فاهُ إلى فِيَّ"(63). والحق أن جملة الشواهد المذكورة أدلّة كافية على مجيء الحال معرفة في الشعر والنثر على حدّ سواء، وحملها على الظاهر خير من التأويل الذي لجأ إليه النحاة.
ونحن نعلم أن النحاة قد حملوا هذه الشواهد على التأويل، يقول أبو البركات: "فأما قولهم أرسلها العراك، وطلبته جهدك، وطاقتك، ورجع عوده على بدئه؛ فهي مصادر أُقيمت مقام الحال؛ لأن التقدير "أرسلها تعترك" و"طلبته تجتهد"، وتعترك وتجتهد جملة من الفعل والفاعل في موضع الحال، كأنك قلت أرسلها معتركة، وطلبته مجتهداً إلا أنه أضمر وجعل المصدر دليلاً عليه، وهذا كثير في كلامهم(64).
أما استدلال النحاة بأن "رُبَّ" قرينة تنكير؛ لاختصاصها بالنكرات، بدليل دخولها على اسم الفاعل (ممطرنا)، - وهو دليل على تنكير اسم الفاعل-، فمردود بدخول "رُبَّ" على (مَنْ) (65) في قول الشاعر(66):
رُبَّ مَنْ أَنْضَجْتُ غَيْظَاًً قَلْبهُ


قَدْ تَمَنَّى لِيَ مَوْتَاًً لَمْ يُطَعْ


و"مَنْ" كما هو معلوم من أبنية المعارف في العربية، ودخول "ربَّ" عليها ينقض اختصاصها بالنكرات.
وتجدر الإشارة إلى أن النحاة قد عدّوا (من) في هذا البيت نكرة موصوفة، وليست معرفة(67)، يقول الزجاج: "وتكون نكرة يلزمها النعت، كقولك: "مررتُ بمَن مُحسنٍ"، أي "بإنسانٍ مُحسنٍ". وممّا حُمل على تنكيرها كذلك قوله:
[الكامل]
فكفى بنا فضلاً على مَنْ غيرِنا


حُبُّ النبيِّ محمدٍ إيانا


يريد "على قوم غيرنا" (68).
وإن كان بعض العلماء قد ارتضى مجيء "منْ" نكرة كما ذكرنا، فإنه لم يفت بعضهم تقييد ذلك بوقوع "مَنْ" موقع النكرة، يقول الكسائي: "إن العرب لا تستعمل (من) نكرة موصوفة إلا بشرط وقوعها في موضع لا يقع فيه إلا النكرة"(69).
ويقول أبو حيّان: "وأكثر لسان العرب أنها لا تكون نكرة موصوفة إلا في موضع يختص بالنكرة، كقول سويد: ويقلّ استعمالها في موضع لا يختصّ بالنكرة"(70).
ويبدو لي أن القول بتمحض إضافة اسم الفاعل (الدّالّ على الحال والاستقبال) على إطلاقه، غير مسلّم به؛ لما تقدم من عدم إمكانية إغفال التنكير في الشواهد التي تقطع كل قول بالإطلاق، كما أن قول النحاة بعدم دلالة الإضافة غير المحضة على التعريف أو التخصيص - على إطلاقه - غير سائغ كذلك.
والذي أراه أن الإضافة المعنوية تفيد التعريف والتخصيص، والإضافة اللفظية يجوز أن تفيد التخصيص أو التعريف إذا تضمّن التركيب قرينة لغوية أو سياقية تحقّق ذلك. فالتعريف والتخصيص في الإضافة المحضة، والتخصيص في غير المحضة دلالتان مركزيتان في كل مركّب إضافي، ثُمّ تفترق تلك الأنماط باختصاص كل نمط بدلالة بعينها.
ولعلّنا لا نعدم في ثنايا أقوال النحاة من الإشارات ما يؤيد هذا الزعم، يقول سيبويه: "وزعم يونس والخليل أن هذه الصفاتِ المضافةَ إلى المعرفة، التي صارت صفة للنكرة، قد يجوز فيهن كُلُّهُنَّ أن يكنَّ معرفة، وذلك معروف في كلام العرب، يدلّك على ذلك أنه يجوز أن تقول: مررت بعبد الله ضاربك فجعلت ضاربك بمنزلة صاحبك"(71). وقد نصّ ابن مالك على أن إضافة اسم الفاعل قد تفيد التخصيص؛ لما لاحظه من أنّ ضارب زيد أخص من ضارب"(72). ويقول ابن عصفور: "وقد تُجعل إضافة جميع ما ذُكِر - يعني الصفات - مَحضة ……"(73).
