تذكرني !

 





التاريخ الإسلامي صفحات خالدة في التاريخ الإسلامي

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #5  
قديم 01-29-2012, 11:28 PM
الصورة الرمزية تراتيل
تراتيل غير متواجد حالياً
متميز وأصيل
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 720
افتراضي

بقلم الدكتور محمد موسى الشريف

عباد مصر وزهادها وأولياؤها:
قد كان في مصر جملة وافرة من العباد والزهاد والأولياء الذين كانوا بعيدين عن الشطح والبدع، وضربوا أعظم الأمثلة في العبادة والزهد والولاية، فكان منهم :
سليم بن عِتْر التجيبي المصري قاضي مصر وناسكها، وهو من كبار التابعين، حضر خطبة الفاروق عمر بالجابية وحدث عنه وعن صحابة آخرين, وسُميَ الناسك لكثرة فِضله وشدة عبادته، وكان كثير الختم للقرآن، وهو أول قاص -أي واعظ- بمصر, توفي سنة 75, رحمه الله تعالى.
ومنهم حَيْوة بن شُريح التُجَيبيّ، أبو زرعة المصريّ المتوفى سنة 158, رحمه الله تعالى، وهو فقيه زاهد عابد، أحد سادة العباد والزهاد، قال عبدالله بن المبارك : ما وُصف لي أحد ورأيته إلا كانت رؤيته دون صفته إلا حَيوة بن شريح فإن رؤيته كانت أكبر من صفته.
وذو النون المصري ثوبان بن إبراهيم المتوفى سنة 245 - رحمه الله تعالى - الذي بهر المتوكل على الله الخليفة العباسي وأبكاه فرده مكرماً إلى مصر بعد أن حُمل إليه متهماً بالزندقة، وكان المتوكل بعد ذلك يقول: إذا ذُكر الصالحون فحيّ هلا بذي النون، وقد ورد عنه أقوال وأحوال لطيفة بعيدة عن الشطح الذي ابتلي به كثير من العباد بعد ذلك، فمما ورد عنه رحمه الله تعالى أنه كان يقول: الاستغفار جامع لمعانٍ:
أولها: الندم على ما مضى.
الثاني: العزم على الترك.
الثالث: أداء ما ضيعت من فرض الله.
الرابع: رد المظالم في الأموال والأعراض والمصالحة عليها.
الخامس: إذابة كل لحم ودم نبت على الحرام.
السادس: إذاقة ألم الطاعة كما وجدت حلاوة المعصية.
وكان في زورق فمر به زورق آخر، فقيل لذي النون: إن هؤلاء يمرون إلى السلطان يشهدون عليك بالكفر، فقال: اللهم إن كانوا كاذبين فغَرِّقهم، فانقلب الزورق وغرقوا، فقيل له: فما بال الملاح؟ قال: لم حملهم وهو يعلم قصدهم؟ ولأن يقفوا بين يدي الله غرقى خير لهم من أن يقفوا شهود زور, ثم انتفض وتغير وقال: وعزتك لا أدعو على أحد بعدها.
وقيل لذي النون: كيف خلصت من المتوكل وقد أمر بقتلك؟
قال: لما أوصلني الغلام قلت في نفسي: يا من ليس في البحار قطرات، ولا في دَيْلَج الرياح ديلجات -يعني والله أعلم دورة الرياح- ولا في الأرض خبيئات، ولا في القلوب خطرات إلا وهي عليك دليلات، ولك شاهدات، وبربوبيتك معترفات، وفي قدرتك متحيرات، فبالقدرة التي تجير بها مَن في الأرضين والسموات إلا صليت على محمد وعلى آل محمد وأخذت قلبه عني، فقام المتوكل يخطو حتى اعتنقني ثم قال: أتعبناك يا أبا الفيض.
ومنهم أبوبكر بن الحداد المصري الإمام الجليل الفقيه، كان كثير التعبد، يصوم يوماً ويفطر يوماً، ويختم في كل يوم وليلة ختمة، وقد روى عن مالك والليث وابن لهيعة والفضيل بن عياض وسفيان بن عيينة.
ومنهم بُنان الحمال الزاهد, المتوفى سنة 316 -رحمه الله تعالى- الذي أنكر على واحد من وجهاء أهل الذمة ركوبه الخيل في مصر، وأمره بالنـزول وركوب الحمار, كما أُخذ عليهم في عهد الذمة, فبلغ الأمرَ خُمارويه بن أحمد بن طولون حاكم مصر فجوّع أسداً وأُلقي بنان بين يدي الأسد فكان يشمه ولا يؤذيه فرُفع من بين يديه وزاد تعظيم الناس له، فقيل له: كيف كان حالك وأنت بين يدي الأسد؟ فقال: لم يكن عليّ بأس ولكن كنت أفكر في سؤر السباع أهو طاهر أم نجس؟!
