تذكرني !

 





كتب ومراجع إلكترونية عرض وتحميل الكتب الإلكترونية ebooks

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #9  
قديم 01-30-2012, 12:41 AM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,418
افتراضي

المطلب الثالث : هدي محمد في المعارك :
شرع نبي الرحمة لأمته آداب سامية وضوابط حاكمة على سلوك المقاتل المسلم، توجب عليه مخالفتها عقوبات زاجرة قي الدنيا والآخرة[1].
فلا يستخدم في الجهاد في سبيل الله إلا الوسائل المشروعة والأساليب النزيهة، فعن صفوان بن عسال قال :بعثنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سرية فقال: " سيروا باسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله ، ولا تمثلوا، ولا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تقتلوا وليدا.."[2] .
وعن أنس أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَهَى أَنْ تُصْبَرَ الْبَهَائِم[3] .
وقال جابر : نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يقتل شيء من الدواب صبرا[4]
وعن حنظلة الكاتب قال :
غزونا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فمررنا على امرأة مقتولة قد اجتمع عليها الناس، فأفرجوا له فقال: " ما كانت هذه تقاتل فيمن يقاتل !"
ثم قال لرجل : " انطلق إلى خالد بن الوليد فقل له إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمرك يقول: لا تقتلن ذرية ولا عسيفا[5] .."[6] .
وقال – ذات يوم في معركة مستنكرًا على بعض أصحابه - :
" ما بال قوم جاوزهم القتل اليوم حتى قتلوا الذرية !" .
فقال رجل : يا رسول الله :إنما هم أولاد المشركين !
فقال : "ألا إن خياركم أبناء المشركين .." .
ثم قال : " ألا لا تقتلوا ذرية ، ألا لا تقتلوا ذرية !! كل نسمة تولد على الفطرة حتى يهب
عنها لسانها فأبواها يهودانها و ينصرانها "[7] .
وعن يحيى بن سعيد أن أبا بكر الصديق بعث جيوشا إلى الشام فخرج يمشي مع يزيد بن أبي سفيان وكان أمير ربع من تلك الأرباع ، فقال أبو بكر له :
"إنك ستجد قومًا زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله، فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له " .. وأوصاه قائلاً : " وإني موصيك بعشر : لا تقتلن امرأة، ولا صبيا، ولا كبيرا هرما[8]، ولا تقطعن شجرا مثمرا، ولا تخربن عامرا ، ولا تعقرن شاة ، ولا بعيرا إلا لمأكلة، ولا تحرقن نخلا [ وفي رواية : نحلا ولا تفرقنه] ولا تغرقنه ولا تغلل[9] ولا تجبن "[10]
عن عمر بن الخطاب ، أنه قال : " اتقوا الله في الفلاحين ، ولا تقتلوهم إلا أن ينصبوا لكم الحرب"[11].
وهذه النصوص وغيرها من دستور العسكرية الإسلامية التي وضعها رسول الله r تشتمل على الأصول الأخلاقية للحرب، وهذه جملتها[12]:
1- الإخلاص والتجرد للأهداف الحقيقية للحرب وترك ما يخالف ذلك من غلول وغدر وثأر وانتقام.
2- المحافظة على البيئة واجتناب الفساد في الأرض بتحريق الأشجار وقتل الحيوانات لغير ضرورة.
3- عدم التعرض لغير المقاتلين من النساء والصبيان والشيوخ.
4- السماحة الدينية واحترام مقدسات الآخرين، بعدم قتل الرهبان والقسيسين ما لم يقاتلوا أو يعينوا على القتال، وعدم التعرض كذلك لبيعهم وكنائسهم بسوء.

المطلب الرابع: فرية العنف ونشر الإسلام بالسيف :
ومن العجيب أن بعض الحاقدين ألصقوا بمحمد r تهمة القسوة والعنف ، ونشر دعوة الله بالسيف!
والحق أن رجالات العلم والفكر في أوربا قد ردوا على هذا الزعم، وفندوه ..

أولاً : رد العلامة لويس سيديو :
وكان من أبرز المدافعين والمظهرين بطلان ما نفثته أقلام الحاقدين ، المؤرخ الفرنسي العلامة لويس سيديو حيث قال:
"من التجني على حقائق التاريخ ما كان من عزو بعض الكُتّاب إلى محمد [r] القسوة... فقد نسي هؤلاء أن محمداً [r] لم يأل جهداً في إلغاء عادة الثأر الموروثة الكريهة التي كانت ذات حظوة لدى العرب، كحظوة المبارزات بأوروبة فيما مضى . وكأن أولئك الكُتّاب لم يقرأوا آيات القرآن التي قضى محمد [r] [بها] على عادة الوأد الفظيعة . وكأنهم لم يفكروا في العفو الكريم الذي أنعم به على ألد أعدائه بعد فتح مكة، ولا في الرحمة التي حبا بها ، كثيراً من القبائل عند ممارسة قواعد الحرب الشاقة... وكأنهم لم يعلموا أن محمداً [r] لم يسئ استعمال ما اتفق له من السلطان العظيم ، قضاء لشهوة القسوة الدنيئة ، وأنه لم يأل جهداً -في الغالب - في تقويم من يجور من أصحابه، والكل يعلم أنه رفض - بعد غزوة بدر- رأي عمر بن الخطاب في قتل الأسرى ، وأنه عندما حل وقت مجازاة بني قريظة ترك الحكم في مصيرهم لحليفهم القديم سعد بن معاذ ، وأنه صفح عن قاتل عمه حمزة ، وأنه لم يرفض -قط - ما طلب إليه من اللطف والسماح"[13] .
ثانيًا: رد الدكتورة كارين أرمسترونج
تقول الباحثة البريطانية كارين أرمسترونج في مقدمة كتابها (سيرة النبي محمد): "من الخطأ أن نظن أن الإسلام دين يتسم بالعنف أو بالتعصب في جوهره، على نحو ما يقول به البعض أحياناً، بل إن الإسلام دين عالمي، ولا يتصف بأي سمات عدوانية شرقية أو معادية للغرب ."[14] .
و تبين أن السبب في إلقاء هذه التهمة على النبيrمن قبل بعض الغربيين، إنما هو بسبب أحقاد قديمة، فتقول:
"إننا في الغرب بحاجة إلى أن نخلِّص أنفسنا من بعض أحقادنا القديمة، ولعل شخصاً مثل محمد [r] يكون مناسباً للبدء ! فقد كان رجلاً متدفق المشاعر.. وقد أسس ديناً وموروثاً حضارياً لم يكن السيف دعامته، برغم الأسطورة الغربية، وديناً اسمه الإسلام؛ ذلك اللفظ ذو الدلالة على السلام والوفاق !! "[15] .
ثالثًا: رد الكاتب الألماني ديسون
يقول المفكر "ديسون: "من الخطأ أن يصدق المرء ما يروِّج له البعض من أن السيف كان المبشر الأول في تقدم الإسلام وتبسطه، ذلك أن السبب الأول في انتشار الإسلام يعود إلى هذه الأخوة الدينية الفريدة، وإلى هذه الحياة الجديدة الاجتماعية التي دعا إليها ومكَّن لها، ثم إلى هذه الحياة الشريفة الطاهرة التي راح يحياها محمد [r] وخلفاؤه من بعده، والتي بلغت من العفة والتضحية حداً جعل الإسلام قوة عظيمة لا تُغلب"[16] .
رابعًا: رد المفكر الهولندي دوزي:
يقول "دوزي" ، مبينًا ومؤكدًا أن النبي r لم يجبر أحدًا على اعتناق الإسلام .. فيقول في كلمات محددة جازمة :
"لم يُفرض فرضاً على أحد !!"[17]..
فلم يثبت ولو في مرة واحدة في تاريخ عهد النبيr أن أجبر أي إنسان على اعتناق الإسلام ولو بالضغط النفسي، فضلاً عن استخدام العنف أو السيف.
خامسًا: رد المؤرخ الكبير جوستاف لوبون:
يقول جوستاف لوبون :
"لم ينتشر الإسلام بالسيف، بل انتشر بالدعوة وحدها، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التي قهرت العرب مؤخراً كالترك والمغول، وبلغ القرآن من الانتشار في الهند التي لم يكن العرب فيها غير عابري سبيل.. ولم يكن الإسلام أقل انتشاراً في الصين التي لم يفتح العرب أي جزء منها قط"[18] ..
ويقول: "إن القوة لم تكن عاملاً في انتشار الإسلام، فقد ترك العربُ المغلوبين أحراراً في أديانهم"[19] .
سادسًا: رد الكاتبة الايطالية لورافيشيا فاغليري:
وتبين لورافيشيا فاغليري أن" الإسلام لايبيح امتشاق الحسام[20] إلاّ دفاعاً عن النفس ، وهو يحرم العدوان تحريماً صريحاً... وأباحت الشريعة القتال للمسلمين دفاعاً عن حرية الضمير لإقرار السلم، واستتاب الأمن والنظام"[21].
كما حدث في معارك عديدة، كمعركة بدر (17 رمضان 2هـ/13مارس624م)، ومعركة أُحد ( شوال 3هـ/إبريل624 م)، ومعركة الأحزاب ( شوال 5 هـ\ مارس627م) .. فكلها معارك دفاعية، أقل ما يقال فيها أنها معارك دفاع عن النفس .
أو كما حدث في معارك أخرى، كمعركة قينقاع (السبت 15 شوال 2هـ /9 إبريل624، ومعركة النضير (ربيع الأول 4 هـ/غسطس 625 م) ومعركة قريظة(ذي القعدة 5 هـ/إبريل 627 م)، ومعركة خيبر (المحرم سنة 7 هـ /مايو 628).. فهي معارك جائت نتيجة للخيانة، والتحالف ضد المسلمين، ونقض العهود، ومحاولات عديدة لاغتيال النبيr.
سابعًا: رد العلامة توماس كارلايل
وحسبنا رد توماس كارلايل على تلك الفرية التي تذهب إلى أن محمداً rلم ينشر دعوته إلا بحد السيف ،فقال :
"إن اتهام محمد [r] بالتعويل على السيف في حمل الناس على الاستجابة لدعوته؛ سخف غير مفهوم!!"[22].. ويقول مفصلاً ..
"لقد قيل كثيراً في شأن نشر محمد[r] دينه بالسيف ، فإذا جعل الناس ذلك دليلاً على كذبه[r] ، فذلك أشد ما أخطأوا وجاروا ، فهم يقولون ما كان الدين لينتشر لولا السيف ، ولكن ما هو الذي أوجد السيف ؟ هو قوة ذلك الدين ، وأنه حق . والرأي الجديد أول ما ينشأ يكون في رأس رجل واحد ، فالذي يعتقده هو فرد- فرد ضد العالم أجمع-، فإذا تناول هذا الفرد سيفاً وقام في وجه الدنيا فقلما والله يضيع ! وأرى - على العموم- أن الحق ينشر نفسه بأية طريقة حسبما تقتضيه الحال، أو لم تروا أن النصرانية كانت لا تأنف أن تستخدم السيف أحياناً، وحسبكم ما فعل شارلمان بقبائل السكسون ! وأنا لا أحفل إذا كان انتشار الحق بالسيف أم باللسان أو بأية آلة أخرى ، فلندع الحقائق تنشر سلطانها بالخطابة أو بالصحافة أو بالنار ، لندعها تكافح وتجاهد بأيديها وأرجلها وأظافرها فإنها لن تَهزم إلا ما كان يستحق أن يُهزم ، وليس في طاقتها قط أن تقضي على ما هو خير منها ، بل ما هو أحط وأدنى "[23] .. فإنها حرب لا حكم فيها إلا لله الذي أرسل الرسل ذاتها ، ونعم الحكم ما أعدله وما أقسطه، إذا كان من عند الخالق !
المطلب الخامس : فرية حول القتل الجماعي ليهود بني قريظة :
معروف لدى كتب التاريخ أن يهود قريظة كانوا فصيل من فصائل المدينة المنورة .
ومعروف أنه بمجرد قدوم النبي r المدينة عقد بينه وبين اليهود الموجودين بها معاهدة تنظم الشأن العام الداخلي والخارجي للمدينة. وكان من بنود هذه المعاهدة:
1- التزام كل أبناء المدينة بما فيهم المسلمين واليهود بالمعايشة السلمية فيما بينهما وعدم اعتداء أي فريق منهما على الآخر .
2- الدفاع المشترك عن المدينة ضد أي اعتداء خارجي على المدينة .
وحدث في شوال 5 هـ \ مارس627م .. أن مر المسلمون بظروف قاسية عندما تجمعت أكبر قوة معادية للمسلمين في ذلك الوقت للقضاء عليهم داخل المدينة، وأحاطت جيوش التحالف المشركة بالمدينة في عشرة آلاف مقاتل، من مشركي قريش وأشجع وغطفان وبني سليم وأسد وفزارة .. على حين لم يزد عدد المسلمين على ثلاثة آلاف مقاتل، وكان المتوقع أن ينضم يهود بني قريظة إلى صفوف المسلمين ضد القوات المحتلة لحدود المدينة، بناء على نصوص المعاهدة المبرمة بين الفريقين.. لكن الذي حدث هو عكس هذا، فقد فوجئ المسلمون ببني قريظة يخونهم في أخطر أوقات محنتهم، ولم يرعوا للجوار حقاً، ولا للعهود حرمة، بل كانوا يسعون من وراء انضمامهم هذا إلى صفوف القوات الغازية التعجيل بالقضاء على المسلمين ودولتهم الناشئة !
أحدثت هذه الخيانة زلزالاً عنيفًا في نفوس المسلمين، وجرحًا عميقًا في وجدانهم، لا سيما بعد إعلان قريظة – جهارًا نهارًا - الانضمام إلى صفوف الغزاة ..لدرجة أن الرسول r حرص أول الأمر على كتمان الخبر على الشعب لمـا كان يخشى من وقعه على نفوس الجنود. وبمجرد أن انتهى إلى سمعه r النبأ أرسل وفداً دبلوماسيًا مكوناً من القادة الأفاضل سعد بن معاذ(قائد الأوس)، وسعد بن عبادة (قائد الخزرج)، وعبد الله بن رواحة، وخوات بن جبير- رضوان الله تعالى عليهم - ليذّكروا القوم بما بينهم وبين المسلمين من عقود وعهود، ويحذروهم مغبة ما هم مقدمون عليه، ولكن دون جدوى!
وبعد أن ولى المشركون المحتلون وحلفاؤهم الأدبار، يحملون معهم الهزيمة والإخفاق، وفشلت محاولاتهم لاقتحام المدينة المنيعة . رجع المقاتلون المسلمون إلى بيوتهم بالمدينة يستريحون من هذه الغمة، ويلتقطون أنفاسهم بعد فزع وقلق نفسي مريع دام شهرًا كاملاً.
ويبدو أن بعض الصحابة ظن أن الموضوع انتهى إلى ذلك الحد ! لكن أيترك الخائنون العملاء الناكثون للعهود دون محاسبة ؟ فنادى النبي r في المسلمين "ألا .. لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة !"[24]، فسار الجيش الإسلامي إلى فصيل الفتنة والخيانة، وتبعهم النبي r - القائد العام - بعد أن استخلف على المدينة – نائبًا عنه –عبد الله بن أم مكتوم، وحاصر المسلمون بني قريظة شهراً تقريبًا، ولمـا طال عليهم الحصار.. ورفض النبيr إلا أن يستسلموا دون قيد أو شرط، واستسلم بنو قريظة، ونزلوا على حكم رسول الله r ، فوكل r الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ– قائد الأوس - .. وفي اختيار سعد دلالة على حكمة النبيr وبُعد نظره، وإدراكه لنفسيات يهود قريظة ، لأن سعدًا كان حليف بني قريظة في الجاهلية، وقد ارتاح اليهود لهذا الاختيار، وظنوا أن الرجل قد يحابيهم في حكمه، لكن سعداً نظر إلى الموقف من جميع جوانبه. وقدره تقدير من عاش أحداثه وظروفه.
وبعد أن أخذ سعد t المواثيق على الطرفين أن يرضى كل منهما بحكمه. أعلن حكمه بالإعدام على الخونة، قائلاً: "فَإِنّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ يُقْتَلَ الرّجَالُ وَتُسْبَى الذّرّيّةُ وَتُقْسَمَ الأمْوَالُ "، فقال رسول الله rمؤيدًا هذا الحكم : " لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ "[25] ..
فسيقوا إلى خنادق في المدينة، فُقتل رجالهم وُسبي نساؤهم وذراريهم. ولاقى بنو قريظة هذا المصير على هذه الخيانة.
وهنا يحلو للبعض أن يتطاولوا على تصرف النبي r ومعاملته لبني قريظة، ويعتبروا أن الإعدام الجماعي الذي تم لهؤلاء الناس يتسم بالقسوة والوحشية والإجرام... الخ ..
ونرد على مثل هذه الآراء ونقول :
أولاً: ماذا لو أن نتيجة غزوة الأحزاب تمت حسبمًا كان يخطط لها بنو قريظة وأحزابهم؟ ألم تكن هي الإبادة التامة للمسلمين أجمعين. على أن اليهود لم يقدِموا على هذا العمل الخسيس إلا بعد أن تكون لديهم ما يشبه اليقين بأنهم- بمساعدة المشركين- سوف يقومون بتدمير الكيان الإسلامي تدميراً كاملاً، واستئصال شأفة المسلمين استئصالاً كلياً – كما ورد في كتبهم إذا ظهروا على شعب من الشعوب - ولهذا لم يترددوا في الغدر بحلفائهم المسلمين وعلى تلك الصورة البشعة[26].
لقد جاء في سفر التثنية : "حين تقترب من مدينة لكي تحاربها استدعها للصلح، فإن أجابتك وفتحت لك؛ فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك، وإن لم تسالمك.. بل عملت معك حرباً فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك "[27] .
ويعلق "مولانا محمد علي"، على هذا النص بقوله: "وهكذا حكم سعد وفقًا للشريعة الموسوية بقتل ذكور بني قريظة وبسبي نسائهم وأطفالهم وبمصادرة ممتلكاتهم.. ومهما بدت هذه العقوبة قاسية، فقد كانت على درجة الضبط للعقوبة التي كان اليهود ينزلونها- تبعاً لتشريع كتابهم- بالمغلوبين من أعدائهم، فأي اعتراض على قسوة هذه العقوبة هو في الواقع انتقاد لا شعوري للشريعة الموسوية، وتسليم بأن شريعة أكثر إنسانية يجب أن تحل محلها، وأيما مقارنة بالشريعة الإسلامية في هذا الصدد خليق بها أن تكشف- في وضوح بالغ- أي قانون رفيق عطوف رحيم قدمه الإسلام إلى الناس"[28].
ثانياً: أن اليهود – لا سيما يهود قريظة - لم يلقوا من المسلمين طيلة السنوات التي تلت المعاهدة إلا كل بر ووفاء، ومعاملة حسنة طيبة، كما شهدوا أنفسهم بذلك، فعندما ذهب حيي بن أخطب – أكبر زعماء اليهود - إلى كعب بن أسد القرظي زعيم قريظة يغريه بنقض العهد مع النبي r قال: " وَيْحَك يَا حُيَيّ !! فَدَعْنِي وَمَا أَنَا عَلَيْهِ، فَإِنّي لَمْ أَرَ مِنْ مُحَمّدٍ إلّا صِدْقًا وَوَفَاءً " [29].. لكنه لم يزل به حتى أقنعه بالخيانة ونقض العهد.
ثالثًا : أن قانون أي دولة الآن يحكم بالإعدام على من يخون وطنه ويقيم اتصالات مع العدو أو يتجسس لحسابه، و لو درس الذين يطعنون في حكم سعد على بني قريظة القوانين المعاصرة دراسة نافذة وطبقوها على قضية بني قريظة لرأوا أن قوانين العصر الحديث والدول المتقدمة لا تختلف في شيء عما أصدره سعد بن معاذ[30]. .
فيهود قريظة خانوا العقد، وتآمروا وانضموا إلى أعداء الدولة الإسلامية وأوقعوا المسلمين بين شقي الرحى في المدينة مكتوين بنار المشركين من جهة واعتداء اليهود في ساعة المحنة من جهة ثانية فاقترفوا بذلك الغدر أربع جرائم:
أ - رفع السلاح ضد سلطان المدينة مع الأجنبي المعتدي المحتل.
ب - تسهيل دخول العدو للبلاد .
ج - التجسس لصالح تحالف المشركين.
د- دس الفتن والمشاركة في الحرب الإعلامية النفسية على الشعب المسلم.
إذا هو ( القصاص العادل)[31] الذي أصاب بني قريظة على خيانتهم ..
ومعظم قوانين العقوبات العصرية تجعل الإعدام عقوبة كل جريمة من الجرائم الأربع، وتسمى أي جريمة من هذه الجرائم باسم الخيانة العظمى!
رابعًا : قد يقال: كان من الممكن أن يعامل النبي r يهود بني قريظة كما يعامل القائد المنتصر رجال جيش عدوه الذي انهزم أَمامه واستسلم، أو يعاملهم كما عامل يهود بني النضير وبني قينقاع.. والجواب على ذلك أن بني قريظة لم يكونوا أسرى حرب حتى يميل بهم إلى الشفقة، ولم يكونوا في حالة حرب مع المسلمين، وإنما كانوا جيرانا متحالفين يشكلون مع المسلمين وحدة وطنية ملزمة بالدفاع المشترك عن المدينة ضد أي عدوان، لكنهم ظهروا أخطر من الأعداء، إذ يبيتون لأناس يأمنونهم ويخصونهم بحقوق الجار، وواجبات الذمام، فكانوا بمثابة الخائن المتآمر المتواطئ مع العدو على أمته ووطنه في حالة الحرب القائمة وهذه خيانة عظمى ليس لها في جميع الشرائع إلا الإعدام السريع.. وموقفهم هنا يختلف اختلافًا واضحًا عن موقف بني قينقاع وبني النضير، فالأولون قد أبدوا البغضاء من أفواههم وأشاعوا الرعب والشكوك ورأوا في الدعاية المغرضة سلاحًا لا يفل.. وبنوا النضير ائتمروا على قتل الرسول r، وتحالفوا مع بعض المنافقين على المناجزة دون أن تتيح لهم الفرصة طريقًا يصلون منه إلى التنفيذ، وهؤلاء وأولئك أَهون خطًبا من الذين سلوا السيوف ووقفوا في صفوف العدو وأوقعوا الهلع في قلوب يحيط بها الروع من كل ناحية، فتعادل الكفتين بينهما طيش لا يقره إنصاف[32] .
المبحث الرابع
رحمتهr للأسرى
في الوقت الذي كانت فيه الحروب الجاهلية لا تعرف أبسط قواعد أخلاقيات الحرب، ظهر النبيr بمبادئه العسكرية، ليشرع للعالمين تصورًا شاملاً لحقوق الأسرى في الإسلام.
وفي هذا العصر الحديث الذي شرّعت فيه المنظمات الدولية بنودًا نظرية – غير مفعلة وغير مطبقة – لحقوق الأسرى، كاتفاقيات جنيف بشأن أسرى الحرب في معاملة أسرى الحرب ورعايتهم جسدياً ونفسياً.و نرى رسولنا r يشرع قبلهم بمئات السنين حقوقًا شاملة وجامعة للأسرى، أضف إلى ذلك أن النبي r لم يجعل هذه الحقوق بنودًا نظرية بعيدة عن واقع الحروب – كما هو الحال في عصرنا -، بل جعلها منهجًا عمليًا وطبقها بنفسه في غزواته وطبقها تلاميذه في السرايا والمعارك الإسلامية ..
وفي إكرامه r للأسرى، مظهر فريد من مظاهر الرحمة، في وقت كانت تستباح فيه الحرمات والأعراض ..
"وكثيراً ما أطلق [r] سراح الأسرى في سماحة بالغة ، رغم أن عددهم بلغ في بعض الأحيان ستة آلاف أسير"[33] .
يقول سيديو : "والكل يعلم أنه[r] رفض -بعد غزوة بدر- رأي عمر بن الخطاب في قتل الأسرى... وأنه صفح عن قاتل عمه حمزة ، وأنه لم يرفض - قط -ما طلب إليه من اللطف والسماح"[34].

المطلب الأول : نماذج في معركة بدر (17 رمضان 2هـ/13مارس624م):
لقد استشار النبي rوزرائه في أسارى بدر فأشار عليه أبو بكر t أن يأخذ منهم فدية ، فهم بنو العم والعفو عنهم أحسن، ولعل الله أن يهديهم إلى الإسلام. وقال عمر t : لا والله ما أرى الذي رأى أبو بكر ولكن أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها!!
فهوي النبي r ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قال عمر. فلما كان من الغد أقبل عمر فإذا رسول الله r يبكى هو وأبو بكر فقال: يا رسول الله! من أي شئ تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما؟ فقال رسول الله r: "أبكي للذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء ! لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة !" وأنزل الله تعالى قوله:] مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ[35][.
وقد تكلم العلماء في أي الرأيين كان أصوب فرجحت طائفة قول عمر لهذا الحديث ورجحت طائفة قول أبي بكر لاستقرار الأمر عليه وموافقته الكتاب الذي سبق من الله بإحلال ذلك لهم ولموافقته الرحمة التي غلبت الغضب، ولتشبيه النبي r له في ذلك بإبراهيم وعيسى، وتشبيهه لعمر بنوح وموسى، ولحصول الخير العظيم الذي حصل بإسلام أكثر أولئك الأسرى، ولخروج من خرج من أصلابهم من المسلمين، ولحصول القوة التي حصلت للمسلمين بالفداء ولموافقة رسول الله r لأبي بكر أولاً ولموافقة الله له آخراً حيث استقر الأمر على رأيه ولكمال نظر الصديق فإنه رأى ما يستقر عليه حكم الله آخراً وغلب جانب الرحمة على جانب العقوبة[36]..
وحين أقبل بالأسارى – بعد بدر - فرقهم النبيr بين أصحابه وقال :
"استوصوا بهم خيراً"[37] ..
وبهذه التوصية النبوية الرفيعة، تحقق في هذا الجيل الإسلامي الفضيل قول الله تعالى:
]وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا [[38] .
وهذا أبو عزيز بن عمير أخو مصعب بن عمير يحدثنا عما رأى. قال: كنت في الأسرى يوم بدر[39]، فقال رسول الله r:" اسْتَوْصُوا بِالْأُسَارَى خَيْرًا"[40]. وكُنْتُ فِي رَهْطٍ مِنْ الْأَنْصَارِ حِينَ أَقْبَلُوا بِي مِنْ بَدْرٍ فَكَانُوا إذَا قَدّمُوا غَدَاءَهُمْ وَعَشَاءَهُمْ خَصّونِي بِالْخُبْزِ وَأَكَلُوا التّمْرَ لِوَصِيّةِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إيّاهُمْ بِنَا ، مَا تَقَعُ فِي يَدِ رَجُلٍ مِنْهُمْ كِسْرَةُ خُبْزٍ إلّا نَفَحَنِي بِهَا . قَالَ فَأَسْتَحْيِيَ فَأَرُدّهَا عَلَى أَحَدِهِمْ فَيَرُدّهَا عَلَيّ ما يَمَسّهَا [41] .
ويقول جابر بن عبدالله رضي الله عنه: "لما كان يوم بدر أُتي بالعباس ولم يكن عليه ثوب، فنظر النبي r له قميصاً فوجدوا قميص عبدالله بن أُبي يقدر عليه فكساه النبي r إياه"[42]
وهذا أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرّبِيعِ يحدثنا قال: كنت في رهط من الأنصار [43] - جزاهم الله خيرًا -، كنا إذا تعشينا أو تغدينا آثروني بالخبز وأكلوا التمر، والخبز معهم قليل، والتمر زادهم، حتى إن الرجل لتقع في يده كسرة فيدفعها إليَّ، وكان الوليد بن الوليد بن المغيرة يقول مثل ذلك ويزيد: وكانوا يحملوننا ويمشون[44].
وقد كان أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرّبِيعِ في الأسارى، وختن رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، وزوج ابنته زينب، أسره خِرَاشُ بْنُ الصّمّةَ ، فلما بعثت قريش فداء الأسرى بعثت زينب بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم -في فداء أبي العاص وأخيه عمرو بن الربيع بقلادة لإمها خديجة، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة، وقال: " إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها مالها فافعلوا "، فقالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه وردوا عليها الذي لها[45].

كان هذا الخُلق الكريم الذي غرسه المعلم الكبير محمد r في أصحابه وجنده وشعبه، قد أثر في إسراع مجموعة من كبراء الأسرى وأشرافهم إلى الإسلام، فأسلم أبو عزيز عقب معركة بدر، بُعيد وصول الأسرى إلى المدينة، وتنفيذ وصية r ، وأسلم معه السائب بن عبيد.
وعاد الأسرى إلى بلادهم وأهليهم يتحدثون عن محمد r ومكارم أخلاقه، وعن محبته وسماحته، وعن دعوته وما فيها من البر والتقوى والإصلاح والخير[46].
المطلب الثاني : نموذج معركة بني المصطلق (شعبان 5 هـ /يناير 627 م)
لقد أطلق المسلمون من في أيديهم من أسرى بني المصطلق – بعد معركة مع بني المصطلق أعداء الرسولr ، وذلك أن جُوَيْرِيَة بنت الحارث سيد بني المصطلق وقعت في سهم ثابت ابن قيس، فكاتبها، فـأدي عنها رسول الله r وتزوجهـا، فأعـتق المسلـمون بسبـب هـذا التزويـج مـائـة أهـل بيـت مـن بنـي المصطلق قـد أسلمـوا، وقـالـوا‏:‏ أصهـار رسول الله r[47]‏.‏ حيث كره المسلمون أن يأسروا أصهار رسول الله ! قالت عائشة : فما أعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها[48].
واستكثر الصحابة على أنفسهم أن يتملكوا أصهار نبيهم وقائدهم r، وحيال هذا العتق الجماعي، وإزاء هذه الأريحية الفذة، دخلت القبيلة كلها في دين الله. إن مرد هذا الحدث التاريخي وسببه البعيد، هو حب الصحابة للنبي r، وتكريمهم إياه، وإكبارهم شخصه العظيم[49]، وتأسيهم بأخلاق قائدهم في معاملة الأسرى، والتي عهدوها من معلمهم في حروب سابقة .

