تذكرني !

 





كتب ومراجع إلكترونية عرض وتحميل الكتب الإلكترونية ebooks

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #5  
قديم 01-30-2012, 12:34 AM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,456
افتراضي

المبحث الثاني
التحضر والرقي
من مظاهر رحمته r أنه ارتقى بالعرب إلى مستوى التحضر فوحد صفهم وأقام لهم دولة و جعل منهم أمة، وصفها القرآن بإنها خير أمة أخرجت للناس.. إن في ذلك لرحمة ! رحمة أن يعيش العربي في ظلال دولة مدنية، وأمة متحضرة، وفي سبيل فكرة مستنيرة .. لا أن يعيش في صراعات قبلية، واقتتال على الناقة والعنزة، في سبيل أفكار رجعية أو عصبية منتنة، كما كان يسميها النبي r: " دعوها فإنها منتنة"[1].
هذا ولم يقتصر فضل النبي r على تحضر العرب وحدهم .. بل يمتد خيره ونوره إلى الشعوب والأمم الأخرى، خصوصاً أوربا..
المطلب الأول : العرب من القبيلة إلى الدولة والأمة
أولاً: العرب لم يعرفوا الوحدة الحضارية قبل النبي r
يقول المفكر الألماني رودي بارت[2] :
"كان العرب يعيشون منذ قرون طويلة في بوادي وواحات شبه الجزيرة، يعيثون فيها فسادًا. حتى أتى محمد [r] ودعاهم إلى الإيمان بإله واحد، خالق بارئ، وجمعهم في كيان واحد متجانس"[3].
ويقول رودي بارت ، في موضع آخر، مفصلاً:
"جاء محمد بن عبد الله [r]، النبي العربي وخاتمة النبيين، يبشر العرب والناس أجمعين، بدين جديد، ويدعو للقول بالله الواحد الأحد، كانت الشريعة [في دعوته] لا تختلف عن العقيدة أو الإيمان، وتتمتع مثلها بسلطة إلهية ملزمة، تضبط ليس الأمور الدينية فحسب، بل أيضًا الأمور الدنيوية، فتفرض على المسلم الزكاة، والجهاد ضد المشركين.. ونشر الدين الحنيف.. وعندما قبُض النبي العربي [r]، عام 632م، كان قد انتهى من دعوته، كما انتهى من وضع نظام اجتماعي يسمو كثيرًا فوق النظام القبلي الذي كان عليه العرب قبل الإسلام، وصهرهم في وحدة قوية، وهكذا تم للجزيرة العربية وحدة دينية متماسكة، لم تعرف مثلها من قبل.."[4].
ثانيًا: جهود مضنية من النبيr :
ولقد كانت الحياة العربية قبل الإسلام تقوم أساساً على نمطية خاصة، فالقبيلة هي التنظيم الاجتماعي والسياسي الذي يضمم حياة الفرد في القبيلة ، فكان انتماء العربي الجاهلي انتماء قبلياً ، وليس هناك أية رابطة عملية توحد القبائل وتجمعها ، بل على العكس كانت القبائل متناحرة متحاربة ، وإذا ما قامت أحلاف قبلية ، فلمناصرة قبيلة على أخرى ، وبالتحديد كانت القبيلة العربية تشكل وحدة سياسية مستقلة[5] . .
ومن هنا كان الانقلاب الذي أحدثه الرسول rعميقاً في حياة الجزيرة العربية إذ استطاع بسياسته الكفاحية التي تمليها روح الإسلام أن يحول هذه الوحدات القبلية المستقلة ويرتقى بها لتظهر في إطار الأمة الإسلامية[6].
فيبين "فيليب حتي" هذا الانقلاب الذي أحدثه الرسول r فيقول :" إذا نحن نظرنا إلى محمد [r] من خلال الأعمال التي حققها، فإن محمدًا الرجل والمعلم والخطيب ورجل الدولة والمجاهد؛ يبدو لنا بكل وضوح واحدًا من أقدر الرجال في جميع أحقاب التاريخ. لقد نشر دينًا هو الإسلام، وأسس دولة هي الخلافة، ووضع أساس حضارة هي الحضارة العربية الإسلامية، وأقام أمة هي الأمة العربية. وهو لا يزال إلى اليوم قوة حية فعالة في حياة الملايين من البشر"[7]..
وعن ضخامة هذا الجهد العظيم الذي بذله النبي rلإحداث هذا التحول في المجتمع العربي الجاهلي ، يقول إميل درمنغم : "إن النبي [r] لم يعرف الراحة ولا السكون بعد أن أوحي إليه في غار حراء، فقضى حياة يعجب الإنسان بها، والحق أن عشرين سنة كفت لإعداد ما يقلب الدنيا، فقد نبتت في رمال الحجاز الجديبة حبة سوف تجدد، عما قليل، بلاد العرب وتمتد أغصانها إلى بلاد الهند والمحيط الأطلنطي. وليس لدينا ما نعرف به أن محمدًا [r] أبصر، حين أفاض من جبل عرفات[8]، مستقبل أمته وانتشار دينه، وأنه أحس ببصيرته أن العرب الذين ألّف بينهم سيخرجون من جزيرتهم لفتح بلاد فارس والشام وأفريقية وإسبانية"[9] .
ويبين آرنولد توينبي[10] أن النبي قد كرّس حياته لتحقيق رسالته في كفالة مظهرين أساسيين في البيئة الاجتماعية العربية؛ هما الوحدانية في الفكرة الدينية، والقانون والنظام في الحكم. "وتم ذلك فعلاً بفضل نظام الإسلام الشامل الذي ضم بين ظهرانيه الوحدانية والسلطة التنفيذية معًا.. فغدت للإسلام بفضل ذلك قوة دافعة جبارة لم تقتصر على كفالة احتياجات العرب ونقلهم من أمة جهالة إلى أمة متحضرة.. بل تدفق الإسلام من حدود شبه الجزيرة، واستولى على العالم السوري بأسره من سواحل الأطالسي إلى شواطئ السهب الأوراسي "[11].
ثالثًا: تميز فكرة الأمة الإسلامية
ويناقش المستشرق الفرنسي مارسيل بوازار فكرة " الأمة الإسلامية " ومغايرتها المفهوم الغربي، فيقول:
"ليس لفكرة الأمة الإسلامية مقابل في فكر الغرب ولا في تجربته التاريخية. فالجماعة الإسلامية، وهى تجّمع من المؤمنين يؤلف بينهم رباط سياسي وديني في آن واحد، ويتمحورون حول كلام الله القدسي... و الفرد يندمج في الإسلام بالجماعة المؤمنة بالتساوي عن طريق شهادته، الفردية واستبطان إرادته وصفاته الخاصة كمؤمن، فالنية المعلنة والجهر بالكلام شرطان من شروط الانتماء إلى المجتمع . وبصورة تلازمية يحدد الامتثال لمشيئة الله البنية الاجتماعية . وهكذا تكون النظم التأسيسية للجماعة مشروطة بالعبادة الواجبة عليها نحو الله "[12].
إذًا ليس لفكرة الأمة الإسلامية ما ينافسها في تجارب الغرب على مدار تارخيه..
فتاريخ الغرب عبارة عن مجموعة إمبراطوريات متتابعة قائمة على الطبقية والعرق واللون..
ولم تقم لهم حضارة في تاريخهم تقوم على أساس الرباط الإيماني، اللهم إلا حضارة الإسلام! .
ولم يحدث أن دولة من دول الغرب في عصور الظلام، أن سوت بين أفراد الشعب في المعاملة وتوزيع الثروة والسلطة، اللهم إلا دولة الإسلام !

المطلب الثاني : إشادة العلماء الغربيين بجهود النبي r
هذا، ولقد أثار موضوع فضل الرسول محمد rعلى تحضر العرب، اهتمام علماء الغرب وغيرهم، فهو الذي وحد الجزيرة العربية أول مرة في التاريخ في ظل حكم إسلامي ، متنور نقل العرب من الجاهلية إلى الحضارة والمدنية.. يقول الباحث الروسي آرلونوف:
"في شبه جزيرة العرب المجاورة لفلسطين ظهرت ديانة أساسها الاعتراف بوحدانية الله ، وهذه الديانة تعرف بالمحمدية[13] أو كما يسميها أتباعها الإسلام، وقد انتشرت هذه الديانة انتشاراً سريعاً، و مؤسس هذه الديانة هو العربي محمد [r]، وقد قضى على عادات قومه الوثنية، ووحد قبائل العرب، وأثار أفكارهم وأبصارهم بمعرفة الإله الواحد، وهذب أخلاقهم ولين طباعهم وقلوبهم وجعلها مستعدة، للرقي والتقدم، ومنعهم من سفك الدماء ووأد البنات، وهذه الأعمال العظيمة التي قام بها محمد[r] تدل على أنه من المصلحين العظام، وعلى أن في نفسه قوة فوق قوة البشر، فكان ذا فكر نير ، وبصيرة وقيادة "[14] .
وهكذا فإن فضل الرسول r على العرب لا حد له، إذ أخرجهم من الجاهلية إلى نور الإسلام.
ويضيف "هنري سيرويا"[15] أن "محمداً [r] لم يغرس في نفوس الأعراب مبدأ التوحيد فقط، بل غرس فيها أيضًا المدنية والأدب"[16] .
ويتحدث الباحث الأمريكي "جورج دي تولدز"( 1815-1897) ، عن فضل الرسول rعلى العرب حين نقلهم من الهمجية إلى المدنية، وعن دور الرسالة في تبديل أخلاق عرب الجاهلية ، حين عمر ضياء الحق والإيمان قلوبهم ، فيقول :
" إن من الظلم الفادح أن نغمط حق محمد [r]، و العرب على ما علمناهم من التوحش قبل بعثته، ثم كيف تبدلت الحالة بعد إعلان نبوته ، وما أورته الديانة الإسلامية من النور في قلوب الملايين من الذين اعتنقوها بكل شوق وإعجاب من الفضائل ، لذا فإن الشك في بعثة محمد[r]إنما هو شك في القدرة الإلهية التي تشمل الكائنات جمعاء"[17].
ويؤكد ذلك القس السابق دُرّاني[18] بقوله:
".. وأخيراً أخذت أدرس حياة النبي محمد [r] فأيقنت أن من أعظم الآثام أن نتنكر لذلك الرجل الرباني الذي أقام مملكة لله بين أقوام كانوا من قبل متحاربين لا يحكمهم قانون، يعبدون الوثن، ويقترفون كل الأفعال المشينة، فغير طرق تفكيرهم، لا بل بدل عاداتهم وأخلاقهم، وجمعهم تحت راية واحدة وقانون واحد ودين واحد وثقافة واحدة وحضارة واحدة وحكومة واحدة، وأصبحت تلك الأمة، التي لم تنجب رجلاً عظيمًا واحدًا يستحق الذكر منذ عدة قرون، أصبحت تحت تأثيره وهديه تنجب ألوفًا من النفوس الكريمة التي انطلقت إلى أقصى أرجاء المعمورة تدعو إلى مبادئ الإسلام وأخلاقه ونظام الحياة الإسلامية وتعلم الناس أمور الدين الجديد"[19].

كان فضل النبي r في تحضر العرب من العمق وبُعد الأثر لا يحصره زمان أو يحده مكان، يقول الباحث قسطاكي حمصي (1858-1941) :
"إذا كان سيد قريش نبي المسلمين ومؤسس دينهم، فهو أيضا نبي العرب ومؤسس جامعتهم القومية، وكما أنه من الحمق والمكابرة أن ننكر أن ما لسيد قريش من بعيد الأثر في توحيد اللهجات العربية ، وقتل العصبيات الفرعية في نفوس القبائل، بعد أن أنهكها القتال في الصحراء ، و تناحر ملوكها في الشام والعراق تناحراً أطال أمد الحماية الرومانية والفارسية في البلدين الشقيقين حتى الفتح الإسلامي. فمن الخطأ أن ننكر ما للرسول العربي الكريم [r] وخلفائه من يد على الشرق ! ... والمنافحة لتحرير الشرق من رق الرومان وأسر الفرس .إن سيد قريش هو المنقذ الأكبر للعرب من فوضى الجاهلية، وواضع حجر الزاوية في صرح نهضتهم الجبارة المتأصلة في تربة الخلود !! "[20].
المطلب الثالث: فضل النبي في تحضر العالم
ويبين المستر سنكس أن لمحمدr الفضل الأكبر ليس فقط في رقي العرب بل في رقي العالم كله حتى اليوم ، فيقول سنكس :
" ظهر محمد [r]بعد المسيح بخمسمائة وسبعين سنة، وكانت وظيفته ترقية عقول البشر، بإشرابها الأصول الأولية للأخلاق الفاضلة، وبإرجاعها إلى الاعتقاد بإله واحد، وبحياة بعد هذه الحياة .... " إلى أن قال:
إن الفكرة الدينية الإسلامية، أحدثت رقياً كبيراً جداً في العالم، وخلّصت العقل الإنساني من قيوده الثقيلة التي كانت تأسره حول الهياكل بين يدي الكهان. ولقد توصل محمد [r] بمحوه كل صورة في المعابد وإبطاله كل تمثيل لذات الخالق المطلق ، إلى تخليص الفكر الإنساني من عقيدة التجسيد الغليظة"[21]. .

أما المفكر " برتلي سانت هيلر " فيبين أن فضل النبي محمد r ، يمتد إلى كل شعوب العالم، بقوله :
"وقد كان دينه [r] الذي دعا الناس إلى اعتقاده، جزيل النعم على جميع الشعوب التي اعتنقته"[22].
أما الكاتب الفرنسي موريس بوكاي فيخص أوربا والغرب ، على أساس أن الشعوب الغربية هم أكثر الشعوب إستفادة من حضارة الإسلام، فيقول بوكاي: "إن الإسلام ينظر إلى العلم والدين كتوءمين، وأن تهذيب العلم كان جزءاً من التوجيهات الدينية منذ البداية، وأن تطبيق هذه القاعدة أدى إلى التقدم العلمي العجيب في عصر الحضارة الإسلامية العظمى، التي استفاد منها الغرب قبل نهضته"[23] .
ويؤيده العلامة " سان سيمون " في كتابه " علم الإنسان " بقوله:
" إن الدارس لبنيات الحضارات الإنسانية المختلفة ، لا يمكنه أن يتنكر للدور الحضاري الخلاق الذي لعبه العرب والمسلمون في بناء النهضة العلمية لأوربا الحديثة "[24] .
ويقارن "كويليام " حال العالم بعد عهد محمد r وبين عصر الجاهلية فيقول : "لما شرف محمد r ساحة عالم الشهود بوجوده الذي هو الواسطة العظمى والوسيلة الكبرى إلى اعتلاء النوع الإنساني وترقيّه في درجات المدنية، أكمل ما يحتاجه البشر من اللوازم الضرورية على نهج مشروع وأوصل الخلق إلى أقصى مراتب السعادة بسرعة خارقة. ومن نظر بعين البصيرة في حال الأنام قبله r وما كانوا عليه من الضلالة.. ونظر في حالهم بعد ذلك وما حصل لهم في عصره من الترقّي العظيم رأى بين الحالين فرقًا عظيمًا كما بين الثريا والثرى"[25].
و".. امتدت أنوار المدنية بعد محمد [r]في قليل من الزمان ساطعة في أقطار الأرض من المشرق إلى المغرب حتى إن وصول أتباعه في ذلك الزمن اليسير إلى تلك المرتبة العلية من المدنية قد حيّر عقول أولي الألباب. وما السبب في ذلك إلا كون أوامره ونواهيه موافقة لموجب العقل ومطابقة لمقتضى الحكمة"[26].
ويبين المستشرق الأمريكي "إدوارد رمسي"أن الإسلام منح" المدنية والحضارة قوة جديدة وشجع العالم على درس العلوم باتساعٍ متناهٍ، وهكذا خرج إلى الدنيا فلاسفة وخطباء وأطباء ومؤرخون يفخر بهم الإسلام أمثال: أبي عثمان – الجاحظ – والبيروني والطبري وابن سينا وابن رشد والفارابي وابن باجه والغزالي وغيرهم.. والمسلمون بلا نزاع هم مخترعو علم الكيمياء ومؤسسوه، أما علم الطب والصيدلة فقد حسنوهما تحسيناً عظيماً، وبواسطة المسلمين تقدم علم الفلك سريعاً حتى الطيران، وهم مخترعو علم الجبر ومكتشفو علم الطيران"[27]..
و" قليلون من هم على علم بما أسهم به العالم الإسلامي من جهود متميزة في تقدم الإنسانية "[28] .
كل هذا وغيره دفع المفكر الفرنسي - أحد عمالقة فلاسفة الاجتماع- جوستاف لوبون (1841-1931) إلى أن يدعو أبناء عصره إلى الإقتداء بمحمدr ، واعتناق دعوته لأن فيها صلاح المجتمعات الإنسانية ، فيقول في كتابه "الحضارة الإسلامية" :

"أنني لا أدعو إلى بدعة محدثة ، ولا إلى ضلالة مستهجنة ، بل إلى دين عربي قد أوحاه الله إلى نبيه محمد، فكان أميناً على بث دعوته بين قبائل تلهت بعبادة الأحجار والأصنام ، وتلذذت بترهات الجاهلية ، فجمع صفوفهم بعد أن كانت مبعثرة ، ووحد كلمتم بعد أن كانت متفرقة ، ووجه أنظارهم لعبادة الخالق ، فكان خير البرية على الإطلاق حباً ونسباً وزعامة ونبوة ، هذا هو محمد الذي اعتنق شريعته أربعمئة مليون مسلم ، منتشرين في أنحاء المعمورة ، يرتلون قرآناً عربياً مبيناً ".
"فرسول كهذا جدير باتباع رسالته ، والمبادرة إلى اعتناق دعوته ، إذ أنها دعوة شريفة ، قوامها معرفة الخالق ، والحض على الخير والردع عن المنكر ، بل كل ما جاء فيها ما يرمي إلى الصلاح والإصلاح ، والصلاح أنشودة المؤمن ، وهو الذي أدعو إليه جميع النصارى"[29]

المبحث الثالث
التسامح الديني
إن التسامح الديني- بين الطوائف والجماعات والدول - الذي تبناه النبي r يعد من أهم مظاهر رحمته r.. وقد كان r نموذجًا فذا في التسامح الديني . فالنبي rلم يُكره اليهود و لا النصارى على قبول دينه، لأنهم أهل الكتاب. بل أمرأعفى النبي r بإكرام علماء أهل الكتاب كالبطاركة والرهبان وخدمهم وحرم r قتل الرهبان - على الخصوص - حتى في حال الحرب.
المطلب الأول : "محمد[r]الحاكم المتسامح الحكيم المشرع"[30]:
التسامح عند سيدنا محمد r كما يقول الباحث الفرنسي مارسيل بوازار "هو واجب ديني وأمر شرعي"[31].
ويقول الفيلسوف الألماني الشهير "غوته" في كتابه (أخلاق المسلمين وعاداتهم): "ولا شك أن التسامح الأكبر أمام اعتداء أصحاب الديانات الأخرى، وأمام إرهاصات وتخريفات اللادينيين، التسامح بمعناه الإلهي، غرسه رسول الإسلام[r] في نفوس المسلمين، فقد كان محمد [r] المتسامح الأكبر، ولم يتخذ رسول الإسلام[r] موقفاً صعباً ضد كل الذين كانوا يعتدون عليه بالسب أو بمد الأيدي أو بعرقلة الطريق وما شابه ذلك، فقد كان متسامحاً؛ فتبعه أصحابه وتبعه المسلمون، وكانت وما زالت صفة التسامح هي إحدى المميزات والسمات الراقية للدين الإسلامي، وللحق أقول: إن تسامح المسلم ليس من ضعف؛ ولكن المسلم يتسامح مع اعتزازه بدينه، وتمسكه بعقيدته"[32] ..
وتتحدث لورافيشيا فاغليري عن مظهر التسامح الديني عند النبي r، فتقول:
"كان محمد [r] المتمسك دائمًا بالمبادئ الإلهية شديد التسامح، وبخاصة نحو أتباع الأديان الموحدة. لقد عرف كيف يتذرع بالصبر مع الوثنيين، مصطنعًا الأناة دائمًا اعتقادًا منه بأن الزمن سوف يتم عمله الهادف إلى هدايتهم وإخراجهم من الظلام إلى النور.. لقد عرف جيدًا أن الله لابد أن يدخل آخر الأمر إلى القلب البشري"[33]
إن سياسة التسامح الديني التي انتهجها محمد r تجاه أصحاب الديانات الأخرى حظيت باحترام وتقدير المفكرين الغرب فعقدوا المقارنة بين تسامح الإسلام وتعصب الصليبيين.. يقول القس الألماني ميشون :
"إن الإسلام الذي أمر بالجهاد متسامح نحو أتباع الأديان الأخرى ، وهو الذي أعفى البطاركة والرهبان وخدمهم من الضرائب وحرم قتل الرهبان -على الخصوص -لعكوفهم على العبادات ولم يمس عمر بن الخطاب النصارى بسوء حين فتح القدس ..وقد ذبح الصليبيون المسلمين و حرقوا اليهود عندما دخلوها "[34].
ويضيف الكاتب نفسه في موضع آخر ، متحدثاً عن تاريخ العلاقات الإسلامية المسيحية ، وكيف أن المسيحيين تعلموا الكثير من المسلمين في التسامح وحسن المعاملة ، يقول :
"وإنه لمن المحزن أن يتلقى المسيحيون عن المسلمين روح التعامل وفضائل حسن المعاملة ، وهما أقدس قواعد الرحمة والإحسان عند الشعوب والأمم، كل ذلك بفضل تعاليم نبيهم محمد[r]"[35].
المطلب الثاني: دستور المدينة نموذجًا:
لقد كان التعايش بين مختلف الطوائف والفصائل في الدولة الإسلامية الأولى هو أحد أهداف الدستور الإسلامي الذي وضعه النبي r عقب هجرته إلى المدينة ، والذي ضمن تنظيم العلاقات ما بين المسلمين من جهة ، وأصحاب الديانات الأخرى من جهة أخرى ، في إطار من التسامح الديني والحرية الدينية في ممارسة الشعائر، ويقول في ذلك "كونستانس جيورجيو" [36]:
"وقد حوى هذا الدستور اثنين وخمسين بنداً ، كلها من رأي رسول الله[r] . خمسة وعشرون منها خاصة بأمور المسلمين وسبعة وعشرون مرتبطة بالعلاقة بين المسلمين وأصحاب الأديان الأخرى ، ولاسيما اليهود وعبدة الأوثان . وقد دون هذا الدستور بشكل يسمح لأصحاب الأديان الأخرى بالعيش مع المسلمين بحرية ، ولهم أن يقيموا شعاثرهم حسب رغبتهم ، ومن غير أن يتضايق أحد الفرقاء . وضع هذا الدستور في السنة الأولى للهجرة، أى عام 623م . ولكن في حال مهاجمة المدينة من قبل عدو عليهم أن يتحدوا لمجابهته وطرده "[37] .

وقد نص دستور المدينة على حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر فجاء فيه :
وجاء في هذا الأصل:
"وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، ومواليهم وأنفسهم إلا من ظلم نفسه وأَثِم فإنه لا يوتغ[ أي يُهلك] إلا نفسه وأهل بيته"[38] .
ونص على الاستقلال المالي لكل طائفة، فكان من ضمن مواد دستور المدينة:
"وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم"[39]
فمع وجوب التعاون المالي بين جميع طوائف الدولة لرد أي عدوان خارجي، فإن لكل طائفة استقلالها المالي عن غيرها من الطوائف.
كما نص الدستور على النصح والبر بين المسلمين وأهل الكتاب:
فيقول الدستور :
"وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم"[40]
فالأصل في العلاقة بين جميع طوائف الدولة –مهما اختلفت معتقداتهم– هو النصح المتبادل، والنصيحة التي تنفع البلاد والعباد، والبر والخير والصلة بين هذه الطوائف.
المطلب الثالث: استقبال الوفود النصرانية :
وتجلت مظاهر التسامح الديني في عهد النبي r عام الوفود حين استقبل وفوداً نصرانية وبعث برسالة إلى أسقف نجران . .
ومن ثم يتحدث "كونستانس جيورجيو" عن أوضاع أصحاب الديانات السماوية في ظل الحكم الإسلامي فيقول[41] :
" مع أن الإسلام عم الجزيرة كلها في السنة التاسعة فإن محمداً [r] لم يُكره اليهود و لا النصارى على قبول دينه، لأنهم أهل الكتاب . و قد جاء في رسالة محمد [r] إلى أبي الحارث أسقف نجران أن وضع المسيحيين في الجزيرة بعد الإسلام تحسن كثيراً، يقول في الرسالة :
"بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد النبي، إلى الأسقف أبي الحارث، وأساقفة نجران، وكهنتهم، ومن تبعهم، ورهبانهم : إن لهم ما تحت أيديهم، من قليل أو كثير من بيَعهم وصلواتهم، ورهبانيتهم، وجوار الله ورسوله، لا يُغيّر أُسقف من أُسقفيتّه، ولا راهب من رهبانيته، ولا كاهن من كهانته. ولا يُغير حق من حقوقهم ولا سلطانهم، ولا شيء مما كانوا عليه . [على ذلك جوار الله ورسوله أبدًا ]، ما نصحوا واصطلحوا فيما عليهم، غير مثقَلين بظلم ولا ظالمين"[42]...
يقول جيورجيو معلقًا :
"تشير هذه الرسالة إلى أن المسيحيين ( وكذلك اليهود ) في الجزيرة أحرار في أداء شعائرهم، ولن يزاحمهم من المسلمين مزاحم . وقد قدْم في السنة التاسعة وفد من مسيحي نجران يرأسهم أبو الحارث الأسقف الأكبر، وعبد المسيح الأسقف ، والأيهم رئيس القافلة ، وحين أرادوا الدخول على النبي [r] ارتادوا ألبستهم الدينية الرسمية الكاملة... وبعد أن زاروا النبي [r]سألوه أن يسمح لهم بأداء شعائرهم فطلب منهم أن يؤدوا صلواتهم في مسجد المدينة، فدخلوا واتجهوا نحو بيت المقدس، و تعبدوا هناك . . ولا شك أن النبي [r] كان يحترم النصارى احتراماً خاصاً ، لأن القرآن ذكرهم وأكرمهم . وقد أشار الله تعالى إلى هذه النقطة في محكم كتابه في سورة المائدة (الخامسة) في الآية ( 82 ) : ]لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ [، ويقول في الآية التي بعدها : ]وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ[ [المائدة :83].."[43]
ويعلق آتيين دينيه على ما فعله النبي r مع وفد نجران النصراني قائلاً :
".. من الحقائق التاريخية أن النبي [r] أعطى أهل (نجران) المسيحيين نصف مسجده ليقيموا فيه شعائرهم الدينية. وها نحن أولاً نرى المسلمين إذا بشروا بدينهم فإنهم لا يفعلون مثل ما يفعل المسيحيين في الدعوى إلى دينهم، ولا يتبعون تلك الطرق المستغربة التي لا تتحملها النفس والتي لايحبها الذوق السليم. وقد أنصف القس ميثون الحقيقة في كتابه (سياحة دينية في الشرق) حيث يقول: إنه لمن المحزن أن يتلقى المسيحيون عن المسلمين روح التسامح وفضائل حسن المعاملة وهما أقدس قواعد الرحمة والإحسان عند الشعوب والأمم"[44] .
المطلب الرابع : الحرية في الاعتقاد وممارسة الشعائر :
يقول جيمس متشنر :
" القرآن صريح في تأييده لحرية العقيدة ، والدليل قوي على أن الإسلام رحب بشعوب مختلفة الأديان ، ما دام أهلها يحسنون المعاملة ، وقد حرص محمد [r]على تلقين المسلمين التعاون مع أهل الكتاب، أي اليهود والنصارى ، ولاشك أن حروباً نشبت بين المسلمين وغيرهم في بعض الأحيان ، وكان سبب ذلك أن أهل هذه الديانات الأخرى أصروا على القتال، وقد قطع الرهبان بأن أهل الكتاب كانوا يُعاملون معاملة طيبة وكانوا أحراراً في عبادتهم ، ولعل مما يقطع بصحة ذلك ، الكتاب الذي أرسله البطريرك النسطوري إيشوياب الثالث إلى البطريرك سمعان ، زميله في المجمع ، بعد الفتح الإسلامي وجاء فيه: ( ها ! إن العرب الذين منحهم الرب سلطة العالم وقيادة الأرض أصبحوا عندنا ، ومع ذلك نراهم لا يعرضون للنصرانية بسوء ، فهم يساعدوننا ، ويشجعوننا على الاحتفاظ بمعتقداتنا ، وإنهم ليجلون الرهبان والقديسين !).. "[45].
وفي ذلك يقول روبرتسون : " إن المسلمين وحدهم هم الذين جمعوا بين الجهاد والتسامح نحو اتباع الاديان الاخرى الذين غلبوهم وتركوهم احراراً في اقامة شعائرهم الدينية "[46].
وكان لهذا التسامح أثره في أن يصبح الدين الإسلامي ديناً عالمياً ، بدءاً من مراحله الأولى أيام الرسول في جزيرة العرب إلى أن عم أماكن شاسعة، يقول العلامة جولد تسهير :
"سار الإسلام لكي يصبح قوة عالمية على سياسة بارعة ، ففي العصور الأولى لم يكن اعتناقه أمراً محتوماً فإن المؤمنين بمذاهب التوحيد أو الذين يستمدون شرائعهم من كتب منزلة كاليهود والنصارى والزرادشتية كان في وسعهم متى دفعوا [ الإشتراك السنوي للدولة - الجزية ] أن يتمتعوا بحرية الشعائر وحماية الدولة الإسلامية ، ولم يكن واجب الإسلام أن ينفذ إلى أعماق أرواحهم إنما كان يقصد إلى سيادتهم الخارجية . بل لقد ذهب الإسلام في هذه السياسة إلى حدود بعيدة ، ففي الهند مثلاً كانت الشعائر القديمة تقام في الهياكل و المعابد في ظل الحكم الإسلامي ! "[47].
لقد أثارت مبادئ التسامح الديني وحرية الاعتقاد في الإسلام فيما أثارته احترام المفكرين والعلماء والمستشرقين المنصفين من الغرب وكذلك الكتاب والباحثين العرب النصارى، فقد تطرق "يوسف نعيم عرافة" في خطبة له في مناسبة المولد النبوي عام 1346هـ 1927م ، إلى معاهدة الرسول مع أصحاب الديانات الأخرى ، لاسيما المسيحيين منهم، فيقول:
" إن محمدا ً [r]هو باني أساس المحبة والإخاء بيننا ، فقد كان يحب المسيحيين ويحميهم، من ذلك: ما قام به في السنة السادسة بعد الهجرة ، حيث عاهد الرهبان خاصة والمسيحيين عامة ، على أن يدفع عنهم الأذى ، ويحمي كنائسهم وعلى أن لا يتعدى على أحد من أساقفتهم ولا يجبر أحداً على ترك دينه ، وأن يُمدوا بالمساعدة لإصلاح دينهم وأديرتهم ، كما أن القرآن نطق بمحبة المسيحيين للمسلمين وبمودتهم لهم ، وإن الآية الشريفة : ]وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ [48][‏‏، لتبعث على شد أواصر الصداقة بين الطرفين ، بل حتى مع الشعب الإسرائيلي في أكثر الأوقات ، إننا لنعلم أن ما أتى به الرسل موسى وعيسى ومحمد[عليهم والصلاة والسلام]ما هو إلا لإصلاح العالم لا لإفساده وخرابه ، وما الكتب الثلاثة المنزلة إلا نور صادر من بؤرة واحدة ينعكس نورها في ثلاثة أشعة، كل منها للبشر"[49]
هذا ، ومن أهم النصوص الإسلامية في التسامح الديني وحرية الاعتقاد ..
قول الحق تبارك وتعالى: ]‏لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [‏‏ [البقرة: 256] .
يقول الأستاذ سيد قطب – رحمه الله - في ظلال هذه الآية : " إن قضية العقيدة - كما جاء بها هذا الدين - قضية اقتناع بعد البيان والإدراك؛ وليست قضية إكراه وغصب وإجبار . ولقد جاء هذا الدين يخاطب الإدراك البشري بكل قواه وطاقاته . يخاطب العقل المفكر ، والبداهة الناطقة، ويخاطب الوجدان المنفعل ، كما يخاطب الفطرة المستكنة . يخاطب الكيان البشري كله ، والإدراك البشري بكل جوانبه؛ في غير قهر حتى بالخارقة المادية التي قد تلجىء مشاهدها الجاء إلى الإذعان ، ولكن وعيه لا يتدبرها وإدراكه لا يتعقلها لأنها فوق الوعي والإدراك ... فكيف بالمذاهب والنظم الأرضية القاصرة المتعسفة وهي تفرض فرضاً بسلطان الدولة؛ ولا يسمح لمن يخالفها بالحياة؟!"[50].