ومن كلامه: ذكر الله باللسان يورث الدرجات، وذكر الله بالقلب يورث القربات، وكان يُضرب بعبادته المثل.
وجاء إليه رجل يشكو ضياع وثيقة له على رجل ديناً بمائة دينار مصرية -وهي مبلغ ضخم آنذاك- وخاف أن ينكر الرجل الدين وطلب منه الدعاء فقال له: أنا رجل قد كبرت وأنا أحب الحلوى فاذهب فاشتر لي رطلاً، وائتني به حتى أدعو لك، فذهب الرجل وعاد بالحلوى وقد لُفّت بورقة فإذا هي وثيقته الضائعة!! فأخبر الشيخ بذلك فقال : خذ الحلوى وأطعمها صيبانك!!
ولما توفي خرج أكثر أهل مصر في جنازته, وكانت شيئاً عجباً، رحمه الله تعالى.
ومنهم أحمد بن نصر الدقاق، من أقران الجنيد، وكان من كلامه: مَن لم يصحبه التقى في زهده أكل الحرام المحض.
وقال: كنت ماراً في تيه بني إسرائيل فخطر ببالي أن علم الحقيقة مباين لعلم الشريعة، فهتف بي هاتف من تحت شجرة: كل حقيقة لا تتبع الشريعة فهي كفر، وهذا الذي ذكره يُعد قاعدة مهمة في علم الزهد والرقائق غفل عنها أهل الشطح والبدع فيما بعد.
ومنهم أبو علي الحسن بن أحمد الكاتب المصري المتوفى سنة 343،رحمه الله تعالى, وكان من كبار المصريين، وكان أوحد مشايخ زمانه، ومن كلامه إذا انقطع العبد إلى الله بكُليته أول ما يفيده الله الاستغناء به عن الناس.
ومنهم سند بن عثمان الأزدي، توفي بالإسكندرية سنة 541، كان من زهاد العلماء والفقهاء، ومن كبار الصالحين، رُئي في النوم فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: عُرضت على ربي فقال لي: أهلاً بالنفس الطاهرة الزكية العالمة.
ومنهم أبو الحسن علي بن محمد بن سهل الدينوري الصائغ الزاهد المتوفى سنة 331، رحمه الله تعالى, قال الذهبي: أحد المشايخ الكبار، وقال ابن كثير: ومن كراماته أنه رُئي يصلي بالصحراء في شدة الحر، ونسر قد نشر جناحيه يظله من الحر!!
وأنكر مرة على تكين أمير مصر شيئاً - وكان ظالماً- فأخرجه إلى بيت المقدس، فلما وصل القدس قال :كأني بالبائس، يعني تكين، وقد جيء به في تابوت إلى هنا، فإذا أُدني من الباب عثر البغل ووقع التابوت، فبال عليه البغل، فبعد مدة يسير حصل هذا الذي أخبر به الشيخ بحذافيره!! ثم ركب عائداً إلى مصر، وهذا الذي جرى على الشيخ هو من جملة الكرامات التي تحصل لأولياء الله -تعالى- ويصدقها أهل السنة والجماعة بشرط ثبوتها.
وقال: إذا سكن الخوف في القلب لم ينطق اللسان بما لا يعنيه.
ـ ومنهم أبو محمد محمد بن أحمد بن سهل الرملي الفايلي، كان عابداً صالحاً زاهداً، قوالاً بالحق، قال: لو كان معي عشرة أسهم رميت الروم بسهم ورميت بني عبيد بتسعة، فبلغ ذلك صاحب مصر المعز فجاء به فسأله فقال: لا، بل أرميهم بالعشرة كلها، فقتله سنة (363) قتلة شنيعة، رحمه الله تعالى ورضي عنه.
ومنهم أبو القاسم بن منصور المالكي الإسكندري المعروف بالقُبّاري (ت 662)، باع دابة لرجل، فأقامت أياماً لم تأكل عنده شيئاً، فجاء إليه وأخبره، فقال له الشيخ: ما صنعتك؟ قال: رقاص عند الوالي، فقال: إن دابتنا لا تأكل الحرام!!! ثم رد إليه دراهمه، الله أكبر، دوابه لا تأكل الحرام فكيف لو رأى زماننا هذا؟!
كان أولئك بعض أولياء مصر البعيدين عن البدع والشطح, ممن تمكنت من الوقوف على سيرهم مكتوبة منشورة, وأنا واثق أن مَن أوردتهم هم قطرة من بحر , وغيض من فيض, لكن حسبي مثالاً مَن أوردتهم, والله أعلم.
المصدر : موقع التاريخ (عند النقل ذكر المصدر)
__________________
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 01-29-2012, 11:30 PM
الصورة الرمزية تراتيل
تراتيل غير متواجد حالياً
متميز وأصيل
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 720
افتراضي