المطلب الثالث : نموذج معركة حنين( 10 شوال 8 هـ/30 يناير 630 م)
يقول "جان باغوت غلوب":
"وكان انتصار المسلمين [على هوازن] في حنين كاملاً، حتى أنهم كسبوا غنائم كثيرة بين أعداد وفيرة من الإبل والغنم ، كما أسروا عدداً ضخماً من الأسرى معظمهم من نساء هوازن وأطفالها ، وعندما عاد النبي [r] عن الطائف دون أن يتمكن من فتحها شرع يقسم الغنائم والأسلاب بين رجاله . ووصل إليه وفد من هوازن المهزومة المغلوبة على أمرها يرجوه إطلاق سراح النسوة والأطفال من الأسرى، وسرعان ما لبى النبي [r] الطلب بما عرف عنه من دماثة و تسامح ، فلقد كان ينشد من جديد في ذروة انتصاره أن يكسب الناس أكثر من نشدانه عقابهم وقصاصهم"[50] .
لقد تأثر مالك بن عوف زعيم هوازن المهزومة بهذا العفو الكريم والخلق العظيم من محمد r، بعدما أطلق له كل الأسرى من قومه..
فجادت قريحته لمدح النبي r ، فأخذ ينشد فاصلاً من الشعر، يشكر فيه رسول الله r
فقال مالك :
šŠ¤1فِي النّاسِ كُلّهُمُ بِمِثْلِ مُحَمّدِ
š
š
مَا إنْ رَأَيْت وَلَا سَمِعْت بِمِثْلِهِ
Šš
šوَمَتَى تَشَأْ يُخْبِرْك عَمّا فِي غَــدٍ

š
š
أَوْفَى وَأَعْطَى لِلْجَزِيلِ إذَا اُجْتُدِيَ
Šš
šبِالسّمْهَرِيّ وَضَرْبِ كُلّ مُهَــنّدِ

š
š
إذَا الْكَتِيبَةُ عَرّدَتْ[51]أَنْيَابَهَا
Šš
šوَسْطَ الْهَبَاءَةِ[52]خَادِرٌ [53]فِي مَرْصَدِ 4 .
مرصد[54]
š
š
فَكَأَنّهُ لَيْثٌ عَلَى أَشْبَالِهِ
¤
Šš

المطلب الرابع : نماذج أخرى:
أولاً : عفوه عن ثمانين أسيرًا في الحديبية :
هبط عليهr فى صلح الحديبية (في ذي القعدة 6 هـ/ مارس628 م) ، ثمانون متسلحون، من جبل التنعيم[55]، يريدون قتله، فأسرهم، ثم منَّ عليهم[56].
ثانيًا : عفوه عن ثمامة بن أثال سيد بني حنيفة
أُسر ثمامة بن أثال سيد بني حنيفة، وسيد اليمامة، فربطه الصحابة بسارية بالمسجد النبوي[57]. وإنما رُبط بسجد بناه أكرم الخلق، مطلق العاني الأسير، خير من أكرم العزيز إذا ذل، والغريب إذا ضل .
فَقَالَ النبي r - لأصحابه -: "أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ " ..
فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنْ الْمَسْجِدِ ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ[58] .
فلقد هزته الأخلاق المحمدية هزًا عنيفًا، فطفق يهتف بأخلاق محمد، ويقول :
"مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيَّ!! وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ !! وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ إِلَيَّ !! "[59] ..
بل ويترجم ثمامة هذا الحب عمليًا ..فيبغض في الله ويقاطع في الله، فلما فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ : صَبَوْتَ ؟؟!
قَالَ: " لَا وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا وَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنْ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "[60] ! .
ثالثًا: لا تجمعوا عليهم حر هذا اليوم وحر السلاح :
رأى الرسول أسارى بني قريظة موقوفين في قيظ النهار تحت الشمس فأمر من يقومون بحراستهم قائلاً: "لا تجمعوا عليهم حر هذا اليوم وحر السلاح.. قيلوهم حتى يبردوا"، وقد سئل الإمام مالك - يرحمه الله: "أيعذب الأسير إن رجي أن يدل على عورة العدو؟" فأجاب قائلاً: "ما سمعت بذلك"[61] وبذلك يحرم الإسلام تعذيب الأسرى، ويرفض إهانتهم، ويقرر عدم إهمالهم.. كما لا يجوز تعذيب الأسير، ولا إهانته للحصول على معلومات عسكرية منه..
رابعًا : كسوة ونفقة لإسيرة :
وأعطى رسول الله كسوة ونفقة لابنة حاتم الطائي عندما وقعت أسيرة في أيدي المسلمين، بل حملها حتى خرجت مع بعض أناس من قومها[62].
خامسًا : عفوه عن مشركين قاتلوا يوم الفتح :
وأطلق يوم فتح مكة (رمضان 8هـ/ يناير 630 م ) جماعة من قريش فكان يقال لهم : الطلقاء[63].
فهذه نماذج، تبين لك مدى رحمة النبي r للأسرى، وهذه المواقف وغيرها تكشف الستار عن شخصية بلغت من السمو والرفعة مبلغًا بعيدًا، شخصية تحرك الأفئدة نحوها بفيض عارم من الرحمة والعفو والجاذبية .
المبحث الخامس
رحمته لقتلى العدو
المطلب الأول : مواراة جيف قتلى العدو في بدر:
فلما انتصر النبي – صلى الله عليه وسلم – على المشركين في معركة بدر نصراً ساحقًا، وقُتل في هذه الموقعة سبعون من صناديد الوثنية، لم يأمر النبي – صلى الله عليه وسلم – بالتمثيل بجثث القتلى أو إهانتها، بل أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بدفنهذه الجثثفي بئر من آبار بدرالقديمة ..
وقد ورد أنه -صلى الله عليه وسلم- وقف على القتلى فقال – يعاتبهم في حرقة - : «بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وخذلتموني ونصرني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس»[64] .
ونادى عليهم وهم في البئر قائلاً: «يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا فلان، ويا فلان، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا» فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله! ما تخاطب من أقوام قد جيفوا؟ فقال: «والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون الجواب»[65] .
المطلب الثاني : جثة نوفل بن عبد الله !
لما حاول نوفل بن عبد الله – لعنه الله – اقتحام الخندق الذي صنعه المسلمون لتحصين المدينة من حصار التحالف الوثني – في غزو الأحزاب - ومات مقتولاً في الخندق، عندما أصر على اقتحامه في فرقة من المشركين، سأل المشركون المسلمين جثته بمال يعطونه المسلمين، فأرسل المشركون إلى النبي: أن أرسل إلينا بجسده ونعطيك اثني عشر ألفاً[66].. فتعفف رسول الله عن هذا المال الخبيث، ونهاهم عن ذلك وكرهه !! وقال: " ادْفَعُوا إِلَيْهِمْ جِيفَتَهُمْ فَإِنَّهُ خَبِيثُ الْجِيفَةِ خَبِيثُ الدِّيَةِ"[67]
وفي رواية قال: " ولا نمنعكم أن تدفنوه، ولا أرب لنا في ديته"[68].فلم يقبل منهم شيئًا، وخلى بينهم وبينه ..
وفي رواية : عن عن عكرمة أن نوفلاً تردى به فرسه يوم الخندق فقُتل فبعث أبو سفيان إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بديته مائة من الإبل فأبى النبي -صلى الله عليه وسلم -وقال : "خذوه فإنه خبيث الدية خبيث الجثة"[69]..
وقال صلى الله عليه وسلم : " هو لكم ، لا نأكل ثمن الموتى "[70]
وإنما كره هذا لئلا ينسب إلى المسلمين ما لا يليق بمكارم الأخلاق، فقد كان عليه السلام يقول: بعثت لأتمم مكارم الأخلاق[71].
المطلب الثالث : جثة عمرو بن ود :
وبالمثل في نفس الغزوة، حدث مع عمرو بن ود – طاغية العرب - ، عندما قتله علي – رضي الله عنه – في مبارزة عنيفة.. وذكر ابن إسحاق أن المشركين بعثوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشترون جيفة عمرو بعشرة آلاف، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:
"هو لكم ولا نأكل ثمن الموتى"[72].
ولما أقبل علي – رضي الله عنه - بعد قتله لعمرو بن عبد ود على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو متهلل، قال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هلا سلبته درعه، فإنه ليس في العرب درع خير منها؟ قال: إني حين ضربته استقبلني بسوءته فاستحييت يا ابن عمي أن أسلبه[73].
المبحث السادس
رحمته لأهل الذمة
المطلب الأول : من هم أهل الذمة وما موقف الدولة الإسلامية منهم ؟
أهل الذمة هم الأقليات من أهل الكتاب دخل الدولة الإسلامية ..
يقول أدوار بروي:
"فاليهود والنصارى الذين هم أيضًا من أهل الكتاب، حق لهم أن يتمتعوا بالتساهل وأن لا يضاموا. وكان لابدّ من وقوف هذا الموقف نفسه من الزرادشتية والبوذية والصابئة.. وغيرها من الملل والنحل الأخرى. والمطلوب من هؤلاء السكان أن يظهروا الولاء للإسلام ويعترفوا بسيادته وسلطانه، وأن يؤدوا له الرسوم المترتبة على أهل الذمة تأديتها.. وفي نطاق هذه التحفظات التي لم يكن لتؤثر كثيرًا على الحياة العادية، تمتع الزميون[ في الإسلام] بكافة حرياتهم"[74].
ويقول : مونتكومري وات:
"إن تعامل المسلمين كان مختلفًا تجاه اليهود والمسيحيين والزرادشتيين وغيرهم ممن اعتبرت دياناتهم شقيقة للإسلام، رغم الدعوى القائلة بأن الأتباع المعاصرين لتلك الديانات قد ابتعدوا عن جوهرها. ومهما كان الأمر فقد كان بالإمكان قبولهم نوعًا من الحلفاء للمسلمين في معظم الأقطار التي فتحتها العرب. لذلك فإن غرض الجهاد لم يكن يهدف إلى تحويل أولئك السكان نحو الإسلام بقدر ما كان يهدف إلى اعترافهم بالحكم الإسلامي وبمنزلة أناس يحميهم الإسلام. وبعامة فإنهم (أهل الذمة)" [75] .
" وكانت الطائفة الذمية مجموعة من الناس تعتنق ديانة واحدة لها استقلالها الداخلي برعاية رئيس ديني كالبطريك أو الرابي، وكان على كل فرد من أفراد المجموعة الذمية دفع ضريبة شخصية إلى الحاكم المسلم ... وكانت تلك الضرائب أحيانًا أقل وطأة من الضرائب التي كانت تدفع للحكام السابقين. وكانت حمايتهم بصورة فعالة بالنسبة للدولة الإسلامية تمثل كلمة شرف تلتزم بها الدولة وتنفذها"[76] .
المطلب الثاني : شهادات علماء الغرب :
أولاً: حرية أهل الذمة في الاعتقاد :
يقول "روم لاندو" :
"على نقيض الإمبراطورية النصرانية التي حاولت أن تفرض المسيحية على جميع رعاياها فرضًا، اعترف العرب بالأقليات الدينية وقبلوا بوجودها. كان النصارى واليهود والزرادشتيون يعرفون عندهم بـ (أهل الذمة)، أو الشعوب المتمتعة بالحماية. لقد ضمنت حرية العبادة لهم من طريق الجزية.. التي أمست تدفع بدلاً من الخدمة العسكرية. وكانت هذه الضريبة مضافًا إليها الخراج، أقل في مجموعها من الضرائب التي كانت مفروضة في ظل الحكم البيزنطي. كانت كل فرقة من الفرق التي تعامل كملّة، أي كطائفة نصف مستقلة استقلالاً ذاتيًا ضمن الدولة. وكانت كل ملّة تخضع لرئيسها الديني"[77].
ثانيًا: حرية أهل الذمة في ممارسة الشعائر :
يقول ول ديورانت:
".. كان أهل الذمة المسيحيون، والزردشتيون، واليهود، والصابئون يستمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح لا نجد نظيرًا لها في المسيحية في هذه الأيام. فلقد كانوا أحرارًا في ممارسة شعائر دينهم، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم.. وكانوا يتمتعون بحكم ذاتي يخضعون فيه لزعمائهم وقضاتهم وقوانينهم"[78]..
ويقول" آدم متز"
"كانت حياة الذمي عند أبي حنيفة وابن حنبل تكافئ حياة المسلم، ودية المسلم، وهي مسألة مهمة جدًا من حيث المبدأ.. ولم تكن الحكومة الإسلامية تتدخل في الشعائر الدينية لأهل الذمة، بل كان يبلغ من بعض الخلفاء أن يحض مواكبهم وأعيادهم ويأمر بصيانتهم.. وكذلك ازدهرت الأديرة بهدوء.."[79].
ثالثًا: رعاية المسلمون لأهل الذمة:
يقول آرثر ستانلي تريتون[80] :
"ولما تدانى أجل (عمر بن الخطاب) أوصى من بعده وهو على فراش الموت بقوله: (أوصي الخليفة من بعدي بأهل الذمة خيرًا، وأن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، وألا يكلفهم فوق طاقتهم) وفي الأخبار النصرانية شهادة تؤيد هذا القول، وهي شهادة (عيثويابه) الذي تولى كرسي البطريركية من سنة 647 إلى 657م إذ كتب يقول: (إن العرب الذين مكنهم الرب من السيطرة على العالم يعاملوننا كما تعرفون، أنهم ليسوا بأعداء للنصرانية بل يمتدحون ملّتنا ويوقرون قسيسينا وقدّيسينا، ويمدون يد المعونة إلى كنائسنا وأديرتنا). والظاهر أن الاتفاق الذي تم بين (عيثويابه) وبين العرب كان من صالح النصارى، فقد نصّ على وجوب حمايتهم من أعدائهم، وألا يحملوا قسرًا على الحرب من أجل العرب، وألا يؤذوا من أجل الاحتفاظ بعاداتهم وممارسة شعائرهم، وألا تزيد الجزية المجباة من الفقير على أربعة دراهم، وأن يؤخذ من التاجر والغني اثنا عشر درهما، وإذا كانت أمة نصرانية في خدمة مسلم فإنه لا يحق لسيدها أن يجبرها على ترك دينها أو إهمال صلاتها والتخلي عن صيامها."[81].
رابعًا: الاستعانة بهم في أجهزة الدولة :
يقول آدم متز:
"ومن الأمور التي نعجب لها كثرة عدد العمال والمتصرّفين غير المسلمين في الدولة الإسلامية"[82] ..
وقد كان عمر بن الخطاب t يستخدمهم في كتابة الدواوين والترجمة.
المطلب الثالث : وصايا النبي r بأهل الذمة والتحذير من إيذائهم:
أولاً: حرمة قتل الذمي بغير حق :
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍوt:
عَنْ النَّبِيِّ rقَالَ : " مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا"[83].
ثانيًا: حرمة قذف الذمي :
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r :مَنْ قَذَفَ ذِمِّيًّا حُدَّ[84] لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِسِياطٍ مِنْ نَارٍ" قيل لِمَكْحُولٍ: مَا أَشَدُّ مَا يُقَالُ، قَالَ: يُقَالُ لَهُ:يَا ابْنَ الْكَافِر[85]ِ.
ثالثًا: تحريم ظلمه :
عن عبد الله بن جراد ، أن رسول الله r قال :" من ظلم ذميًا مؤدياً الجزية[86] مقرًا بذلته ، فأنا خصمه يوم القيامة "[87] .
وفي ذلك يقول يقول كولدتسيهر[88] :
"فظلم أهل الذمة، وهم أولئك المحتمون بحمى الإسلام من غير المسلمين، كان يحكم عليه بالمعصية وتعدي الشريعة. ففي بعض المرات عامل حاكم إقليم لبنان الشعب بقسوة عندما ثار ضد ظلم أحد عمال الضرائب، فحكم عليه بما قاله الرسول [r]: (من ظلم معاهدًا، وكلفه فوق طاقته فأنا حجيجه يوم القيامة). وفي عصر أحدث من هذا ما رواه بورتر Porter في كتابه (خمس سنين في دمشق) من أنه رأى بالقرب من بصرى (بيت اليهود) وحكى أنه كان في هذا الموضع مسجد هدمه عمر [t] لأن الحاكم قد اغتصبه من يهودي ليبني عليه هذا المسجد!"[89].

المبحث السابع
قيم حضارية في غزوة بدر [ نموذجًا]

كثيرة هي تلك القيم الحضارية التي ظهرت في غزوة بدر[الجمعة 17 رمضان 2هـ - 13مارس624م]كأحداث رئيسية في هذه المعركة..تلك المعركة التي لم تكن في حسبان جيش المسلمين الذين خرجوا لمطاردة ثفقة تجارية لقريش قادمة من الشام يقودها أبو سفيان بن حرب، كمحاولة جديدة لاسترداد بعض أموال المسلمين التي صادرتها قريش !
ولكن قضى الله أمرًا غير الذي أراده المسلمون، فقد استطاع أبو سفيان أن يفلت بالقافلة، بعدما أرسل الى مكة من يخبر قريشاًبالخبر غير الذي أراده المسلمون، فغضب المشركون في مكة، فتجهزوا سراعاً، وخرجوا في ألف مقاتل .. أما أبو سفيان فقد أرسل إلى قيادات مكة ، من يخبرهم بأن القافلة قد نجت، وأنه لا داعي للقتال، وحينئذ رفض أبو جهل إلا المواجهة العسكرية..
وفيما يلي نقف – سريعًا - على بعض القيم الحضارية المستفادة من هذه الغزوة :
المطلب الأول : لا نستعين بمشرك على مشرك :
لما خرج رسول الله r ، إلى بدر، أدركه خبيب بن إساف، وكان ذا بأس ونجدة ولم يكن أسلم، ولكنه خرج منجدًا لقومه من الخزرج طالبًا للغنيمة، وكانت تُذكر منه جرأة وشجاعة، ففرح أصحاب النبي r حين رأوه، فلما أدركه قال: جئت لأتبعك وأصيب معك، فقال له النبي r" أتؤمن بالله ورسوله؟ " قال: لا، قال: "فارجع فلن نستعين بمشرك" " فلم يزل خبيب يلح على النبي، والنبي يرفض، حتى أسلم خبيب، فَسُرّ رَسُولُ اللّهِ r بِذَلِكَ ، وَقَالَ : " انطلق"[90] ..
وعلى النقيض من هذا الموقف، جاء أبو قَيْسُ بْنُ مُحَرّثٍ، يطلب القتال مع المسلمين وقد كان مشركًا، فلما رفض الإسلام، رده رَسُولُ اللّهِ r وَرَجَعَ الرجل إلَى المدينة، وأسلم بعد ذلك[91] .

نرى القائد الإسلامي في هذا الموقف، يرفض أشد الرفض أن يستعين بمشرك على قتال مشرك، وأقل ما نُعَنون به هذا الموقف الحضاري المتكرر في السيرة الغراء، هو عنوان الحرب الشريفة النظيفة، التي تكون من أجل العقائد والمثل، لا من أجل القهر والظفر بالمغانم .. ففي هذا الموقف دلالة على أن الحرب في الإسلام لا تكون إلا من أجل العقيدة، فلا يصح إذن – إذا كنا نقاتل من أجل العقيدة – أن نستعين بأعداء هذه العقيدة في الحرب ..
وتخيل معي شعور الجيش المشرك، عندما تأتيه أنباء رفض القائد الإسلامي الاستعانة عليهم بغير المسلمين.. بيد أن الحروب الجاهلية في الماضي والحاضر يستعين فيها الخصم على خصمه بشتى الملل والنحل، الصالحة والطالحة، المهم أن يظفر الخصم بخصمه، فينهب ويسلب ويغدر .. دون الالتفات إلى قيم أو مثل !
أما القيادة الإسلامية الكريمة ترسخ هذا الأصل الأصيل في أخلاقيات الحروب، بحيث تُظهر عقيدتها السمحة، وتستميل نفوس الجنود الذين جاءوا لحرب المسلمين، ناهيك عن البعد الإعلامي، الذي يسحب القائد الإسلامي بساطه من تحت خصمه، الذي جاء بطرًا ورئاء الناس، فيظهر الخصم المشرك أمام الرأي العام العالمي والإقليمي بمظهر المتعجرف .. أما الجيش الإسلامي فيظهر بمظهر جيش الخير ، الذي يحترم العقيدة ، إلى الدرجة التي يرفض فيها أن يستعين في قتاله بمن يخالف عقيدته!

المطلب الثاني : مشاركة القائد جنوده في الصعاب:
عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال : كنا يوم بدر، كل ثلاثة على بعير، فكان أبو لبابة وعلي بن أبي طالب زميلي رسول الله r قال : فكانت إذا جاءت عقبة رسول الله r قالا : نحن نمشي عنك قال : " ما أنتما بأقوى مني وما أنا بأغنى عن الأجر منكما "[92]
فالقائد الصالح هو من يشارك جنوده الصعاب، ويحفزهم على القليل والكثير من الصالحات، ليكون قدوة طيبة أخلاقية لجنوده في المنشط والمكره، وليس القائد بالذي يتخلف عن جيشه رهبًا من الموقف أو يتلذذ بصنوف النعيم الدنيوي وجنده يكابد الحر والقر.

المطلب الثالث الشورى :
ففي وداي ذَفِرَانَ بلغ النبي نجاة القافلة وتأكد من حتمية المواجهة العسكرية مع العدو.. فاستشار الناس ووضعهم أمام الوضع الراهن إما ملاقاة العدو وإما الهروب إلى المدينة .. فقال لجنوده : " أَشِيرُوا عَلَيّ أَيّهَا النّاسُ"، ولا زال يكررها عليهم، فيقوم الواحد تلو الآخر ويدلو بدلوه، فقام أبو بكر فقال وأحسن . ثم قام عمر فقال وأحسن . ثم قام الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو فقال وأحسن.. حتى قام القيادي الإنصاري البارز سعد بن معاذ، فحسم نتيجة الشورى لصالح الحل العسكري .
فهذا هو المجتمع الإسلامي، الذي يعتبر الشورى ركنًا من أركانه، وأصلاً في بنيانه.. في أيام كانت أوربا تحت حكم وراثي كنسي مستبد، يقيد الجنود بالسلاسل – في المعارك – حتى لا يفروا. لا قيمة عندهم لرأي، ولا وزن - في تصوراتهم – لفكر !

المطلب الرابع : النهي عن استجلاب المعلومات بالعنف :
وهذا مظهر آخر من المظاهر الحضارية في السيرة، فقد حذر رسولنا r من انتزاع المعلومات بالقوة من الناس، ففي ليلة المعركة بَعَثَ النبي r عَلِيّ بْنَ أَبِي طالب فِي مفرزة إلَى مَاءِ بَدْرٍ في مهمة استخباراتية لجمع المعلومات، فوجدوا غلامين يستقيان للمشركين، فأَتَوْا بِهِمَا فَسَأَلُوهُمَا ، وَرَسُولُ اللّهِ r يُصَلّي، فقالا : نَحْنُ سُقَاةُ قُرَيْشٍ . فطفق الصحابة يضربوهما، حتى اضطر الغلامان لتغيير أقوالهما . فلما أتم رسول الله صلاته؛ قال لهما مستنكرًا :"والذي نفسي بيده إنكم لتضربونهما إذا صدقا و تتركونهما إذا كذبا .. إذَا صَدَقَاكُمْ ضَرَبْتُمُوهُمَا، وَإِذَا كَذَبَاكُمْ تَرَكْتُمُوهُمَا ؟ ! ، صَدَقَا ، وَاَللّهِ إنّهُمَا لِقُرَيْشِ"[93] .
هكذا كانت معاملة القيادة الإسلامية لمن وقع في قبض المخابرات الإسلامية للاستجواب، فنهى القائد عن تعذيب المستجوَب، أو انتزاع المعلومات منه بالقوة، فسبق اتفاقية جينيف الثالثة لعام 1949 التي تحظر إجبار الأسير على الإدلاء بمعلومات سوى معلومات تتيح التعرف عليه مثل اسمه وتاريخ ميلاده ورتبته العسكرية، ، وجرّم رسول الله كل أعمال التعذيب أو الإيذاء أوالضغط النفسي والجسدي التي تمارس على الأسير ليفصح عن معلومات حربية .
وثمة تقدم إسلامي على هذه الاتفاقات الأخيرة، فرسول الله قد طبق هذه التعاليم التي تحترم حقوق الأسير، بيد أن دول الغرب في العصر الحديث لم تعير اهتمامًا لهذه الاتفاقات ولم تحترمها، والدليل على ذلك ما يفعله الجنود الأمريكيون في الشعب العراقي والأفغاني .. وما يفعله الصهاينة في الشعب الفلسطيني.

المطلب الخامس : احترام آراء الجنود:
فلما تحرك رسول الله إلى موقع المعركة، نزل بالجيش عند أدنى بئر من آبار بدر من الجيش الإسلامي، وهنا قام الْحُبَاب بْنَ الْمُنْذِرِ وأشار على النبي بموقع آخر أفضل من هذا الموقع، وهو عند أقرب ماء من العدو، فَقَالَ له رَسُولُ اللّهِ r - مشجعًا - :" لَقَدْ أَشَرْت بِالرّأْيِ"[94].وبادر النبي بتنفيذ ما أشار به الحباب ، ولم يستبد برأيه رغم أنه القائد الأعلى، وعليه ينزل الوحي من السماء!
إن هذه المواقف لتبين كيف تكون العلاقة بين القائد وجنوده، إنها علاقة تحترم الآراء الناضجة وتشجع الأفكار الصاعدة .

المطلب السادس : العدل بين القائد والجندي :
قلما نرى في تاريخ الحروب صورة تعبر عن العدل بيت القادة والجنود، فالتاريخ الإنساني حافل بصور استبداد القادة العسكريين وظلمهم للجنود.. أما محمد فنراه في أرض المعركة يقف أمام جندي من جنوده ليّقتص الجندي منه .. أما الجندي فهو ِسَوَادِ بْنِ غَزِيّةَ، لما اسْتَنْتِل من الصف، غمزه النبي غمزة خفيفة في بَطْنِهِ - بالسهم الذي لا نصل له - وقال : " اسْتَوِ يَا سَوّادُ !" .. قال : يا رسول الله ! أوجعتني ! وقد بعثك الله بالحق والعدل؛ فَأَقِدْنِي ! فكشف رسول اللّهِ r عَنْ بَطْنِهِ، وَقَالَ : " اسْتَقِدْ" .. فَاعْتَنَقَهُ فَقَبّلَ بَطْنَهُ ! فَقَالَ النبي r : " مَا حَمَلَك عَلَى هَذَا يَا سَوّادُ ؟ " ، قال : حضر ما ترى، فَأَرَدْتُ أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك ! فدعا له رسول الله بخير[95]

المطلب السابع : الحوار قبل الصدام :
أراد النبي أن يستنفذ كل وسائل الصلح والسلام قبل أن يخوض المعركة، فما أُرسل إلا رحمة للعالمين، فأراد أن يبادر بمبادرة للسلام ليرجع الجيشان إلى ديارهما، فتُحقن الدماء، أو ليقيم الحجة على المشركين، فلما نَزَلَ الجيش الوثني أرض بدر أَرْسَلَ رَسُولُ اللّهِ r عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ إلَى قُرَيْشٍ، وقد كان سفيرهم في الجاهلية، فنصحهم عمر بالرجوع إلى ديارهم حقنًا للدماء .. فتلقفها حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ أحد عقلاء المشركين، فقال: قد عَرَضَ نِصْفًا، فَاقْبَلُوهُ، والله لا تُنْصَرُونَ عليه بعد ما عرض من النّصْفِ . فقال أبو جهل : والله لا نرجع بعد أن أمكننا الله منهم[96]. فانظر حرص الرسول على حقن الدماء وحرص أبي جهل على سفك الدماء، وانظر إلى هذه القيمة الحضارية التي يسجلها نبي الرحمة في هذه المعركة : الحوار قبل الصدام .

المطلب الثامن : الوفاء مع المشركين :
فقد قال النَّبِي في أُسَارَى بدر: " لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ"[97] !!
وذلك لأن المطعم قد أدخل النبي r في جواره فور رجوعه من الطائف إلى مكة، وفي الوقت الذي تخلى فيه الناس عن حماية النبي خوفًا من بطش أبي جهل، قال المطعم : "يا معشر قريش، إني قد أجرت محمدًا فلا يهجه أحد منكم " .. وقد حفظ النبي r للمطعم هذا الصنيع وهذه الشهامة .
وقال النّبِيّ r في هذا اليوم أيضًا: "مَنْ لَقِيَ أَبَا الْبَخْتَرِيّ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْحَارِثِ ابْنِ أَسَدٍ فَلَا يَقْتُلْهُ، وَمَنْ لَقِيَ الْعَبّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، فَلَا يَقْتُلْهُ، فَإِنّهُ إنّمَا أُخْرِجَ مُسْتَكْرَهًا ."[98] وقد كان العباس في مكة بمثابة قلم المخابرات للدولة الإسلامية، وقد كان مسلمًا يكتم إيمانه .. أما أبو الْبَخْتَرِيّ فقد كان أكف المشركين عن المسلمين، بل ساند المسلمين في محنتهم أيام اعتقالهم في الشِعب، وكان ممن سعى في نقض صحيفة المقاطعة الظالمة، ومن ثم كانت له يد على المسلمين، فأرد النبي يوم بدر أن يكرمه. فالقيادة الإسلامية تحفظ الجميل لإصحاب الشهامة وإن كانوا من فسطاط المشركين .

المطلب التاسع : حفظ العهود :
قال حذيفة بن اليمان: ما منعنا أن نشهد بدرًا إلا أني وأبي أقبلنا نريد رسول الله r فأخذنا كفار قريش فقالوا: إنكم تريدون محمدًا، فقلنا: ما نريده إنما نريد المدينة، فأخذوا علينا عهد الله وميثاقه لتصيرن إلى المدينة ولا تقاتلوا مع محمد r ، لما جاوزناهم أتينا رسول الله r فذكرنا له ما قالوا وما قلنا لهم فيما ترى؟ قال: "نستعين الله عليهم ونفي بعهدهم"[99] !! .
وهذا الموقف من رسول الله يعد من مفاخر أخلاقيات الحروب في تاريخ الإنسانية، فلم ير المؤرخون في تاريخ الحروب قاطبة موقفًا يناظر هذا الموقف المبهر، ذلك الموقف الذي نرى فيه القيادة الإسلامية تحترم العهود والعقود لأقصى درجة، حتى العهود التي أخذها المشركون على ضعفاء المسلمين أيام الاضهاد، رغم ما يعلو هذه العقود من شبه الإكراه .

المطلب العاشر : النهي عن المثلة بالأسير :
لما أُسر سهيل بن عمرو أحد صناديد مكة فيمن أُسر، قال عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ لِرَسُولِ اللّهِ r: يَا رَسُولَ اللّهِ، دَعْنِي أَنْزِعْ ثَنِيّتَيْ سهيل بن عمرو، وَيَدْلَعُ لِسَانَهُ فلا يقوم عليك خطيبًا في موطن أبدًا ! وقد كان خطيبًا مفوهًا، يهجو الإسلام. فقَالَ رَسُولُ اللّهِ r - في سماحة وسمو -: " لا أُمَثّلُ بِهِ، فَيُمَثّلُ اللّهُ بِي وَإِنْ كُنْتُ نَبِيّا !!"[100]. فلم يمثل به كما يمثل الهمجيون في قتلى وأسرى الجيش المهزوم، وسن بذلك سنة حسنة في الحروب، ويبقى له الفضل والسبق في تحريم إهانة الأسرى أو إيذائهم .

هكذا كان نبي الرحمة في ميدان القتال ، لا يستعين بمشرك على مشرك، يشارك جنوده ، ويستشيرهم، ويعدل بينهم، ويحترم آرائهم، ويحاور أعدائه، ويكون وفيًا كريمًا لأهل الفضل منهم، ويكرم االأسرى، وينهى عن إيذائهم













الفصل السادس
رحمته للعالمين في مجال المرأة والطفل
المبحث الأول : تحرير المرأة من الجاهلية
المبحث الثاني : مميزات المرأة في الإسلام
المبحث الثالث : رحمته للأطفال
المبحث الرابع : رحمته للبنات
المبحث الخامس : رحمته للإيتام
المبحث السادس : رحمته للأرامل





















المبحث الأول
تحرير المرأة من الجاهلية

في هذا المبحث نرى مظهراً جلياً من مظاهر رحمة سيدنا محمد r .. إنه تحرير المرأة، من ظلام الجاهلية . .
وبالطبع يحدثنا عن هذا المظهر من مظاهر الرحمة علماء الغرب !
لا سيما في معرض تناولهم لوضع المرأة العربية في عهد النبيr..
ونلحظ في هذه الآراء التقدير العالي من هؤلاء العلماء الغربيين لإصلاحت النبي rالتي رفعت من قدر المرأة، وحمايتها من الوأد والإقصاء والتهميش .
المطلب الأول : محمد r منقذ المرأة :
يقول الباحث البريطاني " جب "، متحدثًا عن محمد r:
" إنه من المسَلم به عالمياً بصفة عامة أن إصلاحاته [r] رفعت من قدر المرأة ومنزلتها ووضعها الإجتماعي والشرعي "[101] .
"ورفع عن المرأة قيد العبودية التي فرضتها تقاليد الصحراء "[102]..
ويرى العلامة ول ديورانت[103]أن الإسلام قد رفع "من مقام المرأة في بلاد العرب ... وقضى على عادة وأد البنات، وسوّى بين الرجل والمرأة في الإجراءات القضائية والاستقلال المالي، وجعل من حقها أن تشتغل بكل عمل حلال ، وأن تحتفظ بما لها ومكاسبها، وأن ترث، وتتصرف في مالها كما تشاء، وقضى على ما اعتاده العرب في الجاهلية من انتقال النساء من الآباء إلى الأبناء فيما ينتقل لهم من متاع ، وجعل نصيب الأنثى في الميراث نصف نصيب الذكر، ومنع زواجهن بغير إرادتهن"[104].

