تذكرني !

 





كتب ومراجع إلكترونية عرض وتحميل الكتب الإلكترونية ebooks

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #5  
قديم 01-09-2012, 01:51 AM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 19,229
افتراضي

وعراف اليمامة هو رباح بن عجلة و عراف نجد الأبلق الأسدي. و من هذه المدارك الغيبية ما يصدر لبعض الناس عند مفارقة اليقظة و التباسه بالنوم من الكلام على الشيء الذي يتشوف إليه بما يعطيه غيب ذلك الأمر كما يريد و لا يقع ذلك إلا في مبادىء النوم عند مفارقة اليقظة و ذهاب الاختبار في الكلام فيتكلم كأنه مجبور على النطق و غايته أن يسمعه و يفهمه و كذلك يصدر عن المقتولين عند مفارقة رؤوسهم و أوساط أبدانهم كلام بمثل ذلك. و لقد بلغنا عن بعض الجبابرة الظالمين أنم قتلوا من سجونهم أشخاصاً ليتعرفوا من كلامهم عند القتل عواقب أمورهم في أنفسهم فأعلموهم بما يستبشع. و ذكر مسلمة في كتاب الغاية له في مثل ذلك أن آدمياً إذا جعل في دن مملوء بدهن السمسم و مكث فيه أربعين يوماً يغذى بالتين و الجوز حتى يذهب لحمة و لا يبقى منه إلا العروق و شؤون رأسه فيخرج من ذلك الدفن فحين يجف عليه الهواء يجيب عن كل شيء يسأل عنه من عواقب الأمور الخاصة و العامة و هذا فعل من مناكير أفعال *****ة لكن يفهم منه عجائب العالم الإنساني و من الناس. من يحاول حصول هذا المدرك الغيبي بالرياضة فيحاولون بالمجاهدة موتاً صناعياً بإماتة جميع القوى البدنية ثم محو آثارها التي تلونت بها النسق ثم تغذيتها بالذكر لتزداد قوة في نشئها و يحصل ذلك بجمع الفكر و كثرة الجوع و من المعلوم على القطع أنه إذا نزل الموت بالبدن ذهب الحس و حجابة و اطلعت النفس على المغيبات و من هؤلاء أهل الرياضة *****ية يرتاضون بذلك ليحصل لهم الاطلاع على المغيبات و التصرفات في العوالم و أكثر هؤلاء في الأقاليم المنحرفة جنوباً و شمالاً خصوصاً بلاد الهند و يسمون هنالك الحوكية و لهم كتب في كيفية هذه الرياضة كثيرة و الأخبار عنهم في ذلك غريبة. و أما المتصوفة فرياضتهم دينية و عرية عن هذه المقاصد المذمومة و إنما يقصدون جمع الهمة و الإقبال على الله بالكلية ليحصل لهم أذواق أهل العرفان و التوحيد و يزيدون في رياضتهم إلى الجمع و الجوع التغذية بالذكر فبها تتم و جهتهم في هذه الرياضة لأنه إذا نشأة النفس على الذكر كانت أقرب إلى العرفان بالله و إذا عريت عن الذكر كانت شيطانية و حصول ما يحصل من معرفة الغيب و التصرف لهؤلاء المتصوفة إنما هو بالعرض و لا يكون مقصوداً من أول الأمر لأنه إذا قصد ذلك كانت الوجهة فيه لغير الله و إنما هي لقصد التصرف و الاطلاع على الغيب و أخسر بها صفقة فإنها في الحقيقة شرك قال بعضهم: من آثر العرفان للعرفان فقد قال بالثاني فهم يقصدون بوجهتهم المعبود لا لشيء سواه لم إذا حصل في أثناء ذلك ما يحصل فبالعرض و غير مقصود لهم و كثير منهم يفر منه إذا عرض له و لا يحفل به و إنما يريد الله لذاته لا لغيره و حصول ذلك لهم معروف و يسمون ما يقع لهم من الغيب و الحديث على الخواطر فراسة و كشفاً و ما يقع لهم من التصرف كرامة و ليس شيء من ذلك بنكير في حقهم و قد ذهب إلى إنكاره الأستاذ أبو إسحق الإسفرايني و أبو محمد بن أبي زيد المالكي في آخرين فراراً من التباس المعجزة بغيرها و المعول عليه عند المتكلمين حصول التفرقة بالتحدي فهو كاف. و قد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: إن فيكم محدثين و أن منهم عمر و قد وقع للصحابة من ذلك وقائع معروفة تشهد بذلك في مثل قول عمر رضي الله عنة يا سارية الجبل و هو سارية بن زنيم كان قائداً على بعض جيوش المسلمين بالعراق أيام الفتوحات و تورط مع المشتركين في معترك و هم بالانهزام و كان بقربه جبل يتحيز إليه فرفع لعمر ذلك و هو يخطب على المنبر بالمدينة فناداه يا سارية الجبل و سمعه سارية و هو بمكانه و رأى شخصه هنالك و القصة معروفة و وقع مثله أيضاً لأبي بكر في وصيته عائشة ابنته رضي الله عنهما في شأن ما نحلها من أوسق التمر من حديقته ثم نبهها على جذاذه لتحوزه عن الورثة فقال في سياق كلامه و إنما هما أخواك و أختاك فقالت: إنما هي أسماء فمن الأخرى ؟ فقال: إن ذا بطن بنت خارجة أراها جارية فكانت جارية وقع في الموطإ في باب ما لا يجوز من النحل و مثل هذه الوقائع كثيرة لهم و لمن بعدهم من الصالحين و أهل الاقتداء إلا أن أهل التصوف يقولون إنه يقل في زمن النبؤة إذ لا يبقى للمريد حالة بحضرة النبي حتى أنهم يقولون إن المريد إذا جاء للمدينة النبوية يسلب حاله ما دام فيها حتى يفارقها و الله يرزقنا الهداية و يرشدنا إلى الحق.
و من هؤلاء المريدين من المتصوفة قوم بهاليل معتوهون أشبه بالمجانين من العقلاء و هم مع ذلك قد صحت لهم مقامات الولاية و أحوال الصديقين و علم ذلك من أحوالهم من يفهم عنهم من أهل الذوق مع أنهم غير مكلفين و يقع لهم من الأخبار عن المغيبات عجائب لأنهم لا يتقيدون بشيء فيطلقون كلامهم في ذلك و يأتون منه بالعجائب و ربما ينكر الفقهاء أنهم على شيء من المقامات لما يرون من سقوط التكليف عنهم و الولاية لا تحصل إلا بالعبادة و هو غلط فإن فضل الله يؤتيه من يشاء و لا يتوقف حصول الولاية على العبادة و لا غيرها و إذا كانت النفس الإنسانية ثابتة الوجود فالله تعالى يخصها بما شاء من مواهبه و هؤلاء القوم لم تعدم نفوسهم الناطقة و لا فسدت كحال المجانين و إنما فقد لهم العقل الذي يناط به التكليف و هي صفة خاصة للنفس و هي علوم ضروية للإنسان يشتد بها نظره و يعرف أحوال معاشه و استقامة منزله و كأنة إذا ميز أحوال معاشه و استقامة منزله لم يبق له عذر في قبول التكاليف لإصلاح معاده و ليس من فقد هذه الصفة بعاقل لنفسه و لا ذاهل عن حقيقته فيكون موجود الحقيقة معدوم العقل التكليفي الذي هو معرفة المعاش و لا استحالة في ذلك و لا يتوقف اصطفاء الله عباده للمعرفة على شيء من التكاليف و إذا صح ذلك فأعلم أنه ربما يلتبس حال هؤلاء بالمجانين الذين تفسد نفوسهم الناطقة و يلتحقون بالبهائم و لك في تمييزهم علامات منها أن هؤلاء البهاليل لا تجد لهم وجهة أصلاً و منها أنهم يخلقون على البله من أول، نشأتهم و المجانين يعرض لهم الجنون بعد مدة من العمر لعوارض بدنية طبيعية فإذا عرض لهم ذلك و فسدت نفوسهم الناطقة ذهبوا بالخيبة و منها كثرة تصرفهم في الناس بالخير و الشر لأنهم لا يتوقفون على إذن لعدم التكليف في حقهم و المجانين لا تصرف لهم و هذا فصل انتهى بنا الكلام إليه و الله المرشد للصواب.
و قد يزعم بعض الناس أن هنا مدارك للغيب من دون غيبة عن الحس فمنهم المنجمون القائلون بالدلالات النجومية و مقتضى أوضاعها في الفلك و آثارها في العناصر و ما يحصل من الامتزاج بين طباعها بالتناظر و يتأدى من ذلك المزاج إلى الهواء و هؤلاء المنجمون ليسوا من الغيب في شيء إنما هي ظنون حدسية و تخمينات مبنية على التأثير النجومية و حصول المزاج منه للهواء مع مزيد حدس يقف به الناظر على تفصيله في الشخصيات في العالم كما قاله بطليموس و نحن نبين بطلان ذلك في محله إن شاء الله و هؤلاء لو ثبت فغايته حدس و تخمين و ليس مما ذكرناه في شيء. و من هؤلاء قوم من العامة استنبطوا لاستخراج الغيب و تعرف الكائنات صناعة سموها خط الرمل نسبة إلى المادة التي يضعون فيها عملهم و محصول هذه الصناعة أنهم صيروا من النقط أشكالاً ذات أربع مراتب تختلف باختلاف مراتبها في الزوجية و الفردية و استوائها فيهما فكالت ستة عشر شكلاً لأنها إن كانت أزواجاً كلها أو أفراداً كلها فشكلان و إن كان الفرد فيهما في مرتبة واحدة فقط فأربعة أشكال و إن كان الفرد في مرتبتين فستة أشكال و إن كان في ثلاث مراتب فأربعة أشكال جاءت ستة عشر شكلا ميزوها كلها بأسمائها و أنواعها إلى سعود و نحوس شأن الكواكب و جعلوا لها ستة عشر بيتاً طبيعية يزعمهم و كأنها البروج الاثنا عشر التي للفلك و الأوتاد الأربعة و جعلوا لكل شكل منها بيتاً و خطوطاً، و دلالة على صنف من موجودات عالم العناصر يختص به و استنبطوا من ذلك فنا حاذوا به فن النجامة و نوع فصائه إلا أن أحكام النجامة مستندة إلى أوضاع طبيعية كما يزعم بطليموس و هذه إنما مستندها أوضاع تحكيمية و أهواء اتفاقية و لا دليل يقوم على شيء منها و يزعمون أن أصل ذلك من النبؤات القديمة في العالم و ربما نسبوها إلى دانيال أو إلى إدريس صلوات الله عليهما شأن الصنائع كلها و ربما يدعون مشروعيتها و يحتجون بقوله صلى الله عليه و سلم: كان نبي يخط فمن وافق خطة فذاك و ليس في الحديث دليل على مشروعية خط الرمل كما يزعمه بعض من لا تحصيل لديه لأن معنى الحديث كان نبي يخط فيأتيه الوحي عند ذلك الخط و لا استحالة في أن يكون ذلك عادة لبعض الأنبياء فمن وافق خطة ذلك النبي فهو ذاك أي فهو صحيح من بين الخط بما عضده من الوحي لذلك النبي الذي كانت عادته أن يأتيه الوحي عند الخط و أما إذا أخذ ذلك من الخط مجرداً من غير موافقة وحي فلا و هذا معنى الحديث و الله أعلم. فإذا أرادوا استخراج مغيب بزعمهم عمدوا إلى قرطاس أو رمل أو دقيق فوضعوا النقط سطوراً على عدد المراتب الأربع ثم كرروا ذلك أربع مرات فتجيء ستة عشر سطراً ثم يطرحون النقط أزواجاً و يضعون ما بقى من كل سطر زوجاً كان أو فرداً في مرتبته على الترتيب فتجيء أربعة أشكال يضعونها في سطر متتالية ثم يولدون منها أربعة أشكال أخرى من جالب العرض باعتبار كل مرتبة و ما قابلها من الشك الذي بإزائه و ما يجتمع منهما من زوج أو فرد فتكون ثمانية أشكال موضوعة في سطر ثم يولدون من كل شكلين شكلاً تحتهما باعتبار ما يجتمع في كل مرتبة من مراتب الشكلين أيضاً من زوج أو فرد فتكون أربعة أخرى تحتها ثم يولدون من الأربعة شكلين كذلك تحتها من الشكلين شكلاً كذلك تحتهما ثم من هذا الشكل الخامس عشر مع الشكل الأول شكلاً يكون أخر الستة عشر ثم يحكمون على الخط كله بما اقتضته أشكاله من السعودة و النحوسة بالذات و النظر و الحلول و الامتزاج و الدلالة على أصناف الموجودات و سائر ذلك تحكماً غريباً و كثرت هذه الصناعة في العمران و وضعت فيها التآليف و اشتهر فيها الأعلام من المتقدمين و المتأخرين و هي كما رأيت تحكم و هوى و التحقيق الذي ينبغي أن يكون نصب فكرك أن الغيوب لا تدرك بصناعة البتة و لا سبيل إلى تعرفها إلا للخواص من البشر المفطورين على الرجوع من عالم الحس إلى عالم الروح و لذلك يسمى المنجمون هذا الصنف كلهم بالزهريين نسبة إلى ما تقتضيه دلالة الزهرة بزعمهم في أصل مواليدهم على إدراك الغيب فالخط و غيره من هذه أن كان الناظر فيه من أهل هذه الخاصية و قصد بهذه الأمور التي ينظر فيها من النقط أو العظام أو غيرها إشغال الحس لترجع النفس إلى عالم ********ات لحظة ما، فهو من باب الطرق بالحصى و النظر في قلوب الحيوانات و المرايا الشفافة كما ذكرناه. و أن لم يكن كذلك و إنما قصد معرفة الغيب بهذه الصناعة و أنها تفيده ذلك فهذر من القول و العمل و الله يهدي من يشاء. و العلامة لهذه الفطرة التي فطر عليها أهل هذا الإدراك الغيبي أنهم عند توجههم إلى تعرف الكائنات يعتريهم خروج عن حالتهم الطبيعية كالتثاؤب و التمطط و مبادىء الغيبة عن الحس و يختلف ذلك بالقوة و الضعف على اختلاف وجودها فيهم فمن لم توجد له هذه العلامة فليس من إدراك الغيب في شيء و إنما هو ساع في تنفيق كذبه.
فصل
و منهم طوائف يضعون قوانين لاستخراج الغيب ليست من الطور الأول الذي هو من مدارك النفس ********ة و لا من الحدس المبني على تأثيرات النجوم كما زعمه بطليموس و لا من الظن و التخمين الذي يحاول عليه العرافون و إنما هي مغالط يجعلونها كالمصائد لأهل العقول المستضعفة و لست أذكر من ذلك إلا ما ذكره المصنفون و ولع به الخواص فمن تلك القوانين الحساب الذي يسمونه حساب النيم و هو مذكور في آخر كتاب السياسة المنسوب لأرسطو يعرف به الغالب من المغلوب في المتحاربين من الملوك و هو أن تحسب الحروف التي في اسم أحدهما بحساب الجمل المصطلح عليه في حروف أبجد من الواحد إلى الألف آحاداً و عشرات و مئين وألوفاً فإذا حسبت الاسم و تحصل لك منه عدد فاحسب اسم الآخر كذلك ثم اطرح من كل واحد منهما تسعة و احفظ بقية هذا و بقية هذا ثم انظر بين العددين الباقيين من حساب الاسمين فإن كان العددان مختلفين في الكمية وكانا معا زوجين أو فردين معاً. فصاحب الأقل منهما هو الغالب و إن كان أحدهما زوجاً و الآخر فرداً فصاحب الأصغر هو الغالب و أن كانا متساويين في الكمية و هما معا زوجان فالمطلوب هو الغالب و إن كانا معاً فردين فالطالب هو الغالب و يقال هنالك بيتان في هذا العمل اشتهرا بين الناس و هما:
أرى الزوج و الأفراد يسمو اقلها و أكثرها عند التحالف غالب
و يغلب مطلوب إذا الزوج يستوي و عند استواء الفرد يغلب طالب
ثم وضعوا لمعرفة ما بقى من الحروف بعد طرحها بتسعة قانوناً معروفاً عندهم في طرح تسعة و ذلك أنهم جمعوا الحروف الدالة على الواحد في المراتب الأربع و هي (ا) الدالة على الواحد وهي (ي) الدالة على العشرة و هي واحد في مرتبة العشرات و(ق) الدالة على المائة لأنها واحد في مرتبة المئين و (ش) الدالة على الألف لأنها واحد في منزلة الآلاف و ليس بعد الألف عدد يدل عليه بالحروف لأن الشين هي آخر حروف أبجد ثم رتبوا هذه الأحرف الأربعة على نسق المراتب فكان منها كلمة رباعية و هي (ايقش) ثم فعلوا ذلك بالحروف الدالة على اثنين في المراتب الثلاث و أسقطوا مرتبة الآلاف منها لأنها كانت آخر حروف أبجد فكان مجموع حروف الاثنين في المراتب الثلاث ثلاثة حروف و هي (ب) الدالة على اثنين في الآحاد و (ك) الدالة على اثنين في العشرات و هي عشرون و (ر) الدالة على اثنين في المئين و هي مائتان و صيروها كلمة واحدة ثلاثة على نسق المراتب و هي بكر ثم فعلوا ذلك بالحروف الدالة على ثلاثة فنشأت عنها كلمة جلس و كذلك إلى آخر حروف أبجد و صارت تسع كلمات نهاية عدد الآحاد و هي ايقش بكر جلس دمت هنث و صخ زعد حفظ طضغ مرتبة على توالى الأعداد و لكل كلمة منها عددها الذي هي في مرتبته فالواحد لكلمة ايقش و الاثنان لكلمة بكر و الثلاثة لكلمة جلس و كذلك إلى التاسعة التي هي طضغ فتكون لها التسعة فإذا أرادوا طرح الاسم بتسعة نظروا كل حرف منه في أي كلمة هو من هذه الكلمات و أخذوا عددها مكانه ثم جمعوا الأعداد التي يأخذونها بدلاً من حروف الاسم فإن كانت زائدة على التسمية أخذوا ما فضل عنها و إلا أخذوه كما هو ثم يفعلون كذلك بالاسم الآخر و ينظرون بين الخارجين بما قدمناه و السر في هذا بين و ذلك أن الباقي من كل عقد من عقود الأعداد بطرح تسعة إنما هو واحد فكأنه يجمع عدد العقود خاصة من كل مرتبة فصارت أعداد العقود كأنها آحاد فلا فرق بين الاثنين و العشرين و المائتين و الألفين و كلها اثنين و كذلك الثلاثة و الثلاثون و الثلاثمائة و الثلاثة الآلاف كلها ثلاثةً ثلاثةً فوضعت الأعداد على التوالي دالة على أعداد العقود لا غير و جعلت الحروف الدالة على أصناف العقود في كل كلمة من الآحاد و العشرات و المئين و الألوف و صار عدد الكلمة الموضوع عليها نائباً عن كل حرف فيها سواء دل على الآحاد أو العشرات أو المئين فيؤخذ عدد كل كلمة عوضاً من الحروف التي فيها و تجمع كلها إلى آخرها كما قلناه هذا هو العمل المتداول بين الناس منذ الأمر القديم و كان بعض من لقيناه من شيوخنا يرى أن الصحيح فيها كلمات أخرى تسعة مكان هذه و متوالية كتواليها و يفعلون بها في الطرح بتسعة مثل ما يفعلونه بالأخرى سواء و هي هذه ارب يسقك جزلط مدوص هف تحذن عش خع ثضظ تسع كلمات على توالي، العدد و لكل كلمة منها عددها الذي في مرتبته فيها الثلاثي و الرباعي و الثنائي و ليست جارية على أصل مطرد كما تراه لكن كان شيوخنا ينقلونها عن شيخ المغرب في هذه المعارف من السيمياء و أسرار الحروف و النجامة و هو أبو العباس بن البناء و يقولون عنه أن العمل بهذه الكلمات في طرح حساب النيم أصح من العمل بكلمات ايقش و الله يعلم كيف ذلك و هذه كلها مدارك للغيب غير معروف أرسطو عند المحققين لما فيه من الآراء البعيدة عن التحقيق و البرهان يشهد لك بذلك تصفحه إن كنت من أهل الرسوخ. و من هذه القوانين الصناعية لاستخراج الغيوب فيما يزعمون الزايرجة المسماة بزايرجة العالم، المعزوة إلى أبي العباس سيدي أحمد السبتي من أعلام المتصوفة بالمغرب كان في آخر المائة السادسة بمراكش و لعهد أبي يعقوب المنصور من ملوك الموحدين و هي غريبة العمل صناعة. و كثير من الخواص يولعون بإفادة الغيب منها بعملها المعروف الملغوز فيحرضون بذلك على حل رمزه و كشف غامضه. و صورتها التي يقع العمل عندهم فيها دائرة عظيمة في داخلها دوائر متوازية للأفلاك و العناصر و المكونات و ********ات و غير ذلك من أصناف الكائنات و العلوم و كل دائرة مقسومة بأقسام فلكها إما البروج و إما العناصر أو غيرهما و خطوط كل قسم مارة إلى المركز و يسمونها الأوتار و على كل وتر حروف متتابعة موضوعة فمنها برشوم الزمام التي هي أشكال الأعداد عند أهل الدواوين و الحساب بالمغرب لهذا العهد و منها برشوم الغبار المتعارفة في داخل الزايرجة و بين الدوائر أسماء العلوم و مواضع الأكوان و على ظاهر الدوائر جدول متكثر البيوت المتقاطعة طولاً و عرضاً يشتمل على خمسة و خمسين بيتاً في العرض و مائة و واحد و ثلاثين في الطول جوانب منه معمورة البيوت تارة بالعدد و أخرى بالحروف و جوانب خالية البيوت و لا تعلم نسبة تلك الأعداد في أو ضاعها و لا القسمة التي عينت البيوت العامرة من الخالية و حافات الزايزجة أبيات من عروض الطويل على روي اللام المنصوبة تتضمن صورة العمل في استخراج المطلوب من تلك الزايرجة إلا أنها من قبيل الإلغاز في عدم الوضوح و الجلاء و في بعض جوانب الزايرجة بيت من الشعر منسوب لبعض أكابر أهل الحدثان بالمغرب و هو مالك بن وهيب من علماء أشبيلية كان في الدولة اللمتونية و نص البيت
سؤال عظيم الخلق حزت فصن إذن غرائب شك ضبطه الجد مثلا
و هو البيت المتداول عندهم في العمل لاستخراج الجواب من السؤال في هذه الزايرجة و غيرها فإذا أرادوا استخراج الجواب عما يسأل عنه من المسائل كتبوا ذلك السؤال و قطعوه حروفاً ثم أخذوا الطالع لذلك الوقت من بروج الفلك و درجها و عمدوا إلى الزايرجة ثم إلى الوتر المكتنف فيها بالبرج الطالع من أوله ماراً إلى المركز ثم إلى محيط الدائرة قبالة الطالع فيأخذون جميع الحروف المكتوبة عليه من أوله إلى آخره و الأعداد المرسومة بينهما و يصيرونها حروفاً بحساب الجمل و قد ينقلون آحادها إلى العشرات و عشراتها إلى المئين و بالعكس فيهما كما يقتضيه قانون العمل عندهم و يضعونها مع حروف السؤال و يضيفون إلى ذلك جميع ما على الوتر المكتنف بالبرج الثالث من الطالع من الحروف و الأعداد من أوله إلى المركز فقط لا يتجاوزونه إلى المحيط و يفعلون بالأعداد ما فعلوه بالأول و يضيفونها إلى الحروف الأخرى ثم يقطعون حروف البيت الذي هو أصل العمل و قانونه عندهم و هو بيت مالك بن وهيب المتقدم و يضعونها ناحية ثم يضربون عدد درج الطالع في أس البرج و أسه عندهم هو بعد البرج عن آخر المراتب عكس ما عليه الأس عند أهل صناعة الحساب فانه عندهم البعد عن أول المراتب ثم يضربونه في عدد آخر يسمونه الأس الأكبر و الدور الأصلي و يدخلون بما تجمع لهم من ذلك في بيوت الجدول على قوانين معروفة و أعمال مذكورة و أدوار معدودة و يستخرجون منها حروفاً و يسقطون أخرى و يقابلون بما معهم في حروف البيت و ينقلون منه ما ينقلون إلى حروف السؤال و ما معها ثم يطرحون تلك الحروف بأعداد معلومة يسمونها الأدوار و يخرجون في كل دور الحرف الذي ينتهي عنده الدور و يعاودون ذلك بعدد الأدوار المعينة عندهم لذلك فيخرج آخرها حروف متقطعة و تؤلف على التوالي فتصير كلمات منظومة في بيت واحد على وزن البيت الذي يقابل به العمل و رويه و هو بيت مالك ابن وهيب المتقدم حسبما نذكر ذلك كله في فصل العلوم عند كيفية العمل بهذه الزايرجة و قد رأينا كثيراً من الخواص يتهافتون على استخراج الغيب منها بتلك الأعمال و يحسبون أن ما وقع من مطابقة الجواب للسؤال في توافق الخطاب دليل على مطابقة الواقع و ليس ذلك بصحيح لأنه قد مر لك أن الغيب لا يدرك بأمر صناعي البتة و إنما المطابقة التي فيها بين الجواب و السؤل من حيث الإفهام و التوافق في الخطاب حتى يكون الجواب مستقيماً أو موافقاً للسؤال و وقوع ذلك في هذه الصناعة في تكسير الحروف المجتمعة من السؤال و الأوتار و الدخول في الجدول بالأعداد المجتمعة من ضرب الأعداد المفروضة و استخراج الحروف من الجدول بذلك و طرح أخرى و معاودة ذلك في الأدوار المعدودة و مقابلة ذلك كله بحروف البيت على التوالي غير مستنكر و قد يقع الاطلاع من بعض الأذكياء على تناسب بين هذه الأشياء فيقع له معرفة المجهول فالتناسب بين الأشياء هو سبب الحصول على المجهول من المعلوم الحاصل للنفس و طريق لحصوله سيما من أهل الرياضة فإنها تفيد العقل قوة على القياس و زيادة في الفكر و قد مر تعليل ذلك غير مرة و من أجل هذا المعنى ينسبون هذه الزايرجة في الغالب لأهل الرياضة فهي منسوبة للسبتي و لقد وقفت على أخرى منسوبة لسهل بن عبد الله و لعمري إنها من الأعمال الغريبة و المعاناة العجيبة. و الجواب الذي يخرج منها فالسر في خروجه منظوماً يظهر لي إنما هو المقابلة بحروف ذلك البيت و لهذا يكون النظم على وزنه و رويه و يدل عليه أنا و جدنا أعمالاً أخرى لهم في مثل ذلك أسقطوا فيها المقابلة بالبيت فلم يخرج الجواب منظوماً كما تراه عند الكلام على ذلك في موضعه و كثير من الناس تضيق مداركهم عن التصديق بهذا العمل و نفوذه إلى المطلوب فينكر صحتها و يحسب أنها من التخيلات و الإيهامات و أن صاحب العمل بها يثبت حروف البيت الذي ينظمه كما يريد بين أثناء حروف السؤال و أن الأوتار و يفعل تلك الصناعات على غير نسبة و لا قانون ثم يجيء بالبيت و يوهم أن العمل جاء على طريقين منضبطة و هذا الحسبان توهم فاسد حمل عليه العقول عن فهم التناسب بين الموجودات و المعدومات و التفاوت بين المدارك و العقول و لكن من شأن كل مدرك إنكار ما ليس في طوقه إدراكه و يكفينا في رد ذلك مشاهدة العمل بهذه الصناعين و الحدس القطعي فإنها جاءت بعمل مطرد و قانون صحيح لا مرية فيه عند من يباشر ذلك ممن له ذكاء و حدس و إذا كان كثير من المعاياة في العدد الذي هو أوضح الواضحات يعسر على الفهم إدراكه لبعد النسبة فيه و خفائها فما ظنك بمثل هذا مع خفاء النسبة فيه و غرابتها فلنذكر مسئلة من المعاياة يتضح لك بها شيء مما ذكرنا مثاله لو قيل لك أخذت عدداً من الدراهم و اجعل بإزاء كل درهم ثلاثة من الفلوس ثم الجمع الفلوس التي أخذت و اشتر بها طائراً ثم اشتر بالدراهم كلها طيوراً بسعر ذلك الطائر فكم الطيور المشتراة بالدراهم فجوابه أن تقول هي تسعة لأنك تعلم أن فلوس الدراهم أربعة و عشرون و أن الثلاثة ثمنها و أن عدة أثمان الواحد ثمانية فإذا جمعت الثمن من الدراهم إلى الثمن الآخر فكان كله ثمن طائر فهي ثمانية طيور عدة أثمان الواحد و تزيد على الثمانية طائراً آخر و هو المشترى بالفلوس المأخوذة أولاً و على سعر اشتريت بالدراهم فتكون تسعة فأنت ترى كيف خرج لك الجواب المضمر بسر التناسب الذي بين أعداد المسئلة و الوهم أول ما يلقي إليك هذه و أمثالها إنما يجعله من قبيل الغيب الذي لا يمكن معرفته و ظهر أن التناسب بين الأمور هو الذي يخرج مجهولها من معلومها و هذا إنما هو في الواقعات الحاصلة في الوجود أو العلم و أما الكائنات المستقبلة إذا لم تعلم أسباب وقوعها و لا يثبت لها خبر صادق عنها فهو غيب لا يمكن معرفته لم إذا تبين لك ذلك فالأعمال الواقعة في الزايرجة كلها إنما هي في استخراج الجواب من ألفاظ السؤال لأنها كما رأيت استنباط حروف على ترتيب من تلك الحروف بعينها على ترتيب آخر و سر ذلك إنما هو من تناسب بينهما يطلع عليه بعض دون بعض فمن عرف ذلك التناسب تيسر عليه استخراج ذلك الجواب يتلك القوانين و الجواب يدل في مقام آخر من حيث موضوع ألفاظه و تراكيبه على وقوع أحد طرفي السؤال من نفي أو إثبات و ليس هذا من المقام الأول بل إنما يرجع لمطابقة الكلام لما في الخارج و لا سبيل إلى معرفة ذلك من هذه الأعمال بل البشر محجوبون عنه و قد استأثر الله بعلمه و الله يعلم و أنتم لا تعلمون.