المبحث الرابع
رعاية العلم والمعرفة
المطلب الأول : بداية عصر العلم والمعرفة:
إن الحركة العلمية والثقافية التي قام بها محمد r متعددة الجوانب، اجتماعياً وسياسياً ودينياً وثقافياً . لقد كان العهد الإسلامي الذي بدأ مع إقامة أول دولة إسلامية بقيادته r في المدينة المنورة ، فاتحة عهد جديد وخير للبشرية جمعاء : عهد علم وثقافة ومعرفة.
فلقد افتتح النبي محمدr حسب رأي العديد من علماء الشرق والغرب عهداً جديداً،وعصراً للنور والعلم والمعرفة ، فكان كفاحه حين صدع بالدعوة الإسلامية ، لنشر رسالة الله ، لإزالة ما تراكم في ذلك المجتمع الجاهلي الوثني من معتقدات خرقاء ، وأنماط اجتماعية سوداء . . وهذا ما دفع الدكتور ماركس إلى إعلان قولته الشهيرة التي نصها:
" هذا النبي [r] الذي افتتح برسالته عصر العلم والنور والمعرفة لا بد أن تدون أقواله وأفعاله على طريقة علمية خاصة ، وبما أن هذه التعاليم التي قال بها[يعنى النبي محمد r]، هي وحي الله المنزل ورسالته ، فقد كان عليه[r] أن يمحو ما تراكم على الرسالات السابقة من التبديل والتحوير ، وما أدخله عليها الجهل من سخافات لا يعول عليها عاقل "[51]. وهذا ما فعله النبي r !
"ومنذ عام 700م بدأت إشراقة الحضارة العربية الإسلامية تمتد من شرقي المتوسط إلى بلاد فارس شرقاً وإسبانيا غرباً، فأعيد اكتشاف قسم كبير من العلم القديم، وسجلت اكتشافات جديدة في الرياضيات والكيمياء والفيزياء وغيرها من العلوم.. وفي هذا المجال كما في غيره؛ كان العرب معلمين لأوربة، فساهموا في نهضة العلوم على هذه القارة"[52].
المطلب الثاني : القرأة أولي تعاليم النبيr :
يقول نصري سلهب: "أولى الآيات البيّنات.. كانت تلك الدعوة الرائعة إلى المعرفة، إلى العلم عبر القراءة.. )اقْرَأْ([53].. وقول الله هذا لم يكن لمحمد [r] فحسب، بل لجميع الناس، ليوضح لهم، منذ الخطوة الأولى، بل منذ الكلمة الأولى أن الإسلام جاء يمحو الجهل وينشر العلم والمعرفة"[54] .
وهذا ما يشيد به أيضاً "واجنر"، حيث يقول : ".. الإسلام دين العلم، ويكفي أن أول آية في القرآن أنزلت على محمد [r]هي قوله تعالى: )اقْرَأْ (، وهذا اتجاه فريد يصعب وجوده في تاريخ الكنائس والأديان الأخرى. ولهذا تجدني وصلت من خلال الدراسات الإسلامية وما قرأته في كتاب الله تعالى الذي لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وصلت إلى ما أبغيه لنفسي من الاستقرار والأمان..!!"[55]..
المطلب الثالث : احترام العقل:
يبين "ليون"[56] أن من روائع دعوة محمدr أنها تحترم العقل، وأن الإسلام " لا يطالب أتباعه أبدًا بإلغاء هذه الملكة الربانية الحيوية. فهو على النقيض من الأديان الأخرى التي تصرّ[57] على أتباعها أن يتقبلوا مبادئ معينة دون تفكير ولا تساؤل حرّ، وإنما تفرض هذه المبادئ فرضًا بسلطان الكنيسة. أما الإسلام فإنه يعشق البحث والاستفسار ويدعو أتباعه إلى الدراسة والتنقيب والنظر قبل الإيمان... إن الإسلام يؤيد الحكمة القائلة: برهن على صحة كل شيء ثم تمسّك بالخير. وليس هذا غريبًا، إذ أن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها. فالإسلام دين العقل والمنطق... فالإسلام هو الحق ! وسلاحه العلم! وعدوه اللدود هو الجهل! "[58].
ويتحدث المفكر الشهير " أوجست كونت" عن هذه النقطة، وعن قدرة الإسلام في التعامل واحتواء جميع العقول والفلسفات والأفكار الإنسانية .. فعبّر عن ذلك بقوله :
" إن عبقرية الإسلام وقدرته الروحية لا يتناقضان البتة مع العقل كما هو الحال في الأديان الأخرى ؛ بل ولا يتناقضان مع الفلسفة الوضعية نفسها ؛ لأن الإسلام يتمشى أساساً مع واقع الإنسان، كل إنسان، بما له من عقيدة مبسطة ، ومن شعائر عملية مفيدة ! "[59]..
ويقول المؤرخ العلامة سيديو – في مقارنة رائعة - : "لم يشهد المجتمع الإسلامي ما شهدته أوربة من تحجر العقل وشل التفكير، وجدب الروح، ومحاربة العلم والعلماء حيث يذكر التاريخ أن اثنين وثلاثين ألف عالم قد أحرقوا أحياء! ولا جدال في أن تاريخ الإسلام لم يعرف هذا الاضطهاد الشنيع لحرية الفكر، بل كان المسلمون منفردين بالعلم في تلك العصور المظلمة، ولم يحدث أن انفرد دين بالسلطة ومنح مخالفيه في العقيدة كل أسباب الحرية كما فعل الإسلام"[60] ..
ومنذ حوالي ألف عام، عندما كان العلماء في أوربة يُحرقون أحياء كما قال سيديو؛ كان العالم الأندلسي المسلم (ابن حزم) يعلن في كتابه (الفِصَل في الملل والأهواء والنحل) عن كروية الأرض[61] منطلقاً من القرآن الكريم ومن التنظيم المطرد لمواقيت الصلاة في محيط الأرض[62].
رغم أن أوربا في عهد الكنيسة وفي ذلك الوقت، اعتبرت" أن من الكفر والضلال القول بأن الأرض كروية؛ فمعلم الكنيسة لاكتانتيوس يتساءل مستنكراً: أيعقل أن يُجنَّ الناس إلى هذا الحد فيدخل في عقولهم أن البلدان والأشجار تتدلى من الجانب الآخر من الأرض، وأن أقدام الناس تعلو رؤوسهم ؟ !"[63] .
المطلب الرابع : حثه على طلب العلم :
يقول ول ديورانت : "تدل الأحاديث النبوية على أن النبي [r] كان يحث على طلب العلم ويعجب به، فهو من هذه الناحية يختلف عن معظم المصلحين الدينيين"[64] .. وتقول هونكه[65] :" لقد أوصى محمد [r] كل مؤمن رجلاً كان أو امرأة بطلب العلم، وجعل من ذلك واجبًا دينيًا. وكان يرى في تعمق أتباعه في دراسة المخلوقات وعجائبها وسيلة للتعرف على قدرة الخالق. وكان يرى أن المعرفة تنير طريق الإيمان.. ويلفت أنظارهم إلى علوم كل الشعوب، فالعلم يخدم الدين والمعرفة من الله وترجع إليه، لذلك فمن واجبهم أن يصلوا إليها وينالوها أيًا كان مصدرها ولو نطق بالعلم كافر. وعلى النقيض تمامًا يتساءل بولس الرسول Paulus مقرًا: (ألم يصف الرب المعرفة الدنيوية بالغباوة)؟ ..."[66]
وهي لفتة ذكية من هونكه في الفرق بين وجوب طلب العلم في تعاليم محمدr، وتحريم المعرفة في تعاليم بولس ومِن خلفه الكنائس النصرانية في عصور الظلام !
تماماً كما قارنت الدكتورة هونكة في موضع آخر ، حيث قالت : "نادى النبي بالطموح إلى المعرفة والسعي إلى العثور عليها، وقد أدى ذلك إلى اندفاع العرب بأسرهم إلى المدارس يعلِّمون ويتعلمون، بينما كان الغربيون يتباهون بجهلهم للقراءة والكتابة !"[67].
ومن ثم تقول تزفسكن[68] :
" لم يتبيّن لي الفرق الشاسع بين تعاليم الإسلام وبين كثير من العادات الشرقية إلا عندما دخلت عالم الإسلام الروحي عن طريق القرآن والكتابات الإسلامية.. فشعرت ببطء كيف يجذبني الإسلام. وكانت تعاليمه تخاطب عقلي وفطرتي. وكان من أهم ما شدّني ...الاجتهاد في طلب العلم الذي يُعتبر فريضة على كل مسلم ومسلمة.. "[69].
وهوالأمر الذي نال إعجاب وتقدير لامير[70] التي تقول: "في الوقت الذي تهاوت فيه تعاليم الأديان الأخرى ومبادئها أمام جبروت العلم؛ أخذ علماء الدنيا في الوقت الحاضر يتطلعون إلى الإسلام طالبين السلوى، لأن تعاليمه أقرب إلى العلم من أي دين آخر. بل إن الإسلام يحض على العلم. وهو دين تقدمي يناسب كافة المناخات والبلاد، كما يصلح لجميع العصور"[71] .

[1] صحيح البخاري، برقم 4525 ، قال هذه الكلمة عندما ضرب رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلا مِنْ الْأَنْصَارِ " فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ : يَا للأ نْصَارِ !! وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ !! فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ:" مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ !!" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ :كَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ . فَقَالَ : " دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ" يعني العصبية والتفاخر بالقبائل .

[2] مفكر وباحث ألماني، عكف على الدراسات الشرقية في جامعة هايدلبرج، وكرس حياته لدراسة الإسلام، وصنف عددًا كبيرًا من الكتب والأبحاث، منها ترجمته للقرآن الكريم ، التي أصدرها في عامي 1964 و1965، وله كتاب عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

[3] رودي بارت : الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية ، ص 20.

[4] رودي بارت : الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية ، ص 20.

[5] انظر للباحث : " دور النبي صلى الله عليه وسلم في تحضر العرب"، المقالة الفائزة بمسابقة " انصر نبيك وكن داعياً " من الموقع الإسلامي " الألوكة" .. فرع المقالة الصحفية- 2006

[6] انظر: محمد شريف الشيباني : الرسول في الدراسات الإستشراقة المنصفة، ص 68 وما بعدها.

[7] فيليب حتى :الإسلام منهج حياة ، ص56.

[8] يقصد حجة الوداع، في اليوم التاسع من ذي الحجة، في العام العاشر من الهجرة (6مارس632 م)

[9] إميل درمنغم :حياة محمد

[10] آرنولد توينبي : المؤرخ البريطاني، الذي انصبت معظم دراساته على تاريخ الحضارات، وكان أبرزها مؤلفه الشهير (دراسة للتاريخ) الذي شرع يعمل فيه منذ عام 1921 وانتهى منه عام 1961، وهو يتكون من اثني عشر جزءًا عرض فيها توينبي لرؤيته الحضارية للتاريخ.

[11] سومر فيل، وإشراف: آرنولد توينبي : مختصر دراسة للتاريخ 10 / 381

[12] مارسيل بوزار : إنسانية الإسلامية ، ص 182-183.

[13] خطأ ! بل الإسلام، أما مصطلح المحمدية، فيستخدمه المعادون للإسلام عى أساس أنه دين من اختلاق محمد صلى الله عليه وسلم .

[14] آرلونوف : مقالة "النبي محمد " ، مجلة الثقافة الروسية ، ج 7 ، عدد 9

[15] مستشرق فرنسي، من آثاره: (موسى بن ميمون: ترجمته وآثاره وفلسفته) (1921)، (الصوفية والمسيحية واليهودية)، (فلسفة الفكر الإسلامي).

[16] هنري سيرويا : فلسفة الفكر الإسلامي ، ص 8

[17] انظر : محمد شريف الشيباني: الرسول في الدراسات الإستشراقية المنصفة، 182

[18] سليل أسرة مسلمة منذ القدم، أصبح نصرانيًا في فترة مبكرة من حياته وتحت تأثير إحدى المدارس التبشيرية المسيحية، وقضى ردحًا من حياته في كنيسة إنكلترا، حيث عمل قسيسًا منذ عام 1939 وحتى عام 1963 ، ثم عاد إلى دين الإسلام.

[19] عرفات كامل العشي :رجال ونساء أسلموا، 4 / 28 – 29

[20] قسطاكي حمصي : مجلة الفتح القاهرية، عام 1930، نقلاً عن : محمد شريف الشيباني، 183

[21] انظر: آن بيزينت: حياة وتعاليم محمد ، ص5.

[22] انظر : محمد شريف الشيباني، الرسول في الدراسات الإستشراقية المنصفة، ص 204.

[23] موريس بوكاي : التوراة والإنجيل والقرآن والعلم، ص 14

[24] انظر : رشدي فكار: نظرات إسلامية للإنسان والمجتمع خلال القرن الرابع عشر الهجري ، ص 31.

[25] عبد الله كويليام : أحسن الأجوبة عن سؤال أحد علماء أوروبا ، ص 21 ، 22.

[26] عبد الله كويليام : أحسن الأجوبة عن سؤال أحد علماء أوروبا ، ص 22 ، 23.

[27] انظر : محمد عثمان عثمان : محمد في الآداب العالمية المنصفة، ص107

[28] هذه الجملة للمؤرخ : ستانورد كب : المسلمون في تاريخ الحضارة، 21

[29] جوستاف لوبون : الحضارة الاسلامية ، ص 67.

[30] هذه الجملة للباحث الفرنسي: مكسيم رودنسن، انظر: عماد الدين خليل: قالوا عن الإسلام ص 112

[31] مارسيل بوزار : إنسانية الإسلام ، ص 183

[32] انظر: محمد عثمان عثمان : محمد في الآداب العالمية المنصفة، ص20.

[33] لورافيشيا فاغليري : دفاع عن الإسلام ، ص73.

[34] ميشون : تاريخ الحروب الصليبية، نقلا عن عفيف عبد الفتاح طبارة، ص 383

[35] ميشون : سياحة دينية في الشرق ، ص 31.

[36] المستشرق والوزير الروماني كونستانس جيورجيو ( المولود عام 1916) صاحب كتاب : "نظر ة جديدة في سيرة رسول الله"

[37] كونستانس جيورجيو : نظرة جديدة في سيرة رسول الله ، ص 192 وما بعدها

[38] ابن كثير: السيرة النبوية 2/ 322، ابن هشام : السيرة النبوية 1/ 503

[39] ابن سيد الناس : عيون الأثر 1/261 وابن كثير: السيرة النبوية 2/ 322، ابن هشام : السيرة النبوية 1/ 503

[40] ابن سيد الناس : عيون الأثر 1/261 وابن كثير: السيرة النبوية 2/ 322، ابن هشام : السيرة النبوية 1/ 503

[41] كونستانس جيورجيو : نظرة جديدة في سيرة رسول الله ، ص 371، 372.

[42] انظر : محمد حميد الله : الوثائق السياسية،ص 179، وقد نقلنا النص الأصلى، وليس النص المترجم عن جيورجيو.

[43] كونستانس جيورجيو : نظرة جديدة في سيرة رسول الله ، ص 372.

[44] آتيين دينيه : أشعة خاصة بنور الإسلام ، ص 18 – 19 .

[45] انظر: محمد أمين حسن : خصائص الدعوة الإسلامية ، ص 166

[46] انظر : شوقي أبو خليل: الإسلام في قفص الاتهام ، 125

[47] انظر: محمد أبو فارس: النظام السياسي في الاسلام ، ص 21

[48] سورة المائدة :الآية 82، والاستشهاد للباحث النصراني يوسف نعيم عرافة.

[49] انظر : محمد شريف الشيباني : الرسول في الدراسات الإستشراقية المنصفة 110.

[50] سيد قطب: في ظلال القرآن، المجلد الأول، تفسير الآية 256 من سورة البقرة.

[51] انظر : محمد شريف الشيباني: الرسول في الدراسات الإستشراقية المنصفة ، 178

[52] دانييل بريفولت: نشأة الإنسانية، ص84

[53] قول الله تعالى )اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ( سورة العلق : الآية الأولى .

[54] نصري سلهب : لقاء المسيحية والإسلام، 92

[55] انظر: عرفات كامل العشي: رجال ونساء أسلموا 5 / 37 .

[56] البروفيسور هارون ليون: باحث إنكليزي، اعتنق الإسلام عام 1882، وكان زميلاً وعضوًا فخريًا في العديد من الجمعيات الدينية في أوروبا وأميركا، وكان أستاذًا قديرًا في علم اللغويات، وقد تلقى العديد من الأوسمة الفخرية، أحدها من السلطان عبد الحميد الثاني – رحمه الله - .

[57] هكذا، ولعلها : "تفرض"

[58]انظر: عرفات كامل العشي: رجال ونساء أسلموا ، 7 / 6 – 7 .

[59] انظر : عرفات كامل العشي: رجال ونساء أسلموا ، ص 32

[60] انظر: محمد حسام الدين الخطيب: نبي المسلمين ودين الإسلام والحضارة الإسلامية 41، 42

[61] انظر ابن حزم : الفصل في الملل والأهواء والنحل، مطلب (بيان كروية الأرض)، 2\78

[62] انظر: محمد حسام الدين الخطيب: نبي المسلمين ودين الإسلام والحضارة الإسلامية، ص 42

[63] انظر: زيغريد هونكه:شمس الله تسطع على الغرب، ص 370

[64] ول ديورانت : قصة الحضارة ،13 / 167

[65] دكتورة زيغريد هونكه : مستشرقة ألمانية معاصرة، وهي زوجة الدكتور شولتزا، المستشرق الألماني المعروف الذي تعمق في دراسة آداب العرب والمسلمين والاطلاع على آثارهم ومآثرهم. من آثارها: (أثر الأدب العربي في الآداب الأوروبية) ، و(الرجل والمرأة) وهو يتناول جانبًا من الحضارة الإسلامية (1995)، و(شمس الله تسطع على الغرب) الذي ترجم بعنوان: (شمس العرب تسطع على الغرب).

[66] زيغريد هونكه: شمس العرب تسطع على الغرب، ص 369

[67] زيغريد هونكه: شمس العرب تسطع على الغرب، ص 369

[68] فاطمة تزفسكن: من تشيكوسلوفاكيا كانت تحمل اسم (مونيكا). ولدت عام 1943م، قرأت كثيرًا واتصلت بعدد من المسلمين الألمان، وبعد أن اقتنعت بالإسلام دينًا، أعلنت انتماءها إليه عام 1963م.

[69] انظر: عرفات كامل العشي: رجال ونساء أسلموا ، 2 / 98 – 99 .

[70] فاطمة سي لامير : ألمانية، لم تقنعها الديانة النصرانية، فأخذت تتصل منذ مطلع عام 1951، عن طريق المراسلة، بعدد من المسلمين الذين شرحوا لها مبادئ الإسلام، فانشرح صدرها له وانتمت إليه.

[71]انظر: عرفات كامل العشي: رجال ونساء أسلموا ، 3 / 96 .
__________________
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 01-30-2012, 12:35 AM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,456
افتراضي

المطلب الخامس: العلم من وظائف رسالته:
يقول آتيين دينيه:
".. إن الإسلام منذ البداية في أيامه الأولى قد أخذ في محاربة الخرافات والبدع، وهو نفس العمل الذي يقوم به العلم إلى يومنا هذا"[1] ..
وبالتالي فإن "المنجزات العلمية تتفق تمامًا مع مبادئ الإسلام، لأن الإسلام هو دين العلم"[2]، على حد قول فيلويز[3] .
ومن هنا يذكر جوستاف لوبون أن:"الإسلام من أكثر الأديان ملاءمة لاكتشافات العلم"[4].
وعلى هذا الأساس يعرّف "جارودي "[5] الإسلامَ، فيقول :"إنما الإسلام هو تلك الرؤية لله .. وللعالم وللإنسان، التي تنيط بالعلوم وبالفنون وبكل إنسان وبكل مجتمع مشروع بناء عالم إلهي وإنساني لا انفصام فيه باقتضاء البعدين الأعظمين، المفارقة والجماعة، التسامي والأمة"[6] ..
ويبين روم لاندو العلاقة بين الدين والعلم في الإسلام، فيقول :
".. في الإسلام لم يول كل من الدين والعلم ظهره للآخر ويتخذ طريقًا معاكسة لا، والواقع أن الأول كان باعثًا من البواعث الرئيسية للثاني"[7] .
ويُفصِّل روم لاندو القول في هذه العلاقة، قائلاً : "العلم الإسلامي لم ينفصل عن الدين قط ! والواقع أن الدين كان هو ملهمه وقوته الدافعة الرئيسية. ففي الإسلام ظهرت الفلسفة والعلم معًا إلى الوجود لا ليحلا محل ألوهية الدين (البدائية) ولكن لتفسيرها عقليًا، لإقامة الدليل عليها وتمجيدها.. إن المسلمين وفّقوا، طوال خمسة قرون كاملة، إلى القيام بخطوات حاسمة في مختلف العلوم من غير أن يديروا ظهورهم للدين ...وأنهم وجدوا في ذلك الانصهار عامل تسريع وإنجاح لا عامل تعويق وإحباط"[8] ..
ومن ثم بلغوا مبلغاً عظيماً في ميادين العلوم الإنسانية والطبيعية، وظهر منهم مسلمو إسبانيا " الذين أهدوا إلى الغرب اللاتيني هباتهم النفيسة في ميادين العلم والفلسفة.. وكان الطب كالرياضيات من مفاخر العلوم العربية وأركانها الوطيدة"[9] على حد قول سرارنست باركر (1874-1960).
وكانت هذه العلوم التي نبغ فيها المسلمون في عصورهم الذهبية – كما يقول الدومييلي – هي "حلقة الاتصال والاستمرار بين الحضارة القديمة وبين العالم الجديد"[10] .
وهنا يحذر "الدومييلي" من شبهة، فيقول: "ينبغي ألا نظن أن العرب لم يضيفوا شيئًا جديدًا إلى العلم الذي كانوا أوصياء عليه ! بل على النقيض من ذلك ."[11]

وعن رسالة المسلمين في هذه العلوم يقول "أرنست بانرث" [12] : إنهم – أي المسلمين - " لم يخربوا ما وجدوه من عناصر ثقافية، بل اهتموا بها وبذلوا جهدهم لهضمها ومن ثم تطويرها. ونرى هنا أن العرب فتحوا باب التعرف على الحضارة اليونانية ... بواسطة المترجمين، وعلى هذه الطريقة تطورت الثقافة تحت حماية الإسلام بالعربية التي هي واسطة ممتازة للتعبير عن الأفكار العليا والتي لا تفوقها في هذا لغة من لغات الدنيا. ولا أراني بحاجة إلى ذكر أسماء الفلاسفة[ المسلمين ] الذين فتحوا آفاقًا جديدة لفهم أسرار الطبيعة والوجود، ...ولا شك أن الحضارة الإسلامية ارتفعت في القرون الوسطى إلى علوّ لم ينتبه إليه قوم آخرون. ولا يخفى أن هذا الاعتلاء كان ثمرة الاجتهاد في كل نواحي الثقافة وتطبيق الطرق العلمية. أما الغرب الأوروبي فلم يستطع حينئذ فهم الثقافة وتطويرها. وكذلك دولة بيزنطية فقد تجمدت، والآن نرى كيف تعجبت الأقوام الأوروبية من جمال الثقافة العربية التي امتدت من حدود الصين والهند إلى جبال البرانس"[13] .
المطلب السادس : من توجيهات النبي r:
وهذه باقة من توجيهات نبينا العظيمr، وحثه على طلب العلم، ونشر المعارف والثقافات، وأمره بمحو الأمية والخرافات:
فيقول – صلوات ربي وسلامه عليه - :
"طلب العلم فريضة على كل مسلم"[14] ..
" .. و إن طالب العلم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر"[15]
"إن الله أوحى إلي : أنه من سلك مسلكاً في طلب العلم سهلت له طريق الجنة، و من سلبت كريمتيه أثبته عليهما الجنة، و فضل في علم خير من فضل في عبادة، و ملاك الدين الورع"[16] .
"ما من خارج خرج من بيته في طلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضا بما يصنع حتى يرجع"[17] .
"من علم علماً، فله أجر من عمل به، لا ينقص من أجر العامل شيء"[18] ..
"إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته : علما علمه ونشره، وولدا صالحا تركه، أو مصحفا ورثه..."[19]
وعن صفوان بن عسال المرادي t قال:
أتيت النبي r وهو في المسجد متكىء على برد له أحمر فقلت له: يا رسول الله، إني جئت أطلب العلم .
فقال: " مرحبًا بطالب العلم .. إن طالب العلم تحفه الملائكة بأجنحتها، ثم يركب بعضهم بعضًا حتى يبلغوا السماء الدنيا من محبتهم لما يطلب"[20] .
وعن أبي أمامة قال: ذُكر لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- رجلان : أحدهما عابد والآخر عالم.. فقال - عليه أفضل الصلاة والسلام - : " فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم "..ثم قال - رسول الله صلى الله عليه وسلم -:
"إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير"[21]
قال ابن عباس:
كان ناس من الأسارى يوم بدر ليس لهم فداء، فجعل رسول- الله صلى الله عليه وسلم - فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة[22]؛ وبذلك شرع الأسرى يعلمون غلمان المدينة القراءة والكتابة، وكل من يعلم عشرة من الغلمان يفدي نفسه. وقبول النبي صلى الله عليه وسلم تعليم القراءة والكتابة بدل الفداء في ذلك الوقت الذي كانوا فيه بأشد الحاجة إلى المال يرينا سمو الإسلام في نظرته إلى العلم والمعرفة، وإزالة الأمية[23]..
هذه كانت توجيهات محمدفي العلم والمعرفة ...
صور رائعة وتعاليم رفيعة، يقف أمامها العاقل المتبصر وقفة خشوع وإجلال، لاسيما لهذا المظهر العظيم من مظاهر الرحمة من النبيr، ألا وهو رعاية العلم والمعرفة.. وفي ذلك رحمة للبشر من زعيم كبير ونبي جليل ..
مما دفع "لبيب رياشي" أن يرفع قبعته تقديراً لهذه التعاليم قائلاً : "حقاً يا محمد ... إنك (السوبرمان)[24] الأول العالمي، رسول الثقافة والعلم، رسول الهداية والتضحية، رسول الفلسفة الجديدة، رسول الإنسانية الجديدة"[25]..
"بدّل الضلال بالهدى ، والجهل بالعلم ، والهمجية بالمدنية"[26]..
"علمه الله العلم والحكمة ، فوجب علينا أن نصغي إليه قبل كل شيء !"[27]..

المبحث الخامس
الخطاب التربوي
لم يكن خطابه rإلى الناس خطابًا دكتاتوريًا مستبدًا، أو براجماتيًا نفعيًا، إنما كان خطابه إلى الناس خطابًا تربويًا .. لم يكن يغلب عليه طابع الحاكم بقدر ما غلب عليه طابع المعلم الوقور الذي يتحدث إلى تلاميذه .. وهذا من تجليات رحمته r..
المطلب الأول : المعلم الرحيم :
كان النبيr هو المعلم الرحيم والمصلح الكبير لإبناء الإنسانية، علمهم الحياة ، والحضارة، فأصلح شؤونهم بعد فساد، يقول الباحث الهولندي وث ( 1814 – 1899م) :
"لقد جاء قرآن العرب[28] على لسان نبيهم محمد العظيم [r]! ، وعلمهم كيف يعيشون في هذه الحياة ، وقد وحد صفوفهم وجمع كلمتهم وأدبهم حتى لا ترى أمة من الأمم أحسن منهم، وبالنهاية اعتمدوه في كل أمورهم ، وكان يتلقى الوحي من ربه الذي يوحي إليه ، ثم ينقله إلى الناس ، بعد أن يكتبه له الكتاب الذين انتدبهم لذلك"[29] ..

كما كان النبيrفي سائر مراحل حياته القدوة الإنسانية والمثل الأعلى والنموذج الأمثل للمعلم الكبير، وقد جاء في القرآن الكريم:]لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [[ الأحزاب : 21]
"فهو القدوة الطيبة التي أرسلها الله رحمة لنا وحبًا بنا ،حتى نقتفي أثره"[30]
وهذه القدوة التي تمسك بها المسلمون، عادت عليهم بانتشار هذا الدين في تلك الرقعة الفسيحة في الأرض كما يقول توماس آرنولد، و"وقفوا حياتهم على الدعوة إلى الإسلام، متخذين من هدي الرسول [r] مثلاً أعلى وقدوة صالحة"[31].
المطلب الثاني: نماذج رحمته بالمتعلمين :
فمن نماذج رحمته r في التربية ما رواه مُعَاوِيَةَ بنِ الْحَكَمِ السّلَمِيّ قال: صَلّيْتُ مَع رسولِ الله rفَعَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ. فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ الله, فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمَيّاهُ! مَا شَأْنُكُم تَنْظُرونَ إلَيّ؟ ! قال:
فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأيْدِيهِمْ عَلَى أفْخَاذِهِمْ فَعَرَفْتُ أنّهُمْ يُصَمّتُونِي، فَلَمّا رَأيْتُهُمْ يُسكّتُونِي سكَتّ، فَلَمّا صَلّى رسولُ الله r - بِأبِي وَأُمّي - مَا ضَرَبَني وَلا قهَرَني وَلا سَبّنِي. ثُمّ قال:"إنّ هَذِهِ الصّلاَةَ لا يَحِلّ فيها شَيْءٌ مِنْ كَلامِ النّاسِ هَذَا. إنّمَا هُوَ التّسْبِيحُ وَالتّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ"[32].
ومن أعاجيب المواقف التي تدل على سعة صدره ورحمته للمتعلمين، قصة الأعرابي الذي بال في المسجد.. فعن أنس t قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله r إذ جاء أعرابي[33] فقام يبول في المسجد وأصحاب الرسول r يصيحون به: مه مه! (أي اترك)، فقال رسول الله r: "لا تزرموه دعوه!" (لا تقطعوا عليه بولته)، فترك الصحابة الأعرابي يقضي بوله، ثم دعا الرسول r الأعرابي، فقال رسول الله r للأعرابي: " إن المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر؛ إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن". وهنا قال رسول الله r لإصحابه: "إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين صبوا عليه دلوا من الماء". فقال الأعرابي: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا!!! فقال الرسول r: "لقد تحجرت واسعًا، (أي ضيقت واسعًا)"[34] .

وهكذا نرى نبي الرحمة r في مثل هذه المواقف، التي يغلب عليها الجانب التربوي السمح، لا الجو العسكري الصارم . وإن كان رسول اللهr هو "الرجل والمعلم والخطيب ورجل الدولة والمجاهد"[35] في آن واحد .
المطلب الثالث : أساليبه في الخطاب التربوي :
وأساليبه r في الخطاب التربوي والتعليم، رحمة للمتعلمين، رحمة لكل من يستمع إليه ..
فتراه r وهو يحدث الناس، يمهد لحديثه ليفهموه، ويكرر المعلومة ويوكدها ليعقلوها، ويضرب الأمثلة ليصل المعنى إلى السامعين، ويتخولهم بالموعظة مخافة الملل، ويرسم بيده على الأرض، ويستخدم أصابعه ممثلاً...كل هذا رفقًا ورحمة بالمستمعين والمتعلمين[36] .
أولاً: التمهيد والتهيئة:
كان النبي r يمهد للمعلومة قبل إيصالها للمتعلم، بحيث يستوعبها السامع، بسهولة ويسر، ومثال ذلك :
1- ما رواه أبو هريرة t عن النبي r قال: " ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا.. ويرفع به الدرجات؟ " قالوا: بلى يارسول الله قال: " إسباغ الوضوء على المكاره.. وكثرة الخطى إلى المساجد... وانتظار الصلاة بعد الصلاة؛ فذلكم الرباط.. فذلكم الرباط... فذلكم الرباط "[37].
2- وعن أبي هريرة أن رسول الله r قال: " أتدرون من المفلس؟".
قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: " إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام ويأتي وقد شتم هذا.. وقذف هذا.. وأكل مال هذا.. وسفك دم هذا... وضرب هذا... فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته... فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم.. فطرحت عليه ثم يطرح في النار "[38] .
ففي المثال الأول مهد للمستمعين قائلاً : " ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا.. ويرفع به الدرجات..؟" ، ليتهيىء السامع، ويتجاوب مع السؤال، ويُعمل عقله، في محاولة الإجابة، ومن ثم يقوم النبي بالإجابة على السؤال بنفسه وقد استثار عقل السامع نحو فكرة الموضوع . فتدخل المعلومة إلى العقل، وقد اشتاق إلى المعلومة، كما تشتاق الأرض العطشى للمطر !
وبالمثل في المثال الثاني، فالسامع في اشتياق لمعرفة هذا المفلس وصفاته، بعدما تحرك العقل يمينًا وشمالاً لمعرفة الجواب الصحيح . فلا يزال العقل في حيرة حتى تصل إليه المعلومة الشافية، فتحصل الفائدة وترسخ المعلومة.

ثانيًا: التكرار والإعادة:
فعن أنس بن مالك t عن النبي r أنه " كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه.. "[39].
ومثال ذلك:
1- قوله r: " ألا وقول الزور " فما زال يكررها...
2- ويقول ابن عمر: قال النبي r : " هل بلغت؟ " ثلاثًا .
3- وعن عبد الله بن عمرو عن النبي r قال: " ويل للأعقاب من النار " مرتين أو ثلاثاً.
والتكرار في هذه النماذج للتفهيم والحفظ. وهذه من قبيل رفقه وتنبيهه للمستمع.