ويوضح إميل درمنغم كيف حرر النبي rالمرأة، ويفصل في ذلك..قائلاً:
" مما لا ريب فيه أن الإسلام رفع شأن المرأة في بلاد العرب و حسَّن حالها، قال عمر بن الخطاب [t ] :(مافتئنا نعد النساء من المتاع حتى أوحى في أمرهن مبينًا لهن )، وقال النبي [r]:( أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم ).. أجل، إن النبي [r] أوصى الزوجات بإطاعة أزواجهن، ولكنه أمر بالرفق بهن ونهى عن تزويج الفتيات كرهاً وعن أكل أموالهن بالوعيد أو عند الطلاق " [105].
يقول نظمي لوقا " ولم يكن للنساء نصيب في المواريث أيام الجاهلية ... فأنزلت الآية التي تورث النساء. وفي القرآن تحريم لوأد البنات، وأمر بمعاملة النساء والأيتام بالعدل، ونهى محمد [r]عن زواج المتعة وحمل الإماء على البغاء .." [106] .
ويقول سوسة : ".. كانت المرأة في ديار العرب قديمًا محض متاع، مجرد ذكرها أمرٌ ممتهن. هكذا كان الوضع حينما جاء محمد [r]، فرفع مقام المرأة في آسيا من وضع المتاع الحقير إلى مرتبة الشخص المحترم الذي له الحق في الحياة حياة محترمة، كما أن له الحق في أن يملك ويرث المال"[107].
المطلب الثاني : افتراءات وردود :
وهذه افتراءات يلوكها بعض الحاقدين، والرد عليها من قبل العلماء المسلمين وغير المسلمين:
الفرية الأولى : حول تعدد الزوجات :
أولاً: فيما يخص تعدد الزوجات الخاص بشخص النبي r :
يقول كويليام :
"أما تعدد الزوجات فإن موسى [عليه السلام] لم يحرمها، وداود [عليه السلام] أتاها، وقال بها ولم تحرم في العهد الجديد (أي الإنجيل) إلا من عهد غير بعيد. ولقد أوقف محمد [r] الغلوّ فيها عند حدّ معلوم."[108]
والحق أن محمدrلم يكن بدعًا من الرسل في قضية التعدد، فإبراهيم عليه السلام تزوج سارة ثم هاجر، و يعقوب عليه السلام تزوج بأربع نسوة، و داود عليه السلام تزوج بأكثر مما تزوج رسول الله بل يتهمه العهد القديم – ظلمًا - بأنه زنى بامرأة أوريا وقتل زوجها بالحيلة، ثم أخذها[109]، وتزوج سليمان -عليه السلام- بألف امرأة، سبعمائة منهن حرائر من بنات السلاطين وثلثمائة جوار[110].

كما أن التعدد كان سنةً جارية عند العرب، لاسيما عند الزعماء، فهو رمز للفحولة عندهم، ولقد كان الرجل يأتي النبي r ، فيقول: عندي ست زوجات أو تسع أو عشر أو أكثر، فبم تأمرني؟. فيأمره بأن يمسك أربعاً منهن ويسرح الأخريات[111]! وإلا لو لم يكن التعدد شائعاً عند العرب لاتخذوا تعدد الرسول r مطعناً فيه، أو سبة له، ولم يرد ذلك على لسان أحدٍ منهم. بل نرى أن جمع النبي بين تسع نسوة يعد عددًا متواضعا في عرف العرب في ذلك الوقت !

ثانيًا:فيما يخص تعدد الزوجات العام:
يقول إميل درمنغم:
"وأباح [النبي r] تعدد الزوجات..ولم يوصي الناس به، ولم يأذن فيه إلا بشرط العدل بين الزوجات فلا يهب لإحداهن إبرة دون الأخرى"[112].
ويتسائل إميل درمنغم قائلاً : "وأيهما أفضل : تعدد الزوجات الشرعي أم تعدد الزوجات السري؟...إن تعدد الزوجات من شأنه إلغاء البغاء والقضاء على عزوبة النساء ذات المخاطر"[113].
ويقول جاك ريسلر: " وفي الحق أن تعدد الزوجات بتقييده الانزلاق مع الشهوات الجامحة، قد حقق بهذا التشريع الإسلامي تماسك الأسرة، وفيه ما يسوغ عقوبة الزوج الزاني "[114].
ويبن "لايتنر" : " أن هذا التعدد في الزواج مشروط بشروطه، فيقول "يَقدر الرجل أن يتزوج من أربع نساء بشرط المساواة بينهن في كل شيء حتى بالمحبة والوداد، فإن لم يكن قادرًا على كل ذلك فلا يباح له بإن يتزوج غير واحدة .ومن يتدبر شريعته [r] يرى أنه قد حض على الزواج بامرأة واحدة ، ولقد رفع مقام المرأة ورقاها رقيًا عظيمًا ، فإنها بعد ما كانت تعد كمتاع مملوك صارت مالكة، وحكمها مؤيد وحقوقها محفوظة"[115] .
ويرد " كويليام " –أيضًا - على أصحاب هذه الفرية، فيقول لهم :
" جاء في القرآن ]فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً[ (سورة النساء، الآية: 3)، فيما يتعلق بمسألة تعدد الزوجات التي تنتقدون فيها على المسلمين ظلمًا وعدوانًا. إذ لا شك في أنكم تجهلون عدل النبي [r] بين أزواجه [رضوان الله عليهن] وحبه فيهن حبًّا مساويًا مما علم المسلمين الانتماء والإنصاف بينهن. على أن القرآن لم يأمر بتعدد الزوجات بل جاء بالحظر مع الوعيد لمن لا يعدل في الآية المتقدمة، ولذلك ترى اليوم جميع المسلمين منهم القليل لا يتزوجون إلا امرأة واحدة خوف الوقوع تحت طائلة ما جاء من الإنذار في القرآن المجيد. وإذا سلّمنا على العموم بأن عدم تعدد الزوجات أوفق للمعاشرة الدنيوية من تكررهن، فلا نسلم بالاعتراف بذلك على الوجه المتعارف اليوم بأوروبا من حصر الزواج في امرأة واحدة إذعانا للقانون واتخاذ عدة أزواج أخرى [غير شرعيات] من وراء الجدار..!!"[116]
الفرية الثانية: قول أحدهم :إن الإسلام لا يسوي بين المرأة والرجل :
ويرد جاك ريسلر على هذه الفرية، فيقول :
".. لقد وضعت المرأة على قدم المساواة مع الرجال في القضايا الخاصة بالمصلحة فأصبح في استطاعتها أن ترث، وأن تورث، وأن تشتغل بمهنة مشروعة"[117] .
ويقول العالم القانوني مارسيل بوازار:
" إن الإسلام يخاطب الرجال والنساء على السواء ويعاملهم بطريقة (شبه) متساوية[118] وتهدف الشريعة الإسلامية بشكل عام إلى غاية متميزة هي الحماية، ويقدم التشريع للمرأة تعريفات دقيقة عما لها من حقوق ويبدي اهتمامًا شديدًا بضمانها . فالقرآن والسنة يحضان على معاملة المرأة بعدل ورفق وعطف... وسعيا[ أي القرآن والسنة] إلى رفع وضع المؤمنة بمنحها عددًا من الطموحات القانونية . أمام القانون و الملكية الخاصة الشخصية، والإرث "[119].
ويقول نظمي لوقا :"وفي سور القرآن أشار إلى المساواة عند الله بين الذكر والأنثى بغير تفريق في التكليف أو الجزاء ، وإشارة صريحة مساواة المرأة والرجل في ثمرات الأعمال و الجهود .. وفي بعض الأمم القديمة ، والحديثة، كانت المرأة تحرم غالباً من الميراث، فأبى الإسلام هذا الغبن الفاحش.. "[120].
ويقول في موضع آخر : " ليس الإسلام-على حقيقته-عقيدة رجعية تفرق بين الجنسين في القيمة . بل إن المرأة في موازينه تقف مع الرجل على قدم المساواة . لا يفضلها إلا بفضل، ولا يحبس عنها التفضيل إن حصل لها ذلك الفضل بعينه في غير مطل أو مراء وما من امرأة سوية تستغني عن كنف الرجل بحكم فطرتها الجسدية والنفسية على كل حال"[121].

الفرية الثالثة : قول أحدهم: إن الإسلام لا يهتم بتعليم المرأة :
تقول "ماكلوسكي ":
"لقد دعا الإسلام إلى تعليم المرأة، وتزويدها بالعلم والثقافة لأنها بمثابة مدرسة لأطفالها. قال رسول الله r: (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة). لقد منح الإسلام المرأة حق التملك وحرية التصرف فيما تملك. وفي الوقت الذي نرى فيه أن المرأة في أوروبا كانت محرومة من جميع هذه الحقوق إلى عهد قريب جدًّا، نجد أن الإسلام منح المرأة بالإضافة إلى ما تقدم حق إبرام العقود للزواج. والمهر في نظر الإسلام هو حق شخصي للمرأة. والمرأة في الإسلام تتمتع بحرية الفكر والتعبير.."[122].

الفرية الرابعة : حول ضرب الزوج لزوجته:
ونرد هذه الشبه ونقول :
من المعلوم أن المذاهب والشرائع الوضعية التي كانت تسود العالم قبيل بعثة النبي r، كانت تشرِّعُ العنف ضدَّ المرأة إلى حد القتل!
وكانت المرأة في نظر الكنيسة في العصور الوسطى، جرثومة ملعونة ، وهي مصدر الذنوب والآثام[123] !

أما الإسلام فهو يحرّم العنف ضد المرأة، غير إن الشرع أباح استخدام الضرب للتأديب في نطاقٍ ضيقٍ جداً، وذلك خاصٌّ بالمرأة الناشز التي خرجت عن قوامة زوجها، وشكلت تهديداً لنظام الأسرة، وأصرت عليه، إذ لا يبيح الإسلام اللجوء إلى الضرب إلا بعد استخدام الوعظ كمرحلة أولى، ثم يجرَّب الهجر في المضاجع أثناء النوم بشروط وضوابط فقهية، ولا يهجر إلا في البيت، فإذا لم يجد الوعظ ولا الهجر فلا حرج من اللجوء إلى ضربٍ غير مبرح، هو إلى التهديد أقرب منه إلى التنفيذ، إذا وجد المصلحة في ذلك، ومثل هذه المرأة التي لم يصلحها وعظٌ ولا هجرٌ - والهجر عند النساء أشدُّ من الضرب نفسه ؛ لرقتهن وغلبة العاطفة عليهن – غالباً ما تكون في حالة شذوذٍ نفسي، وقد ينفع فيه العقاب البدني كحلٍّ أخيرٍ، وهو - رغم ما فيه من ضررٍ على المرأة - خيرٌ من الطلاق وتمزيق الأسرة، وهي أشبه ما تكون بقاعدة الضرورة التي تباح في بعض الحالات الاستثنائية[124] ..

إن التشريع الإسلامي في هذه القضية منطقي وموزون ومعتدل بالنظر إلى وضع المرأة المقذذ في الحضارات الأخرى التي تضهد النساء، وبالنظر أيضًا إلى النظام الإسلامي الذي يعطي الرجل حق القوامة على الأسرة، أي رئاسة مؤسسة البيت وتدبير شؤونه، ومثل هذه السلطة لا بد لها من قوة تجعلها نافذة وضابطة وإلا فإنها ستبقى حبراً على ورقٍ ليس غير..

الفرية الخامسة: حول الحجاب وحق المرأة في ستر عورتها :
تقول "روز ماري هاو ":
" الحجاب يحافظ على كرامة المرأة ويحميها من نظرات الشهوة، ويحافظ على كرامة المجتمع ويكف الفتنة بين أفراده. لذلك فهو يحمي الجنسين من الانحراف. وأنا أؤمن أن السترة ليست في الحجاب فحسب، بل يجب أن تكون العفة داخلية أيضًا، وأن تتحجب النفس عن كل ما هو سوء"[125].
وتثني "لورا فيشيا فاغليري" على هذا الكلام وتقول: "وليس هذا ناشئًا عن قلة احترام للنساء، أو ابتغاء كبت إرادتهن، ولكن لحمايتهن من شهوات الرجال. وهذه القاعدة العريقة في القدم، القاضية بعزل النساء عن الرجال، والحياة الأخلاقية التي نشأت عنها، قد جعلتا تجارة البغاء المنظمة مجهولة بالكلية في البلدان الشرقية، إلا حيثما كان للأجانب نفوذ أو سلطان. وإذا كان أحد لا يستطيع أن ينكر قيمة هذه المكاسب فيتعين علينا أن نستنتج أن عادة الحجاب.. كانت مصدر فائدة لا تثمن للمجتمع الإسلامي"[126].


[1] أنجوغو أمبكي صمب : أروع القيم الحضارية في سيرة سيد البرية، ص 40 وما بعدها

[2] رواه ابن ماجة (2857 ) و الطبراني في المعجم الكبير ج 8 ص 70 ، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجة .

[3] صحيح – رواه البخاري - (5089)، ومسلم (3616)

[4] صحيح – رواه مسلم (3620)

[5] العسيف : الأجير المستهان به

[6] حسن - رواه ابن ماجة (2842)، و الحاكم ( 2 / 122 )، وهو في السلسلة الصحيحة برقم ( 701 )

[7] صحيح - رواه أحمد ( 3 / 435 ) و الدارمي ( 2 / 223 )، وهو في السلسلة الصحيحة (402)

[8] الهرم : الذي بلغ أقصى الكبر

[9] الغلول : الخيانة والسرقة

[10] مالك ( 858)، وابن أبي شيبة ج 7 ص 645 ، وعبد الرزاق (9375)

[11] معرفة السنن والآثار للبيهقي - (5645)

[12]أنجوغو أمبكي صمب : أروع القيم الحضارية في سيرة سيد البرية، ص 40 وما بعدها

[13] لويس سيديو، بتصرف : (نقلا عن كتاب الإسلام بين الإنصاف و الجحود ، ص 134).

[14] كارين أرمسترونج : سيرة النبي محمد ص19

[15] كارين أرمسترونج : سيرة النبي محمد، ص393.

[16] ديسون : محمد بن عبد الله، 59

[17] دوزي: ملحق وتكملة القواميس العربية، مقدمة الكتاب

[18]جوستاف لوبون : حضارة العرب، ص ص128-129

[19] جوستاف لوبون : حضارة العرب، ص 127

[20] السيف.

[21] لورافيشيا فاغليري : دفاع عن الإسلام 11 ، 12

[22] انظر : عباس محمود العقاد : حقائق الإسلام وأباطيل خصومه: 227

[23] توماس كارلايل: الابطال ، ص 76

[24] انظر: ابن سيد الناس : عيون الأثر 2\50

[25] ابن القيم : زاد المعاد 3/117، و ابن سيد الناس : عيون الأثر 2/ 54، وابن هشام 2/240

[26] انظر: جمعة علي الخولي: معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم لبني قريظة، والرد على ما يثار حولها من شبهات، مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود، العدد 57،

[27] سفر التثنية – الإصحاح العشرون 10: 18.

[28] مولانا محمد علي : حياة محمد ورسالته ص 175

[29] الروض الأنف 3/ 422، ابن سيد الناس 2\ 38، وابن كثير : البداية والنهاية 4/103

[30] انظر: محمد رجب البيومي ، مجلة الحج العدد 12 السنة 88.

[31] محمود شيت خطاب : الرسول القائد، 259

[32] انظر: جمعة علي الخولي: معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم لبني قريظة، والرد على ما يثار حولها من شبهات، مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود، العدد 57، وانظر: محمد رجب البيومي، مجلة الحج العدد 12 السنة 88.

[33] مولانا محمد علي : حياة محمد و سيرته ، ص 269

[34] لويس سيديو: (نقلا عن كتاب الإسلام بين الإنصاف و الجحود ، ص 134).

[35] سورة الأنفال:الآية 67

[36] ابن القيم : زاد المعاد ، 3 \ 99

[37] ابن كثير: البداية والنهاية، 3\ 307

[38] سورة الإنسان:الآية 8

[39] أيام كان على غير الإسلام، وكان في جيش المشركين.

[40] ابن هشام (1 / ص 644)

[41] ابن هشام ( 1 / ص 644)، وابن سيد الناس : عيون الأثر 1\393

[42] البخاري (2846) وانظر: ابن حجر العسقلاني- فتح الباري6/ 144

[43] قبل إسلامه، أيام كان في جيش قريش، وأسره الصحابه في معركة بدر .

[44] انظر: الواقدي: المغازي 1/119.

[45] سبل الهدى والرشاد - (ج 4 / ص 71)

[46] انظر: علي محمد الصلابي : السيرة النبوية، 2\42

[47] ابن كثير: البداية والنهاية، 4\ 159

[48] ابن كثير: البداية والنهاية، 4\ 159

[49] انظر: علي محمد الصلابي : السيرة النبوية، 2\184

[50] جان باغوت غلوب : الفتوحات العربية الكبرى، ص 157- 158.

[51]عردت: اشتدت وضربت، القاموس المحيط (1/313).

[52] الهباءة: غبار الحرب, مختار الصحاح، ص689.

[53]الخادر: المقيم في عرينه، والخدر ستر يمد للجارية من ناحية البيت.

[54] انظر: ابن هشام : السيرة النبوية (4/144).، والبيهقي : دلائل النبوة ( 5/ 270)،برقم 5440، وعلي محمد الصلابي : السيرة النبوية، ص 405، 406،

[55] جبل التنعيم : موضع بمكة في الحل، وهو الآن مدينة صناعية بالمملكة العربية السعودية. انظر:معجم البلدان 2\49، ومعجم معالم الحجاز 2\44

[56]انظر: ابن القيم : زاد المعاد (3 \ 99)

[57]انظر: ابن القيم : زاد المعاد (3 \ 99)

[58] صحيح – رواه البخاري (442) عن أبي هريرة

[59] صحيح – رواه البخاري (4024)، ومسلم ( 3310 ) عن أبي هريرة

[60] صحيح – رواه البخاري (4024)، ومسلم ( 3310 ) عن أبي هريرة

[61] انظر: وهبة الزحيلي : آثار الحرب، ص: (414).

[62] ممدوح إبراهيم الطنطاوي : أخلاقيات الحرب في الإسلام، مجلة الجندي المسلم : العسكرية الإسلامية العدد 112

[63] انظر: صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب قوله تعالى : " وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ"، برقم 1808،. وابن القيم : زاد المعاد ( 5 \ 59 ) .

[64] ابن القيم : زاد المعاد (3/187).

[65] البخاري (7/234) كتاب المغازي، باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على كفار قريش.

[66]علي بن برهان الدين الحلبي: السيرة الحلبية 2/628

[67] رواه أحمد (2230)،) 2442 )، والتِّرْمِذِيّ ( 1715 ) والقصة منتشرة في كتب السيرة.

[68] علي بن برهان الدين الحلبي: السيرة الحلبية 2/628

[69] رواه ابن أبي شيبة (36824) ، المتقي الهندي : كنز العمال ( 30102 )، ورواه الفزاري في السير ( 10) ، ولم أقف على صحة الحديث .

[70] رواه البيهقي في دلائل النبوة (1320)، ولم أقف على سنده .

[71] السرخسي : شرح كتاب السير الكبير - (ج 1 / ص 448)

[72] علي بن برهان الدين الحلبي: السيرة الحلبية 2/ 628

[73] رواه البيهقي في دلائل النبوة (1320)، وانظر: علي بن برهان الدين الحلبي: السيرة الحلبية 2/ 628

[74] أدوار بروي: تاريخ الحضارات العام ، 3 / 116

[75]مونتكومري وات: تأثير الإسلام على أوروبا في العصور الوسطى ، ص 13

[76] مونتكومري وات : تأثير الإسلام على أوروبا في العصور الوسطى ، ص 13 – 14 .

[77] روم لاندو:الإسلام والعرب ، ص119

[78] ول ديورانت : قصة الحضارة ، 3 / 130 – 131 .

[79]آدم متز: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع ، 1 / 69 – 70 .

[80] آرثر ستانلي تريتون : ولد عام 1881 عين مساعد أستاذ للعربية في أدنبرا (1911) وكلاسكو (1919) وأستاذ في عليكرة في الهند (1921) ومدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية بلندن (1931-38-47)من آثاره: (الخلفاء ورعاياهم من غير المسلمين) (1930)، (علم الكلام في الإسلام) (1947)، (الإسلام إيمان وشعائر) (1950)، (مواد في التربية الإسلامية) (1957).

[81] آرثر ستانلي تريتون : أهل الذمة في الإسلام ، ص 158 – 159

[82] آدم متز : الحضارة الإسلامية في القرن الرابع 1 / 87 .

[83] صحيح – رواه البخاري، برقم 6403، باب بَاب إِثْمِ مَنْ قَتَلَ ذِمِّيًّا بِغَيْرِ جُرْمٍ

[84] حُد : أقيم عليه الحد والعقوبة

[85] المعجم الكبير للطبراني (ج 15 / ص 434)، مسند الشاميين للطبراني (ج 9 / ص 316)

[86] الجزية : هي عبارة عن اشتراك مالي يدفعه المعاهد أو الذمي من غير المسلمين، وهي مقابل إقامتهم في الدولة الإسلامية وحمايتها لهم.

[87] أبو نعيم الأصبهاني : معرفة الصحابة (ج 11 / ص 339)

[88] كولد تسيهر (1850-1921م) : عين أستاذًا محاضرًا في كلية العلوم بجامعة بودابست (1873) ثم أستاذ كرسي (1906). من آثاره: كتاب (العقيدة والشريعة في الإسلام) (باريس 1920)، و(درس في الإسلام) في جزأين كبيرين.

[89]كولدتسيهر: العقيدة والشريعة في الإسلام ، ص 46-47

[90] ابن سعد (ج 3 / ص 535)

[91] الواقدي (ج 1 / ص 48)

[92] ابن هشام ( 2/ 389 ) وحسنه الألباني في تحقيق فقه السيرة 167

[93] ابن هشام (ج 1 / ص 616)

[94] ابن هشام - (ج 1 / ص 620)

[95] ابن هشام - (ج 1 / ص 626)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، 2835

[96] الواقدي - (ج 1 / ص 62)

[97] البخاري، ح: 2906

[98] ابن سعد - (ج 4 / ص 10)

[99] انظر: المستدرك للحاكم (4896 )، صحيح الإسناد وأقره الذهبي

[100] ابن هشام - (ج 1 / ص 649)

[101] هـ. أ. ر. جب : المحمدية ، ص 33.

[102]هذه الجملة لجيمس متشنر، نقلاً عن نقلا عن كتاب قالوا في الاسلام بقلم حسن الشيخ خضر الظالمي ص 50

[103] مؤلف أمريكي معاصر، تعد موسوعته ( قصة الحضارة) ذات ثلاثين مجلدا ، واحد ة من أشهر الموسوعات التي تؤرخ للحضارة البشرية، عكف على تأليفها السنين الطوال، وأصدر الكتاب الأول منها عام 1935، ثم تلته بقية الأجزاء ومن كتبه ( قصة الفلسفة ) .

[104] ول ديورانت: قصة الحضارة ، 13/60

[105] إميل درمنغم :حياة محمد ، ص 329-330.

[106] نظمي لوقا: محمد الرسالة والرسول ص 96

[107] أحمد سوسة : في طريقي إلى الإسلام ، 2/42

[108] عبد الله كويليام: العقيدة الإسلامية :ص22 – 23

[109] انظر: العهد القديم :سفر صموئيل الثاني ، الباب الحادي عشر

[110] انظر: العهد القديم : الباب الحادي عشر من سفر الملوك الأول

[111] صحيح – أخرجه الترمذي ( 1 / 211 ) وابن أبي شيبة ( 7 / 51 / 1 ) وابن ماجه ( 1953 ) وقال الألباني : صحيح، وذلك عن قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- لغيلان بن سلمة حين أسلم وتحته عشر نسوة : " أمسك أربعا وفارق سائرهن " . وفي رواية أخرى قال عروة بن مسعود الثقفي -: " أسلمت وتحتي عشر نسوة، أربع منهم من قريش إحداهن بنت أبي سفيان" .. فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: " اختر منهن أربعًا وخل سائرهن فاخترت منهن أربعا منهن ابنة أبي سفيان " .

[112] إميل درمنغم: حياة محمد ، ص 330.

[113] إميل درمنغم: حياة محمد ، ص 330-331.

[114]جاك ريسلر: الحضارة العربية ، ص 52

[115]لايتنر: دين الإسلام ، ص 11

[116] عبد الله كويليام : العقيدة الإسلامية ص 38 – 39

[117] جاك ريسلر : الحضارة العربية ، ص 52

[118] الصحيح : "بطريقة متساوية"، ولعله يقصد أن الإسلام أخذ في اعتباره التفوق الجسمي للرجل على المرأة، فكلف الرجل بالقتال أوالإنفاق على الأسرة دون النساء على سبيل المثال.

[119] مارسيل بوازار: إنسانية الإسلام، ص 108

[120] نظمي لوقا: محمد الرسالة والرسول ص 96

[121] نظمي لوقا: محمد الرسالة والرسول ص 100، 101

[122] انظر: عرفات كامل العشي : رجال ونساء أسلموا ، 9/62 ، 63

[123] انظر: اميل درمنغم: حياة محمد ، ص 331

[124] انظر: محمد علي الخطيب: رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة، 50.

[125] انظر: عرفات كامل العشي : رجال ونساء اسلموا 8 \25-26 .

[126] لورافيشيا فاغليري : دفاع عن الإسلام ، ص103 – 104 .
__________________
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 01-30-2012, 12:43 AM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,418
افتراضي

المبحث الثاني
مميزات المرأة في الإسلام
يقول مارسيل بوازار:
".. أثبتت التعاليم القرآنية وتعاليم محمد [r] أنها حامية حمى حقوق المرأة"[1] ..
ونذكر في ذلك عدة نماذج :
المطلب الأول: الاستقلال الفكري للمرأة :
من أهم المميزات التي منحها الإسلام للمرأة، أن الإسلام احترم الاستقلال الفكري للمرأة، واحترم علمها وبيعتها وشهادتها ووجهة نظرها .. فيقول الله تعالى في القرآن : ]يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ[[2]
"والآية تشير -بجانب ما فيها من أحكام- إلى ما كانت تستمتع به المرأة من استقلال فكري وكيان أدبي محترم"[3] في عهد محمد r
و"لم تكن النساء [المسلمات] متأخرات عن الرجال في ميدان العلوم والمعارف فقد نشأ منهن عالمات في الفلسفة والتاريخ والأدب والشعر وكل ألوان الحياة"[4]..

المطلب الثاني: حقوق المرأة في أمور الزواج :
ولقد كانت المرأة في الجاهلية لا حق لها في اختيار زوجها، أما في شريعة الإسلام فقد جعل الإسلامُ حقاً للمرأة في حرية اختيار زوجها، فقد بوب الإمام البخاري في صحيحه : وقال: باب لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاهما، ثم أورد حديث أبي هريرة t أن النبي r قال: "لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن"، قالوا يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال: "أن تسكت"[5]..
وفي هذا يقول الباحث الفرنسي آتيين دينيه : " بفضل تشريعاته [r] الحكيمة أصبحت البنت البالغ تستشار قبل زواجها ، وأصبح المهر لا يعطى للأب بل للعروس نفسها ، وقد وصف أعداء الإسلام تلك السنة الحكيمة بأنها : " شراء للمرأة " . وهم لم يسمعوا - فيما أظن - ذلك الجواب المفعم الذي يمكن أن يرد به المسلمون عليهم حينا يقولون لهم : إن المهر في بعض الأقطار العربية يدفعه والد البنت إلى رجلها ! ... وفوق ذلك ، فالمسلم مكلف بسائر حاجات البيت دون أن يكون له أي حق في التصرف في مال امرأته."[6]
" وأتبع [r] ذلك بأن منح المرأة حق المطالبة بالطلاق إن لم يوف الرجل بواجباته الزوجية "[7] ، وهو حق آخر للمرأة، يساعدها في دخول حياة زوجية جديدة أكثر توفيقاً ونجاحاً ..

إلى جانب الحقوق الزوجية الأخرى مثل حقها في الصداق ( المهر)، وحقها في الخلع، وحقها في النفقة، فقد أوجب الإسلام على الزوج أن ينفق على زوجته مع حسن معاملته لها، وفي هذا سأل أحد الناس النبي r فقال : يارسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه ؟ قال " أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ... ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت "[8] ..
المطلب الثالث: حقوق المرأة في الميراث والتملك:
وعن حق المرأة في الميراث يقول الباحث الفرنسي آتيين دينيه :
" منح الرسول [r] المرأة - كذلك - حق في الميراث. وحقها به : نصف حق الذكر ، وذلك لأن المرأة لا تدفع مهراً كالرجل، وليست مكلفة بحاجات البيت "[9] .
ويقول روم لاندو:"يوم كانت النسوة يعتبرن، في العالم الغربي، مجرد متاع من الأمتعة، ويوم كان القوم هناك في ريب جدّي من أن لهن أرواحًا! كان الشرع الإسلامي قد منحهن حق التملك. وتلقت الأرامل نصيبًا من ميراث أزواجهن"[10] .

المطلب الرابع: حق المرأة في العمل :
وعن حق المرأة في العمل تقول روز ماري[11]:
" إن الإسلام قد كرم المرأة وأعطاها حقوقها كإنسانة ، وكامرأة ، وعلى عكس ما يظن الناس من أن المرأة الغربية حصلت على حقوقها ... فالمرأة الغربية لا تستطيع مثلا أن تمارس إنسانيتها الكاملة وحقوقها مثل المرأة المسلمة . فقد أصبح واجبًا على المرأة في الغرب أن تعمل خارج بيتها لكسب العيش . أما المرأة المسلمة فلها حق الاختيار، ومن حقها أن يقوم الرجل بكسب القوت لها ولبقية أفراد الأسرة . فحين جعل الله سبحانه وتعالى للرجال القوامة على النساء كان المقصود هنا أن على الرجل أن يعمل ليكسب قوته وقوت عائلته . فالمرأة في الإسلام لها دور أهم وأكبر.. وهو الإنجاب وتربية الأبناء، ومع ذلك فقد أعطى الإسلام للمرأة الحق في العمل إذا رغبت هي في ذلك، وإذا اقتضت ظروفها ذلك "[12].