الباب الثاني في العمران البدوي و الأمم الوحشية و القبائل و ما يعرض في ذلك من الأحوال و فيه فصول و تمهيدات الفصل الأول في أن أجيال البدو و الحضر طبيعية
إعلم أن اختلاف الأجيال في أحوالهم إنما هو باختلاف نحلتهم في المعاش فإن اجتماعهم إنما هو للتعاون على تحصيله و الابتداء بما هو ضروري منعه و نشيطه قبل الحاجي و الكمالي فمنهم من يستعمل الفلح من الغراسة و الزراعة و منهم من ينتحل القيام على الحيوان من الغنم و البقر و المعز و النحل و الدود لنتاجها واستخراج فضلاتها و هؤلاء القائمون على الفلح و الحيوان تدعوهم الضرورة و لا بد إلى البدو لأنه متسع لما لا يتسع له الحواضر من المزارع و الفدن و المسارح للحيوان و غير ذلك فكان اختصاص هؤلاء بالبدو أمراً ضروريا لهم و كان حينئذ اجتماعهم و تعاونهم في حاجاتهم و معاشهم و عمرانهم من القوت و الكن و الدفء إنما هو بالمقدار الذي يحفظ الحياة و يحصل بلغة العيش من غير مزيد عليه للعجز عما وراء ذلك ثم إذا اتسعت أحوال هؤلاء المنتحلين للمعاش و حصل لهم ما فوق الحاجة من الغنى و الرفه دعاهم ذلك إلى السكون و الدعة و تعاونوا في الزائد على الضرورة و استكثروا من الأقوات و الملابس و التأنق فيها و توسعة البيوت و اختطاط المدن و الأمصار للتحضر ثم تزيد أحوال الرفه و الدعة فتجيء عوائد الترف البالغة مبالغها في التأنق في علاج القوت و استجادة المطابخ و التقاء الملابس الفاخرة في أنواعها من الحرير و الديباج و غير ذلك و معالاة البيوت و الصروح و إحكام وضعها في تنجيدها و الانتهاء في الصنائع في الخروج من القوة إلى الفعل إلى غايتها فيتخذون القصور و المنازل و يجرون فيها المياه و يعالون في صرحها و يبالغون في تنجيدها و يختلفون في استجادة ما يتخذونه لمعاشهم من ملبوس أو فراش أو آنية أو ماعون و هؤلاء هم الحصر و معناه الحاضرون أهل الأمصار و البلدان و من هؤلاء من ينتحل معاشه الصنائع و منهم من ينتحل التجارة و تكون مكاسبهم أنمى و أرفه من أهل البدو لأن أحوالهم زائدة على الضروري و معاشهم على نسبة و جدهم فقد تبين أن أجيال البدو و الحضر طبيعية لا بد منها كما قلناه.