ويوضّح أبو حيّان هذا الرأي بقوله: "وحلّ هذا الإشكال هو أن اسم الفاعل، إن كان بمعنى الحال أو الاستقبال، جاز فيه وجهان:
أحدهما: ما قدّمناه من أنه لا يتعرّف بما أضيف إليه، إذ يكون منوياً فيه الانفصال من الإضافة، ولأنه عمل النصب لفظاً.
الثاني: أن يتعرّف به إذا كان معرفة، فيلحظ فيه أن الموصوف صار معروفاً بهذا الوصف، وكان تقييده بالزمان غير معتبر، وهذا الوجه غريب النقل، لا يعرفه إلا من له اطّلاع على كتاب سيبويه وتنقيب عن لطائفه"(74).
وواضح أن في هذا القول غناء عن كثير من الجدل والخلاف المفضي إلى تعقيد اللغة، باعتباره توصيفاً لظاهرة لغوية، وفق سياق استخدامها، وأن الأخذ بهذا القول يقطع كل مجال للخلط والاضطراب.
وممّا يقوّي هذا الرأي أننا نجد في كتاب الله تعالى بعض أسماء الفاعلين، التي تدل على الحال والاستقبال، وقد وقعت معرفة على غير نيّة الانفصال، ولو نوي التنوين لكانت النكرة صفة للمعرفة، ومن ذلك قوله تعالى: ]مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[ [الفاتحة: 4] بالجر للإضافة، فلو قُرئ بالتنوين لصار "مالك" صفة لمعرفة وهو "رَبُّ العالمين"، ولا اعتداد بقول من يقول: إنه لا يصلح صفة للمعرفة"(75).
يقول الزمخشري: "فإن قلت: فإضافة اسم الفاعل إضافة غير حقيقية فلا تكون معطية معنى التعريف، فكيف ساغ وقوعه صفة للمعرفة؟ قلت: إنما تكون غير حقيقية إذا أُريد باسم الفاعل الحال أو الاستقبال، فكان في تقدير الانفصال، كقولك: مالك السّاعة الآن أو غداً. فأما إذا قُصِدَ معنى الماضي، كقولك: "هو مالك عبده أمسِ"، أو زمان مستمر كقولك: "زيدٌ مالك العبيد"، كانت الإضافة حقيقية كقولك: مولى العبيد"، وهذا هو المعنى في: ]مالِكِ يَوْمِ الدِّين[(76).
ومما يُحمل على هذا، قول الله تعالى:]الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً[ [فاطر: 1] عند من جعلهما على إرادة الاستقبال،ومثله قوله تعالى: ]إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى[ [الأنعام: 95]، يقول العكبري: قوله تعالى: (فالق الحب): يجوزُ أنْ يكونَ معرفةً؛ لأنه ماضٍ، وأنْ يكونَ نكرة على أنه حكاية حال"(77).
وإذا كان الأمر على ما يقول النحاة، فإنَّ الأوصاف المتّصف بها الحق - جلّ شأنه- ليست أوصافاً عارضةً ولا طارئةً ولا محددة بزمن.
وقد أطلق النحاة "مصطلح" الإضافة اللفظية على هذا الضرب من الإضافة؛ لما لاحظوه من أن الإضافة اللفظية لا تُكسب المضاف تعريفاً ولا تخصيصاً.
يقول الزجاجي في حدّها: "التي لا يكتسب المضاف بها من المضاف إليه تعريفاً إن أُضيف إلى معرفة ولا تخصيصاً إن أُضيف إلى نكرة"(78)، ويقول السيوطي: "وأمّا المُضاف إضافة لفظية فلا يتخصّص بالإضافة ولا يتعرّف بها، بل هو معها على إبهامه قبل "(79)، وبذلك نرى أن التعريف والتخصيص أثران معنويان لا صلة للإضافة غير المحضة بجلبهمـا للـمضاف - على حد تعبير النحاة-.