هذا إضافة إلى حق المرأة في العمل العام : فتبين ماكلوسكي[13] " أن نشاطات المرأة المسلمة قد تمتد أحيانا خارج المنزل، فبعض النساء المسلمات كن يقمن بمسؤوليات عامة ..في الحرب والتجارة. ولكن ذلك كله كان في إطار الخلق الكريم"[14] .
المطلب الخامس: تقدير الدور السياسي للمرأة :
وتقديراً لدور المرأة في بناء المجتمع الإسلامي، فقد بايع رسول الله r النساء في موقعة مشهودة للقاصي والداني، فكانت بيعة النساء ثانى يوم الفتح (رمضان 8هـ/ يناير 630 م) على جبل الصفا بعدما فرغ من بيعة الرجال ..
وسطّرها القرآن الكريم بآيات خالدة أمد الدهر:
قال الله تعالى : ]يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهََ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [15][

فلما كان اشتراك المرأة مع الرجل ، على أساس المساواة التامة ، في جميع المسؤوليات التي ينبغي أن ينهض بها المسلم .. كان على الخليفة أو الحاكم المسلم أن يأخذ عليهنّ العهد بالعمل على إقامة المجتمع المسلم بكل الوسائل المشروعة الممكنة ، كما يأخذ العهد فى ذلك على الرجال، ليس بينهما فرق ولا تفاوت .
ومن هنا كان على المرأة المسلمة أن تتعلم شئون دينها ودنياها ، كما يتعلم الرجل، وأن تسلك كل السبل المشروعة الممكنة إلي التسلح بسلاح العلم والوعي و التنبه إلي مكامن الكيد و أساليبه لدى أعداء الإسلام الذين يتربصون به، حتى تستطيع أن تنهض بالعهد الذي قطعته على نفسها وتنفذ عقد البيعة الذي في عنقها، وواضح أن المرأة لا تستطيع أن تنهض بشيء من هذا إذا كانت جاهلة بحقائق دينها غير منتبهة إلي أساليب الكيد الأجنبي من حولها[16] ..
المطلب السادس: إحترام جوار المرأة :
ولقد احترم الرسول r جوار المرأة ، فكان النبي r أول من اعترف بجوار المرأة في الجزيرة العربية بعد عهود الظلام .
ومثال أم هانىء واضح وجلي .. فقد أدخلت أحد المجرمين في جوارها – أي في حمايتها - يوم فتح مكة وقَبِل رسول الله r هذا الجوار، ومن ثم عفا عن هذا المجرم !
فلقد ذهبت أم هانئ بنت أبى طالب إلى رسول الله rعام الفتح، فقالت: يا رسول الله زعم ابن أمي علىّ أنه قاتل رجل أجرته : فلان ابن هبيرة، فقال رسول الله r: "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ"[17] !!
المطلب السابع : تأملات في هذه المميزات :
تستطيع أن تتأمل في هذه المميزات التي منحها النبيr للمرأة..
فتعلم مدى الرفعة التي نالتها المرأة في حمى الإسلام وظله، وكيف أنها نالت كل حقوقها الإنسانية والاجتماعية كما نالها الرجل سواء بسواء، مما لم يحدث نظيره في أمة من الأمم.

غير أن المهم أن تعلم الفرق بين هذه المساواة الإنسانية الرائعة التي أرستها شريعة الإسلام، والمظاهر الشكلية لها مما ينادى به عشاق العُري اليوم، إنما هي نزوات حيوانية أصيلة يتوخى من ورائها اتخاذ المرأة مادة تسلية ورفاهية للرجل على أوسع نطاق ممكن، دون أى نظر إلى شئ آخر[18].

إن النبي r لم يعتبر المرأة جرثومة خبيثة كما اعتبرها الآخرون، ولكنه قرر حقيقة تزيل هذا الهوان عنها، وهي أن المرأة بين يدي الإسلام قسيمة الرجل، لها ما له من الحقوق وعليها أيضاً من الواجبات ما يلائم تكوينها وفطرتها، وعلى الرجل بما اختص به من صفة الرجولة، وقوة الجلد، وبسطة واتساع الحيلة، أن يلي رعايتها، فهو بذلك وليها، يحوطها بقوته، ويذود عنها بدمه، وينفق عليها من كسب يده، ذلك ما قرره الله تعالى بقوله،: ]وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ[19][

إن " تحرير المرأة" الذي قام به النبي r، كان تحريراً شاملاً وكاملاً بمعنى الكلمة .. فقد كان النبي rهو العامل الأساسي في إيقاف الجريمة الكبرى التي كانت تمارس في حق المرأة، ألا وهي جريمة " قتل البنات خشية العار".. إن ثقافة وأد البنات كانت هي الثقافة السائدة في تصور المجتمع نحو المرأة .. ولم يجرأ أحد المصلحين قبل النبي r التصدي لهذه العادة القبيحة .. بل كانت تزداد فحشاً وانتشاراً في أنحاء الجزيرة ..

هذا، وقد كانت المرأة تباع وتُشترى.. فلما بعثَ الله محمداً r أعاد للمرأة حقوقها المسلوبة، فمنحها حق الحرية، وأن تبيع وتَشتري لا أن تُباع وتُشترى، وأن ترث كما يرث الرجل، لا أن تَورث كما كان الرجل يرثها مع مال أبيه .. إن العالم عن بكرة أبيه لم يعترف بالذمة المالية للمرأة .. وجاء النبي rوقرر هذا الحق للمرأة .. فأصبحت تستطيع أن تعقد كبرى الصفقات التجارية، وتتعاقد مع من تشاء وتوكل من تشاء ..

المبحث الثاني
رحمته للبنات
المطلب الأول : فضل محمد r على البنات :
لو كانت الخدمة الوحيدة التي أداها نبينا محمد r للبنات أنه أنقذهن من عادة الوأد الجاهلية .. لكفى بذلك فضلاً له عليهن .. !
فقد " كانت قبائل العرب في الجاهلية تئد البنات كراهة لهن وازدراء لشأنهن، ومن لم يئدهن كان يضيق بهن ضيقًا شديدًا"[20].
أضف إلى ذلك الفضل العظيم أنه r غير أفكار المجتمع العربي القديم تغييراً جذرياً .. في تعامله مع البنات ..
ولقد كَلف النبيr المجتمع الإسلامي أن يتعهد البنات الصغيرات بالتعليم والتثقيف والرعاية،- كما يقول جاك ريسلر - حيث يتم " تعليم البنات على تلقيهن تربية دينية قويمة ، وعلى تعويدهن على الصلاة، وجعلهن في وقت مبكر صالحات للأعمال المنزلية .وبعد سنوات أيضاً يعلمن قرض الشعر والفنون .."[21] ..
ويقول "ول ديورانت": "كانت البنات يذهبن إلى المدارس سواء بسواء، ونبغ عدد من النساء المسلمات في الأدب والفن"[22] .

المطلب الثاني : نماذج رحمتهr للبنات:
أولاً: حثه على الإحسان إليهن :
عن عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ r قَالَتْ:
جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ، مَعَهَا ابْنَتَانِ تَسْأَلُنِي؛ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَعْطَيْتُهَا، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ ،فَدَخَلَ النَّبِيُّ r، فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ:" مَنْ يَلِي مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ شَيْئًا فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ"[23] ..
فرعاية البنات في الإسلام ليس له جزاء إلا الجنة، فهن حائط الصد والحماية من النار يوم القيامة لمن أحسن إليهن .
كما في حديث آخر قال فيه النبي r :
" من كان له ثلاث بنات فصبر عليهن، وأطعمهن، وسقاهن، وكساهن من جدته ؛ كن له حجابًا من النار يوم القيامة "[24] ..

ثانيًا: عطفه على البنات :
عن أبي قَتَادَةَ قَالَ:
خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ r وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ عَلَى عَاتِقِهِ فَصَلَّى فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَ وَإِذَا رَفَعَ رَفَعَهَا[25] .
وتحكي أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، عن ذكريات الطفولة، عندما زارت النبي برفقة أبيها- بعدما قدمت من الحبشة - .. قَالَتْ:
أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ r مَعَ أَبِي وَعَلَيَّ قَمِيصٌ أَصْفَرُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: "سَنَهْ سَنَهْ " .. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ وَهِيَ بِالْحَبَشِيَّةِ "حَسَنَةٌ" .. قَالَتْ: فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ، فَزَبَرَنِي أَبِي[26] . فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: "دَعْهَا " ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: " أَبْلِي وَأَخْلِقِي ، ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِقِي، ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِقِي "[27].
انظر كيف تركَ النبيr هذه الصبية الصغيرة حتى تَلعبَ معه، وتعبث بثوبه وجسمه كما يحلو لها ، فلا ينهرها، بل تراه يمازِحُها، ويلاعبها، ويضحك إليها، ويخاطبها بلغتها لغة أهل الحبشة .. ويعلق على ثوبها، ويقول لها عِيشْي وَخَرِّقْي ثِيَابك وَارْقَعْيهَا.. كما يقول المسلم لأخيه عندما يلبس ثَوْبًا جَدِيدًا : تُبْلِي وَيُخْلِف اللَّه .. !

ثالثًا: إكرامه لعائل البنات :
كان أبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحي، في أسرى معركة بدر (17 رمضان 2هـ/13مارس624م)، وكان محتاجًا ذا بنات، ولا يملك ثمن ما يفتدي به نفسه من الأسر .. فقال للنبي r : يا رسول الله، لقد عرفتَ ما لي من مال، وإني لذو حاجة، وذو بنات فامنن عليَّ، فمن عليه رسول الله r وأخذ عليه ألا يظاهر عليه أحدًا . فقال أبو عزة يمدح رسول الله r على هذا العفو والكرم ونبل الأخلاق:
šŠ¤1بأنك حق والمليك حميدُ
š
š
مَنْ مبلغ عني الرسول محمدًا
Šš
šلها درجات سهلة وصعودُ
š
š
وأنت امرؤ بُوِّئت فينا مباءة
Šš
šشقيٌّ ومن سالمته لسعيدُ
š
š
فإنك من حاربته لمحاربٌ
Šš
šتأوَّّبُ ما بي، حسرة وقعود[28]
š
š
ولكن إذا ذكرت بدرًا وأهله
¤
Šš


المبحث الثالث
رحمته للأطفال
المطلب الأول : شهادة علماء الغرب:
يقول السير وليم موير : "وكان[r] سهلاً لين العريكة مع الأطفال، لا يأنف إذا مر بطائفة منهم يلعبون أن يقرئهم السلام !"[29] .
ويقول لويس سيديو: "لا شي أدعى إلى راحة النفس من عناية محمد [r] بالأولاد. فهو قد حرّم عادة الوأد، وشغل باله بحال اليتامى على الدوام.. وكان يجد في ملاحظة صغار الأولاد أعظم لذة. ومما حدث ذات يوم أن كان محمد [r] يصلي فوثب الحسين بن علي [رضي الله عنهما] فوق ظهره فلم يبال بنظرات الحضور فانتظر صابرًا إلى حين نزوله كما أراد. "[30] .

ولقدكافح النبيr في سبيل استرداد حقوق الأطفال المسلوبة، عبر العصور الغابرة - خاصة في الميراث – بعدما كانت العصور الجاهلية تحرم الأطفال من الميراث، وتعتبر أن من لهم الحق في الميراث هم الذين يتستطيعون *** الغنائم أو يمتطون الخيل بمهارة وفروسية !..
كما أن محمداً r حمَّل الأسرة كلها أمانة رعاية الأطفال و***** حقوقهم.
فكانت الأسرة الإسلامية - كما يقول جاك ريسلر-:" ترعى دائمًا الطفل، وصحته، وتربيته، رعاية كبيرة. وترضع الأم هذا الطفل زمنًا طويلاً، وأحيانًا لمدة أكثر من سنتين، وتقوم على تنشئته بحنان وتغمره بحبها وباحتياطات متصلة. وإذا حدث أن أصاب الموت بعض الأسرة، وأصبحوا يتامى، فإن أقرباءهم المقربين لا يترددون في مساعدتهم وفي تبنّيهم"[31]
ولا فرق في ذلك بين ذكر وأنثى[32] ..
المطلب الثاني : نماذج رحمته للأطفال :
أولاً : أرحم البشر بالعيال:
يقول أنس بن مالك:
"مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ r"[33].
قال بريدة قال : كان رسول الله r يخطبنا إذ جاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران [ يتعثران في المشي ] فنزل رسول الله r من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه ثم قال : " صدق الله ] إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ [ [ سورة التغابن: الآية15]، نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما "[34] .
وعن شداد بن أوس قال :
خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ r فِي إِحْدَى صَلَاتَيْ الْعِشَاءِ وَهُوَ حَامِلٌ حَسَنًا أَوْ حُسَيْنًا، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ r فَوَضَعَهُ، ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ فَصَلَّى فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا . قال شداد : فَرَفَعْتُ رَأْسِي وَإِذَا الصَّبِيُّ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ r وَهُوَ سَاجِدٌ فَرَجَعْتُ إِلَى سُجُودِي فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ r الصَّلَاةَ قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِكَ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ . قَالَ : "كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ "[35] !
وعن ثَابِت عَنْ أَنَس : أَخَذَ النَّبِيّ r إِبْرَاهِيم فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ[36].
ويقول أنس :
كان إبراهيم ( ابن محمدr ) مسترضعًا له في عوالي المدينة، فكان ينطلق ونحن معه فيدخل البيت وإنه ليدخن، وكان ظئره قينًا فيأخذه فيقبله ثم يرجع[37].

ثانيًا : توبيخهr للغلاظ مع الأطفال:
عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: أَبْصَرَ اْلأَقْرَعُ بنُ حَابِسٍ الّنبيّ r وهُوَ يُقَبّلُ الْحَسَنَ فقالَ إنّ لي مِنَ الْوَلَدِ عَشَرَةً ما قَبّلْتُ أحَداً مِنْهُمْ، فقالَ رَسُولُ الله r: "إنّهُ مَن لاَ يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ" [38].
وهو نداء إلى غلاظ القلوب عامة، وإلى المسيئين للأطفال خاصة..
ثالثًا : دعاؤه r للأطفال :
عن عائشة :
أن رسول الله r كان يؤتى إليه بالصبيان "فيبرّك عليهم "– أي يدعو لهم بالبركة، "ويحنكهم"[39] – أي يضع في أفواههم التمر اللين الذي مضغه في حنكه الشريف.
وعن ابن عباس قال : كَانَ النَّبِيُّ r يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَيَقُولُ : إِنَّ أَبَاكُمَا [ إبراهيم عليه السلام ] كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ : أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ، وَهَامَّةٍ وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ"[40].
وعن أسامة بن زيد عَنْ النَّبِيِّ r أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُهُ وَالْحَسَنَ وَيَقُولُ : "اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا "[41].
وقال البراء : رَأَيْتُ النَّبِيَّ r وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِهِ، يَقُولُ :" اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ"[42] .
رابعًا : سلامهr على الأطفال وعطفه عليهم:
لقد كان محمد r يسلم على الأطفال في الطرقات، ويمسح على رؤوسهم ووجوههم، فعن جَابِرِ بن سَمُرَةَ ، قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r الأُولَى ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَهْلِهِ ، وَخَرَجْتُ مَعَهُ فَاسْتَقْبَلَهُ وِلْدَانُ الْمَدِينَةِ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ خَدَّيْ أَحَدِهِمْ وَاحِدًا وَاحِدًا ، قَالَ : وَأَمَّا أنا فَمَسَحَ خَدِّي فَوَجَدْتُ لِيَدِهِ بَرْدًا ورِيحًا كَأَنَّمَا أَخْرَجَهَا مِنْ جُونَةِ عَطَّارٍ r[43].
خامسًا : رفقه r بالأطفال إذا صلى بهم :
يقول " كولن " :
"كانت صلاة رسول الله r طويلة، ولا سيما النوافل منها؛ إذ كانت تتجاوز طاقة الصحابة، ولكنه عندما يقف للصلاة يريد إطالتها ويسمع بكاء طفل في أثنائها؛ إذ به يخفف صلاته ويتَجوَّز فيها؛ ذلك لأن النساء كن يقفن للصلاة خلف رسول الله rأي يشتركن في أداء صلاة الجماعة خلفه، فخوفاً من أن تكون أم ذلك الطفل موجودة بين المصليات فإنه كان يخفف صلاته، ويسرع بها لكي يريح قلب تلك الأم"[44].
يقول النبي r : "إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فاتجوز في صلاتي كراهية ان أشق على أمه"[45] .
وعن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قال:
مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ أَخَفَّ صَلَاةً وَلَا أَتَمَّ مِنْ النَّبِيِّ r ، وَإِنْ كَانَ لَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَيُخَفِّفُ مَخَافَةَ أَنْ تُفْتَنَ أُمُّهُ[46].
سادسًا: تعزيزه r للطفل الصادق :
فلما نزل القرآن، مصدقًا لكلام عمير بن سعيد، عندما قال قول الصدق والحق في رجل شتم النبي r، أخذ النبي r بأذن عمير فقال له النبيr - وهو يُحَيِّيه على الصدق- : " وفت أذنك يا عمير.. وصدّقَكَ رَبُكَ"[47].
سابعًا: ملاطفتهr للأطفال:
عن أنس بن مالك قال:
كان رسول الله r أحسن الناس خلقًا، وكان لي أخ يقال له أبو عمير، فكان إذا جاء رسول الله r فرآه قال " أبا عمير ما فعل النغير ؟"[48] ..
والنغير طائر صغير كان أبو عمير يلعب معه !
وقد rكان يصلي فإذا سجد ؛ وثب الحسن والحسين على ظهره فإذا أراد الناس أن يمنعوهما ؛ أشار إليهم أن دعوهما ..
قال أبو هريرة : كنا نصلي مع رسول الله r العشاء فكان يصلي، فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره وإذا رفع رأسه أخذهما [ بيده من خلفه أخذا رفيقًا ] فوضعهما وضعًا رفيقًا ، فإذا عاد عادا فلما صلى [ وضعهما على فخذيه ] جعل واحدًا هاهنا وواحدًا هاهنا .. ! قال أبو هريرة :
فجئته فقلت : يا رسول الله ألا أذهب بهما إلى أمهما ؟ قال : لا ..!"[49] .
ثامنًا: رحمتهr بغلام يهودي:
فعَنْ أَنَسٍ t قَالَ :
كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ r فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ r يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ : "أَسْلِمْ" فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ .فَقَالَ : لَهُ أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ r فَأَسْلَمَ ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ r وَهُوَ يَقُولُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ! !"[50] .

وهكذا نرى أعلى درجات الرحمة في شخصية هذا النبي الكريمr ، الذي يطلب من غلام يعالج سكرات الموت، أن ينطق بالشهادتين في لاحظاته الأخيره، لتكونا برهاناً لرسول الله يشفع به أمام الله لهذا الغلام .. يوم القيامة !
وهذا الشعور من رسول الله r يبين عمق عاطفته النبيلة الجياشة تجاه سائر البشر على اختلاف عقائدهم ودياناتهم .
إتها الرغبة الشديدة الفياضة في هداية البشر ، رغم جهلهم المطبق برسالة محمد – إلا من رحم الله -، فهو يدعوهم إلى الجنة، وهم يتفلتون منه، كما في حديثه، الذي يمثِّل فيه لرحمته بتصوير رائع بليغ، فيقول: "مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ: كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا، وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنْ النَّارِ وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدِي"[51] .


المبحث الرابع
رحمته للأيتام
المطلب الأول : النبيr اليتيم :
يقول جيمس متشنر عن النبيr:" ولد يتيماً محباً للفقراء والمحتاجين والأرامل واليتامى"[52]ويقول"فيليب حتي" ومع أنه كان في دور من أدوار حياته يتيمًا فقيرًا، فقد كان في قلبه دائمًا سعة لمؤاساة المحرومين في الحياة"[53] .
ومن أولى بحب اليتيم من محمدr، وهو نبي الرحمة اليتيم، الذي رغب في كفالة الأيتام وإيوائهم، وهو الذي ذاق مرارة اليتم، إذ حُرِم محمد r من أمه وأبيه، فلم تكتحل عيناه برؤية أبيه، ثم لم يلبث أن فقد أمه وهو في سنة السادسة من عمره، فآواه ربه سبحانه ورباه، وامتنَّ عليه بهذه النعمة قائلاً:
] أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)[، وأمره بشكر هذه النعمة بألا يقهر يتيماً أو يجرحه أو يهينه، وأن يجبر كسر قلبه، ويمسح على رأسه، ويكون هو الأب الأكبر الحنون لكل أيتام البشرية ! لاسيما في أوقات كان المجتمع قاسياً لا يرحم يتيمًا . فقد بُعث رسول الله r في مجتمعات - كما يقولسيدني فيشر- : "يعامل فيها الأرامل واليتامى وسائر الضعفاء كأنهم من سقط المتاع. فإذا بمحمد – عليه السلام – وهو فقير من كل ما يعتز به الملأ قد جاءهم بالهداية إلى الله وإلى سبل الخلاص، وغيّر مقاييس الأخلاق والآداب في أرجاء البلاد العربية"[54] ..
فعاش سيدنا محمدr وقد "شغل باله بحال اليتامى على الدوام.."[55] على حد قول لويس سديو .

وبهذا لا تنكسر نفس اليتيم ولا يشعر بذلَّة أو حزن حينما يرى كل ولد بجوار أبيه يقبل بفرح إليه ، ويرتمي في أحضانه، لأنه وجد في المسلمين أكثر من واحد يصنع معه ذلك .

ولذك نجد أن القرآن الكريم تحدث في شأن اليتيم في ثلاثة وعشرين موضعاً، نظراً لأهمية تضافر المجتمع لرعاية اليتيم، كما سن النبي r .

المطلب الثاني : نماذج في رحمتهr لليتيم:
أولاً: ترغيبه في كفالة اليتيم :
فعن سِهْلِ بنِ سَعْدٍ قالَ: قَالَ رَسُولُ الله r: "أنَا وَكَافِلُ اليَتِيمِ في الْجَنّةِ كَهَاَتَيْنِ، وأَشاَرَ بإِصْبعَيْهِ يَعْنِي السّبّابَةَ وَالوُسْطَي"[56] ..
وهو يشمل يتامى المسلمين وغيرهم، كما تدل عليه صيغة العموم، لأن "أل" في اليتيم للجنس...

ثانيًا: مواساته لليتامى :
فمن أخباره r في هذا الجانب، أنه عندما قُتِل جعفر أمهل آل جعفر ثلاثاً، ثم أتاهم، يقول عَبْد اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ : فقال رسول الله r: " لا تبكوا على أخي بعد اليوم ". ثم قال: "ادعوا لي بني أخي ". فجيء بنا كأنَّا أفرخ فقال: " ادعوا لي الحلاق " فأمره فحلق رؤُوسنا[57] ثم لما رجع رَسُول اللَّهِ r إلى أهله، قال لهم:"إن آل جعفر قد شغلوا بشأن ميتهم، فاصنعوا لهم طعاماً"[58] ..
ثالثًا: ترغيب النساء في تربية الإيتام :
يقول النبى :" أنا أول من يفتح باب الجنة فأرى امرأة تبادرنى[أى تسابقنى] تريد أن تدخل معى الباب فأقول لها: من أنت؟ فتقول: أنا امرأة قعدت علىأيتام لي"[59] ..
مات زوجها فأبت الزواج مع حاجتها إليه، وابتعدت عن مواطن الشبهاتوالريبة، وعكفت على تربية الأبناء . هذه المرأة مكانتها- في الإسلام -أنها تسابق النبىr لتدخل معه الجنة!!
رابعًا: تحذيره من الإعتداء على مال اليتيم :
قال النبيr داعيًا ربه: "اللهمَّ إنِّي أحرِّج حقَّ الضعيفينِ اليتيم والمَرأة "[60] .
ومعنى الحديث : أي أُلحق الإثم بمن ضيَّع حقهما وأحذر من ذلك تحذيراً بليغاً .
وعد أكل مال اليتيم من الموبقات، فقال النبي r : " اجتَنبوا السَّبعَ الموبقَات " قيلَ يَا رسولَ الله ومَا هنَّ ؟ فذكرهن إلى أن قال : "وأكلُ مالِ اليَتيم "[61] .
فإذا بلغ اليتيم أشدَّه فيجب أن يسلم له جميع ماله ولا يجوز للوصي أن يبخس أو يأخذ منه شيئاً إلا بطيبة نفس من اليتيم بعد أن يبلغ أشده ويحصل رشده، فكل تصرف في مال اليتيم لا يقع في دائرة ما هو أحسن فهو محظور ومنهيٌّ عنه، فأكل ماله طمعاً فيه واستضعافاً له محرم ومنهي عنه، وتجميد ماله وعدم استثماره محرم ومنهي عنه، وإهماله وعدم صيانته محرم ومنهي عنه .
المبحث الخامس
رحمته للأرامل
المطلب الأول: حثه على السعي على الأرامل:
الأرملة التي حُرمت من الزوج، تكون منكسرة ومجروحة الخاطر وبحاجة إلى من يعولها، ولهذا رغب النبي rبجبر كسرها، ورعايتها فكان فيقول :
"الساعي على الأرملةِ والمسكين كالمجاهدِ في سَبيلِ الله: كالقائم لا يَفتُر وكالصائم لا يُفطِر"[62].
ومعنى الساعي : الْكَاسِب لَهُمَا : الْعَامِل لِمَئُونَتِهِمَا[63]، الذي يذهب ويجيء في تحصيل ما ينفع الأرملة والمسكين"[64] .. . فكافل الأرملة كالمجاهد في سبيل الله سواءً بسواء ..
وقَالَ اِبْن قُتَيْبَة : سُمِّيَتْ أَرْمَلَة لِمَا يَحْصُل لَهَا مِنْ الْإِرْمَال ، وَهُوَ الْفَقْر وَذَهَاب الزَّاد بِفَقْدِ الزَّوْج[65].
المطلب الثاني : سعيه على الأرامل :
عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى قال:
"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ rيُكْثِرُ الذِّكْرَ ، وَيُقِلُّ اللَّغْوَ، وَيُطِيلُ الصَّلَاةَ، وَيُقَصِّرُ الْخُطْبَةَ، وَلَا يَأْنَفُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَ الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ فَيَقْضِيَ لَهُ الْحَاجَةَ"[66].
وعن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ:
"إِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ r فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ"[67].
وعَنْ أَنَسٍ قَالَ:
"جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً فَقَالَ لَهَا : " يَا أُمَّ فُلَانٍ اجْلِسِي فِي أَيِّ نَوَاحِي السِّكَكِ شِئْتِ، حَتَّى أَجْلِسَ إِلَيْكِ " قَالَ: فَجَلَسَتْ فَجَلَسَ النَّبِيُّ r إِلَيْهَا حَتَّى قَضَتْ حَاجَتَهَا[68].
الفصل السابع
رحمتهr للضعفاء
المبحث الأول : رحمته للفقراء
المبحث الثاني : رحمته للعبيد والخدم
المبحث الثالث : رحمته لذوي الاحتياجات الخاصة
المبحث الرابع : رحمته للمسنين
المبحث الخامس : رحمته للأموات




















المبحث الأول
رحمته للفقراء
وفي رعاية محمد r للفقراء والمحتاجين مظهر من مظاهر الرحمة في شخصيته r، وخصوصاً تلك الجهود المشكورة التي بذلها في مكافحة الفقر والبطالة ..
فبعدما عاشت الجزيرة العربية حياة الطبقية .. الغني يأكل الفقير، والقوي يبتذ الضعيف، ظهر سيدنا محمد r بدعوته التي حققت العدالة الاجتماعية متمثلة في دولة المدينة المنورة من ناحية، وفي منهج الإسلام في مكافحة الفقر والمرض والجهل من ناحية أخرى ..
المطلب الأول : فضل محمدr على الفقراء :
كان النبيr رحمة حقيقة للفقراء ..
رحمة لهم كمشّرع، رحمة لهم كحاكم، ورحمة لهم كغني ، ورحمة لهم كنبي قبل كل شيء!
يقول المستشرق الإسباني جان ليك:
" وقد برهن [r] بنفسه على أن لديه أعظم الرحمات لكل ضعيف ، ولكل محتاج إلى المساعدة ، كان محمد [r] رحمة حقيقة لليتامى والفقراء وابن السبيل والمنكوبين والضعفاء والعمال وأصحاب الكد والعناء"[69].
وكان - كما تقول كوبولد -: "كريمًا بارًا كأنه الريح السارية، لا يقصده فقير أو بائس إلا تفضل عليه بما لديه، وما لديه كان في أكثر الأحايين قليلاً لا يكاد يكفيه"[70].
"ومن يجهل أنه [r] لم يعدل، إلى آخر عمره، عما يفرضه فقر البادية على سكانها من طراز حياة وشظف عيش؟ وهو لم ينتحل أوضاع الأمراء قط مع ما ناله من غنى وجاه عريض.. وكان [r] حليمًا معتدلاً، وكان يأتي بالفقراء إلى بيته ليقاسمهم طعامه"[71].
وذات مرة " أوحى الله تعالى إلى النبي [r] وحيًا شديد المؤاخذة لأنه أدار وجهه عن رجل فقير أعمى ليخاطب رجلاً غنيًا من ذوي النفوذ"[72] .
ويلخص واشنجتون إيرفنج السلوك المالي للنبي r بقوله :
"كان الرسول [r] ينفق ما يحصل من جزية أو ما يقع في يديه من غنائم في سبيل انتصار الإسلام، وفي معاونة فقراء المسلمين، وكثيرًا ما كان ينفق في سبيل ذلك آخر درهم في بيت المال.. وهو لم يخلف وراءه دينارًا أو درهمًا أو رقيقًا.. وقد خيره الله بين مفاتيح كنوز الأرض في الدنيا وبين الآخرة فاختار الآخرة !"[73].
وفي يوم ازدحمت عليه الأعراب يطلبون المال حتى اضطروه إلى شجرة، فانتزعت رداءه فقال : "أيها الناس، ردوا علي ردائي ! فو الذي نفسي بيده لو كان عندي عدد شجر تهامة نعماً لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلاً ولا جباناً ولا كذاباً "[74].
ورد على هوازن سباياهم وكانت ستة آلاف، وأعطى العباس من الذهب ما لم يطق حمله!
وحُملت إليه تسعون ألف درهم فوضعت على حصير !! فقام إليها يقسمها، فمارد سائلاً حتى فرغ منها[75]!.
وأعطى صفوان بن أمية غنماً ملأت وادياً بين جبلين فقال صفوان: أرى محمداً r يعطى عطاء من لا يخشى الفقر !
وفي ذلك؛ نرى في شخص رسول الله r نموذج الحاكم المسلم العفيف، الذي يتعفف عن المغانم والأموال في سبيل سد أبواب الفقر في المجتمع الإسلامي، كما أنه r بهذا المسلك يكون قدوة وأسوة للأغنياء، فيكون محفزاً لهم على البذل والإنفاق فوق الزكاة المفروضة..
المطلب الثاني : نظام الزكاة – نموذجًا:
وفي نظام الزكاة رحمة عملية للفقراء ..
فالحكومة الإسلامية تحّصل زكاة المال من الأغنياء لتردها إلى فقراء الشعب..
فلما بَعث النبيُ r معاذَ بن جبل إلى اليمن ، أوصاه الرسول r قائلاً : " أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب"[76] ..
وتعرف الزكاة بأنها الجزء المخصص للفقير والمحتاج من أموال الغنى . وتحسب الزكاة كنسبة 2.5% من المدخرات السنوية إذا تعدت قيمة معينة تعرف بالنصاب .
والزكاة مشتقة في اللغة العربية من زكا والتى تعنى النماء والطهارة والبركة. فإخراج الزكاة طهرة لأموال المسلم وقربة إلى الله تعالى يزداد بها ومجتمعه بركة وصلاحًا .
إذ ينظر الإسلام إلى مال المسلم الغني كأمانة استأمنه الله عليها ينبغي عليه أن يؤدى حقها ويستعملها فيما يرضى الله تعالى .

