تذكرني !

 





إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #5  
قديم 01-29-2012, 11:53 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 17,409
افتراضي

الفصل الثاني
الآخر وحقوقه في الإسلام باعتباره كيانا منفصلا


تناولنا في الفصل السابق حقوق الآخر في الإسلام باعتباره جزءاً وفرداً ومواطناً في المجتمع المسلم، وفي هذا الفصل نتناول الآخر في الإسلام باعتباره جماعة، ودولة، وكيان منفصل للدولة الإسلامية، أي أننا سوف نتكلم عن الآخر بالشخصية الاعتبارية.
فلن نتكلم عن الآخر باعتباره شخصا يأكل ويشرب وينام، بل سنتكلم عن الآخر باعتباره دولة تعاهد وتحارب وتسالم، فهل شرع الإسلام وسن من القوانين الربانية نظاما يحكم علاقة الدولة الإسلامية بجيرانها، وغير جيرانها من الكيانات المنفصلة ؟ وهل للآخر باعتباره كيانا منفصلا، ودولة مستقلة عن الحكم الإسلامي حقوقاً كفلها الإسلام.
هذا ما سنعرفه في هذا الفصل على وجه من الإيجاز، من خلال تعرضنا للمفهوم الإسلامي في إقرار حقوق الآخر من الناحية النظرية، وكذلك لتطبيق هذا المفهوم من الناحية العملية.
لقد بقي العالم منقسماً إلى وحدات دولية على أساس ديني ، أوروبا المسيحية ، والشرق الأوسط الإسلامي ، والهند والصين وما جاورها هندوسية وبوذية وكونفشيوسية . ورغم وجود عدة دول ووحدات سياسية داخل الكيان الديني إلا أن لكن العامل الديني بقي مسيطرا على فكرة التقسيم الدولي.
وبدأ القانون الدولي يتطور حين أقر مبدأ الفصل بين العقائد الدينية وبين العلاقات الخارجية . وقد أدى هذا المبدأ إلى إعادة القضايا الدينية إلى إطارها الداخلي الوطني ، بالخلاف من العقيدة الإسلامية التي تعتبر المسلمين كياناً واحداً أو ما يعرف بالأمة الإسلامية ، رغم وجودهم في دول متعددة جغرافياً وسياسياً . ففي مطلع القرن السادس عشر كان العالم الإسلامي ينقسم إلى ثلاث وحدات سياسية مستقلة، هي الدولة العثمانية في تركيا، والدولة الصفوية في إيران، والدولة المغولية في الهند .
في حين أنه بدأ الاهتمام بالعلاقات الدولية بين المسلمين وغيرهم خارج الجزيرة العربية في المرحلة المكية ، عندما نصح الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعض أصحابه من المسلمين الأوائل بالهجرة إلى الحبشة للتخلص من ظلم قريش لهم.
وجاءت سورة الروم تتحدث عن حرب بين دولتين عظيمتين في المنطقة (الروم والفرس) ، وحدد القرآن الموقف الإسلامي من تلك الحرب التي انتصر فيها الفرس ، وبشر المسلمين بانتصار الروم بعد بضع سنين . وحالما استقرت دولة المدينة بادر النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بإرسال رسائل إلى الدول الكبرى في المنطقة (بيزنطة وفارس ومصر واليمن والحبشة) يدعو زعماءها وشعوبها إلى الإسلام . وبعد ثمانين عاماً كانت الدولة الإسلامية أكبر إمبراطورية في المنطقة تمتد من الهند شرقاً إلى إسبانيا غرباً . فأصبحت لها حدود مشتركة وطويلة مع العديد من الدول والشعوب غير المسلمة . وكانت علاقات الدولة الإسلامية (الأموية والعباسية) متوترة مع جميع جيرانها عدا الحبشة . وبسبب الحروب والمعارك كانت هناك حاجة ماسة لتنظيم فترات الهدنة والصلح والجزية وتبادل الأسرى وإقرار السلم .
وبدأ الفقهاء المسلمون يتناولون قضايا القانون الدولي في كتب الفقه فيما يعرف بالسِّيَر (جمع سيرة)، والتي يقصد بها طريقة معاملة المسلمين لغير المسلمين خارج (دار الإسلام) . وتتضمن لفظة "السيرة" معنيين ، الأول : والذي كان المؤرخون وأصحاب السير يستعملونه ، يعني قصة أو سيرة حياة الإنسان . والثاني : وكان الفقهاء يستعملونه، ويعني تصرف الدولة في علاقاتها مع الشعوب الأخرى([1]).
يقول السرخسي في شرحه الوافي لكتاب (السير الكبير للشيباني) : اعلم أن السير جمع سيرة ، وبه سمي هذا الكتاب لأنه يبين فيه سيرة المسلمين في المعاملة مع المشركين من أهل الحرب ومع أهل العهد منهم من المستأمنين وأهل الذمة ومع المرتدين الذين هم أخبث من الكفار بالإنكار بعد الإقرار ، ومع أهل البغي الذين حالهم دون حال المشركين وإن كانوا جاهلين، وفي التأويل مبطلين([2]).
والحقيقة المقررة هي أن العلاقات الدولية في الإسلام، الأصل فيها "السلم" ، بل البر والإقساط والتعاون والرحمة، بالنسبة للأمم الأخرى، لقوله تعالى:‏ ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةًوَلاَتَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ[([3]).
والأصل أيضاً في العلاقات الدولية في الإسلام تحريم البغي والعدوان، أو التعاون والتحالف على العمل على ارتكابه، لأنه تعاون على الإثم، وهذا محرم بالنص، لقوله تعال ى:‏ ]وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّوَالتَّقْوَىوَلاَتَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِوَالْعُدْوَانِوَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ[([4]).
وقوله سبحانه تعالى : ]وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْوَلاَتَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ[([5]).
والبر كلمة جامعة يندرج في مفهومها الكلي، كافة ضروب "التعاون" في سبيل الخير الإنساني العام، وفي مقدمتها المواثيق والمعاهدات والاتفاقيات بين الدول، في جميع مجالات الحياة، السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية والثقافية والعلمية، شريطة ألا تصادم أمراً قاطعاً أو تمس العقيدة أو المقاصد الأساسية لهذا التشريع .
يتبين مما تقدم أن الدولة الإسلامية تحترم الكيان المادي والمركز السياسي للدول الأخرى، كما أنها تحترم مركزها الأدبي، وبالمقابل فإن من حقها أن تطالب الدول الأخرى بمثل هذا الاحترام.‏
هذا ومن مقتضى كون الأصل في العلاقات الدولية -في الإسلام- هو السلم، أن التضامن الدولي واجب، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم بالتعارف خطاباً موجهاً للناس كافة، لا إلى المسلمين فحسب، بدليل قوله تعالى :‏ ] يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍوَأُنثَىوَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباًوَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [([6]).
هذا بقطع النظر عن اختلاف الأصل أو الدين، وليس المقصود بالتعارف إلا التعاون، وهذا هو التواصل الحضاري الذي يؤكد تحقيق مبدأ السلم العالمي.
وسوف نتناول فيما يلي واجبات الدولة الإسلامية تجاه الدول الأخرى.
واجبات الدولة الإسلامية تجاه الدول الأخرى :
إن الدول غير الإسلامية لن تنال حقوقها من الدولة الإسلامية في ضوء تعاليم الإسلام السمحة، إلا إذا قامت الدولة المسلمة بواجباتها، فالواجبات المطلوبة من الدولة الإسلامية هي الحقوق التي تنالها الدولة غير المسلمة منها، فلابد إذن أن نعرف ما هي واجبات الدولة الإسلامية تجاه الدول الأخرى ، ولذلك فيمكن القول بأن الواجبات القانونية للدولة الإسلامية تتلخص في عدة أمور :‏
الأول : مراعاة دعائم العلاقات الإنسانية المستمدة من النصوص القرآنية والسنة النبوية.‏
الثاني : احترام العهود التي ارتبطت بها وتنفيذ تعهداتها بحسن نية.‏
الثالث : احترام العرف الصحيح في نطاق العلاقات الدولية.‏
وبعد أن أجملنا هذه النقاط نشرع في تفصيلها على النحو التالي :
الأول : واجب مراعاة دعائم العلاقات الإنسانية المستمدة من القرآن والسنة :‏
اعتبر الإسلام الناس جميعاً أمة واحدة، تجمعها الإنسانية، وإذا كانت الإنسانية واحدة، واختلافها من اختلاف رغبات الناس بحكم الغرائز، والاستجابة لها، فإن الإسلام ينظم العلاقات على أساس من وحدتها الجامعة، لا من مظاهرها المفرقة، وعلى هذا الأساس، قامت النظم الدولية في الإسلام: فلا تفرقة بالعنصرية، ولا بالغنى والفقر، ولا بالعلم والجهل، بل على أساس الحكم العادل بين الناس على سواء، وكل تفرقة بغير الحق تكون باطلة، ولا تصلح لقيام علاقة إنسانية صالحة للبقاء، وإنما يصلح للبقاء ما يكون نابعاً من الوحدة الإنسانية، فهي أساس العلاقات الدولية في الإسلام، قال تعالى:‏ ]] يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍوَأُنثَىوَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباًوَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا[([7]) .
هذا النص القرآني الكريم هو أساس العلاقات الدولية كما نظمها القرآن وبينتها السنة، وقام عليها عمل النبي صلى الله عليه وسلم، وصحابته رضي الله عنهم من بعده في الحرب والسلم على السواء. وهذا النص يقيم العلاقة على التعاون، وينفي أن يكون اختلاف العِرق أو اللون دالاً على التباين في الحكم، فهم وإن اختلفوا، فإن الأصل واحد، والحقوق والواجبات توجب التعاون والتلاقي عندها، ولا يتحقق هذا التعاون إلا بتحقيق ما بينه الإسلام من مبادئ نسلط عليها بعض الضوء فيما يلي :
أولاً- مبدأ التعاون الإنساني :‏
التعاون في الإسلام مبدأ عام في كل الجماعات الإنسانية كما قرره القرآن، قال الله سبحانه تعالى :‏ ]وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّوَالتَّقْوَىوَلاَتَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِوَالْعُدْوَانِوَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ[([8]).
والتعاون قوام الأسرة وقوام الأمة، وقد جاءت النصوص الدينية الإسلامية بتعميم التعاون في داخل الإقليم الواحد وفي نطاق الإنسانية.‏