ومن التعليلات التي يعلّلها النحاة في التماس أصول الظواهر اللغوية، الميل إلى الخِفّة في النطق؛ لأن المقصود بها مجرد تخفيف اللفظ بحذف التنوين أو نون التثنية أو الجمع، على حدّهما كما في (حسن الوجه)(80).
فلما كانت فائدة هذه الإضافة مقصورة في الأغلب على التخفيف بحذف التنوين، كقوله تعالى: ]رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ[ [آل عمران: 9]، سُمّيت هذه الإضافة لفظية؛ لأنّ فائدتها ليست عائدة إلا إلى اللفظ، إما إلى تخفيفه وإما إلى تحسينه (81)؛ لما بين جزئي التركيب المتضايف من تقدير للانفصال(82) وَلِوقوع أثرها المباشر على الألفاظ دون المعاني(83).
والخفّة التي أشار إليها النحاة تتسق ومنطق اللغة؛ فالمتكلم ينزع في كلامه إلى التخفيف من الزوائد؛ لتوفير الجهد، وبخاصة إذا بان المعنى المقصود، فهذا مسلك لغوي يتوخّاه المتكلّم.
وإن كنا نوافق النحاة على أن حذف النون والتنوين للإضافة ضرب من ضروب الخفّة؛ فـإننا لا نرى أن التخفيف قيمة دلالية أُقيمت الإضافة لأجله، فلم يكن قصد الناطق ساعة أضاف الوصف إلى معموله، إحداث التخفيف فحسب، وإنما قصد من ضم البنيتين إحداث قيمة دلالية لا تَحْسُن إلاّ بمجموع المتضايفين. وقد أدرك بعضهم هذه الحقيقة، يقول الفارسي في تعليله لقراءتي النصب والجر في قوله تعالى: ]هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ[ [الزمر: 38] وقوله: ]هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ[ [الزمر: 038]، يُقرآن بالتنوين والنصب، وبحذف التنوين والخفض، فالحجّة لمن نوّن أنه أراد الحال والاستقبال، ولمن أضاف أنه أراد ما ثبت ومضى(84).
لأن اللغة حين تجد في تركيب ما، بياناً أكثر ممّا في تركيب آخر، تهجر هذا إلى ذاك، وقد ذكرنا في ما مضى طائفة من القراءات القرآنية التي قُرئت بالوجهين: بالإضافة تارة وبالتنوين والنون أخرى، كقوله تعالى: ]وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ[ [المائدة: 2]، قرأ الجمهور بثبوت النون وقرأ الأعمش بحذف النون والإضافة(85).
ولو كان الأمر على ما يقول النحاة لما عدل الناطق من الخفّة إلى الثقل مع قدرته على تحقيق ذلك؛ ولعُدل إلى الإضافة ولخلت اللغة من كل تركيب مظنّة الثّقل، لكن التخفيف هو آخر ما يتحكّم في اللغة وتراكيبها.
أمّا التخفيف فهو مظهر سياقيّ يحدثه الذوق الاستعمالي الذي يكره توالي التنوين مع الإضافة في سياق تركيبي واحد، أو لِنقل هو سلوك نطقي يُجلب لحلّ إشكال التعارض بين ظاهرتين يأبى نظام اللغة اجتماعهما في سياق واحد، وهما (التنوين أو النون والإضافة).
أمّا قَصْر القيم الدلالية للإضافة غير المحضة على دلالة "التّخفيف" دون غيرها من الدلالات، فمؤشر غير دقيق في فهم المعنى النحوي؛ إذ إن القول بأن الإضافة غير المحضة هي "لفظية" تفيد التخفيف حسب، فصل بين المقال والمقام، أو لِنَقُل فصل بين التركيب والدلالة، وهو فصل غير عادل، إذ جعل النحاة المعنى من خصوصيات الإضافة المعنوية وليس من الإضافة اللفظية في شيء، مع أنّ المعنى النّحوي لا يستوي ولا يكتمل إلا بتضافر القرائن في إطار الاستعمال أو السياق، وهذا فصل خطر للغاية بين التركيب والدلالة.
والذي نريد أن نصل إليه مدى حرص النحاة على قواعدهم وأصولهم المعيارية التي سلكوها بعد استقراء اللغة؛ ليسلم لهم اطّراد القاعدة، ولتبقى تنظيراتهم منسجمة، وهم معذورون في ذلك.