والزكاة في الإسلام هى أول نظام عرفته البشرية لتحقيق الرعاية للمحتاجين والعدالة الاجتماعية بين أفراد المجتمع حيث يعاد توزيع جزء من ثروات الأغنياء على الطبقات الفقيرة والمحتاجين .
وخول "الفقراء حق أخذها إذا امتنع الأغنياء من دفعها طوعاً"، كما بين "ليورودتن"[77] .

وتؤدى الزكاة إلى زيادة تماسك المجتمع وتكافل أفراده والقضاء على الفقر وما يرتبط به من مشاكل اجتماعية واقتصادية وأخلاقية إذا أحسن استغلال أموال الزكاة وصرفها لمستحقيها .
وفي الزكاة يقول "ول ديورانت" :
".. لسنا نجد في التاريخ كله مصلحًا فرض على الأغنياء من (الضرائب)[78] ما فرضه عليهم محمد [r] لإعانة الفقراء.."[79].
ويفصِّل "جاك ريسلر" القول في فضائل الزكاة فيقول :
"كانت الزكاة قبل كل شيء عملاً تعاونيًا حرًا وإداريًا ينظر إليه على أنه فضيلة كبرى. "وفي تنظيم جماعة (المدينة) اعتد النبي [r] هذا العمل الخير كضريبة شرعية إجبارية لصالح الفقراء والمعوزين. وسيتحول فيما بعد هذا النظام وسيتولد عنه هيئة من موظفين وبيت مال.. لكن إذا كانت الدولة قد صنعت هذا العمل الخيّر مصدرًا لمواردها، فإن مبدأ الزكاة ظل – بفضل القرآن – فضيلة مارسها المسلمون تلقائيًا بوصفه واجبًا دينيًا. وينبغي أن نزجي الثناء لمحمد [r] فقد كان أول من شرع ضريبة تجبى من الأغنياء للفقراء، هكذا أوجد القرآن الرحمة الإجبارية !" [80] .
وما أجمل ما قاله بنكمرت[81] في وصفه لنظام الزكاة، حين قال : "لم أجد دينًا وضع للزكاة تشريعًا شاملاً كالإسلام. والمجتمع الإسلامي الذي يحرص على إخراج الزكاة يخلو من الفقر والحرمان والتشرد.. إنني أتصور لو أن العالم كله اهتدى إلى الإسلام لما بقي على ظهر الأرض جائع أو محروم ! ! والمجتمع المسلم الذي يلتزم بأحكام الإسلام وآدابه مجتمع نظيف سعيد تنعدم فيه الجرائم بكافة ألوانها."[82]
من ناحية أخرى ، فقد حذر سيدنا محمد rمن مغبة منع الزكاة وتوعد مانع الزكاة بالعذاب الشنيع يوم القيامة، فقال r
"من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع [ نوع من الثعابين ] له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه ( يعني شدقيه ) ثم يقول : أنا مالك أنا كنزك ".. ثم تلا النبي [r]] ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة [ [آل عمران : الآية 180] "[83].
وقال مرغبلاً في فريضة الزكاة :"من أدى زكاة ماله فقد ذهب عنه شره"[84].
وقال r "ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان : من عبد الله وحده، وعلم أن لا إله إلا الله، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه رافدة عليه كل عام ولم يعط الهرمة ولا الدرنة ولا المريضة ولا الشرط اللئيمة ولكن من وسط أموالكم فإن الله لم يسألكم خيره ولم يأمركم بشره"[85].
وقالr: "من أعطاها مؤتجرا فله أجرها ، ومن منعها فأنا آخذها وشطر ماله غرمة من غرمات ربنا . لايحل لآل محمد منها شيء"[86].
المطلب الثالث: دوره r في مكافحة البطالة :
أولاً : ترسيخ قيم العمل والانتاج :
لقد رسخ سيدنا محمد r في المجتمع بتعاليمه الغزيرة قيمًا اجتماعية وتنموية جليلة كالانتاجية والعمل.
فكرس في نفوس المسلمين بغض العطلة، وحب التكسب من عرق الجبين..
فكان رسول الله r يمقت أن يرى الرجل لا شغل له، وقد فضل r ثواب العامل من أجل لقمة العيش على العابد العاكف في المسجد، بل عد الساعي على إطعام بطنه وبطون أهله من الحلال كالخارج في سبيل الله . ونراه في أكثر من موضع يحبذ لكل مسلم فقير أن يحفظ ماء وجهه من سؤال الناس والأفضل له أن يخرج يتكسب من أي وسيلة مشروعة، ولو في جمع الحطب ..
فقال r - مشجعاً على العمل منفرًا من البطالة ـ :"لأن يأخذ أحدكم أحبله، فيأتي بحزمة من حطب على ظهره؛ فيبيعها فيكف بها وجهه؛ خير له من أن يسأل الناس أعطوه أم منعوه"[87].
قال العلامة القرضاوي :
"فبين الحديث أن مهنة الاحتطاب على ما فيها من مشقة، وما يحوطها من نظرات الازدراء، وما يرجى منها من ربح ضئيل، خير من البطالة وتكفف الناس"[88] .
ثانيًا : قضاء حوائج العاطلين :
تجده r يفكر ويخطط لشاب فقير بحيث يوفر لهr فرصة عمل يتكسب منها ..
فعن أنس بن مالك: أن رجلاً من الأنصار أتى النبي rيسأله (الصدقة)، فقال " أما في بيتك شىء ؟ " قال: بلى ، حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه ، وقعب نشرب فيه من الماء . قال " ائتني بهما " قال: فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله r بيده وقال " من يشتري هذين " ؟ قال: رجل أنا آخذهما بدرهم. قال :" من يزيد على درهم ؟ " مرتين أو ثلاثا . قال رجل :" أنا آخذهما بدرهمين ". فأعطاهما إياه ، وأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري. وقال " اشتر بأحدهما طعامًا فانبذه إلى أهلك ، واشتر بالآخر قدوما فأتني به " فأتاه به. فشد فيه رسول الله rعودًا بيده ثم قال له: "اذهب فاحتطب وبع ولا أرينك خمسة عشر يومًا " . فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبًا، وببعضها طعامًا . فقال رسول الله r: " هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة . إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة لذي فقر مدقع [ الفقر الشديد ] أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع "[89].
فانظر كيف خطط النبي rلهذا الشاب ، بحيث يوفر له النبي rفرصة عمل يتكسب منها.
ثالثًا: تحريمهr البطالة :
هذا، ولقد حارب سيدنا محمد r كل مظاهر البطالة، والإخفاق عن التكسب، بشتى الطرق، ليسد كل باب أمام انتشار الفقر في المجتمع ..
فقلد حرم النبيr البطالة مع القدرة على العمل، والحاجة إلى الكسب لقوته وقوت من يعوله، وفي هذا يقول النبي r : "إن الله يكره الرجل البطال"، " والبطالة تقسي القلب"[90] .
رابعًا: ترغيبهr في الزراعة :
ونراه يرغب في الزراعة في أحاديث مباركة ، مثل قوله :
"مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَزْرَعُ زَرْعًا أَوْ يَغْرِسُ غَرْسًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ"[91].
خامسًا: ترغيبهr في الصناعة :
ويرغب في الصناعة، فيقول:
" مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ- عَلَيْهِ السَّلَام -كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ"[92].
سادسًا: ترغيبه rفي التجارة :
ويرغب في التجارة، قائلاً:
" التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ"[93].
وقد صنف الإمام البخاري باباً، تحت عنوان : بَاب الْخُرُوجِ فِي التِّجَارَةِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى" فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ " .

المبحث الثاني
رحمته للعبيد والخدم
تتمثل رحمتهr للعبيد في عدة جوانب، أهمها أنه ساهم بشكل كبير تحرير العبيد، فضيق rمصادر الاسترقاق ووسع منافذ التحرير، كما جعل للعبيد حقوقًا وواجبات وأمر بالرفق بهم وبالخدم، فهم على أقل الأحوال إخوننا في الإنسانية .

المطلب الأول : تحرير العبيد
لقد كانت دعوة النبيr دعوة لحرية الإنسان ، والقضاء على العبودية ، فقرر الحرية الإنسانية وجعلها من دلائل تكريم الخالق للإنسان، ولذا رأيناهr يول عناية خاصة لتحرير الأرقاء ، عن طريق إلغاء مصادر الرق أولاً ، و تشجيع المسلمين على تحرير عبيدهم، انطلاقاً من قاعدة أن من أعتق عبداً أعتق الله له بكل عضو عضواً من أعضائه من عذاب النار[94].
ومن ثم نظم الإسلام أحكام الرق، بحيث تضيق في أسباب حدوث الرق، وتوسع في أساليب العتق، ولذلك - كما يقول إميل درمنغم : - "عُدّ فك الرقاب من الحسنات ومكفرًا لبعض السيئات"[95] .
ويذكر آدم متز[96]أهم أساليب العتق في الإسلام – مبيناً أن العتق يعد مبدأ من مبادىء الإسلام - ، فيقول : "كان في الإسلام مبدأ في مصلحة الرقيق، وذلك أن الواحد منهم كان يستطيع أن يشتري حريته بدفع قدر من المال، وقد كان للعبد أو الجارية الحق في أن يشتغل مستقلاً بالعمل الذي يريده.. وكذلك كان من البر والعادات المحمودة أن يوصي الإنسان قبل مماته بعتق بعض العبيد الذين يملكهم"[97] .
وكان الرسول في مجتمعه الإسلامي إماماً في إقرار مبدأ تحرير العبيد ، حتى أن أسرى الحرب لم يعتبرهم عبيدًا ، وسمح لهم بدفع الفدية أو تعليم أبناء المسلمين لفك أسرهم[98].
فلم يبق [r] أيما عبد على عبوديته . فما إن يؤول إليه عبد رقيق، حتى يسارع إلى إعتاقه[99].
بل رفع r من شأن العبيد حتى جعل النبيr -كما يقول نظمي لوقا[100] - "العبدان والأحابيش سواسية وملوك قريش !"[101] .
ومن هنا وقفت قيادات قريش الأرستقراطية في وجه الدعوة التي ترنو إلى تحرير العبيد وتنادي بالمساواة التامة بينهم وبين السادة، ولقد كانت قيادات مكة تساوم قائد الدعوة على طرد هؤلاء العبيد مقابل إقرار قيادات مكة بالإسلام، ومن ثَم نزل القرآن الكريم محذرًا رسول الله أن يترك العبيد أو أن يطردهم، وهم الذي بذلوا الغالي والنفيس في سبيل الدعوة، ويدعون ربهم الواحد الأحد صباحًا ومساءً، يريدون ببذلهم وجه الله تعالى، لا يبتغون منصبًا أو جاهًا كما يبتغي غالبية السادة.. فقال الله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} [الكهف: 28]، إن هؤلاء العبيد -في الشرع الإسلامي السمح- هم أعظم قيمة وأكثر بركة وأرق أفئدة وأطهر نفسًا، من هؤلاء السادة الذين يستعبدون الناس، ويتجبرون في الأرض بغير الحق.. هؤلاء العبيد نزل من أجلهم الأمر من السماء إلى رائد الدعوة rبأن يضعهم في عينيه! بل نزل التحذير من الله لرسولهr من أن يلتفت عن العبيد إلى زينة الكبراء، أو أن يتلهى عن العبد ويطيع السيد المارق.
أما العبيد فقد وجدوا الكرامة والحرية، في تعاليم الإسلام الإصلاحية، وفك رقابهم من طوق الفقر والذل، وخلصهم من عبادة الحجارة وسياط السادة. بل جعل منهم سادات المسلمين، حتى أُثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه تعليقًا على حادثة شراء أبو بكر لبلال بن رباح رضي الله عنهما ليعتقه من الرق فقال: "سيدنا وأعتق سيدنا!".
المطلب الثاني : فرية سن الإسترقاق:
ورغم جهود محمد r في تحرير العبيد إلا أن بعض الحاقدين زعموا أن محمداً rسن الاسترقاق!
ونحن نترك العلامة" لايتنر" يرد على هذه الفرية، فيقول:
".. إنا نرى الأغبياء من النصارى يؤاخذون دين الإسلام كأنه هو الذي قد سنّ الاسترقاق، مع أن محمدًا [r] قد حضّ على عتق الرقاب، وهذه أسمى واسطة لإبطاله حقيقة"[102] ..
كذلك يتحدثالكاتب الفرنسي "فانسان مونتييه"[103]، مستنكراً هذه الشبيهة على أصحابها، فيقول:
" إنهم يتهمون الإسلام بظاهرة الرَقّ التي وُجِدَتْ قبل الإسلام وليس بعده، بل حين انتشر الإسلام وطُبقت تعاليمه كان يسعى لإلغاء الرّق، بل إن كثيراً من الكفَّارات للذنوب التي يقدم عليها المرء هو تحرير الرقاب الذي عَدَّه الإسلام تقرباً وطاعة لله"[104]..
ويتحدثكويليام[105] عن هذه الرويات التي اختلقها الحاقدون، وزعموا أن محمداًr، سن الإسترقاق والخناسة .. فيقول :
"إن روايات كهذه مجردة بالمرة عن الحقيقة، لا يمكن تصديقها وتصور وقوعها"[106] .. ويدلل على حقيقة أن محمداً r له الفضل في القضاء على النخاسة في الجزيرة العربية، فيضرب مثالاً بمناطق شرق ووسط أفريقيا، التي تفشت فيها مظاهر النخاسة والاسترقاق، ويبين أن السبب في تفشي هذه المظاهر في هذه المناطق هو "لأن الإسلام لم يدخل فيها ! ! وبرهان ذلك أن الإسلام من خصائصه إبطال النخاسة إبطالاً دائمًاً"[107] ..
رغم أن تجار النخاسة والرق – كما يقول ادوار بروي – كانوا "من الأوربيين"[108] .. ومن ثم.. "توقفت حركة التطور في البلدان [الأفريقية] على أثر العبث الذريع الذي أحدثه في تلك الأرجاء تجار النخاسة والرق من الأوربيين "[109].
وإذا قيل: إن الإسلام لم يلغِ الرق والاتجار بالبشر إلغاءً كاملاً رغم عظم مجهودات نبي الإنسانية r في مكافحة الاسترقاق.. فجواب ذلك أن الدولة الإسلامية وحدها لا تستطيع أن تقضي تمامًا على عادة الاسترقاق والاتجار بالبشر، وذلك لعدة أساب وجيهة ومنطقية..
السبب الأول: أن مظاهر الاسترقاق والاتجار بالبشر كانت متأصلة ومنتشرة في المجتمعات الإنسانية، العربية وغير العربية، منذ قديم الزمن، فكان على الشرع الإسلامي -كعادته- أن يستخدم التدرج في القضاء على المنكرات والأعراف الفاسدة، فضيّق منافذ الاسترقاق ووسع أبواب العتق.
السبب الثاني: أن هذه العادات كانت قبل ظهور الإسلام بمثابة الأعراف الدولية، فقد كانت جميع الدول والإمبراطوريات -دون استثناء- تمارس الاسترقاق والاتجار بالبشر، ومن ثَم فإن القضاء على الرق يحتاج إلى اتفاق دولي عام، يلزم الجميع بمنع الاسترقاق أو الاتجار بالبشر.. ومعلوم أن الدولة الإسلامية أيام النبي r لم تكن من القوة والانتشار بالقدر الذي يسمح لها بمنع هذه العادات.
السبب الثالث: أن الناس كانوا حديثي عهد بالإسلام، وإذا أصدرت الدولة قرارًا بمنع الرق؛ فسوف يقع حرج شديد على هؤلاء الناس الذين أصبحت تجاراتهم وأعمالهم تقوم على كاهل هؤلاء العبيد.. فكان على النظام الإسلامي أن يأخذ بمبدأ التدرج في منع الاسترقاق والاتجار بالبشر.
السبب الرابع: أن الدولة الإسلامية لم تكن تمتلك من الإمكانيات الاقتصادية والمالية بحيث تتمكن من كفالة هؤلاء العبيد بعد تحريرهم، أو حتى توفير فرص عمل لهم جميعًا، فمن المعروف أن العبيد كانوا في كفالة أسيادهم، يطعمون من مال السادة، ويحترفون لهم في مهنهم..

[1] مارسيل بوازار : إنسانية الإسلام ، ص 140

[2] سورة الممتحنة: الآية 10

[3] محمد الغزالي : فقه السيرة، ص 260.

[4] اللادي ايفلين كوبولد: البحث عن الله ، ص 28

[5] صحيح – البخاري، باب لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاها، برقم ( 4843)، ومسلم، باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق والبكر بالسكوت، برقم( 1419 ) .

[6] آتيين دينيه : محمد رسول الله ، ص 328-329 .

[7] آتيين دينيه : محمد رسول الله ، 328-329 .

[8] صحيح– رواه الترمذي عن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه،كتاب النكاح، باب باب في حق المرأة على زوجها برقم 2142 وقال أبو داود " ولا تقبح " أن تقول قبحك الله، ورواه أحمد برقم 20036، والحاكم برقم 2764، والطبراني في المعجم الكبير برقم 1034، وقال الألباني : حسن صحيح، صحيح سنن أبي داود، برقم 1875.

[9] آتيين دينيه : محمد رسول الله ، ص 328-329 .

[10] روز ماري : الإسلام والعرب ، ص 203 .

[11] روز ماري ( مريم هاو) باحثة وصحفية إنكليزية، نشأت في عائلة نصرانية متدينة ، ولكنها مع بلوغها مرحلة الوعي بدأت تفقد قناعاتها الدينية السابقة وتتطلع إلى دين يمنحها الجواب المقبول . وفي عام 1977 أعلنت إسلامها.

[12] انظر: عرفات كامل العشي : رجال ونساء اسلموا، 8\28

[13] أسلمت وسمت نفسها منى عبدالله ماكلوسكي ، ألمانية، تعمل قنصلا لبلادها، ألمانيا الاتحادية ، في بنغلاديش، واهتدت إلى الإسلام في مطلع عام 1976 ، على يد شيخ الجامع الأزهر الدكتور عبدالحليم محمود –رحمه الله – وشعرت يومها (وكأنها ولدت من جديد.) على حد قولها !.

[14] انظر: عرفات كامل العشي: رجال ونساء اسلموا ،9\64

[15] سورة الممتحنة:الآية :12

[16] انظر: محمد سعيد رمضان البوطي: فقه السيرة، 283

[17] صحيح - البخاري ( 1\ 469)، ومسلم (4\ 45).

[18] انظر : محمد سعيد رمضان البوطي: فقه السيرة ، 154

[19] سورة البقرة:الآية 228


[20] نظمي لوقا : محمد الرسالة والرسول ، ص 95 – 96 .

[21] جاك ريسلر: الحضارة العربية ، ص 53

[22] ول ديورانت: قصة الحضارة 13 \ 306

[23] صحيح – رواه البخاري، باب رحمة الولد وتقبيله برقم 5536

[24] صحيح - السلسلة الصحيحة ، برقم 294

[25] صحيح – رواه البخاري، باب رحمة الولد وتقبيله برقم 5537

[26] يعني منعني من العبث بخاتم النبي

[27] صحيح- رواه البخاري باب رحمة الولد وتقبيله برقم 5534

[28] انظر: ابن كثير: السيرة النبوية 2\ 485

[29] وليم موير : حياة محمد 15 .

[30] لويس سيديو : تاريخ العرب العام ، ص 110 -111

[31] جاك ريسلر: الحضارة العربية ، ص 53

[32] وقد أفردنا مبحثاً خاصاً برحمته للبنات.

[33] صحيح – رواه مسلم، باب رحمته صلى الله عليه وسلم -، برقم 4280

[34] صحيح - . رواه الترمذي وأبو داود والنسائي، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح برقم 6159

[35] صحيح – راوه النسائي ، باب بَاب هَلْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ سَجْدَةٌ أَطْوَلَ مِنْ سَجْدَةٍ، رقم 1129، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن النسائي.

[36] ابن حجر: فتح الباري ج 10، ص427.

[37] صحيح – رواه مسلم برقم 2316

[38] صحيح – رواه البخاري، باب رحمة الولد وتقبيله،برقم 5538

[39] صحيح – رواه مسلم (3 / 1691) برقم 2147

[40] صحيح – رواه البخاري ، برقم 3120

[41] صحيح – رواه البخاري، باب مناقب الحسن والحسين، رقم 3464

[42] صحيح – رواه البخاري، باب مناقب الحسن والحسين، رقم 3466

[43] صحيح - رواه الطبراني في المعجم الكبير ، برقم 1911، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح، برقم 5789

[44] محمد فتح الله كولن : النور الخالد محمد صلى الله عليه وسلم مفخرة الإنسانية ، 2/33

[45] صحيح - رواه البخاري عن ابن ربعي، بَاب مَنْ أَخَفَّ الصَّلَاةَ عِنْدَ بُكَاءِ الصَّبِيِّ، برقم 666

[46] صحيح – رواه البخاري، بَاب :مَنْ أَخَفَّ الصَّلَاةَ عِنْدَ بُكَاءِ الصَّبِيِّبرقم 667،

[47] مصنف عبد الرزاق (10 / 47 ) 18304، والقصة معروفة في كتب السيرة.

[48] صحيح – رواه البخاري، برقم 5850، و مسلم برقم 2150

[49] صحيح – السلسلة الصحيحة برقم 3325

[50] صحيح – رواه البخاري ، برقم 1268

[51] صحيح - صحيح مسلم ، برقم 4236

[52] نقلا عن : محمد شريف الشيباني، الرسول في الدراسات الإستشراقية المنصفة ،120

[53] فيليب حتى: الإسلام منهج حياة ، ص54.

[54] سيدني فيشر :الشرق الأوسط في العصر الإسلامي ، عن العقاد: ما يقال عن الإسلام ، ص 54 -55

[55] لويس سديو : تاريخ العرب العام ، ص 110 .

[56] صحيح – رواه البخاري ، في الأدب باب فضل من يعول يتيماً وأبو داود في الأدب باب في من ضم يتيماً، رقم 5546

[57] رواه أبو داود، كتاب الترجل - باب في حلق الرأس، رقم 4192 . وصححه الألباني في المشكاة برقم 4463، و في صحيح وضعيف سنن أبي داود

[58] رواه ابن ماجه، كتاب الجنائز - باب ما جاء في الطعام يبعث إلى أهل الميت رقم 1611، وحسنه الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجة ، والقصة منتشرة في كتب السيرة بعد معركة مؤتة .

[59] صحيح - رواه أبو يعلى الموصلى ، وصححه الألبانى فى صحيح الجامع.

[60] حسن - رواه أحمد والنسائي وابن ماجة، وهو في السلسلة الصحيحة ، برقم 1015

[61] صحيح - رواه البخاري (2560) ومسلم (129) وغيرهما

[62] صحيح – رواه البخاري، باب الساعي على الأرملة ، برقم 4934، ومسلم باب الإحسان إلى الأرملة، برقم 5295

[63] شرح النووي على مسلم 9\ 366

[64] ابن حجر : فتح الباري (ج 9 / ص 366)

[65] شرح النووي على مسلم - (ج 9 / ص 366)

[66] رواه النسائي،باب بَاب مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ تَقْصِيرِ الْخُطْبَةِ، برقم 1397، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن النسائي.

[67] صحيح- رواه البخاري البخاري، باب الكبر، برقم 5610

[68] صحيح – رواه مسلم، باب بَاب قُرْبِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ النَّاسِ وَتَبَرُّكِهِمْ بِهِ ، برقم 4293

[69] جان ليك : العرب ، ص 43

[70]اللادي ايفلين كوبولد: البحث عن الله ، ص67

[71]لويس سيديو : تاريخ العرب العام ، ص 103 .

[72] لايتنر : دين الإسلام ،133 .

[73] واشنجتون إيرفنج : حياة محمد ، ص303

[74] صحيح ـ صححه الألباني في تخريجح كتاب فقه السيرة لمحمد الغزالي ص 392.

[75] انظر: ابن سيد الناس: عيون الأثر، ج 2 / ص 421، 422.

[76] صحيح ـ وهو في الإرواء، وصححه الألباني في تخريج مشكلة الفقر، ص 36.

[77] انظر: محمد شريف الشيباني: الرسول في الدراسات الإستشراقية المنصفة، ص176

[78] الصحيح : الزكاة والصدقات

[79] ول ديورانت : قصة الحضارة ، 13 / 59.

[80] جاك ريسلر : الحضارة العربية، ص43

[81] بريشا بنكمرت (عثمان عبد الله ) : تربوي ، بمملكة تايلاند، نشأ في أسرة بوذية، راح يبحث، بعد إكمال دراسته، عن دين يجدر أن يكون "دين البشرية ودين الحياة"، كما يصفه، وفي مطلع عام 1971 أعلن إسلامه، وغير اسمه إلى عثمان عبد الله.

[82] انظر: عرفات كامل العشي : رجال ونساء أسلموا ، 3 / 115

[83] صحيح ـ أخرجه البخاري، برقم 1315، والنسائي برقم 8307 وأحمد، برقم 8307 عن أبي هريرة.

[84] حسن لغيره - رواه الطبراني في الأوسط واللفظ له، وابن خزيمة في صحيحه والحاكم مختصرا: " إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شره " وقال صحيح على شرط مسلم، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، صحيح لغيره، برقم 743.

[85] صحيح لغيره – رواه ابو داوود، برقم 1349، والبيهقي في شعب الإيمان يرقم 3148، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب :صحيح لغيره، برقم 750

[86] حسن – رواه النسائي برقم 2401، وأحمد برقم 19183، وحسنه الألباني في تخريج مشكلة الفقر، برقم 64.

[87] صحيح البخاري، رقم 1933، وابن ماجه برقم 1826

[88] يوسف القرضاوي: مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام، 40

[89] رواه أبو داود، برقم 1398، وابن ماجه 2189 ، وضعفه الألباني .

[90] رواه القضاعي، في مسند الشهاب من حديث عبد الله بن عمرو، برقم 278..

[91] صحيح – رواه أحمد 12038 عن أنس ، قال شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح على شرط الشيخين

[92] صحيح – رواه البخاري 1930 عن الْمِقْدَامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بَاب كَسْبِ الرَّجُلِ وَعَمَلِهِ بِيَدِهِ.

[93]حسن - رواه الترمذي عن أبي سعيد، برقم 1130 وحسنه . .

[94]عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم – قال:" من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل إرب منها إرباً منه من النار" (الإرب هو العضو )، صحيح مسلم، باب فضل العتق، حديث رقم 1509

[95] اميل درمنغم :حياة محمد، 290

[96] آدم متز (1869-1917) : باحث ألماني، عين أستاذًا للغات السامية، في جامعة بازل بسويسرا، وقد تخصص بالأدب العربي في العصر العباسي. من آثاره: (نهضة الإسلام في القرن الرابع الهجري) (1922)، وقد ترجم إلى العربية بعنوان: (الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري).

[97] ا آدم متز : الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، 1 / 290 .

[98] انظر: محمد شريف الشيباني، الرسول في الدراسات الإستشراقية المنصفة، 119

[99] مولانا محمد علي : نقلاً عن : محمد شريف الشيباني: الرسول في الدراسات الإستشراقية المنصفة، 119

[100] د. نظمي لوقا : كاتب نصراني من مصر. يتميز بنظرته الموضوعية .. كثيرًا ما كان يحضر مجالس شيوخ المسلمين ويستمع بشغف إلى كتاب الله وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم . بل إنه حفظ القرآن الكريم ولم يتجاوز العاشرة من عمره. ألف عددًا من الكتب أبرزها (محمد الرسالة والرسول)، و(محمد في حياته الخاصة).

[101] نظمي لوقا:محمد الرسالة والرسول، ص 185

[102] لايتنر :دين الإسلام ، ص 7 .

[103] شغل منصب أستاذ اللغة العربية والتاريخ الإسلامي بجامعة باريس، وشغل منصب رئيس "مؤسسة الدراسات الإسلامية في "داكار"، وله عدة دراسات منها: كتاب "الإرهاب الصهيوني"، "والمسلمون في الاتحاد السوفيتي"، وكتاب "الإسلام في إفريقيا السوداء"، كما قد قام بترجمة ابن خلدون إلى الفرنسية.

[104] انظر: عرفات كامل العشي: رجال ونساء أسلموا، 231

[105] مفكر إنكليزي، ولد سنة 1856، وأسلم سنة 1887 ، وتلقب باسم : (الشيخ عبدالله
كويليام، ومن آثاره : (العقيدة الإسلامية ) (1889) ، و (أحسن الأجوبة).

[106] عبد الله كويليام : العقيدة الإسلامية ، ص26

[107] عبد الله كويليام العقيدة الإسلامية ، ص26

[108] ادوار بروي :تاريخ الحضارات العام 3 / 564

[109] ادوار بروي :تاريخ الحضارات العام 3 / 564
__________________
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 01-30-2012, 12:45 AM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,418
افتراضي

المطلب الثالث : نماذج رحمته للعبيد :
إن المتأمل في التوجيهات النبوية يجدها تشي بالجهد الجهيد الذي بذله نبي الإنسانية في سبيل تحسين أوضاع العبيد والإماء ويعرف بحق كيف كانت مكرمة العبيد في الإسلام. وهذه بعض التوجيهات النبوية التي نذكر بعضًا منها على سبيل المثال لا الحصر.
أولاً : وصيته r بالعبيد والإماء :
كان آخر كلمات النبي r وهو يجود بروحه الشريفة، وقد حضره الموت، الوصية بالعبيد والإماء.. فعن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كان آخر كلام رسول الله r: "الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم"[1] !
إنه يوصي بالعبيد، وهو في سكرات الموت! فهو الذي احتضنهم حيًّا، وأوصى بهم بعد مماته خيرًا، فكان خير معلم لهم وخير أب وخير محرر .
ثانيًا: تحذيره r من إيذاء العبيد والإماء:
فكان يغضب أشد الغضب من ضرب العبيد أو إيذائهم، فعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه، قال: كنت أضرب غلامًا لي؛ فسمعتُ مِنْ خَلْفِي صوتًا: "اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ.. لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ"! فالتفتُ فإذا هو النبي! فقلت: يا رسول الله، هو حر لوجه الله تعالى. قَالَ: "أَمَا إِنَّكَ لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَعَتْكَ النَّارُ أَوْلَمَسَّتْكَ النَّارُ"[2] .
كذا كان رسول الله يربي تلاميذه، ويفقه شعبه، على احترام آدمية الناس، وخاصة الضعفاء منهم والعبيد والخدم والأجراء.
ويمتد هذا النداء الأبوي إلى حكام المسلمين في كل زمان ومكان؛ فيلزمهم بحماية العبيد من التعذيب أو الاضطهاد، فضلاً عن السعي الجاد لتحريرهم.
ثالثًا: أمره r بالإحسان إلى العبيد
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ألطف الناس بالعبيد، وأرفق الناس بالإماء، فعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله من أشد الناس لطفًا! والله ما كان يمتنع في غداة باردة من عبد ولا من أمة ولا صبي أن يأتيه بالماء فيغسل وجهه وذراعيه!! وما سأله سائل قط إلا أصغى إليه أذنه فلم ينصرف حتى يكون هو الذي ينصرف عنه، وما تناول أحد بيده إلا ناوله إياها فلم ينزع حتى يكون هو الذي ينزعها منه[3] .
وعن المعرور قال : لقيت أبا ذر بالربدة، وعليه حلة وعلى غلامه حله [يعني من نفس الثوب ]فسألته عن ذلك . فقال : إني ساببت رجلاً، فعيرته بأمه[قال لبلال : يابن السوداء ]فقال لي النبي r: "يا أبا ذر ! أعيرته بأمه ! ؟ إنك امروء فيك جاهلية ! إخوانكم خولكم [العبيد والإماء والخدم والأسرى هم إخوانكم في الدين والإنسانية]، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده: فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم "[4] .