الفصل الثاني في أن جيل العرب في الخليقة طبيعي
قد قدمنا في الفصل قبله أن أهل البدر هم المنتحلون للمعاش الطبيعي من الفلح و القيام على الإنعام و أنهم مقتصرون على الضروري من الأقوات و الملابس و المساكن و سائر الأحوال و العوائد و مقصرون عما فوق ذلك من حاجى أو كمالي يتخذون البيوت من الشعر و الوبر أو الشجر أو من الطين و الحجارة غير منجدة إنما هو قصد الاستظلال والكن لا ما وراءه و قد يأوون إلى الغيران و الكهوف و أما أقواتهم فيتناولون بها يسيراً بعلاج أو بغير علاج البتة إلا ما مسته النار فمن كان معاشه منهم في الزراعة و القيام بالفلح كان المقام به أولى من الظعن و هؤلاء سكان المدر و القرى و الجبال و هم عامة البربر و الأعاجم و من كان معاشه في السائمة مثل الغنم و البقر فهم ظعن في الأغلب لارتياد المسارح و المياه لحيواناتهم فالتقلب في الأرض أصلح بهم و يسمون شاوية و معناه القائمون على الشاه و البقر و لا يبعدون في القفر لفقدان المسارح الطيبة و هؤلاء مثل البربر و الترك و إخوانهم من التركمان و الصقالبة و أما من كان معاشهم في الإبل فهم أكثر ظغناً و أبعد في القفر مجالاً لأن مسارح التلول و نباتها و شجرها لا يستغني بها الإبل في قوام حياتها عن مراعي الشجر بالقفر وورود مياهه الملحة و التقلب فصل الشتاء في نواحيه فراراً من أذى البرد إلى دفء هوائه و طلباً لماخض النتاج في رماله إذ الإبل أصعب الحيوان فصالاً و مخاضاً و أحوجها في ذلك إلى الدفء فاضطروا إلى إبعاد النجعة و ربما زادتهم الحامية عن التلول أيضاً فأوغلوا في القفار نفرة عن الضعة منهم فكانوا لذلك أشد الناس توحشاً و ينزلون من أهل الحواضر منزلة الوحش غير المقدور عليه و المفترس من الحيوان العجم و هؤلاء هم العرب و في معناهم ظعون البربر و زناتة بالمغرب له الأكراد و التركمان و الترك بالمشرق إلا أنا العرب أبعد نجعة و أشد بداوة لأنهم مختصون بالقيام على الإبل فقط و هؤلاء يقوموني عليها و على الشياه و البقر معها فقد تبين لك أن جيل العرب طبيعي لا بد منه في العمران و الله سبحانه و تعالى أعلم.

الفصل الثالث في أن البدو أقدم من الحضر و سابق عليه و أن البادية أصل العمران و الأمصار مدد لها
قد ذكرنا أن البدو هم المقتصرون على الضروري في أحوالهم العاجزون عما فوقه و أن الحضر المعتنون بحاجات الترف و الكمال في أحوالهم و عوائدهم و لا شك أن الضروري أقدم من الحاجي و الكمالي و سابق عليه و لأن الضروري أصل و الكمالي فرع ناشىء عنه فالبدو أصل المدن و الحضر، و سابق عليهما لأن أول مطالب الإنسان الضروري و لا ينتهي إلى الكمال و الترف إلا إذا كان الضروري حاصلاً فخشونة البداوة قبل رقة الحضارة و لهذا نجد التمدن غاية للبدوي يجري إليها و ينتهي بسعيه إلى مقترحه منها و متى حصل على الرياش الذي يحصل له به أحوال الترف و عوائده عاج إلى الدعة و أمكن نفسه إلى قياد المدينة و هكذا شأن القبائل المتبدية كلهم و الحضري لا يتشوف إلى أحوال البادية إلا لضرورة تدعوه إليها أو لتقصير عن أحوال أهل مدينته و مما يشهد لنا أن البدو أصل للحضر و متقدم عليه أنا إذا فتشنا أهل مصر من الأمصار و جدنا أولية أكثرهم من أهل البدو الذين بناحية ذلك المصر و عدلوا إلى الدعة و الترف الذي في الحضر و ذلك يدل على أن أحوال الحضارة ناشئة عن أحوال البداوة و أنها أصل لها فتفهمه. ثم إن كل واحد من البدو و الحضر متفاوت الأحوال من جنسه فرب حي أعظم من حي و قبيلة أعظم من قبيلة و مصر أوسع من مصر و مدينة أكثر عمراناً من مدينة فقد تبين أن وجود البدو متقدم على وجود المدن و الأمصار و أصل لها بما أن وجود المدن و الأمصار من عوائد الترف و الدعة التي هي متأخرة عن عوائد الضروري المعاشية و الله أعلم.