والملاحظ من تنظيرات النحاة - في باب الإضافة - أن النظرية النحوية العربية وسعت في تحليلها البعد التركيبي دون أن تغفل البعد الدلالي، الأمر الذي يضفي عليها نوعاً من الشمول والمرونة، إلا أنه يجب التنبيه إلى أمر غاية في الأهمية، فالنحاة العرب وإن شملوا ببعدهم التركيبي جانباً من البعد الدلالي، فإن اهتمامهم قد انصبّ أساساً على البنية التركيبية للغة، القائمة على نظرية العامل، لبيان العلاقات التركيبية التي تجمع بين عناصر التركيب وضبطها، ويؤكد ذلك ما رأيناه من ارتباط الوظائف النحوية، وهي القائمة بالبنية التركيبية والدلالية الأساسية للغة بشكل أساسي. وذلك يعني أن نظرية العامل تنهض أيضاً بإيضاح العلاقات المعنوية بين عناصر التركيب.

نتائج الدراسة
1- إنّ أهم ما وصلنا إليه في هذه الدراسة، ضرورة الربط بين كل ما هو تركيبي بحت – وهو ما كان في واقع الأمر مدار انشغال النحاة – وما هو دلالي، حتى لا تبقى الأبنية والتراكيب العربية قوالب جامدة خالية من كل روح؛ لذا هدفت الدراسة إلى إيضاح الصّلة بين هذين العلمين (التركيب والدّلالة) في باب الإضافة، خاصة أن الإضافة حلقة وصل تمكّن من إقامة العلاقات بين الجمل، وتساعد في تأليف أجزاء النص، وتنسج علاقات متينة واسعة بين الجمل.
2- أكدّت الدراسة أن التركيب الإضافي واحد من أهم التراكيب اللغوية التي يتجسّد فيها دور الحركة الإعرابية في توضيح المعنى؛ إذ إنها القرينة الوحيدة في توجيه دلالة التركيب إلى المضيّ والتحقّق، كما في قولنا: "ضاربُ زيدٍ"، وأنها القرينة الوحيدة كذلك التي ترشّح البنية إلى الاستقبال والتوقع، كما في قولنا: "ضاربٌ زيدًا".
3- إن فكرة الأصل والفرع التي قال بها النحاة في إضافة اسم الفاعل وهي أن الإعمال أصل الإضافة، تتنافى ومنهج النحاة في توصيف الظواهر اللغوية، إذ لا يصح أن تكون إحدى البنيتين أصلاً للأخرى، والوجه أن تدرس كل ظاهرة بما يميزها من قسيمتها، وفقًا لما يظهره الاستعمال، وأن يُقال كلٌّ منها أصل قائم برأسه غير محمول على الآخر.
4- تبين من خلال استقراء الآيات القرآنية وتحليلها صحة ما ذهب إليه بعض العلماء القدامى والمحدثين، من أن الإضافة غير المحضة يمكن أن تكون محضة وتفيد التعريف والتخصيص شأنها شأن الإضافة المعنوية إذا توافرت القرائن الدّالة على هذا، ولعلَّ من أبرز الشواهد التي يمكن الاستدلال بها وصف الله – عز وجل – لذاته الشريفة بـ (مالك الملك) و(شديد العقاب) و(غافر الذنب) إلى غير ذلك من شواهد إضافة الوصف التي توجّهت الأكثرية الكاثرة من النحاة إلى عدّها غير محضة.
الهوامـش
(1) شرح التصريح: 1/679.
(2) شرح الكافية: 1/220.
(3) ارتشاف الضرب: 2/504.
(4) انظر: الكتاب: 1/21، 30، والمقتصد، 1/512- 513، وشرح الكافية: 221- 223.
(5) المرتجل، ابن الخشاب، 236، وانظر اللباب في علل البناء والإعراب: 1/437، وشرح ابن عقيل: 3/106.
(6) شرح ابن عقيل: 3/106.
(7) مغني اللبيب: 1/598.
(8) انظر: شرح قطر الندى: 270.
(9) انظر: رسالة في اسم الفاعل المراد به الاستمرار في جميع الأزمنة، أحمد بن قاسم العبادي، 75.
(10) مغني اللبيب: 1/598.
(11) انظر: اسم الفاعل في القرآن الكريم: 106.
(12) شرح اللمحة البدرية في علم اللغة العربية، 279.