ويعلن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يمد بالقوة كل من يعاون أخاه الإنسان في أي إقليم وفي أي موطن، فيقول عليه السلام :‏ "الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه"‏([9]).
ثانياً- مبدأ الكرامة :‏
خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان ومعه الكرامة، بأصل الفطرة، ولا يمكن أن يتحقق التعارف الذي دعا إليه القرآن الكريم إلا إذا كان كلا المتعارفين كريماً غير مهين، وعزيزاً غير ذليل. ولقد أمر الله بتكريم الإنسان في أصل الخلق والتكوين، ولذلك أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم أبي الخليقة الإنسانية. قال تعالى :‏ ] وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىوَاسْتَكْبَرَوَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ[([10]).
] وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَوَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّوَالْبَحْرِوَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِوَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا ً[ ([11]).. وإن هذه الكرامة يستحقها الإنسان لأنه إنسان، بقطع النظر عن أي اعتبار آخر.‏
ثالثاً- مبدأ التسامح :‏
دعا الإسلام إلى التسامح غير الذليل، فهو يبني العلاقات الإنسانية، سواء أكانت بين الآحاد أم كانت بين الجماعات، على التسامح من غير استسلام للشر أو تمكين للأشرار، قال تعالى :‏ ]وَلاَتَسْتَوِي الحَسَنَةُوَلاَالسَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَوَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُوَلِيٌّ حَمِيمًٌ[ ([12])، وقوله تعالى: ]فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ[ ([13]).
والصفح الجميل أبرز ما يكون عند هزيمة الأعداء، فما كانت الحرب للثأر والانتقام بل لإعلاء كلمة الحق ودفع عدوان الباطل.‏
رابعاً- مبدأ الفضيلة :‏
إن التمسك بالفضيلة من أساس العلاقات الإنسانية في الإسلام، سواء أكانت بين الآحاد أم كانت بين الجماعات، وسواء أكانت العلاقة في حال الحرب أم في حال السلم، لأن قانون الأخلاق قانون عام، والفضيلة حق لكل إنسان، يستحقها بمقتضى إنسانيته، وقد تقرر ذلك في المبادئ الإسلامية التي تطبق على جميع أهل الأرض.‏
قال الله تعالى:‏ ] إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ[([14]).
وأشد ما كان يدعو إليه القرآن في الأمر بالفضيلة هو ما يقترن بالجهاد، خشية أن تندفع النفوس في حال احتدام القتال إلى ما يخالف ذلك المبدأ العام، قال عز وجل:‏ ]الشَّهْرُ الحَرَامُ بِالشَّهْرِ الحَرَامِوَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْوَاتَّقُوا اللَّهَوَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ[([15]).
وإذا كان هذا النص القرآني قد أقرّ رد الاعتداء بمثله، إلا أنه أمر بالتقوى، وهي أن يجعل المؤمن بينه وبين غضب الله وقاية. فإذا انتهك العدو حرمات الفضيلة، فإن المؤمن لا ينتهك. وبعبارة عامة : لا يصح للمسلم أن يجاري الأعداء في مآثمهم، وما يرتكبونه في الحروب ضد الفضيلة الإنسانية العامة.‏
خامساً- مبدأ العدالة :‏
قامت كل علاقة إنسانية في الإسلام على العدالة، فهي الميزان المستقيم الذي يحدد العلاقات بين الناس في حال السلم، وحال الحرب على السواء ففي السلم يكون حسن الجوار قائماً على العدل، وفي الحرب يكون الباعث عليها هو العدل، والعدالة حق للأعداء كما هي حق للأولياء، قال الله تعالى:‏ ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِوَلاَيَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىوَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ[([16]).
وقد توعد النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم الظالمين بسوء المصير يوم القيامة فقد قال صلى الله عليه وسلم :‏" الظلم ظلمات يوم القيامة "([17]).
سادساً- مبدأ المعاملة بالمثل :‏
وهذا المبدأ شعبة من شعب العدالة، قال تعالى:‏ ]الشَّهْرُ الحَرَامُ بِالشَّهْرِ الحَرَامِوَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُم ْ[([18]).
وطلب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلم أن يحسن معاملة الناس، حتى تكتمل مروءته وتجب أخوته، وإلا فلا تجب أخوة من خالف هذا المنهج النبوي الكريم الذي قرره رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله :‏ " من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته"‏([19]).
وهذا المبدأ ينطبق على الدول كما ينطبق على الآحاد، وقد يقول قائل : إن المعاملة بالمثل تعارض التسامح والعفو، والجواب هو أن العفو حيث لا يمس العدالة، وغمط حقوق الناس، أو رضاء بالعدوان.‏
وموضوع العفو يكون بعد أن يتمكن صاحب الحق من حقه، فيعفو أو يأخذ، وإن العدالة لا تنافي الرحمة، بل إنها تلازمها، فحيث كانت العدالة كانت الرحمة، وهذا يفسر لنا قوله عليه السلام :‏ " أنا نبي المرحمة، وأنا نبي الملحمة "‏([20])، و الملحمة، وهي القتال، لا تكون في الإسلام إلا ببواعث من العدالة والرحمة بالناس.‏
سابعاً- مبدأ المودة :‏
يعتبر الإسلام الناس جميعاً أمة واحدة، ومن هنا فإن الأخوة الإنسانية ثابتة يجب وصلها، ولا يصح قطعها، وقد أمر الله تعالى بأن توصل القلوب بالمودة، والإسلام لا ينهى عن برّ كل من لا يعتدي على المسلمين. فالبر ثابت للمسلم وغير المسلم. قال الله تعالى:‏ ] لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِوَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوَهُمْوَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ[([21]).
وإن المودة الموصلة لا يقطعها الحرب، ولا الاختلاف، ففي أثناء الحرب تنقطع العلاقات بين المسلمين والمحاربين بالفعل وحكامهم، أما رعايا الأعداء الذين لا يشتركون في القتال فإن مودتهم لا تنقطع، وكان النبي عليه السلام لا يقطع البر حتى عند الاختلاف، وفي الحرب، وعند الهدنة.‏