ثالثًا: التأني أثناء العرض:
فتصف عائشة طريقة عرض النبي r فتقول : " ما كان رسول الله r يسرد كسردكم هذا ولكنه كان يتكلم بكلام بيّن، فصل، يحفظه من يجلس إليه "[40] .
والنبي r بطريقة عرضه هذه، إن دلت على شيء فإنما تدل على رفقه ورحمته بالمستمعين..

رابعًا: مراعاة طاقة المتعلمين:
فلقد كان النبي r، يقتصد في دروسه وخطبه ومواعظه، حتى لا يمل المتعلمين من تعاليمه r، وحتى ينشطوا لحفظها ويسهل عليهم فهمها ..
فقد كان النبي r يحسن اختيار أوقات النشاط الذهني، والاستعداد النفسي لدى المتعلمين.. ومباعدته بين الخطبة وأختها، والموعظة وأختها.. حتى تشتاق النفوس، وتنشرح الصدور لتلقي العلم..
فعن عبد الله بن مسعود t قال: " كان النبي r يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا "[41].

خامسًا: ضرب الأمثال:
وقد كان هذا الأسلوب هو المعتاد والمفضل في منهج النبي r في العرض والتفهيم، ومثال ذلك قوله r :"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد... إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى "[42]
وفي ذلك أثر كبير في إيصال المعنى إلى المتعلم، ذلك أنه يقدم القيمة المعنوية في صورة حسية ملموسة، فيربطه بالواقع ويقربه إلى الذهن .
سادسًا: استخدام الوسائط المتعددة:
كان النبي r يستخدم ما يسمى اليوم بالوسائل التعليمية أوالوسائط التوضيحية، لتبيين المعنى، وتوضيح المغزى في عقول السامعين، وشغل كل حواسهم بالموضوع:
ومن هذه الوسائط:
1- التعبير بحركة اليد والأصابع:
كتشبيكه r بين أصابعه وهو يبين طبيعة العلاقة بين المؤمن وأخيه. فعن أبى موسى الأشعري t... عن النبي r قال: " المؤمن للمؤمن كالبنيان.. يشد بعضه بعضا " وشبك بين أصابعه[43].
2- التعبير بالرسم والمجسمات:
أ) أما الرسم : فعن عبد الله بن مسعود t قال: " خط النبي r خطًا مربعًا.. وخط خطًا في الوسط خارجا منه ـ وقد أحاط به ـ وهذا الذي هو خارج أمله... وهذه الخطوط الصغار الأعراض.. فإن أخطأه هذا؛ نهشه هذا. وإن أخطأه هذا؛ نهشه هذا"[44] .
ففي هذا الحديث بين لهم النبي r بالرسم على الأرض كيف يحال بين الإنسان وبين آماله الكثيرة الواسعة بالموت .. وفيه حض على الاستعداد للموت قبل هجومه المفاجئ.
ب) وأما المجسمات : فعن علي بن أبي طالب t قال: " إن نبي الله r أخذ حريرًا فجعله في يمينه وأخذ ذهبًا فجعله في شماله: ثم قال: " إن هذين حرام على ذكور أمتي... حل لإناثهم "[45].
3- التعليم التطبيقي العملي:
ولقد انتهج الرسول r هذا الأسلوب في التعليم عندما كان يعلم الصحابة الصلاة حيث قال بعد ما فرغ من الصلاة ذات يوم : " أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي "[46] .
كل هذه الوسائط والأساليب من قبيل الرحمة بالمتعلمين، تبين لك عظيم رحمة النبيr، وهذا إن دل على شىء فإنما يدل على عظم قدر العلم والمعرفة والثقافة في نفس محمدr، وتقديره البالغ لرسالة التربية والتعليم، وممارسته الماهرة لشتى الوسائل التي تفيد المنظومة التربوية ..


المبحث السادس
خدمة الإنسانية
المطلب الأول : محمد rخادم الإنسانية:
وفي رعايته للإنسانية وحقوق الإنسان مظهر آخر من مظاهر رحمته r ..
لقد عاش النبيr حياته يخدم الإنسان، ويهذب الإنسان، ويعلم الإنسان، ويدافع عن الإنسان.. !
لقد كان إنسانًا بكل ما في الكلمة من معان. وكانت سعادة نفسه ورضاها، في كونه إنسانًا، يأكل كما يأكل العبد، ويلبس كما يلبس العبد، يسأل ربه دومًا أن يحيه مسكينًا وأن يمته مسكينًا، وأن يحشره في زمرة المساكين .. و لا يأنف أن يطمئن رجلاً دخل علي حضرته – صلوات الله وسلامه عليه - ، وقد ارتعدت أوصال الرجل، من شدة هيبة النبي r، ظنًا منه أنه إنما دخل على جبار أو ملك، والنبي يهدىء من روعه قائلاً :
" هون عليك ! فإني لست بملك إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد !"[47].
"لقد كان محمد [r] أنموذجًا للحياة الإنسانية بسيرته وصدق إيمانه ورسوخ عقيدته القويمة. بل مثالاً كاملاً للأمانة والاستقامة وإن تضحياته في سبيل بث رسالته الإلهية خير دليل على سموّ ذاته ونبل مقصده وعظمة شخصيته وقدسية نبوته... وما حياة الرسول [r] سوى سلسلة وقائع تاريخية عظيمة الشأن نبيلة المرمى يتجلى فيها مقامه السامي من الحلقة الإنسانية "[48] ..
تقول "اللادي ايفلين كوبولد":
".. لعمري، ليجدن المرء في نفسه، ما تقدم إلى قبر محمد [r] روعة ما يستطيع لها تفسيرًا، وهي روعة تملأ النفس اضطرابًا وذهولاً ورجاء وخوفًا وأملاً، ذلك أنه أمام نبي مرسل وعبقري عظيم لم تلد مثله البطون حتى اليوم.. إن العظمة والعبقرية يهزان القلوب ويثيران الأفئدة فما بالك بالعظمة إذا انتظمت مع النبوة، وما بالك بها وقد راحت تضحي بكل شيء في الحياة في سبيل الإنسانية وخير البشرية"[49].
ويؤكد القس "دافيد بنجامين كلدانى" في مؤلفه : " محمد في الكتاب المقدس " هذه الحقيقة بأن النبي r "خادم الإنسانية" بقوله :
"إن الخدمة الجليلة العظيمة المدهشة التي قدمها محمد [r] لله .. ولصالح البشر، لم يقدمها أي مخلوق من عباد الله ملكاً كان أو نبياً... فإنه [r] أقلع جذور الوثنية من جزء كبير من الأرض، وأما خدمته للإنسان فقد قدم له أكمل دين وأفضل شريعة لإرشاده وأمنه "[50].
ويتابع القس كلدانى القول :
" أقام دين الإسلام الذي وحد في أخوة حقيقية ، جميع الأمم والشعوب التي لا تشرك بالله شيئاً . إن جميع الشعوب الإسلامية تطيع رسول الله[r] وتحبه تحترمه! لأنه مؤسس دعائم دينها، ولكنها لا تعبده أبداً ولا ترفعه إلى مقام التقديس والتأليه"[51]..
ويقول الباحث السويسري ماكس فان برشم ( 1863 _ 1921 ) :
" إن محمداً [r]نبي العرب من أكبر مريدي الخير للإنسانية، وإن ظهور محمد[r]للعالم أجمع إنما هو أثر عقل عال ، وإن افتخرت آسية بأبنائها فيحق لها أن تفتخر بهذا الرجل العظيم .."[52] ..
و تلخص الموسوعة البريطانية السيرة الكفاحية لحياة الرسول r واجتهاده في خدمة الإنسانية عربياً وعالمياً فتقول :
"إن محمداً [r]، اجتهد في الله .. وفي نجاة أمته ، وبالأصح : اجتهد في سبيل الإنسانية جمعاء" [53]..
و"ما أجمل ما قال المعلم العظيم [r]:(الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللَّهِ، فَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ.).. "[54]
المطلب الثاني: خطبة الوداع : الميثاق الإسلامي لحقوق الإنسان :
وقد جاء في هذه الخطبة الجامعة :
"أيها الناس ! إني والله لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد يومي هذا، بمكاني هذا، فرحم الله من سمع مقالتي اليوم فوعاها، فرب حامل فقه ولا فقه له ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه"[55] .
‏" ‏إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا‏.‏ ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث ـ وكان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هُذَيْل ـ وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع من ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله‏"[56] .
"لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، ولا يُؤخذ الرجل بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه!"[57] .
" واعلموا أن القلوب لا تغل على ثلاث إخلاص العمل لله ومناصحة أولي الأمر وعلى لزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من ورائهم "[58]
‏"‏فاتقوا اللّه في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة اللّه، واستحللتم فروجهن بكلمة اللّه، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مُبَرِّح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف‏..وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به ..كتاب الله[59] .
"أيها الناس ! إنه لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم واعبدوا ربكم وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأطيعوا ولاة أمركم تدخلوا جنة ربكم.‏ "[60] .
"‏وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون‏؟‏‏" ‏ قالوا‏:‏ نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت‏.‏
فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء، وينكتها إلى الناس‏:‏ ‏"‏اللهم اشهد‏!!"ثلاث مرات‏[61].
ويعلق "هربرت جورج ولز "على هذه الخطبة فيقول :
"إنّ أول فقرة فيها تجرف أمامها كل ما بين المسلمين من نهب وسلب ومن ثارات ودماء، وتجعل الفقرة الأخيرة منها الزنجي المؤمن عدلاً للخليفة.. إنها أسست في العالم تقاليد عظيمة للتعامل العادل الكريم، وإنها لتنفخ في الناس روح الكرم والسماحة، كما أنها إنسانية السمة ممكنة التنفيذ، فإنها خلقت جماعة إنسانية يقل ما فيها مما يغمر الدنيا من قسوة وظلم اجتماعي، عما في أي جماعة أخرى سبقتها"[62] .
ويعلق العلامة إميل درمنغم ، على هذه الرحلة العظيمة، وهذه الخطبة البليغة، قائلاً:
".. تجلت بهذه الرحلة الباهرة [حجة الوداع] ما وصلت إليه من العظمة والسؤدد رسالة ذلك النبي [r]الذي أنهكه اضطهاد عشر سنين وحروب عشر سنين أخرى بلا انقطاع، وهو النبي الذي جعل من مختلف القبائل المتقاتلة على الدوام أمة واحدة.."[63]
المطلب الثالث: توجيهات إنسانية :
وإلى جانب خطبة الوداع الجامعة هناك توجيهات وتعاليم أخرى للنبي r، تعنى بحقوق الإنسان، لاسيما في مسألة الدماء :
فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ: قُتِلَ قَتِيلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ r لا يُعْلَمُ قَاتِلُهُ، فَصَعِدَ مِنْبَرَهُ ، فَقَالَ:" يَا أَيُّهَا النَّاسُ ! أَيُقْتَلُ قَتِيلٌ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ لا يُعْلَمُ مَنْ قَتَلَهُ؟ لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ اجْتَمَعُوا عَلَى قَتْلِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَعَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِلا عَدَدٍ وَلا حِسَاب"[64]
وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ مَالِكٍ:
أَنَّ سَرِيَّةً لِرَسُولِ اللَّهِ r غَشُوا أَهْلَ مَاءٍ صُبْحًا فَبَرَزَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَاءِ فَحَمَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ إِنِّي مُسْلِمٌ فَقَتَلَهُ ، فَلَمَّا قَدِمُوا أَخْبَرُوا النَّبِيَّ r بِذَلِكَ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ r خَطِيبًا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : " أَمَّا بَعْدُ فَمَا بَالُ الْمُسْلِمِ يَقْتُلُ الرَّجُلَ وَهُوَ يَقُولُ إِنِّي مُسْلِمٌ" فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنَّمَا قَالَهَا مُتَعَوِّذًا. فَصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ r وَجْهَهُ وَمَدَّ يَدَهُ الْيُمْنَى فَقَالَ : " أَبَى اللَّهُ عَلَيَّ مَنْ قَتَلَ مُسْلِمًا "ثَلَاثَ مَرَّاتٍ[65]..
و"مثل هذه الأقوال وهذه الأفعال ترينا في محمد[r] أخا الإنسانية الرحيم ، أخانا جميعاً الرؤوف الشفيق ، وابن أمنا الأولى وأبينا الأول"[66] .


الفصل الثالث
رحمته للعالمين في مجال الأخلاق
المبحث الأول : الرفق واللين
المبحث الثاني : العفو
المبحث الثالث : العدالة والمساواة
المبحث الرابع : الحب والإخاء
المبحث الخامس : السماحة في المعاملات المالية






















المبحث الأول
الرفق واللين واللطف
المطلب الأول: طريق محمد .. طريق الرفق :
ماهي طريقة محمد r في دعوة الناس إلى منهج الله القويم ؟
يجيب عن هذا السؤال توماس أرنولد ، ويقول :
" قد جاءهم محمد [r]من طريق الرفق"[67] !
أما لويس سيديو، فيفصل في الإجابة، ويقول :
"كان[r] يستقبل بلطف ورفق جميع من يودّون سؤاله، فيسحر كلماءه بما يعلو وجهه الرزين الزاهر من البشاشة، وكان لا يضج من طول الحديث، وكان لا يتكلم إلا قليلاً فلا ينمّ ما يقول على كبرياء أو استعلاء، وكان يوحي في كل مرة باحترام القوم له.. "[68].
ويقول " برتلي سانت هيلر ": "كان محمد [r]أزكى العرب في عهده وأكثرهم تقوى وديناً، وأرحبهم صدراً ، وأرفقهم بأعدائه"[69] ..
ولهذا قال هنري دي كاستري: " هكذا جذب الإسلام قسمًا عظيمًا من العالم... بما اشتمل عليه من الترفق بطبيعة البشر حيث أتاح للناس شيئًا مما يشتهون !"[70] .. فهو دين واقعي، يتعامل مع حاجات الإنسان بفهم ورفق، أو بعبارة كويليام :" ليس بين الأديان أقرب للفهم من الدين الإسلامي للذين يفقهونه، كما أنه ليس بينها أثبت ولا أرفق منه."[71]
ويقول "هربرت جورج ولز": "هذا الإلحاح على الرفق والرعاية في الحياة اليومية إنما هو واحد من فضائل الإسلام الكبرى بيد أنه ليس الفضيلة الوحيدة فيه"[72].، ولا زال الغرب يتعلم أخلاق الرفق من الإسلام ونبي الإسلام، كما يقول "ريشار وود" حتى صار النصارى يتعلمون من الدولة الإسلامية، و"ما يرمي إليه الدين [ الإسلامي ] من الحضّ على الرفق واللين"[73] ..!
ومن ثم يدعو "سوسة"[74] أتباع موسى وعيسى [عليهما السلام] " أن يراجعوا التاريخ الإسلامي ليقفوا على ما يأمر به الإسلام بشأن الرفق بالأطفال والنساء والشيوخ وغير المقاتلين بصورة عامة. ويثبت لنا التاريخ... أن المسلمين ساروا وفق شريعتهم القاضية بوجوب عدم مس الأطفال والنساء والشيوخ، بكل أمانة وحرص حتى في الظروف التي كان فيها العدو المقابل يقتل الأطفال والنساء وغير المحاربين من المسلمين"[75]..
المطلب الثاني : حثه على الرفق :
أولاً : الرفق يحبه الله :
عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ r:
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ: " يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ"[76]
و عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ أن النَّبِيِّ r قال:
"إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيَرْضَى بِهِ، وَيُعِينُ عَلَيْهِ مَا لَا يُعِينُ عَلَى الْعُنْفِ..."[77].
ثانيًا: الرفق جمال وذوق:
عَنْ عَائِشَةَ:
أن النَّبِيِّ r قَالَ : "إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ"[78] ..
ثالثًا: الرفق ي*** الخير:
و عَنْ جَرِيرٍ:
عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ : "مَنْ يُحْرَمْ الرِّفْقَ يُحْرَمْ الْخَيْرَ !"[79] .
المطلب الثالث: من نماذج رفقهr:
أولاً: الرفق بالمتعلمين:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ:
أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَامُوا إِلَيْهِ ( ليضربوه )، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r:
"لَا تُزْرِمُوهُ !"
ثُمَّ دَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَصُبَّ عَلَيْهِ[80] .
ثانياً: الرفق بالسفهاء :
عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ:
دَخَلَ رَهْطٌ مِنْ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ r . فَقَالُوا: السَّامُ[81] عَلَيْكُمْ . قَالَتْ عَائِشَةُ: فَفَهِمْتُهَا. فَقُلْتُ : وَعَلَيْكُمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r : " مَهْلًا يَا عَائِشَةُ ! ! إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ".
فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا ؟
فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r : "قَدْ قُلْتُ : وَعَلَيْكُمْ"[82] ..
وهذا وهو خلق رسول الله r دومًا إذا سابه أحد أو شاتمه..
ثالثًا : الرفق بالعصاة :
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ:
إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا !! فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ، قَالُوا : مَهْ مَهْ !!!
فَقَالَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " ادْنُهْ " ..
فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا.. فَجَلَسَ
قَالَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ ؟ "
قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ !
قَالَ : "وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ."
"أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ ؟ "
قَالَ : لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ
قَالَ: "وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ
" أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ ؟ "
قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ ..
قَالَ : "وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ "
" أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ ؟ "
قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ
قَالَ:" وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ "
"أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ ؟ " .
قَالَ : لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ.
قَالَ : " وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ" .
فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ :
"اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ وَحَصِّنْ فَرْجَهُ" ..
فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ[83].
رابعًا: الرفق بالشعب والرعية :
عن حَرْمَلَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ قَالَ:
أَتَيْتُ عَائِشَةَ، أَسْأَلُهَا عَنْ شَيْءٍ ..
فَقَالَتْ: مِمَّنْ أَنْتَ ؟
فَقُلْتُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ
فَقَالَتْ: كَيْفَ كَانَ صَاحِبُكُمْ لَكُمْ فِي غَزَاتِكُمْ هَذِهِ
فَقَالَ : مَا نَقَمْنَا مِنْهُ شَيْئًا إِنْ كَانَ لَيَمُوتُ لِلرَّجُلِ مِنَّا الْبَعِيرُ فَيُعْطِيهِ الْبَعِيرَ وَالْعَبْدُ فَيُعْطِيهِ الْعَبْدَ، وَيَحْتَاجُ إِلَى النَّفَقَةِ فَيُعْطِيهِ النَّفَقَةَ ..
فَقَالَتْ: أَمَا إِنَّهُ لَا يَمْنَعُنِي الَّذِي فَعَلَ - فِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْر-ٍ أَخِي أَنْ أُخْبِرَكَ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ فِي بَيْتِي :
"هَذَا اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ، عَلَيْهِ وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ "[84] .
خامسًا : الرفق بالمستفتي وصاحب المسألة :
عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ الْبَيَاضِيِّ قَالَ
كُنْتُ امْرَأً أَسْتَكْثِرُ مِنْ النِّسَاءِ لَا أَرَى رَجُلًا كَانَ يُصِيبُ مِنْ ذَلِكَ مَا أُصِيبُ! فَلَمَّا دَخَلَ رَمَضَانُ ظَاهَرْتُ مِنْ امْرَأَتِي حَتَّى يَنْسَلِخَ رَمَضَانُ، فَبَيْنَمَا هِيَ تُحَدِّثُنِي ذَاتَ لَيْلَةٍ انْكَشَفَ لِي مِنْهَا شَيْءٌ ، فَوَثَبْتُ عَلَيْهَا فَوَاقَعْتُهَا ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ عَلَى قَوْمِي فَأَخْبَرْتُهُمْ خَبَرِي ، وَقُلْتُ لَهُمْ : سَلُوا لِي رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-!!
فَقَالُوا : مَا كُنَّا نَفْعَلُ إِذًا يُنْزِلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِينَا كِتَابًا أَوْ يَكُونَ فِينَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَوْلٌ فَيَبْقَى عَلَيْنَا عَارُهُ، وَلَكِنْ سَوْفَ نُسَلِّمُكَ لِجَرِيرَتِكَ، اذْهَبْ أَنْتَ فَاذْكُرْ شَأْنَكَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -..
قَالَ: فَخَرَجْتُ حَتَّى جِئْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "أَنْتَ بِذَاكَ ؟ "
فَقُلْتُ : أَنَا بِذَاكَ، وَهَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ صَابِرٌ لِحُكْمِ اللَّهِ عَلَيَّ .
قَالَ: " فَأَعْتِقْ رَقَبَةً" .
قُلْتُ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَصْبَحْتُ أَمْلِكُ إِلَّا رَقَبَتِي هَذِهِ !
قَالَ : " فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ" .
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ دَخَلَ عَلَيَّ مَا دَخَلَ مِنْ الْبَلَاءِ إِلَّا بِالصَّوْمِ !
قَالَ: " فَتَصَدَّقْ أَوْ أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا " .
قُلْتُ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَقَدْ بِتْنَا لَيْلَتَنَا هَذِهِ مَا لَنَا عَشَاءٌ !!
قَالَ : " فَاذْهَبْ إِلَى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ، فَقُلْ لَهُ فَلْيَدْفَعْهَا إِلَيْكَ، وَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَانْتَفِعْ بِبَقِيَّتِهَا !!!" .
فَرَجَعْتُ إِلَى قَوْمِي فَقُلْتُ :
وَجَدْتُ عِنْدَكُمْ الضِّيقَ وَسُوءَ الرَّأْيِ وَوَجَدْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -السَّعَةَ وَحُسْنَ الرَّأْيِ، وَقَدْ أَمَرَ لِي بِصَدَقَتِكُمْ !
قال : فَادْفَعُوهَا لِي[85] .
سادسًا: الرفق بالحيوانات :
نهى النبي r عن تعذيب الحيوانات والطيور وكل شيء فيه روح، فقد مَرَّ أنس بن مالك فَرَأَى غِلْمَانًا أَوْ فِتْيَانًا نصبوا أمامهم دجاجة، وجعلوها هدفًا لهم، وأخذوا يرمونها بالحجارة فَقَالَ أَنَسٌ: " نَهَى النَّبِيُّ r أَنْ تُصْبَرَ الْبَهَائِمُ."[86]
أي تحبس أوتعذب أوتقيد أوترمي حتى الموت.
وعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:
أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَغُلَامٌ مِنْ بَنِي يَحْيَى؛ رَابِطٌ دَجَاجَةً يَرْمِيهَا، فَمَشَى إِلَيْهَا ابْنُ عُمَرَ حَتَّى حَلَّهَا ثُمَّ أَقْبَلَ بِهَا وَبِالْغُلَامِ مَعَهُ فَقَالَ: ازْجُرُوا غُلَامَكُمْ عَنْ أَنْ يَصْبِرَ هَذَا الطَّيْرَ لِلْقَتْلِ فَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ r نَهَى أَنْ تُصْبَرَ بَهِيمَةٌ أَوْ غَيْرُهَا لِلْقَتْلِ."[87] .
وقال" إنَّ النَّبِيَّ r لَعَنَ مَنْ فَعَلَ هَذَا"[88] .

وقال : " إن رسول الله r لعن من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضًا .."[89]
أي :هدفًا يُتدرب عليه ونحو ذلك .
و عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ: " لَعَنَ اللَّهُ مَنْ مَثَّلَ بِالْحَيَوَانِ"[90].
وفيه دلالة على حرمة إيذاء الحيوان حيًا أو ميتًا، ألإ لضرورة أو منفعة .
وقد بين النبي r أن الله سبحانه قد غفر لرجل؛ لأنه سقى كلبًا كاد يموت من العطش .
فبّين " أن رجلاً رأى كلبًا يأكل الثرى من العطش، فأخذ الرجل خفه فجعل يغرف له به حتى أرواه فشكر الله له، فأدخله الجنة ."[91].
بينما دخلت امرأة النار؛ لأنها حبست قطة، فلم تطعمها ولم تَسْقِهَا حتى ماتت !
فقال : " عُذبت امرأة في هرة، حبستها حتى ماتت جوعًا، فدخلت فيها النار "[92] .
ومن الرفق بالحيوان ذبحه بسكين حاد حتى لا يتعذب، يقول النبي r:
"إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ [أي: في الحروب والمعارك]، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ.وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ [السكينة التي يذبح بها الطير ونحوه]وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ"[93].
ويروي عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
جاء بعير يشتد حتى سجد لرسول الله r، ثم قام بين يديه، فذرفت عيناه، فقال رسول الله r: "من صاحب هذا البعير؟" قالوا: فلان. فقال "ادعوه، فأتوا به"، فقال له رسول الله r"يشكوك" فقال: يا رسول الله، هذا البعير كنا نسنو[94] عليه منذ عشرين سنة، ثم أردنا نحره.
فقال رسول الله r: "شكا ذلك، بئسما جازيتموه، استعملتموه عشرين سنة حتى إذا أرق عظمه، ورق جلده أردتم نحره بعينه" قال: بل هو لك يا رسول الله. فأمر به رسول الله r فوجه نحو الظهر، أي الإبل [95] .
و عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه قال كنا مع رسول الله r في سفر فانطلق لحاجته فرأينا حمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحمرة فجعلت تفرش ، فجاء النبي rفقال:
" من فجع هذه بولدها ؟ ردوا ولدها إليها ! "
ورأى قرية نمل قد حرقناها فقال :
"من حرق هذه ؟ "
قلنا: نحن ..
قال : "إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار" [96].

المبحث الثاني
العفو
العفو ترك المؤاخذه بالذنب[97]، وقد ضرب النبي r المثل الأعلى في الصفح عن محاربيه ومعانديه ومن له عليهم قصاص . وذلك من تجليات رحمته r.
المطلب الأول : النبي rالعفو
يذكر مارسيل بوازار عفو محمدr فيقول:
" وبالرغم من قتاليته ومنافحته ، فقد كان يعفو عند المقدرة "[98] .
ويتناول الكاتب الهندي "مولانا محمد علي"[99] مظهر العفو في أخلاق الرسولr، كمظهر من مظاهر رحمة محمدr للبشر ، بشيىء من التفصيل والتدليل ويقول :
"وكان العفو جوهرة أخرى بالغة الإشعاع في شخصية الرسول r. لقد وجدت فيه تجسدها الكامل . ولقد أوصاه القرأن الكريم بـأن يأخذ بالعفو ويأمر بالمعروف ويعرض عن الجاهلين .
ولقد جاءه تفسير ذلك من لدنه تعالى . على هذا النحو : ( صل من قطعك ، وأعط من حرمك ، واغفر لمن أساء إليك )... لقد عاش [r] وفقها حتى في أحرج المواقف . وفي معركة أحد [ شوال 3هـ/إبريل624 م] ، عندما جُرح وسقط على الأرض ، سأله أحد الصحابة أن يستنزل اللعنة على العدو، فأجاب : ( أنا لم أبُعث لعاناً للعالمين ، ولكن بعثت هاديًا ورحمة . . اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون !). وذات مرة جذبه بدوي طارحاً دثاره حول عنقه ، وحين ُسئل الرسول r لمِ َلـم ْيعامله بالمثل أجاب قائلاً : إنه لا يرد على الشر بالشر أبداً ."[100]..
ويقول : "إن تاريخ العالم ليعجز عن تزويدنا بنظير لهذا الصفح الكريم الذي أغدقه الرسول [r] على أمثال أولئك المجرمين الكبار . إن الضرب على وتر المواعظ الداعية إلى الصفح والغفران لا يكلف المرء شيئاً كثيراً ، ولكن عفو المرء عن معذبيه ليحتاج إلى قدر من الشهامة عظيم ، و بخاصة حين يكون أولائك المعِذبون تحت رحمته"[101].
ولا غرو أنْ وجدناه r أحسن الناس عفواً، وألطفهم عشرة، يعفو عن المسيء، ويصفح عن المخطئ حتى وصفه الخالق سبحانه وتعالى : ] لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ] [التوبة : 128].
فقد أمره الله تعالى بانتهاج نهج العفو في دعوته .. قال الله تعالى :]فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ[ [المائدة : 13] .
المطلب الثاني : نماذج عفوه r:
أولاً: عفوه عن مشركي مكة عام الفتح( رمضان ـ/ يناير 630 م ):
يضرب الكاتب الهندي " مولانا محمد علي"، مثالاً بعفو النبي r عن مشركي مكة بعدما فعلوا به ما فعلوه.. فيقول:
"والمكيون الذين أخضعوه وأصحابه ، دائماً وأبداً ، لأشد التعذيب بربرية؛ منحهم عفواً عاماً"[102]!
ويقول " اللورد هيدلي" ، معقباً على عفو النبي rفي فتح مكة:
"عفا بلا قيد ولا شرط عن كل هؤلاء الذين اضطهدوه وعذبوه ! آوى إليه كل الذين كانوا قد نفوه من مكة ! وأغنى فقراءهم، وعفا عن ألد أعدائه ؛ عندما كانت حياتهم في قبضة يده وتحت رحمته...!"[103]..
يقول "كولن" :
"تأملوا معي كيف أنهم أخرجوه هو ومن يقف معه من بيوتهم إلى منطقة صحراوية معلنين عليهم المقاطعة، ومعلقين بنود هذه المقاطعة الشريرة على جدار الكعبة، وكانت تقضي بعدم التعامل معهم بيعًا وشراء وعدم التزوج من بناتهم أو تزويج بناتهم لهم.
وقد دامت هذه المقاطعة ثلاث سنوات بحيث اضطروا إلى أكل العشب والجذور وأوراق الأشجار، حتى هلك منهم الأطفال والشيوخ من الجوع دون أن تهتز منهم شعرة، أو تتحرك عندهم عاطفة رحمة. ولم يكتفوا بهذا، بل اضطروهم لترك بيوتهم وأوطانهم والهجرة إلى أماكن أخرى بعيدة. ولم يدعوهم في راحة هناك فبدسائسهم المختلفة سلبوا منهم طعم الراحة والاطمئنان.
وفي غزوات بدر وأُحد والخندق اشتبكوا معهم في معارك ضارية، وحرموهم حتى من أبسط حقوقهم كزيارة الكعبة، وأرجعوهم إلى ديارهم بعد إبرام معاهدة ذات شروط قاسية. ولكن الله تعالى أنعم عليهم ففتحوا مكة ودخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأس جيش عظيم.
فكيف كانت معاملته لأهل مكة بعد كل هذا التاريخ المملوء عداوة وبغضًا؟ لقد قال لهم: "اذهبوا فأنتم الطُلَقاء" .. "[104]

ولو كان محمد r من ملوك الدنيا لسالت دماء أهل مكة ولكنه قابله صنيعهم بالعفو فما كان منهم إلا أن دخلوا في دين الله أفواجا ..
ثانيًا: عفوه عن أهل الكتاب :
يقول "مولانا محمد علي" :
"ولقد أسبغ عفوه على أتباع الأديان جميعاً - يهود ، ونصارى ، ووثنيين، وغيرهم - إنه لم يقصر إحسانه على أتباع دينه فحسب"[105]..
ومثال ذلك عفوه عن قبيلة بني قينقاع اليهودية الذين ناصبوه العداوة، وقد كان في استطاعته أن يفنيهم عن بكرة أبيهم في معركته معهم، في 15 شوالسنة 2 هـ/9 إبريل624. رغم ما صدر منهم من جريمة نكراء، قد تواطئوا فيها على كشف عورة سيدة مسلمة في مكان عام. وتواطئهم في قتل رجل مسلم، دافع عن عرض السيدة المسلمة وحاول رد العدوان ..
ومثال آخر ، عفوه عن قبيلة بني النضير اليهودية، بعد أن خططوا لعملية اغتيال فاشلة للنبي r، وقد كان باستطاعته أن ينفذ فيهم حكم الإعدام في من شرعوا في محاولة اغتياله كما هو الحال في الأعراف والأدبيات الدولية، وقد كانوا جميعًا تحت رحمتهr بعد هزيمتهم في معركتهم ضد المسلمين (في ربيع الأولسنة 4 هـ/ أغسطس 625م)،ولكنه – صلوات الله وسلامه عليه – أصدر عفوًا عامًا لهم، مقابل أن يرحلوا خارج حدود الدولة.

ثالثًا: عفوه عن الضعفاء أثناء الحروب:
"إذ أمر جنوده أن يعفوا عن الضعفاء، والمسنين، والأطفال، والنساء، وحذرهم أن يهدموا البيوت أو يسلبوا التجار، أو أن يقطعوا الأشجار المثمرة"[106].
وقد كان محمد r ينبه على هذه التعليمات، ويوصي بها جنوده، ويأخذ عليهم العهود في ذلك، باعتباره القائد العام للقوات المسلحة .

[1] آتيين دينيه :أشعة خاصة بنور الإسلام ، ص 18

[2] هذه الكلمة لفيلويز، انظر: عرفات كامل العشي: رجال ونساء أسلموا ، 6 / 61 .

[3] ح. ف. فيلويز : ضابط بحرية بريطاني، شارك في الحربين العالميتين الأولى والثانية، نشأ في بيئة نصرانية، تأصلت فيها التقاليد المسيحية بشكل عميق، ومع ذلك فقد هداه الله إلى الإسلام بعد أن اطلع على القرآن الكريم وقرأ عددًا من المؤلفات الإسلامية، وذلك عام 1924.