(13) انظر: رسالة في اسم الفاعل: 75.
(14) الكتاب: 1/102.
(15) انظر: اسم الفاعل بين الاسمية والفعلية: 41.
(16) شرح المفصل: 6/77.
(17) همع الهوامع، السيوطي: 4/69.
(18) الإيضاح العضدي، أبو علي الفارسي: 134، والمقتصد: 1/ 513، وأوضح المسالك، ابن هشام: 3/217، وشرح المفصل: 6/77.
(19) انظر: دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، 202-203.
* نلاحظ أن ثمة فرقاً بين فكر عبد القاهر النحوي، وفكره البلاغي، يقول في المقتصد: ".. ألا ترى أنك لو أوقعت المضارع موقعه، نحو وكلبهم يبسط ذراعيه وجدته مستقيماً" 1/513.
(20) دلائل الإعجاز: 203.
(21) انظر: اسم الفاعل بين الاسمية والفعلية، فاضل الساقي: 69.
(22) انظر: مناهج البحث في اللغة، تمام حسان: 245، واسم الفاعل بين الاسمية والفعلية:71.
(23) انظر: حجة القراءات: يقول: "وحجتهم أن الفعل منتظر، فالتنوين الأصل، وهو وعد من الله فيما يستقبل وفي حال الفعل كأن تقول: أنا ضارب زيداً": 1/708 واسم الفاعل بين الاسمية والفعلية:71.
(24) انظر: اللباب، 390، وشرح المفصل: 2/122.
(25) انظر: شرح المفصل: 2/122.
(26) انظر: شرح الكافية: 220، وشرح التصريح: 1/ 680-681، ورسالة في اسم الفاعل: 73 وما بعدها.
(27) الكتاب: 1/168. معطي رأسه: ذلول منقاد، يعني البعير، ناج: سريع، المتعيس: الأبيض تخالطه شقرة.
(28) شرح الكافية: 2/220.
(29) الكتاب: 1/165.
* والمعنى الذي يقصده سيبويه هنا هو التعريف والتنكير، بمعنى أن حذف التنوين لا يجعل اسم الفاعل معرفة.
(30) الكتاب: 1/168، وانظر: رسالة في اسم الفاعل: 39.
*انظر: قول سيبويه ص12 من البحث.
(31) انظر: رسالة في اسم الفاعل: 59.
(32) الكشاف، الزمخشري: 1/476.
(33) المحرر الوجيز، في تفسير الكتاب العزيز، ابن عطية: 3/447.
(34) الكشاف: 1/476.
(35) النشر في القراءات العشر، ابن الجزري: 2/290.
(36) المصدر السابق: 2/290.
(37) نسبه أبو حيان للكسائي، قال: "وقال الكسائي هما سواء"، البحر المحيط: 10/403.
(38) البحر المحيط، أبو حيان: 1/226.
(39) المصدر السابق: 10/403.
(40) الهمع: 2/96، والمساعد: 2/200.
(41) انظر رسالة في اسم الفاعل: 41.
(42) الكتاب: 1/165.
(43) المصدر السابق.
(44) شرح الكافية: 1/409.
(45) انظر: اللسان، مادة ضيف.
(46) المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم، لأبي نعيم الأصبهاني: 2/423.
(47) الهمع: 2/411.
(48) شرح المفصل: 2/126.
(49) معاني القرآن، الأخفش: 1/256.
(50) الأشباه والنظائر، السيوطي: 6/211.
(51) الكوكب الدري، الأسنوي: 243.
(52) الكتاب: 1/165.
(53) انظر المقتضب: 4/149.
(54) انظر الكتاب: 1/165-166.
(55) المصدر السابق: 1/165-166.
(56) المصدر السابق: 1/425.
(57) ديوان جرير، شرح، يوسف عيد: 751، والكتاب: 1/427.
(58) المصدر السابق: 1/427.
(59) انظر: رسالة في اسم الفاعل: 59، واسم الفاعل في القرآن الكريم: 1408
(60) شرح ابن عقيل: 2/248.
(61) المصدر السابق: 2/248.
(62) أسرار العربية: 1/179، واللباب: 285، وأوضح المسالك: 2/304، وشرح شذور الذهب: 324. (63) المفصل، الزمخشري: 91.
(64) أسرار العربية: 1/ 179.