الثاني : واجب الوفاء بالعهد :‏
المعاهدة هي اتفاق بين طرفين أو أكثر ، تتضمن التزامات متبادلة بينهم ، وتنظيم العلاقة بين أطرافها . وتمثل المعاهدات ، بصورة عامة ، الأهداف والمصالح التي يجب بلوغها وحمايتها بواسطة الاتفاق أو العهد أو الامتياز . وتعكس المعاهدات بوضوح طبيعة الأفكار السائدة والأنظمة السياسية للدول في فترة تاريخية معينة . فالمعاهدات تمثل وثائق هامة تجسد المبادئ والقواعد التي كانت تحكم العلاقات الدولية بين الأمم والحكومات . وما تزال الاتفاقيات تمثل مصدراً رئيساً في القواعد القانونية الدولية ، وتلعب دوراً هاماً في العلاقات الدولية .
وعبر عصور طويلة ، مارست الدول الإسلامية توقيع الاتفاقيات والمعاهدات مع الدول غير الإسلامية . وتضمنت تلك الاتفاقيات التزامات وقواعد وشروطاً ومبادئ عديدة ، بشكل يمثل تطوراً في القانون الدولي الإسلامي . ومن خلال التركيز على معاهدات معينة ، يمكن اعتبارها خطوات متقدمة في تطوير القانون الدولي الإسلامي ، وقبول مفاهيم جديدة ، بشكل يجعل الباحث يتصور طبيعة الظروف التاريخية التي جعلت تلك الدول توقّع هذه المعاهدة أو تلك .
ولقد عرف الإسلام المعاهدات السلمية في السنوات الأولى من تأسيس الدولة الإسلامية الجديدة في المدينة ، إذ عقد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم اتفاقيات سلمية مع الجماعات غير الإسلامية. وقد اعتبرت معاهدة الحديبية قدوة ومثالاً لدى الخلفاء والفقهاء عند عقد الاتفاقيات ، وإجراء المفاوضات ، ومدة المعاهدات السلمية مع غير المسلمين . عقدت معاهدة الحديبية بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومشركي مكة ، قريش ، في عام (6 هـ /627 م) ، وكانت مواد المعاهدة تتضمن ضماناً من كلا الطرفين بعدم مهاجمة الطرف الآخر . فرسخت الأمن والسلام الذي كان الطرفان بحاجة إليه ، بعد أن شهدت الجزيرة العربية صراعاً عنيفاً وحروباً ومعارك ضارية بين المسلمين والمشركين .
وكان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد عقد معاهدات أخرى مع اليهود والمسيحيين ، سواء المقيمين داخل الجزيرة العربية أو خارجها ، وخارج حدود دولة المدينة . فقد عقد صلى الله عليه وآله وسلم) اتفاقية سلمية مع نصارى نجران عام (10 هـ/ 631م) ، ومع يهود فدك وأيْلة وتيماء ([22])، ومع بني صخر من كنانة([23]) .
وكانت تلك الاتفاقيات تضمن لهم حكماً إدارياً ذاتياً واستقلالا عن دولة المدينة . لقد كان بإمكانهم الاستمرار بتطبيق قوانينهم على أراضيهم . ولم تكن الجزية إلزامية في كل الاتفاقيات والمعاهدات مع أهل الكتاب ، ففي معاهدة المدينة بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويهود المدينة وأطرافها ، وهي أول معاهدة سلمية للدولة الإسلامية ، لم تتضمن دفع جزية ، بل يمكن اعتبارها «معاهدة صداقة» ، وبروتوكولاً ينظم العلاقة والصلاحيات والامتيازات الممنوحة لليهود داخل الدولة الإسلامية . وكان من شأنها ترسيخ الأمن والسلام ، إذ لم يسبقها عداء أو حرب مع اليهود ، لولا نكث اليهود لها فيما بعد ([24]).
كما أن المعاهدة التي عقدها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع بني ضمرة، لم تتضمن دفع جزية ، بل اقتصرت على نصرة الطرفين أحدهما للآخر ، وعدم مهاجمته([25])، وعقدت نفس المعاهدة مع بني غِفار ، وبالشروط نفسها([26]).
أما العلاقات السلمية مع الحبشة ، الدولة المسيحية ، فقد استمرت قروناً دون معاهدة مكتوبة . ففي العهد المبكر للإسلام ، هاجر إلى الحبشة حوالي 80 صحابياً هرباً من تعذيب قريش لهم، وبحثاً عن ملجأ آمن ، حيث أمضوا هناك سنوات . فكان موقف المسلمين هو الشكر والعرفان بالجميل ، حتى إنهم اعتبروا الحبشة مصونة عن الجهاد والفتوحات العسكرية ، فلم يتعرضوا لها ، حتى في أوج قوة الدولة الإسلامية في العصر العباسي، ويعود ذلك إلى موقف الطرفين السلمي ، ففي حين امتنع المسلمون عن مهاجمة الحبشة استجابة لحديث ينسب للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، مضمونه : " لا تهاجموا الحبشة ما دامت لم تهاجمكم ".
من ناحية أخرى ، اعتمدت الحبشة سياسة سلمية ، فلم تفكر بمهاجمة الدولة الإسلامية ، رغم أنها لديها خبرة في ذلك ، إذ كانت تحتل اليمن لقرون طويلة قبل الإسلام ، وأسست فيها حكومة حبشية مسيحية . وحاول أبرهة الحبشي مهاجمة مكة عام 570 م، سعياً لهدم الكعبة المقدسة . وبقيت تلك الحادثة التاريخية ماثلة في أذهان العرب، حتى سمي ذلك العام بعام الفيل.
وقد عقد الخلفاء المسلمون بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم معاهدات سلمية رغم أن القوة التي كان يتمتع بها المسلمون وقتها تسمح لهم باستمرار القتال . فقد عقد حاكم مصر ، عبدالله بن سعد بن أبى سرح ، في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان ، معاهدة سلمية مع أهل النوبة (السودان) تضمنت إقرار السلم بعد معركة طاحنة «فسألوه الصلح والموادعة ، فأجابهم إلى ذلك على غير جزية ، لكن على هدية ثلاثمائة رأس في كل سنة ، وعلى أن يهدي المسلمون إليهم طعاماً بقدر ذلك([27])، وبقيت تلك المعاهدة سارية المفعول ، يحترمها الطرفان ، لمدة 600 عام ، حتى وصول الحكم الفاطمي في مصر (969 ـ 1172 م). فإذا كان سبب قبولها عجز المسلمين عن فتح بلاد النوبة ، فإن استمرارها رغم وصول المسلمين إلى درجة القوة أكبر دليل على اعتقادهم بمشروعيتها ، وعلى أن السلام يمكن أن يقع بين المسلمين والكافرين بدون اشتراط الجزية، إذا التزم الكافرون بعدم الإعانة ضد المسلمين وبعدم التعرض للدعوة الإسلامية([28]).
وفي عام (28 هـ/ 648 م) عقد المسلمون معاهدة سلمية مع سكان جزيرة قبرص ، والذين لم يدفعوا الجزية ، ولم يعتبروا من أهل الذمة . فكانوا يؤدون خراجاً قدره 7200 دينار سنوياً ، ثم نقضوا العهد لمساعدتهم الروم ضد المسلمين ، فغزاهم معاوية عام (33 هـ/ 654 م) ففتح الجزيرة وأقرهم على الشروط السابقة . ولما تولى عبد الملك بن صالح ولاية قبرص ، قام بعض أهلها بالثورة عليه ، فاستشار عبد الملك الفقهاء في شأن إلغاء معاهدتهم لنكثهم العهد ، فأشار عليه أكثر الفقهاء ـ ومنهم الإمام مالك ـ بالإبقاء على العهد والكف عنهم . وعلل موسى بن عيين ذلك بأن أهل قبرص ليسوا أهل ذمة رغم أنهم كانوا يدفعون خراجاً إلى المسلمين . وهكذا بقيت قبرص على شروط الصلح رغم نقضها العهد ، ولم يلتزم أهلها بعقد الذمة وبدفع الجزية لمصلحة قدرها المسلمون ([29]).
وفي عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ، عقد المسلمون معاهدة صلح مع الجراجمة ، وهم قوم غير مسلمين ، كانوا يسكنون جبل اللكام على الحدود بين بيزنطة والدولة الإسلامية . وكانوا يعيشون شبه مستقلين ، مع استعداد مسبق لخدمة الإمبراطورية البيزنطية . وقد نصت الاتفاقية المعقودة معهم «على أن يكونوا أعواناً للمسلمين ، وعيوناً (جواسيس) ومسالح (دوريات عسكرية) في جبل اللكام . وأن لا يؤخذوا بالجزية (لا يدفعوا الجزية) ، وأن ينفلوا (يُعطوا) أسلاب (غنائم) من يقتلون من عدو المسلمين ، إذا حضروا معهم حرباً في مغازيهم» ([30]).
لقد كان الجراجمة يمثلون خطراً جدياً دفع الخليفة الأموي الأول معاوية إلى دفع مقابل لهم لتفادي شرهم([31]).