بقلم الدكتور محمد موسى الشريف

شعراء مصر وأدباؤها:
قد كان بمصر جماعة كثيرة جداً من الأدباء والكتاب والشعراء، وقد كان لبعضهم آثار إسلامية جليلة، وعلى رأس أولئك القاضي الفاضل وزير صلاح الدين وأحد الأسباب الكبرى في تثبيته في معاركه، كما سيأتي إن شاء الله تعالى:
ومن هؤلاء الشعراء والكتاب والأدباء:
1. جميل العُذْري المشهور بجميل بثينة، أحد عشاق العرب، وإليه ينسب العشق العُذْريّ وهو شاعر إسلامي من أفصح شعراء زمانه، قدم مصر على عبدالعزيز بن مروان -والد الخليفة الراشدي عمر رضى الله عنه - فأكرمه، ومات بمصر سنة 120، رحمه الله تعالى.
2. كُثيِّر بن عبدالرحمن الخزاعي المشهور بكُثيِّر عزة، وكانت معشوقته، توفي قرابة سنة 160، أقام بمصر مدة يمدح عبدالعزيز بن مروان، والد الخليفة الراشدي عمر بن عبدالعزيز رضى الله عنه ، وزار قبر عزة بمصر، ولما ماتت عزة ضعف شعره، فقيل له: ما بال شعرك قد قصرت فيه؟ فقال: ماتت عزة فلا أطرب، وذهب الشباب فلا أعجب، ومات عبدالعزيز بن مروان فلا أرغب، وإنما الشعر عن هذه الخلال.
3. نَصيب بن رباح، من شعراء الحماسة، توفي بمصر سنة 180.
4. أبو نواس الحسن ابن هانئ، وهو شاعر بغدادي مشهور بالمجون, وأقام بمصر مدة, وتوفي سنة 199 رحمه الله تعالى، وقد رآه بعض أصحابه في المنام فقال له‏:‏ ما فعل الله بك ‏؟‏ فقال‏:‏ غفر لي بأبيات قلتها في النرجس‏:‏
تفكر في نبات الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليك

عيون من لُجَيْنٍ شاخصات بأبصار هي الذهب السبيك

على قُضُب الزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريك

وفي رواية عنه أنه قال‏:‏ غفر لي بأبيات قلتها وهي تحت وسادتي، فجاؤوا فوجدوها برقعة في خطه ‏:‏
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة
فلقد علمت بأن عفوك أعظم أدعوك ربي كما أمرت تضرعاً
فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم إن كان لا يرجوك إلا محسن
فبمن يلوذ ويستجير المجرم مالي إليك وسيلةٌ إلا الرجا
وجميل عفوك ثم إني مسلم
5. أبو تمام حبيب بن أوس الطائي، وهو شامي لكنه كان في حداثته في مصر يسقي الماء في المسجد الجامع ثم شاع ذكره وجاد شعره وسار، وبلغ خبره المعتصم فحمل إلى بغداد, وتوفي سنة 231, رحمه الله تعالى, وهو القائل:
السيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب
6. ابن طباطبا، عبدالله بن أحمد بن علي، الشريف الحسني المصريّ، نقيب الطالبيين، توفي سنة 345.
7. المتنبي أحمد بن الحسين وقد أقام في مصر عند كافور أربع سنين يمدحه, وله شعر بلغ الغاية في الرقة والروعة والجمال, توفي مقتولاً سنة 354.
8.القاضي الفاضل عبدالرحيم بن علي اللخمي البَيْساني ثم العسقلاني ثم المصري، الوزير الكبير وزير صلاح الدين الأيوبي، رحمهما الله تعالى.
له آثار حميدة وأفعال جميلة رائعة، توفي سنة 590 ودفن بالقرافة، وهو من كبار أدباء العربية، وله نثر رائع وشعر كثير، ونثره أجود من شعره، لكن أحسن أعماله على الإطلاق مساندته لصلاح الدين وتثبيته له في رسائلَ جليلةٍ جداً، حتى قال صلاح الدين لقواده: لا تظنوا أني فتحت البلاد بسيفي لكن بقلم القاضي الفاضل، ومن تلك الرسائل قوله لصلاح الدين لما حاصر عكا ثلاث سنين متصلة في أحوالٍ عصيبة وقوارع مخيفة فاستبطأ النصر:
"إنما أُتينا من قِبَل أنفسنا، ولو صَدَقْناه لعجَّلَ لنا عواقب صدقنا، ولو أطعناه لما عاقبنا بعدونا، ولو فعلنا ما نقدر عليه من أمره لفعل لنا ما لا نقدر عليه إلا به، فلا يستخصم أحد إلا عمله، ولا يلم إلا نفسه، ولا يرجُ إلا ربه، ولا تنتظر العساكر أن تكثر، ولا الأموال أن تحضر، ولا فلان الذي يُعتقد عليه أن يقاتل، ولا فلان الذين يُنتظر أنه يسير، فكل هذه مشاغل عن الله ليس النصر بها ولا نأمن أن يكلنا الله إليها، والنصر به، واللطف منه، والعادة الجميلة له، ونستغفر الله سبحانه من ذنوبنا فلولا أنها مسد طريق دعائنا لكان جواب دعائنا قد نزل، وفيض دموع الخاشعين قد غسل، ولكن في الطريق عائق، خار الله لمولانا في القضاء السابق واللاحق"، الله أكبر، ما أحسن هذا الكلام.
ومن كتاب آخر:
"وعسكرنا لا يشكو - والحمد لله- منه خَوَراً، وإنما يشكو منه ضجراً، والقوى البشرية لابد أن يكون لها حدّ، والأقدار الإلهية لها قصد، وكل ذي قصد خادم قصدها، وواقف عند حدها، وإنما ذكر المملوك هذا ليرفع المولى من خاطره مقت المتقاعس من رجاله، كما يثبت في شكر المسارع من أبطاله، قال الله – تعالى : (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)
يا مولانا: أليس الله -تعالى- اطَّلع على قلوب أهل الأرض فلم يؤهل ولم يستصلح ولم يختر ولم يُسهل ولم يستعمل ولم يستخدم في إقامة دينه وإعلاء كلمته وتمهيد سلطانه وحماية شعاره وحفظ قبلة موحديه إلا أنت، هذا وفي الأرض مَن هو للنبوة قرابة، ومَن له المملكة وراثة، ومن له في المال كثرة، ومن له في العدد ثروة، فأقعدهم وأقامك، وكسَّلهم ونشَّطك، وقبضهم وبسطك، وحبب الدنيا إليهم وبغَّضها إليك، وصعبها عليهم وهونها عليك، وأمسك أيديهم وأطلق يدك، وأغمد سيوفهم وجرّد سيفك، وأشقاهم وأنعم عليك، وثبطهم وسَيّرك: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُروُجَ لاََعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَـكِن كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَـعِدِينَ)
نعم وأخرى أهم من الأولى أنه لما اجتمعت كلمة الكفر من أقطار الأرض وأطراف الدنيا ما تأخر منهم متأخر, ولا استبعد المسافة بينك وبينهم مستبعد، وخرجوا من ذات أنفسهم الخبيثة لا أموال تنفق فيهم، ولا ملوك تحكم عليهم، ولا عصا تسوقهم، ولا سيف يزعجهم، مُهطعين إلى الداعي، ساعين في أثر الساعي، وهم من كل حدب ينسلون، ومن كل بر وبحر يقبلون، كنت يا مولانا -كما قيل- أبقاك الله:
ولستَ بملك هازمٍ لنظيره ولكنك الإسلام للشرك هازم

