تذكرني !

 





الملتقى العام مواضيع عامة

شعار الذئب الأغبر

شعار الذئب الأغبر ــــــــــــــــــــــــ (أ. د. مصطفى حلمي) ــــــــــــــــــــــــــــــــ النص المحقق من كتاب: "النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة" ------------------------------------------------ رأيتُ في جريدة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 08-18-2013, 07:10 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة شعار الذئب الأغبر

شعار الذئب الأغبر
ــــــــــــــــــــــــ

(أ. د. مصطفى حلمي)
ــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص المحقق من كتاب: "النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة"
------------------------------------------------

رأيتُ في جريدة "السياسة" المصرية دفاع "ع سني" عن الحكومة الكمالية في قضية الذئب الأبيض، أو الأغبر، الذي صورته في مطابع البريد، والذي ارتقت الروايات إلى تقديسه والدعاء باسمه، وهو يتعزى في كلامه بأن ذلك الذئب[1] لم يكن معبودًا للترك القديمة، ويستعين بمقالة نشرت في جريدة "إيلري" التركية باحثة عن قصة الذئب، وذلك على ذكر شعار الجمهورية التركية الموضوع موضع البحث والمذاكرة في مجلس أنقرة، وهذه فقرة "إيلرى":
"وعلى ذكر الشعار أقول: إنه لا حاجة هنا إلى المناقشة؛ لأنه يوجد شعار للترك مولود من أساطيرهم، وأنهم اتَّخذوه دهرًا، وأسطورته أنه لما انسحب الترك إلى "أركنة قونة" بعد انهزامٍ أصابهم، بقوا في تلك البقاع المُحاطة بالجبال المسلسلة، ثم إنهم لما تكاثَروا على مرور الزمن تحرَّوا لهم مخرجًا منها، وكان القوم أضرموا نارًا ذات يوم على سفح جبل، فصادفَت فلذًّا من الحديد وأذابته فانفتحَت منه فوَّهة، وكان أول مَن مر على هذه الفوهة ذئب أغبر، فمشى القوم على أثر هذا الذئب وخرجوا، وفتحوا بعده الدنيا، وشهدوا ملكهم العظيم، ومنها صار الحديد والذئب محترمَين مكرَّمين عند الترك، وكان على رايات الأمراء والخواقين القدماء مِن الترك شعار يدلُّ على الذئب، وكانوا يركِّزون على أعلامها رؤوس الذئب".

وأنا أقول أيًّا ما كان أصل الأسطورة فالترك القديمة لم تكن مسلمة، ولم تكن تعبد مَن يعبده المسلمون، بل كانت مشركة على ما نسمعه، فإن لم تكن تعبد الذئب فهي كانت تعبد ما يشبهه مِن ما سوى الله، ولو علم دعاة الطورانية للترك القديمة المُنطمِسة الشعائر شيئًا كانوا يُعظِّمونه فوق هذا الذئب لقلدوهم فيه وفضَّلوه اليوم على شعار الذئب، على أن القصة لا تدل على عدم اتخاذهم إياه معبودًا؛ لأن كل أمة اتخذت شيئًا من الأشياء أو نوعًا من الحيوان إذًا فلا بد مِن أن لها في ذلك قصة أو خرافة ساقتها إلى ضلالها، وكانت منشأ ذلك الضلال ومبدأه، ثم إنه لا حاجة إلى تأمينه القراء في أن أمة الترك المسلمة لا تتَّخذ الذئب معبودًا، ونحن على أمن من ذلك، حتى إن دعاة الطورانية الظاهرين كيوسف آقشورا وضيا كوك آلب وأغا أحمد وجلال نوري وحمد الله صبحي وغيرهم، والسريين كمصطفى كمال، نحن على يقين في أنهم أيضًا لا يتخذونه معبودًا مع عدم كونهم مسلمين، وهم لا يعرفون إلهًا، ولا يعبدون إلا المنفعة المادية الدنيوية الذاتية، وإنما مرماهم في إعادتنا إلى شعائر آبائنا القدماء الذين قطَع الإسلام انتسابنا إليهم وعلاقتنا بهم، إلى تبعيد الأمة بأية صورة كانت عن شعائرها الإسلامية وروابطها التي يَكرهونها قدر ما يُحبُّون منفعتهم المادية الذاتية، وإلى تعويدها بشعائر الجنسية وعواطفها لما يرون في إحيائها من أقوى ذريعة إلى إنساء الشعائر الإسلامية وعواطفها[2].

وفي مقالة "إيلري" التي استعان بها "ع سني" في الدفاع عن الحكومة الكمالية انتقَد وتأسَّف على ما اعتاده الأتراك منذ أعصار من إقامة أسماء العرب؛ كعثمان، ومحمد، وعمر، وفاطمة، وعائشة، مقام أسمائهم التركية؛ كتيمور وجنكيز وآلب وبيكسوم وإيلخان، وقد ذكرنا هذه الفقرة مع ما تستحقه مِن المقابلة فيما سبق، ومحامي الكماليين في مصر عندما ذكر مقالة "إيلري" لم يبحث عن هذه الفقرة.