([1]) مجيد خدوري (القانون الدولي الإسلامي) / ص 53.

([2]) المبسوط للسرخسي المجلد العاشر صـ 2.

([3]) سورة البقرة الآية :208.

([4]) سورة المائدة الآية : 2.

([5]) سورة البقرة الآية : 190‏.

([6]) سورة الحجرات الآية : 13‏.



([7])سورة الحجرات : جزء من الآية : 13.

([8]) سورة المائدة الآية : 2.

([9]) ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح ج 10 صـ 450، وذكره ابن قدامة في المغني ج 4 صـ207.

([10]) سورة البقرة الآية : 33.

([11]) سورة فصلت الآية : 34.

([12]) سورة الإسراء الآية : 70.

([13]) سورة الحجرة الآية : 85.

([14])سورة الحجرات : جزء من الآية : 13.

([15])سورة البقرة الآية : 194.

([16])سورة المائدة الآية : 8.

([17])أخرجه البخاري في صحيحه، ج 2 صـ 864 ، ومسلم في صحيحه ج 4 1996.

([18])سورة البقرة الآية : 194.

([19])مسند الشهاب ج 1 صـ 322، وذكره الديلمي في الفردوس بمأثور الخطاب ج 3 صـ 499.

([20])ذكره البيهقي في شعب الإيمان ج2 صـ 145 بلفظ : " أنا نبي التوبة وأنا نبي الملحمة "، وذكره الحكيم الترمذي في نوادر الأصول في أحاديث الرسول ج 3 صـ 152.

([21]) سورة الممتحنة الآية : 8.

([22]) حميد الله ،State", p. 266 of Conduct "Muslim.

([23])سيد قطب ، «في ظلال القرآن» / ج 10 / ص 123.

([24])ورغم أن الكتابات والدراسات تعتبرها مثالاً على الاتفاقيات الخارجية ، إلا أنها ليست كذلك، لأن اليهود لم يكونوا طرفاً دولياً بل هم مواطنون تابعون للدولة الإسلامية.

([25]) علي بن حسين علي الأحمدي ، «مكاتيب الرسول» / ص 385.

([26]) علي بن حسين علي الأحمدي ، «مكاتيب الرسول» / ص 353.

([27]) أبو الحسن البلاذري ، «فتوح البلدان» / ص 238.

([28]) فيصل المولوي ، «الأسس الشرعية للعلاقات بين المسلمين وغير المسلمين» / ص 86.

([29]) فيصل المولوي / مصدر سابق / ص 86 ـ 87 .

([30]) البلاذري ، «فتوح البلدان» / ص 164.

([31]) طلعت الغنيمي ،p. 44 Law", International of Conception "The Muslim.
__________________
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 01-29-2012, 11:54 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 17,409
افتراضي