الفصل الرابع في أن أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر
و سببه أن النفس إذا كانت على الفطرة الأولى كانت متهيئة لقبول ما يرد
عليها و ينطبع فيها من خير أو شر قال صلى الله عليه و سلم: كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه و بقدر ما سبق إليها من أحد الخلقين تبعد عن الآخر و يصعب عليها اكتسابه فصاحب الخير إذا سبقت إلى نفسه عوائد الخير و حصلت لها ملكته بعد عن الشر و صعب عليه طريقة و كذا صاحب الشر إذا سبقت إليه أيضاً عوائده و أهل الحضر لكثرة ما يعانون من فنون الملاذ و عوائد الترف و الإقبال على الدنيا و العكوف على شهواتهم منها و قد تلونت أنفسهم بكثير من مذمومات الخلق و الشر و بعدت عليهم طرق الخير و مسالكه بقدر ما حصل لهم من ذلك حتى لقد ذهبت عنهم مذاهب الحشمة في أحوالهم فتجد الكثير منهم يقذعون في أقوال الفحشاء في مجالسهم و بين كبرائهم و أهل محارمهم لا يصدهم عنه و ازع الحشمة لما أخذتهم به عوائد السوء في التظاهر بالفواحش قولاً و عملاً و أهل البدو و إن كانوا مقبلين على الدنيا مثلهم إلا أنه في المقدار الضروري في الترف و لا في شيء من أسباب الشهوات و اللذات و دواعيها فعوائدهم في معاملاتهم على نسبتها و ما يحصل فيهم من مذاهب السوء و مذمومات الخلق بالنسبة إلى أهل الحضر أقل بكثير فهم أقرب إلى الفطرة الأولى و أبعد عما ينطبع في النفس من سوء الملكات بكثرة العوائد المذمومة و قبحها فيسهل علاجهم عن علاج الحضر و هو ظاهر و قد يتوضح فيما بعد أن الحضارة هي نهاية العمران و خروجه إلى الفساد و نهاية الشر و البعد عن الخير فقد تبين أن أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر و الله يحب المتقين و لا يعترض على ذلك بما ورد في صحيح البخاري من قول الحجاج لسلمة بن الأكوع و قد بلغة أنه خرج إلى سكنى البادية فقال له ارتددت على عقبيك تعربت فقال لا و لكن رسول الله صلى الله عليه و سلم أذن لي في البدو فاعلم أن الهجرة افترضت أول الإسلام على أهل مكة ليكونوا مع النبي صلى الله عليه و سلم حيث حل من المواطن ينصرونه و يظاهرونه على أمر و يحرسونه و لم تكن واجبة على الأعراب أهل البادية لأن أهل مكة يمسهم من عصبية النبي صلى الله عليه و سلم في المظاهرة و الحراسة مالا يمس غيرهم من بادية الأعراب و قد كان المهاجرون يستعيذون بالله من التعرب و هو سكنى البادية حيث لا تجب الهجرة و قال صلى الله عليه و سلم في حديث سعد بن أبي وقاص عند مرضه بمكة اللهم أمض لأصحابي هجرتهم و لا تردهم على أعقابهم و معناه أن يوفقهم لتلازمه المدينة و عدم التحول عنها فلا يرجعوا عن هجرتهم التي ابتدأوا بها و هو من باب الرجوع على العقب في السعي إلى وجه من الوجوه و قيل أن ذلك كان خاصاً بما قبل الفتح حين كانت الحاجة داعية إلى الهجرة لقلة المسلمين و أما بعد الفتح و حين كثر المسلمون و اعتزوا و تكفل الله لنبيه بالعصمة من الناس فإن الهجرة ساقطة حينئذ لقوله صلى الله عليه و سلم لا هجرة بعد الفتح و قيل سقط إنشاوها عمن يسلم بعد الفتح و قيل سقط وجوبها عمن أسلم و هاجر قبل الفتح و الكل مجمعون على أنها بعد الوفاة ساقطة لأن الصحابة افترقوا من يومئذ في الآفاق و انتشروا و لم يبق إلا فضل السكنى بالمدينة و هو هجرة فقول الحجاج لسلمة حين سكن البادية ارتددت على عقبيك تعربت نعى عليه في ترك السكنى بالمدينة بالإشارة إلى الدعاء المأثور الذي فقدناه و هو قوله لا تردهم على أعقابهم و قوله تعربت إشارة إلى أنة صار من الأعراب الذين لا يهاجرون و أجاب سلمة بإنكار ما ألزمه من الأمرين و أن النبي صلى الله عليه و سلم أذن له في البدر و يكون ذلك خاصاً به كشهادة خزيمة و عناق أبي بردة أو يكون الحجاج إنما نعى عليه ترك السكنى بالمدينة فقط لعلمه بسقوط الهجرة بعد الوفاة و أجابه سلمة بأن اغتنامه لإذن النبي صلى الله عليه و سلم أولى و أفضل فما آثره به و اختصه إلا لمعنى علمه فيه و على كل تقدير فليس دليلاً على مذمة البدو الذي عبر عنه بالتعرب لأن مشروعية الهجرة إنما كانت كما علمت لمظاهرة النبي صلى الله عليه و سلم و حراسته لا لمذمة البدو فليس في النعي على ترك هذا الواجب دليل على مذمة التعرب و الله سبحانه أعلم و به التوفيق.

الفصل الخامس في أن أهل البدو أقرب إلى الشجاعة من أهل الحضر
و السبب في ذلك أن أهل الحضر ألقوا جنوبهم على مهاد الراحة و الدعة و انغمسوا في النعيم و الترف و وكلوا أمرهم في المدافعة عن أموالهم و أنفسهم إلى واليهم و الحاكم الذي يسوسهم و الحامية التي تولت حراستهم و استناموا إلى الأسوار التي تحوطهم و الحرز الذي يحول دونهم فلا تهيجهم هيعة و لا ينفر لهم صيد فهم غازون آمنون، قد ألقوا السلاح و توالت على ذلك منهم الأجيال و تنزلوا منزلة النساء و الولدان الذين هم عيال على أبي مثواهم حتى صار ذلك خلقاً يتنزل منزلة الطبيعة و أهل البدو لتفردهم عن التجمع و توحشهم في الضواحي و بعدهم عن الحامية و انتباذهم عن الأسوار و الأبواب قائمون بالمدافعة عن أنفسهم لا يكلونها إلى سواهم و لا يثقون فيها بغيرهم فهم دائماً يحملون السلاح و يتلفتون عن كل جانب في الطرق و يتجافون عن الهجوع إلا غراراً في المجالس و على الرحال و فوق الأقتاب و يتوجسون للنبات و الهيعات و يتفردون في القفر و البيداء فدلين بيأسهم واثقين بأنفسهم قد صار لهم البأس خلقاً و الشجاعة سجنةً يرجعون إليه متى دعاهم داع أو استنفرهم صارخ و أهل الحضر مهما خالطوهم في البادية أو صاحبوهم في السفر عيال عليهم لا يملكون منهم شيئاً من أمر أنفسهم و ذلك مشاهد بالعيان حتى في معرفة النواحي و الجهات و موارد المياه و مشاريع السبل و سبب ذلك ما شرحناه و أصله أن الإنسان ابن عوائده و مألوفه لا ابن طبيعته و مزاجه فالذي ألفه في الأحوال حتى صار خلقاً و ملكة و عادة تنزل منزلة الطبيعة و الجبلة و اعتبر ذلك في الآدميين تجده كثيراً صحيحاً و الله يخلق ما يشاء.