[4] فيلويز : حضارة العرب ، ص 126

[5] روجيه جارودي : المفكر الفرنسي المعروف، وأحد كبار زعماء الحزب الشيوعي الفرنسي، سابقًا، تتميز ثقافته بالعمق والشمولية، والرغبة الجادة في البحث عن الحق. أتيح له منذ مطلع الأربعينات أن يحتك بالفكر الإسلامي والحياة الإسلامية. وازداد هذا الاحتكاك بمرور الوقت، وتمخض عن اهتزاز قناعاته المادية وتحوله بالتدريج إلى خط الإيمان، الأمر الذي انتهى به إلى فصله من الحزب الشيوعي الفرنسي، كما قاده في نهاية الأمر (أواخر السبعينات) إلى اعتناق الإسلام، حيث تسمى بـ(رجاء جارودي). كتب العديد من المؤلفات منها: (حوار الحضارات)، (منعطف الاشتراكية الكبير)، (البديل)، (واقعية بلا ضفاف)، وبعد إسلامه أنجز سيرة ذاتية خصبة وعددًا من المؤلفات، أبرزها: (دعوة الإسلام)، فضلاً عن العديد من المحاضرات التي ألقاها في أكثر من بلد.

[6] روجيه جارودي: دعوة الإسلام ، ص 22

[7] روم لاندو : الإسلام والعرب، 246

[8]روم لاندو: الإسلام والعرب ، ص 280 – 281

[9] انظر: سير توماس أرنولد (إشراف) : تراث الإسلام ، ص105

[10]الدومييلي: العلم عند العرب ، ص 10 – 11 .

[11] الدومييلي : العلم عند العرب،144

[12] أرنست بانرث : ولد في مدينة ليبزج، سنة 1895، نال الدكتوراه في اللغات الإسلامية من جامعة فينا. وعين أستاذًا للفلسفة والتاريخ والآداب الألمانية. من آثاره: (الإسلام اليوم وغدًا) (1958)، (التفاهم بين الشرق والغرب) (بتكليف من اليونسكو)، وله دراسات عن الفلاسفة المسلمين.

[13] أرنست بانرث : تأثير الفلسفة الإسلامية في تطور الفكر الأوروبي ، ص 8 – 9 .

[14] صحيح – رواه ابن ماجة عن أنس( 1\ 81) ، برقم 224، وصححه الألباني في الجامع الصغير، برقم 7360

[15] صحيح – رواه ابن عبد البر في العلم عن أنس ، برقم 24، وصححه الألباني في الجامع الصغير، برقم 7361

[16] صحيح – رواه البيهقي عن عائشة، وصححه الألباني في الجامع الصغير، برقم2607

[17] صحيح – رواه أحمد والبيهقي وابن حبان والحاكم، عن صفوان بن عسال وصححه الألباني الجامع الصغير، برقم 10639

[18] حسن لغيره - رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب 1\19، برقم 80

[19] حسن - رواه ابن ماجه بإسناد حسن والبيهقي ورواه ابن خزيمة في صحيحه، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب(1 \ 18 )، برقم 77

[20] حسن – رواه رواه أحمد والطبراني بإسناد جيد واللفظ له وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد وروى ابن ماجه نحوه باختصار، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب(1 \ 17 ) برقم 71.

[21] حسن لغيره - رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، ، وحسنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب 1\19، برقم 81

[22] ابن كثير : السيرة النبوية،2\ 512

[23] على محمد الصلابي : السيرة النبوية 2\46

[24] لا بأس بها ! فهي تعنى الرجل الأفضل أو الأعظم. أو ذو القدرات الخارقة !

[25] لبيب رياشي : نفسية الرسول العربي، نقلاً عن: محمد شريف الشيباني 100

[26] ميخائيل طعمة : جريدة الكرمل، نقلاً عن: محمد شريف الشيباني 150

[27] توماس كارلايل: الابطال ، ص 60، 70

[28] بل هو قرآن البشر كلهم !

[29] وث : محمد والقران ، ص 78.

[30] هذه الكلمة للقس السابق الدكتور دُرّاني، انظر: عرفات كامل العشي: رجال ونساء أسلموا ، 4 / 27 – 28 .

[31] توماس آرنولد :الدعوة إلى الإسلام ، ص 27

[32] صحيح - أخرجه مسلم في الصلاة باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ماكان من إباحة.

[33] هو ذو الخويصرة اليماني رضي الله عنه.

[34] متفقٌ عليه، صحيح البخاري، باب صب الماء على البول في المسجد، رقم 217

[35] هذه العبارة لفيليب حتي: الإسلام منهج حياة ، ص 56

[36] انظر: سعيد رفعت راجح: الوسائط التعليمية في الأحاديث النبوية، بحث منشور على موقع alukah.net

[37] صحيح - رواه مسلم في كتاب الطهارة، باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره، رقم 251

[38] صحيح - رواه مسلم في كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم، رقم 2581.

[39] صحيح – رواه البخاري في كتاب العلم ، باب من أعاد الحديث ثلاثا ليفهم عنه، رقم 95

[40] صحيح - رواه الترمذي في كتاب المناقب، باب كيف كان كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، رقم 191، وقال الألباني : صحيح .

[41] صحيح - رواه البخاري في كتاب العلم، باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولهم بالموعظة، رقم 68.

[42] صحيح - رواه البخاري في كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، رقم 5665.

[43] صحيح - رواه البخاري، بَاب تَشْبِيكِ الْأَصَابِعِ فِي الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ، رقم 459

[44] صحيح - رواه البخاري في كتاب الرقاق. باب في الأمل وطوله، رقم 5938

[45] صحيح - رواه أبو داود في كتاب اللباس، كتاب في الحرير للنساء، رقم 3535، وقال الألباني: صحيح.

[46] صحيح - رواه البخاري في كتاب الصلاة، بَاب الْخُطْبَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَقَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ، رقم 866.

[47] صحيح - رواه الحاكم عن أبي مسعود، رقم 3692، قال الألباني في السلسلة الصحيحية (1876) : صحيح .

[48] أحمد سوسة : في طريقي إلى الإسلام ص 1 / 174 – 175.

[49] اللادي ايفلين كوبولد: البحث عن الله ، ص52.

[50] دايفد بنجامين كلداني (عبد الأحد داوود ) : محمد في الكتاب المقدس ، 82.

[51] المصدر السابق.

[52] ماكس فان برشم : العرب في آسية، 57

[53] الموسوعة البريطانية

[54] جان ليك : العرب ، ص 43. والاستشهاد بالحديث من جان ليك. وحديث :(الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللَّهِ، فَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ.) هو حديث رواه الطبراني في المعجم الكبير، برقم 9891، وفي رواية البيقهي في شعب الإيمان، « الخلق كلهم عيال الله ، وأحب الخلق أنفعهم لعياله » برقم 7193، ولقد ضعف الألباني هذه الصيغة في " السلسلة الضعيفة و الموضوعة " 4 / 372، لكنه صحح الصيغة الآخرى في حديث: " الخلق كلهم عيال الله ، و تحت كنفه ، فأحب الخلق إلى الله من أحسن إلى عياله " في الصحيحة " ( 427 ).

[55] صحيح - سنن الدارمي1\ 86 ، برقم 227، قال حسين سليم أسد : إسناده حسن والحديث صحيح.

[56] صحيح – رواه ابن حبان، عن جابر، 1457 ، وقال شعيب الأرنؤوط : حديث صحيح

[57] صحيح - السلسلة الصحيحة، رقم 1974

[58] صحيح - سنن الدارمي 1\ 86 ، برقم 227، قال حسين سليم أسد : إسناده حسن والحديث صحيح

[59] صحيح – رواه مسلم 2 \886 ، برقم 1218

[60] صحيح – رواه الطبراني في المعجم الكبير 8 \ 136 ، برقم 7617، عن أبي أمامه . وقال الألباني : صحيح (ظلال الجنة في تخريج السنة لابن أبي عاصم رقم 1061)

[61] صحيح – رواه ابن حبان، عن جابر، 1457 ، وقال شعيب الأرنؤوط : حديث صحيح

[62] هربرت جورج ولز : معالم تاريخ الإنسانية ، 3 / 640 – 641

[63] اميل درمنغم :حياة محمد، ص 359

[64] رواه الطبراني في المعجم الكبير برقم 12513

[65] رواه أحمد في مسنده، برقم 16395

[66] هذه الجملة لتوماس كارلايل : الابطال ، ص 84-85

[67] توماس كارلايل: الابطال ، ص 75 – 76

[68] لويس سيديو : تاريخ العرب العام ، ص103

[69] برتلي سانت هيلر: مع الشرق، 77.

[70] هنري دي كاستري : الإسلام : خواطر وسوانح ، ص 13

[71] عبد الله كويليام: العقيدة والشريعة في الإسلام ، ص 62

[72] هربرت جورج ولز : معالم تاريخ الإنسانية ، ص 3 / 642 .

[73]ريشار وود: الإسلام والإصلاح ، ص 21 .

[74] أحمد سوسة : كاتب عراقي ، كان يهودياً، ومن مؤلفاته: "مفصل العرب واليهود في التاريخ " و في طريقي إلى الإسلام " الذي تحدث فيه عن سيرة حياته وكيف أسلم .

[75] أحمد سوسة : في طريقي إلى الإسلام ، 1 / 94

[76] صحيح- رواه مسلم ، باب الرفق، برقم 469

[77] صحيح - موطأ مالك، برقم 1551 ، وصححه الألباني في صحيح وضعيف الجامع الصغير، رقم 2651

[78] صحيح- رواه مسلم ، باب الرفق، برقم 4698

[79] صحيح – رواه مسلم، باب الرفق، رقم 4694

[80] صحيح- رواه البخاري، برقم 5566

[81] السام : يعني الموت، والسام عليكم : يعني الموت لكم .

[82] صحيح- رواه البخاري، باب الرفق في الأمر كله، رقم 5565

[83] صحيح - رواه أحمد - (21185) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، وعزاه إلى الطبراني وقال:
رجاله رجال الصحيح 1/129، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني، برقم 370 .

[84] صحيح – رواه مسلم - كتاب الجهاد، باب فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم، برقم (3407)

[85] صحيح - رواه ابن ماجه (2052) أحمد(15825) ، وأبو داود (1892) ، والترمذي( 1121)، ،وصححه الألباني في الإرواء ( 2091 ) ، صحيح أبي داود ( 1917 ) وصحيح وضعيف سنن ابن ماجة - (2062) وغير ذلك من الكتب التي حققها .

[86] صحيح – رواه البخاري، برقم 5089

[87] صحيح – رواه البخاري، برقم 5090

[88] صحيح – رواه البخاري، رقم 5091

[89] صحيح – رواه مسلم، باب النهي عن صبر البهائم، برقم 3617

[90] سنن النسائي 4366، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن النسائي.

[91] صحيح – رواه البخاري (1 /75 )، باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان، برقم 171

[92] صحيح – رواه البخاري ( 2 / 834 )، حديث رقم 2236، وأخرجه مسلم في السلام، باب تحريم قتل الهرة . وفي البر والصلة والآداب باب تحريم تعذيب الهرة ونحوها، رقم 2242

[93] صحيح – رواه مسلم، عن شَدَّاد بْنِ أَوْس، بَاب الْأَمْرِ بِإِحْسَانِ الذَّبْحِ وَالْقَتْلِ وَتَحْدِيدِ الشَّفْرَةِ ، رقم 3615

[94] أي نستقي

[95]حسن – رواه الطبراني في الأوسط (11245) ، والهيثمي : مجمع الزوائد (14166) 9/9؛ السيوطي : الخصائص الكبرى 2/95 ، ورى أحمد بمثله عن عائشة بإسناد جيد . وقال الهيثمي : ورواه البزار بنحوه وفي إسناد الأوسط زمعة بن صالح وقد وثق على ضعفه وبقية رجاله حديثهم حسن وأسانيد الطريقين ضعيفة

[96] سنن أبي داود (2675 )، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود

[97] أحمد عبد الرحمن إبراهيم : الفضائل الخلقية في الإسلام، 180

[98] مارسيل بوزار : انسانية الاسلام ، ص 46.

[99] زعيم هندي كبير، معروف بنشاطه في خدمة الإسلام، وصاحب ترجمة معروفة لمعاني القرآن إلى الانجليزية ومن مؤلفاته " الدين الإسلامي "، و" حياة محمد و رسالته" و" ساعات حاسمة في حياة الرسول".

[100] مولانا محمد علي، حياة محمد و رسالته : 273-274.

[101] مولانا محمد علي : حياة محمد و رسالته ، ص 207.

[102] مولانا محمد علي: حياة محمد و رسالته ، ص 269-270.

[103] انظر: آتيين دينيه : محمد رسول الله ، ص-27

[104] محمد فتح الله كولن : النور الخالد محمد صلى الله عليه وسلم مفخرة الإنسانية ، 2/100

[105] مولانا محمد علي: حياة محمد و رسالته ، ص 269-270.

[106] إميل درمنغم: حياة محمد، 350
__________________
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 01-30-2012, 12:37 AM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,456
افتراضي

رابعًا: عفوه عن الأعراب الغلاظ :
1- الأعرابي الذي رد على النبيr بوقاحة:
قال أبو موسى الأشعري: كنت عند النبي r وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة ومعه بلال، فأتى النبيَّ r أعرابيُ، فقال: ألا تنجز لي ما وعدتني؟ فقال له: " أبشر" فقال: قد أكثرت عليَّ من أبشر!! فأقبل على أبي موسى وبلال كهيئة الغضبان، فقال: "رد البشرى، فاقبلا أنتما!!" قالا: قبلنا. ثم دعا بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه فيه، ومج فيه ثم قال: "اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما ونحوركما وأبشرا !" فأخذا القدح ففعلا، فنادت أم سلمة من وراء الستر أن أفضلا لأمكما، فأفضلا لها منه طائفة[1] .
2- الأعرابي الذي اتهم النبي r بالظلم:
لما كان يوم حنين [شوال 8 هـ/ يناير 630 م]، ويوم توزيع الغنائم على الجيش، آثر رسول الله r ناسًا في القسمة، فأعطى أناسًا أسلموا حديثًا و أناسًا من أشراف العرب، وآثرهم يومئذ في القسمة، فقال رجل من الأعراب: والله ! إن هذه القسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله !. فرفع الصحابي عبد الله بن مسعود إلى حضرة النبي تقريرًا بذلك. فتغير وجه النبي r حتى كان كالصرف. ثم قال: "فمن يعدل إن لم يعدل الله ورسوله؟!" ثم قال: "يرحم الله موسى؛ قد أوذي بأكثر من هذا فصبر"[2] .
3- الأعرابي الذي قابل إحسان النبي بالإساءة :
عن أبي هريرة ، أن أعرابيا ، جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم -يستعينه في شيء ، فأعطاه شيئا ، ثم قال :" أحسنت إليك ؟ "
فقال الأعرابي : لا ، ولا أجملت !
قال : فغضب المسلمون ، وقاموا إليه ، فأشار إليهم أن كفوا .
ثم قام النبي -صلى الله عليه وسلم - فدخل منزله ، ثم أرسل إلى الأعرابي ، فدعاه إلى البيت ، فقال : "إنك جئتنا فسألتنا ، فأعطيناك ، فقلت : ما قلته" ، فزاده رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ، ثم قال :" أحسنت إليك ؟ " !
قال الأعرابي : نعم ، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرًا ..
فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم- :" إنك كنت جئتنا فسألتنا ، فأعطيناك ، وقلت ما قلت ، وفى أنفس أصحابي شيء من ذلك ، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي ، حتى تذهب من صدورهم ما فيها عليك " !!
قال : نعم .
فلما كان الغد أو العشي ، جاء فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : "إن صاحبكم هذا كان جاء فسألنا ، فأعطيناه ، وقال ما قال ، وإنا دعوناه إلى البيت فأعطيناه فزعم أنه قد رضي ، أكذلك؟"
قال الأعرابي : نعم ، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا .
فقال النبي- صلى الله عليه وسلم -:" ألا إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه ، فاتبعها الناس ، فلم يزيدوها إلا نفورًا ، فناداهم صاحب الناقة : خلوا بيني وبين ناقتي ، فأنا أرفق بها وأعلم ، فتوجه لها صاحب الناقة بين يديها وأخذ لها من قمام الأرض ، فردها هونا هونا هونا حتى جاءت واستناخت وشد عليها ، وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال ، فقتلتموه، دخل النار !"[3] .
وهذا الموقف قد ازدحمت فيه العديد فضائل وأخلاق محمد، فاشتمل الموقف على وكرمه وحسن تصرفه ولطفه ورفقه ، إلا جانب خلق العفو الذي سطرنا تحته الحديث– صلوات الله وسلامه على صاحب الخلق العظيم - .

المبحث الثالث
العدالة والمساواة
نبين في هذا المبحث، مظهر آخر من مظاهر الرحمة في شخصية نبينا محمد r.. فلقد تحدث علماء الغرب عن أخلاق العدالة والمساواة في سلوك النبيr ، لاسيما وهو يمثل الحاكم الأول لدولة المسلمين؛ التي تمخض عنها أعرق حضارة في تاريخ البشرية .. !
ولنتحدث عن أخلاق العدالة والمساواة في شخصية النبيr ..!
فجل الأنظمة الحالية التي تحكم كوكب الأرض تتشدق بقيم العدل، والمساواة بين الناس، وأنى لهذه الأنظمة أن تتطلع لهذه الأخلاق السامقة .. بعدما جعلت من العدالة والمساواة شعارات براقة جوفاء خالية من التطبيق على أرض الواقع .
فإلى هذه الأنظمة هذا النموذج الفذ ..
المطلب الأول : محمد r حاكمًا عادلاً:
يقول برتلي سانت هيلر[4] :
"كان محمد[r] رئيساً للدولة وساهراً على حياة الشعب وحريته، وكان يعاقب الأشخاص الذين يجترحون الجنايات حسب أحوال زمانه وأحوال تلك الجماعات الوحشية التي كان يعيش النبي [r] بين ظهرانيها، فكان النبي داعياً إلى ديانة الإله الواحد وكان في دعوته هذه لطيفاً ورحيماً حتى مع أعدائه، وإن في شخصيته صفتين هما من أجلّ الصفات التي تحملها النفس البشرية وهما العدالة والرحمة."[5]

كان الرسول r كمعلم ورئيس دولة ورجل سياسي؛ بالغ الحرص على تطبيق المساواة على الجميع، خاصة وقد وضع نفسه على قدم المساواة مع سائر المسلمين، يقول"مولانا محمد علي" :
"وفي إقامة العدالة كان الرسول[r] منصفاً حتى التوسوس . كان المسلمون وغير المسلمين، والأصدقاء والأعداء ، كلهم سواء في نظره . وحتى قبل أن يُبعث إلى الناس كانت أمانته وتجرده واستقامته معروفة لدى الخاص والعام، وكان الناس يرفعون منازعاتهم إليه حتى يحكم فيها . وفي المدينة رضي الوثنيون واليهود به حكماً في منازعاتهم كلها . وعلى الرغم من حقد اليهود العميق الجذور على الإسلام فإن الرسول[r] حكم - عندما عرض عليه ذات مرة نزاع بين يهودي ومسلم - لليهودي بصرف النظر عن أن المسلم قد ينفر بذلك من الإسلام ، بل ربما بصرف النظر عن أن قبيلته كلها قد تنفر بذلك من الإسلام . ولا حاجة بنا إلى تبيان أهمية خسارة كهذه بالنسبة إلى الإسلام في أيام ضعفه ومحنته تلك ، فالأمر أوضح من أن يحتاج إلى بيان . "[6] .
"ولقد نبه[r] ابنته فاطمة، إلى أن أعمالها وحدها سوف تشفع لها يوم القيامة . وقال أيضاً : " لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها "[7]. وفيما كان على فراش الاحتضار ، قبيل وفاته بقليل ، سأل كل من له عليه دين أن يتقاضاه ذلك الدين ، ولكل من أساء إليه ذات يوم أن يثأر لنفسه منه"[8].
إن صفة العدالة/ المساواة التي تخّلق بها نبي الإسلام ونظام الإسلام قد دفعت الكثيرين إلى اعتناق الإسلام، فالمساواة والعدالة في الإسلام – كما يقول"جاوبا "[9] –" تختلف عنها في البلشفية التي تعمل على سحق الأغنياء لصالح الفقراء، ولا هي كالمساواة عند النصارى حيث يجلد الرجل الزنجي لا لشيء إلا لأنه وقع بصره على امرأة بيضاء. ويعبد الزنوج ربهم في كنائس خاصة بهم مستقلة عن كنائس البيض. أما في الإسلام فجميع المساجد مفتحة أبوابها لكل مسلم غنيًا كان أم فقيرًا، أسودَ كان أو أبيضَ، ملكًا كان أو عبدًا. وهذه الصفة تقيم صرح وحدة حقيقية راسخة بين المسلمين. ومن أجل ذلك فإن الدين الإسلامي لا يقيم مراسيم خاصة لكل داخل في الإسلام كما تفعل الأديان الأخرى، وإنما حسب المرء أن ينطق بالشهادتين حتى يغدو عضوًا في أعظم أخوة عالمية يتساوى في ظلها الناس جميعًا في الواقع العملي الملموس إلى جانب الناحية النظرية المجردة.. وليس في العالم كله أشمل وأصدق من هذه الأخوة الإسلامي"[10].
المطلب الثاني : العدالة والمساواة في معاملاته اليومية :
كان النبيr يمارس سلوكيات العدالة والمساواة في أدق تفصيل حياته اليومية، مع الغريب والقريب، في السفر والحضر، كمدين وكدائن .. بل نراه إيجابيًا عندما شارك في تأسيس هيئة خيرية تعنى بنصرة المظلوم !
يقول "مولانا محمد علي" :
"وفي معاملات النبي [r] مع الآخرين لم يكن يضع نفسه على مستوى أرفع من غيره البتة. كان يضع نفسه على قدم المساواة مع سائر الناس . وذات يوم، وكان قد احتل في "المدينة" مقاماً أشبه بمقام الملك، وفد عليه يهودي يقتضيه ديناً ما ، وخاطبه في جلافة وخشنونه قائلاً : إن بني هاشم لا يردون أيما مال اقترضوه من شخص آخر . فثارت ثائرة عمر بن الخطاب لوقاحة اليهودي ، ولكن الرسول[r] عنفه ذاهباً إلى أن الواجب كان يقتضي عمرأن ينصح كلاً من المدين والدائن : أن ينصح المدين - الرسول[r] - برد الدين مع الشكر ، وأن ينصح الدائن بالمطالبة به بطريقة أليق . ثم دفع إلى اليهودي حقه وزيادة، فتأثر هذا الأخير تأثراً عظيماً بروح العدل والإنصاف عند الرسول[r] ، ودخل في الإسلام."[11]

"وفي مناسبة أخرى وكان مع أصحابه في أجمة من الآجام ، حان وقت إعداد الطعام ، فمهد إلى كل امرئ في القيام بجانب من العمل، وانصرف هو نفسه إلى جمع الوقود . لقد كان برغم سلطانه الروحي والزمني يؤدي قسطه من العمل مثل رجل عادي . وكان يراعي ، في معاملته خدمه ، مبدأ المساواة نفسه، وقال أنس : " خدمت رسول الله r عشر سنين فما قال لي أف قط ، وما قال لشيء صنعته لم صنعته ، ولا لشيء تركته لم تركته[12]. " .
ولقد كان رسول الله r من مؤسسي حلف الفضول، الذي ما أُوسس إلا لنصرة المظلوم ونشر العدل بين الناس، فتحرك رسول الله في إيجابية شديدة في دعم وتأييد هذه الحلف، وقال عنه:
" شهدت حلف المطيبين مع عمومتي - و أنا غلام - فما أحب أن لي حمر النعم و أني أنكثه "[13].
وقال : "لقد شهدت مع عمومتي في دار عبدالله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو أدعى به في الإسلام لأجبت "[14].

المطلب الثالث: نماذج العدالة في سنته وسيرتهr :
أولاً: تحذيره من استعباد الناس :
لقد رسخ الرسولr قيم العدالة والمساواة في نفوس وزرائه وأتباعه ، فكان يقول ـ محذراً من استعباد الناس ـ : " لا يقولن أحدكم عبدي وأمَتي .. كلكم عباد الله وكل نسائكم إماء الله . ولكن ليقل : غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي . ولا يقل العبد : ربي ولكن ليقل : سيدي "[15]..
ثانيًا: نهيه عن التمييز العنصري :
فيقول : " كلكم بنو آدم و آدم خُلق من تراب. لينتهين قوم يفتخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان "[16].
ولقد عنّف الرسول r أبا ذر t تعنيفاً شديدا ً لما عير بلالاً بأمه ..
فعَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّبِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ -أى كيف تلبس حلة ويلبس خادمك أو صبيك نفس الحلة التى تلبسها؟ - ، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ. فَقَالَ لِي النَّبِيُّ r:" يَا أَبَا ذَرٍّ ! أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ ؟ ! إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ .. إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ"[17]
فكأن أبي ذر رفع شعار المساواة بعد هذا التعنيف من رسول الله r، فأصبح أبو ذر يأكل ما يأكل منه خادمه، ويلبس ما يلبس منه خادمه !
ثالثًا: العدل بين الأولاد :
عن النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ
أَنَّ أُمَّهُ بِنْتَ رَوَاحَةَ سَأَلَتْ أَبَاهُ بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ مِنْ مَالِهِ لِابْنِهَا فَالْتَوَى بِهَا سَنَةً ثُمَّ بَدَا لَهُ فَقَالَتْ : لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا وَهَبْتَ لِابْنِي! فَأَخَذَ أَبِي بِيَدِي وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمَّ هَذَا بِنْتَ رَوَاحَةَ أَعْجَبَهَا أَنْ أُشْهِدَكَ عَلَى الَّذِي وَهَبْتُ لِابْنِهَا .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " يَا بَشِيرُ أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا ؟ "
قَالَ : نَعَمْ .
فَقَالَ: " أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذَا ؟؟"
قَالَ: لَا
قَالَ : "فَلَا تُشْهِدْنِي إِذًا فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ"[18] .
رابعًا: عدله مع غير المسلمين:
1- العدل مع فصيل يهودي:
لقد حدث أن عبدالله بن رواحة t لما بعثه رسول الله r يقدر على أهل خيبر محصولهم من الثمار والزروع لمقاسمتهم إياها مناصفة حسب عهد رسول اللهr بعد فتح خيبر أن حاول اليهود رشوته ليرفق بهم، فقال لهم : والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إليّ، ولأنتم والله أبغض إلي من أعدادكم من القردة والخنازير، وما يحملني حبي إياه وبغضي لكم على أن لا أعدل فيكم !!
فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض[19] ..!
لقد كان t قد تخرج في مدرسة الرسول rعلى المنهج الرباني المتفرد القائم على العدل والمساواة .
2- العدل مع رجل يهودي:
أ) رد الحق إلى رجل يهودي :
عن ابنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ
أَنَّهُ كَانَ لِيَهُودِيٍّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ ..
فَقَالَ اليهودي - شاكيًا إلى رسول الله - : يَا مُحَمَّدُ إِنَّ لِي عَلَى هَذَا أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، وَقَدْ غَلَبَنِي عَلَيْهَاّ!
فَقَالَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – آمرًا المسلم بالسداد- : "أَعْطِهِ حَقَّهُ " ..
قَالَ المسلم – معلالاً سبب المماطلة -: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَقْدِرُ عَلَيْهَا !
قَالَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مؤكدًا على ضرورة التنفيذ فورًا - : " أَعْطِهِ حَقَّهُ"!.
قَالَ المسلم : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَقْدِرُ عَلَيْهَا! قَدْ أَخْبَرْتُهُ أَنَّكَ تَبْعَثُنَا إِلَى خَيْبَرَ فَأَرْجُو أَنْ تُغْنِمَنَا شَيْئًا فَأَرْجِعُ فَأَقْضِيهِ..
قَالَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مكررًا الأمر - : "أَعْطِهِ حَقَّهُ" .
قَالَ الرواي : وَكَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -إِذَا قَالَ ثَلَاثًا لَمْ يُرَاجَعْ !!!
فَخَرَجَ بِهِ (ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ) إِلَى السُّوقِ، وَعَلَى رَأْسِهِ عِصَابَةٌ، وَهُوَ مُتَّزِرٌ بِبُرْدٍ، فَنَزَعَ الْعِمَامَةَ عَنْ رَأْسِهِ فَاتَّزَرَ بِهَا، وَنَزَعَ الْبُرْدَةَ فَقَالَ : اشْتَرِ مِنِّي هَذِهِ الْبُرْدَةَ .
فَبَاعَهَا مِنْهُ بِأَرْبَعَةِ الدَّرَاهِمِ ..
فَمَرَّتْ عَجُوزٌ فَقَالَتْ : مَا لَكَ يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -فَأَخْبَرَهَا فَقَالَتْ: هَا دُونَكَ هَذَا بِبُرْدٍ عَلَيْهَا ، طَرَحَتْهُ عَلَيْهِ [20] .
ب) آيات تنزل لتبرأة رجل يهودي :
ولقد أنزل الله نحو خمس آيات في سورة النساء، على رأسها قول الله تعالى :] إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا][ النساء : 105]، لتبرأ رجلاً يهوديًا، اتهمه بعض المسلمين ظلمًا !
هذه الآيات تحكي قصة لا تعرف لها الأرض نظيراً ، ولا تعرف لها البشرية شبيهاً . . وتشهد - وحدها - بأن هذا القرآن وهذا الدين لا بد أن يكون من عند الله؛ لأن البشر - مهما ارتفع تصورهم ، ومهما صفت أرواحهم ، ومهما استقامت طبائعهم - لا يمكن أن يرتفعوا - بأنفسهم - إلى هذا المستوى الذي تشير إليه هذه الآيات؛ إلا بوحي من الله . . هذا المستوى الذي يرسم خطا على الأفق لم تصعد إليه البشرية - إلا في ظل هذا المنهج - ولا تملك الصعود إليه أبداً إلا في ظل هذا المنهج كذلك!
إنه في الوقت الذي كان اليهود في المدينة يطلقون كل سهامهم المسمومة ، التي تحويها جعبتهم اللئيمة ، على الإسلام والمسلمين؛ في الوقت الذي كانوا فيه ينشرون الأكاذيب؛ ويؤلبون المشركين؛ ويشجعون المنافقين ، ويحاولون تفسيخ المجتمع المسلم من الداخل ، في الوقت الذي يؤلبون عليه خصومه ليهاجموه من الخارج . . في هذا الوقت الحرج ، كانت هذه الآيات كلها تتنزل ، على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، لتنصف رجلاً يهودياً ، اتهم ظلماً بسرقة؛ ولتدين الذين تآمروا على اتهامه ، وهم بيت من الأنصار في المدينة . والأنصار يومئذ هم عدة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وجنده ، في مقاومة هذا الكيد الناصب من حوله ، ومن حول الرسالة والدين والعقيدة الجديدة . . . !
أي مستوى هذا من النظافة والعدالة والتسامي! ثم أي كلام يمكن أن يرتفع ليصف هذا المستوى؟ وكل كلام ، وكل تعليق ، وكل تعقيب ، يتهاوى دون هذه القمة السامقة؛ التي لا يبلغها البشر وحدهم . بل لا يعرفها البشر وحدهم. إلا أن يقادوا بمنهج الله ، إلى هذا الأفق العلوي الكريم الوضيء[21] ؟!
فقد كَانَ أَهْلُ بَيْتٍ مِن الأنصار يُقَالُ لَهُمْ بَنُو أُبَيْرِقٍ ... وَكَانُوا أَهْلَ بَيْتِ حَاجَةٍ وَفَاقَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ ... فَقَدِمَتْ ضَافِطَةٌ مِنْ الشَّامِ فَابْتَاعَ لرِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِنْ الدَّرْمَكِ فَجَعَلَهُ فِي مَشْرَبَةٍ لَهُ وَفِي الْمَشْرَبَةِ سِلَاحٌ وَدِرْعٌ وَسَيْفٌ فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِنْ تَحْتِ الْبَيْتِ فَنُقِبَتْ الْمَشْرَبَةُ وَأُخِذَ الطَّعَامُ وَالسِّلَاحُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى رِفَاعَةُ إلى قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي إِنَّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنَا فِي لَيْلَتِنَا هَذِهِ فَنُقِبَتْ مَشْرَبَتُنَا وَذُهِبَ بِطَعَامِنَا وَسِلَاحِنَا. قَالَ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ : فَتَحَسَّسْنَا فِي الدَّارِ وَسَأَلْنَا فَقِيلَ لَنَا : قَدْ رَأَيْنَا بَنِي أُبَيْرِقٍ اسْتَوْقَدُوا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَلَا نَرَى فِيمَا نَرَى إِلَّا عَلَى بَعْضِ طَعَامِكُمْ. فلما أشارت أصابع الاتهام لبَنُي أُبَيْرِقٍ، َقَالَ رِفَاعَةُ إلى قَتَادَةَ – صاحب المال المسروق – لقتادة : يَا ابْنَ أَخِي لَوْ أَتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -فَذَكَرْتَ ذَلِكَ لَهُ ..
قَالَ قَتَادَةُ : فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ : إِنَّ أَهْلَ بَيْتٍ مِنَّا أَهْلَ جَفَاءٍ عَمَدُوا إِلَى عَمِّي رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ فَنَقَبُوا مَشْرَبَةً لَهُ وَأَخَذُوا سِلَاحَهُ وَطَعَامَهُ فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنَا سِلَاحَنَا فَأَمَّا الطَّعَامُ فَلَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ.
فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: " سَآمُرُ فِي ذَلِكَ"..
فَلَمَّا سَمِعَ بَنُو أُبَيْرِقٍ، وخافوا الفضيحة، أَتَوْا رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ فَكَلَّمُوهُ فِي ذَلِكَ، فَاجْتَمَعَ فِي ذَلِكَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ.
فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ قَتَادَةَ بْنَ النُّعْمَانِ وَعَمَّهُ عَمَدَا إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ مِنَّا أَهْلِ إِسْلَامٍ وَصَلَاحٍ يَرْمُونَهُمْ بِالسَّرِقَةِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلَا ثَبَتٍ !!
قَالَ قَتَادَةُ : فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَلَّمْتُهُ .
فَقَالَ : " عَمَدْتَ إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ ذُكِرَ مِنْهُمْ إِسْلَامٌ وَصَلَاحٌ تَرْمِهِمْ بِالسَّرِقَةِ عَلَى غَيْرِ ثَبَتٍ وَلَا بَيِّنَةٍ !" .
قَالَ قتادة : فَرَجَعْتُ وَلَوَدِدْتُ أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ بَعْضِ مَالِي وَلَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ .فَأَتَانِي عَمِّي رِفَاعَةُ ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي مَا صَنَعْتَ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ : اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ[22]..
وفي رواية : لما رأى السارق ذلك عمد إلى الدرع فألقاها في بيت رجل يهودي ( اسمه زيد ابن السمين )[23]
وما لبث أن اتهم الناسُ هذا الرجل البريء – وإن كان من غير المسلمين - بسرقة هذا الدرع..

فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ نَزَلَ الْقُرْآنُ :
] إِنَّا أَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا[ [24]
خامسًا: الكل سواء أمام القانون :
فعن عائشة رضي الله عنها:
أن قريشًا، أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت .. فقالوا: ومن يكلم فيها رسول الله r؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة ابن زيد حب رسول الله r فكلمه أسامة ..فقال رسول الله r : " أتشفع في حد من حدود الله ؟ ! " . ثم قام فاختطب. ثم قال : " إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد .. وايم الله ! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ! "[25]
سادسًا: عدله بين فصائل الدولة :
1- عدله بين قريظة والنضير في مسألة الديات:
و ما أروع عدله ! حتى بين غير المسلمين وبعضهم، فقد تحاكم إليه يهود قريظة والنضير، في مسألة تتعلق بالديات، فقد كانت بنو النضير أعز من بني قريظة، فكانت تفرض عليهم دية مضاعفة لقتلاها، فلما ظهر الإسلام في المدينة امتنعت بنو قريظة عن دفع الضعف، وطالبت بالمساواة في الدية، وتحاكمت إليه نبي الرحمة، فعدل بينهما[26]، ونزلت الآية: ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) [المائدة: 45][27].
فعن ابن عباس قال:
لما نزلت هذه الآية (فإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) [المائدة42]، قال : "كان بنو النضير إذا قتلوا من بني قريظة أدوا نصف الدية وإذا قتل بنو قريظة من بني النضير أدوا إليهم الدية كاملة، فسوى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بينهم"[28] .
وفي رواية :
"فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلا من النضير قتل به، وإذا قتل رجل من النضير رجلا من قريظة، فودي بمائة وسق من تمر ! فلما بُعث النبي -صلى الله عليه وسلم- قتل رجلٌ من النضير رجلا من قريظة، فقالوا: ادفعوه إلينا نقتله ، فقالوا: بيننا وبينكم النبي صلى الله عليه وسلم فأتوه فنزلت"[29] الآية، وحكم بينهم بالعدل ..
2- عدله بين الفصائل في مسألة الري وتوزيع المياه :
فقد اتاه أهل مهزور من قريظة، يتحاكمون إليه في مشكلة تتعلق بالمياة والري، فحكم بينهم ..
عن ثعلبة بن أبي مالك أنه سمع ... أن رجلاً من قريش كان له سهم في بني قريظة فخاصم إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في [ سيل ]مهزور[30] يعني السيل الذي يقتسمون ماءه، فقضى بينهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم -أن الماء إلى الكعبين لا يحبس الأعلى على الأسفل[31]
وفي رواية : قال ثعلبة بن أبي مالك :
"قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم - في سيل مهزور، الأعلى فوق الأسفل . يسقي الأعلى إلى الكعبين ثم يرسل إلى من هو أسفل منه"[32] .
ومذينب ومهزور واديان بالمدينة معروفان يستويان يسيلان بالمطر ويتنافس أهل المدينة في سيلهما فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في سيلهما أنه للأعلى فأعلى والأقرب إلى السيل، فالأقرب يمسك الأعلى جميع الماء حتى يبلغ الكعبين ثم يرسله إلى من تحته ممن يليه[33]
سابعًا: مبادىء المساواة والعدالة في خطبة الوداع:
هذا، وتعد خطبة الوداع دستوراً عظيما في إقامة العدالة والمساواة في ربوع العالم .. ويعلق هربرت جورج ولز[34] على هذه الخطبة بقوله :
" حجّ محمد [r] حجة الوداع [في ذي الحجة 10هـ/ مارس632 م] من المدينة إلى مكة، قبل وفاته بعام، وعند ذاك ألقى على شعبه موعظة عظيمة.. إنّ أول فقرة فيها تجرف أمامها كل ما بين المسلمين من نهب وسلب ومن ثارات ودماء، وتجعل الفقرة الأخيرة منها الزنجي المؤمن عدلاً للخليفة.. إنها أسست في العالم تقاليد عظيمة للتعامل العادل الكريم"[35].
إن دروس العدالة والمساواة في سيرة النبي r ودولته ونظامه، جلية بينة لكل ذي بال ، وهي تمثل مظهر من مظاهر رحمته r للبشر، بيد أن الخرص كثيراً ما يصيب طائفة من الحاقدين والحانقين على سيرة محمد r؛ فيغضون الطرف عن هذه القيم الزاهية في سيرة النبي r ..
المطلب الرابع : الناس سواء كأسنان المشط:
يقول رسول الله r، في جملة مشهورة للقاصي والداني:
" الناس كأسنان المشط "[36] ..
ويشرح المستشرق والمؤرخ بودلي هذه العبارة البليغة قائلاً:
أي" ليس هناك أي عائق لوني للمسلم فلا يهم أكان المؤمن أبيض أو أسود أو أصفر، فالجميع يعاملون على قدم المساواة"[37].
ويتعرض توماس كارلايل لهذه القيمة في إعجاب شديد فيقول :

"في الإسلام خلّة أراها من أشرف الخلال وأجلّها وهي التسوية بين الناس. وهذا يدل على أصدق النظر وأصوب الرأي. فنفس المؤمن راجحة بجميع دول الأرض، والناس في الإسلام سواء. "[38]!
و تأسيساً على مبدأ الأخوة الإنسانية بين الأجناس والشعوب، حقق نبينا محمد r واقعياً عملية توحيد مختلف الأجناس في ظل المساواة والعدل الإسلاميين ، يقول "برج"مؤكداً :
"إنه ليس هناك من مجتمع آخر سجل له التاريخ من النجاح كما سجل للإسلام في توحيد الأجناس الإنسانية المختلفة ، مع التسوية بينها في المكانة والعمل وتهيئة الفرص للنجاح في هذه الحياة"[39].

فلقد ساوى الإسلام بين الناس في إيجاب العبادات وتحريم المحرمات ، وكما ساوى بينهم في الفضل والثواب بحسب أعمالهم] مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ] [النحل : الآية 97 ] .
وساوى بينهم في كل حق ديني ودنيوي ، ولم يجعل لأحد منهم ميزة في مال أو لون أو عرق أوحسب أو نسب ، إنما الميزة والتفضيل بالصلاح القلبي والتقوى : فقال الله تعالى: ] يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [‏‏[ الحجرات : 13 ]
وهذا مظهر من مظاهر رحمة النبي r.. فلم تكن العدالة والمساواة في اعتبارات زعماء العرب أو في أسلوب حكمهم للعرب، قبل بعثة الرسول r، فقد كان قبل عهده r، الإسترقاق على أشده، والتمييز العنصري في ذروته .. حتى أكرم اللهُ العرب برسالة محمد r
ولقد كان رسول الله r حريصاً على تربية أصحابه تربية عملية، بغرس قيم العدالة والمساواة في نفوس أصحابه ..فتخرج من مدرسة محمد r رجال؛ ملئو الأرض عدلاً ورحمة كما ملئت ظلماً وجوراً .. من هؤلاء الرجال عمر بن الخطاب صاحب المقولة الشهيرة : " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ".ولقد ضرب المسلمون الأوائل في فتوحاتهم أروع الأمثلة في تحقيق العدل والمساواة بين الشعوب، حتى قال جوستاف لوبون - في إعجاب وتقدير - : " ما عرف التاريخ فاتحاً أعدل ولا أرحم من العرب"[40] .


المبحث الرابع
الحب والإخاء
المطلب الأول : الأُخوة مكان العصبية :
يقول آتيين دينيه:
"لقد دعا عيسى [عليه السلام] إلى المساواة والأخوة، أما محمد [r] فوفق إلى تحقيق المساواة والأخوة بين المؤمنين أثناء حياته"[41].
فليس من الطبيعي ـ في اعتقاد رسول الله r ـ أن يعيش الناس على هذه الأرض في شقاق و تمزق وتفرق، و قد أوجدهم الخالق سبحانه من أصل واحد، خلقهم جميعًا من آدم، أبيضهم وأسودهم، شرقيهم وغربيهم، عربيهم وعجميهم، غنيهم و فقيرهم ، بل إن أشد ما يتنافى مع الفطرة، ويتعارض مع العقل، أن يوحد الله عباده في الخَلق والمنشأ، ثم يتفرقون في المرجع والمصير. ولأجل هذا اتخذ الإسلام كل أساس وقاعدة تحمي هذا الكيان من الانشقاق والتصدع، وتمكنه من أداء مهمته على الوجه الأمثل ومن بين تلك القواعد : الإخاء.. الذي يمحو أمامه جميع الفوارق بين أفراد هذا الكيان ،و امتيازاتهم من نسب أو جاه أو مال ..
ويتحدث المفكر "وليم موير " عن هذا المبدأ الكبير في الإسلام – مبدأ الإخاء - ، فيقول :
"ومن عقيدة الإسلام أن الإنسان أخو الإنسان "[42] .
ويبين المفكر الكبير "برج " :" أن مبدأ الإخاء الإنساني هو أساس فلسفة الأخلاق الاجتماعية في الإسلام "[43] .
ويشير "فيليب حتي" إلى " أن إقامة الأخوة في الإسلام مكان العصبية الجاهلية (القائمة على الدم والقرابة) للبناء الاجتماعي كان - في الحقيقة - عملاً جريئًا جديدًا؛ قام به النبي العربي [r].."[44].
إن النبي r أسس الدولة الإسلامية الأولى، على قاعدة الإخاء الإسلامى ما بين الأوس والخزرج والمكيين المهاجرين، وأسس الدستور المدني الإسلامي الذي نظم العلاقات ما بين قوى الشعب، ونجح هذا الدستور في تحقيق التعايش والإخاء بين المسلمين وبعضهم، وبين المسلمين وغيرهم، وتطورت جوانب هذا التعايش مع قيام الدولة الإسلامية التي ضمت شعوباً وأُمماً مختلفة، حققت بينها الانسجام والإخوة بين أبناء الوطن الواحد، بعيداً عن العصبية العرقية أو التعصب الديني .

ومن أجل تحقيق الحب والإخاء بين فصائل الشعوب، اعترف الإسلام بصدق الرسالات السماوية السابقة .. يقول مارسيل بوازار[45]– في ذلك -:
" وقد فتح الإسلام الباب للتعايش على الصعيد الاجتماعي والعرقي حين اعترف بصدق الرسالات الإلهية المنزلة من قبل على بعض الشعوب ، وجعل المسلمين منحدرين من نسل مشترك مع اليهود والنصارى عبر إبراهيم ...) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ([46] .. "[47].
المطلب الثاني : لماذا نجح النبي r في تحقيق الحب والإخاء ؟
يبين توماس آرنولد أن السبب في نجاح النبي r في نشر قيم الحب والإخاء سواء بين الشعوب الإسلامية والقبائل والعشائر المختلفة، هو حسن الخلق والمعاملة الحسنة والجاذبية التي كان يتمتع بها رسول الله r، فيقول آرنولد:
".. إن المعاملة الحسنة التي تعودتها وفود العشائر المختلفة من النبي [r] واهتمامه بالنظر في شكاياتهم، والحكمة التي كان يصلح بها ذات بينهم، والسياسة التي أوحت إليه بتخصيص قطع من الأرض مكافأة لكل من بادر إلى الوقوف في جانب الإسلام وإظهار العطف على المسلمين، كل ذلك جعل اسمه[r] مألوفًا لديهم، كما جعل صيته ذائعًا في كافة أنحاء شبه الجزيرة.. سيدًا عظيمًا ورجلاً كريمًا. وكثيرًا ما كان يفد أحد أفراد القبيلة على النبي [r] بالمدينة ثم يعود إلى قومه داعيًا إلى الإسلام جادًا في تحويل إخوانه إليه.."[48].
ولعل الفيلسوف إدوار مونته – هو الآخر - يبين السبب الأساس في قدرة النبي الكريم r في نشر الحب والإخاء بين الناس، و هو ما عرف عن رسول الله r " بخلوص النية والملاطفة وإنصافه في الحكم، ونزاهة التعبير عن الفكر والتحقق، وبالجملة كان محمد[r] أزكى وأدين وأرحم عرب عصره، وأشدهم حفاظاً على الزمام فقد وجههم إلى حياة لم يحلموا بها من قبل، وأسس لهم دولة زمنية ودينية لا تزال إلى اليوم"[49].
وكلها عوامل وأسباب أدت إلى نجاح محمد r في تحقيق الحب والإخاء بين فصائل وطوائف العرب .
وكان لمبادىء الحب والإخاء في الإسلام وأثرها على باقي الشعوب، في الشرق والغرب، أن حفرت عمقاً عميقاً في وجدانها.. تلك النزعة الإنسانية الخيرة ( الحب / الإخاء) التي ترفض التقسيم العرقي أو الطبقي.
ويتحدث "جواهر لال نهرو"[50] ، عن هذا الجانب، ممثلاً بنموذج الهند، فيقول :
" إن نظرية الأخوة الإسلامية ... التي كان المسلمون يؤمنون بها، ويعيشون فيها، أثرت في أذهان الهندوس تأثيرا عميقاً . وكان أكثر خضوعاً لهذا التأثير البؤساء الذين حَرَّم عليهم المجتمع الهندي المساواة والتمتع بالحقوق الإنسانية "[51] .
المطلب الثالث : نماذج تعاليمه r :
لقد جعل النبيr من الحب والإخاء في الإسلام عبادة رفيعة يُتقرب بها إلى الله تعالى، ويُستظل بها في ظل عرش الله يوم القيامة .. ومن جملة أحاديثه r في ذلك :
أولاً : المسلمون المتآخون المتحابون كالجسد الواحد :
روى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عن رسول الله r أنه قال :
" مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى"[52].
ثانيًا: المسلمون المتآخون المتحابون كرجل واحد :
قال النبي r : " الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ، إِنْ اشْتَكَى رَأْسُهُ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ"[53].
ثالثًا: المسلمون المتآخون المتحابون في ظلال الله :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: " إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ لِجَلَالِي ؟ الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي ."[54] .
رابعًا: المسلمون المتآخون المتحابون وجبة لهم محبة الله :
عن معاذ بن جبل قال : سمعت رسول الله r يقول :
" قال الله تعالى : وجبت محبتي للمتحابين فيّ والمتجالسين في والمتزاورين في والمتباذلين فيّ"[55].
خامسًا: المسلمون المتآخون المتحابون يغبطهم الأنبياء والشهداء :
قال النبي r " يقول الله تعالى : المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء"[56].
وعن أبي الدرداء t قال : قال رسول الله r" ليبعثن الله أقوامًا يوم القيامة في وجوههم النور، على منابر اللؤلؤ ، يغبطهم الناس، ليسوا بأنبياء ولا شهداء ". قال : فجثا أعرابي على ركبتيه، فقال : يا رسول الله حلهم لنا نعرفهم ! قال : " هم المتحابون في الله من قبائل شتى وبلاد شتى، يجتمعون على ذكر الله يذكرونه "[57].
هكذا رسّخ رسول الله r قيم الحب والإخاء بين شعبه، ورسخها r عملياً، فيرغبهم في الحب والإخاء وثوابهما، ويرهبهم من التباغض والشقاق وعواقبهما في الدنيا والآخرة .
إن هذا مظهر من مظاهر رحمة النبي r ، فلقد نجح النبيr في تحقيق الأخوة والحب بين الشعب، حتى أصبح أبناء الدولة في عهده كالجسد الواحد أوكالرجل الواحد ..

المبحث الخامس
سماحته في المعاملات المالية
من مظاهر رحمتهr، سماحته وسهولته في المعاملات المالية ، واستعمال معالي الأخلاق، وترك المشاحنات، و تجنب إرهاق الناس بالمطالبة أو المماطلة ..وكان يحث على إنظار المعسر والرفق به، والتساهل في المعاوضات المالية، والمشاركة في سداد الديون عن المدينين، والكرم والعطاء بين المتعاقدين.
المطلب الأول : حثه على السماحة في المعاملات المالية :
أولاً: في البيع والشراء والقضاء :
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ : "رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا[58] إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى"[59] ..
وعن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: "غفر الله لرجل كان قبلكم، كان سهلاً إذا باع، سهلاً إذا اشترى، سهلاً إذا اقتضى"[60].
وعن حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ t قَالَ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r :"الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا"[61].
ثانيًا: التيسير على المعسر :
عن أبي هريرة t أن رسول الله rقال: "كان الرجلُ يُداينُ الناس، فكان يقولُ لفتاهُ: إذا أتيتَ مُعسِراً فتجاوَز عنه، لعلَّ اللهَ أن يَتجاوَز عنا .. فلَقِيَ اللهَ فَتجاوَزَ عنه"[62].
المطلب الثاني : نماذج سماحته في المعاملات المالية :
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
ابْتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ r مِنْ رَجُلٍ مِنْ الْأَعْرَابِ جَزُورًا أَوْ جَزَائِرَ بِوَسْقٍ مِنْ تَمْرِ الذَّخِرَةِ - وَتَمْرُ الذَّخِرَةِ الْعَجْوَةُ - فَرَجَعَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ r إِلَى بَيْتِهِ وَالْتَمَسَ لَهُ التَّمْرَ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ r ..
فَقَالَ: " لَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنَّا قَدْ ابْتَعْنَا مِنْكَ جَزُورًا - أَوْ جَزَائِرَ- بِوَسْقٍ مِنْ تَمْرِ الذَّخْرَةِ، فَالْتَمَسْنَاهُ فَلَمْ نَجِدْهُ !" ..
فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ : وَا غَدْرَاهُ !!
قَالَتْ : فَنَهَمَهُ النَّاسُ. وَقَالُوا: قَاتَلَكَ اللَّهُ ! أَيَغْدِرُ رَسُولُ اللَّهِ r ؟ !
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r : "دَعُوهُ ! فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا " .
ثُمَّ عَادَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ r فَقَالَ: " يَا عَبْدَ اللَّه .. إِنَّا ابْتَعْنَا مِنْكَ جَزَائِرَكَ وَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ عِنْدَنَا مَا سَمَّيْنَا لَكَ فَالْتَمَسْنَاهُ فَلَمْ نَجِدْهُ " ..
فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ : وَا غَدْرَاهُ .. ! فَنَهَمَهُ النَّاسُ وَقَالُوا : قَاتَلَكَ اللَّهُ ! أَيَغْدِرُ رَسُولُ اللَّهِ ..؟ !
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r : " دَعُوهُ ! فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا" .. فَرَدَّدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ r مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا .
فَلَمَّا رَآهُ لَا يَفْقَهُ عَنْهُ؛ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ : " اذْهَبْ إِلَى خُوَيْلَةَ بِنْتِ حَكِيمِ بْنِ أُمَيَّةَ فَقُلْ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ r يَقُولُ لَكِ إِنْ كَانَ عِنْدَكِ وَسْقٌ مِنْ تَمْرِ الذَّخِرَةِ؛ فَأَسْلِفِينَاهُ حَتَّى نُؤَدِّيَهُ إِلَيْكِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ " ..
فَذَهَبَ إِلَيْهَا الرَّجُلُ ثُمَّ رَجَعَ الرَّجُلُ فَقَالَ: قَالَتْ : نَعَمْ هُوَ عِنْدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَابْعَثْ مَنْ يَقْبِضُهُ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r لِلرَّجُلِ : "اذْهَبْ بِهِ فَأَوْفِهِ الَّذِي لَهُ" .
فَذَهَبَ بِهِ فَأَوْفَاهُ الَّذِي لَهُ ..
قَالَتْ عائشة : فَمَرَّ الْأَعْرَابِيُّ بِرَسُولِ اللَّهِ r وَهُوَ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَوْفَيْتَ وَأَطْيَبْتَ.
قَالَتْ عائشة : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r : " أُولَئِكَ خِيَارُ عِبَادِ اللَّهِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْمُوفُونَ الْمُطِيبُونَ"[63].








الفصل الرابع
رحمته للعالمين في مجال التشريع

المبحث الأول : المرونة والتجديد
المبحث الثاني : الوسطية والاعتدال
المبحث الثالث : التيسير
المبحث الرابع : الرخص الشرعية
المبحث الخامس : التدرج التشريعي













المبحث الأول
المرونة والتجديد
المطلب الأول – شهادة علماء الغرب
من مظاهر الرحمة في شخصية النبيr في ميدان التشريع، أن أحكامه الشرعية تتسم بالمرونة، وقابلية تشريعاته للتجديد[64]، والتمشي مع مقتضيات العصر والحاجات والمسائل المستجدة، رحمة بالناس ..
فتعاليم نبينا محمد r بسيطة وسهلة ومرنة .. وهي تتسم بالتطور الخصب[65] كما يقول توماس آرنولد، "وإن بساطة هذه التعاليم ووضوحها لهي على وجه التحقيق؛ من أظهر القوى الفعالة في الدين وفي نشاط الدعوة إلى الإسلام.."[66] ..

ويقول الدكتور "إيزيكو انسابا توحين" أحد علماء القانون:
" إن الإسلام يتمشى مع مقتضيات الحاجات الظاهرة فهو يستطيع أن يتطور دون أن يتضاءل خلال القرون ، ويبقى محتفظاً بكل ما لديه من قوة الحياة والمرونة . فهو الذي أعطا العالم أرسخ الشرائع ثباتاً، وشريعته تفوق كثيرًا الشرائع الأوربية"[67] .
فالتشريع الإسلامي بعيد عن الجمود رغم تخرصات الكثير من الحاقدين..وتحمل ذاتيته قوة التجدد لما يمتلكه من مرونة في استيعاب التحولات الاجتماعية ، فقد ثبتت مكانته العالية ورفعة شأنه .
ومن هنا ظهر الإسلام في مرحلتنا المعاصرة كشريعة عالمية إنسانية، وكحل أمثل من الحلول المشتركة التي تطرحها فكرة مستقبل الإنسان والمجتمع ..
ويقول "دافيد دي سانتيلانا" :
"لما كان الشرع الإسلامي يستهدف منفعة المجموع، فهو بجوهره شريعة تطورية غير جامدة خلافًا لشريعاتنا[68] من بعض الوجوه. ثم إنها علم ما دامت تعتمد على المنطق الجدلي.. وتستند إلى اللغة.. إنها ليست جامدة، ولا تستند إلى مجرد العرف والعادة، ومدارسها الفقهية العظيمة تتفق كلها على هذا الرأي. فيقول أتباع المذهب الحنفي أن القاعدة القانونية ليست بالشيء الجامد الذي لا يقبل التغيير. إنها لا تشبه قواعد النحو والمنطق. ففيها يتمثل كل ما يحدث في المجتمع بصورة عامة.."[69]

المطلب الثاني: الشريعة الإسلامية : ثوابت و متغيرات :
الثابت والمتغير، المطلق والنسبي، بُعدان أساسيان في خلود الرسالة الإسلامية وخاتميتها، وصلاحيتها ورفقها بالمكلفين.
و لما كانت الشريعة الإسلامية شريعة البشرية من يوم أرسل الله بها النبي r إلى يوم يرث الله الأرض ومن عليها، كان لابد لها ـ لتتضمن وتؤمن مصالح البشر دائماً ـ من أن تكون نصوصها مرنة تحتمل كل تطور الأزمنة وتبدل العصور وتواكب الجديد [70].
إن هذه الشريعة بما فيها من مرونة وشمول، استجابت لمطالب حياة البادية، كما استجابت فيما بعد لحياة الدولة الناشئة في عهد النبي r ، المتوسعة في عهد عمر t. ثم ظلت تستجيب لحياة الحضارة فيما بعد[71].
و الحق، أن المبدأين كليهما من الثبات والتغير يعملان معاً، في الكون والحياة ، كما هو مشاهد و ملموس .. فلا عجب أن تأتي شريعة الإسلام، ملائمة لفطرة الإنسان و فطرة الوجود ، جامعة بين عنصر الثبات و عنصر المرونة .. وبهذه المزية يستطيع المجتمع المسلم أن يستمر و يرتقي؛ ثابتاً على أصوله و قيمه وغاياته، متطوراً في معارفه و أساليبه وأدواته. فبالثبات، يستعصي هذا المجتمع على عوامل الانهيار والفناء، أو الذوبان في المجتمعات الأخرى ، أو التفكك إلى عدة مجتمعات ، تتناقض في الحقيقة و إن ظلت داخل مجتمع و احد في الصورة .. بالثبات يستقر التشريع وتتبادل الثقة و تبنى المعاملات والعلاقات على دعائم مكينة ، وأسس راسخة، لا تعصف بها الأهواء والتقلبات السياسية والاجتماعية ما بين يوم و آخر ... وبالمرونة ، يستطيع هذا المجتمع أن يكيف نفسه وعلاقاته حسب تغير الزمن، وتغير أوضاع الحياة ، دون أن يفقد خصائصه و مقوماته الذاتية[72]..
وإن المبدأين كليهما ( الثبات و التغير ) يعبران عما هو أكثر من سمة من سمات هذا الدين؛ إنهما يعبران عن مكونات هذه الشريعة .. فأحكام الشريعة نجدها تنقسم إلى قسمين أساسيين : قسم يمثل الثبات و الخلود، و قسم يمثل المرونة و التطور .. ولكن ما هو مجال الثبات ومجال المرونة في شريعة الإسلام ؟ و ما دلائل ذلك .. نبين ذلك في المطلب التالي.
المطلب الثالث : في مجال الثابت و مجال المتغير :
يقول ابن القيم ـ يرحمه الله ـ :
" الأحكام نوعان : نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها ، لا بحسب الأزمنة و لا الأمكنة ، و لا اجتهاد الأئمة ، كوجوب الواجبات ، و تحريم المحرمات ، والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم ، و نحو ذلك ، فهذا لا يتطرق إليه تغيير ، و لا اجتهاد يخالف ما وُضع عليه . و النوع الثاني : ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زماناً و مكاناً و حالاً ، كمقادير التعزيرات .. "[73].
ويبين الدكتور يوسف القرضاوي مجال الثابت و مجال المرن في شريعة الإسلام على نحو أشمل فيقول: " .. إنه الثبات على الأهداف و الغايات، والمرونة في الوسائل و الأساليب.. الثبات على الأصول و الكليات، والمرونة في الفروع والجزئيات.. الثبات على القيم الدينية و الأخلاقية، والمرونة في الشئون الدنيوية و العملية"[74].
وإن للثبات والمرونة مظاهر و دلائل شتى، نجدها في مصادر الإسلام وشريعته وتاريخه..يتجلى هذا الثبات في المصادر الأصلية النصية القطعية للتشريع من كتاب الله، وسنة رسوله r، فالقرآن هو الأصل والدستور، والسنة هي الشرح النظري، والبيان العملي للقرآن ، وكلاهما مصدر إلهي معصوم ، لا يسع مسلماً أن يعرض عنه ..وتتجلى المرونة في المصادر الاجتهادية التي اختلف فقهاء الأمة في مدى الاحتجاج بها ما بين موسع ومضيق ، ومقل ومكثر، مثل الإجماع، والقياس، والاستحسان، والمصالح المرسلة، و أقوال الصحابة، وشرع من قبلنا، وغير ذلك من مآخذ الاجتهاد، و طرائق الاستنباط [75].

وهكذا، يتضح مدى سعة المساحة المفتوحة للجانب المرن القابل للتجديد، ومدى ضخامة باب الاجتهاد. وأن الثابت الذي لا اجتهاد فيه، يمثل الجانب الأقل من حيث حجم التكاليف والأحكام المنصوص عليها .. وبعد ذلك يجد المجتهد نفسه أمام مساحات شاسعة ترحب بكل تجديد واجتهاد يتفق وأصول الشرع .. مثل تلك المساحة التي يسميها الفقهاء " منطقة الفراغ التشريعي " إلى جانب النصوص المتشابهات ..
المطلب الرابع : منطقة الفراغ التشريعي والنصوص المحتملة:
أولاً : منطقة الفراغ التشريعي :
هذه المساحة الكبيرة التي يسميها علماء الشريعة الإسلامية: " منطقة الفراغ التشريعي "، أو " العفو " ..! تلك المنطقة التي تركتها النصوص – قصداً- لاجتهاد أولي العلم وأولي الأمر والرأي ، وأهل الحل و العقد في الأمة .. يكشف الهدي النبوي عن هذه المساحة في بعض الأحاديث الشريفة .. و منها قول النبي r:
" ما أحل الله في كتابه فهو حلال ، وما حرم فهو حرام ، و ما سكت عنه فهو عفو ! فاقبلوا من الله عافيته ، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً . و تلا : ] وَمَاكَانَرَبُّكَنَسِيًّا [‏‏[76].."[77]
وقول النبي r: " إن الله حد حدوداً فلا تعتدوها ، و فرض فرائض فلا تضيعوها، و حرم أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياء رحمة بكم ؛ من غير نسيان فلا تبحثوا عنها"[78] .

فالحدود التي قدرها الشرع ؛ لا يجوز اعتداؤها .. مثل تحديد نصاب الزكاة، و مقدار الواجب منها ، و تحديد أنصبة الورثة في تركة الميت،.. ومثل ذلك الفرائض التي أوجبها الله كالعبادات الأربع التي هي أركان الإسلام، ومبانيه العظام ، و الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، و بر الوالدين ، وصلة الأرحام ، والإحسان إلى الجار، وأداء الأمانات، والحكم بالعدل وغيرها .. فلا يجوز لأحد أن يسقط أو يلغي شيئًا من هذه الفرائض، أو يتساهل فيها ، ففرضيتها ثابتة في شريعة الإسلام ، لا تقبل نسخاً و لا تجميداً و لا تطويراً و لاتعديلاً، ولا يجوز أن تضيع في مجتمع مسلم .. و كذلك المحرمات اليقينية، مثل : الشرك، و القتل، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات، و الزنا و شرب الخمر، والسرقة، وأكل المال العام، و شهادة الزور، ونحوها.. فهذه كلها ثابتة لا تلين للعصور ، و لا يُتهاون فيها يوماً، فيفتي بحلها مجتهد، أو يرخص فيها حاكم[79].
فما عدا هذه الحدود و الفرائض و المحرمات المنصوص عليها ، فهي ـ كما سمها الهدي النبوي ـ : " مسكوت عنها " رحمة بالبشر ..
ويكلف الشرعُ علماء المسلمين أن يستغلوا هذه النعمة العظمى من المشرع – سبحانه وتعالى - ؛ فعليهم أن يملئوا هذا الفراغ التشريعي بكل جديد ونافع يتفق مع مقاصد الشريعة الغراء !