وفي سنة (59 هـ/ 679 م) ، خسر معاوية معركة بحرية مع الروم البيزنطيين ، اضطر بعدها للتصالح مع بيزنطة، ودفع مبلغ 3 آلاف قطعة ذهبية سنوياً مع خمسين عبداً وخمسين جواداً([1]).
وفي العصر العباسي عقد المسلمون العديد من المعاهدات السلمية مع الدول المسيحية مثل بيزنطة وفرنسا وروما . وكانت عواصم تلك الإمبراطوريات تشهد حضوراً متواصلاً للمبعوثين والسفراء المسلمين ، كما استقبلت الحواضر الإسلامية كقرطبة والقاهرة وبغداد سفارات مسيحية مماثلة . وقد وصلت العلاقات السلمية مع أوروبا ، أحياناً ، إلى درجة عقد أحلاف سياسية ـ عسكرية مع الأباطرة المسيحيين . ففي عام 197هـ/ 812م ، وقع الخليفة الأموي في إسبانيا ، الحاكم ، اتفاقية مع شارلمان ملك فرنسا . وكان للأخير علاقات وثيقة مع هارون الرشيد.
ويعتبر الوفاء بالعهود أساس التلاقي بين الآحاد والجماعات على بصيرة وهداية وتعاون وثقة متبادلة، ولا تعارف إلا مع الثقة. ويجب تحقق الثقة بين الجماعات كالثقة بين الآحاد على سواء، ولذلك شدد الإسلام على وجوب الوفاء بالعهد، وعده من أسباب القوة لأنه من أسباب الثقة وقوة التعارف، قال الله تعالى:‏ ]وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْوَلاَتَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَاوَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَلاَتَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِوَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ[([2]).] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ[([3]).
] وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً[([4]).
] فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ[([5]).
] فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ[([6]).
] الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِوَلاَيَنقُضُونَ المِيثَاقَ[([7]).] وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا [([8]).
وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على الوفاء بالعهود عامة، وعلى الوفاء بالعهود التي يعقدها رؤساء الأمم في تنظيم العلاقات الدولية خاصة، قال عليه السلام : " لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له"([9]).‏
وقد كان بينه وبين المشركين عهد، فوفى به، فذكر له بعض المسلمين أنهم على نية الغدر به، فقال عليه السلام :‏ "وفوا لهم، ونستعين بالله عليهم"‏ ، وكان ينهى عن الغدر بمقدار حثه على الوفاء، وكان يعتبر أعظم الغدر غدر الحكام، يقول عليه الصلاة والسلام:‏ "لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدرته، ألا ولا غادر أعظم من أمير عامة"([10]).‏‏
وإذا كانت المعاهدات لا تستمد قوتها من نصوصها، بل من عزيمة عاقديها على الوفاء، فإن الإسلام حث على الوفاء، واعتبر الوفاء بالعهد والميثاق قوة، والنكث فيه أخذاً في أسباب الضعف.‏
وهكذا يكون الإسلام قد وثق أصول القانون الدولي العام الإسلامي أحكم توثيق، وبناها على الوجدان الديني للدولة الإسلامية؛ حيث لا يكون الوفاء للأقوياء، فقط، بل يكون هذا الوفاء للأقوياء والضعفاء على السواء.‏
ولا نعلم ديناً ولا تشريعاً، قد رفع من شأن "العهد" إلى هذا المستوى من القداسة، وقد كان لقاعدة "حرمة المعاهدات وقدسيتها في السلم والحرب" أثرها في العمل على استقرار السلم والأمن الدوليين، من جهة، وعلى تأصيل روح الثقة فيمن يتعامل سياسياً مع الدولة الإسلامية، على الصعيد الدولي من جهة أخرى، مما يعتبر بحق من أهم خصائص سياسة الإسلام الخارجية العادلة.‏
الثالث : واجب احترام العرف الصحيح في نطاق العلاقات الدولية : ‏
يعرَّف " العرف " بأنه :‏ " عادة جمهور قوم في قول أو عمل"‏.
والعرف مصدر تبعي من مصادر الأحكام، ويقوم على أساس الفقه أحكام متشعبة من شتى الأبواب والفصول الفقهية، لا يحصى عددها، ولا ينقضي تجددها، لأن الأحكام التي تخضعها الشريعة الإسلامية للعرف، تتبدل بتبدله، فهي في تجدد مستمر، وهذا من أعظم عوامل القابلية للخلود في مباني الشريعة وفقهها.‏
ويعد العرف في نظر الشريعة الإسلامية مستنداً عظيم الشأن لكثير من الأحكام العملية بين الناس في شتى شعب الفقه وأبوابه، وله سلطان واسع المدى في توليد الأحكام وتحديدها، وتعديلها وتجديدها، وإطلاقها وتقييدها، فهو وليد الحاجات المتجددة المتطورة.‏
وفي اعتبار العرف تسهيل كبير يغني عن كثير من النصوص التفصيلية في الأحكام التشريعية وفي عقود المعاملات، اعتماداً على ما هو معروف ومألوف في شتى الوقائع المحتملة، والعرف لا تغني عنه نصوص التشريع والتقنين، لأنها لا يمكن أن تستوعب جميع التفصيلات والاحتمالات، كما أن الكثير من أحكامها الآمرة نفسها مبني على العرف، ويتبدل الحكم فيه بتبدل العرف.‏
والاعتبار الشرعي للعرف مشروط بشرائط يجب توافرها في العرف لكي يعترف له بهذا السلطان.‏
وتلك الشرائط التي يذكرها الفقهاء والأصوليون في مناسباتها المختلفة تتلخص في أربعة شرائط :‏
ـ أن يكون العرف مطرداً أو غالباً.‏
ـ أن يكون العرف المراد تحكيمه في التصرف قائماً عند إنشائها.‏
ـ أن لا يعارض العرف تصريح بخلافة.‏
ـ أن لا يعارض العرف نص تشريعي، فإذا عارضه ففي اعتبار العرف تفصيل.
وقد راعى الفقهاء المسلمون العرف في علاقاتهم مع الدول غير الإسلامية، مما يمكن القول معه بأن مراعاة العرف من قواعد القانون الدولي الإسلامي، فمن أقوالهم في هذا الباب ما ذكره الإمام ابن قدامة الحنبلي في " المغني " وهو قوله :‏ " وليس لأهل الحرب دخول دار الإسلام بغير أمان، لأنه لا يؤمن أن يدخل أحدهم جاسوساً أو متلصصاً، فيضر المسلمين، فإن دخل بغير أمان سئل، فإن قال جئت رسولاً فالقول قوله، فإن كان معه متاع يبيعه، قبل قوله أيضاً، وحقن دمه، لأن العادة جارية بدخول تجارهم إلينا وتجارنا إليهم"([11]).‏‏
ويمكن أن يقاس على ما ذكره الفقهاء في رعاية العرف الصحيح الجاري بين الدول كل عرف آخر بينهم، وقد قعَّدوا قواعد مهمة في مجال العرف ووجوب رعايته، مثل :‏ " المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً ، والثابت بالعرف كالثابت بالنص ، والعادة محكمة ، ولا ينكر تغير الأحكام بتغيير الأزمان أي الأحكام المبنية على العرف ".
ويمكن الاستناد إلى هذه القواعد في نطاق العلاقات الدولية، كما نلاحظ ذلك في كتابات الفقيه المشهور محمد بن الحسن الشيباني في كتابه" السير الكبير"، وشرحه للإمام السرخسي.
وهناك مجال واسع للأخذ بقواعد القانون الدولي العام الحاضر القائمة على أساس العرف والمعاهدات، وهذان مصدران واسعان جداً يستقي القانون الدولي العام قواعده وأحكامه منهما، وإن الشريعة الإسلامية تجيز الأخذ بالعرف الصحيح في العلاقات الدولية، كما تجيز عقد المعاهدات مع الدول الأخرى، بشرط ألا تخالف الشريعة وأن تلتزم بالوفاء بمضمونها.
ومن خلال ما سبق نجد أنه قد وضعت الظروف والتغيرات الجديدة الدولة الإسلامية في تحديات جديدة ، حيث أصبحت تتعامل بشكل مباشر مع الدول غير المسلمة ، وخاصة الواقعة على حدود دار الإسلام . وجد المسلمون أن هناك حاجة لصيغة جديدة في التعامل مع الدول غير المسلمة ، بالإضافة إلى سياستها المتسامحة تجاه الأقليات غير الإسلامية داخل الدولة الإسلامية . قام الفقهاء بتطوير فرع من الفقه الإسلامي ، له علاقة بالعلاقات الخارجية ، هو السّيَر ، لتلبية متطلبات الظروف المستجدة والقضايا الطارئة . فهذا يعتبر أساس القانون الدولي الإسلامي.
كما أننا نرى أن العلاقات بين الدولة الإسلامية والدول غير الإسلامية قد لعبت دوراً هاماً في تطوير مفاهيم وآراء جديدة في الفقه الإسلامي.
فالواقع وقضاياه ومشاكله تطرح أسئلة وتطلب حلولاً ، لا بد للفقه أن يبدي رأيه فيها ، سواء كانت القضايا نابعة من داخل المجتمع الإسلامي أو بسبب علاقته واتصاله بالأمم الأخرى . وقد يكون من الصحيح القول بأن القانون الدولي الإسلامي أو السير ، نشأ أولاً لتنظيم قضايا الحرب والقتال وشئون الأسرى وعقد الهدنة أو غيرها ، لكن هناك دوافع وأسباباً أخرى جعلت القانون الدولي الإسلامي يتوسع ليشمل أمراً غير الحرب مع الكفار.
فقد كانت التجارة وانتقال الأفراد والتجار إلى دار الحرب ، والتعاون السياسي مع دار الكفر وغيرها أموراً تدفع الفقهاء إلى المزيد من البحث والاجتهاد لمواجهة الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتغيرة . ففي العصر العباسي عقد الخليفة هارون الرشيد حلفاً مع فرنسا المسيحية ، وكلاهما كان ضد بيزنطة.
وإلى هنا نكون قد أبرزنا بإيجاز حق الآخر باعتباره كيانا منفصلا في التشريع الإسلامي، ولكل مسلم أن يفخر بهذا الدين الذي ما ترك شيئاً إلا وبينه أحسن بيان، فلله وحده المنة وعليه التكلان.
&&&
الخاتـــــمة