فحرم السخرية من العبيد أو الاستهزاء بألوانهم أو أنسابهم، كما حرم إجهاد العبد في الخدمة، وأوجب مساعدته إذا كُلّف ما يغلبه.. وحذر الفقهاء من استعمال العبيد على الدوام ليل نهار، فقالوا: إذا استعمل السيدُ العبدَ نهارًا أراحه ليلاً، وكذا بالعكس، وقالوا: يريحه بالصّيف في وقت القيلولة، ويمنحه قسطه من النّوم، وفرصة للصّلاة المفروضة. وإذا سافر به يجب عليه أن يحمله معه على الدابة أو يتعاقبان على البعير ونحوه.
بل قالوا: "إن كان العبد ذمّيًّا فقد ذكر بعض الفقهاء أنه لا يمنع من إتيان الكنيسة، أو شرب الخمر، أو أكل لحم الخنزير؛ لأن ذلك دينه، نقله البنانيّ عن قول مالكٍ في المدوّنة"[5]
وتأمل معي قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن عيّر العبد: "إنك امرؤ فيك جاهلية".. دلالة على أن صفة من يهينون العبيد ويؤذونهم بالقول أو الفعل، فوصفهم بالجهل، وربطهم بعصور الجاهلية، وعهود التخلف.
رابعًا: التعاون في تحرير العبيد :
شغل الرقُ سلمانَ الفارسي حينًا من الزمن .. فقد كان مولى عند أحد الوجهاء، حتي فات سلمان عدد من المشاهد مع الرسول الكريم r، منها بدر وأحد.
فذهب إلى النبيr
فأشار عليه النبي r أن يكاتب سيده، فكاتبه علي ثلاثمائة نخلة يغرسها له وأربعين أوقية من ذهب.
وشارك المسلمون في أداء هذا الدين عن سلمان، فأحضروا له النخل وحفروا معه أماكنها وقدم رسول الله r ووضعه بيده الشريفة وعُتق سلمان.
وكانت أول مشاهده غزوة الأحزاب، وكان هو صاحب فكرة إنشاء خندق عظيم حول المدينة لتحصينها من الغزاة .. ولما نجحت الفكرة، زاد تقدير الناس لسلمان نظرًا لرجاحة عقله، وجهده في خدمة دولة الإسلام بفكرة الخندق، فقال الأنصار : سلمان منا ! وقال المهاجرون: سلمان منا !
فقال النبيr : "سلمان منا أهل البيت !!"[6].
وهكذا ارتفع شأن العبيد في دولة الإسلام بجهدهم وخدمتهم للمجتمع، ولم تكن عبوديتهم أيما يوم من الأيام تشينهم بين إخوانهم المسلمين.وفي ذلك أيضًا النموذج العملي الذي حشد فيه النبي r جهود شعبه من أجل تحرير عبد. وهو بذلك يلزم المجتمع بضرورة تضافر الجهود الشعبية لفك الإنسان من الرق .

خامسًا: سن قاعدة : "كفارة ضرب العبد عتقه":
شرع الإسلام منفذًا لتحرير العبيد عن طريق سن قاعدة "كفارة ضرب العبد عتقه" والذي لم يكن موجودًا أيام الجاهلية، فمنح حق الحرية للعبد إذا ضربه سيده.
فعن أبي صالح ذَكْوَانَ عن زَاذَانَ قال: أتيتُ ابن عمر، وقد أعتق مملوكًا له، فأخذ من الأرض عودًا أو شيئًا، فقال: مالي فيه من الأجر مَا يَسْوَى هذا.. سمعتُ رسول الله r يقول: "مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكَهُ أو ضَرَبَهُ فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يُعْتِقَهُ"[7].
سادسًا: كفالة الدولة الإسلامية للعبد المعاق أو المريض:
فلقد كان لِزِنْبَاعٍ أبو روح رضي الله عنه -أحد الصحابة- عَبْدٌ يُسَمَّى سَنْدَرَ بْنَ سَنْدَرٍ، فوجده يقبل جارية له، فقطع ذَكَرَهُ وَجَدَعَ أَنْفَهُ، فأَتَى الْعَبْدُ النبي r فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لزنباع: "مَا حَمَلَك عَلَى مَا فَعَلْت؟" قَالَ: فَعَلَ كَذَا وَكَذَا. فذكر له ما فعل بالجارية!.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم للعبد: "اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ" فقال العبد: يا رسول الله فمولى من أنا؟ فقال: "مولى الله ورسوله".. فأوصى به المسلمين؛ فلما قُبض جاء العبد إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال: وصية رسول الله r ، فقال: نعم، تجري عليك النفقة وعلى عيالك، فأجراها عليه حتى قبض.. فلما استخلف عمر رضي الله عنه جاءه فقال: وصية رسول الله r قال: نعم، أين تريد؟ قال: مصر، قال: فكتب عمر إلى صاحب مصر أن يعطيه أرضًا يأكل منها"[8] .
فالدولة -في الشرع الإسلامي- تكفل أصحاب الإعاقات من العبيد، -كما رأيت- كالمواطنين الأحرار، وقرر لهم الراتب المالي الدوري الذي يغنيهم عن التسول أو سؤال الناس.
المطلب الرابع: تحريم الاتجار بالبشر
ومن دلائل مكافحة الاسترقاق في الشرع الإسلامي، تحريمه لكافة صور ومظاهر الاتجار بالبشر، وخاصة النساء والأطفال الأحرار.. فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي r قال: "قَالَ اللَّهُ: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ"[9]
فجعل الاتجار بالبشر من أبواب الخيانة والغدر والظلم، والله عز وجل خصم لجميع الغادرين إلا أنه أراد التشديد على هذه الأصناف الثلاثة، فقد ارتكبوا جرمًا شنيعًا يتعلق بحقوق الإنسان، فأحدهم غدر بأخيه الإنسان، فعاهده عهدًا وحلف عليه بالله ثم نقضه، والثاني باع أخاه الإنسان الحر، والثالث أكل مال أخيه الإنسان الأجير، وهو داخل في إثم المتاجرة بالبشر كالثاني؛ لأنه استخدمه بغير حق، وخالف الأمر النبوي: "أَعْطِ الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ"[10]
وجريمة الاتجار بالبشر -التي حرمها الشرع الإسلامي الفضيل- تتسربل بصور عديدة مارستها المجتمعات الجاهلية في القديم والحديث.. فمارستها قبائل العرب ودول الفرس والرومان قبل بعثة النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، فكانوا يقطعون الطرق على الأحرار، فيسرقون أموالهم ويبيعونهم في أسواق النخاسة على أنهم عبيد.. وفي العصر الحديث مارس الأمريكان هذا السلوك الجاهلي مع الزنوج، فخصصوا الهيئات التي تبيع وتشتري فيهم، وهم أحرار، ومارسوا أبشع صور التمييز العنصري في حقهم. إضافة إلى ظهور جماعات المتاجرة بالأطفال والنساء؛ لغرض الاستغلال الجنسي التجاري، ناهيك عن استغلال هذه الجماعات للكوارث الطبيعية والحروب لممارسة نشاطها، وخير شاهد ما حدث في كارثة تسونامي وما أعلنته الصحف عن أرقام مفزعة للنساء والأطفال الذين تم الاتجار بهم في ظل هذه الكارثية الإنسانية، الأمر نفسه حدث مع ضحايا الشعب المسلم في البوسنة والهرسك بعد ما أعمل فيه الجيش الصربي الذبح، فتم بيع آلاف الفتيات والأطفال على مرأى ومسمع من العالم (المتحضر).. وتحولت البلدان الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية إلى مراكز كبرى للاتجار بالبشر من جانب العصابات المنظمة التي تحصد سنويًّا ما بين 8 و10 مليارات دولار من الاتجار بالأطفال والنساء، وذلك وفقًا لإحصائيات وزارة العدل الأمريكية... بيد أن الشرع الإسلامي الكريم حرّم بيع الأحرار، وناهض تجارة البشر بالبشر، وحرم إكراه الفتيات على ممارسة البغاء فقال الشارع الحكيم: "وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [النور: 33].
إلى جانب أن جريمة الاتجار بالبشر تنتهك حق الإنسان في الحرية، وتنتهك حقوق الأطفال والنساء في العيش في بيئة آمنة صالحة، فهي تنزعهم من أسرهم ومن بين آبائهم وأمهاتهم إلى جحيم الاستغلال الجنسي والسخرة والتعذيب النفسي والجسدي.. وكلها مظاهر حرمها الإسلام وحاربها نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم.
هكذا كان المنهج النبوي في التعامل مع مظاهر الاسترقاق والاتجار بالبشر؛ ليسجل أمام الله تعالى ثم التاريخ أن النظام الإسلامي هو أول نظام في تاريخ البشرية ناهض الاسترقاق وحارب المتاجرة بالبشر
المطلب الخامس – رفقه وعطفه على الخدم
أولاً: سلوكه r مع خادمه :
خادمه أنس t يحدثنا عن رحمته وشفقته r بالخدم..
وإن شهادة الخادم عن سيده لصادقة، وخاصة من رجل كأنس الذي خدمه تسع سنين، ونقل عنه إلى الأُمة آلاف الأحاديث، وكان معه كظله..
فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ rأَحْسَنَ النّاسِ خُلُقاً. فَأَرْسَلَنِي يَوْماً لِحَاجَةٍ.
فَقُلْتُ: وَاللّهِ لاَ أَذْهَبُ، وَفِي نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ لِمَا أَمَرَنِي بِهِ نَبِيّ اللّهِ r، فَخَرَجْتُ حَتّىَ أَمُرّ عَلَىَ صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي السّوقِ، فَإِذَا رَسُولُ اللّهِ r قَدْ قَبَضَ بِقَفَايَ مِنْ وَرَائِي، قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ:" يَا أُنَيْسُ أَذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ؟" قُلْتُ: نَعَمْ ! أَنَا أَذْهَب يَا رَسُولَ اللّهِ. قَالَ أَنَسٌ: وَاللّهِ لَقَدْ خَدَمْتُهُ تِسْعَ سِنِينَ، مَا عَلِمْتُهُ قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ أَوْ لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ: هَلاّ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا [11]..
وإذا لام أحدٌ الخادم لتقصيره في خدمة سيدنا محمدr ، قال r : "دعوه ! فلو قُدر أن يكون كان!"[12].
ثانيًا: حثه على العفو عن الخادم :
كان سيدنا محمد r يوصي أصحابه بالعفو عن الخدم ..فعن عبد الله بن عمر قال: جاء رجل إلى النبي rفقال: يا رسول الله كم نعفو عن الخادم؟ فصمت، ثم أعاد عليه الكلام فصمت. فلما كان في الثالثة قال: "اعفوا عنه في كلِّ يومٍ سبعين مرَّةً "[13].
ثالثًا: توبيخه مَنْ ضرب الخادم:
كان لدى بني مقرّن خادمة، فلطمها أحدهم، فجاءت تشتكي إلى رسول الله rباكية، فاستدعى الرسول rمالكها قائلاً له: "أَعتِقوها"، فقالوا: ليس لهم خادم غيرها. قال: "فليستخدموها، فإذا استغنوا عنها، فليخلّوا سبيلها[14] .
وعن عائشة قالت : ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم خادما ولا امرأة قط[15]
رابعًا: ترغيبه rفي إطعام الخادم :
فعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: " مَا أَطْعَمْتَ نَفْسَكَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَمَا أَطْعَمْتَ وَلَدَكَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَمَا أَطْعَمْتَ زَوْجَكَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَمَا أَطْعَمْتَ خَادِمَكَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ"[16].
خامسًا: نهيه عن الدعاء على الخادم :
فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: "لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى خَدَمِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَاعَةَ نَيْلٍ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ"[17].

المبحث الثالث
رحمته بذوي الاحتياجات الخاصة

أخيرًا ًًالتفت العالم المتحضر في هذا القرن إلى ذوي الاحتياجات الخاصة !! بعدما نحى جانبًا نظريات عنصرية، فاسدة، تدعو إلى إهمالهم ، بزعم أن هؤلاء – أمثال الصم والبكم والعمي والمعاقين ذهنيًا– لا فائدة منهم ترتجى للمجتمع .. ولقد قدرت منظمة العمل الدولية في تقرير لها عام (2000م ) عدد ذوي الاحتياجات الخاصة بأكثر من (610) مليون نسمة ، منهم (400) مليون نسمة في الدول النامية، وفي تقرير للبنك الدولي، تمثل هذه الفئة 15 % تقريبًا من نسبة السكان في كل دولة من دول العالم .

المطلب الأول : الفئات الخاصة في المجتمعات الجاهلية:
وإذا نظرنا – سريعًا- إلى تاريخ الغرب مع ذوي الاحتياجات الخاصة، نجد مجتمعات أوربا القديمة، كروما وإسبرطا شهدت إهمالاً وإضهادًا صارخًا لهذه الفئة من البشر، فلقد كانت هذه المجتمعات – حكامًا وشعوبًا – تقضي بإهمال أصحاب الإعاقات، وإعدام الأطفال المعاقين عقب ولادتهم، أو تركهم في الصحراء طعاماً للسباع والطيور..
وكانت المعتقدات الخاطئة والخرافات هي السبب الرئيسي في هذه الانتكاسة، فكانوا يعتقدون أن المعاقين عقليًّا هم أفراد تقمصتهم الشياطين والأرواح الشــريرة. وتبنّى الفلاسفة والعلماء الغربيون هذه الخرافات، فكانت قوانين (ليكورجوس) الإسبرطي و(سولون) الأثيني تسمح بالتخلص ممن بهم إعاقة تمنعه عن العمل والحرب، وجاء الفيلسوف الشهير (أفلاطون) وأعلن أن ذوي الاحتياجات الخاصة فئة خبيثة وتشكل عبئًا على المجتمع، وتضر بفكرة الجمهورية.. أما (هيربرت سبنسر) فقد طالب المجتمع بمنع شتى صور المساعدة لذوي الاحتياجات الخاصة، بزعم أن هذه الفئة تثقل كاهل المجتمع بكثير من الأعباء دون فائدة.
بيد أن العرب -وإن كانوا يقتلون البنات خشية العار- كانوا أخف وطأة وأكثر شفقة على أهل البلوى والزمنى، وإن كانوا يتعففون عن مؤاكلة ذوي الاحتياجات الخاصة أو الجلوس معهم على مائدة طعام.
وفي الوقت الذي تخبط فيه العالم بين نظريات نادت بإعدام المتخلفين عقليًّا وأخرى نادت باستعمالهم في أعمال السخرة اهتدى الشرق والغرب أخيرًا إلى "فكرة" الرعاية المتكاملة لذوي الاحتياجات الخاصة.. في ظل هذا كله نرى رسولنا المربي المعلم صلى الله عليه وسلم كيف كانت رحمته لهذه الفئة من بني البشر، وهذا غيض من فيض رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة.

المطلب الثاني : رعاية النبي r لذوي الاحتياجات الخاصة:
فعن أنس أن امرأة كان في عقلها شيىء ، فقالت : يا رسول الله إن لي إليك حاجة ! فَقَالَ: فَقَالَ: " يَا أُمّ فُلاَنٍ! انظري أَيّ السّكَكِ شِئْتِ، حَتّىَ أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ " فَخَلاَ مَعَهَا فِي بَعْضِ الطّرُقِ، حَتّىَ فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا[18].
وهذا من حلمه وتواضعه r وصبره على قضاء حوائج ذوي الاحتياجات الخاصة..
وفي هذا أيضاً : " بيان بروزه r للناس وقربه منهم ليصل أهل الحقوق إلى حقوقهم ويرشد مسترشدهم ليشاهدوا أفعاله وحركاته فيقتدي بها وهكذا ينبغي لولاة الأمور وفيها صبره r على المشقة في نفسه لمصلحة المسلمين واجابته من سأله حاجة"[19].

وفي هذا دلالة شرعية على وجوب تكفل الحاكم برعاية ذوي الاحتياجات الخاصة، صحيًا واجتماعيًا، واقتصاديًا، ونفسيًا، والعمل على قضاء حوائجهم، وسد احتياجاتهم .
ومن صور هذه الرعاية لذوي الاحتياجات الخاصة :
-توفير الحياة الكريمة لهم
- العلاج والكشف الدوري لهم
- تأهيلهم وتعليمهم بالقدر الذي تسمح به قدراتهم ومستوياتهم
- توظيف مَن يقوم على رعايتهم وخدمتهم .
ولقد استجاب الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز – رضي الله عنه – ، لهذا المنهج النبوي السمح، فأصدر قرارًا إلى الولايات:
"أن ارفعوا إلىَّ كُلَّ أعمى في الديوان أو مُقعَد أو مَن به فالج أو مَن به زمانةتحول بينه وبين القيام إلى الصلاة. فرفعوا إليه " وأمر لكل كفيف بموظف يقوده ويرعاه ، وأمر لكلاثنين من الزمنى – من ذوي الاحتياجات – بخادمٍ يخدمه ويرعاه[20] .
وعلى نفس الدرب سار الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك – رحمه الله تعالى -، فهو صاحب فكرة إنشاء معاهد أو مراكز رعاية – لذوي الاحتياجات الخاصة ، فأنشأ [عام 707م- 88 هـ]مؤسسة متخصصة في رعايتهم، وظّف فيها الأطباء والخدام وأجرى لهم الرواتب، ومنح راتبًا دوريًا لذوي الاحتياجات الخاصة ، وقال لهم : " لا تسألوا الناس " ، وبذلك أغناهم عن سؤال الناس ، وعين موظفًا لخدمة كل مقعد أو كسيح أو ضرير[21].

المطلب الثالث: الأولوية لهم في الرعاية وقضاء احتياجاتهم:

وإذا كان الإسلام قد قرر الرعاية الكاملة لذوي الاحتياجات الخاصة، والعمل على قضاء حوائجهم، فقد قرر أيضًا أولوية هذه الفئة في التمتع بكافة هذه الحقوق، فقضاء حوائجهم مقدم على قضاء حوائج الأصحاء، ورعايتهم مقدمة على رعاية الإكفاء ، ففي حادثة مشهورة أن سيدنا محمد r عبس في وجه رجل أعمى – هو الصحابي الفاضل عبد الله ابن أم مكتوم - جاءه يسأله عن أمرٍ من أمور الشرع، وكان يجلس إلى رجالٍ من الوجهاء وعلية القوم، يستميلهم إلى الإسلام، و رغم أن الأعمى لم ير عبوسه، ولم يفطن إليه، إلا أن المولى تبارك وتعالى أبى إلا أن يضع الأمور في نصابها، والأولويات في محلها، فأنزل - سبحانه آيات بينات تعاتب النبي الرحيم عتاباً شديداً:
]عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَاء ذَكَرَهُ] [عبس: الآيات 1-12]
يقول الباحث الإنجليزي "لايتنر " معلقًا على هذا الحادث :
".. مرة، أوحى الله تعالى إلى النبي [r] وحيًا شديد المؤاخذة لأنه أدار وجهه عن رجل فقير أعمى ليخاطب رجلاً غنيًا من ذوي النفوذ، وقد نشر ذاك الوحي، فلو كان [r] كما يقول أغبياء النصارى بحقه [r] لما كان لذاك الوحي من وجود !"[22].
وقد كان النبي r يقابل هذا الرجل الأعمى، فيهش له ويبش، ويبسط له الفراش، ويقول له:
" مرحبًا بمن عاتبني فيه ربي "[23] !
ففي هذه القصة، نرى علة المعاتبة، لكونهr انشغل بدعوة الوجهاء عن قضاء حاجة هذا الكفيف، وكان الأولى أن تُقضى حاجته، وتقدم على حاجات من سواه من الناس .
وفي هذه القصة دلالة شرعية على تقديم حاجات ذوي الاحتياجات الخاصة على حاجات من سواهم.

المطلب الرابع: عفوهr عن سفهائهم وجهلائهم :
وتجلت رحمة ****** r بذوي الاحتياجات الخاصة، في عفوه عن جاهلهم، وحلمه على سفيههم ، ففي معركة أحد[ شوال 3هـ- أبريل624 م]، لما توجه الرسول r بجيشه صوب أحد، وعزم على المرور بمزرعة لرجل منافق ضرير، أخذ هذا الأخير يسب النبيr وينال منه ، وأخذ في يده حفنة من تراب وقال – في وقاحة - للنبيr: والله لو أعلم أنى لا أصيب بها غيرك لرميتك بها ! حَتَّى هم أصحاب النبي بقتل هذا الأعمى المجرم، فأبي عليهم -نبي الرحمة- وقال:
" دعوه ! فهذا الأعمى أعمى القلب، أعمى البصر "[24].

ولم ينتهز رسول الله r ضعف هذا الضرير، فلم يأمر بقتله أو حتى بأذيته، رغم أن الجيش الإسلامي في طريقه لقتال، والوضع متأزم، والأعصاب متوترة، ومع ذلك لما وقف هذا الضرير المنافق في طريق الجيش، وقال ما قال، وفعل وما فعل، أبى رسول الله إلا العفو عنه، والصفح له، فليس من شيم المقاتلين المسلمين الاعتداء على أصحاب العاهات أو النيل من أصحاب الإعاقات، بل كانت سنته معهم؛ الرفق بهم، والاتعاظ بحالهم، وسؤال الله أن يشفيهم ويعافينا مما ابتلاهم .
المطلب الخامس : تكريمه وموساته r لهم :
فعن عائشة أنها قالت : سمعت رسول الله r يقول : " إن الله عز وجل أوحى إلى أنه من سلك مسلكا في طلب العلم سهلت له طريق الجنة ومن سلبت كريمتيه أثبته عليهما الجنة... "[25] .
وعن العرباض بن سارية ، عن النبي r ، عن رب العزة - قال : " إذا سلبت من عبدي كريمتيه وهو بهما ضنين ، لم أرض له ثوابًا دون الجنة، إذا حمدني عليهما"[26]
ويقول النبيr لكل أصحاب الإصابات والإعاقات : " مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا كُتِبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ"[27]
ففي مثل هذه النصوص النبوية والأحاديث القدسية، مواساة وبشارة لكل صاحب إعائقة؛ أن إذا صبر على مصيبته، راضيًا لله ببلوته، واحتسب على الله إعاقته، فلا جزاء له عند الله إلا الجنة .
وقد كان النبي r يقول عن عمرو بن الجموح ، تكريمًا وتشريفًا له: " سيدكم الأبيض الجعد عمرو بن الجموح "وكان أعرج ، وقد قال له النبي r ذات يوم: " كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة "، وكان – رضي الله عنه - يولم على رسول الله r إذا تزوج[28].
و عن أنس بن مالك : أن رسول الله r استخلف بن أم مكتوم على المدينة مرتين يصلي بهم وهو أعمى[29] .
وعن عائشة أن ابن أم مكتوم كان مؤذنا لرسول الله r وهو أعمى[30] .
وروى الزهري عن سعيد بن المسيب أن المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا زمناهم، وكانوا يسلمون إليهم مفاتيح أبوابهم، ويقولون لهم: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا[31] .
وعن الحسن بن محمد قال: دخلت على أبي زيد الأنصاري فأذن وأقام وهو جالس قال: وتقدم رجل فصلى بنا، وكان أعرج أصيب رجله في سبيل الله تعالى[32].
وهكذا كان المجتمع النبوي، يتضافر في مواساة ذوي الاحتياجات الخاصة، ويتعاون في تكريمهم، ويتحد في تشريفهم، وكل ذلك اقتضاءً بمنهج نبي الرحمة r مع ذوي الاحتياجات الخاصة . .
المطلب السادس : زيارتهr لهم
وشرع الإسلام عيادة المرضى عامة، وأصحاب الإعاقات خاصة، وذلك للتخفيف من معاناتهم .. فالشخص المعاق أقرب إلى الإنطواء والعزلة والنظرة التشائمية، وأقرب من الأمراض النفسية مقارنة بالصحيح، ومن الخطأ إهمال المعاقين في المناسابات الاجتماعية، كالزيارات والزواج ..
وقد كان رسول الله r يعود المرضى، فيدعو لهم ، ويطيب خاطرهم، ويبث في نفوسهم الثقة، وينشر على قلوبهم الفرح، ويرسم على وجوهه البهجة، وتجده ذات مرة يذهب إلى أحدهم في أطراف المدينة، خصيصًا، ليقضي له حاجة بسيطة، أو أن يصلي ركعات في بيت المتبتلى تلبية لرغبته .. فهذا عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ- وكان رجلاً كفيفًا من الأنصار- يقول للنبي r: إنها تكون الظلمة والسيل وأنا رجل ضرير البصر، وأنا أصلي لقومي فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم؛ لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم، ووددتُ يا رسول الله أنك تأتيني فتصلي في بيتي فأتخذه مصلى.
فوعده r بزيارة وصلاة في بيته قائًلا : "سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ" ..
قال عتبان فغدا رسول الله r وأبو بكر حين ارتفع النهار فاستأذن رسول الله r فأذنتُ له فلم يجلس حتى دخل البيت ، ثم قال : "أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ"، فأشرتُ له إلى ناحية من البيت فقام رسول الله r ،فكبر فقمنا، فصفنا، فصلى ركعتين، ثم سلم [33].
المطلب السابع: الدعاء لهم :
وتتجلى – أيضًا - رحمة نبي الإسلام r بالفئات الخاصة - من ذوي الاحتياجات- عندما شرع الدعاء لهم، تثبيتًا لهم، وتحميسًا لهم على تحمل البلاء .. ليصنع الإرادة في نفوسهم، ويبني العزم في وجدانهم .. فذات مرة ، جاء رجل ضرير البصرِ إلى حضرة النبي r.. فقَالَ الضرير: ادعُ اللَّهَ أنْ يُعافيني..
قَالَ r: "إنْ شِئتَ دَعوتُ، وإنْ شِئتَ صبرتَ فهوَ خيرٌ لك".
قَالَ: فادعُهْ.
فأمرَهُ أنْ يتوضَّأ فيُحسنَ وُضُوءَهُ ويدعو بهَذَا الدُّعاءِ:
" الَّلهُمَّ إنِّي أسألكَ وأتوجَّهُ إليكَ بنبيِّكَ مُحَمَّد نبيِّ الرَّحمةِ إنِّي توجَّهتُ بكَ إِلى رَبِّي في حاجتي هذِهِ لتُقْضَى لي، الَّلهُمَّ فَشَفِّعْهُ فيَّ "[34] .
وعن عطاء بن أبي رباح، قال لِي ابْنُ عَبَّاس: أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ : بَلَى .
قَالَ : هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ .. أَتَتْ النَّبِيَّ r فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي !
فقَال النبيَr:" إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ".
فَقَالَتْ :أَصْبِرُ . فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ. فَدَعَا لَهَاr [35].
هذا، وقد كان رسول الله يدعو للمرضى والزمنى عامة، فعن عائشة رضي الله عنها
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أتى مريضا أو أتي به قال : " أذهب الباس رب الناس اشف وأنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما"[36]
وهكذا المجتمع الإسلامي؛ يدعو -عن بكرة أبيه- لأصحاب الإعاقات والعاهات وما رأينا مجتمعًا على وجه الأرض يدعو بالشفاء والرحمة لأصحاب الاحتياجات الخاصة، غير مجتمع المسلمين، ممن تربوا على منهج نبي الإسلام!.
المطلب الثامن : تحريم السخرية منهم
كان ذوو الاحتياجات الخاصة، في المجتمعات الأوربية الجاهلية، مادة للسخرية، والتسلية والفكاهة، فيجد المعاق نفسه بين نارين، نار الإقصاء والإبعاد، ونار السخرية والشماتة، ومن ثم يتحول المجتمع - في وجدان أصحاب الإعاقات- إلى دار غربة، واضهاد وفرقة .. فجاء الشرع الإسلامي السمح، ليحرّم السخرية من الناس عامة، ومن أصحاب البلوى خاصة، ورفع شعار " لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك " . وأنزل الله تعالى آيات بينات توكد تحريم هذه الخصلة الجاهلية، والتي نبتت في من نتن العصبية، والنعرات القبائلية، فقال عز من قائل :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }[الحجرات:11]
كما ثبت عن النبي r أنه قال: "الكِبْر بطر الحق وغَمْص الناس"[37]،"وغمط الناس" : احتقارهم والاستخفاف بهم، وهذا حرام، فإنه قد يكون المبتلى أعظم قدرًا عند الله، أو أكبر فضلاً على الناس، علمًا وجهادًا، وتقوى وعفة وأدبًا .. نهيك عن القاعدة النبوية العامة، الفاصلة :" فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ"[38]
ولقد حذر النبي r أشد التحذير، من تضليل الكفيف عن طريقه، أو إيذاءه، عبسًا وسخرية، فقال :
"مَلْعُونٌ مَنْ كَمَهَ أَعْمَى عَنْ طَرِيقٍ "[39]
وقال : " لَعَنَ اللَّهُ مَنْ كَمَّهَ أَعْمَى عَنْ السَّبِيلِ " [40]
فهذا وعيد شديد، لمن اتخذ العيوب الخلقية سببًا للتندر أو التلهي أو السخرية، أوالتقليل من شأن أصحابها، فصحاب الإعاقة هو أخ أو أب أو إبن امتحنه الله، ليكون فينًا واعظًا، وشاهدًا على قدرة الله، لا أن نجعله مادة للتلهي أو التسلي.
المطلب التاسع : رفع العزلة والمقاطعة عنهم:
فقد كان المجتمع الجاهلي في القديم- سواءً في الجزيرة العربية أو أوربا الرومانية أوأسيا الفارسية - يقاطع ذوي الاحتياجات الخاصة، ويعزلهم ويمنعهم من ممارسة حياتهم الطبيعية، كحقهم في الزواج، والاختلاط بالناس، وزيارتهم والأكل والشرب معهم..
فقد كان أهل المدينة قبل أن يبعث النبيّ r لا يخالطهم في طعامهم أعرج ولاأعمى ولا مريض، وكان الناس يظنون بههم التقذّر والتقزّز. فأنزل الله تعالى:
{لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون }[النور: 61 ] [41] .
أي ليس عليكم حرج في مؤاكلة المريض والأعمى والأعرج، فهؤلاء بشر مثلكم، لهم كافة الحقوق مثلكم، فلا تقاطعوهم ولا تعزلوهم ولا تهجروهم، فأكرمكم عند الله أتقاكم، "والله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أشكالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم " .
وهكذا نزل القرآن، رحمة لذوي الاحتياجات الخاصة، يواسيهم، ويساندهم نفسًيا، ويخفف عنهم . ويتقذهم من أخطر الأمراض النفسية التي تصيب المعاقين، جراء عزلتهم أو فصلهم عن الحياة الاجتماعية .
وبعكس ما فعلت الأمم الجاهلية، فلقد أحل الإسلام لذوي الاحتياجات الخاصة الزواج، فهم – والله – أصحاب قلوب مرهفة، ومشاعير جياشة، وأحاسيس نبيلة، فأقر لهم الحق في الزواج، ما داموا قادرين، وجعل لهم حقوقًا، وعليهم واجبات، ولم يستغل المسلمون ضعف ذوي الاحتياجات، فلم يأكلوا لهم حقًا، ولم يمنعوا عنهم مالاً، فعن عمر بن الخطاب أنه قال :
" أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَبِهَا جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ فَمَسَّهَا فَلَهَا صَدَاقُهَا كَامِلًا..." [42] .
المطلب العاشر: التيسير على ذوي الاحتياجات الخاصة :
ومن الرحمة بذوي الاحتياجات الخاصة مراعاة الشريعة لهم في كثيرٍ من الأحكام التكليفية، والتيسير عليهم ورفع الحرج عنهم، فعن زيد بن ثابت أن رسول الله rأملى عليه: "لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله". قال: فجاءه ابن أم مكتوم وهو يملها "علي" – رضي الله عنه - (لتدوينها)، فقال: يا رسول الله، لو أستطيع الجهاد لجاهدت، وكان رجلا أعمى، قال زيد بن ثابت: فأنزل الله تبارك وتعالى على رسوله r ، وفخذه على فخذي، فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي [من ثقل الوحي]، ثم سري عنه- فأنزل الله عز وجل: ]غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ[[43].
وقال تعالى – مخففًا عن ذوي الاحتياجات الخاصة - : {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً }[الفتح:17 ].
فرفع عنهم فريضة الجهاد في ساح القتال، فلم يكلفهم بحمل سلاح أو الخروج إلى نفير في سبيل الله، إلا إن كان تطوعًا .. ومثال ذلك، قصة عمرو بن الجموح – رضي الله عنه – في معركة أحد [ شوال 3هـ/إبريل624 م]، فقد كان – رضوان الله عليه - رجلا أعرج شديد العرج ، وكان له بنون أربعة مثل الأسد يشهدون مع رسول الله r المشاهد فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه ، وقالوا : له إن الله عز وجل قد عذرك ! فأتى رسول الله r فقال:إن بني يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه . فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة ! فقال نبي الرحمة r : "أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك "، ثم قال لبنيه : "ما عليكم أن لا تمنعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة" فخرج مع الجيش فقتل يوم أحد[44] .
بيد أن هذا التخفيف، الذي يتمتع به المعاق في الشرع الإسلامي، يتسم بالتوازن والاعتدال، فخفف عن كل صاحب إعاقة قدر إعاقته، وكلفه قدر استطاعته، يقول القرطبي[45]:
"إن الله رفع الحرج عن الأعمى فيما يتعلق بالتكليف الذي يشترط فيه البصر، وعن الاعرج فيما يشترط في التكليف به من المشى، وما يتعذر من الافعال مع وجود العرج، وعن المريض فيما يؤثر المرض في إسقاطه، كالصوم وشروط الصلاة وأركانها، والجهاد ونحو ذلك."
ومثال ذلك الكفيف والمجنون، فالأول مكلف بجل التكاليف الشرعية باستثناء بعض الواجبات والفرائض كالجهاد .. أما الثاني فقد رفع عنه الشارع السمح كل التكاليف، فعن عائشة أن رسول الله r قال :" رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ " [46].
فمهما أخطأ المجنون أو ارتكب من الجرائم، فلا حد ولا حكم عليه، فعن ابن عباس قال: أتي عمر – رضي الله عنه - بمجنونة قد زنت فاستشار فيها أناسًا فأمر بها عمر أن ترجم، فمر بها على علي بن أبي طالب -رضوان الله عليه- فقال: ما شأن هذه؟
قالوا : مجنونة بني فلان زنت، فأمر بها عمر أن ترجم .
فقال: ارجعوا بها !
ثم أتاه، فقال : يا أمير المؤمنين ! أما علمت أن القلم قد رفع عن ثلاثة ، عن المجنون حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يعقل ؟ قال : بلى. قال: فما بال هذه ترجم ؟ !قال لا شيء. قال علي: فَأَرْسِلْهَا. فَأَرْسَلَهَا . فجعل عمر يُكَبِّرُ [47].
هكذا كان المنهج النبوي في التعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة، في وقت لم تعرف فيه الشعوب ولا الأنظمة حقًا لهذه الفئة، فقرر – الشرع الإسلامي- الرعاية الكاملة والشاملة لذوي الاحتياجات الخاصة، وجعلهم في سلم أولويات المجتمع الإسلامي، وشرع العفو عن سفيههم وجاهلهم . وتكريم أصحاب البلاء منهم، لاسيما من كانت له موهبة أو حرفة نافعة أو تجربة ناجحة، وحث على عيادتهم وزيارتهم ، ورغب في الدعاء لهم، وحرّم السخرية منهم، ورفع العزلة والمقاطعة عنهم، ويسر عليهم في الأحكام ورفع عنهم الحرج. فالله الله في شريعة الإسلام ونبي الإسلام !
المبحث الرابع
رحمته للمسنين
يشهد العالم في السنوات الأخيرة اهتمامًا ملحوظًا بالمسنين، وقد شهد المجتمع الدولي أكثر من فعالية دولية، من مؤتمرات وندوات عالمية، لتناول قضايا المسنين، وشهد عام 1982 أول إشارة من العالم المتحضر لرعاية المسنين، حيث أعلنت الأمم المتحدة، في اجتماع لمندوبي 124 دولة، أن العقد التاسع من القرن العشرين عقد المسنين، ورفعت منظمة الصحة العالمية عام 1983 شعار "فلنضف الحياة إلى سنين العمر"، وقد تبنى مؤتمر الأمم المتحدة الذي انعقد في مدريد عام 2002م خطة عمل لمعالجة مشاكل المسنين في مختلف بلدان العالم ..
والحق أن هذه المؤتمرات كانت شبيهه بالملتقيات الفكرية النظرية، فلم يطبق لها قراراً، ولم تُفعل لها خطة !
وكان الأولى لهذه الفعاليات والمؤتمرات أن تقرأ في منهج نبي الإسلامr ، وكيف رسم المنهج العملي في رعاية المسنين .
لقد كان نبي الرحمةr سباقًا في هذا الميدان، ومرجعًا مهمًا – ينبغي أن يُأخذ به - لكل فعالية أو نشاط يهدف إلى رعاية المسنين .
وينطلق منهج رعاية المسنين – في الإسلام – من منطلق إنساني سامق، بعيدًا عن التمييز بين فئات المسنين على أساس الجنس أو اللون أو الدين . فالإسلام لا يقرر قواعد الرعاية للمسنين من منطلق عنصري أو عرقي كما هو الحال في العالم " المتحضر " في هذا الوقت الراهن .
فالمسن الفرنسي ذو البشرة البيضاء له الرعاية الشاملة والحقوق الكاملة، أما المسن الأسود والذي يحمل نفس الجنسية لا يتمتع بمعشار ما يتمتع به المسن الأبيض، رغم أنهم أصحاب وطن واحد ودين واحد ولغة واحدة.. !
فياليت هذا العالم " المتحضر" ينظر إلى منهج نبي الإسلام مع المسنين، كل المسنين، البيض والسود، العرب وغير العرب، المسلمين وغير المسلمين .
وإليكم بعض تعاليمه r في رعاية المسنين ..
المطلب الأول : حثه على إكرام المسنين والرفق بهم:
أولاً: مناشدة الشباب لإكرام المسنين :
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ :
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: " مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ"[48] .
وهكذا أوصى شباب المجتمع بشيوخه، وشباب اليوم هم شيوخ الغد، وتبقى الوصية المحمدية متواصلة ومتلاحقة مع حقب الزمن، توصي الأجيال بعضها ببعض، وفيه بشارة بطول العمر وبالقرين الصالح الذي يكرم من أكرم شيخًا، والجزاء من جنس العمل .
وانظر إلى هذا التعميم : " مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ" .. أي شيخ مسن، مهما كان لونه، ومهما كان دينه، فالمسلم مطالب بإكرام المسن دون النظر إلى عقيدته أو بلده أو لونه ...