ومما كتبه "ع سني" في تلك الحالة: "وهل خلَت أمة مِن الأساطير والخرافات المتداوَلة بين أبنائهم منذ أحقاب، وأية أمة لم يكن لها من الروايات الخرافية التي لا يقبلها العقل السليم ولكنها راسخة في الحافظات يتوارثها هؤلاء عن جدٍّ، ولا تضر فعلاً بعقائدهم وأديانهم"، ثم ناقض نفسه من حيث لا يشعر وقال في الحالة نفسها:
"لنأتِ إلى قصة الذئب الأبيض الذي جعله غير الترك معبودًا لهم، وهؤلاء يَجهلون ما عُزي إليهم كما يجهلون نفس الذئب، نعم، إن الذئب الأبيض وقصته مجهولة عند الترك، ولم يسمع حتى الآن خبر ولا رواية، وأنا - وقد مضى نصف عمري في تركيا وهي بلادي وولدت بعاصمتها، ونشأت في مدارسها الابتدائية والثانوية والعالية - لم أسمع كلمة عن هذا الذئب فيها، ولا بحَثَ واحد من أساتذتي عنه، وكان معلِّمنا في المدرسية الملكية العليا لعلم التاريخ المؤرِّخ والكاتب الشهير صاحب المؤلفات القيمة في هذا العلم وصاحب جريدة "ميزان المعرفة" "مراد بك"، لم يبحث هذا الأستاذ الكبير أيضًا مطلقًا عن هذا الذئب المخيل، وأؤكد لكم أني لما رأيت طابعًا للبريد التركي لحكومة أنقرة لأول مرة في بيروت سنة 1922 عند أحد هواة الطوابع عجبتُ منه ولم أفهم مغزاه، وسألت كل أصحابي الأتراك الموجودين يومئذ هنالك عنه، فلم يجبْني أحد منهم، وأظهروا جهلهم التام فيما يعنيه".

وأنا أشهد أيضًا - مع أني عشت تمام عمري في تركيا سوى ما مضى لي من بضع سنين في خارجها حينما فررت مرة مِن الاتحاديين، وأخرى من إخوانهم الكماليين، وولدت في سرة الأناضول ببلدة (توقاد)، وأبي وأمي وكذا أبواهما وأبوا أبويهما وهكذا دواليك كلهم أناضوليون ذوو نسب عريق في الترك - بأني ما سمعتُ بهذا الذئب، ولا رأيته لا في طابع بريد، ولا في شيء آخر من طارق أو تليد، حتى زمن الاتحاديين والكماليين، ولكن ماذا يجدي هذا الذي أشهد به أيضًا وكل تركي لحكومة أنقرة التي تسعى لجعل هذا الشعار الجاهلي المجهول عند الترك معروفًا؟ وماذا يُجدي نفعًا لمتصرِّف اللاذقية السابق الذي يبرِّر الكماليين في كل ما ابتدعوه حتى لو دخلوا جحر ضب لدخله معهم؟ وإطنابه في إثبات مجهولية هذا الذئب عند الأتراك لا ينفعه، بل ينقص ما قاله أولاً عند تأسِّيه بكل أمة لم تخلُ مِن الأساطير والخرافات التي لا يقبله العقل السليم، ولكنها راسخة في الحافظات؛ لأن خرافة الذئب ما مرَّت بحافظة الترك المسلمة فضلاً عن رسوخها فيها، كما يَستشهِد بنفسِه التي جهلته إلى سنة 1922، وإنما تحاول الحكومة الكمالية إنشاء هذه الخرافة في حافظة الترك مع كونها مما لا يقبله العقل السليم، كما تشهد به نفسه أيضًا، ومع أنه يجب أن تكون الحكومة تمثِّل عقل الأمة السليم وتعمل بمُقتضاه لا أنها تذهَب بهم مِن محجَّة العقل السليم إلى تِيهِ الخرافات التي جَهِلوها، والمتوارث من آبائهم إنما هو جهلها أو نسيانها؛ بحيث توحشهم إعادتها أو إحياؤها، وبهذا يَفترِق ويَمتاز ذئب الترك الغائب من الخارج ومِن حافظة الترك عن أبي الهول المصري الذي يُصادِف الأبصار في مصر بالأوضح من مصادمة مصر، وقد اجتهد المحامي في التأسِّي بهذا القياس أيضًا مع وجود الفارق الجسيم جسامة أبي الهول.

ولا ينفع الرجل أيضًا ما ذكره مِن أنه: "يذهَب قسم كبير مِن أكابر مصر وأغنيائها إلى الأستانة في أوائل فصل الصيف كل سنة، ويُقيمون فيها أشهُرًا ثم يَرجِعون، وهل سمع أحد من هؤلاء مَن روى هذه القصة عن الترك وعن عبادتهم أو تقديسهم الذئب الأبيض[3]، وجوامع مقرِّ الخلافة حافلة بالمُصلِّين العابدين المُخلِصين لله إيمانًا من هذه الأمة المسلمة المؤمنة الموحِّدة والمُحترمة لدينها وشعائرها لا تقلُّ عن غيرها من الأمم الإسلامية، بل أكثر صلابة فيها وأكثر تمسكًا بها". بل يؤيد ما ذكرنا مِن براءة الترك ونزاهتها عما يُنكره من الشعائر الجاهلية أو البدع اللا دينية، وكون الحكومة الكمالية تقودهم إلى مثل تلك المنكرات وتُكلِّفهم بها ضد أُلفتِهم وفطرتهم.