ونختم هذا البحث بإبراز كلمات عن صور من سماحة الإسلام بالمقارنة مع تعامل الديانات الأخرى مع المسلمين.
فإن من أراد أن يعرف فضل التسامح الإسلامي، ويعرف سماحة المسلمين على بصيرة، فليقرأ ما فعلته الأديان والعقائد والأخرى مع مخالفيها على مدى التاريخ، فالضدُّ يُظهر حسنَه الضدُّ.
وكيف عاملوا ويعاملون مخالفيهم في المذهب والاتجاه؟! بل ماذا صنعوا ويصنعون بزملائهم في الفكرة، ورفقائهم في الكفاح، إذا خالفوا رأيهم، أو فكروا غير تفكيرهم؟!
لينظر إلى المسلمين في الحبشة مثلاً وما يقاسونه من عنت واضطهاد وإهدار للحقوق الإنسانية، مع أنهم يكونون أغلبية السكان، ولهم أقاليم إسلامية خالصة لا يشاركهم فيها غيرهم. (انظر: كتاب "مأساة الإسلام الجريح في الحبشة" وكذلك التقرير الذي كتبه طالبان أزهريان من الحبشة عن وضع المسلمين هناك، ونشره الشيخ محمد الغزالي في كتاب "كفاح دين" تحت عنوان "ذئاب الحبشة تنهش الإسلام". وانظر: كتاب "إريتريا والحبشة" في سلسلة مواطن الشعوب الإسلامية للأستاذ محمود شاكر، نشر مكتبة الأقصى ـ عمان).
ولينظر كذلك إلى المسلمين في روسيا (انظر: فصل "أحوال المسلمين في الاتحاد السوفييتي" من كتاب "الإسلام في وجه الزحف الأحمر" للشيخ محمد الغزالي " أو يوغسلافيا أو الصين أو غيرها من البلاد الاشتراكية الماركسية.
إن المسلمين يكونون في بعض الجمهوريات في روسيا وبعض الأقاليم في يوغوسلافيا والصين أكثرية ساحقة في عدد السكان. ومع هذا فإنهم يمنعون من أداء ما يعتقدون وجوبه كالصلوات الخمس والحج إلى بيت الله الحرام والتفقه في الدين، وإنشاء المساجد التي تقام فيها شعائر الإسلام والمعاهد التي تمد هذه المساجد بالأئمة والمعلمين والخطباء. وأن يحكموا أنفسهم بشريعة ربهم التي يؤمنون بوجوب التحاكم إليها دون غيرها.
إن القسوة والاضطهاد، والتعذيب والتنكيل، والتشريد والتقتيل، والإبادة الجماعية، والإرهاب المستمر، لن يسمح له بالبقاء ـ كل هذا لا يقع شذوذًا أو فلتة، أو نزولاً على حكم الضرورة، بل إن العنف والاضطهاد الوحشي للمخالفين يمثل سياسة ثابتة دائمة، قائمة على فلسفة نظرية لا تكتفي بتبرير العنف فقط، بل توجبه وتحتمه (تقوم فلسفة الثوريين من الشيوعيين وأمثالهم على أن العنف في ذاته ضروري للتثقيف الانقلابي، ولرعاية "الديناميك" الثوري، وحفظ نقاء وصفاء هذا الديناميك و الحركة ـ كما قالوا ـ تعتمد العنف هنا كي تهز أو تحرك الشعب من سباته، وكي تحرضه دائمًا على الحركة، وكي تشحذ وجدانه الثوري. والعنف يعني وضع الثورة أمام الشعب بشكل مستمر، كي لا يغفو الشعب أو تغيب الثورة عن وعيه وضميره، إنه ـ بعبارة أخرى ـ وسيلة لمنع الشعب من اجترار الثروة كجزء من تقليد، وبطريقة غير واعية، إذ يعني ذلك موت الثورة!!.([12])، وتجعله من فرائض الثورة والثورية ولوازمها وزعموا أن هذا العنف من خصائص كل دعوة انقلابية في الماضي والحاضر ـ دينية أو غير دينية، وجهلوا موقف الإسلام المتميز. ولكي يكون العنف عنفًا انقلابيا ناجحًا، يجب أن يستخدم باستمرار وحدة وثبات وقسوة.
ومما قاله أحد الدارسين للأيديولوجية اللادينية الحديثة : "يتخذ العنف عادة قبل الاستيلاء على الدولة شكلاً فرديًا يكون هدفه ـ كما حدده الفوضويون، وفي طليعتهم الفوضوية الروسية ـ التهويل وتفكيك السلطة، عن طريق الخوف، وإعداد الطريق بذلك للخطوة التالية، ألا وهي الاستيلاء على الدولة.
ولكن بعد الاستيلاء على الدولة، يتحول هذا العنف إلى عنف جماعي هدفه ترسيخ السلطة وتثبيتها بدلاً من تفكيكها، فبينما يتجه العنف الفردي إلى أفراد في مراكز رئيسية حساسة، يتجه العنف الجماعي الانقلابي الجديد صوب الشعب ككل، أو صوب جماعة معينة. إن الهدف من العنف الثاني ليس اعتماد الخوف فقط، بل إزالة العدو من الوجود، كي ينسجم المجتمع مع المذهب الجديد"([13]).
والحقيقة المهمة هنا هي: أن دعاة العنف الثوري حديثًا يستندون في تبرير عنفهم وقسوتهم ضد مخالفيهم إلى ما حفل به تاريخ الأديان قديمًا من تنكيل واضطهاد وإبادة ضد من لا يدين بها ويركزون خاصة على تاريخ المسيحية، طوال العصور الوسطى، ومنذ نشأتها.
قالوا : إن العنف الجماعي المنظم الذي لجأ إليه الشيوعيون والنازيون إنما استوحاه "تروتسكي" و"هتلر" وغيرهما من مدارس مسيحية، وفي طليعتها مدرسة اليسوعيين، ومحاكم التفتيش، والحركات الألفية.
إن المسيحية التي تدعو إلى المحبة والسلام، والتي قاست ألوانًا من الاضطهاد والتنكيل إبَّان نشوئها وضعفها، لم تلبث ـ حين ملكت زمام السلطة وقامت لها دولة ـ أن أنزلت بالمخالفين لها من ضروب العنف، وصنوف القسوة والعذاب ما تقشعر لحدوثه الأبدان.
ويذكر الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في كتاب "الإسلام والنصرانية ": أن الكنيسة الأسبانية غضبت لانتشار فلسفة ابن رشد وأفكاره، وخصوصًا بين اليهود، فصبت جام غضبها على اليهود والمسلمين معًا، فحكمت بطرد كل يهودي لا يقبل المعمودية، وأباحت له أن يبيع من العقار والمنقول ما يشاء، بشرط ألا يأخذ معه ذهبًا ولا فضة، وإنما يأخذ الأثمان عروضًا وحوالات. وهكذا خرج اليهود من أسبانيا تاركين أملاكهم لينجوا بأرواحهم، وربما اغتالهم الجوع ومشقة السفر، مع العدم والفقر.
وحكمت الكنيسة كذلك سنة 1052م على المسلمين (أعداء الله !) بطردهم من إشبيلية وما حولها إذا لم يقبلوا المعمودية، بشرط ألا يذهبوا في طريق يؤدي إلى بلاد إسلامية، ومن خالف ذلك فجزاؤه القتل([14]).
ولم يكن اضطهادها موجهًا إلى الوثنيين والمخالفين في الدين فحسب، بل كان موجهًا إلى المسيحيين الذين لهم رأي أو مذهب يخالف مذهب الحكام، أو مذهب الكنيسة المعتمدة لديهم.
والذين قرأوا تاريخ المسيحية يعرفون ماذا جرى للعالم المصري "آريوس" وأتباعه الذين عارضوا القول بألوهية المسيح، في "مجمع نيقية" المشهور (325م)، وكيف قرر هذا المجمع ـ بعد أن طرد من أعضائه كل المعارضين ـ وهم الأكثرية ـ إدانة "آريوس" وإحراق كتاباته، وتحريم اقتنائها، وعزل أنصاره من كل الوظائف، ونفيهم، والحكم بالإعدام على كل من أخفى شيئًا من كتابات "آريوس" ومن أيَّد مذهبه.
وباستمرار الاضطهاد للداعين إلى التوحيد اختفوا تمامًا من المجتمعات المسيحية، ولم يبق لدعوتهم أثر.
"إن الاختلافات اللاهوتية بين المسيحية في تفسير بعض أقوال أو مبادئ التوراة، كانت تؤدي إلى قتال يحصدهم حصدًا. أن يشتق الروح القدس من الأب والابن، أومن الابن وحده ! أو أن يكون الخبز والنبيذ جسدًا ودمًا أو لا يكونا ! أو أن يكون المسيح ذا طبيعتين ـ أو لا يكون طبيعة إنسانية وطبيعة إلهية...إلخ ـ كانت كلها مماحكات مات الناس في الدفاع عنها والخصام حولها بعشرات الألوف، وعذب المؤمنون بعضهم بعضًا في سبيلها بأشد أنواع التعذيب([15]).