كما في حديث أنس بن مالك ، أن رسول الله r قال: "والذي نفسي بيده ، لا يضع الله رحمته إلا على رحيم" ، قالوا : يا رسول الله ، كلنا يرحم ، قال :" ليس برحمة أحدكم صاحبه .. يرحم الناس كافة "[49] . فيرحم الناس كافة، والأطفال كافة، والمسنين كافة، بعجرهم وبجرهم، مسلمهم وغير مسلمهم .
ثانيًا: إكرام المسن من إجلال الله :
فعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أن رَسُولُ اللَّهِ r قال "إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ"[50] .
فجعل إكرام المسنين من إجلال الله . . وربط بين توقير الخالق وتوقير المخلوق ، وإجلال القوي سبحانه وإجلال المسن الضعيف، وذكر علامة، يُكرم بها صاحبها، هي الشيب، فكان حقًا على كل من رأي هذه العلامة في إنسان إن يكرمه ويجله .
ثم انظر كيف جمع بين المسن وحامل القرآن والسلطان، وقدم المسن، كأنه يقول لك وقرْ المسن كما توقر السلطان والرئيس والحاكم، وعظم المسن كما تعظم حامل القرآن الحاذق.
وتحت لفظ " إكرام ذي الشيبة المسلم "، تأتي كل صور الرعاية والإكرام للمسنين، كالرعاية الصحية، والرعاية النفسية، والرعاية الاجتماعية والاقتصادية، ومحو الأمية، والتعليم التثقيف، وغيرها من صور العناية التي ينادي بها المجتمع الدولي الآن .
ثالثًا: ليس من المسلمين من لا يوقر الكبير :
فعن عبد الله بن عمرو : أن رَسُولُ اللَّهِ r قال : " لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا ويُوَقِّرْ كَبِيرَنَا "[51].
فجعل من الذين لا يوقرون الكبراء والمسنين عناصر شاذة في مجتمع المسلمين، بل وتبرأ منهم ! إذ ليس من المسلمين من لا يحترم كبيرهم، وليس من المجتمع من لم يوقر مشايخه وأكابره من المسنين . وتأمل – هداك الله – لفظة النبي " يوقر كبيرنا " – هكذا بضمير الجمع ، تعظيمًا للكبير والمسن - ، ولم يقل " يوقر الكبير"، ليقرر أن الاعتداء على الكبير أو المسن بالقول أو الفعل أو الإشارة هو اعتداء على جناب رسول الله r، الذي نسب المسن إليه وانتسب إليه، بقوله .." كبيرنا" .
رابعًا: تسليم الصغير على الكبير :
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنْ النَّبِيِّ rقَالَ: " يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ ، وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ"[52].

فقرر النماذج العملية البسيطة ، فيما يتعلق بجوانب الذوقيات الاجتماعية العامة، وبدأ بأهم هذه المظاهر الأخلاقية والذوقية، وهو مظهر توقير الكبير واحترام المسن، فهو البند الأول في " الإتيكيت الإسلامي ".. ولما كان الصغير هو المبادر في مثل هذه الأحوال، كان عليه فيما دون ذلك ، فيبدأ بالمساعدة، ويبدأ بالملاطفة، ويبدأ بالزيارة، ويبدأ بالنصيحة، ويبدأ بالاتصال .. الخ
خامسًا : تقديم المسن في وجوه الإكرام عامة:
قال النبي r : " أمرني جبريل أن أقدم الأكابر " [53].
وهذه قاعدة عامة في تقديم الكبير والمسن في وجوه الإكرام والتشريف عامة ..
وقد أمر النبي r أن يُبدأ الكبير بتقديم الشراب ونحوه للأكابر..فقال : "أبدؤا بالكبراء - أو قال – بالأكابر"[54].
ولقد مارس هذا الخلق عمليًا، فتقول عائشة : " كان r يستن وعنده رجلان، فأُوحي إليه : أن أعط السواك أكبرهما ! "[55].
وعن عبدالله بن كعب :"كان r إذا استن أعطى السواك الأكبر، و إذا شرب أعطى الذي عن يمينه"[56].
قال ابن بطال : فيه تقديم ذي السن في السواك ، و يلتحق به الطعام والشراب و المشي والكلام[57]. ومن ثم كل وجوه الإكرام .
كما أمر r بتقديم المسن في الإمامة :
ففي الصحيح من حديث مالك بْنِ الْحُوَيْرِثِ أن النَّبِيِّr قال :" .. فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ " [58] .
وهو لا يتعارض مع تصريح النبي r بتقديم الأحفظ لكتاب الله.
وجد جمع بينهما في حديث أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ حين قَال رَسُولُ اللَّهِ r: " يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ وَأَقْدَمُهُمْ قِرَاءَة،ً فَإِنْ كَانَتْ قِرَاءَتُهُمْ سَوَاءً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ سِنًّا ..." [59] .
كما أن الكبير – في الهدي النبوي – أحق بالمبداءة في الكلام، والحوار، فعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَسَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ أَتَيَا خَيْبَرَ فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْل،ِ فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَحُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ r فَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِم،ْ فَبَدَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ r:
"كَبِّرْ الْكُبْرَ " ..
قَالَ يَحْيَى يَعْنِي لِيَلِيَ الْكَلَامَ الْأَكْبَرُ .. الحديث[60]

[1] صحيح - رواه أبو داود ( 2\ 761) برقم 5156، وأحمد(1\78)، برقم 585، وصححه الألباني في الجامع الصغير(1\11) برقم 106

[2] صحيح - سنن أبي داود، برقم ( 4492)، باب حق المملوك، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود، برقم 5159.

[3] رواه أبو نعيم الأصبهاني في دلائل النبوة (116)، وأبو حنيفة في مسنده ( 40)، والحارث في مسنده (939)، وذكره ابن حجر العسقلاني في المطالب العالية ( 3931 ). ولم أقف على سنده .

[4] صحيح – رواه البخاري،كتاب الإيمان، برقم 30، وأخرجه مسلم في الإيمان والنذور، باب: إطعام المملوك مما يأكل، رقم: 1661

[5] عن الموسوعة الفقهية، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت، باب "رقّ"

[6] رواه الحاكم في المستدرك، برقم 6541، والطبراني في المعجم الكبير، برقم 6040، والقصة منتشرة في كتب السيرة، في ثنايا أحداث الخندق .

[7] صحيح - سنن أبي داود ، برقم4500 ، وصححه الألباني صحيح الترغيب والترهيب، برقم 2278

[8] حسن – رواه أحمد ( 2 / 182 )، وأخرجه أبو داود ( 4519 ) وابن ماجه ( 2680 )، وحسن الألباني في الإرواء 1744

[9] صحيح - رواه البخاري، كتاب البيوع ، باب إثم من باع حرًا، ح: 2075

[10] حسن – رواه البيهقي، ح: (11439)، عن أبى هريرة. وحسنه الألباني

[11]صحيح – رواه مسلم في فضائل النبي صلى الله عليه وسلم باب حسن خلقه، رقم 2310

[12] صحيح - رواه أحمد، وصححه الألباني في ظلال الجنة ، برقم 355

[13] رواه أبو داود، باب في حق المملوك، برقم 4496.

[14] صحيح – رواه مسلم ، كتاب الأيمان - باب صحبة المماليك، وكفارة من لطم عبده

[15] صحيح - سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب في التجاوز في الأمر، ح: (4154)، وابن ماجة، كتابالنكاح، باب ضرب النساء، ح: (1974)، وقال الألباني : صحيح ، انظر مختصر الشمائل المحمدية، ص 182

[16] رواه أحمد، برقم 16550، والنسائي5\382 برقم9204، قال ابن كثير : إسناده صحيح ولله الحمد ( التفسير 2/264)

[17] صحيح – رواه داود برقم 1309، كتاب الصلاة، بَاب النَّهْيِ عَنْ أَنْ يَدْعُوَ الْإِنْسَانُ عَلَى أَهْلِهِ وَمَالِهِ.، وهو في صحيح الترغيب والترهيب 2\ 133

[18]صحيح – رواه مسلم برقم 4293

[19] شرح النووي على مسلم (15 \ 82 )

[20] انظر: ابن الجوزي: سيرة عمر بن عبدالعزيز ، 130

[21] انظر: ابن كثير : البداية والنهاية، 9/ 186، وتاريخ الطبري 5/ 265

[22] لايتنر : دين الإسلام ، ص 12 – 13 .

[23] تفسير القرطبي 19/ 184، والبيضاوي 451

[24]ابن كثير : السيرة النبوية (ج 2 / ص 347)

[25] صحيح - رواه البيهقي في شعب الإيمان ، وصححه الألباني في المشكاة(ج 1 / ص 55)، برقم 255

[26] صحيح رواه ابن حبان ح: 2993

[27] صحيح – رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن أو نحو ذلك حتى الشوكة يشاكها، ح: 4664

[28] أبو نعيم الأصبهاني، معرفة الصحابة 14 / 155

[29] صحيح – رواه أحمد ، ح: 13023، وصححه الألباني في الإرواء ح: 530

[30] صحيح – رواه مسلم، كِتَاب الصَّلَاةِ، بَاب جَوَازِ أَذَانِ الْأَعْمَى إِذَا كَانَ مَعَهُ بَصِيرٌ، ح: 381

[31] تفسير الرازي، ج 11 / ص 374.

[32] رواه البيهقي ( 1 / 392 )، وقال الألباني : وهذا إسناد حسن إن شاء الله تعالى


[33] صحيح البخاري، كتاب الصلاة باب المساجد في البيوت ، ح: (407)، وانظر: ح (627)، ومسلم ، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر، ح: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ح: (1052)

[34] صحيح – رواه الترمذي (وشرح العلل)، أبواب الدعوات عَن رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، 3578، وابن ماجه برقم 1385، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي.

[35] صحيح – رواه البخاري برقم 5220، بَاب فَضْلِ مَنْ يُصْرَعُ مِنْ الرِّيحِ، ومسلم، برقم 4673 بَاب ثَوَابِ الْمُؤْمِنِ فِيمَا يُصِيبُهُ مِنْ مَرَضٍ أَوْ حُزْنٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا.

[36] صحيح – رواه البخاري، كتاب المرضى،باب دعاء العائد للمريض ، ح: (5243)، ومسلم، كتاب السلام، باب استحباب رقية المريض، ح: 4061

[37] صحيح – رواه مسلم ،ح: 91

[38] البخاري، ح: 5583

[39] حسن - رواه أحمد،ح: 1779

[40] حسن - رواه أحمد ، ح: 2763

[41] انظر: تفسير الطبري ، 19 / ص 219

[42] موطأ مالك،كِتَاب النِّكَاحِ، بَاب مَا جَاءَ فِي الصَّدَاقِ وَالْحِبَاءِ، ح: (969) ، ومصنف ابن أبي شيبة - (ج 3 / ص 310)

[43] صحيح- رواه البخاري ، كتاب الجهاد والسير، والآية في سورة النساء: رقم 95 .

[44] انظر: ابن هشام 2 / 90

[45] تفسير القرطبي 12 / 313

[46] صحيح - رواه ابن ماجة، كِتَاب الطَّلَاقِ، بَاب طَلَاقِ الْمَعْتُوهِ وَالصَّغِيرِ وَالنَّائِمِ،ح: ( 2041)، وابن خزيمة في صحيحه ( 1003 )، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجة، وفي الإرواء ( 297 )

[47] صحيح - رواه أبو داود، كِتَاب الْحُدُودِ، بَاب فِي الْمَجْنُونِ يَسْرِقُ أَوْ يُصِيبُ حَدًّا،ح: (4399)، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود، وفي الإرواء ( 2 / 5 )


[48] رواه الترمذي، باب ما جاء في إجلال الكبير، رقم 1945 ، قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وحسنه صاحب الجامع الصغير، انظر: فيض القدير - (ج 5 / ص 543)

[49] صحيح - رواه أبو يعلى الموصلي 4145 ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم 167

[50] حسن - رواه أبو داود، باب في تنزيل الناس منازلهم، رقم 4203، وابن أبي شيبة، برقم 5\ 224، والبيهقي، رقم 2573، وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح، 3\ 78

[51]صحيح – رواه الترمذي و رواه أحمد، برقم 6643، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ( 5 / 230 )

[52] صحيح – رواه البخاري، باب تسليم القليل على الكثير، رقم 5763

[53] صحيح - رواه أبو بكر الشافعي في " الفوائد " ( 9 / 97 / 1 ) ، وهو في السلسلة الصحيحة ، برقم 1555

[54] صحيح – أخرجه أبو يعلى ( 2 / 638 )، وهو في السلسلة الصحيحة، برقم 1778

[55] صحيح - رواه أبو داود،كِتَاب الطَّهَارَةِ، بَاب فِي الرَّجُلِ يَسْتَاكُ بِسِوَاكِ غَيْرِهِ ح: 46، وهو في السلسلة الصحيحة - (ج 4 / ص 129)، برقم 1555

[56] صحيح - صحيح وضعيف الجامع الصغير - (ج 18 / ص 444)، برقم 8797.

[57] انظر:الألباني السلسلة الصحيحة - (ج 4 / ص 129)

[58] صحيح البخاري، كِتَاب الْأَذَانِ، بَاب إِذَا اسْتَوَوْا فِي الْقِرَاءَةِ فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ ، ح: (595)

[59] صحيح مسلم ، كِتَاب الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ، بَاب مَنْ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ، ح: (1079)

[60] صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب إكرام الكبير، ح: (5677)، ومسلم، كتاب الْقَسَامَةِ وَالْمُحَارِبِينَ وَالْقِصَاصِ وَالدِّيَاتِ، بَاب الْقَسَامَةِ، ح: (3157).
__________________
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 01-30-2012, 12:46 AM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,418
افتراضي

سادسًا : التخفيف عن المسنين في الأحكام الشرعية :
فالأحكام الشرعية في الإسلام دائما تأخذ في الاعتبار مبدأ التخفيف عن صاحب الحرج، كالمسن .. نرى ذلك بوضوح في جل التشريعات الإسلامية .. فقد خفف الشرع عن المسن في الكفارات والفرائض والواجبات..
أما التخفيف عن المسن في الكفارات، فقصة المجادلة(خولة بنت ثعلبة) في القرآن خير دليل، عندما وقع زوجها (أوس بن الصامت) – وهو الشيخ المسن – في جريمة الظهار، ونزل الحكم الشرعي العام : " وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4)" [ المجادلة ]..
وقال رسول الله r لخولة المجادلة: "مُريه فليعتق رقبة"، فسألت التخفيف عن زوجها .فقال: "فليصم شهرين متتابعين". فقالت: والله إنه شيخ كبير، ما به من صيام. قال: "فليطعم ستين مسكينًا وسقًا من تَمر". فقلت: يا رسول الله، ما ذاك عنده ! فقال نبي الرحمة : "فإنا سنعينه بعَرَقٍ من تمر" ! ولم ينس الرسول الجليل والأب الرحيم أن يوصي المرأة الشابة بزوجها الشيخ فقال:"استوصي بابن عمك خيرًا".[1]
وفي الفرائض : أجاز للمسن أن يفطر في نهار رمضان - ويطعم - إذا شق عليه الصيام، وأن يصلي جالسًا إذا شق عليه القيام، وأن يصلي جالسًا إذا شق عليه الجلوس .. وهكذا..
ولقد عنّف الرسول r معاذ بن جبل، ذات يوم، لما صلى إمامًا فأطال فشق على المأموم، قائلا :
"يَا مُعَاذُ ! أَفَتَّانٌ أَنْتَ ! [ ثَلَاثَ مِرَارٍ] ! فَلَوْلَا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَةِ !"[2]
ورخص للمسن أن يرسل من يحج عنه إن لم يستطع أن يمتطى وسيلة النقل . فعَنْ الْفَضْلِ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ عَلَيْهِ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ ، وَهُوَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ، فَقَالَ لها النَّبِيُّ r :" فَحُجِّي عَنْهُ". [3].
المطلب الثاني : نماذج رحمته r للمسنين :
أولاً: إنصاته لعتبة وتلطفه معه :
جاء عتبة بن ربيعة - أحد شيوخ المشركين في مكة- يتحدث إلى النبي r، بحديث طويل يريد أن يثنيه عن دعوته، وكان من بين ما قال:
أنت خير أم عبد الله؟ أنت خير أم عبد المطلب ؟ فسكت النبي، تأدبًا وإعراضًا عن الجاهلين !
فواصل عتبة قائلاً : إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فقل يسمع لقولك، لقد أفضحتنا في العرب حتى طار فيهم أن في قريش ساحراً، وأن في قريش كاهناً، ما تريد إلا أن يقوم بعضنا لبعض بالسيوف حتى نتفانى[4] .. فلما عاين عتبةُ هذا الأدب الجم من رسول الله، خفف من حدة الحديث، وقال : يا بن أخى، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفًا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذى يأتيك رئيًا [ يعني جنون أو مس ] تراه لا تستطيع رده عن نفسك؛ طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يتداوى منه.
و لا زال عتبة يتحدث إلى النبيr، بهذا الحديث الذي لا يخلوا من التعريض أو من التجريح، ورسول الله r في أنصات واستماع بكل احترام للشيخ ..
حتى إذا فرغ عتبة، قال له النبي r- في أدب ورفق -: " أفرغت يا أبا الوليد ؟ " قال: نعم.
قال: "اسمع منى".
قال: أفعل.
فقرأ عليه النبي أول سورة فصلت[5].
ثانيًا: سعيه لفك أسر شيخ كبير:
فلما أُسر عمرو بن أبي سفيان بن حرب، في معركة بدر، ووقع أسيرا في يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فقيل لأبي سفيان: افد عمرًا ابنك ! قال: أيجمع علي دمي ومالي، قتلوا حنظلة وأفدي عمرًا، دعوه في أيديهم يمسكوه ما بدا لهم.
فبينًا هو كذلك محبوس بالمدينة عند رسول الله r إذ خرج شيخ كبير مسلم إلى مكة لأداء العمرة، وكان اسمه سعد بن النعمان بن أكال - أخو بني عمرو بن عوف- فخرج معتمرًا، رغم أن الظروف السياسية عصيبة لاسيما بعد بدر .. ولم يظن أنه يحبس بمكة، وقد كان عهد أن قريشًا لا يعرضون لأحد جاء حاجًا أو معتمرًا إلا بخير، فعدا عليه أبو سفيان بن حرب بمكة، فحبسه بابنه عمرو ..
ومشى بنو عمرو بن عوف إلى رسول الله r فأخبروا خبره، وسألوه أن يعطيهم عمرو بن أبي سفيان، فيفكوا به الشيخ، ففعل رسول الله r ، وأفرج عن ابن أبي سفيان على الفور، دون فداء، فبعثوا به إلى أبي سفيان فخلى سبيل الشيخ[6].
ثالثًا:رفقه بأبي قحافة وتوقيره له :
لما دخل رسول الله r مكة فاتحًا (في رمضان 8هـ/ يناير 630 م)، ودخل المسجد الحرام، أتى أبو بكر بأبيه يقوده إلى حضرة النبي r، ليتعرف عليه، لعله أن يسلم . فلما رآه رسول الله r قال:
" هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه ؟ ! " .
قال أبو بكر: يا رسول الله، هو أحق أن يمشى إليك من أن تمشى أنت إليه! !
فأجلسه النبيr بين يديه، وأكرمه، ثم مسح على صدره، ثم قال:" أسلم"
فأسلم.
ودخل به أبو بكر وكان رأسه كالثغامة[7] بياضًا من شدة الشيب.
فقال رسول الله r- في تلطف جم وذوق رفيع -: " غيروا هذا من شعره ! "[8].
وأخيرًا، يمكن أن نلخص الهدي النبوي في التعامل مع المسنين في عدة نقاط هي :
1-مسؤولية المجتمع بكامله – خاصة الشباب - عن شويخه ومسنيه، علمًا بأن رعاية المسنين واجب عيني على الأنظمة والحكومات والشعوب . ويمتد الواجب إلى حشد الجهود الفردية والجماعية والرسمية وغير الرسمية لرعاية المسنين .
2- الرعاية الكاملة والشاملة للمسن، صحيًا نفسيًا وعقليًا واجتماعيًا، وغيرها من صور العناية وقد جمعها اللفظ النبوي في جملة " إكرام ذي الشيبة " ..
3-توقير المسنين في المعاملات الاجتماعية اليومية المختلفة .
4-تقديم المسنين في وجوه الإكرام عامة، كالإمامة والطعام والشراب .
5-التخفيف عن المسنين في الأحكام الشرعية، ومراعاة الفتوى الشرعية لهم .

المبحث الخامس
رحمته للأموات

المطلب الأول : زيارته rلقبور الأموات :
وتمتد رحمته – صلوات ربي وسلامه عليه – إلى الأموات، باعتبار أنهم إخواننا في الإنسانية سبقونا إلى الدار الأخرة .. ولما كان الأموات إخواننا قد سبقونا إلى القبور، فحقاً لهم أن نبرهم ونرحمهم ونصلهم .. فسن النبيr سنة زيارة المقابر وإلقاء السلام على أهل القبور .
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ :
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r أَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ :
" السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ.. وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا " .. قال أصحابه : أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ ! قَالَ : " أَنْتُمْ أَصْحَابِي. وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ.."[9].
هذا وقد كان يزور سيدنا محمد r مقبرة البقيع من حين إلى آخر ..
وكانr يزور شهداء معركة أحد كل أسبوع[10] .
بهذه الأحاسيس المرهفة، يزور النبيr قبور إخوانه، حيث يدعو لهم، ويتذكر أيامهم، ويسترجع ذكرياته معهم، ويأمل أن يلقاهم في دار الخلد في ظلال الله .. عند الحوض الشريف يوم القيامة ..
ومن هنا احترم الإسلام شعيرة زيارة القبور حتى ولو كانت من غير مسلم، فالفتح الإسلامي – مثلاً – كما يقولكرامرز[11] " لم يمنع من زيارة القبر المقدس[12] أو يحول بين الأوربيين المسيحيين وبين إنجاز هذه الفريضة الدينية"[13] .
المطلب الثاني : مشاركته في دفن الأموات بنفسه r:
أولاً : جنازة عدو من أعدائه :
وتراه في ذوق رفيع وسمو، ورحمة، يشارك الناس في دفن الميت بنفسه، ويدخل في الحفرة فيستلم الميت على ركبته، ويهدي قميصه إلى الميت ليكفّن فيه، رحمة منه، وموساة لأهله، وإن كان الميت من ألد أعدائه ..
انظر كيف كانت أخلاقه مع عدو الدعوة الإسلامية في المدينة عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ، لما مات، وأرادوا دفنه:
قال جَابِر بْنَ عَبْدِ اللَّهِ t:
"أَتَى رَسُولُ اللَّهِ r عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ..!"[14] .
ثانيًا: جنازة حبيب من أحبابه r:
قال عبدالله بن مسعود :
قُمت من جوف الليل، وأنا مع رسول الله r في غزوة تبوك(في رجب 9 هـ/ أكتوبر630) ، فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر، فاتبعتها أنظر إليها، فإذا رسول الله r وأبو بكر وعمر، وإذا عبدالله ذو البجادين المزني قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله r في حفرته، وأبو بكر وعمر، يدليانه إليه وهو يقول :"أدنيا إلى أخاكما " فدلياه إليه، فلما هيأه لشقه، قال اللهم : "إنى قد أمسيت راضياً عنه؛ فارض عنه" .قال عبدالله بن مسعود: يا ليتني كنت صاحب الحفرة[15]. فقال أبو بكر : والله لوددت أني صاحب الحفرة[16]..
المطلب الثالث : حزنه r إذا فاتته جنازة وصلاته عليها :
فذات يوم مر سيدنا محمد r بالمقابر فوجد قبراً جديداً ومعه أبو بكر . فقال النبي : " قبر من هذا ؟ "[17] فقال أبو بكر: يا رسول الله هذه أم محجن، كانت مولعة بلقط القذي من المسجد. فقال : " أفلا آذنتموني !!" فقالوا :كنتَ نائمًا، فكرهنا أن نهيجك .
قال : "فلا تفعلوا ، فإن صلاتي على موتاكم نور لهم في قبورهم"[18] .
فصف أصحابه فصلى عليها ..
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t : أَنَّ أَسْوَدَ - رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً - كَانَ يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ (وكَانَتْ تَلْتَقِطُ الْخِرَقَ وَالْعِيدَانَ مِنْ الْمَسْجِدِ) فَمَاتَ – أو ماتت - وَلَمْ يَعْلَمْ النَّبِيُّ r بِمَوْتِهِ، فَذَكَرَهُ ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ :مَا فَعَلَ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ ؟ قَالُوا : مَاتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: " أَفَلَا آذَنْتُمُونِي ؟ ! "فَقَالُوا إِنَّهُ كَانَ كَذَا وَكَذَا قِصَّتُهُ، قَالَ: فَحَقَرُوا شَأْنَهُ. قَالَ فَدُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ[19].
يقول : " أَفَلَا آذَنْتُمُونِي ": أَفَلَا أَعْلَمْتُمُونِي ؟ ! يلوم أصحابه أن فوته عليه هذا العمل الإنساني، وهو تشييع جنازة مسلم، ولو كان حقيراً في نظر الناس ..