هذا وليس لك من المسلمين كافة مساعدة إلا بدعوة، ولا مجاهد معك إلا بلسانه، ولا خارج معك إلا بهمّ، ولا خارج بين يديك إلا بالأجرة، ولا قانع منك إلا بزيادة، تشتري منهم الخطوات شبراً بذراع، وذراعاً بباع، تدعوهم إلى الله وكأنما تدعوهم إلى نفسك، وتسألهم الفريضة كأنك تكلفهم النافلة، وتعرض عليهم الجنة وكأنك تريد أن تستأثر بها دونهم.
والآراء تختلف بحضرتك، والمشورات تتنوع بمجلسك، فقائل: لم لا نتباعد عن المنـزلة، وآخر: لم لا نميل إلى المصالحة، ومتندم على فائت ما كان فيه حظ، ومشير بمستقبل ما يلوح فيه رشد، ومشير بالتخلي عن عكا حتى كأن تركها تغليق المعاملة (1)، وما كأنها طليعة الجيش ولا خَرَزة السلك إن وهت تداعى السلك، فألهمك الله قتل الكافر، وخلاف المخذّل، والتجلد وتحت قدمك الجمر، وأفرشك الطمأنينة وتحت جنبك الوعر :
ولكن مولانا صفيحة وجهه كضوء شهاب القابس المتنور
قليل التشكي للمهم نصيبه كثير الهوى شتى النوى والمسالك

لا شبهة أن المملوك قد أطال، ولكن قد اتسع المجال، وما مراده إلا أن يشكر الله على ما اختاره له ويسره عليه، وحببه إليه، فرب ممتحن بنعمة، ورب منعم عليه بمشقة، وكم مغبوط بنعمة هي داؤه، ومرحوم من بلوى هي دواؤه، ويريد المملوك بهذا أن لا يتغير لمولانا -أبقاه الله- وجه عن بشاشة، ولا صدر عن سعة، ولا لسان عن حسنة، ولا تُرى منه ضجرة، ولا تُسمع منه نَهْرَة، فالشدة تذهب ويبقى ذكرها، والأزمة تنفرج ويبقى أجرها، وكما لم يُحدث استمرار النعم لمولانا -عز نصره- بطراً فلا تُحدث له ساعات الامتحان ضجراً، والمملوك يستحسن بيتي حاتم، ومولانا -أبقاه الله وخلد سلطانه وملكه- يحفظهما :
شربنا بكأس الفقر يوماً وبالغنى وما منهما إلا سقانا به الدهر
فما زادنا بغياً على ذي قرابة غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر

والمملوك بأن يسمع أن مولانا -عز نصره- على ما يعهده من سعة صدره أسرُّ منه بما يسمعه من بشائر نصره، وياليتني كنت معهم، وماذا كانت تصنع الأيام إما شيباً من مشاهدة الحروب، فقد شبنا والله من سماع الأخبار، أو غُرماً يمكن خُلفه من الوفْر(2) فقد غرمنا في بعد مولانا ما لا خُلف له من العمر، أو مرض جسم فخيره ما كان الطبيب حاضره، ولقد مرضنا أشدَّ المرض لفراقه إلا أن التجلد ساتره".
ومن كتاب آخر:
"قيل للمهلب(3): أيسُرُّكَ ظفر ليس فيه تعب؟ فقال : أكره عادة العجز.
ولابد أن تنفذ مشيئة الله في خلقه، لا رادّ لحكمه فلا يتسخط مولانا بشيء من قدره، فلأن يجري القضاء وهو راض مأجور خير من أن يجري وهو ساخط موزور، من شكا بثه وحزنه إلى الله شكا إلى مشتكى واستغاث بقادر، ومن دعا ربه خفياً استجاب له استجابة ظاهرة، فلتكن شكوى مولانا إلى الله خفية عنا، ولا يقطع الظهور التي لا تشتدّ إلا به، ولا يُضيق صدوراً لا تنفرج إلا منه، وما شرد الكرى(4)، وأطال على الأفكار ليل السُّرى(5) إلا ضائقة القوت بعكا، ولم يبق إلا ضَعْفٌ نعم المعين عليه ترويح النفس وإعفاؤها من الفكر، فقد علم مولانا بالمباشرة أنه لا يُدَبَّرُ الدهر إلا برب الدهر، ولا ينفذ الأمر إلا بصاحب الأمر، وأنه لا يقلّ الهم إن كثر الفكر:
قد قلت للرجل المقسَّم أمرُه فوض إليه تنم قرير العين