ولما ظهر مذهب البروتستانت في أوروبا ـ على يد "لوثر" وغيره ـ قاومت الكنيسة الكاثوليكية أتباع هذا المذهب بكل ما أوتيت من قوة، وعرف تاريخ الاضطهاد مذابح بشرية رهيبة، من أهمها مذبحة باريس (في 24 أغسطس عام 1572م، التي دعا فيها الكاثوليك البروتستانت ضيوفًا عليهم في باريس للبحث في تسوية تقرب بين وجهات النظر، فما كان من المضيفين إلا أن سطوا على ضيوفهم تحت جنح الليل، فقتلوهم خيانة وهم نيام ! فلما طلع الصباح على باريس كانت شوارعها تجري بدماء هؤلاء الضحايا ! وانهالت التهاني على "تشارلز التاسع" بغير حساب من البابا، ومن ملوك الكاثوليك وعظمائهم.
والعجيب أن البروتستانت لما قويت شوكتهم، قاموا بدور القسوة نفسه مع الكاثوليك، ولم يكونوا أقل وحشية منهم([16]).
لقد قال "لوثر" لأتباعه: "من استطاع منكم فليقتل، فليخنق، فليذبح، سرًا أو علانية، اقتلوا واخنقوا، واذبحوا، ما طاب لكم، هؤلاء الفلاحين الثائرين"([17]).
ولم يكن من الغريب أن تنطوي الحروب الدينية في أوروبا على الفظائع التي ميزتها. يذكر "فيارك" أن الحرب الدينية الثلاثينية قضت حرفياً في ألمانيا وحدها على أكثرية الشعب الألماني بين قتل وجوع، وحرقت معظم مدنها المزدهرة، وحولتها إلى رماد!!
أما الحملات الصليبية فإن القرن العشرين بتجاربه الانقلابية (على ما فيها من وحشية كالانقلاب الشيوعي والنازي) يعجز أمام فظائعها التي كانت تقترفها ضد المسيحيين أنفسهم، فبعضها كان يحرث الأرض بأجساد ضحاياها من المارقين كطريقة لتسميد الأرض!
ويذكر "فيدهام" أن هذه الحروب كانت مليئة بالفظائع: لأن رجال اللاهوت "الطيبين" كانوا مستعدين دائمًا أن يضعوا الزيت على النار، وأن يحيوا وحشية الجنود عندما يساورهم أي تردد أو ضعف، فقد يكون الجنود قساة، ولكنهم كانوا يميلون في بعض الأحيان إلى الرحمة، أما رجال اللاهوت فاعتبروا الاعتدال والرحمة نوعًا من الخيانة! ([18]).
لقد كان الحرق عقاب جميع الفرق المنشقة، فإن ندم أحدهم فاعترف بخطيئته وتاب، يحكم عليه بالسجن المؤبد، وكان الحجز يصيب جميع أملاك الكافر وأولاده حتى الجيل الثاني، وكانوا لا يعتبرون أهلاً لأي منصب أو مركز إلا إذا وشوا بأبيهم أو بكافر آخر. والعقاب ذاته كان يصيب كل من يساعد الكفار بأي شكل.
لم يكن الموتى أنفسهم في منجى، إذ كانت المحاكم تأمر بنبش وحرق جثث من ترى أنهم كانوا كفرة. وقد بلغ التشجيع على الوشاية بالغير درجة لم يبلغها في الانقلابات الحديثة!
ذكر "لي" في دراسته الكلاسيكية حول محاكم التفتيش في القرون الوسطى : أن جميع المحاكم والقضاة في الحاضر والمستقبل، كانوا ملزمين بأن يُقْسموا على إزالة كل الذين تعتبرهم الكنيسة كفرة، وإلا فإنهم يخسرون مراكزهم، إن أي حاكم زمني يهمل لعام واحد ـ بعد دعوة الكنيسة بأن ينظف الأرض التي يملكها من الكفرة ـ تصبح أرضه من حق كل من يفني الكفرة ويقضي عليهم. وجنَّد "مرسوم الإيمان" ـ الذي اعتمدته محاكم التفتيش في متابعة المارقين ـ الشعب كله في خدمة المحاكم، وفُرِض على كل فرد أن يشي بالغير وأن ينبئها بأي عمل كافر أو مارق([19]).
ويقول الشيخ محمد عبده عن محاكم التفتيش: لقد اشتدت وطأة هذه المحكمة حتى قال أهل ذلك العهد: يقرب من المحال أن يكون الشخص مسيحيًا ويموت على فراشه!
ويقول: لقد حكمتْ هذه المحكمة من يوم نشأتها سنة 1481م حتى سنة 1808م على 340000 نسمة منهم 200000 أحرقوا أحياء. ([20]).
ولم يكن هذا الموقف جديدًا في المسيحية، لأن انتشارها في عصورها الأولى كان يتم عادة عن طريق تخيير الغير بينها وبين السيف.
يذكر (بريفولت) أن تقدير المؤرخين للناس الذين قتلتهم المسيحية في انتشارها ـ أي في أوروبا ـ يتراوح بين سبعة ملايين كحد أدنى، وخمسة عشر مليون كحد أعلى. (الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية للإمام محمد عبده).
إن فظاعة هذا العدد تتضح لنا عندما نذكر أن عدد سكان أوروبا آنذاك كان جزءًا ضئيلاً فقط من سكانها اليوم.
كانت الفظائع والمذابح التي قام بها المسيحيون ضد خصومهم تجد لها سندًا في التوراة التي تقول في شأن هؤلاء الخصوم: (اهدموا معابدهم، واقذفوا أعمدتها إلى النار، واحرقوا جميع صورها) .. كما توصى التوراة بتحريق المدن بعد فتحها، وقتل كل من فيها من رجال ونساء وأطفال.
وكان الذين يقومون بتلك العمليات الوحشية يزعمون لأنفسهم أنهم يتقربون إلى الله وينفذون إرادته، ويعجلون لأعدائه بعض النقمة التي تنتظرهم في الآخرة. عبرت عن ذلك ملكة إنجلترا ـ الكاثوليكية ـ في القرن السادس عشر (ماري) حين أعلنت مرة: (بما أن أرواح الكفرة سوف تحرق في جهنم أبدًا، فليس هناك أكثر شرعية من تقليد الانتقام الإلهي بإحراقهم على الأرض([21]).
وبهذا يكون قد تبين أن التسامح الإسلامي مع غير المسلمين من أهل الأديان الأخرى، حقيقة ثابتة، شهدت بها نصوص الوحي، من الكتاب والسنة، وشهد بها التاريخ الناصع منذ عهد الخلفاء الراشدين، ومن بعدهم من الأمويين والعباسيين والعثمانيين والمماليك وغيرهم، في شتى أقطار الإسلام، وشهد بها الواقع الماثل في بلاد العالم الإسلامي كله، حيث تتجاور فيه الجوامع والكنائس، وتسمع صيحات الأذان ودقات النواقيس، وتعيش الأقليات غير المسلمة ناعمة بالأمان والاستقرار والحرية في ممارسة حقوقها الدينية والدنيوية، على حين تعيش الأقليات الإسلامية ـ بل الأكثريات في بعض الأحيان ـ في كثير من دول آسيا وإفريقيا وأوروبا، مضطهدين مقهورين، لا يُسمح لهم أن يقيموا دينًا، أو يملكوا دنيا.
نحن لا ندعو إلى المعاملة بالمثل، لأن ديننا ينهانا أن نأخذ مواطنينا من غير المسلمين بذنب أبناء ملتهم في بلاد أخرى، ولا ناقة لهم معهم ولا جمل، كيف وقد قال الله سبجانه تعالى: ]وَلاَتَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَاوَلاَتَزِرُوَازِرَةٌوِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون[([22]).
ولا يخفى أن التعصب الديني لم يكن وصفا ملتصقا بالمسيحية فقط، بل إن التاريخ ذكر بعض صور للتعصب الديني لدى بعض المسلمين كما مر، كما أن التاريخ القديم والحديث يصرخ بالتعصب الديني لدى اليهود.
وإنما ذكرنا المسيحية والإسلام ؛ لأنهما غالب أهل الأرض، ثم إن العنف ظاهرة إنسانية ليست مقصورة على قوم دون قوم، وإنما تتحول إلى إرهاب بفعل سيطرتهم الأيديولوجيات وكذلك لدى البوذيين ولدى الهندوس وغيرهم، ولكن لقلة عدد أتباع هذه الديانات، بالنظر لعدد المسلمين والمسيحيين في العالم، كان تركيز بحثنا على تلك الفئات العظيمة من أهل الأرض.
وإلى هنا ينتهي هذا البحث المتواضع، ولا أزعم أنني سددت ، أو قاربت ، ولكن أزعم أنني استفرغت الوسع ، في عرض هذا الموضوع موجزا ، والله من وراء القصد ، وهو حسبي ونعم الوكيل.
&&&