الفصل السادس في أن معاناة أهل الحضر للأحكام مفسدة للبأس فيهم ذاهبة بالمنعة منهم
و ذلك أنه ليس كل أحد مالك أمر نفسه إذ الرؤساء و الأمراء المالكون لأمر الناس قليل بالنسبة إلى غيرهم فمن الغالب أن يكون الإنسان في ملكة غيره، و لا بد فإن كانت الملكة رفيقة و عادلة لا يعانى منها حكم و لا منع و صد كان الناس من تحت يدها مدلين بما في أنفسهم من شجاعة أو جبن واثقين بعدم الوازع حتى صار لهم الإذلال جبلة لا يعرفون سواها و أما إذا كانت الملكة و أحكامها بالقهر و السطوة و الإخافة فتكسر حينئذ من سورة بأسهم و تذهب المنعة عنهم لما يكون من التكاسل في النفوس المضطهدة كما نبينه و قد نهى عمر سعداً رضي الله عنهما عن مثلها لما أخذ زهرة بن حوبة سلب الجالنوس و كانت قيمته خمسة و سبعين ألفاً من الذهب و كان أتبع الجالنوس يوم القادسية فقتله و أخذ سلبه فانتزعه منه سعد و قال له هلا انتظرت في أتباعه إذني و كتب إلى عمر يستأذنه فكتب إليه عمر تعمد إلى مثل زهرة و قد صلى بما صلى به و بقى عليك ما بقى من حربك و تكسر فوقه و تفسد قلبه و أمضى له عمر سلبه و أما إذا كانت الأحكام بالعقاب فمذهبة للبأس بالكلية لأن وقوع العقاب به و لم يدافع عن نفسه يكسبه المذلة التي تكسر من سورة بأسه بلا شك و أما إذا كانت الأحكام تأديبية و تعليمية و أخذت من عند الصبا أثرت في ذلك بعض الشيء لمرباه على المخافة و الانقياد فلا يكون مدلاً ببأسه و لهذا نجد المتوحشين من العرب أهل البدو أشد بأساً ممن تأخذه الأحكام و نجد أيضاً الذين يعانون الأحكام و ملكتها من لدن مرباهم في التأديب و التعليم في الصنائع و العلوم و الديانات ينقص ذلك من بأسهم كثيراً و لا يكادون يدفعون عن أنفسهم عادية بوجه من الوجوه و هذا شأن طلبة العلم المنتحلين للقراءة و الأخذ عن المشايخ و الأيمة الممارسين للتعليم و التأديب في مجالس الوقار و الهيبة فيهم هذه الأحوال و ذهابها بالمنعة و البأس. و لا تستنكر ذلك بما وقع في الصحابة من أخذهم بأحكام الدين و الشريعة و لم ينقص ذلك من بأسهم بل كانوا أشد الناس بأساً لأن الشارع صلوات الله عليه لما أخذ المسلمون عنه دينهم كان وازعهم فيه من أنفسهم لما تلي عليهم من الترغيب و الترهيب و لم يكن بتعليم صناعي و لا تأديب تعليمي إنما هي أحكام الذين و آدابه المتلقاة نقلاً يأخذون أنفسهم بها بما رسخ فيهم من عقائد الإيمان و التصديق فلم تزل سورة بأسهم مستحكمة كما كانت و لم تخدشها أظفار التأديب و الحكم قال عمر رضي الله عنه ( من لم يؤدبه الشرع لا أدبه الله ) حرصاً على أن يكون الوازع لكل أحد من نفسه و يقيناً بأن الشارع أعلم بمصالح العباد و لما تناقص الدين في الناس و أخذوا بالأحكام الوازعة ثم صار الشرع علماً و صناعة يؤخز بالتعليم و التأديب و رجع الناس إلى الحضارة و خلق الانقياد إلى الأحكام نقصت يذلك سورة البأس فيهم فقد تبين أن الأحكام السلطانية و التعليمية مفسدة للبأس لأن الوازع فيها ذاتي و لهذا كانت هذه الأحكام السلطانية و التعليم مما تؤثر في أهل الحواضر في ضعف نفوسهم و حضد الشوكة منهم بمعاناتهم في وليدهم و كهولهم و البدو بمعزل من هذه المنزلة لبعدهم عن أحكام السلطان و التعليم و الآداب و لهذا قال محمد بن أبي زيد في كتابه في أحكام المعلمين و المتعلمين ( أنه لا ينبغي للمؤدب أن يضرب أحداً من الصبيان في التعليم فوق ثلاثة أسواط ) نقله عن شريح القاضي و احتج له بعضهم بما وقع في حديث بدء الوحي من شأن الغط و أنه كان ثلاث مرات و هو ضعيف و لا يصلح شأن الغط أن يكون دليلاً على ذلك لبعده عن التعليم المتعارف و الله الحكيم الخبير.

الفصل السابع في أن سكنى البدو لا تكون إلا للقبائل أهل العصبية
إعلم أن الله سبحانه ركب في طبائع البشر الخير و الشر كما قال تعالى و هديناه النجدين و قال فألهمها فجورها و تقواها و الشر أقرب الخلال إليه إذا أهمل في مرعى عوائده و لم يهذبه الاقتداء بالدين و على ذلك الجم الغفير إلا من وفقه الله و من أخلاق البشر فيهم الظلم و العدوان بعض على بعض فمن امتدت عينه إلى متاع أخيه فقل امتدت يده إلى أخذه إلا أن يصده وازع كما قال:
و الظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم
فأما المدن و الأمصار فعدوان بعضهم على بعض، تدفعه الحكام و الدولة بما قبضوا على أيدي من تحتهم من الكافة أن يمتد بعضهم على بعض أو يمدو عليه فهم مكبوحون بحكمة القهر و السلطان عن التظالم إلا إذا كان من الحاكم بنفسه و أما العدوان الذي من خالي المدينة فيدفعه سياج الأسوار عند الغفلة أو الغرة ليلاً أو العجز عن المقاومة نهاراً أو يدفعه ازدياد الحامية من أعوان الدولة عند الاستعداد و المقاومة و أما أحياء البدو فيزع بعضهم عن بعض مشائخهم و كبراؤهم بما وفر في نفوس الكافة لهم من الوقار و التجلة و أما حللهم فإنما يذود عنها من خارج حامية الحي من أنجادهم و فتيانهم المعروفين بالشجاعة فيهم و لا يصدق دفاعهم و ذيادهم إلا إذا كانوا عصبية و أهل نسب واحد لأنهم بذلك تشتد شوكتهم و يخشى جانبهم إذ نعرة كل أحد على نسبه و عصبيته أهم و ما جعل الله في قلوب عباده من الشفقة و النعرة على ذوي أرحامهم و قرباهم موجودة في الطبائع البشرية و بها يكون التعاضد و التناصر و تعظم رهبة العدو لهم و اعتبر ذلك فيما حكاة القرآن عن اخوة يوسف عليه السلام حين قالوا لأبيه لئن أكلة الذئب و نحن عصبة إلا إذاً لخاسرون و المعنى أنه لا يتوهم العدوان على أحد مع وجود العصبة له و أما المتفردون في أنسابهم فقل أن تصيب أحداً منهم نعرة على صاحبه فإذا أظلم الجو بالشر يوم الحرب تسلل كل واحد منهم يبغي النجاة لنفسه خيفة و استيحاشاً من التخاذل فلا يقدرون من أجل ذلك على سكنى القفر لما أنهم حينئذ طعمة لمن يلتهمهم من الأمم سواهم و إذا تبين ذلك في السكنى التي تحتاج للمدافعة و الحماية فبمثله يتبين لك في كل أمر يحمل الناس عليه من نبؤة أو إقامة ملك أو دعوة إذ بلوغ الغرض من ذلك كله إنما يتم بالقتال عليه لما في طبائع البشر من الاستعصاء و لا بد في القتال من العصبية كما ذكرناه آنفاً فاتخذه إماماً تقتدي به فيما نورده عليك بعد و الله الموفق للصواب.

الفصل الثامن في أن العصبية إنما تكون من الالتحام بالنسب أو ما في معناه
و ذلك أن صلة الرحم طبيعي في البشر إلا في الأقل و من صلتها النعرة على ذوي القربى و أهل الأرحام أن ينالهم ضيم أو تصيبهم هلكة فإن القريب يجد في نفسه غضاضة من ظلم قريبه أو العداء عليه و يود لو يحول بينه و بين ما يصله من المعاطب و المهالك نزعة طبيعية في البشر مذ كانوا فإذا كان النسب المتواصل بين المتناصرين قريباً جداً بحيث حصل به الاتحاد و الالتحام كانت الوصلة ظاهرة فاستدعت ذلك بمجردها و وضوحها و إذا بعد النسب بعض الشيء فربما تنوسي بعضها و يبقى منها شهر فتحمل على النصرة لذري نسبه بالأمر المشهور منه فراراً من الغضاضة التي يتوهمها في نفسه من ظلم من هو منسوب إليه بوجه و من هذا الباب الولاء و الحلف إذ نعرة كل أحد على أهل ولائه و حلفه للإلفة التي تلحق، النفس من اهتضام جارها أوقريبها أو نسيبها بوجه من وجوه النسب و ذلك لأجل اللحمة الحاصلة من الولاء مثل لحمة النسب أو قريباً منها و من هذا تفهم معنى قوله صلى الله عليه و سلم تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم بمعنى أن النسب إنما فائدته هذا الالتحام الذي يوجب صلة الأرحام حتى تقع المناصرة و النعرة و ما فوق ذلك مستغنى عنه إذ النسب أمر وهمي لا حقيقة له و نفعه إنما هو في هذه الوصلة و الالتحام فإذا كان ظاهراً واضحاً حمل النفوس على طبيعتها من النعرة كما قلناه وإذا كان إنما يستفاد من الخبر البعيد ضعف فيه الوهم و ذهبت فائدته و صار الشغل به مجاناً و من أعمال اللهو المنهي عنه و من هذا الاعتبار معنى قولهم النسب علم لا ينفع و جهالة لا تضر بمعنى أن النسب إذا خرج عن الوضوح و صار من قبيل العلوم ذهبت فائدة الوهم فيه عن النفس و انتفعت النعرة التي تحمل عليها العصبية فلا منفعة فيه حينئذ و الله سبحانه و تعالى أعلم.