(65) انظر: رسالة في اسم الفاعل: 59.
(66) الأغاني، الأصفهاني: 13/112، وجمهرة أمثال، أبو هلال العسكري: 2/380.
(67) انظر البحر المحيط: 1/85، ومغني اللبيب: 364-365، شرح شذور الذهب: 1/170.
(68) الجمل في النحو: 323.
(69) البحر المحيط: 1/85.
(70) المصدر السابق: 1/85.
(71) شرح شذور الذهب: 1/170. وانظر: رسالتان في اللغة: 41.
(72) الكتاب: 1/428، وانظر: فاتحة الإعراب في إعراب الفاتحة، الإسفراييني: 41.
(73) انظر مغني اللبيب: 565.
(74) المُقَرِّب، ابن عصفور: 1/209.
(75) البحر المحيط: 1/38.
(76) فاتحة الإعراب: 141.
(77) الكشاف: 1/55.
(78) التبيان في إعراب القرآن: ا/254.
(79) شرح الجمل: 166.
(80) الهمع: 2/416.
(81) شرح ابن الناظم: 274، والهمع: 2/416.
(82) شرح ابن الناظم: 275.
(83) المساعد: 2/231.
(84) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي: 6/42.
(85)النشر في القراءات العشر، ابن الجزري.




المصادر والمراجع:
1. اسم الفاعل بين الاسمية والفعلية، فاضل الساقي، د0ط، 1390هـ/1970م.
2. الأشباه والنظائر، جلال الدين السيوطي تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، مكتبة الكليات الأزهرية، 1395هـ/1975م.
3. ارتشاف الضَّرب من لسان العرب، أبو حيان الأندلسي، تحقيق: مصطفى أحمد النماس، مطبعة المدني، ط1، 1409هـ/1989م.
4. الأغاني، أبو فرج الأصفهاني، تحقيق: سمير جابر، دار الفكر، بيروت، ط2.
5. الإيضاح العضدي، أبو علي الفارسي، تحقيق: كاظم بحر المرجان، عالم الكتب ط2، 1416هـ/1996م.
6. الإيضاح في شرح المفصل، ابن الحاجب، تحقيق: موسى بنيان العليلي، مطبعة العاني، د.ت، د.ط.
7. الإيضاح في علل النحو، الزجاجي (337هـ) تحقيق: مازن المبارك، مكتبة دار النفائس، ط5، 1406/1986.
8. البحر المحيط في التفسير، أبو حيان الأندلسي (754)، دار الفكر، 1412هـ/1992م.
9. تفسير الطبري، محمد بن جرير (210هـ)، دار الفكر، بيروت، 1405هـ.
10. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار الكتب المصرية، دار الكاتب العربي، 1387هـ/1967م.
11. الجمل في النحو، أبو القاسم الزجاجي، تحقيق: علي الحمد، مؤسسة الرسالة، دار الأمل، ط2، 1405هـ.
12. جمهرة أمثال العرب، أبو هلال العسكري، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر، ط2، 1988م.
13. حجة القراءات ابن زنجله،تحقيق: سعيد الأفغاني، مؤسسة الرسالة، ط2، 1402هـ/1982.
14. الحجة للقرَّاء السبَّعة، أبو علي الفارسي (377هـ) تحقيق: بدر الدين فهوجي، بشير جويجاتي، دار المأمون للتراث، ط1، 1404هـ/1984م.
15. الدُّرر اللوَّامع على همع الهوامع، أحمد بن الأمين الشنقيطي، تحقيق: محمد باسل عيون السّود، بيروت، دار الكتب العلمية، 1999م.
16. ديوان جرير، شرح يوسف عيد، دار الجيل، بيروت، ط1، 1413هـ/1992م.
17. رسالتان في اللغة، الرُّماني، تحقيق: إبراهيم السامرائي، دار الفكر، عمان، 1984م.
18. رسالة في اسم الفاعل، أحمد بن قاسم العبادي (992هـ) تحقيق: محمد حسن عواد، دار الفرقان/ عمان، ط1، 1983م.
19. شرح ابن الناظم، تأليف عبد الله بدر الدين محمد ابن الإمام ابن مالك، تحقيق: محمد باسل عيون السود، دار الكتب العلمية، ط1، 1420هـ/2001م.