([1]) طلعت الغنيمي ،p. 44 Law", International of Conception "The Muslim.

([2]) سورة النحل الآيتان : 91 ، 92.

([3]) سورة المائدة الآية : 1.

([4]) سورة الإسراء الآية : 3‏.

([5]) سورة التوبة الآية : 4.

([6]) سورة التوبة الآية : 7.

([7]) سورة الرعد الآية : 20.

([8]) سورة البقرة الآية : 177.

([9]) رواه أحمد في مسنده، ج 3 صـ 135، وابن حبان في صحيحه ج 13 صـ 139، والبيهقي في سننه ج4 صـ97، والطبراني في الأوسط ج 2 صـ 383.

([10]) متفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه ج 3 صـ 1164، ومسلم في صحيحه ج 3 صـ 136.

([11]) المغني، ج /8/ ص/523/" وبمثل هذا قال الشافعية والمالكية، انظر اختلاف الفقهاء للطبري ص33،وشرح الخرشي ج3 ص123.

([12])"الأيديولوجية الانقلابية" ـ فصل "العنف الانقلابي" ص701.

([13]) الأيديولوجية الانقلابية للدكتور نديم البيطار - منشورات المؤسسة الأهلية للطباعة والنشر ـ بيروت ص 706 - 707

([14]) الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية ص36 - 37 -الطبعة الثامنة.

([15]) الأيديولوجية الانقلابية ص714.

([16]) "المسيحية" للدكتور أحمد شلبي ص51 - 52.

([17]) الأيديولوجية الانقلابية ص710 .

([18]) الأيديولوجية الانقلابية ص716 .

([19]) نفس المرجع السابق ص586 - 588.

([20]) نفس المرجع السابق ص715.

([21]) نفس المرجع السابق 714.

([22])سورة الأنعام الآية : 164.
__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« doc الديمقراطية كتنظيم سياسي واجتماعي ومدى صلاحيتها لنا نحن المسلمين | الأخلاق في الإسلام »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
المؤرخ الإسلامي الأول تراتيل التاريخ الإسلامي 1 01-30-2012 02:24 AM
الفن الإسلامي Eng.Jordan بحوث ودراسات منوعة 0 01-24-2012 11:27 PM
صيغ التمويل الإسلامي Eng.Jordan بحوث الإدارة والإقتصاد 1 01-21-2012 05:41 PM
تميز المنهج الإسلامي عبدالناصر محمود الملتقى العام 1 01-09-2012 09:17 AM
مخاطر التمويل الإسلامي Eng.Jordan دراسات وبحوث اسلامية 0 01-08-2012 05:38 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 11:02 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2016, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73