لكن الرجل يُريد التدليس في كلامه والتلبيس على القراء بين أمة الترك والحكومة، فيدلُّهم بديانة الأولى وشهرتهم فيها على الديانة الثانية، كالقائس المُغالِط الذي يَخدع في الحد الأوسط المتكرِّر بين صُغرى القياس وكُبراه، ولا يُكرِّره بعينه، والذين يُقيمون الصلاة بالجوامع التي ذكرها إنما هم الأمة الأصلية لا الكماليون الذين يُدافع عنهم الرجل، والذين يريدون قطع علاقة الحكومة بالجامع تقليدًا للمبدأ الذي وضع في الانقلاب الكبير الفرنسوي من قطع علاقة الحكومة بالكنيسة[4]، وأمة الترك في ديانتها وارتباطها بالشريعة الإسلامية وهي ضاربة المثَل القائل "شريعتك كسيدكَي بارمق آجيماز" ومعناه: "لا تتألم الأصبع التي يقطعها الشرع"، والقائل: "باش باشه باغلي، باش شريعته باغلي" ومعناه: "الرأس مربوط بالرأس، والرأس مربوط بالشريعة"، غنية عن شهادة هذا الرجل الذي أجَّر نفسه وجعلها وقفًا على خدمة القاضين على دين الترك، والقاصدين قطع ذلك الرأس المربوط بالشريعة، مع أن إسهاب الكلام في ديانة الترك لا يَبين إلا عن زيادة جناية الحكومة الكمالية المعتدية على دينهم، والناصرة المروِّجة لمساعي المعتدين عليه.

وانظر إلى قوله: "يتخذ هؤلاء المفترون على الترك ظلمًا وبهتانًا سندًا لأقوالهم ما يَصدر من بعض الطائشين الترك ممن لا صفة لهم، أو مِن الذين خولتْهم الصُّدَف عضوية المجلس الكبير، ويبنون عليها العلالي والقصور، ويلصقونها بالأمة التركية، ولم يكن عند أغلبيتها الساحقة علم عن كل هذا"، ونحن نعلم ونُسلِّم، بل نصيح أن إلصاق تلك الفضائح بالأمة التركية ظلم، ولم يكن عند أغلبيتها المسكينة - لا الساحقة بل السحيقة - علم عنها، وإنما هي فعل الحكومة الطائشة الباطشة الكمالية.

وظلم الرجل للأمة أشد مِن ظلم الذين عاتبَهم على إلصاقها التُّهمَة بها؛ مِن حيث إنه يجتهد بكل قوته وحيلته في إخفاء المتهمين الحقيقين، ونفي الذنوب مِن أصلِها وهي مثبتة مشهورة فترجع إلى ذمة الأمة، ومِن قِلَّة حيائه وكثرة ثقته بسهولة إغفال المصريِّين يعدُّ عُضوية الطائشين المتطرفين في المجلس الكبير مِن خول الصدف، وهو يعلم مَن خوَّلهم تلك العضوية، ويعلم أنه ليس في قدرة أحد في تركيا - ولا قدرة الصدف - أن يخوِّل أحدًا عضوية المجلس الكبير غير مصطفى كمال وحزبه، وسعر العضوية للبرلمان مع كون مرتبته دون مرتبة المجلس الكبير أرفع وأغلى مِن أن يُترَك تخويلها إلى الصدف في أي بلاد الدنيا لا سيما في تركيا؛ حتى إنها لغلائها لا يُترَك تخويلها إلى الأمة أيضًا.

والمرحوم مراد بك الذي أطرى الرجل علمه وتعليمه وشهرته بهما في تركيا لم يألُ جهدًا في الحصول على عضوية البرلمان، ولم تألُ الأمة جهدًا في تأييده، فما نجح بسبب مزاحمة الحكومة الاتحادية إلى أن مات مقهورًا، ولو عاش اليوم لزاحمتْه الحكومة الكمالية، ولكان في خارج تركيا مثلنا، ولَمَّا يطره (ع سني) وقد اعتقل الله - سبحانه - لسان الرجل عن أن يعزو تخويل الطائشين عضوية المجلس الكبير إلى الأمة، فعزاه إلى الصدف، وذلك أفصح شاهد على أن الأمة التركية برآء مِن انتخاب أعضاء المجلس الكبير براءتهم من الحركات اللا دينية التي حدثت في تركيا، ثم إن عضوية المجلس المذكور لجديرة - بالرغم من إنكاره - بأن يبثَّ عليها العلالي والقصور في كل البلاد، لا سيما في تركيا، ولا سيما عضوية الطائشين فيها، كيف لا وقد بُني عليها قصر رئاسة الجمهورية لمصطفى كمال؟