وذلك من خلال طرائق ومسالك عديدة أقرها الشرع؛ مثل القياس بقيوده و شروطه.. و الاستحسان،.. والاستصلاح أو اعتبار المصلحة المرسلة ؛ و هي التي لم يجيء نص خاص من الشارع ـ الحكيم ـ باعتبارها و لا بإلغائها .. و هناك اعتبار العرف بقيوده وشروطه ..
ثانيًا: المتشابهات:
فيما يتعلق بمنطقة النصوص المتشابهات، التي اقتضت حكمة الشارع أن تجعله هكذا محتملات، تتسع لأكثر من فهم، و أكثر من رأي ، ما بين موسع و مضيق ، و ما بين قياسي و ظاهري ، و ما بين متشدد و مترخص، و ما بين واقعي و مفترض . و في كل هذا رحمة، وفسحة لمن أراد الموازنة و الترجيح ، و أخذ أقرب الآراء إلى الصواب، وأولاها بتحقيق مقاصد الشريعة، فقد يصلح رأي أو مذهب لزمن و لا يصلح لآخر ، أو يصلح لبيئة ولا يصلح لأخرى ، أو يصلح لحال و لا يصلح لغيره[80] .
و بذلك يمكننا أخذ ما نراه أقرب إلى مقاصد الشرع الحنيف بالنظر إلى ظروف المجتمعات العصرية المتسارعة في التغير و التطوير.. إذاً شاء الله أن يكون من مصادر هذا الدين النص القطعي الراسخ الذي لا يقبل التجديد ..كما شاء – سبحانه – أن يكون بجوارها المصادر الاجتهادية التجديدية.. و الأدلة الظنية .. لتتسع دائرة النظر والترجيح.
المطلب الخامس : ***** الثابت و تجديد المرن:
هذا و***** الثابت في الشرع والحفاظ عليه واجب من الواحبات، تماماً كما التجديد والاجتهاد في المرن مأمور به ! وسوف نتناول الثابت وحفظه ، و المرن و تجديده ؛ من خلال ثلة من الأمثلة المتنوعة من سنة النبيr :
أولاً: يتمثل الثبات في رفضه r التهاون أو التنازل في كل ما يتصل بتبليغ الوحي أو يتعلق بكليات الدين، و قيمه، وأسسه العقائدية والأخلاقية .. ومهما حاول المحاولون أن يُثنوا عنانه عن شيء من ذلك بالمساومات أو التهديدات، أو غير ذلك من أنواع التأثير على النفس البشرية ، فموقفه هو الرفض الحاسم ، الذي علمه إياه القرآن في مواقف شتى .. فحين عرض عليه المشركون أن يلتقوا في منتصف الطريق ، فيقبل شيئاً من عبادتهم ويقبلوا شيئاً من عبادته ؛ أن يعبد آلهتهم مدة ، و يعبدوا إلهه مدة ! كان الجواب الحاسم ؛ من رسول الله rيحمله الوحي الصادق ، في سورة قطعت كل المساومات و حسمت كل المفاوضات، و هي قوله تعالى : ]قُلْ يَأَيّهَا الْكَافِرُونَ (1) لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ(3)وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مّا عَبَدتّمْ (4) وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ(5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ[[ سورة الكافرون] .
و هكذا تعلم r من وحي الله : أن لا تنازل و لا تساهل في أمور العقيدة و ما يتصل بها. وفي مقابل ذلك ؛ نجد مرونة واسعة في مواقف السياسة والتخطيط و مواجهة الأعداء ؛ بما يتطلبه الموقف المعين ، من حركة ووعي و تقدير لكل الجوانب والملابسات ، دون تزمت أو جمود.. نجده في معركة الأحزاب( شوال 5 هـ\ مارس627م) .. مثلاً يأخذ برأي "سلمان الفارسي " t في حفر الخندق حول المدينة ، و يشاور بعض رؤساء الأنصار في إمكان إعطاء غطفان جزءاً من ثمار المدينة ، ليردهم و يفرقهم عن حلفائهم ، كسباً للوقت إلى أن يتغير الموقف .. و يقول لـ "نعيم بن مسعود الأشجعي" – وقد أسلم و أراد الانضمام إلى المسلمين - : " إنما أنت رجل واحد ، فخذل عنا ما استطعت"[81].. فيقوم الرجل بدور له شأنه في التفريق بين تحالف القبائل المحاربة للدولة الإسلامية ..وفي يوم الحديبية (في ذي القعدة 6هـمارس628 م) تتجلى المرونة النبوية بأروع صورها ..تتجلى في قوله في ذلك اليوم : " و الله لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها"[82]. و في قبوله r أن يكتب في عقد الصلح : " باسمك اللهم " بدل : " بسم الله الرحمن الرحيم "[83].. وهي تسمية رفضتها قريش ..! و في قبوله من الشروط ما في ظاهره إجحاف بالمسلمين ، و إن كان عاقبته الخير .. كل الخير ..

[1] صحيح – رواه البخاري، كتاب المغازي رقم 4328.

[2] صحيح – رواه مسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم، عن ابن مسعود، حديث 1062.

[3] رواه أبو الشيخ الأصبهاني في أخلاق النبي (170)، وانظر: محمد بن نصر المروزي: تعظيم قدر الصلاة (861) . ولم أقف على سنده . ولم أسأل عنه .

[4] العلامة برتلي سانت هيلر ( 1793 ـ 1884 ) مستشرق ألماني ولد في درسدن.

[5] برتلي سانت هيلر : الشرقيون وعقائدهم، ص 39.

[6] مولانا محمد علي : حياة محمد و رسالته، ص 270 وما بعدها

[7] صحيح – رواه البخاري برقم (3216) ومسلم، برقم(3196).

[8] مولانا محمد علي : حياة محمد و رسالته، ص 270 وما بعدها

[9] ك . ل . جاوبا : هندوكي مثقف، ومحامي كبير بالمحاكم العليا، درس الإسلام، ولم يرض أن يظل على دينه الذي ورثه عن آبائه وأجداده، وأخذ يقارن بين الأديان، وانتهى الأمر به إلى اعتناق الإسلام.

[10] انظر: عرفات كامل العشي : رجال ونساء أسلموا ، 3 / 83 – 84 .

[11] مولانا محمد علي : حياة محمد و رسالته ، 260

[12] مولانا محمد علي : حياة محمد و رسالته ، 261

[13] صحيح - رواه البخاري في " الأدب المفرد " ( 567 ) و ابن حبان ( 2062).

[14] صحيح - السنن الكبرى للبيهقي (ج 6 / ص 367)، وصححه الألباني في تحقيق كتاب فقه السيرة، ص 67.

[15] صحيح - رواه مسلم وصححه الألباني في تحقيق مشكاة المصابيح ، ج 3 / ص 31

[16] صحيح – صححه الألباني في صحيح وضعيف الجامع الصغير ،ج 18 / ص 344

[17] صحيح – رواه البخاري، برقم ( 29)

[18] صحيح- رواه البخاري (2456) و مسلم - (3056)، واللفظ لمسلم

[19] ابن القيم : زاد المعاد، ج 2، ص 11.

[20] صحيح - رواه أحمد(14942) ، وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة 2108

[21] انظر: سيد قطب: في ظلال القرآن - (ج 2 / ص 231)

[22] حسن – رواه الترمذي، رقم 2962، عَنْ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ الأنصاري ، وحسنه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي .

[23]وهذه الرواية التي ذُكر فيها اليهودي ، رواية ضعيفة، انظر: تفسير ابن كثير - (ج 2 / ص 405)، وقد رواه الطبري في تفسيره (9/183) وإسناده مسلسل بالضعفاء.

[24] حسن – رواه الترمذي، رقم 2962، عَنْ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ الأنصاري ، وحسنه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي .

[25] صحيح – رواه البخاري برقم 3288، و أخرجه مسلم في الحدود باب قطع السارق الشريف وغيره رقم 1688

[26] أكرم ضياء العمري: السيرة النبوية الصحيحة 1/291

[27] علي محمد الصلابي : السيرة النبوية 1/331

[28] حسن – رواه أبو داود (3591 ) والنسائي ( 4733 ) ، ( 4411 ) ، وقال الألباني – في صحيح وضعيف سنن أبي داود -: حسن صحيح الإسناد .

[29] صحيح – رواه ابو داود (4494)، والنسائي ( 4732 - 4733 )، ( 4410 – 4411)، وأحمد (3434)، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود . وقال شعيب الأرنؤوط : حسن.

[30] سيل مهزور : اسم واد لبني قريظة بالحجاز

[31] صحيح – رواه ابن ماجه (2481)، وأبو دواد(3638) ، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود

[32] صحيح - رواه ابن ماجه (2481)، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجه.

[33] ابن عبد البر : الاستذكار، ج 7 / ص 189

[34] هربرت جورج ولز (1866 – 1946) الكاتب البريطاني المعروف.. اشتهر بقصصه الذي يعتمد الخيال العلمي وله كتابات في التاريخ ، مثل (معالم تاريخ الإنسانية) وأعقبه بـ(موجز تاريخ العالم). وكان آخر كتاب أصدره هو (العقل في أقصى تواتراته) .

[35] هربرت جورج ولز : معالم تاريخ الإنسانية ، 3 /640 ، 641.

[36] مسند الشهاب القضاعي عن أنس بن مالك، برقم 186، أي متساوون في الأحكام، لا يفضل شريف لشرفه على وضيع، كأسنان المشط متساوية لا فضل لسن منها على أخرى ( العزلة للخطابي ص 144).

[37] انظر: عماد الدين خليل: قالوا عن الإسلام ص 137.

[38] توماس كارلايل : الأبطال ، ص 65

[39] توماس كارلايل : الأبطال ، ص 65

[40] جوستاف لوبون :حضارة العرب، ص 40

[41] آتيين دينيه: محمد رسول الله ، ص 323.

[42] وليم موير : حياة محمد، 80.

[43] انظر: أحمد أمين : التكامل في الإسلام ، ج 2، ص 101.

[44] فيليب حتى : الإسلام منهج حياة ، ص 19 ، 20.

[45] مفكر وقانونى فرنسى ، وله كتابات مشهورة عن الإسلام، أهمها : " إنسانية الإسلام"، و الإسلام اليوم". ويعد كتابه الشهير " إنسانية الإسلام"، علامة مضيئة في مجال الدراسات الغربية للإسلام، بما تميز به من موضوعية، وعمق، وحرص على اعتماد المراجع التي لا يأسرها التحيز والهوى، وريادته في تناول الجانب الأخلاقي في الإسلام.

[46] سورة الحجرات: الآية13 ، والاستشهاد بالآية من قبل مارسيل بوزار.

[47] مارسيل بوزار : إنسانية الإسلام ، 184-185.

[48] توماس آرنولد : الدعوة إلى الإسلام ص 55 .

[49] كلمة للفيلسوف الفرنسي إدوار مونته الذي ولد في بلدته لوكادا( 1817 ـ 1894 )، وقال هذه الكلمة في آخر كتابه (العرب).

[50] زعيم الهند الراحل ، وباني نهضتها الحديثة.

[51] انظر : محمد شريف الشيباني : الرسول في الدراسات الإستشراقية المنصفة، ص 192

[52] صحيح – رواه مسلم، برقم 4685.

[53] صحيح – رواه مسلم، برقم 4686

[54] صحيح – رواه مسلم، برقم 4655، ورواه مالك في الموطأ، برقم 1500

[55] صحيح - رواه مالك، برقم 1503، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح، برقم 5011.

[56] صحيح – رواه الترمذي، برقم 2312، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح، برقم 5011.

[57] صحيح - رواه الطبراني بإسناد حسن، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم 1509

[58] كريماً متساهلاً يوافق على ما طُلب منه.

[59] أي إذا طلب حقه

[60] صحيح – رواه البخاري في البيوع، بَاب السُّهُولَةِ وَالسَّمَاحَةِ فِي الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ وَمَنْ طَلَبَ حَقًّا فَلْيَطْلُبْهُ فِي عَفَافٍ رقم 1934

[61] صحيح- رواه البخاري 1937

[62] متفق عليه- البخاري برقم 1936


[63] صحيح - رواه أحمد، برقم 25108، وعبد الرزاق، برقم 15358، وهو في السلسلة الصحيحة برقم 2677

[64] للباحث : دراسة تحت عنوان : التجديد والمجددون في الإسلام ( تحت الطبع )

[65] La propagande chretienne et ses adversaires musulmans, pp. 17-18

[66] المصدر السابق

[67] انظر: عبد المجيد بن عزيز الزنداني وآخرون: شرح كتاب الإيمان، 222

[68] يقصد الشريعة الوضعية .

[69] انظر: سير توماس أرنولد (إشراف) : تراث الإسلام ، ص 433 – 434

[70] انظر: أحمد الحجي الكردي : بحوث في علم أصول الفقه، ص44، 45.

[71] انظر: سيد قطب : معركة الإسلام والرأسمالية ، ص67 .

[72] انظر: يوسف القرضاوي :الخصائص العامة للإسلام ، ص203.

[73] ابن القيم : إغاثة اللهفان، ج1، ص 346 ، 349.

[74] يوسف القرضاوي : الإسلام و العلمانية وجهاً لوجه ، ص151

[75] يوسف القرضاوي : الخصائص العامة للإسلام ، ص 203 ، 204

[76] سورة مريم : الآية 64.

[77] حسن ـ عن سلمان: رواه البزار و الحاكم وصححه . وحسنه الألباني في الجامع الصغير (551)

[78] ضعيف ـ رواه الدارقطني و حسنه النووي في الأربعين ، و نوزع في ذلك كما في شرح هذا الحديث لابن رجب في كتابه :" جامع العلوم و الحكم"، وضعفه الألباني في الجامع الصغير (352 ).

[79] انظر: يوسف القرضاوي : الخصائص العامة للإسلام ، ص224

[80] انظر: يوسف القرضاوي : الخصائص العامة للإسلام ، ص224

[81] تاريخ ابن خلدون 2\440 ، والفصول في السيرة 1\163، ومختصر سيرة الرسول 1\131.

[82] صحيح ـ البخاري (2\974 ) و أبو داود ( 2\93) و أحمد (4\323)، وابن حبان ( 16\211)

[83] ابن كثير : البداية و النهاية 4\175،وابن جرير : تاريخ الطبري 2\122 ، و مختصر سيرة الرسول
__________________
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 01-30-2012, 12:40 AM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,456
افتراضي

و السر في هذه المرونة هنا ، و التشدد في المواقف السابقة:أن المواقف الأولى تتعلق بالتنازل عن العقيدة و المبدأ ، فلم يقبل فيها أي مساومة أو تساهل ، و لم يتنازل قيد أنملة عن دعوته .. أما المواقف الأخيرة فتتعلق بأمور جزئية ، و بسياسات وقتية ، أو بمظاهر شكلية ، فوقف فيها موقف المتساهل[1]..

هكذا يتجلى الهدي النبوي في ضرورة التمسك بالثوابت الإيمانية العقدية ، وضرورة التجديد والاجتهاد في طرائق السياسة وخطط الإصلاح .
ثانيًا: يتمثل الحفاظ على الثابت في رفضه r كل دروب الابتداع فيما يتعلق بالعبادات، والمناسك، و صور التقرب إلى الله تعالى، لأن الأصل في العبادات الحظر والتوقيف ، فلا يُعبد الله إلا بما شرعه و أذن به، لا بما تستحسنه العقول، وتستسيغه الأهواء ، فهذا هو باب الغلو وأصل التحريف و التزييف في الدين .. و لا غرو أن أغلق الرسول r هذا الباب بإحكام و إصرار بمثل قوله :
" من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد "[2].
"... وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة "[3].
و تتمثل المرونة في تشجيع الابتكار والاختراع في أمور الدنيا – المعينة على الدين – مثل أدوات الحرب التي تدخل في قوله تعالى:
]وَأَعِدّواْ لَهُمْ مّا اسْتَطَعْتُمْ مّن قُوّةٍ وَمِن رّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوّ اللّهِ وَعَدُوّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ[ [الأنفال : 60 ] و مثل سائر الصناعات الحربية و المدنية المختلفة ؛ التي تشير إليها الآية الكريمة : ‏]‏ وَأَنزَلْنَاالْحَدِيدَفِيهِ بَأْسٌشَدِيدٌوَمَنَافِعُلِلنَّاسِ َ [ [الحديد: 25] . و لهذا رأيناه r يحفر الخندق حول المدينة في معركة الأحزاب، ويستخدم المنجنيق في معركة الطائف، و يحث على الإنتاج الحربي حتى يجعل صانع السهم كالمجاهد الرامي في استحقاق المثوبة عند الله ، و يحذر الأمة أن تكتفي بالزرع وتتبع أذناب البقر[4]. .
ولعل حديث النبي r الذي يقول فيه :
".. أنتم أعلم بأمر دنياكم "[5].
يفتح الباب في هذا المجال ، للاجتهاد والتجديد .
وبهذا تتجلى صفة المرونة في التشريع والمشرع، كمظهر من مظاهر الرحمة في التشريع.
المبحث الثاني
الوسطية والاعتدال
المطلب الأول: شهادة علماء الغرب:
يقول "ول ديورانت"- عن النبيr :
"أوجد بين المسلمين.. درجة من الاعتدال والبعد عن الشهوات لم يوجد لها نظير في أية بقعة من بقاع العالم"[6].
وهذه الخاصية تعني أن محمداً r في نظرته للأمور وعلاجه للمشكلات يقف موقفا وسطًا لا إفراط فيه ولا تفريط .
" وهذا الاعتدال بدوره يمهد السبيل نحو تقدم الأفراد والمجتمع"[7] على حد قول ماري أوليفر .
فالاعتدال والتوسط في كل شيء – كما يقول "علي يول" – " هما الفكرة الأساسية للإسلام"[8] .
والحق – كما يقول جورج سارتون - أن ما يتميز به الشرع الإسلامي من "البساطة والاعتدال، يسرّ لأي إنسان في أي موطن، أن يتقبله وينفذ إلى روحه وجوهره منذ اللحظة الأولى"[9]!
كما أن الشريعة الإسلامية هي أنجح الشرائع في الجمع بين ما هو روحي وما هو مادي .. والتوازن بينهما ..
ولقد أُعجب بهذا التوازن الباحث الهولندي الدكتور ميليما[10] بين المادة والروح في الإسلام، فقال : ".. لقد أعجبني اهتمام الإسلام بالمادة والروح باعتبارهما قيمتين أساسيتين، فالتطور العقلي والروحي للإنسان مرتبط في الإسلام وفي الفطرة على السواء ارتباطًا وثيقًا لا سبيل إلى فصله بحاجات الجسد"[11].
المطلب الثاني : حثهr على الوسطية وتحذيره من التشدد:
يقولإميل درمنغم : " كان كثير من المسلمين يكثرون من ... الصلاة والصوم، فرأى محمد [r] أن القصد أولى من الإفراط. فأشار بالاعتدال في التقشف وبترك كل ما يميت النفس، وحدث أن بعضهم قادوا أنفسهم إلى الحج بربط أنوفهم بأرسان الجمال فقطع محمد [r] هذه الأرسان؛ لأن الله ليست له حاجة بجدع الأنوف !"[12].
ومثال ذلك قصة الثلاثة الذين سألوا عن عبادة الرسول، r فلما علموا ذلك كأنّهم تقالّوها‍! فقال أحدهم: أمّا أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الآخر: أمّا أنا فأصّلي الليل أبدًا، وقال الآخر: لا أتزوجّ النساء، فقال r : " أأنتم الذين قلتم كذا وكذ ؟؟ أمَا والله إني أخشاكم لله وأتقاكم له، لكنيّ أصوم وأفطر، وأصلّي وأرقد، وأتزوج النّساء، فمن رغب عن سنّتي فليس منِّي"[13]!
و قد جاء رجل إلى النبيr فقال: إنّي لأتأخرّ عن صلاة الصّبح من أجل فلان مما يطيل بنا.. قال أبو مسعود الأنصاري - راوي الحديث -: فما رأيتُ النبي r غضب في موعظة قطّ أشدّ ممّا غضب يومئذ، فقال:
" أيّها الناس !! إن منكم منفّرين ! فأيّكم أمَّ النّاس فليوجز، فإنَّ من ورائه الكبير، والضعيف، وذا الحاجة"[14] .
و عن أنس بن مالك t أن النبي r رأى شيخًا يهادي بين ابنيه، فقال:
"ما بال هذا؟" . قالوا: نذر أن يمشي، قال: " إنَّ الله عن تعذيب هذا لنفسه لغني" . وأمره أن يركب[15] ..
ودخل مرَّة المسجد فإذا حبل ممدود بين ساريتين فقال: ما هذا الحبل؟ فقالوا: حبل لزينب، فإذا فترت تعلَّقت به، فقال، r : " حلّوه، ليصلّ أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد "[16]..
وعن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله، r : " إيَّاكم والغلوّ في الدّين فإنَّما أهلك من كان قبلكم الغلوّ في الدّين "[17] ..
وعن ابن مسعود t قال: قال رسول الله، r : " هلك المتنطّعون !!!" قالها ثلاثًا[18] .
وعن أنس بن مالك t أن رسول الله، r كان يقول: : " لا تُشّددوا على أنفسكم فيشدِّد الله عليكم، فإنَّ قومًا شدَّدوا على أنفسهم فشدَّد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصَّوامع والدّيارات رهبانيَّة ابتدعوها ما كتبناها عليهم "[19] .
المطلب الثالث : وسطية الإسلام في الأحكام:
إن الشرع الإسلامي وسط في أحكامه وأنظمته القانونية والاجتماعية، وبما في ذلك المجالات الأسرية والمدنية والجنائية والدولية .. :
فهو وسط في التحليل والتحريم بين اليهودية التي بالغت في التحريم، وكثرت فيها المُحرَّمات.وبين النصرانية التي أسرفت في الإباحة، حتى أحلت الأشياء المنصوص على تحريمها في التوراة، مع أن الإنجيل يعلن أن المسيح لم يجئ لينقض ناموس التوراة، بل ليكمله[20] . ومع هذا أعلن رجال النصرانية أن كل شيء طاهر للطاهرين[21].فالإسلام قد أحلَّ وحرَّم، ولكنه لم يجعل التحليل ولا التحريم من حق بشر، بل من حق الله وحده، ولم يُحرم إلا الخبيث الضار، كما لم يُحل إلا الطيب النافع، ولهذا كان من أوصاف الرسول عند أهل الكتاب أنه: ]‏ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ[ [الأعراف: 157]
والتشريع الإسلامي وسط في شؤون الأسرة، كما هو وسط في شؤونه كلها، وسط بين الذين شرعوا تعدد الزوجات بغير عدد ولا قيد، وبين الذين رفضوه وأنكروه ولو اقتضته المصلحة وفرضته الضرورة والحاجة.
فقد شرع الإسلام الزواج بشرط القدرة على الإحصان والإنفاق، والثقة بالعدل بين الزوجتين، فإن خاف ألا يعدل، لزمه الاقتصار على واحدة، كما قال تعالى: ]فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَة[ [النساء: الآية 3] .
وهو وسط في الطلاق بين الذين حرَّموا الطلاق، لأي سبب كان، ولو استحالت الحياة الزوجية إلى جحيم لا يطاق، كالكاثوليك.. وبين الذين أَرْخَو العِنان في أمر الطلاق، فلم يقيدوه بقيد، أو شرط، فمن طلب الطلاق من امرأة أو رجل كان أمره بيده، وبذلك سهل هدم الحياة الزوجية بأوهى سبب ..أما الشرع الإسلامي فقد شرع الطلاق، عندما تفشل كل وسائل العلاج الأخرى، ولا يجدي تحكيم ولا إصلاح، ومع هذا فهو أبغض الحلال إلى الله، ويستطيع المُطلِّق مرة ومرة أن يراجع مطلقته ويعيدها إلى حظيرة الزوجية من جديد[22].
والشرع الإسلامي – أيضًا - وسط في نظامه الاجتماعي بين (الإشتراكيين) أو(الماركسيين)، الذين يبالغون في حقوق المجتمع ودوره على حساب حقوق الفرد ونوازعه الذاتية وحريته.وبين (الليبراليين) أو (الرأسماليين) الذين يعطون للفرد الحريات المفرطة من غير ضوابط أو آداب على حساب المجتمع أو الجماعة الإنسانية ..
المبحث الثالث
التيسير
المطلب الأول – شهادة علماء الغرب :
تتحدث الباحثة ماري أوليفر[23] عن مظهر التيسير باعتباره مظهر من مظاهر الرحمة لنبي الإسلام r، فتبين أن الشريعة الإسلامية التي نادى بها محمد r هي تشريعات "بسيطة سهلة يستطيع كل إنسان أن يفهمها بكل يسر. فالإسلام يؤكد في تعاليمه أن على الناس أن يفكروا وأن يستخدموا عقولهم في الأمور الدينية"[24]..
كذلك يبين جورج سارتون أن الشريعة الإسلامية تمتاز بـ" السماحة والبساطة والاعتدال" وهي – على حد قوله " يسرّ لأي إنسان في أي موطن.."[25]..
كما أن الشرع الإسلامي الحنيف كما يقول آتيين دينيه: " يستبين أقرب أنواع العلاج، فلا يحكم فيه حكمًا قاطعًا ولا يأمر به أمرًا باتًّا"[26].
ويبين - آتيين دينيه- أن الشرع الإسلامي لا يتعارض ولا يتصادم مع الطبيعة، لأنه شرع يسير، فهو " يساير قوانينها [ أي الطبيعة ] ويزامل أزمانها، بخلاف ما تفعل الكنيسة من مغالطة الطبيعة ومصادمتها في كثير من شؤون الحياة، مثل ذلك الغرض الذي تفرضه على أبنائها الذين يتخذون الرهبنة، فهم لا يتزوجون وإنما يعيشون غرباء. على أن الإسلام لا يكفيه أن يساير الطبيعة وأن لا يتمرد عليها؛ وإنما هو يُدخل على قوانينها ما يجعلها أكثر قبولاً وأسهل تطبيقًا في إصلاح، ونظام، ورضًا ميسور مشكور، حتى لقد ُسمي القرآن لذلك (بالهدى) لأنه المرشد إلى أقوم مسالك الحياة، والأمثلة العديدة لا تعوزنا، ولكنا نأخذ بأشهرها، وهو التساهل في سبيل تعداد الزوجات"[27] .
المطلب الثاني : نماذج التيسير :
يتحدث القرآن الكريم عن صفات النبي الأمي محمد r المكتوبة صفته في التوراة والإنجيل، ويبين أن من أهم صفات محمدr أنه ييسر على الناس في الأحكام الشرعية، فقال الله تعالى : ] وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ[[28]
فمحمد r " يضع عمن يؤمنون به من بني إسرائيل الأثقال والأغلال التي علم الله أنها ستفرض عليهم بسبب معصيتهم ، فيرفعها عنهم النبي الأمي حين يؤمنون به" [29].
والله تعالى - وهو الرحيم بعباده - لا يكلف نفساً إلا وسعها ، وقد امتن على عباده بهذا التيسير ؛قال تعالى :] يُريد الله بِكُم اليُسْر ولا يُريدُ بِكُم العُسْر[[ البقرة: 185] .
ومن اليسر إعفاء النساء من وجوب صلاة الجمعة والجماعة وإعفاء الصغير، والمجنون، والنائم من سريان الأحكام التكليفية عليهم، والحدود، وبعض حقوق العباد كحق القصاص، وحق حد القذف، فقد اشترط فيها جميعاً البلوغ والعقل، واشترط في حد الزنى أربعة شهود تقليلاً لحالات وجوب الحد، تخفيفاً وتيسيراً، واشترط للرجم لشدته الإحصان تخفيفاً عن غير المحصن، واستثنى الولي الفقير من عدم جواز الأكل من مال اليتيم ؛ تخفيفاً عنه، فقد أذن له أن يأكل ولكن بالمعروف[30]، ونماذج أخرى كثيرة.
ولقد كان النبي rكمشرع يسعى إلى التيسير على الناس في الأحكام ما استطاع إلى ذلك سبيلاً .. والمواقف كثيرة في سنته وسيرته r وقد كان يتفادى ما يكون سبباً لتكاليف جديدة قد تشق على المسلمين، وكان يتجنب أن يفعل شيئاً يكون فيه مشقة وحرج على المسلمين[31]، فهم يتتبعون أفعاله ليتأسوا ..
فمن ذلك أنه r كان يحث أصحابه على ترك الإسئلة الفقهية المعقدة، أو التي لا ينبني عليها عمل، لئلاً تفرض عليهم فرائض بسبب سؤالهم. فقد سأله رجل عن الحج: أفي كل عام هو؟ فقال :"لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم، ذروني ما تركتكم"[32] .

وقال:"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء"[33] .
وقال لبعض أصحابه: "ما بالكم تأتوني قلحاً لا تسوكون؟ لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك كما فرضت عليهم الوضوء"[34].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله r: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء وبالسواك عند كل صلاة "[35].
وقال: " لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ"[36].

وعن قالت عائشة: خرج النبي r من عندي وهو مسرور طيب النفس ثم رجع إلي وهو كئيب، فقال: " إِنِّي دَخَلْتُ الْكَعْبَةَ وَلَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا دَخَلْتُهَا إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ شَقَقْتُ عَلَى أُمَّتِي"[37].
فكونه قد دخل الكعبة، يخشى أن يشق بهذا العمل على المسلمين، فهذا العمل شاق، وغير متاح لكل الناس ..