وكل مقترح يجاب إليه إلا ثغراً يصير نصرانياً بعد أن أسلم، أو بلداً يخرس فيه المنبر بعد أن تكلم، يا مولانا: هذه الليالي التي رابطت فيها والناس كارهون، وسهرت فيها والعيون هاجعة، وهذه الأيام التي ينادى فيها: ياخيل الله اركبي، وهذه الساعات التي تزرع الشيب في الرؤوس، هي نعمة الله عليك، وغراسك في الجنة: (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا) وهي مجوِّزاتك على الصراط، وهي مثقلات الميزان، وهي درجات الرضوان، فاشكر الله عليها كما تشكره على الفتوحات الجليلة، واعلم أن مثوبة الصبر فوق مثوبة الشكر.
من ربط جأش أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه قوله: "لو كان الصبر والشكر بعيرين ما باليت أيهما ركبت"، وبهذه العزائم سبقونا وتركونا لا نطمع في اللحاق بالغبار، وامتدت خطاهم ونعوذ بالله من العِثار، ما استعمل الله في القيام بالحق إلا خير الخلق، وقد عرف ما جرى في سير الأوّلين، وفي أنباء النبيين، وأن الله - تعالى- حرض نبيه صلى الله عليه وسلم على أن يهتدي بهداهم، ويسلك سبيلهم، ويقتدي بأولي العزم منهم.
وما ابتلى الله -سبحانه- من عباده إلا مَن يعلم أنه يصبر، وأمور الدنيا ينسخ بعضها بعضاً وكأن ما قد كان لم يكن، ويذهب التعب ويبقى الأجر، وإنما يقظات العين كالحلم، وأهم الوصايا أن لا يحمل المولى هماً يضعف به جسمه، ويضر مزاجه، والأمة بنيان وهو - أبقاه الله تعالى- قاعدته، والله يثبت تلك القاعدة القائمة في نصرة الحق.
ومما يستحسن من وصايا الفرس: "إن نزل بك ما فيه حيلة فلا تعجز، وإن نزل بك ما ليس لك فيه حيلة -والعياذ بالله- فلا تجزع"، ورب واقع في أمر لو اشتغل عن حمل الهم به بالتدبير فيه مع مقدور الله لا نصرف همه، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله.
هذا سلطان هو بحول الله أوثق منه بسلطانه، قاتلت الملوك بطمعها وقاتل هذا بإيمانه، وإذا نظر الله إلى قلب مولانا فلم يجد فيه ثقة بغيره، ولا تعويلاً على قوة إلا على قوته فهنالك الفرج ميعاده، واللطف ميقاته، فلا يقنط من روح الله، ولا يقل متى نصر الله، وليصبر فإنما خلق للصبر، بل ليشكر فالشكر في موضع الصبر أعلى درجات الشكر، وليقل لمن ابتلى: أنت المعافي، وليرض عن الله -سبحانه- فإن الراضي عن الله هو المُسَلِّم الراضي".
وكتب السلطان إلى القاضي الفاضل كتاباً من بلاد الفرنج يخبره عما لاح له من أمارات النصر ويقول: ما أخاف إلا من ذنوبنا أن يأخذنا الله بها، فكتب إليه الفاضل:
"فأما قول المولى: إننا نخاف أن نؤخذ بذنوبنا، فالذنوب كانت مثبتة قبل هذا المقام وفيه محيت، والآثام كانت مكتوبة ثم عُفِي عنها بهذه الساعات وعَفِيَتْ(6)، فيكفي مستغفراً لسانُ السيف الأحمر في الجهاد، ويكفي قارعاً لأبواب الجنة صوتُ مقارعة الأضداد، ولعين الله موقفك، وفي سبيل الله مقامك ومنصرفك، وطوبى لقدم سعت في منهاجك، وطوبى لنفس بين يديك قتلت وقُتلت، وإن الخواطر تشكر الله فيك وعن شكرها لك قد شُغلت"(7).الله اكبر ما أجمل هذا الكلام وما أحسنه, وليت الأدباء كلهم يكتبون كما يكتب القاضي الفاضل، لكننا بلينا اليوم بأدباء الحداثة الذين يدور كلامهم على الكفر أو الضلال أو المِلال وعدم الفهم وتضييع الزمان بالترهات والأوهام.