المطلب الرابع :توقيرهr للجنائز والقبور ولو كانت لغير المسلمين :
أولاً : قيامه r إذا مرت الجنازة :
بينما الرسول r في مجلس علم مع أصحابه، إذ مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ فَقَامَ على الفور!
فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ .فَقَالَ – في سماحة - : "أَلَيْسَتْ نَفْسًا ؟ ! "[20]
وقد كَانَ أَبُو مَسْعُودٍ وسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، يقومون للجنازة.
وقال جابر بن عبد الله :
قَامَ النَّبِيُّ r وَأَصْحَابُهُ لِجَنَازَةِ يَهُودِيٍّ حَتَّى تَوَارَتْ[21]
وعن أبي أسَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ :
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ : " إِذَا رَأَيْتُمْ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى تُوضَعَ "[22]..
ثانيًا: وضعه r الجريد الأخضر على القبر :
فقد مَرَّ النَّبِيُّ r بمزرعة من مزارع الْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا. فَقَالَ النَّبِيُّ r : " يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ " ثُمَّ قَالَ : " بَلَى كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِه،ِ وَكَانَ الْآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ" . ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ (خَضْرَاء ) فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ قَبْرٍ مِنْهُمَا كِسْرَةً ..
فَقِيلَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ فَعَلْتَ هَذَا ؟
قَالَ : " لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ تَيْبَسَا - أَوْ إِلَى أَنْ يَيْبَسَا"[23] .
وقَدْ رَوَى اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة " أَنَّهُ r مَرَّ بِقَبْرٍ فَوَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ : اِئْتُونِي بِجَرِيدَتَيْنِ ، فَجَعَلَ إِحْدَاهُمَا عِنْد رَأْسه وَالْأُخْرَى عِنْد رِجْلَيْهِ "[24]
وَقَدْ تَأَسَّى الصَّحَابِيّ الجليل بُرَيْدَة بْن الْحُصَيْب بِذَلِكَ، وتأثر بهذه المواقف من رسول الله، فَأَوْصَى أَنْ يُوضَع عَلَى قَبْره جَرِيدَتَانِ[25]، تبركًا بفعلهr ، ورجاء أن يخفف عنه[26].
ثالثًا : أمرهr بعدم إيذاء الميت:
فنهى عن التمثيل بالمقتول في الحرب، فقال : "وَلَا تَمْثُلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا"[27]
ونهى عن المساس بعظام الموتى، فعَنْ عَائِشَةَ:
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ: " كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا"[28].
ونهى عن إيذاء الأموات بأي شكل من الأشكال، فعن ابن مسعود: قال: "أذى المؤمن في موته، كأذاه في حياته"[29] ..
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: " لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ"[30].
وعَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ:" لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا"[31]
وعن عمارة بن حزم t قال رآني رسول الله r جالسًا على قبر، فقال:" يا صاحب القبر ! أنزل من على القبر، لا تؤذي صاحب القبر، ولا يؤذيك ! "[32]
المطلب الخامس: دعاؤه r للأموات :
يقول عَوْف بْنَ مَالِكٍ :
صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ r عَلَى جَنَازَةٍ فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُولُ :" اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَه،ُ وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَد،ِ وَنَقِّهِ مِنْ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنْ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ _ أَوْ مِنْ عَذَابِ النَّارِ -" قَالَ : حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْمَيِّتَ[33]
وعَنْ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ السُّلَمِيِّ :
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r آخَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَقُتِلَ أَحَدُهُمَا، وَمَاتَ الْآخَرُ بَعْدَهُ، فَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ فَقَالَ النَّبِيُّ r : "مَا قُلْتُمْ ؟ " قَالُوا : دَعَوْنَا لَهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ ، اللَّهُمَّ أَلْحِقْهُ بِصَاحِبِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ r: فَأَيْنَ صَلَاتُهُ بَعْدَ صَلَاتِهِ وَأَيْنَ عَمَلُهُ بَعْدَ عَمَلِهِ، فَلَمَا بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ[34].
وكان يَقُولُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ – أيضًا -: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا"[35] .
وكان يأمر أصحابه بالدعاء للميت فيقول : " إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء"[36].
المطلب السادس : بكاؤه r على الأموات وعند القبور:
أولاً : في وفاة عثمان بن مظعون :
فعندما أُخبر رسول الله r بوفاة عثمان بن مظعون t أسرع إلى بيته، فقد كان عثمان t من الصحابة القريبين إلى قلبه. فبكى النبي r عليه بكاء كثيراً[37].
ثانيًا: في وفاة سعد بن عبادة :
عن ابن عمر t قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي r يعوده، مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود - رضي الله عنهم جميعًا-، فلما دخل عليه فوجده في غاشية أهله فقال: "قد قضى؟". قالوا: لا يا رسول الله. فبكى النبي r ، فلما رأى القوم بكاء النبي r بكوا. فقال: "ألا تسمعون، إن الله لا يعذِّب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا"، وأشار إلى لسانه[38].
ثالثًا : في وفاة طفله إبراهيم :
لما رُزق رَسُولُ اللَّهِ r بطفل من زوجته السيدة مارية المصرية، قال لأصحابه - في ابتهاج وسرور - : "وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ غُلَامٌ فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ" . قال أنس : ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى أُمِّ سَيْفٍ امْرَأَةِ قَيْنٍ يُقَالُ لَهُ أَبُو سَيْفٍ فَانْطَلَقَ يَأْتِيهِ وَاتَّبَعْتُهُ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى أَبِي سَيْفٍ وَهُوَ يَنْفُخُ بِكِيرِهِ، قَدْ امْتَلَأَ الْبَيْتُ دُخَانًا، فَأَسْرَعْتُ الْمَشْيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ rَقُلْتُ يَا أَبَا سَيْفٍ أَمْسِكْ [ أي توقف]! جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ r فَأَمْسَكَ!
فَدَعَا النَّبِيُّ r بِالصَّبِيِّ فَضَمَّهُ إِلَيْهِ وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ..
فَقَالَ أَنَسٌ : لَقَدْ رَأَيْتُهُ وَهُوَ يَكِيدُ بِنَفْسِهِ[أي يحتضر] بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ r، فَدَمَعَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ :
"تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَاللَّهِ يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ"[39].

رابعًا: بكاءه عند قبر أمه:
ومن المواقف المؤثرة الصعبة على نفوس الصحابة، موقفهم عندما شاهدوا قائدهم في عام الحديبية ( 6هـ) يبكي بحرقة عند قبر أمه آمنة بنت وهب.
فعن سفيان الثوري أن نبي الله r انتهى يوماً من عام الحديبية إلى رسم قبر فجلس، وتفجر ينبوع الرحمة في قلبه فبكى وقال – بعينين دامعتين -: "هذا قبر آمنة بنت وهب" وكان عمره إذ ذاك نحو السّتين[40].
وعن عبد الله بن مسعود :
أن النبي r خرج يومًا وخرجنا معه حتى انتهينا إلى المقابر ، فأمرنا فجلسنا، ثم تخطى القبور حتى انتهى إلى قبر منها ، فجلس إليه فناجاه[41] طويلاً ، ثم ارتفع صوته ينتحب باكيًا ، فبكينا لبكاء رسول الله r ، ثم إن رسول الله r أقبل إلينا ، فتلقاه عمر بن الخطاب t ، فقال : ما الذي أبكاك يا رسول الله ؟ فقد أبكانا وأفزعنا ، فأخذ بيد عمر ، ثم أومأ[42] إلينا فأتيناه، فقال – في شفقة -: " أفزعكم بكائي ؟ " فقلنا : نعم، يا رسول الله فقال ذلك مرتين أو ثلاثا ، ثم قال : " إن القبر الذي رأيتموني أناجيه قبر آمنة بنت وهب ، وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي ، ثم استأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي .. فأخذني ما يأخذ الولد للوالد من الرقة ، فذلك الذي أبكاني.."[43] .
قال أحد الصحابة : فما رأيت ساعة أكثر باكيًا من تلك الساعة[44] .
لقد تذكر r بهذه الزيارة لقبر أمه الذكريات ..
فراح يستعيد جروح الماضي في وجدانه ..
فخيم عليه شعور اليتم الرهيب !
فتأوه القلب الصديع !





الخــــــاتــمة

أولاً : ملخص البحث:
تناولت هذه الدراسة موضوع رحمة رسول الله – صلى الله عليه وسلم - للعالمين في مقدمة وسبعة فصول، وخاتمة، فكان ملخص البحث على النحو التالي :
الفصل الأول : من هو نبي الرحمة ؟
قام الباحث بعمل تعريف موجز بنبي الرحمة rيشتمل على مختصر لأهم الأحداث في حياة الرسول r ، وشهادات الأدبيات الغربية بصدق نبوتهr، وبحقيقة رحمته للعالمين. وبين الباحث في نهاية الفصل خصائص هذه الرحمة المتجسدة في شخص محمدr ، وذلك من حيث كونها رحمة ربانية وعالمية وعملية ومتزنة.
الفصل الثاني : رحمته للعالمين مجال التنوير والحضارة:
تناول الباحث في الفصل الثاني أهم مظاهر رحمته r للعالم في مجال التنوير والحضارة، ورحمته للبشر في ذلك كونه أخرجهم من الظلمات إلى النور، فحول العرب من قبائل عصبية متناحرة إلى أمة متماسكة متحضرة، ولا يخفى فضله r على الحضارة الأوربية أيضًا بشهادة علماء الغرب أنفسهم.
وفي هذا الفصل تناول الباحث رحمته للبشرية بتدعيمه لقيم العلم والمعرفة، والتحضر والتربية والتسامح الديني ، وخدمة الإنسانية ورعاية حقوق الإنسان فكلها قيم حضارية تمثل جانبًا عظيمًا من جوانب الرحمة قي شخصية النبي محمد r، ويغفل عنه الكثير من الباحثين.
الفصل الثالث: رحمته للعالمين في مجال الأخلاق:
في هذا الفصل تناول الباحث أهم مظاهر الرحمة في الجانب الأخلاقي والسلوكي لشخصية النبي r، فتناول البحث بعض من شمائله وأخلاقه، مثل رفقه rولين عريكته وذوقه مع الناس، وعفوه لا سيما مع أعدائه، وتخلقه r كحاكم بأخلاق العدل والمساواة بين الناس، وتحذيره من استعباد الناس ونهيهه عن التمييز العنصري .
ودوره rفي نشر الحب والإخاء بين العرب وبعضهم، وبين العرب وغيره، وبين المهاجرين وبعضهم، وبين فصائل المدينة وبعضها، حتى صار المسلمون قوة أخوية واحدة قد ألف الله بين قلوبهم بشكل معجز .
وتناول الباحث في هذا الفصل - أيضًا - مظهرًا سلوكيًا مهمًا يبين رحمتهr ألا وهو جانب المعاملات المالية وسماحته فيه .
الفصل الرابع: رحمته للعالمين في مجال التشريع :
تحدث الباحث في هذا الفصل عن رحمة النبيr بالناس كمشرع، فتناول مرونته ووسطيته واعتداله
وفي سياسته الشرعية في الأحكام التي تتسم بالتيسير .
ونماذج عملية للرخص الشرعية والتدرج في التشريع، والتي تبين رحمته للبشر كمشرِّع، أرسله الله ميِّسرًا سهلاًr ، يضع عن الناس إصرهم والأغلال التي كانت عليهم .
الفصل الخامس : رحمته للعالمين في ميدان الصراعات السياسية والعسكرية :
في هذا الفصل تناول الباحث رحمة النبي rبغير المسلمين في ميدان الصراعات والحروب، وكيف كان يقدم الحوار على الصدام، ويجنح للسلم، ويبرم المعاهدات والعقود حقنًا للدماء، ويرحم العدو إذا قُهر، ويوصي خيرًا بأهل الذمة، ويمنحهم الحق في حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر، ويوصي بالأسرى خيرًا .
وتناولنا في هذا الفصل الرد على أهم الشبهات في ذلك، والتي منها فرية نشر الإسلام بالسيف والعنف ورد علماء الغرب أنفسهم في ذلك ..

الفصل السادس: رحمته للعالمين مجال المرأة والطفل:
في هذا الفصل تناول الباحث مظاهر رحمة النبي rفي مجال المراة والطفل،وكيف أنقذ سيدنا محمدr النساء من ظلام الجاهلية وظلم الوأد وهضم الحق، ومن ثم كيف حررهن التحرير الحقيقي الكريم، وجعل لهن مميزات متفردة، في وقت كانت فيه المرأة – الأورببية - تعامل كجرثومة فوق الحيوان ودون الإنسان !
وتناول البحث الرد على الإفتراءات المتعلقة بهذا الموضوع، لاسيما في مسائل مثل تعدد الزوجات، وزواج النبي r وضرب الزوج لزوجته، وحجاب المرأة، والرد على ذلك من خلال أدبيات الغرب أنفسهم .
وتناول الفصل نماذج عملية لرحمة النبي r بالأطفال عامة وبالبنات خاصة، ورحمته بالأيتام والأرامل.
الفصل السابع: رحمتهr للضعفاء
في هذا الفصل تناول الباحث رحمة محمد r للضعفاء، فبين كيف كانت رحمته للفقراء ، في كل زمان حتى قيام الساعة .
وكيف تعامل النبي r مع مشكلة الفقر ومشكلة البطالة .
ورحمتهr للخدم وللعبيد وكيف جعل لهم حقوقًا وساهم في تحريرهم .
ورحمتهr لذوي الاحتياجات الخاصة وكيف كانت سنته معهم ورفقه بهم في الأحكام والمعاملات .
ورحمتهr للمسنين، وكيف كانت سنته ورعايته للمسن .
ورحمتهr للأموات، وكيف سن هذا الكم الضخم من الآداب المتعلقة بالجنائز والأموات، والتي تبين رحمته وتكريمه r للإنسان حيًا وميتًا. ونماذج عملية في كل ذلك .
ثانيًا : النتائج :
وبعد هذه الجولة، في هذه الدراسة،نستطيع نجمل أهم النتائج التي توصل إليها الباحث على النحو التالي :
1- كان محمد r رحمة حقيقة وعملية للبشرية منذ بعثته وحتى وقتنا هذا، بشهادة علماء الغرب، أمثال جان ليك، وتوماس كارلايل، و لين بول، ولوبون وغيرهم..
2- تبين للباحث عظم رحمة النبيr للبشرية في ميدان التنوير والمعرفة والعلم، فظهر دوره r في نقل الجزيرة العربية من مرحلة الجهل إلى مرحلة العلم، ومن عصر الظلام إلى عصر النور، وبان دروه كذلك في تحضر العالم كله، خاصة الغرب، وتحدث في ذلك علماء غربيين أمثال رودي بارت، وولز، واشنجتون ايرفنج، وغيرهم .
3- عاش أصحاب الديانات والعقائد المختلفة في ظل حكم النبي r حياة آمنة ، قد حفظ النبيr لهم فيها حق حرية الاعتقاد، وممارسة الشعائر، وحفظ لهم دماءهم وأموالهم وأعراضهم من السوء كالمسلمين سواء بسواء .
4- في مجال الأخلاق، تبين للباحث ذلك الكم الضخم من القيم الأخلاقية والسلوكية المجتمعة في شخصية سيدنا محمد r، كالرفق واللين والعدالة والمساواة والحب والإخاء، والتي تمثل بعض تجليات الرحمة في شخصيته r ..وقد ركز العلامة توماس أرنولد كثيرًا على الجانب الخلقي في شخصية النبي r.
5- تجلت مظاهر الرحمة – كذلك - في شخصية النبي r كمشرِّع لتنظيم حياة المجتمعات البشرية، فظهرت في سياسته التشريعية مظاهر عدة على رأسها المرونة والوسطية والاعتدال والتيسير والرخص الشرعية والتدرج في التشريع..
6- في ميادين الصراعات السياسية والعسكرية، تجلت بوضوح مظاهر رحمته r، فقدم الحوار على الصدام، و الحل السلمي على الحل العسكري، وطبق مبدأ الحوار بين الحضارات بنجاح وراسل لذلك قادة وملوك العالم وأرسل إليهم الرسل والسفراء . وشهد أعداؤه وخصومه، بعظم أخلاقه، وسمو عفوه، لاسيما مع الأسرى.وقد أطنب الباحثون الغربيون في تجلية هذه المظاهر، أمثال إميل درمنغم، والعلامة لويس سيديو ، والدكتورة كارين أرمسترونج ، وغيرهم .
7- حرر النبي r المرأة من رق الجاهلية ، وأنقذها من مأساة الوأد، ورد لها اعتباراتها الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، وظهرت لهr النماذج الفذه في رحمته بالأطفال عامة وبالبنات خاصة، إضافة إلى الأيتام والأرامل .
8- لقد ضرب نبينا محمد r المثل الأعلى في الرحمة بالضعفاء، فظهرت رحمته الجلية البينة بالفقراء وكيف ساندهم، والعبيد وكيف حررهم، والخدم وكيف أكرمهم، وذوي الاحتياجات الخاصة وكيف واساهم، والمسنين وكيف وقرهم.. وامتدت رحمتهr بالإنسان حتى في بطن الأرض ميتًا !

ثالثًا : التـوصيـات
1- : اقتراح عقد مؤتمر في موضوع تحت عنوان " تجليات الرحمة النبوية" :
وهو مؤتمر يهدف إلى تجلية جوانب الرحمة في شخصية النبي r، ودفع الإفتراءات القديمة والحديثة ، ويتم تناول هذا الموضوع في سبعة محاور هي :
المحور الأول: خصائص رحمة النبي r
- تأصيل لغوي وشرعي لصفة الرحمة
- الرحمة صفة الخالق
- الرحمة صفة الرسالة
- الرحمة صفة الأمة
- عالمية الرحمة
- عملية الرحمة
- حول الرحمة المتزنة
المحور الثاني: من تجليات رحمة النبيr في مجال التنوير والحضارة :
- التوحيد
- التحضر
- التسامح
- المعرفة
المحور الثالث : من تجليات رحمة النبيr في مجال الأخلاق:
- الرفق
- العفو
- العدل
- الإخاء
المحور الرابع : من تجليات رحمة النبيr في مجال التشريع
- المرونة
- الوسطية
- التيسير
- نموذج : الرخص الشرعية
المحور الخامس: من تجليات رحمة النبيr في مجال الحرب والسلام
- معاهدات السلام النبوية
- رسائل الملوك
- أخلاقيات الحرب
- حقوق الأسرى
- ردع الطغاة والمجرمين
المحور السادس : من تجليات رحمة النبيr في مجال المرأة والطفل
- التحرير الإسلامي للمرأة
- حقوق المرأة في الإسلام
- حقوق الطفل في الإسلام
المحور السابع : من تجليات رحمة النبيr للضعفاء :
- مكافحة الفقر
- رعاية المسنين
- رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة
الفترة التحضيرية :
مدة سنة، ويتم دعوة الباحثين والمفكرين والكتاب في جميع أنحاء العالم، للمشاركة في المؤتمر بإعداد الدراسات والبحوث المحكمة حول محاور المؤتمر، من خلال مسابقة عالمية لخدمة المؤتمر .
ويتم توزيع نتائج المؤتمر وتوصياته – مترجمة - على أصحاب القرار والساسة والمثقفين والتربويين والإعلاميين البارزين في أوربا وأمريكا.
2- اقتراح مشروع تحت عنوان " ترجمة مائة كتاب في السيرة " :
يتم تشكيل لجنة من كبار الباحثين والكتاب والمترجمين الذين أسهموا بكتابات أو بحوث في مجال سيرة النبي r، لاختيار مائة دراسة عربية حول سيرة النبيr تصلح ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية بالأساس ثم الفرنسية، وتركيز نشر هذه الكتب – بعد ترجمتها - في أوربا وأمريكا. ويتم استنهاض الداعمين لهذا المشروع من الحكومات العربية والإسلامية ورجال الأعمال .
3- اقتراح إنشاء مركز بحثي علمي للتعريف بنبي الرحمة r
وتكون مهمة هذا المركز إنتاج البحوث والدراسات والدوريات والوسائط المتعددة للتعريف بنبي الرحمة r باللغات الحية .
4- اقتراح تدريس السيرة النبوية في المراحل التعليمية :
فتقوم وزارات التربية والتعليم العالي في البلدان الإسلامية، بتشكيل لجان متخصصة لبحث إمكانية تدريس السيرة النبوية في الصفوف الدراسية والجامعية..
5: اقتراح إنشاء قناة فضائية للتعريف بنبي الرحمة r
فتقوم هذه القناة بعرض كل ما يتعلق بسيرة النبي r والتعريف به، من ندوات ومحاضرات، وأفلام، ورسوم متحركة، وكتابات .
6- اقتراح فيلم سينمائي عالمي :
بحيث يوجه الفيلم إلى عامة الشعوب الغربية، بهدف تعريفهم بنبي الإسلام، ويتم عرضه في كبرى دور العرض الأوربية والأمريكية .. ويشترط في هذا العمل السينمائي أربعة شروط:
الشرط الأول : أن ينضبط بالضوابط الشرعية .
الشرط الثاني : الاستعانة بالكفاءات العالمية من ممثلين ومخرجين .
الشرط الثالث: أن ينال الدعم المالي السخي من رجال الأعمال المسلمين .
الشرط الرابع : ألا تحتكر حقوق نشره شركة معين أو شخص محدد، بل تكون حقوقه ممنوحة لأي إنسان ينشر الفيلم .
7- فقرة إعلانية للتعريف بنبي الرحمة :
مدة هذه الفقرة الإعلانية دقيقة واحدة، يتم بثها من خلال كبرى القنوات الأوربية والغربية .. وهي بلا شك تحتاج إلى دعم مالي كبير.
إضافة إلى استئجار عدد من الساعات من مساحة البث في بعض القنوات وتقديم من خلالها برامج تعريفية بنبي الرحمة .
8 – المقاطعة الدبلوماسية والاقتصادية :
على القادة والساسة العرب والمسلمين قطع أية علاقات دبلوماسية أو تجارية أو أية شراكات أو اتفاقات مع أي دولة تسىء لنبي الرحمة – صلى الله عليه وسلم -.
عليهم أن يمحو العار الذي لحق بهم جراء تعاملهم مع من سب نبيهم .
9- اقتراح " مهرجان محمد للجميع " :
وهو مهرجان عالمي سنوي يعقد في عاصمة كبرى من عواصم العالم، يشتمل هذا المهرجان على مجموعة فعاليات تعريفية بنبي الرحمة، ومن ضمن تلك الفعاليات محاضرات وندوات ومعارض وأفلام وأناشيد ومسابقات وجوائز تصب في موضوع النصرة والتعريف بنبي الرحمة – صلى الله عليه وسلم - .
وهو مشروع يحتاج إلى دعم الحكومات والجماعات ورجال الأعمال، أو يكون على الأقل تحت رعاية أحد زعماء العرب ...
10- أن يحمل كل مسلم ومسلمة أمانة الدفاع عن نبي الرحمة، والزود عن حياضه، ونشر منهجه الإصلاحي على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع والدولة، ومن ثم العمل على إعداد الفرد المسلم، والبيت المسلم، والمجتمع المسلم، والحكومة المسلمة.

رابعًا : أفكار عملية لنصرة نبي الرحمة :
وهذه أفكار عملية - لكل مسلم - لنصرة نبي الرحمة :
1-الكتابة إلى الصحف والمجلات وتعقب أية تصريحات تسيء بنبي الرحمة – عليه الصلاة والسلام -
2-عمل مدارسة مسجدية أو حلقة أسبوعية بالمسجد لمدارسة كتاب نبي الرحمة أو كتاب مفيد في السيرة، إضافة إلى العلوم الشرعية الأخرى ( كالحديث والتفسير والفقه والعقيدة)
3- إرسال 10 رسائل إلكترونية على الأقل إلى مواقع عالمية، بهدف التعريف بنبي الرحمة. وذلك بشكل أسبوعي على الأقل.
4- إرسال ثلاثة رسائل نصية sms بالمحمول للأصحاب والإخوان بهدف التذكير بقضية النصرة. وذلك بشكل أسبوعي على الأقل .
5- تعليق بوسترات ولوحات – تشتمل على أحاديث نبوية وتوصيات عملية- في الأماكن العامة – بشكل لائق – بهدف نصرة نبي الرحمة .
6- عمل مسابقة ثقافية وأخرى بحثية عن " نبي الرحمه وأخلاقه وسيرته ومنهجه " بشكل دوري وجوائز مجزية.
7- إنشاء جمعية خيرية لتحفيظ القرآن وتعليم السيرة النبوية .
8- توزيع ونشر الكتب التي تعرف بنبي الرحمة .
9- إنشاء مدونات مواقع دعوية ومجموعات بريدية للتعريف بنبي الرحمة – بكل اللغات - ومن السهل جدًا إنشاء مدونة مجانية على موقع مثل blogspot.com
10 – عمل كروت شخصية .. الوجه الأول يشتمل على بيناتك والوجه الثاني يشتمل على شعار " معًا لنصرة نبي الرحمة " أو نحو ذلك من النصائح العملية المفيدة .
11- حث الخطباء على تناول القيم الحضارية في السيرة النبوية وعدم الإغراق في الجزئيات .
12- حث المعلمين والتربويين على نشر القضية بين جموع الطلاب .
13- العمل على إقامة المعارض الفنية والدعوية في المدارس والجامعات للتعريف والنصرة .
14- إقامة مخيمات ومعسكرات صيفية تتناول فعاليات ومحاضرات للنصرة والتعريف بنبي الرحمة – صلى الله عليه وسلم -
15- عقد الدورات العلمية التي تتعلق بمنهج السيرة وكيفية الاستفادة منها .
15- نشر فتاوى العلماء في حكم سب النبي أو التعريض بجنابه – صلوات الله وسلامه عليه - .
16- على كل مسلم حر شريف أن يقاطع منتجات الأعداء " الصهاينة والأمريكان" والدول التي تسيء لنبي الرحمة – صلى الله عليه وسلم - . عار على المسلم أن يُدخل بيته هذه المنتجات أو يطعم منها بطون أولاده !






[1] تفسير ابن كثير - (ج 8 / ص 36)

[2] صحيح البخاري، كِتَاب الْأَذَانِ، بَاب مَنْ شَكَا إِمَامَهُ إِذَا طَوَّلَ وَقَالَ أَبُو أُسَيْدٍ طَوَّلْتَ بِنَا يَا بُنَيَّ ، ح: (664)

[3] صحيح مسلم، كتاب الحج ، باب الحج عن العاجز، ح: (2376)

[4] السيرة الحلبية 1/456

[5] انظر: ابن كثير : السيرة النبوية 1/504

[6] محمد بن يوسف الصالحي الشامي : سبل الهدى والرشاد - (ج 4 / ص 70)

[7] واحدة الثغام، وهو نبت أبيض، أو كالسحابة البيضاء دلالة على شدة بياض شعره .

[8]انظر: ابن كثير : السيرة النبوية (ج 3 / ص 558)

[9] صحيح – رواه مسلم، برقم 367

[10] صحيح – رواه البخاري، في المغازي 27، و مسلم في الفضائل 30 .

[11] البروفيسور جي. م. ج كرامرز: ولد بهولندة، سنة 1891، وكان أستاذًا للتركية والفارسية في جامعة ليدن حتى سنة 1939، اشتغل من 1915 حتى 1921 مترجمًا للسفارة الهولندية في الأستانة. كان أحد المساهمين في كتابة كثير من الموضوعات في دائرة المعارف الإسلامية، وألف كتاب: (فن التاريخ عند الأتراك العثمانيين) (1944).

[12] في فلسطين . رغم أن العقيدة الإسلامية لا تعترف بهذا القبر!

[13] انظر: سير توماس أرنولد (إشراف) : تراث الإسلام،129

[14] صحيح – رواه البخاري، برقم 1263

[15] ابن سيد الناس : عيون الأثر (ج 2 / ص 261)

[16] المعجم الأوسط للطبراني، برقم 11165، والقصة مموجودة في كتب السيرة، أحداث غزوة تبوك .

[17] لك الله يا رسول الله ! كنتَ تسأل حتى عن الأموات !

[18] رواه البيهقي في السنن الكبرى (ج 4 / ص 48)

[19] صحيح – رواه البخاري ، برقم 1251

[20] صحيح – رواه البخاري، باب من قام لجنازة يهودي، عن سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ ، برقم 1229، ومسلم، باب القيام للجنازة، برقم 1596

[21] صحيح – رواه مسلم، باب القيام للجنازة، برقم 1595

[22] صحيح - رواه مسلم، باب القيام للجنازة، برقم 1592

[23] صحيح – رواه البخاري، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، برقم 209

[24] ابن حجر : فتح الباري (ج 1 / ص 341)

[25]ابن حجر : فتح الباري (ج 1 / ص 341)

[26] ابن بطال : شرح البخاري (ج 5 / ص 385)

[27] صحيح – رواه مسلم، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَبرقم 3261

[28] رواه أبو داود، بَاب فِي الْحَفَّارِ يَجِدُ الْعَظْمَ هَلْ يَتَنَكَّبُ ذَلِكَ الْمَكَانَ،برقم 2792

[29] مصنف ابن أبي شيبة 3\ 245

[30] صحيح – رواه مسلم، بَاب النَّهْيِ عَنْ الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، برقم 1612

[31] صحيح- رواه مسلم، بَاب النَّهْيِ عَنْ الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، برقم 1614

[32] صحيح لغيره - رواه الطبراني في الكبير من رواية ابن لهيعة، وهو في صحيح الترغيب والترهيب - (ج 3 / ص 221)، برقم 3566 .

[33] صحيح – رواه مسلم، باب الدعاء للميت في الصلاة، برقم 1600

[34] رواه النسائي ، باب الدعاء، برقم 1959، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم 2524

[35] رواه النسائي ، باب الدعاء، عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ، برقم 1960، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن النسائي رقم 1986

[36] حسن – حسنه الألباني في إرواء الغليل برقم 732

[37] صحيح – رواه البخاري، كتاب الجنائز، 3

[38] صحيح – رواه البخاري، في كتاب الجنائز، 45؛ ورواه مسلم، في كتاب الجنائز، 12

[39] صحيح – رواه مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، برقم 4279

[40] انظر : حسين محمد يوسف : سيد الدعاة -صلى الله عليه وسلم، القاهرة: 44

[41] المناجاة : الحديث بصوت منخفض سرا

[42] الإيماء : الإشارة بأعضاء الجسد كالرأس واليد والعين ونحوه

[43]صحيح – رواه وصحيح ابن حبان برقم 986 ، وفي أخبار مكة للأزرقي - (ج 3 / ص 212)، برقم 985، رواه البهيقي في دلائل النبوة برقم 102، ، وصححه الألباني في صحيح السيرة النبوية 23.

[44] دلائل النبوة للبيهقي - (ج 1 / ص 117)، برقم 101
__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« الضوابط الشرعية لموقف المسلم في الفتن | الولايات المتحدة وسياسة السيطرة على العالم «العولمة» »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
يا نبـي الله عـذرا ... فبـك العليـاء تفخـر ام زهرة أخبار ومختارات أدبية 0 06-21-2013 07:32 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 12:13 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68