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ ! فَقَالَ : " اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ" فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: " ارْمِ وَلَا حَرَجَ " ، فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ r عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ:" افْعَلْ وَلَا حَرَجَ !"[38].
المطلب الثالث : حثه على التيسير:
قال النبي r مبَيِّنًا طبيعة هذا الدين: " إنَّ الدّين يسر ولن يشادّ الدّين أحد إلا غلبه، فسدّدوا وقاربوا وأبشروا .."[39]
وقال ابن عباس t : قيل للنبي r: يا رسول الله! أي الأديان أحبّ إلى الله؟ قال: "الحنيفيَّة السَّمحة"[40]..
وقال لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري لمَّا بعثهما إلى اليمن: " يَسِّرا ولا تُعسِّرا وبَشِّرا ولا تُنَفِّرا.."[41]
وعن عروة الفقيميt قال: كنَّا ننتظر النبي، r فخرج يقطر رأسه من وضوء أو غسل فصلّى، فلمّا قضى الصّلاة جعل النَّاس يسألونه: يا رسول الله! أعلينا من حرج في كذا، فقال رسول الله، r "لا أيّها النّاس: إنَّ دين الله- عزّ وجلّ- في يسر، إنَّ دين الله- عزّ وجلّ- في يسر، إنَّ دين الله- عزّ وجلّ- في يسر"[42]
وجاء في وصفه عن عائشة رضي الله عنها قالت: " مَا خُيِّرَ النَّبِيُّ r بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَأْثَمْ فَإِذَا كَانَ الْإِثْمُ كَانَ أَبْعَدَهُمَا مِنْهُ وَاللَّهِ مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ قَطُّ حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ "[43] .
و قال، r " إنَّ خير دينكم أيسره، إنَّ خير دينكم أيسره"[44].
وقال، r: " إنَّ الله تعالى رضي لهذه الأمَّة اليسير وكره لها العسير"[45].
وعن عائشة- رضي الله عنها- أنَّ رسول الله، r قال: " إنَّ الله لم يبعثني معنّتًا ولا متعنِّتًا، ولكن بعثني معلِّمًا ميسِّرًا "[46]
المبحث الرابع
الرخص الشرعية
المطلب الأول : الرخص الشرعية : ماهيتها وشرعيتها :
من مظاهر رحمة نبينا الكريم r في التشريع، ما شرعه r من رخص لأصحاب الأعذار، عند تطبيقهم للأحكام الشرعية ..
والرخصة في اللغة معناها اليسر والسهولة. وفي الشريعة: عبارة عما وسع للمكلف في فعله لعذر، وعجز عنه مع قيام السبب المحرم. أو "مَا أُرْخِصَ فِيهِ مَعَ كَوْنِهِ حَرَامًا"[47]، كتناول الميتة عند الاضطرار، وسقوط أداء صيام رمضان عن المسافر. وهو المعنى الحقيقي للرخصة. ويقابلها العزيمة .
وقد شرع الإسلام الرخص لرفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة لفقدان المصالح الضرورية. ورفع الحرج مقصد من مقاصد الشريعة وأصل من أصولها، فإن الشارع لم يكلف الناس بالتكاليف والواجبات لإعناتهم أو تحصيل المشقة عليهم . وقد دل على ذلك القرآن والسنة وانعقد الإجماع على ذلك. فمن القرآن قوله تعالى: ]ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم[ [ المائدة:6]
وضرب القرآن مثالاً للرخصة في قوله تعالى : ] فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [ [المائدة :3] ..
فمن ذلك الإفطار في السفر أيام رمضان، وقصر الصلاة المفروضة في السفر، فتصلي الصلاة الرباعية بركعتين فقط حال السفر. والمسح على الخفين في الوضوء، والتيمم بالتراب إذا فُقد الماء للوضوء أو إذا كان المسلم مريضاً.. كما في قوله تعالى : ] وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً[‏‏ [النساء : 43]
وفي الرخص الشرعية .. قال النبي r: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته"[48].. وفي رواية : "كما يحب أن تؤتى عزائمه"[49] ..
المطلب الثاني : نماذج الرخص الشرعية :
عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ t قَالَ :
سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r إِلَى مَكَّةَ وَنَحْنُ صِيَامٌ، فَنَزَلْنَا مَنْزلًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r : "إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ" .
فَكَانَتْ رُخْصَةً .. فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، ثُمَّ نَزَلْنَا مَنْزِلًا آخَرَ فَقَالَ: " إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ " .. فَأَفْطِرُوا[50] ..
و عَنْ أَنَسٍ t قَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r فِي سَفَرٍ فَصَامَ بَعْضٌ وَأَفْطَرَ بَعْضٌ، فَتَحَزَّمَ الْمُفْطِرُونَ وَعَمِلُوا، وَضَعُفَ الصُّوَّامُ عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ، فَقَالَ رسول اللهr فِي ذَلِكَ : " ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ"[51]
وعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ t أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هِيَ رُخْصَةٌ مِنْ اللَّهِ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ"[52]
وعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:
قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ r: " يَا عَبْدَ اللَّهِ أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ " فَقُلْتُ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : " فَلَا تَفْعَلْ ! صُمْ وَأَفْطِرْ ، وَقُمْ وَنَمْ ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ" ..
قال عبدالله : فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً.
قَالَ: " فَصُمْ صِيَامَ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام، وَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ " .
قُلْتُ: وَمَا كَانَ صِيَامُ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام.
قَالَ:" نِصْفَ الدَّهْرِ " ..
فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ: بَعْدَ مَا كَبِرَ يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ النَّبِيِّ r[53].
وعَنْ جَابِرٍ قَالَ:
خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ : هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ فَقَالُوا : مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ . فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ. فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ r، أُخْبِرَ بِذَلِكَ، فَقَالَ : " قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللَّهُ !! أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ . إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ - أَوْ يَعْصِبَ - عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ"[54].
ولقد أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارًا فَعَذَّبُوهُ حَتَّى يقول كلمة الكفر، وقَارَبَهُمْ فِي بَعْض مَا أَرَادُوا، فَشَكَى ذَلِكَ إِلَى النَّبِيّ r، وقال له : ما تُركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير[55] .. وبكى. فَجَعَلَ – صلوات ربي وسلامه عليه - يَمْسَح الدُّمُوع عَنْهُ[56]، وقال له: كَيْف تَجِد قَلْبك ؟ قَالَ : مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ ، قَالَ:" فَإِنْ عَادُوا فَعُدْ "[57].
وفيه نزل َقَوْل اللَّه تَعَالَى:]مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [58][‏‏
المبحث الخامس
التدرج في التشريع
المطلب الأول : التدرج في التشريع: مفهومه والحكمة منه :
أولاً: مفهومه :
من مظاهر رحمته نبينا محمد rأنه كان لا يحمل الناس على الأحكام جملة واحدة، إنما كان مبدؤه التدرج، فهو القائل "يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا"[59] .
ومن ملامح الرحمة في شريعة الإسلام التدرج في التشريع، وقد قُررت في كثير من الأحكام وخاصة في المحرمات كالخمر والربا وذلك تهيئة للنفوس وضمانا للاستجابة لأحكامها . رحمة من المشرع .
وقد كان التدرج في التشريع مسلكًا من مسالك علاج المجتمع وإصلاحه.
أما التدرج في الكشف عن حقيقة حكمٍ ما؛ فإنه يبدأ تلويحًا يفهمه الأذكياء، ثم تزداد الإبانة بما يكاد يوحي بالحكم، ثم يجيء الحكم حاسمًا بالمعنى المراد، وقد تم تحريم الربا والخمر بهذا الأسلوب المتأني، وليس في القرآن نص بإباحة الخمر أو الربا !.
ثانيًا: الحكمة منه :
والحكمة من التدرج هو ترويض النفوس على تقبل أحكام الله .. والتمهل في استئصال العادات القبيحة المتأصلة في النفوس لا سيما العادات المتوارثة عبر قرون طويلة . وتخفيفًا على الناس، تماشيًا مع فطرة الإنسان التي يتطلب التعامل معها التزام التدرج لتغييرها وحسن الارتقاء بها، كما أن التدرج يتلاءم مع منهج التغيير بشكل عام، إذ لا يمكن تغيير أوضاع المجتمعات لتتفق مع الشريعة إلا بأسلوب التدرج .
المطلب الثاني : نماذج للتدرج في التشريع :
أولاً: تحريم الخمور:
كانت الخمور متعمقة في المجتمع قبل بعثة النبي عربيًا كان أو عالميًا . وفي البيئة العربية صار شربالخمر جزءًا من السلوك الإجتماعي الذي يفاخر به ويتغنى به الشعراء، فلم يكن من الحكمة تحريم الخمر مرة واحدة إنما الأنفع والأصلح هو التدرج في التحريم ، ومن ثم حرمت الخمر على أربع مراحل[60]:
المرحلة الأولى: هي قوله تعالى:]‏ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا][النحل: 67[‏‏ففرقت الآية بين السكر والرزق الحسن أي أن السكر ليس من الرزق الحسن.
المرحلة الثانية: قوله تعالى:]يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا[ [البقرة: الآية: 219] تمهيدًا للتحريم !
المرحلة الثالثة: قوله تعالى: ]يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ[[ النساء: 43] .ومن ثم كان على المسلم أن يحذر أن يأتيه وقت الصلاة وهو سكران.
المرحلة الرابعة: هي المرحلة الحاسمة:]يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[ [المائدة: 90] . ويمضي القرآن موضحا علة التحريم: ]إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ[ [المائدة: 91] .
ثانيًا: تحريم الربا:
كان الربا بأنواعه وأشكاله المختلفة عصب الاقتصاد في المجتمع العربي والرومي والفارسي آنذاك، وكانت النقلة الفجائية للتحريم ربما أحدثت خلخلة أدت إلى الانهيار الاجتماعي والاقتصادي ومن ثم كانت الحكمة في أن يتدرج القرآن في تحريمه على مرحلتين:
الأولى: قوله تعالى: ]يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً[ [آل عمران: 130]
الثانية: قوله تعالى:]يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ[ [البقرة: 278] .

























الفصل الخامس
رحمته للعالمين في ميدان الصراعات السياسية والعسكرية
المبحث الأول : الحوار لا الصدام
المبحث الثاني : حرصه على نشر السلام
المبحث الثالث :رحمته للخصوم والأعداء
المبحث الرابع : رحمته للأسرى
المبحث الخامس : رحمته لقتلى العدو
المبحث السادس : رحمته لأهل الذمة
المبحث السابع: قيم حضارية في غزوة بدر الكبرى [ نموذجًا]



















المبحث الأول
الحوار لا الصدام
المطلب الأول : الحوار مظهر من مظاهر الرحمة :
إن تقديم لغة الحوار[61] على أسلوب الصدام، حقنًا للدماء وتغليب العقل على العنف، يعد من مظاهر الرحمة في شخصية النبيr، الذي ضرب المثل الأعلى في ميدان الحوار والتفاوض، كما ضرب المثل الأعلى في القتال والزود عن حياض الدين والوطن.
إنّ الإسلام هو دين الحوار والاعتراف بالآخر، وهو شريعة تطوير القواسم المشتركة بين الإنسان وأخيه الإنسان، وإيجاد السّبل الكفيلة بتحقيق ذلك بما يساعد على العيش بسلام وأمن وطمأنينة، ويحفظ الإنسان من أن يحيا حياة الإبعاد والإقصاء ونكران الآخر. لهذا أمر الإسلام بالحوار والدّعوة بالتي هي أحسن، وسلوك الأساليب الحسنة ، والطّرق السليمة في مخاطبة الآخر. قال تعالى: ‏]‏ادْعُ إِلِىَ سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنّ رَبّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ[‏‏[62] .
علىهذه الأسس يرسي القرآن الكريم قواعد الحوار في الإسلام على أساس الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن ، إنه منهج حضاري متكامل في ترسيخ مبادئ الحوار بين الشعوب والأمم . " ومن الملاحظ على التعبير القرآني المعجز في الآية : أنه اكتفى في الموعظة بأن تكون(حسنة)، ولكنه لم يكتف في الجدال إلا أن يكون بالتيهي( أحسن). لأن الموعظة ـ غالباً ـ تكون مع الموافقين، أما الجدال فيكون ـ عادة ـ مع المخالفين؛ لهذا وجب أن يكون بالتي هي أحسن . على معنى أنه لو كانت هناك للجدال والحوار طريقتان: طريقة حسنة وجيدة ، وطريقة أحسن منها وأجود، كان المسلم الداعية مأموراً أن يحاور مخالفيه بالطريقة التي هي أحسن وأجود "[63].
ولذلك قال الله تعالى أيضا : ‏]‏وَلاَ تُجَادِلُوَاْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاّ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاّ الّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ وَقُولُوَاْ آمَنّا بِالّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـَهُنَا وَإِلَـَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] [العنكبوت: 46]فالحوار ممكن لأنّ هناك قواسم مشتركة ، وهناك مجال للتّفاهم والتّقارب ، وهي الإيمان بما أُنزل على المسلمين وغيرهم ، فالمصدر واحد وهو الله . فليتعارفوا وليعرفوا بعضهم ، ومن ثم فليتقاربوا وليتعاونوا على ما هو صالح لهم جميعا. فالقرآن يعطينا أسلوب بدء اللّقاء والحوار ، وكيف نستغلّ نقط التّلاقي بين المتحاورين .فيبيّن الأصول التي يمكن الاتّفاق عليها ويركّز على ذلك فيقول : ‏]‏قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىَ كَلَمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ ] [عمران:64 ] ويبيّن الإسلام نوع العلاقة التي يجب أن تسود المسلمين وغيرهم .. إنّها علاقة التّعاون والإحسان والبرّ والعدل . فهذا هو الحوار الحضاري والعلاقة السامية ، قال تعالى: ‏]‏لاّ يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرّوهُمْ وَتُقْسِطُوَاْ إِلَيْهِمْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ[‏[ الممتحنة: 8]
" وتلكالقاعدة في معاملة غير المسلمين هي أعدل القواعد التي تتفق مع طبيعة هذاالدينووجهته ونظرته إلى الحياة الإنسانية، بل نظرته الكلية لهذا الوجود"[64].
ومن ثم يتبين للباحث مدى الرحمة الواسعةالتي منحها الإسلام ورسول الإسلام، للبشر المخالفين للإسلام، فقرر أن الشرع أن التعامل يكون بالحوار، والدعوة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، ويخص الإسلام أهل الكتاب بهذا الفضل، فهم أهل كتاب، وأخوة في الإنسانية، فالإسلام لا ينهانا أن نبر ونحسن إلى اليهود والنصارى ما داموا لم يقاتلون المسلمين في الدين ولم يخرجوا المسلمين من ديارهم، ونداء المسلم دائمًا لأهل الكتاب أن "تَعَالَوْاْ إِلَىَ كَلَمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ" .

المطلب الثاني : الإسلام يرفض المركزية الحضارية :
ونعتقد مع ذلك أن الإسلام كدين وحضارة عندما يدعو إلى الحوار مع الآخر.. ينكر (المركزية الحضارية) التي تريد العالم حضارة واحدة مهيمنة ومتحكمة في الأنماط والتكتلات الحضارية الأخرى، فالإسلام يريد العالم (منتدى حضارات) متعدد الأطراف، يريد الإسلامُ لهذه الحضارات المتعددة أن تتفاعل وتتساند؛ في كل ما هو مشترك إنساني عام . وإذا كان الإسلام ديناً عالمياً وخاتم الأديان، فإنه في روح دعوته وجوهر رسالته لا يرمي إلى (المركزية الدينية) التي تجبر العالم على التمسك بدين واحد.. إنه ينكر هذا القسر عندما يرى في تعددية الشرائع الدينية سنة من سنن الله تعالى في الكون، قال تعالى: ‏]‏لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمّةً وَاحِدَةً وَلَـَكِن لّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَىَ الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ[‏‏ [المائدة:48] .وقال أيضاً: ‏]‏وَلَوْ شَآءَ رَبّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ] [هود: الآية 118 [‏‏[65] .
إن دعوة النبي r إلى الحوار مع باقي الدول والحضارات تنبع من رؤيته في التعامل مع غير المسلمين الذين يؤمنون برسالتهم السماوية، فعقيدة المسلم لا تكتمل إلا إذا آمن بالرسل جميعاً: قال تعالى:
" آمَنَ الرّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رّبّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ" [ البقرة : الآية 285]
لقد حمل نبي الرحمةr وأتباعه قيم الإسلام العليا ومثله السامية وأخذوا في نشرها في كل أرجاء الدنيا، دون إجبار الناس عليها، وبدأت عملية التفاعل بين الحضارة الإسلامية والحضارات الأوربية والمصرية والفارسية والهندية. فلم يلغ الإسلام الحضارة المصرية إنما جودها، ولم يلغ الإسلام حضارة الهند إنما هذبها ، ونقى الحضارات من خبيث العقائد والأفكار، وجلى الطيب النافع من الموروثات والثقافات القديمة .
ومع مرور الزمن وانصرام القرون نتجت حضارة إسلامية جديدة أسهمت في إنضاجها مكونات حضارات الشعوب والأمم التي دخلت في الإسلام، فاغتنت الحضارة الإسلامية بكل ذلك عن طريق الحوار والتفاعل، وكانت هي بدورها فيما بعد عندما استيقظت أوروبا من سباتها وأخذت تستعد للنهوض مكوناً حضارياً ذا بال أمدّ الحضارة الأوروبية الغربية بما تزخر به من علوم وقيم وعطاء حضاري متنوع[66].
الشيء نفسه يمكن قوله عن الحضارة الغربية التي لم تظهر فجأة، بل تكونت خلال قرون كثيرة حتى بلغت أوجها في عصرنا الحاضر وذلك نتيجة التفاعل الحضاري مع حضارات أخرى هيلينية ورومانية وغيرها، وبفعل التراكم التاريخي وعمليات متفاعلة من التأثر والتأثير خلال التاريخ الإنساني الحديث. إن أكبر دليل على أن الحضارة الإسلامية لم تسع في أي وقت من الأوقات إلى التصادم مع الحضارة الغربية، هو أن العرب والمسلمين لم يضعوا في أي زمن من الأزمان صوب أهدافهم القضاء على خصوصيات الحضارة الغربية وهويتها الحضارية[67] .
المطلب الثالث : نماذج عملية من سيرة النبيr :
إليك هذه النماذج الطيبة من سيرة النبي ، والتي تبين كيف كان النبي يحاور الحضارات والأمم الأخرى، يدعوها إلى كلمة سواء .
فبعدما عقد النبي rهدنة بينه وبين مشركي مكة الذين حاربوه على مدار ثمانية عشر عاماً ـ أو أكثر ـ، استغل النبي rهذه الهدنة في مراسلة زعماء وأمراء وملوك العالم ..للحوار والتواصل والتعريف بدعوة الإسلام.. مركزاً في خطاباته على قيم السلام وحرية الاعتقاد، نرى ذلك جلياً في محتوى هذه الرسائل ..
هذا، ولنتأمل أحد هذه النماذج المشرقة، ولتكن رسالة النبيrإلى الملك المقوقس .. فكتــب النبــي r إلى جُرَيْج بـن مَتَّي الملقب بالمُقَوْقِس ملك مصر والإسكندرية، رسالة نصها‏:‏
"بسم الله الرحمن الرحيم .. من محمد عبد الله ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط.. سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم أهل القبــط، ‏]‏يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ[‏‏"[68].
واختار لحمل هذا الخطاب الصحابي المتحدث حاطب بن أبي بَلْتَعَة‏ t. ‏
وجدير بنا أن نذكر كلام حاطب t للمقوقس حتى يعرف الغرب أن هذه البعوث كانت تعرف هدفها جيداً كما أنها بلغت حداً من الفقه والحصافة يستحق الإعجاب البالغ.
قال حاطب: إن هذا النبي دعا الناس، فكان أشدهم عليه قريش، وأعداهم له اليهود، وأقربهم منه النصارى، ولعمري ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل ..وكل نبي أدرك قوماً فهم أمته، فحق عليهم أن يطيعوه، وأنت ممن أدرك هذا النبي، ولسنا ننهاك عن دين المسيح ولكننا نأمرك به!
فقال المقوقس‏:‏ إني قد نظرت في أمر هذا النبي، فوجدته لا يأمر بمزهود فيه‏.‏ ولا ينهي عن مرغوب فيه، ولم أجده بالساحر الضال، ولا الكاهن الكاذب، ووجدت معه آية النبوة بإخراج الخبء والإخبار بالنجوي، وسأنظر‏.‏
وأخذ كتاب النبي r، فجعله في حُقِّ من عاج، وختم عليه، ودفعه إلى جارية له، ثم دعا كاتباً له يكتب بالعربية، فكتب إلى النبيr‏:‏
‏"‏بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك، أما بعد ‏:‏ فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبياً بقي، وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين، لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوة، وأهديت بغلة لتركبها، والسلام عليك"[69].
ولم يزد على هذا ولم يسلم، فتزوج رسول الله rمارية، فأنجبت له طفل ـ سماه إبراهيم، تقديراً وتشريفاً لأبي الأنبياء ـ عليه السلام ـ ، أما سيرين، فقد تزوجها الشاعر حسان بن ثابت t.
"تلك مُثلٌ لرسائله إلى رجالات النصرانية ومواقفهم منها. وقد ساق النبي كذلك مبعوثيه إلى رؤساء المجوسية يدعونهم إلى الله، ويحدثونهم عن الدين الذي لو تبعوه نقلهم من الغي إلى الرشاد.. وقد تفاوتت ردودهم، بين العنف واللطف والإيمان والكفر"[70]..
و النبي r بذلك أول من نادى بالحوار بين الحضارات والدول، في سبيل نشر قيم سامية .. ومارس هذا الحوار كما رأيت بمستوى عال من الأدب وحسن الخلق واحترام الرأي الآخر.
ولقد أرسل الرسول r الكثير من الرسل والسفراء – يدعوهم إلى الإسلام - ولتحقيق مثل هذا الحوار بينه وبين الأمم والحضارات الأخرى وملوك وزعماء العالم :
(1) فبعث الصحابي الفاضل دحية بن خليفة الكلبي – وكان أنيقًا وسيمًا -، إلى قيصر ملك الرومان، واسمه هرقل.
(2) وبعث الصحابي المناضل عبد الله بن حذافة السهمي – وكان راسخ الفكر والإيمان متحدثًا بليغًا - إلى كسرى ابرويز بن هرمز، ملك الفرس.
(3) وبعث الصحابي الجليل عمرو بن أمية الضمري – وكان لبقًا ذكيًا-، إلى النجاشي ملك الحبشة، ثم بعثه النبيr مرة أخرى إلى مُسَيْلِمَةَ الْكَذّابِ مدعي النبوة المشهور ، برسالة، وَكَتَبَ إلَيْهِ بِكِتَابٍ آخَرَ مَعَ السّائِبِ بْنِ الْعَوّامِ أَخِي الزّبَيْرِ فَلَمْ يُسْلِمْ .
(4) وبعث - فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ - الصحابي القائد عمرو بن العاص – داهية العرب -؛ إلى جَيْفَرٍ وَعَبْدِ اللّهِ ابْنَيْ الجُلَنْدَى الْأَزْدِيّيْنِ ، ملكي عمان.
(5) وبعث الصحابي الجليل سليط بن عمرو إلى هوذة ابن علي، الملك على اليمامة، وإلى ثمامة بن أثال، الحنفيين.
(6) وبعث الصحابي الجليل الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيّ إلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى الْعَبْدِيّ مَلِكِ الْبَحْرَيْنِ.
(7) وبعث الصحابي الجليل شجاع بن وهب الأسدي، من أسد خزيمة، إلى الحارث ابن أبي شمر الغساني، وابن عمه جبلة بن الأيهم، ملكي البلقاء من عمال دمشق للرومان.
(8) وبعث الصحابي الجليل الْمُهَاجِرَ بْنَ أَبِي أُمَيّةَ الْمَخْزُومِيّ إلَى الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ الْحِمْيَرِيّ أحد زعماء اليمن، وقال : سأنظر .
(9) وبعث العلامة الفقيه معاذ بن جبل إلى جملة اليمن، داعياً إلى الإسلام، فأسلم جميع ملوكهم، كذى الكلاع وذي ظليم وذي زرود وذي مران وغيرهم.
(10) وَبَعَثَ الصحابي الجليل جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ الْبَجَلِيّ، إلَى ذِي الْكَلاعِ الْحِمْيَرِيّ وَذِي عَمْرٍو يَدْعُوهُمَا إلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَا وَتُوُفّيَ رَسُولُ اللّهِ rوَجَرِيرٌ عِنْدَهُمْ.
(11) وَبَعَثَ الصحابي الجليل عَيّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيّ برسالة إلَى الْحَارِثِ وَمَسْرُوحٍ وَنُعَيْمٍ بَنِي عَبْدِ كُلَالٍ زعماء من حِمْيَرَ .
(12) وَبَعَثَ إلَى فَرْوَةَ بْنِ عَمْرٍو الْجُذَامِيّ يَدْعُوهُ إلَى الْإِسْلَامِ .وكَانَ فَرْوَةُ عَامِلًا لِقَيْصَرَ بِمَعَانَ فَأَسْلَمَ وَكَتَبَ إلَى النّبِيّ r بِإِسْلَامِهِ وَبَعَثَ إلَيْهِ هَدِيّةً مَعَ مَسْعُودِ بْنِ سَعْدٍ وَهِيَ بَغْلَةٌ شَهْبَاءُ وَفَرَسٌ وَحِمَارٌ وَبَعَثَ أَثْوَابًا وَقَبَاءً مِنْ سُنْدُسٍ مُخَوّصٍ بِالذّهَبِ فَقَبِلَ r هَدِيّتَهُ وَوَهَبَ لِمَسْعُودِ بْنِ سَعْدٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيّةً وَنِشًا[71] .
وأسلم سائر الملوك والأمراء الذين ذكرنا ، وأسلم قومهم، حاشا قيصر والمقومقس وهذوة وكسرى والحارث بن أبي شمر .. وتأخر إسلام ثمامة بن أثال، ثم أسلم مختاراً بعد ذلك.
وهكذا، أحدث الرسول r هذا الحوار البناء بين أمة الإسلام والأمم الأخرى في شتى بقاع العالم .. وتواصل مع قيادات ورموز العالم آن ذاك.. فمنهم من تجاوب وتناقش، ومنهم من تعامل مع رسل النبي بوقاحة، كما فعل كسرى ..
وهذا مظهر فريد من مظاهر الرحمة في شخصية النبي r، فقد قدم الحوار على الصدام في تعامله مع الأمم الأخرى لاسيما المخالفة للإسلام، وراسل النبي r زعماء وأمراء وملوك العالم؛ برسائل على مستوى عال من التحضر والذوق الرفيع، لتعريفهم بدعوة الإسلام وغايته. فحقن الدماء وأعلى من شأن الحوار والتبادل العلمي والثقافي ، حتى استفادت أوربا من الحضارة الإسلامية في بناء النهضة العلمية الأوربية الحديثة.

المبحث الثاني
حرصه على نشر السلام
لمحمدr الفضل الأعظم في نشر السلام في ربوع الجزيرة العربية، التي عاشت عدة قرون في حروب طاحنة ومعارك على أتفه الأسباب، وكثرت حروب "الفجار" التي انتهك أصحابها حرمة البلد الحرام.
وفي هذا المبحث نبين من خلال شهادات علماء الغرب والمواقف والأحداث؛ هذا المظهر من مظاهر الرحمة في شخصية محمد r:
المطلب الأول : محمدr رجل السلام[72]:
يقول المفكر هنري ماسيه :
" إذا بحثنا عن محمد [r]إجمالياً نجده ذا مزاج عصبي[73]، و فكر، دائم التفكير، ونفس باطنها حزن ، وأما مداركه فهي تمثل شخصاً يعتقد بإله واحد ، وبوجود حياة أخرى ، ويتصف بالرحمة الخالصة ، والحزم في الرأي والاعتقاد ، ويضاف إليه أنه رجل حكومة ، وأحياناً رجل سياسة وحرب ، ولكنه لم يكن ثائراً بل كان مسالماً "[74] .
ووصف جورج بروك[75] الإسلام بأنه : " دين السلام والمحبة بين البشر "[76].
وقال عنه المفكر الأيرلندي برناردشو: " إنه دين التعاون والسلام والعدالة في ظل شريعة محكمة لم تدع أمراً من أمور الدنيا إلا رسمته ووزنته بميزان لا يخطئ أبداً"[77] .
إن إقرار السلام في منطة الجزيرة العربية الذي حققه محمد r يعد بحق مظهراً مهماً من مظاهر الرحمة، فقد شهدت الجزيرة العربية في عهد محمد r عدة معاهدات سلمية، مما يبين فضل رسول الله r في نشر ثقافة السلام بين العرب بعد قرون طويلة من الجاهلية والحروب الأهلية، وفضله في حقن الدماء وحفظ الأعراض والمقدسات، التي كانت منتهكة في عصور الجاهلية .. ولم تحدث أي حروب أهلية – في الجزيرة العربية - بعد ظهور محمد r وتسلمه زمام قيادة العرب .
المطلب الثاني : نموذج في حادث بناء الكعبة :
لما بلغ محمد r من عمره الخامسة والثلاثين – أي قبل بعثتة بخمس سنين -، تعرضت الكعبة للهدم ، بسبب سيل عرم انحدر إلى البيت الحرام، فأوشكت الكعبة منه على الانهيار، فاضطرت قريش إلى تجديد بنائها حرصًا على مكانتها، فعمدت قريش إلى بنائها، فلما تنازع القرشيون فيما بينهم من الذي يضع الحجر الأسود في مكانه ، واختلفوا فيمن يمتاز بشرف وضعه في مكانه، واستمر النزاع أربع ليال أو خمسًا، واشتد حتى كاد يتحول إلى حرب ضروس في أرض الحرم، إلا أن أبا أمية بن المغيرة المخزومى عرض عليهم أن يحكَّموا فيما شجر بينهم أول داخل عليهم من باب المسجد[78]، فارتضوه، وشاء الله أن يكون ذلك محمد r ، فلما رأوه قالوا‏:‏ هذا الأمين[79]، قد رضينا به هذا محمد[80]، فلما انتهى إليهم، وأخبروه الخبر طلب رداء فوضع الحجر وسطه وطلب من رؤساء القبائل المتنازعين أن يمسكوا جميعًا بأطراف الرداء، وأمرهم أن يرفعوه، حتى إذا أوصلوه إلى موضعه أخذه بيده فوضعه في مكانه[81]..
وهذا حل حكيم من رجل حكيم تراضت قريش بحكمه.

ولقد راح المفكرون والعلماء، يعلقون على هذا الحادث بتعليقات مليئة بالتقدير والإعجاب لهذه الشعلة العبقرية التي تحاول في حرص شديد دائم على تحقيق الأمن والسلم بين الناس ، وعن نجاح محمد r من تفهم الموقف بسرعة عظيمة، والتوسل بهذه الحيلة البريئة وإرضاء زعماء قريش جميعاً..
فقد استرعت هذه الحادثة انتباه الباحث الألماني أغسطينوس موللر ( 1148- 1894)، فتوقف عندها ملياً ، في كتابه "الإسلام "، وتعرض لسياسة النبي r في هذا المقام وأنه "أدهش قريشاً بسياسته الرشيدة "[82].
كما توقف الأب هنري لامنس عند هذه الحادثة فقال :
" لما اختلفت قريش في قضية بناء الكعبة ، وأي فخذ منها يجب أن يعهد إليه بوضع الحجر الأسود في مكانه ، وكادوا يقتتلون ، فاتفقوا على أن يعهدوا بذلك إلى محمد بن عبد الله الهاشمي[r]، قائلين : هذا هو الأمين ! "[83] .
ولقد ربط المستشرق "أرثر جيلمان" بين هذه الحادثة التي منعت اقتتال القبائل العربية، وبين المرحلة التالية لبدء البعثة والوحي ، والتي تشكل مقدمة الدعوة الإسلامية، بقوله :
" لا بد أن يكون محمد [r]قد تأثر بإعجاب القوم وتقديرهم العظيم بهذه الفكرة التي بسطت السلام بين مختلف القبائل ، ولايستبعد أن يكون محمد[r] قد أخذ يحس بنفسه أنه من طينة أرقى من معاصريه ، وأنه يفوقهم جميعاً ذكاءً وعبقرية ، وأن الله قد اختاره لأمر عظيم .. !"[84] .



المطلب الثالث : نماذج المعاهدات مع القبائل المجاورة للمدينة :
فلقد عقد النبي – صلى الله عليه وسلم – في العام الثاني من الهجرة- المعاهدات مع القبائل المجاورة للمدينة لا سيما تلك القبائل التي كانت على الطريق التجاري المؤدي إلى الشام، وذلك من أجل أربعة أهداف :
الهدف الأول : تحييد هذه القبائل في قضية الصراع بين المسلمين والمشركين، وألا يكونوا يدًا مع المشركين على المسلمين .
الهدف الثاني : تأمين الحدود الخارجية للدولة .
الهدف الثالث : اعتراف هذه القبائل بدولة المسلمين
الهدف الرابع : تهيئة هذه القبائل لقبول الإسلام، والدخول فيه .
نماذج لهذه المعاهدات :
أولاً : مُوَادَعَةُ بَنِي ضَمْرَةَ
وَهُمْ بَطْنٌ مِنْ كِنَانَةَ وَكَانَ نص وثيقة الْمُوَادَعَةِ على النحو التالي :
"بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ . هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمّدٍ رَسُولِ اللّهِ لِبَنِي ضَمْرَةَ ، فَإِنّهُمْ آمِنُونَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأَنّ لَهُمْ النّصْرَ عَلَى مَنْ رَامَهُمْ -إلا أَنْ يُحَارِبُوا فِي دِينِ اللّهِ - مَا بَلّ بَحْرٌ صُوفَةً[85] وَإِنّ النّبِيّ إذَا دَعَاهُمْ لِنَصْرِهِ أَجَابُوهُ، عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ ذِمّةُ اللّهِ وَذِمّةُ رَسُولِهِ، وَلَهُمْ النّصْرُ عَلَى مَنْ بَرّ مِنْهُمْ وَاتّقَى ."[86] . وكانت هذه المعاهدة عقب أول غزوة للنبي وهي الأبواء أو ودان (في صفر 2هـ - أغسطس 623 هـ )
كما عقد النبي معاهدة مع بَنِي مُدْلِجٍ[87] في ( جمادي الأولى 2هـ- نوفمبر 623 م) ، وكانت على نفس النحو من وثيقة بني ضمرة .
ثانيًا : مُوَادَعَةُ جهينة :
وهذه القبيلة تسكن منطقة العيص على ساحل البحر الأحمر، وكان نص هذه المعاهدة:
"إنهم آمنون على أنفسهم وأموالهم، وإن لهم النصر على من ظلمهم أو حاربهم إلا في الدين والأهل، ولأهل باديتهم من بر منهم واتقى ما لحاضرتهم"[88].
وقد دلت هذه الوثائق على مقتضيات أخلاقية سامية، فنرى فيها الرسول القائد السمح – صلى الله عليه وسلم - يوادع هذه القبائل على النصرة المتبادلة في المعروف، ويضمن لهم النبي الأمن والأمان على الأموال والأنفس، ويظهر لهم النبي أخلاق الإحسان والصلة ..