وقد ذكر ابن حجة القاضي الفاضل فقال:
"كان نظم القاضي الفاضل -رحمه الله- ونثره كفرسي رهان، ولكن نثر أكثر مما نظم، وأجمع الناس أنه أتى مع الإكثار بالعجائب، وذكر قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان في تاريخه أن مسودات رسائله إذا جمعت ما تقصر عن مائة مجلد... ولعمري إن الإنشاء الذي صدر في الأيام الأموية والأيام العباسية نُسي وألُغي بإنشاء الفاضل وما اخترعه من النكت الأدبية والمعاني المخترعة والأنواع البديعة، والذي يؤيد قولي قول العماد الكاتب في "الخريدة" أنه في صناعة الإنشاء كالشريعة المحمدية نسخت الشرائع".
9. ابن سناء الملك هبة الله بن جعفر بن محمد الشاعر المشهور، درس الحديث والنحو، وكان شاعراً بارعاً، توفي سنة 658، رحمه الله تعالى.
10. البوصيري صاحب البردة في مدح النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم الشاعر المشهور، وله شعر عجيب جليل، توفي سنة 695، رحمه الله تعالى.
11. شهاب الدين أحمد بن محي الدين بن فضل الله الأديب البليغ، الناظم، الناثر، صاحب "مسالك الأنظار في ممالك الأمصار" توفي سنة 749.
12. ابن نُباتة، محمد بن محمد بن محمد بن محمد الجذامي المصري المشهور صاحب الخطب البليغة المعروفة باسمه، وفاق أهل زمانه في النظم والنثر، توفي بالقاهرة سنة 768، رحمه الله تعالى.
13. شهاب الدين أحمد بن محمد بن عمر الخفاجي، الأديب المصري المشهور ، وصاحب الحاشية على كتاب "الشفا في التعريف بحقوق المصطفى" للقاضي عياض, وله شعر رقيق, وقد ولي القضاء في مصر وفي الدولة العثمانية, وتوفي سنة 1069, رحمه الله تعالى.
هؤلاء هم بعض شعراء مصر وأدبائها وكتابها ولو أردت التوسع لأتيت بشيء مهول لكن حسبي ما ذكرت وفيه زاد وبلاغ، والله أعلم.

الهوامش :
(1) أي نهاية الجهاد مع الكفار.
(2) أي كثرة المال.
(3) هو المهلب بن أبي صفرة القائد المعروف.
(4) أي النعاس والنوم: وانظر "لسان العرب": كرا.
(5) السُّرى: سير عامة الليل: وانظر "لسان العرب": سرى.
(6) أي تلاشت ومُحيت.
(7) "الثبات": 66-75.

المصدر : موقع التاريخ (عند النقل ذكر المصدر)
__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« حال القومية العربية في العصر الحاضر | وظيفة العلماء في تثبيت الأمراء .. نموذج تاريخي »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
فتاوئ مهمه ليوم الجمعه صابرة شذرات إسلامية 0 04-15-2016 06:45 AM
طفل نيجيري هجره أهله بتهمة انه ساحر Eng.Jordan أخبار منوعة 0 02-18-2016 10:56 AM
وقفات مهمه مع الأخت المسلمة صابرة شذرات إسلامية 0 06-16-2015 07:33 AM
غلب على كل طبع أهله . صابرة الملتقى العام 0 05-04-2015 01:51 PM
نصائح مهمه في رمضان ام زهرة في رحاب رمضان 0 07-13-2013 06:22 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 11:11 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68