20. شرح الأشموني على ألفية ابن مالك، تحقيق: عبد الحميد السيد، المكتبة الأثرية، د0ط، د0ت.
21. شرح التصريح على التوضيح، خالد الأزهري، تحقيق: محمد باسل عيون السود، دار الكتب العلمية، بيروت.
22. شرح جمل الزجاجي، ابن عصفور (669هـ) تحقيق: صاحب أبو جناح، 1402/1982م.
23. شرح كافية ابن الحاجب، الرضي الاسترباذي، تحقيق: يوسف حسن عمر، جامعة قاريونس.
24. شرح الكافية الشافية، ابن مالك، تحقيق: محمد علي معوّض، عادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1420هـ/2000م.
25. شرح المفصل، ابن يعيش، عالم الكتب.
26. فاتحة الإعراب في إعراب الفاتحة، الأسفراييني، تحقيق: عفيف عبد الرحمن، 1400هـ/1980م.
27. الكتاب، سيبويه، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار عالم الكتب، بيروت.
28. الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل، الزمخشري (538هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1، 1417هـ/1997م.
29. الكوكب الدّري، فيما يتخرج على الفروع الفقهية، الأسنوي، تحقيق: محمد حسن عواد، دار عمار، 1405هـ/1985م.
30. اللبّاب في علل البناء والإعراب، العكبري (616هـ) تحقيق: غازي طليمات، دار الفكر المعاصر، بيروت، ط1، 1416هـ/1995م.
31. لسان العرب، ابن منظور، دار صادق، بيروت، د.ت، د.ط.
32. المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ابن عطية، تحقيق: عبدالله بن إبراهيم الأنصاري، وعبد العال السيد إبراهيم، ط1، 1409هـ/1989م.
33. المرتجل، ابن الخشاب، تحقيق: علي حيدر، دار الحكمة، دمشق، 1972م.
34. المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم، لأبي نعيم الأصبهاني، تحقيق: محمد حسن الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1996م.
35. معاني القرآن، الأخفش، سعيد بن مسعدة، تحقيق: عبد الأمير الورد، عالم الكتب، ط1، 1405هـ/1985م.
36. المفصل في صنعة الإعراب، الزمخشري، تحقيق: علي أبو ملحم، دار مكتبة الهلال، بيروت، ط1، 1993م.
37. مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، ابن هشام الأنصاري، تحقيق: مازن المبارك ومحمد علي حمد الله، دار نشر الكتب/ لاهور، ط1، 1399هـ/1979م.
38. المقتصد في شرح الإيضاح، عبد القاهر الجرجاني، تحقيق: كاظم بحر المرجان، دار الرشيد للنشر، 1982م.
39. المقتضب، المبرد، تحقيق: محمد عبد الخالق عظيمة، عالم الكتب، د.ت، د.ط.
40. مناهج البحث في اللغة، تمام حسان، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، 1407هـ/1986م.
41. النحو الوافي، عباس حسن، دار المعارف، مصر، ط4. د.ت.
42. النشر في القراءات العشر، ابن الجزري (833هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1418هـ/1998.
43. همع الهوامع في شرح وجمع الجوامع، السيوطي، تحقيق: حسن هنداوي، المكتبة التوفيقية، القاهرة، د.ت، د.ط.
الرسائل الجامعية:

1- اسم الفاعل في القرآن الكريم، إعداد: أبو سعيد محمد عبد المجيدوحيدي، جامعة اليرموك، إشراف، د. محيي الدين رمضان، 1988/1408هـ.

البحوث المنشورة:

1- اللغة العربية بين الثبوت والتحوّل، مُثل من ظاهرة الإضافة، د. نهادالموسى، حوليات الجامعة الكويتية.



المصدر: ملتقى شذرات


jpvdvE hslA hgthugA lk l.hulA hglE[hvhmA

__________________
----------
حين يباغت النسيان هياكل الذكريات
المترامية على سفوح الوجدان
تنساب دمعة حزن على مهجة الحروف
ويتدثر الإحساس في صمت الأمكنة
ليداري وجع الفراق >>>>
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« المَلامحُ الرّئيسةُ في مَوقفِ الجاحِظِ من الثقافات الأجنبية | التّصغير في اللغة العربية نظرة في: الدلالة والتحليل الصوتي »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 09:51 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2016, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73