ولنرجع - بعد طول الكلام - إلى قول مِن كتب في القِدَم رادًّا عليَّ: "وقد تشبَّثَ صاحب المقالة بذيل الشورى المذكورة في كتاب الله - تعالى - وتحكَّم بها في أحكام الخلافة[5]، مع أنه لا يمكن عد ما ابتدعه الكماليون خلافة مُقترنة بشورى الأمة بعد إخلاء الخليفة عن الحكم والنفوذ والعمل، وانتقل الكل إلى المجلس الوطني أو إلى مصطفى كمال بانتقال السلطة والحكومة إليه، وبقاء الخليفة مقطوع العلاقة عنهما وعما انتقل إليه المجلس الوطني أو مصطفى كمال، ولو فرض كون هذا المجلس مجلس شورى فليس مُستشيره الخليفة ولا هو مُستشار له لعدم المناسبة بينهما أصلاً.

ولم تقع حتى الآن مفاوَضة بينه وبين ذلك المجلس في أمر من الأمور، ولا مراجعة ما منهم إليه يستأذنِونه أو يستفهمون رأيه في مصلحة من المصالح، فهل يكون هكذا حال المستشير مع شُوَّاره؟ ومجلس الشورى للخليفة يلزم أن لا يصعد فوق كونه مستشارًا للخليفة في حكومته مع بقاء الحكومة والأجراء في يد الخليفة، هذا معنى المشورة ومقتضى ماهيتها اللغوية والشرعية، فإذا صعد مجلس الشورى حدَّه إلى حد الحكومة والسلطة، وتخلى الخليفة عنهما، خرج الشورى عن أن تكون شورى، والخليفة عن أن يكون خليفة، وهل يصحُّ بعد هذا أن يقال لمجلس الكماليين: مجلس الشورى، والخليفة الذي رضي بهذه القسمة الضيزى: خليفة؟!

ولا يتوهَّم أن مذهبي تعظيم السلطان وتصغير الشورى على الإطلاق، كما هو دأب المشغوفين بالحكومات المطلَقة؛ إذ يعرفني من يعرفني ومناظرتي الاتحاديين في البرلمان العثماني ودفاعي الذي قضيتُ به حق الشورى عند البحث والمناقشة على المادة الخامسة والثلاثين من مواد الدستور، وكان الاتحاديون يومئذ ساعين في اغتصاب حقوق المجلس ونقل قوته تمامًا إلى السلطان على ضد مسعاهم اليوم، يُحلونه عامًا ويحرمونه عامًا، وأنا اليوم كما كنتُ أمس، ومذهبي إيتاء كل ذي حقٍّ حقه.

ثم إنه لا يُقاس تنازل الخليفة الجديد - أعني به عبدالمجيد - عن حقوق الخلافة على ما تقوَّله الاتحاديون الكماليون قبل هذا على الخليفة محمد السادس مِن ضَياع نفوذه تحت يد الإنجليز المستولية على الأستانة؛ لأنه ضياع اضطراريٌّ حصل باضطهاد الأعداء لا باضطهاد الأحباء، ونحن لم نرضَ بذلك الاضطرار ولم نُسبِّبه، بل أنتجتْه غلَبة الدول الائتلافية في الحرب الكبرى التي دخلها الاتحاديون على خلاف مرضاتنا، وكنا نحن - معاشر المخالفين - عند احتلال الأجانب بالأستانة نائين عن أوطاننا - مثلما كنا اليوم - أو معتقلين في أيدي الاتحاديين منذ زمان تقدم مبدأ الحرب، وقد أمضى عقد الاحتلال في (مندروس) وزراء مصطفى كمال ويداه اليمنى واليُسرى (فتحي ورؤوف)، وكان وقتئذ معظم جيش الدولة المقهور تجاه جيش الإنجليز البري تحت قيادة مصطفى كمال، فأولئك الأبطال لماذا رضوا بالذلِّ وخضعوا بهدنة (مندروس) التي هي بمنزلة الأساس المُعَدِّ لكل مصيبة وملمَّة بعدها، ومِن تلك المصيبات والملمات احتلال أزمير، ولماذا لم يَمنع مصطفى كمال صديقَيه الصادقين له من عقد تلك الهدنة أو لم يهجُم عليهما وعلى هدنتهما إن لم يُصغيا إليه بجيشه الذي يقوده كما فعل ذلك بمعاهدة (سيفر)، لكن الفرق بين الحالتين من حيث إن الحكومة المركزية كانت بيد الاتحاديين في أحديهما فأطاعهما، وبيد المخالفين في الأخرى فبغى عليها.