الفصل التاسع في أن الصريح من النسب إنما يوحد للمتوحشين في القفر من العرب و من في معناهم
و ذلك لما اختصوا به من نكد العيش و شظف الأحوال و سوء المواطن حملتهم عليها الضرورة التي عينت لهم تلك القسمة و هي لما كان معاشهم من القيام على الإبل و نتاجها و رعايتها و الإبل تدعوهم إلى التوحش في القفر لرعيها من شجره و نتاجها في رماله كما تقدم و القفر مكان الشظف و السغب فصار لهم إلفاً و عادة و ربيت فيه أجيالهم حتى تمكنت خلقاً و جبلة فلا ينزع إليها أحد من الأمم أن يساهمهم في حالهم و لا يأنس بهم أحد من الأجيال بل لو وجد واحد منهم السبيل إلى الفرار من حاله و أمكنه ذلك لما تركه فيؤمن عليهم لأجل ذلك من اختلاط أنسابهم و فسادها و لا تزال بينهم محفوظة صريحة و اعتبر ذلك في مضر من قريش وكنانة و ثقيف و بني أسد و هديل و من جاورهم من خزاعة لما كانوا أهل شظف و مواطن غير ذات زرع و لا ضرع و بعدوا من أرياف الشام و العراق و معادن الأدم و الحبوب كيف كانت أنسابهم صريحة محفوظة لم يدخلها اختلاط و لا عرف فيها شوب. و أما العرب الذين كانوا بالتلول و في معادن الخصب للمراعي و العيش من حمير و كهلال مثل لخم و جذام و غسان و طي و قضاعة و إياد فاختلطت أنسابهم و تداخلت شعوبهم ففي كل واحد من بيوتهم من الخلاف عند الناس ما تعرف و إنما جاءهم ذلك من قبل العجم و مخالطتهم و هم لا يعتبرون المحافظة على النسب في بيوتهم و شعوبهم و إنما هذا للعرب فقط. قال عمر رضي الله تعالى عنه ( تعلموا النسب و لا تكونوا كنبط السواد ) إذا سئل أحدهم عن أصله قال من قرية كذا هذا أي ما لحق هؤلاء العرب أهل الأرياف من الازدحام مع الناس على البلد الطيب و المراعي الخصيبة فكثر الاختلاط و تداخلت الأنساب و قد كان وقع في صدر الإسلام الانتماء إلى المواطن فيقال جند قنسرين جند دمشق جند العواصم و انتقل ذلك إلى الأندلس و لم يكن لاطراح العرب أمر النسب و إنما كان لاختصاصهم بالمواطن بعد الفتح حتى عرفوا بها و صارت لهم علامة زائدة على النسب يتميزون بها عند أمرائهم ثم وقع الاختلاط في الحواضر مع العجم و غيرهم و فسدت الأنساب بالجملة و فقدت ثمرتها من العصبية فاطرحت ثم تلاشت القبائل و دثرت فدثرت العصبية بدثورها و بقي ذلك في البدو كما كان و الله وارث الأرض و من عليها.

الفصل العاشر في اختلاط الأنساب كيف يقع
إعلم أنه من البين أن بعضاً من أهل الأنساب يسقط إلى أهل نسب آخر بقرابة إليهم أو حلف أو ولاء أو لفرار من قومه بجناية أصابها فيدعي بنسب هؤلاء و يعد منهم في ثمراته من النعرة و القود و حمل الديات و سائر الأحوال و إذا و جدت ثمرات النسب فكأنه وجد لأنه لا معنى لكونه من هؤلاء و من هؤلاء إلا جريان أحكامهم و أحوالهم عليه و كأنه التحم بهم ثم أنه قد يتناسى النسب الأول بطول الزمان و يذهب أهل العليم به فيخفى على الأكثر و ما زالت الأنساب تسقط من شعب إلى شعب و يلتحم قوم بآخرين في الجاهلية و الإسلام و العرب و العجم. و انظر خلاف الناس في نسب أن المنذر و غيرهم يتبين لك شيء من ذلك و منه شأن بجيلة في عرفجة بن هرثمة لما ولاه عمر عليهم فسألوه الإعفاء منه و قالوا هو فينا لزيق أي دخيل و لصيق و طلبوا أن يولي عليهم جريراً فسأله عمر عن ذلك فقال عرفجة صدقوا يا أمير المؤمنين أنا رجل من الأزد أصبت دماً في قومي و لحقت بهم و انظر منه كيف اختلط عرفجة ببجيلة و لبس جلدتهم و دعي بنسبهم حتى ترشح للرئاسة عليهم لولا علم بعضهم بوشائجه و لو غفلوا عن ذلك و امتد الزمن لتنوسي بالجملة و عد منهم بكل وجه و مذهب فافهمه و اعتبر سر الله في خليقته و مثل هذا كثير لهذا العهد و لما قبله من العهود و الله الموفق للصواب بمنه و فضله و كرمه.

الفصل الحادي عشر في أن الرئاسة لا تزال في نصابها المخصوص من أهل المصبية
إعلم أن كل حي أو بطن من القبائل وإن كانوا عصابة واحدة لنسبهم العام ففيهم أيضاً عصبيات أخرى لأنساب خاصة هي أشد التحاماً من النسب العام لهم مثل عشير واحد أو أهل بيت واحد أو اخوة بني أب واحد لا مثل بني المم الأقربين أو الأبعدين فهؤلاء أقعد بنسبهم المخصوص و يشاركون من سواهم من العصائب في النسب العام و النعرة تقع من أهل نسبهم المخصوص و من أهل النسب العام إلا أنها في النسب الخاص أشد لقرب اللحمة و الرئاسة فيهم إنما تكون في نصاب واحد منهم و لا تكون في الكل و لما كانت الرئاسة إنما تكون بالغلب وجب أن تكون عصبية ذلك النصاب أقوى من سائر العصائب ليقع الغلب بها و تتم الرئاسة لأهلها فإذا وجب ذلك تعين أن الرئاسة عليهم لا تزال في ذلك النصاب المخصوص بأهل الغلب عليهم إذ لو خرجت عنهم و صارت في العصائب الأخرى النازلة عن عصابتهم في الغلب لما تفت لهم الرئاسة فلا تزال في ذلك النصاب متناقلة من فرع منهم إلى فرع و لا تنتقل إلا إلى الأقوى من فروعه لما قلناه من سر الغلب لأن الاجتماع و العصبية بمثابة المزاج للمتكون و المزاج في المتكون لا يصلح إذا تكافأت العناصر فلا بد من غلبة أحدها و إلا لم يتم التكوين فهذا هو سر اشتراط الغلب في العصبية و منه تعين استمرار الرئاسة في النصاب المخصوص بها كما قررناه.


الفصل الثاني عشر في أن الرئاسة على أهل المصبية لا تكون في غير نسبهم
و ذلك أن الرئاسة لا تكون إلا بالغلب و الغلب إنما يكون بالعصبية كما قدمناه فلا بد في الرئاسة على القوم أن تكون من عصبية غالبة لعصبياتهم واحدة واحدة لأن كل عصبية منهم إذا أحست بغلب عصبية الرئيس لهم أقروا بالإذعان و الاتباع و الساقط في نسبهم بالجملة لا تكون له عصبية فيهم بالنسب إنما هو ملصق لزيق و غاية التعصب له بالولاء و الحلف و ذلك لا يوجب له غلباً عليهم البتة و إذا فرضنا أنه قد التحم بهم و اختلط و تنوسي عهده الأول من الالتصاق و لبس جلدتهم و دعي بنسبهم فكيف له الرئاسة قبل هذا الالتحام أو لأحد من سلفه و الرئاسة على القوم إنما تكون متناقلة في منبت واحد تعين له الغلب بالعصبية فالأولية التي كانت لهذا الملصق قد عرف فيها التصاقه من غير شك و منعة ذلك الالتصاق من الرئاسة حينئذ فكيف تنوقلت عنه و هو على حال الإلصاق و الرئاسة لا بد و أن تكون موروثة عن مستحقها لما قلناه من التغلب بالعصبية و قد يتشوف كثير من الرؤساء على القبائل و العصائب إلى أنساب يلهجون بها إما لخصوصية فصيلة كانت في أهل ذلك النسب من شجاعة أو كرم أو ذكر كيف اتفق فينزعون إلى ذلك النسب و يتورطون بالدعوى في شعوبه و لا يعلمون ما يوقعون فيه أنفسهم من القدح في رئاستهم و الطعن في شرفهم و هذا كثير في الناس لهذا العهد فمن ذلك ما يدعيه زناتة جملة أنهم من العرب و منه ادعاء أولاد رباب المعروفين بالحجازيين من بني عامر أحد شعوب زغبة أنهم من بني سليم ثم من الشريد منهم لحق جدهم ببني عامر نجاراً يصنع الحرجان و أختلط بهم و التحم بنسبهم حتى رأس عليهم و يسمونه الحجازي. و من ذلك ادعاء بنى عبد القوي بن العباس بن توجين أنهم من ولد العباس بن عبد المطلب رغبة في هذا النسب الشريف و غلطا باسم العباس بن عطية أبى عبد القوي و لم يعلم دخول أحد من العباسين إلى المغرب لأنه كان منذ أول دولتيهم على دعوة العلويين أعدائهم من الأدارسة و العبيديين فكيف يكون من سبط العباس أحد من شيعة العلويين من و كذلك ما يدعيه أبناء زيان ملوك تلمسان من بني عبد الواحد أنهم من ولد القاسم بن إدريس ذهاباً إلى ما اشتهر في نسبهم أنهم من ولد القاسم فيقولون بلسانهم الزناتي أنت القاسم أي بنو القاسم ثم يدعون أن القاسم هذا هو القاسم بن إدريس أو القاسم بن محمد بن إدريس و لو كان ذلك صحيحاً فغاية القاسم هذا أنه فر من مكان سلطانه مستجيراً بهم فكيف تتم له الرئاسة عليهم في باديتهم و إنما هو غلط من قبل اسم القاسم فإنه كثير الوجود في الأدارسة فتوهموا أن قاسمهم من ذلك النسب و هم غير محتاجين لذلك فإن منالهم للملك و العزة إنما كان بعصبيتهم و لم يكن بادعاء علوية و لا عباسية و لا شيء من الأنساب و إنما يحمل على هذا المتقربون إلى الملوك بمنازعهم و مذاهبهم و يشتهر حتى يبعد عن الرد و لقد بلغني عن يغمراسن بن زيان مؤئل سلطانهم أنه لما قيل له ذلك أنكره و قال بلغته الزناتية ما معناه أما الدنيا و الملك فنلناهما بسيوفنا لا بهذا النسب و أما نفعهما في الآخرة فمردود إلى الله و أعرض عن التقرب إليه ما بذلك. و من هذا الباب ما يدعيه بنو سعد شيوخ بني يزيد من زغبة أنهم من ولد أبي بكر الصديق رضي الله عنه و بنو سلامة شيوخ بني يدللتن من توجين أنهم من سليم و الزواودة شيوخ رياح أنهم من أعقاب البرامكة و كذا بنو مهنا أمراء طيىء بالمشرق يدعون فيما بلغنا أنهم من أعقابهم و أمثال ذلك كثير و رئاستهم في قومهم مانعة من ادعاء هذه الأنساب كما ذكرناه بل تعين أن يكونوا من صريح ذلك النسب و أقوى عصبياته فاعتبره و اجتنب المغالط فيه و لا تجعل من هذا الباب إلحاق مهدي الموحدين بنسب العلوية فإن المهدي لم يكن من منبت الرئاسة في هرثمة قومه، و إنما رأس عليهم بعد اشتهاره بالعلم و الدين و دخول قبائل المصامدة في دعوته و كان مع ذلك من أهل المنابت المتوسطة فيهم و الله عالم الغيب و الشهادة.