المطلب الرابع: نموذج في معركة الأحزاب :
ومن المواقف التي تدل على حرص محمد r على السلام، ما حدث في معركة الأحزاب (في شوال 5 هـ\ مارس627م) ، حيث حاصر المشركون المدينة المنورة، فلما اشتد على المسلمين الحصار و البلاء بعث رسول الله r، إلى عيينة بن حصن والحارث بن عوف المرى، وهما قائدا غطفان ـ في جيش الأحزاب ـ وعرض عليهما النبي r ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فأحضر النبي r الصحيفة والدواة، وأحضر عثمان بن عفان فأعطاه الصحيفة، وهو يريد أن يكتب الصلح بينهما، وعباد بن بشر قائم على رأس النبي r، مقنع في الحديد.. ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة.فلما أراد رسول الله r أن يفعل ذلك بعث إلى سعد بن عبادة وسعد بن معاذ فذكر لهما ذلك، واستشارهما فيه[89].
فرفضا هذه الفكرة..
ونزل النبي r على رأي الجماعة، فلم يتم هذا الصلح!
ولكن الشهاد في هذا الموقف، هو حرص النبي الدائم في تجنب الحل العسكري، قدر الإمكان.. وميله الدائم نحو الحل السلمي .
المطلب الخامس : نموذج معاهدة الحديبية:
لأول مرة تشهد الجزيرة العربية تلك المعاهدة المحمدية التي نادى بها النبي r وأبرمها في ذي القعدة سنة ست من الهجرة (مارس628 م) ، وهي معاهدة صلح الحديبية.
رغم ما كان من بنود مجحفة بالمسلمين في هذا الصلح ..
وإن المتأمل لأحداث صلح الحديبية يتبين له إصرار النبي r على تحقيق السلام، وأنه r كان دائماً يجنح للسلم إن هيئت له أسباب إقامة السلام في أي وقت..
فعندما قصد رسول r العمرة مع أصحابه، في العام السادس من الهجرة، أبت قريش أن تسمح للنبي وأصحابه بإداء عبادة العمرة، وهذا الفعل من القريشيين يعد جريمة كبرى في عرف العرب، إذ كيف يُصد عن البيت الحرام من جاء معظماً له !!
وعرفت قريش ضيق الموقف، فأسرعت إلى بعث سُهَيْل بن عمرو – متحدثًا رسميًا لها - للتفاوض مع النبي r حول عقد الصلح، وأكدت له أن يكون في شروط الصلح : أن يرجع عن مكة عامه هذا دون عمرة، ففي ذلك – كما يرى القرشيون - جرح لمشاعر المشركين بعدما انتصر عليهم المسلمون في معركة بدر انتصارًا ساحقًا ، وحتى لا تتحدث العرب أن محمدًا r دخل مكة وأدى العمرة رغمًا عن المشركين -.
فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآه r قال‏:‏ ‏"‏قد سهل لكم أمركم، أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل"‏[90]، فجاء سهيل فتكلم طويلاً، ثم اتفقا على قواعد الصلح، وهي هذه‏[91] :‏
البند الأول ‏:‏ الرسول rيرجع من عامه هذا، فلا يدخل مكة، وإذا كان العام القابل دخلها المسلمون فأقاموا بها ثلاثاً، معهم سلاح الراكب، السيوف في القُرُب، ولا يتعرض لهم بأي نوع من أنواع التعرض‏.‏
البند الثاني : وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض‏.‏
البند الثالث : ‏ من أحب أن يدخل في عقد محمد r وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، وتعتبر القبيلة التي تنضم إلى أي الفريقين جزءاً من ذلك الفريق، فأي عدوان تتعرض له أي من هذه القبائل يعتبر عدواناً على ذلك الفريق‏.‏
البند الرابع: من أتي محمداً r من قريش من غير إذن وليه ـ أي هارباً منهم ـ رده عليهم، ومن جاء قريشاً ممن مع محمدr ـ أي هارباً منه ـ لم يرد عليه!ّ‏
ثم ُدعي علي بن أبي طالب ليكتب مسودة المعاهدة، وكره سهيل بن عمرو ـ مبعوث القريشيين ـ أن يكتب في صدر الوثيقة " محمد رسول الله " وأبى عليّ بن أبي طالب، وهو كاتب الوثيقة ، أن يمحو بيده " رسول الله " ، فمحا النبي- صلى الله عليه وسلم -هذه الصفة بيده الكريمة، وأمر الكاتب أن يكتب " محمد بن عبد الله "[92] .وهذا الموقف يدل على سماحته في التفاوض.. ثم تمت كتابة الوثيقة ، ولما تم الصلح دخلت قبيلة خزاعة في عهد رسول الله وكانوا حليف بني هاشم منذ عهد عبد المطلب، ، فكان دخولهم في هذا العهد تأكيداً لذلك الحلف القديم ـ ودخلت قبيلة بنو بكر في عهد قريش[93] .
المطلب السادس: نموذج الصلح مع أهل خيبر :
لما استسلم يهود خيبر ( في المحرم 7 هـ / مايو 628)، في نهاية معركة رسول الله معهم صالحهم صلى الله عليه وسلم - ، وأعطاهم الأرض ، يَعْمَلُوا فيها وَيَزْرَعُوهَا، وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا[94] .
وفي هذه المصالحة - بهذا الشكل - رحمة وعفو كبيرين بأهل خيبر ..
فهم في الحقيقة يستحقون الإعدام ! فهم قد خانوا النبي r وغدروا وتحالفوا مع مشركي قريش سرًا، وأصبحت قيادات خيبر والفصائل اليهودية الأخرى عملاء وجواسيس لمشركي مكة وغطفان ..كل هذا إلى جانب أنهم السبب الرئيسي في تحزيب جيوش الأحزب، من كل حدب وصوب..

ولما أقدمت امرأة منهم على محاولة اغتيال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حيث أهدت لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ[95].. وتُوفي اثر هذه المحاولة الفاشلة أحد الصحابة .. لم ينقلب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على أهل خيبر ولم يعمل فيهم القتل – كما يفعل بعض الزعماء في مثل هذه المواقف – إنما أثبت الصلح وأقر العهد .



المبحث الثالث
رحمته للخصوم والأعداء
المطلب الأول : لماذا القتال ؟
هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة [في يوليه 622م ][96] فرارًا بدينهم ولبناء مجتمع إسلامي جديد آمن، ولتكون المدينة مقرًا للدعوة الإسلامية تنطلق منها البعوث والرسل إلى شتى بقاع الأرض تبلغ رسالات الله إلى العالم ..
وبالفعل نجح المسلمون في تأسيس أول دولة إسلامية ، وأخذ رسول الله يعقد الأحلاف والعقود مع القبائل والجماعات على الصعيدين الداخلي والخارجي للمدينة ، وأصبح للمسلمين لأول مرة كيان معترف به من هذه القبائل ..
وفي كل يوم يزداد فيه التقدم الإسلامي عقب الهجرة، يزداد معه حنق الوثنيين وغيظهم على المسلمين.
وأصبح المسلمون في حاجة ماسة للتسلح والدفاع عن أنفسهم ولحماية عقيدتهم ودولتهم ، وبالفعل نزل النص القرآني يجيز للمسلمين الدفاع عن أنفسهم بالسلاح، إضافة جواز مطاردة المصالح المادية والتجارية لقريش، من أجل استرداد الأموال والحقوق التي استلبتها قريش من المسلمين المستضعفين عند هجرتهم.
قال الله تعالى : {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ }[الحج : 39].
وكان الإذن بالقتال واسترداد الحقوق بالقوة، لعدة اعتبارات شرعية ومنطقية وجيهة:

أولاً: مصادرة أموال المسلمين وعقاراتهم :
عندما هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة، أصبحوا في ضيق من العيش، حيث صادر كفار مكة أموال وعقارات وتجارات المسلمين، وقام المشركون بتوزيع هذه الأموال بين صناديد مكة ظلمًا وسحتًا !
وكانت تجارة قريش تمر بالمدينة في الذهاب وفي العودة حال رحلتها الصيفية إلى الشام . وكانت بالنسبة للمسلمين فرصة ذهبية لاسترداد بعض حقوقهم .
ثانيًا: إعلان الحرب على الدولة الإسلامية الناشئة:
بادر زعماء مكة في إعلان الحرب على المسلمين، والسعي بشتى الطرق لإحداث حرب أهلية داخل المدينة، فأرسلوا إلى عميلهم عبد الله بن أبي بن سلول- وكان إذ ذاك مشركًا بصفته رئيس المدينة قبل الهجرة، فقد كاد الأوس والخزرج أن يجعلوه ملكًا عليهم، لولا هجرة النبي كتبوا إلى ابن سلول ومن خلفه من المنافقين في كلمات تنم عن شدة الحنق والغيظ على المسلمين :
"إِنَّكُمْ آوَيْتُمْ صَاحِبَنَا ! وَإِنَّا نُقْسِمُ بِاللَّهِ لَتُقَاتِلُنَّهُ أَوْ لَتُخْرِجُنَّهُ أَوْ لَنَسِيرَنَّ إِلَيْكُمْ بِأَجْمَعِنَا حَتَّى نَقْتُلَ مُقَاتِلَتَكُمْ وَنَسْتَبِيحَ نِسَاءَكُمْ"..
فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ اجْتَمَعُوا لِقِتَالِ النَّبِيِّ ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ، لَقِيَهُمْ فَقَالَ : " لَقَدْ بَلَغَ وَعِيدُ قُرَيْشٍ مِنْكُمْ الْمَبَالِغَ ! مَا كَانَتْ تَكِيدُكُمْ بِأَكْثَرَ مِمَّا تُرِيدُونَ أَنْ تَكِيدُوا بِهِ أَنْفُسَكُمْ، تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا أَبْنَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ ؟ ! "..فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ النَّبِيِّ تَفَرَّقُوا[97].
وهنا تظهر عظمة القائد الحكيم المربي – صلى الله عليه وسلم -، حيث قضى على هذه الفتنة في مهدها، وضرب على وتر العزة القبلية، فقد كان يدرك أغوار النفس البشرية التي يتعامل معها، ولذلك كان خطابه مؤثرًا في نفوس مشركي أهل يثرب[98].
وكان من أخلاقه – صلى الله عليه وسلم – أن تعصب لوحدة الصف ولم يتعصب لأصحابه المهاجرين دون الأنصار، أو المسلمين دون المشركين المدنيين، إنما ضرب ركز في خطابه على مصلحة المدينة - بما فيها من طوائف وعقائد - ضد أعدائها من الخارج ..
ثالثًا: تهديد أمن المسلمين :
وهو اعتبار آخر شرعي للإذن بالقتال لاسيما للدفاع عن حياة المواطن سواء داخل الدولة الإسلامية أو خارجها ، ونستدل على ذلك بحادث محاولة منع الصحابي الجليل سعد بن معاذ من أداء العمرة:
فعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَدَّثَ عَنْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ أَنَّهُ قَالَ كَانَ صَدِيقًا لِأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَكَانَ أُمَيَّةُ إِذَا مَرَّ بِالْمَدِينَةِ نَزَلَ عَلَى سَعْدٍ، وَكَانَ سَعْدٌ إِذَا مَرَّ بِمَكَّةَ نَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ الْمَدِينَةَ انْطَلَقَ سَعْدٌ مُعْتَمِرًا فَنَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ بِمَكَّةَ، فَقَالَ لِأُمَيَّةَ : انْظُرْ لِي سَاعَةَ خَلْوَةٍ لَعَلِّي أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ .. فَخَرَجَ بِهِ قَرِيبًا مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ، فَلَقِيَهُمَا أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ : يَا أَبَا صَفْوَانَ مَنْ هَذَا مَعَكَ؟؟ فَقَالَ : هَذَا سَعْدٌ . فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ : أَلَا أَرَاكَ تَطُوفُ بِمَكَّةَ آمِنًا وَقَدْ أَوَيْتُمْ الصُّبَاةَ، وَزَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ تَنْصُرُونَهُمْ وَتُعِينُونَهُمْ ! أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّكَ مَعَ أَبِي صَفْوَانَ مَا رَجَعْتَ إِلَى أَهْلِكَ سَالِمًا!! فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ - وَرَفَعَ صَوْتَهُ عَلَيْهِ - أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ مَنَعْتَنِي هَذَا لَأَمْنَعَنَّكَ مَا هُوَ أَشَدُّ عَلَيْكَ مِنْهُ، طَرِيقَكَ عَلَى الْمَدِينَةِ [99].
تدل هذه الحادثة على أن أبا جهل يعتبر سعد بن معاذ من أهل الحرب بالنسبة إلى المشركين في مكة[100]، ولولا أنه دخل في جوار زعيم من زعمائها لأهدر دمه، تأمل قول أبي جهل لسعد : " لَوْلَا أَنَّكَ مَعَ أَبِي صَفْوَانَ مَا رَجَعْتَ إِلَى أَهْلِكَ سَالِمًا" ! فلم يكن أحد من المسلمين وإن كانوا معتمرين أو حجاج يستطيع أن يدخل مكة حاجًا أو معتمرًا أو نحو ذلك، إلا في جوار زعيم من الزعماء الوثنيين كما رأيت .
وهكذا يتبدى للمتبصر أن المسجد الحرام تحت احتلال فعلي، وإهانة واقعة، وعتو بيّن من قبل هؤلاء الذين جعلوا من أنفسهم أوصياء على المسجد الحرام، وما هم . قال الله تعالى {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ }الأنفال34
"إنهم ليسوا أولياء هذا البيت ولا أصحابه . إنهم أعداء هذا البيت وغاصبوه! إن بيت الله الحرام ليس تركة يرثها الخلف عن السلف . إنه بيت الله يرثه أولياء الله المتقون لله "[101].
ويدل هذا الحادث أيضًا – من كلام سعد – على أن المسلمين في هذا الوقت لم يتعرضوا ولو لمرة واحدة لقوافل مكة التجارية، وأن الدولة الإسلامية في هذا الوقت لم تعامل أهل مكة المشركين معاملة أهل الحرب. ومعنى هذا أن الأيدي الممسكة بزمام الأمور في مكة هي التي بادرت بالعدوان، وأعلنت الحرب على دولة الإسلام، وهددت الحجاج والمعتمرين من المسلمين، واعتبرت المسلمين أهل حرب لا يدخلون مكة إلا بصك أمان أو بصفة مستأمنين[102] .
فكان بعد كل هذا أن يدافع الشعب المسلم عن عقيدته وأرضه ودولته ونبيه ..

تنبيه هام :
لا يفهم من ذلك أن الجهاد في الإسلام لدفع العدوان فقط، أو أن الجهاد هو نوع واحد أو مرحلة واحدة .. كلا ! فالجهاد مراحل وأقسام ، فقد كان الجهاد فى بداية الدعوة، مقتصراً على الدعوة السلمية مع الصمود فى سبيلها للمحن و الشدائد، ثم شرع الى جانبها - مع بدء الهجرة- القتال الدفاعى، أى رد كل قوة بمثلها، ثم شرع بعد ذلك قتال كل من وقف عقبة فى طريق إقامة المجتمع الإسلامى، على أن لا يقبل من الملاحدة و الوثنيين و المشركين إلا الإسلام وذلك لعدم إمكان الإنسجام بين المجتمع الإسلامى الصحيح وما هم عليه من الإلحاد و الوثنية، أما أهل الكتاب فيكفى خضوعهم للمجتمع الإسلامى وانضوائهم فى دولته على أن يدفعوا للدولة ما يسمى ( الجزية ) مكان ما يدفعه المسلمون من الزكاة.وعند هذه المرحلة الأخيرة استقر حكم الجهاد فى االإسلام، وهذا هو واجب المسلمين فى كل عصر إذا توافرت لديهم القوة و العدة اللازمة . وعن هذه المرحلة يقول الله تعالى :" قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين " [ التوبة 123]، وعنها أيضاً يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- :" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله عصم منى ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله "[103].
المطلب الثاني : محمد r القائد الرحيم :
يتحدث الباحث "وليم موير" عن معاملة النبي rأعداءه تلك المعاملة التي اتسمت بالرحمة والعفو، حين فتحه مكة (في رمضان 8هـ/ يناير 630 م) ، فيقول :
"عامل حتى ألد أعدائه بكل كرم وسخاء حتى مع أهل مكة ، وهم الذين ناصبوه العداء سنين طوالاً ، وامتنعوا من الدخول في طاعته ، كما ظهر حلمه وصفحه في حالتي الظفر والانتصار ، وقد دانت لطاعته القبائل التي كانت من قبل أكثر مناجزة وعداء له "[104] .
كذلك يقول واشنجتون إيرفنج[105]:"كانت تصرفات الرسول [r] في [أعقاب فتح] مكة تدل على أنه نبي مرسل لا على أنه قائد مظفر. فقد أبدى رحمة وشفقة على مواطنيه برغم أنه أصبح في مركز قوي. ولكنه توّج نجاحه وانتصاره بالرحمة والعفو"[106].
فهو الفاتح الرحيم، بالحق والعدل، لا الغازي الطاغية أو الظالم..
"وفي إمكان المرء أن يتخيل المعاملة التي كان يجدر بفاتح دنيوي النزعة أن يعاملهم بها. ولكن صفح الرسول r كان لا يعرف حدوداً . فقد غفر لهم ثلاثة عشر عاماً من الاضطهاد والتآمر "[107] .. وهم الذين عذبوه وعذبوا أصحابه وهجَّروه وهجّروه أصحابه، وقتلوا منهم نفراً ليس بالعديد القليل ..
يقول "جان باغوت غلوب" معقباً " وهكذا تم فتح مكة دون إراقة دماء إلى حد كبير ... إلا أنه اكتسب قلوب الجميع بما أظهره من رحمة وعفو في يوم انتصاره "[108] .
هذا، ويقول المستشرق إميل درمنغم متحدثاً عن الفاتح والقائد الرحيم نبينا محمد r في حال انتصاراته :
"فقد برهن [محمد r] في انتصاره النهائي، على عظمة نفسية؛ قلَّ أن يوجد لها مثال في التاريخ؛ إذ أمر جنوده أن يعفوا عن الضعفاء والمسنين والأطفال والنساء، وحذرهم أن يهدموا البيوت، أو يسلبوا التجار، أو أن يقطعوا الأشجار المثمرة، وأمرهم ألا يجردوا السيوف إلا في حال الضرورة القاهرة، بل رأيناه يؤنب بعض قواده ويصلح أخطاءهم إصلاحاً مادياً ويقول لهم: إن نفساً واحدة خير من أكثر الفتوح ثراء ! "[109] .
"وهكذا ظهر الرسول r الذي كان رحمة للعالمين، وحرر الإنسانية من أصفاد الجهل والخرافة والفساد"[110] .. بل ظهر كما وصفه المفكر البلجيكي هنري ماسيه :"يتصف بالرحمة الخالصة"[111]. تلك الرحمة الخالصة التي غلبت دوماً – كما يبين مارسيل بوازار – على أحاديث النبيr وسيرته، فلا "تنفك الأحاديث الشريفة والسيرة النبوية تصور في الأذهان كرم الرسول وتواضعه، كما تصور استقامته ونقاءه ولطفه وحلمه . وكما يظهره التاريخ قائداً عظيماً ملء قلبه الرأفة، يصوره كذلك رجل دولة صريحاً قوي الشكيمة (ديمقراطياً).."[112] .
وفوق أخلاق الرحمة التي تخلق بها النبيr لما انتصر على أعدائه وتمكن منهم، في المعارك والفتوحات، نراه أيضاً رحيماً بمجرمين وأعداء – داخل الدولة - أمضوا حياتهم في دس الفتن بين المسلمين، والعمل الدائب من أجل هدم الدين والدولة، فضلاً عن عمالة هؤلاء المجرمين لأعداء المسلمين خارج حدود الدولة ..
يقول "مولانا محمد على" :
"وسماحة الرسول [r] نحو أعدائه يعز نظيرها في تاريخ العالم . فقد كان عبد الله بن أبي عدواً للإسلام ، وكان ينفق أيامه ولياليه في وضع الخطط لإيقاع الأذى بالدين الجديد، محرضاً المكيين واليهود تحريضاً موصولاً على سحق المسلمين . ومع ذلك فيوم توفي عبد الله دعا الرسول[r] ربه أن يغفر له ، بل لقد قدم رداءه إلى أهله كي يكفنوه به"[113] .
إن نبي الرحمة r لم ينتقم في أيما يوم من الأيام من امرىء أساء إليه! صحيح أنه أنزل العقوبة ببعض أعدائه في أحوال نادرة جداً، وفي فترات جد متباعدة . ولكن تلك الحالات كانت تنطوى كلها على خيانات بشعة قام بها أناس لم يعد الصفح يجدي في تقويمهم وإصلاحهم . والحق أن ترك أمثال هؤلاء المجرمين سالمين غانمين كان خليقاً به ألا يظن البعض أنه استحسن الأذى والإفساد .. والرسول rلم يلجاً إلى العقوبة قط حيثما كان ثمة مجال لنجاح سياسة الصفح كرادع إن لم نقل كإجراء إصلاحي[114].



[1] انظر: يوسف القرضاوي : الخصائص العامة للإسلام ، ص ص 209 – 212 .

[2] صحيح ـ عن عائشة : رواه البخاري (2\ 959)، ومسلم (3\ 1343).

[3] صحيح ـ من حديث العرباض بن سارية : رواه أبو داود (2\ 610)، والترمذي (5\ 44)، وأحمد(4\ 126)، والدارمي في سننه(1\ 57)، والحاكم في المستدرك (1\ 174)، وصححه الألباني في الجامع الصغير(432)، والمشكاة (2\ 36) والصحيحة(6\ 238) وصحيح الترغيب (1\10).

[4] انظر : يوسف القرضاوي : الخصائص العامة للإسلام ص216 ، 217

[5] صحيح ـ من حديث أنس : رواه مسلم (4\ 1836).

[6] ول ديورانت: قصة الحضارة ، ص 13 / 68 – 69 .

[7] انظر: عرفات كامل العشي: رجال ونساء أسلموا ، 4 / 144

[8] انظر: عرفات كامل العشي: رجال ونساء أسلموا ، 4 / 128 .

[9] جورج سارتون : الشرق الأدنى : مجتمعه وثقافته ( بإشراف كويلر يونغ )، ص 140

[10] الباحث الهولندي ومؤلف عدد من الكتب الإسلامية بالهولندية. انتمى للإسلام عام 1955 خلال رحلة له إلى باكستان بعد تأمل وبحث .

[11] عرفات كامل العشي : رجال ونساء أسلموا ، 6 / 124 – 125

[12] اميل درمنغم : حياة محمد ، ص 297 – 298. ولم أبحث في صحة هذه القصة .

[13] صحيح – رواه البخاري (6/116). ومسلم بمعناه (2/1020) رقم 1401.

[14] صحيح – رواه البخاري (1/172، 173). ومسلم (1/340) رقم 466، 467

[15] صحيح - رواه البخاري (7/234). ومسلم (3/1263، 1264) رقم 1642، 1643.

[16] صحيح - رواه البخاري (2/48). ومسلم (1/542) رقم (784).

[17] صحيح - رواه النسائي (5/268) برقم 3057 . وابن ماجة (2/1008) برقم 3029 وأحمد (1/215، 347)، وصححه الحاكم (1/466)، ووافقه الذهبي، وصححه - أيضًا- الألباني كما في السلسلة الصحيحة رقم 1283، وصحيح الجامع رقم 2680.

[18] صحيح - رواه مسلم (4/2055) برقم (2670). وأبو داود (4/201) برقم 4608. وأحمد (1/386).

[19] حسن – رواه أبو داود (4/276، 277) رقم 4904، وأبو يعلى، في المطالب العالية (1/117) رقم 422 وفي إسناد هذا الحديث: سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء؛ مختلف في توثيقه. قال الحافظ في التقريب ص (238) مقبول. وقال - أيضًا - في التهذيب (4/57): ذكره ابن حبان في الثقات، وروى له أبو داود حديثًا واحدًا.. وذكر هذا الحديث. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (6/259): رجاله رجال الصحيح، غير سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء وهو ثقة! وضعف هذا الحديث الألباني كما في ضعيف الجامع رقم (6232)، والأقرب حسن هذا الإسناد. والله أعلم.

[20] إنجيل متى (5/17)

[21] رسالة بولس إلى تيطس (1/15).

[22] انظر: يوسف القرضاوي : الخصائص العامة للإسلام ،133 وما بعدها ، وانظر له: الوسطية ودور الإعلام في إبرازها، بحث مقدم لندوة اقرأ الفقهية (رمضان 1427هـ)

[23] ماري أوليفر: باحثة نصرانية درست البوذية والهندوسية، و انتهى بها المطاف إلى الإسلام، حيث اعتنقته مؤمنة بأنه الدين الوحيد الذي يستجيب لمطالب الإنسان.

[24] انظر: عرفات كامل العشي: رجال ونساء أسلموا ، 4 / 144 – 145 .

[25] جورج سارتون : الشرق الأدنى : مجتمعه وثقافته ( بإشراف كويلر يونغ )، ص 140

[26] آتيين دينيه: أشعة خاصة بنور الإسلام ، ص 31 .

[27] آتيين دينيه : أشعة خاصة بنور الإسلام ، ص 31 .

[28] سورة الأعراف: الآية 157

[29] سيد قطب : في ظلال القرآن ، سورة الأعراف، تفسير الآية 157

[30] انظر: الموسوعة الكويتية – مادة: (تيسير ).

[31] كما هو الحال في عدم مداومته على أداء صلاة التراويح في رمضان، حتى لا يظن الناس أنها واجبة ..

[32] صحيح – رواه مسلم، باب فرض الحج مرة في العمر ، رقم 2380

[33] صحيح – رواه مسلم، باب السواك، رقم 370

[34] صحيح - رواه أحمد، وصححه الشيخ احمد شاكر في تعليقه على المسند 3 / 246 – 248، والشق الثاني من الحديث في السلسلة الصحيحة برقم 3067

[35] صحيح - مشكاة المصابيح - (ج 1 / ص 81) رقم 376

[36] صحيح – رواه البخاري، باب الْجَعَائِلِ وَالْحُمْلَانِ فِي السَّبِيلِ ، رقم 2750

[37] رواه أبو داود، باب في دخول الكعبة برقم 1734. والترمذي برقم 799، وابن ماجة 3055

[38] صحيح - رواه البخاري، بَاب الْفُتْيَا وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الدَّابَّةِ وَغَيْرِهَا، برقم 81.

[39] صحيح - البخاري، بَاب الدِّينُ يُسْرٌ، رقم 38

[40] حسن – رواه أحمد (1/236). والبخاري معلقًا (1/15). وحسن الحافظ إسناده في الفتح (1/117).

[41] صحيح - البخاري (5/108). ومسلم (3/1359) رقم (1733).

[42] رواه أحمد (5/69). قال الهيثمي في المجمع (1/67)؛: رواه أحمد والطبراني في الكبير وأبو يعلى وفيه عاصم بن هلال، وثقه أبو حاتم وأبو داود، وضعفه النسائي وغيره. قال الحافظ في التقريب ص (286): فيه لين

[43] صحيح - رواه البخاري، بَاب إِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالِانْتِقَامِ لِحُرُمَاتِ اللَّهِ ، رقم 6288 .

[44] قال الهيثمي في المجمع (4/18): رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح

[45] قال الهيثمي في المجمع (4/18): رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح.

[46] صحيح – رواه مسلم (2/1105) رقم (1478).

[47] الغزالي : المستصفى ص 194 .

[48] رواه أحمد عن ابن عمر، برقم 5600 ،وابن حبان، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده قوي، وقال الألباني في الإرواء(564) : صحيح

[49] رواية في المعجم الأوسط، للطبراني، برقم 8263 وصحيح ابن حبان وإسنادها قوي أيضًا. وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (1060) : صحيح .

[50] صحيح – رواه مسلم ، بَاب أَجْرِ الْمُفْطِرِ فِي السَّفَرِ إِذَا تَوَلَّى الْعَمَلَ، رقم 1888

[51] صحيح – رواه مسلم، بَاب أَجْرِ الْمُفْطِرِ فِي السَّفَرِ إِذَا تَوَلَّى الْعَمَلَ، 1887

[52] صحيح – رواه مسلم، بَاب التَّخْيِيرِ فِي الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ، 1891

[53]صحيح – رواه البخاري، بَاب حَقِّ الْجِسْمِ فِي الصَّوْمِ برقم 1888

[54] حسن – رواه أبو داود 284 ، قال الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود: حسن.

[55] البيهقي 8\ 209.

[56] أَخْرَجَ عَبْد بْن حُمَيْد مِنْ طَرِيق ابْن سِيرِينَ وَرِجَاله ثِقَات، فتح الباري لابن حجر - (ج 19 / ص 398)

[57] الحاكم، برقم 3319

[58] سورة النحل: الآية 106.

[59] سبق تخريجه ..

[60]انظر: محمد الخضري: تاريخ التشريع الإسلامي، ص21، وانظر: راوية أحمد عبد الكريم الظهار: المقاصد الشرعية للعقوبات في الإسلام، 203

[61] للباحث دراسة تحت عنوان: حوار الحضارات : الموجود والمفقود والمنشود، ومقالة تحت عنوان: دور الإسلام في مشروع حوار الحضارات، مجلة المجتمع، الكويت، العدد1677، بتاريخ 19/11/2005.

[62] سورة النحل : الآية 125، وانظر: يوسف القرضاوي : خطابنا الإسلامي في عصر العولمة، ص 40

[63] انظر: يوسف القرضاوي : خطابنا الإسلامي في عصر العولمة، القاهرة، ص 41

[64] سيد قطب : في ظلال القرآن ، ج 6، ص 3544

[65] انظر : حسن عزوزي: الإسلام وترسيخ ثقافة الحوار الحضاري، مجلة البلاغ، يناير 2007

[66] انظر : حسن عزوزي: الإسلام وترسيخ ثقافة الحوار الحضاري، مجلة البلاغ، يناير 2007

[67] انظر : حسن عزوزي: الإسلام وترسيخ ثقافة الحوار الحضاري، مجلة البلاغ، يناير 2007

[68] انظر:البيهقي : دلائل النبوة، ج 5، ص 4، وما بعدها ، باب ما جاء في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس.

[69] انظر : المصدر السابق

[70] محمد الغزالي : فقه السيرة، ص 274.

[71] انظر: هذه البعوث في كتب السيرة : ابن حزم : جوامع السيرة 29، 30، وابن هشام 4/ 25،وابن سعد 1 / 2- 15، و محمد بن حبيب البغدادي :المحبر 75 ، وابن سيد الناس: عيون الأثر 2/ 260 - 270، وابن كثير : السيرة النبوية 4/ 262، والإمتاع 307 وتهذيب النووي 1/30، وابن القيم : زاد المعاد 1/ 116. وانظر صور ونصوص رسائل النبي إلى الملوك في كتاب محمد حميد الله : الوثائق السياسية ص 135 وما بعدها.

[72] أرجو ألا نفهم من ذلك أن رسول الله رجل سلام وفقط، بل كان رجل حرب أيضًا، فكان رائدا في ميدان القتال والبأس ورائدا في ميدان الصلح والسلام .

[73] هذه الجملة نرفضها، بل كان سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم -هادىء الطبع، لين العريكة .

[74] هنري ماسيه : الإسلام ، ص 11

[75] عضو البرلمان البريطاني

[76]مجلة العالم الإسلامي العدد 7 ، السنة الخامسة .

[77] مجلة الذكرى عدد 7 ، دورة 1 ص 22

[78] ابن سيد الناس: عيون الأثر 1\ 75

[79] الحاكم : المستدرك، 1 \ 628 من حديث عبد الله بن السائب، برقم 1683

[80] الطبري: تاريخ الأمم والملوك1\526، وابن كثير: البداية والنهاية، 2\303

[81] انظر في هذه الحادثة أيضاً: محمد بن يوسف الصالحي : سبل الهدى والرشاد، 2\ 171، وابن الجوزي : صفة الصفوة،1\ 77

[82] انظر: محمد شريف الشيباني: الرسول في الدراسات الإستشراقية المنصفة، ص 22، 23.

[83] هنري لامنس : عهد الإسلام ، ص65

[84] ارثر جيلمان : الشرق ، ص 117

[85] دلالة على تأبيد هذا العقد، وفيه جواز تأبيد المعاهدات بين المسلمين وغير المسلمين مالم يكن في هذه المعاهدات ما يخالف الشرع .

[86] السهيلي : الروض الأنف 3/ 38

[87] ابن سيد الناس : عيون الأثر 1 / 300

[88] انظر: محمد حميد الله: مجموعة الوثائق السياسية، ص62. وانظر إلى المزيد والمزيد من هذه المعاهدات في هذا الكتاب الفريد.

[89] انظر: ابن كثير : السيرة النبوية 3 / 201، ومحمد بن يوسف الصالحي: سبل الهدى والرشاد 4 / 376

[90] صحيح ـ رواه البيهقي في السنن الكبرى ( 9\ 220)، وهو في الإرواء(1\ 57).

[91] انظر: السهيلي : الروض الأنف 4\ 48،وابن هشام\ 316، وابن كثير: السيرة النبوية 3\ 320.

[92] انظر: ابن حزم: جوامع السيرة 1 / 209 .

[93] انظر: محمد بن يوسف الصالحي سبل الهدى والرشاد 5\ 52.

[94] صحيح البخاري - (3917)

[95] صحيح البخاري - (3918)

[96] رالف لنتون : شجرة الحضارة، 1/341.


[97] سنن أبي داود، باب في خبر النضير، حديث 2610، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود.

[98] انظر: على محمد الصلابي : السيرة النبوية، 1\ 364

[99] صحيح البخاري، باب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم مَنْ يُقْتَلُ ببدر، ح 3656 .

[100] انظر: محمد خير هيكل: الجهاد والقتال 3/476، وعلى محمد الصلابي: السيرة النبوية، 1/364،

[101] سيد قطب : في ظلال القرآن، سورة الأنفال، الآية 34.

[102] انظر: محمد خير هيكل: الجهاد والقتال 3/476، وعلى محمد الصلابي: السيرة النبوية، 1/364

[103] محمد سعيد رمضان البوطي : فقه السيرة 126، والحديث متفق عليه .

[104] وليم موير : حياة محمد، 88

[105] واشنجتون إيرفنج : مستشرق أمريكي، أولى اهتمامًا كبيرًا لتاريخ المسلمين في الأندلس. من آثاره: (سيرة النبي العربي) مذيلة بخاتمة لقواعد الإسلام ومصادرها الدينية (1849)، و(فتح غرناطة) (1859)، وغيرها.

[106] واشنجتون إيرفنج: حياة محمد ، ص 72

[107] مولانا محمد علي: حياة محمد و سيرته، ص 269-270.

[108] جان باغوت غلوب : الفتوحات العربية الكبرى ، ص 156-157.

[109] انظر: بشرى زخاري ميخائيل : محمد رسول الله هكذا بشرت به الأناجيل، ص50.

[110] مولانا محمد علي : حياة محمد و سيرته ، 282.

[111] هنري ماسيه : الإسلام ، ص 11.

[112] مارسيل بوزار : إنسانية الاسلام ، ص 46.

[113] مولانا محمد علي: حياة محمد و سيرته ، ص 269-270.

[114] انظر: مولانا محمد علي: حياة محمد و سيرته ، ص 269-270.
__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« الضوابط الشرعية لموقف المسلم في الفتن | الولايات المتحدة وسياسة السيطرة على العالم «العولمة» »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
يا نبـي الله عـذرا ... فبـك العليـاء تفخـر ام زهرة أخبار ومختارات أدبية 0 06-21-2013 07:32 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 11:47 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68