نعم، كان ما كان مِن سوء أعمالهم، واحتلَّ جنود الأجانب الأستانة، وضاع بعض نفوذ الخليفة، ولكنه - كما قلنا - ضياع اضطراري يزول بزوال الاضطرار، وما استقرت عليه آراء المجلس الوطني الكبير مِن تجريد الخليفة عن حكومته وعن جميع حقوقه ونفوذه[6]، فهو ضياع كلي اختياري وقع عليه التواطؤ بين الخليفة وبين صناديد الكماليين، واتخذ دستورًا ناطقًا بافتراق الحكومة عن الخلافة التي كانت تَكسوها صفة دينيَّة، فصارَت حكومة لا دينية بالضرورة، وإلا لم يكن المرام هو اللا دينيَّة؛ أعني: عدم تقيُّد الحكومة بالقيود الدينية التي تتقيد بها الخلافة، فما الذي دعاهم إلى هذا التفريق؟ أسأله عن علماء مصر مرة ثانية، فليسألوه عن سادتهم الكماليين إن كانوا ينطقون، هل هو عدم أهلية محمد السادس للحكومة، فإن كان السبب ذاك فليُبدِّلوه وقد بدَّلوا بها عبدالمجيد واعترفوا بأهليته، ولكن لم يعيدوا إليه سلطته، وإن كان السبب الاهتمام بالشورى، فقد عرفتَ حال الشورى الكاذبة وانقلابها عن ماهيتها بتصاعُدها في حد السلطة، مع أن الشورى كانت موجودة ومرعية في الدستور الذي أبطله المجلس الوطني الكبير، ولقَّبوه بالكتاب الأسود، وأقاموا مقامه التشكيلات الأساسية الجديدة، وكان مكتوبًا في ذلك الدستور القديم أن دين الدولة الإسلام، وأن مِن حقوق السلطان إجراء الأحكام الشرعية والمحافظة عليها.

وكنتُ أستفهم أنه هل استحقَّ ذلك الدستور القديم لقلب الكتاب الأسود بما احتوى على مثل هذه المواد، وأسائل المصريِّين: أيُّ مواد جديدة أقيمت مقامها، لولا معرفتي بجهلهم بقديم شأننا بعد اختبار شأنهم.

نعم، قد انتهز الكماليون أيام كونهم مرتدِين رداء الرثاء الديني فرصة الصولة على الدستور القديم؛ من حيث احتواؤه على عدم مسؤولية الخليفة، والعجب أني مع إخواني الذين صحبتُ بعضًا منهم في سفري هذا، وبعضهم خلفتُهم في الأستانة والأناضول، والله أعلم بحالهم، وبعضهم شنَقهم الكماليُّون؛ كالمغفور له الحاج مصطفى أفندي مفتي آقشهر، ومن العلماء الأفاضل والمغفور له الحاج عبدالوهاب أفندي نائبَي قونية وبولي، جادلنا الاتحاديِّين الذين ليس الكماليون إلا منهم لأجل هذه القضية في لجنة الدستور المُنعقِدة في البرلمان، ولم نألُ جهدًا في تغيير تلوُّث المادة فلم نستطِع، وكان المانع المنَعة الاتحادية التي هي صبغة الكماليِّين الأولى، يعرف ذلك رجال أذكرهم بأسمائهم، وكفى بالله شهيدًا، ثم العجب أن المادة القائلة بعدم مسؤولية الخليفة هل تبدَّلتْ بعدما أبطل الكماليون الدستور الذي احتواها، وغدت قائلة بمسؤولية الخليفة؟ كلا، إنه لم يبقَ للخليفة بعد تجريده عن الحكومة شغل رسمي حتى يُسأل به، فعدم مسؤولية العامل ما هو بأشدَّ غرابة عن مسؤولية الممنوع من العمل.

ومِن تقوُّلات مَن كتب في المقطع الذي نقلنا أشطرًا مِن كلماته فيما سبق وأسهبْنا في جوابها: "هؤلاء المصريون هم الذين يقولون، والأسف ملأ قلوبهم، والجموع تَرقرَق في عيونهم أنكم ومن على شاكلتكم مِن أسلافكم أنتم الذين فرَّقتم شمل الإمبراطورية العثمانية الضخمة التي مدَّت ظل الإسلام سيوف السلاطين الفخام".

وأنا أقول: يا مصري ويا أزهري، ((إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت))[7]، وقل ما جرى على لسانك، وإلا ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً ﴾ [الإسراء: 36] إن كان كل ما تعلمه هكذا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] يقصد المؤلف رمز الأتراك القدامى؛ أي: "الذئب الأغبر"، وكان مصطفى كمال قد بعثه من مرقده ليقوِّي نزعة القومية الطورانية، وكان ذلك بداية مشجِّعة لرفع شعارات الوطنية والقومية؛ كالفرعونية في مصر، والفينيقية في الشام، والآشورية والبابلية في العراق، والبربرية في المغرب، وكان الحرص عند بعث هذه القوميات مِن رُقادها أن تكون محلية ومرتبطة بالغرب وبأوربا المسيحية، ومقطوعة الصِّلة بالجامعة الإسلامية أو الخلافة؛ يقول الدكتور محمد رشاد سالم: "وقد تعاون المبشِّرون مع الاستعمار في الترويج لهذه القوميات في حين أنهم حارَبوا كل قومية ترتبط بالإسلام"؛ المدخل إلى الثقافة الإسلامية (ص: 38) دار القلم الكويت - 1973هـ - 1977م، ويُنظَر كتاب "التبشير والاستعمار في البلاد العربية" الدكتور مصطفى خالدي والدكتور عمر فروخ (ص: 172 - 178) عن الحركة القومية في الإمبراطورية العثمانية والتبشير والحركات القومية، المكتبة العصرية، صيدا بيروت 1390 هـ - 1970م.
[2] ملأت القومية رؤوسهم فسعوا بكل الطرق لبثِّ الروح القومية في أبناء الترك وإرجاعهم إلى أصولهم الأولى حتى ولوا إلى الوثنية الطورانية، ومِن ثَمَّ التخلص من العقيدة الإسلامية ومحوها، د/ بديع الشريف: الصراع بين الموالي والعرب (ص: 213).
[3] ما زال المؤلف يُحدِّثنا عن اتخاذ مصطفى كمال لصورة "الذئب الأغبر" رمز الأتراك القدماء كأحد العلامات الوطنية، وذلك ضمن الإجراءات التي أجبَر عليها الشعب، ومنها لبس القبعات بالقوة وبواسطة "محاكم الاستقلال" التي حكمتْ على مئات بالشنق والرمي بالرصاص والسجن، لا لسبب إلا لرفضهم لبس القبعات، أرمسترونج: مصطفى كمال (ص: 225، 226)، ولعلَّ إسهاب الشيخ مصطفى صبري في هذا الموضوع يرجع إلى حرصه على توضيح دور الإسلام في قطع الصِّلة بين الأمة التركية وتاريخها قبل اعتناقها الإسلام، مؤكدًا أن الأتراك لا يرضون بغير الإسلام بديلاً بالرغم من كل ما اقترفه مصطفى كمال في حقِّهم مِن جرائم لصرفهم عن عقيدتهم بشتى الطرق.
[4] يقصد بذلك ما حدث على أثر الثورة الفرنسية، ويرى خطأ القياس بين الظروف التي حدث فيها الفصل هناك في أوربا وبين أحوال المجتمعات الإسلامية التي لم يحدث فيها مثل النزاع الذي نشَب هناك بين "رجال الدين" والعلماء.
ولكن من الخطأ الظن بأن دوَل الغرب تخلَّت عن الكنيسة "فإن إنجلترا لم تفصل الكنيسة عن الدولة، بل هي حامية "البروتستانت"، كما أن فرنسا ابنة الكنيسة الكاثوليكية وحامية "الكثلكة" في العالم؛ الشيخ محمد الغزالي: ظلام من الغرب (94).
ولكن إذا طالب المسلمون بتطبيق الشريعة الإسلامية، وتحكيم شرع الله تعالى، وصفَهم "المتغربون أو المتفرنجون باصطلاح الشيخ مصطفى" بأنهم "رجعيون"، ولا يصفون أوربا كعبتهم وقبلتهم - هذا الوصف مهما كان الدين متغلغلاً في أحشائها اجتماعيًّا وسياسيًّا.
[5] وكذلك كل من رأيته من المصريين المتكلمين في شأن الحكومة الكمالية نثرًا أو نظمًا يبحثون عن الشورى ويمتدحونها بها وبإلغاء سلطة الفرد، وهذه غفلة عظيمة لا يصرُّ عليها تجاه الأحوال التي جرت في الأناضول وأجرت دموعًا ودماءً إلا مَن له عماية مصرية؛ لأن شورى الأمة أو المجلس الوطني الكبير أو الجمهورية أو الحكمة الديمقراطية أو إلغاء حكم الفرد، وأمثال ذلك من الألفاظ والأحياء المجرَّدة المموِّهة العذبة إن كفَت في تغرير المصريين فلا تكفي في تعزير الأتراك الذين تتجلَّى مُسميات تلك الأسماء عليهم بأضدادها؛ إذ لا بد لتحقيق تلك الألفاظ كلها أن تكون مستندة إلى إرادة الأمة وإجازتها الناشئة من محبتها ومرضاتها، والحال أن الأمة لم تَنتخِب هؤلاء النواب الذين انعقدت بهم الشورى أو المجلس الوطني الكبير بطبعها وطيب نفسها، بل لا تعرف بهم ولم ترَ وجوههم، ولولا سلطان السيوف المشهور المجرَّب في أعناق مئات وألوف من كبار أبنائها وصغارها لما قبلتْهم نوابًا عنها، وهم أنكر الناس إليها وأبغضهم؛ فنيابتهم عنها فضولية بتمام معنى الكلمة، وإضافة شوراهم إليها غير صحيحة قطعًا، وقد اطلع على هذه الحقيقة واعترف بها جميع أهل البسيطة إلا المصريِّين، ولن يُذعنوها حتى يحلَّ بهم ما حل بالأتراك من سفهائهم ولصوصهم من البلايا والمصائب التي خرَّبت بلادهم وأنفسهم وأموالهم، وجعلتها كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، ثم إن الأمة التركية التي طالما يبحث عن سلطتها واستقلالها كذبًا وافتراءً كما أنها لم تستقلَّ بانتخاب نوابها، فكذلك هؤلاء الذين يُدعون بالنواب ما استقلوا ببيان آرائهم وإعلان أصواتهم، فإن سُمع من نفر قليل منهم في الندرة صوت ضئيل يدافع عن الدين أو شيء غيره من الحقائق فهو مقضي عليه بألا ينفَّذ، وصاحب الصوت يعرف ذلك، ويعرف أن مصطفى كمال هو الذي عيَّنه للنيابة ليخدم هواه لا للأمة ليَخدمهم، فلا يلج في صوته واقتراحه، وإلا انتهى الأمر إلى فقد نيابته أو رأسه، كما جرب ذلك في شكري بك نائب طربزون، قتله طوبال - ينظر هذه الواقعة بكتاب أرمسترونج "مصطفى كمال أو الذئب الأغبر"؛ حيث يقول: "كان يرهب خصومه، فقد كلف شخصًا باغتيال أحد معارضيه، ألقى أحدهم خطبة أيَّد فيها الخليفة، فهدَّده بالشنق" (ص: 219) - عثمان من اللصوص الذين يستخدمهم مصطفى كمال، وعثمان قتل عند القبض عليه، والآمر بالقبض رؤوف بك الذي كان رئيس الوكلاء وقتئذ، وكان ذلك من أسباب حدوث الانشقاق بينه وبين مصطفى كمال وتنحِّيه عن دست الإجراء، بل ومن منزلته في المجلس الوطني وحزب الشعب، فإذا فتَّشت عن خفايا ذلك المجلس من أصل نشأة الأعضاء إلى أحوالهم الراهنة عثرت على تضاعيف الجبر والإكراه، والذي يعبِّر عنه المصريون ملء أفواههم بشورى الأمة، كنايةً عن مجلس أنقرة، فإذا نظرنا، فكل واحدة من كلمتين لا مصداق لها؛ لأن الأمة بمعزل عن تلك الشورى؛ لكونها مكرهة في تعيين أعضائها إكراهًا ملجئًا، والشورى ما صحَّت شورى في نفسها لكون أعضائها أيضًا مكرهين فيما بينهم، فهم كذئاب تسلَّطْن على غنم، ولقد أُكرِه الأعضاء إكراهًا على الموافقة على اقتراح مصطفى أتاتورك بفصل السلطة عن الخلافة، ويروي لنا كاتب سيرته ما حدث بالجمعية الوطنية كالآتي: "فتبين مصطفى كمال أن الاتجاه الغالب يميل إلى رفضه، وكان أنصاره مسلَّحين، وصاح مصطفى كمال وفي صوته رنة التهديد، بينما وضع أنصاره أيديهم على مسدساتهم: "أنا واثق من أن المجلس سيقبل الاقتراح بإجماع الآراء، ويكفي أخذ الأصوات برفع الأيدي، فلم ترتفع غير أيدٍ قليلة، لكن الرئيس أعلن النتيجة بقوله: "أقر المجلس الاقتراح بإجماع الآراء"، فقفز نفر من النواب فوق مقاعدهم محتجين صائحين: "هذا غير صحيح، نحن لم نوافق"؛ أرمسترونج: مصطفى كمال أو الذئب الأغبر (ص 194).
كما أن شعارهم الذئب الأبيض ولا يأمن بعضهم بعضًا فيما بينهم، فكل ما وقع في تركيا منذ سنة وبضعة أشهر مِن تجريد الخلافة عن السلطة إلى إعلان الجمهورية ما هو بصنع الأمة، بل صنع تلك الذئاب إخلاء الخليفة عن الحكم والنفوذ والعمل، وانتقل الكل إلى المجلس الوطني أو إلى التي تغلَّبت على الأمة وتغلَّب بعضها على بعض، فبعدًا لها مِن جمهور مقهور، ومَن ظنَّ خديعة اللصوص حقيقة راقية فلم يجعل الله له نورًا فما له من نور.
وأما حديث محق الفرد وإلغاء حكمه، فقد آمَن به المصريون فوق إيمانهم بالله ورسوله، {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا} [لقمان: 6]، ومع أن حكم الفرد اليوم في تركيا أشد بطشًا مما في الماضي بآلاف أضعافه، إلا أن اسمه الآن حكم الشعب كذبًا وافتراءً عليهم، فالشعب تحت ظلم ذلك الفرد الذي ليس القتل والشنق العاديان بمُنتهى عقوباته، وتحت نسبة ظلمه إليهم، مكابدون برزيتين أن يظلمهم الفرد، وألا يعدَّ هو فاعل الظلم، بل الذين ظلمهم كأنهم ظلموا أنفسهم، والاستبداد القديم لا أقل من أنه براء من هذا الافتراء، والفرق الثاني: كون حكم الفرد اليوم انتقل من رأس إلى ذنب، ومن غادة إلى عجب، ولست بمأمن فيما قلت للمصرين:
أين محقُ الفرد بل من عدم
أوردوه وهو كالقرد مهين
تعقيبًا لقول شاعرهم:
محق الفرد وألغى حكمه
إن حكم الفرد مَرذول لعين
وليت شعري ما قول المصريين في قضية التضييق الذي وقع بآخِره على صحافي الأستانة، والحكم على لطفي فكري بك بسجن سنين، ولو وقفتُ موقفه في محكمة الاستقلال حين سأله حاكمها عن كونه على ضد إدارة الجمهورية لقلتُ: نعم، ومذهبي حكم الفرد واستبداده اقتداءً بمذهب الجمهور الذين اختاروا الاستبداد والقضاء على حرية الفكر والاجتهاد لما قبلوا قانون الخيانة الوطنية الذي يَحكم بأشد الجزاء على مَن يقول بضدِّ الجمهورية أو يكتب، فجمهوريتنا ليست بجمهورية حرَّة كجمهوريات العالم، وسلطة الشعب فينا عبارة عن السلطة، والضغطة على أنفسهم بحجزها عن حرية الفكر والاجتهاد.
هذه ماهية تلك الألعاب غير الخافية على أولي الألباب، ولكنها ضلالة مصرية لا تزول بإرشاد الفصيح، ولا تقبل التصحيح، ولا ينكشف غطاء أعينهم وإن مسَّها المسيح، وحديث محكمة الاستقلال المُنعقِدة بالأستانة ذو شجون - [نعم، إنه حديث ذو شجون، فقد صار أي إجراء أو نقد شفويٍّ للحكومة يعدُّ خيانة عظمى تعاقب عليه محاكم "الاستقلال" بالموت فورًا؛ حيث قرر أتاتورك محاكمة معارضيه الذين كانوا مِن أخلِّ أعوانه، فأصدرَت حكمها عليهم جميعًا بالشنق، بغير مراعاة لقواعد المرافعات والإثبات المقرَّرة في القانون، ومِن بينهم "عارف" صفيُّه القديم، وكانت محاكم الاستقلال في الأقاليم تَنشُر الإرهاب الدموي، فتُحاكم المعارضين، وتُرسلهم إلى المشنَقة مِن أجل أتفه الانتقادات، وحين كان القضاة أنفسهم يظهرون تردُّدًا أو ضعفًا كان "الغازي" يُهدِّدهم بأقسى عقاب"؛ أرمسترونج: مصطفى كمال (ص: 218، 219)] - وسنبحث عنها في موضع آخَر أيضًا، فإن كان القراء طالعوا الجرائد التركية المُنتشِرة في أيام المحاكم المالئة صحائفها بما نطق به المتهمون والمحامون عنهم، والنائب العمومي للمحكمة لرأوا عجائب، ولا سيما عجبَين، وهما القضاء على الدين وعلى الحرية، فمَن أقام بينات ووثائق مِن حاله وماضيه على أنه لا يُفكِّر بغير الفكرة الجمهورية، وأنه لا ديني المبدأ والمرمى فقد نجا؛ حتى إن رضا نور بك وزير الصحة السابق التزم عند شهادته لوليد بك أن يبحث عن عدم اعتقاده بصحة الدين، وإن حاباه وحامى عنه في جريدته - توحيد أفكار - لينفعه ذاك البحث، وكان رئيس المحكمة يرتاح بمثل هذه الأقوال ويوسع له إلى ما شاء قائله، كما يضيق على مَن أعرب عن فكرة دينية وتكلم عن حميته منتقدًا على انتهاك حرمته مثل إبراهيم أدهم أفندي، ومما يملأ القلب أسفًا أن الصحف أيضًا بغَت وسعَتْ عليه متَّفقة الكلم، ولم تشفع له عند المحكمة كما شفعت لمن عداه، ولم تألُ جهدًا فيها، فأسفرت عن عدم تعلقهم بمبادئ الحرية، مثل عدم تعلقهم بالمبادئ الإسلامية (م. ص).
[6] مع أن الكماليين كانوا إبان نهضتهم في الأناضول غرُّوا الناس وقادوهم إليهم بوعد إنقاذ الخليفة من الأسر وإنقاذ نفوذه من الخسر. (م. ص).
[7] والحديث بالكامل: عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت))؛ رواه البخاري.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
{شبكة الألوكة}
ــــــــــــــــــــ
المصدر: ملتقى شذرات


auhv hg`zf hgHyfv

رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« في إمتحان الفيزياء في جامعة كوبنهاجن بالدانمارك | لنعتبر كل يوم بداية جديدة »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الاعتماد على العفو مع الإصرار على الذنب صابرة شذرات إسلامية 0 11-08-2015 09:02 AM
بيان خطير للمتقاعدين العسكرين : آليات جاءت من "المعبر" قامت باستخراج «كنوز الإسكندرالمقدوني» Eng.Jordan الأردن اليوم 0 09-28-2014 09:10 AM
الذئب على الباب عبدالناصر محمود أخبار عربية وعالمية 0 08-20-2014 03:37 PM
"المعبر" ترسي حجر أساس مسجد الشيخ زايد في العقبة Eng.Jordan الأردن اليوم 0 12-11-2012 09:24 AM
الذنب ذنبي صلاح ريان نثار الحرف 10 02-16-2012 12:16 AM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 07:05 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68