الفصل الثالث عشر في أن البيت و الشرف بالأصالة و الحقيقة لأهل المصبية و يكون لغيرهم بالمجاز و الشبه
و ذلك أن الشرف و الحسب إنما هو بالخلال و معنى البيت أن يعد الرجل في آبائه أشرافا مذكورين يكون له بولادتهم إياه و الانتساب إليهم تجلة في أهل جلدته لما و قر في نفوسهم من تجلة سلفه و شرفهم بخلالهم و الناس في نشأتهم و تناسلهم معادن قال صلى الله عليه و سلم الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا فمعنى الحسب راجع إلى الأنساب و قد بينا أن ثمرة الأنساب و فائدتها إنما هي العصبية للنعرة و التناصر فحيث تكون العصبية مرهوبة و المنبت فيها زكي محمى تكون فائدة النسب أو صح و ثمرتها أقوى و تعديد الأشراف من الآباء زائد في فائدتها فيكون الحسب و الشرف أصليين في أهل العصبية لوجود ثمرة النسب و تفاوت البيوت في هذا الشرف بتفاوت العصبية لأنه سيرها و لا يكون للمنفردين من، أهل الأمصار بيت إلا بالمجاز و إن توهموه فزخرف من الدعاوى و إذا اعتبرت الحسب في أهل الأمصار و جدت معناه أن الرجل منهم يعد سلفاً في خلال الخير و مخالطة أهله مع الركون إلى العافية ما استطاع و هذا مغاير لسر العصبية التي هي ثمرة النسب و تعديد الآباء لكنه يطلق عليه حسب وبيت بالمجاز لعلامة ما فيه من تعديد الآباء المتعاقبين على طريقة واحدة من الخير و مسالكه و ليس حسباً بالحقيقة و على الإطلاق و أن ثبت إنه حقيقة فيهما بالوضع اللغوي فيكون من المشكك الذي هو في بعض مواضعه أولى و قد يكون للبيت شرف أول بالعصبية و الخلال ثم ينسلخون منه لذهابها بالحضارة كما تقدم و يختلطون بالغمار و يبقى في نفوسهم وسواس ذلك الحسب يعدون به أنفسهم من أشراف البيوتات أهل العصائب و ليسوا منها في شيء لذهاب العصبية جملة و كثير من أهل الأمصار الناشئين في بيوت العرب أو العجم لأول عهدهم موسوسون بذلك و أكثر ما رسخ الوسواس في ذلك لبني إسرائيل فإنه كان لهم بيت من أعظم بيوت العالم بالمنبت أولاً لما تعدد في سلفهم من الأنبياء و الرسل من لدن إبراهيم عليه السلام إلى موسى صاحب ملتهم و شريعتهم ثم بالعصبية ثانياً و ما أتاهم الله بها من الملك الذي وعدهم به ثم انسلخوا من ذلك أجمع و ضربت عليهم الذلة و المسكنة و كتب عليهم الجلاء في الأرض و انفردوا بالاستعباد للكفر آلافاً من السنين و ما زال هذا الوسواس مصاحباً لهم فتجدهم يقولون هذا هاروني هذا من نسل يوشع هذا من عقب كالب هذا من سبط يهوذا مع ذهاب العصبية و رسوخ الذل فيهم منذ أحقاب متطاولة و كثير من أهل الأمصار و غيرهم المنقطعين في أنسابهم عن العصبية يذهب إلى هذا الهذيان و قد غلط أبو الوليد بن رشد في هذا لما ذكر الحسب في كتاب الخطابة من تلخيص كتاب المعلم الأول و الحسب هو أن يكون من قوم قديم نزلهم بالمدينة و لم يتعرض لما ذكرناه و ليت شعري ما الذي ينفعه قدم نزلهم بالمدينة إنما لم تكن له عصابة يرهب بها جانبه و تحمل غيرهم على القبول منه فكأنه أطلق الحسب على تعديد الآباء فقط مع أن الخطابة إنما هي استمالة من تؤثر استمالته و هم أهل الحل و العقد و أما من لا قدرة له البتة فلا يلتفت إليه و لا يقدر على استمالة أحد و لا يستمال هو و أهل الأمصار من الحضر بهذه المثابة إلا أن ابن رشد ربا في جبل و بلد و لم يمارسوا العصبية و لا أنسوا أحوالهم فبقي في أمر البيت و الحسب على الأمر المشهور من تعديد الآباء على الإطلاق و لم يراجع فيه حقيقة العصبية و سرها في الخليقة و الله بكل شيء عليم.

الفصل الرابع عشر في أن البيت و الشرف للموالي و أهل الاصطناع إنما هو بمواليهم لا بأنسابهم
و ذلك أنا قدمنا أن الشرف بالأصالة و الحقيقة إنما هو لأهل العصبية فإذا اصطنع أهل العصبية قوماً من غير نسبهم أو استرقوا العبدان و الموالي و التحموا به كما قلناه ضرب معهم أولئك الموالي و المصطنعون بنسبهم في تلك العصبية و لبسوا جلدتها كأنها عصبتهم و حصل لهم من الانتظام في العصبية مساهمة في نسبها كما قال صلى الله تعالى عليه و سلم مولى القوم منهم و سواء كال مولى رق أو مولى اصطناع و حلف و ليس نسب ولادته بنافع له في تلك العصبية إذ هي مباينة لذلك النسب و عصبية ذلك النسب مفقودة لذهاب سرها عند التحامه بهذا النسب الآخر و فقدانه أهل عصبيتها فيصير من هؤلاء و يندرج فيهم فإذا تمددت له الآباء في هذه العصبية كان له بينهم شرف و بيت على نسبته في ولائهم و اصطناعهم لا يتجاوزه إلى شرفهم بل يكون أدون منهم على كل حال و هذا شأن الموالي في الدول و الخدمة كلهم فإنهم إنما يشرفون بالرسوخ في، ولاء الدولة و خدمتها و تعدد الآباء في ولايتها ألا ترى إلى موالي الأتراك في دولة بني العباس و إلى بني برمك من قبليهم و بني نوبخت كيف أدركوا البيت و الشرف و بنوا المجد و الأصالة بالرسوخ في ولاء الدولة فكان جعفر بن يحيى بن خالد من أعظم الناس بيتاً و شرفاً بالانتساب إلى ولاء الرشيد و قومه لا بالانتساب في الفرس و كذا موالي كل دولة و خدمها إنما يكون لهم البيت و الحسب بالرسوخ في ولائها و الأصالة في اصطناعها و يضمحل نسبه الأقدم من غير نسبها و يبقى ملغى لا عبرة به في أصالته و مجده و إنما المعتبر نسبة ولائه و اصطناعه إذ فيه سر العصبية التي بها البيت و الشرف فكان شرفه مشتقاً من شرف مواليه و بناؤه من بنائهم فلم ينفعه نسب ولادته و إنما بنى مجده نسب الولاء في الدولة و لحمة الاصطناع فيها و التربية و قد يكون نسبه الأول في لحمة عصبته و دولته فإذا ذهبت و صار ولأوه و اصطناعه في أخرى لم تنفعه الأولى لذهاب عصبيتها و انتفع بالثانية لوجودها و هذا حال بني برمك إذ المنقول أنهم كانوا أهل بيت في الفرس من سدنة بيوت النار عندهم و لما صاروا إلى ولاء بنى العباس لم يكن بالأول اعتبار و إنما كان شرفهم من حيث ولايتهم في الدولة و اصطناعهم و ما سوى هذا فوهم توسوس به النفوس الجامحة و لا حقيقة له و الوجود شاهد بما قلناه لم إن أكرمكم عند الله أتقاكم و الله و رسوله أعلم.

الفصل الخامس عشر في أن نهاية الحسب في العقب الواحد أربعة آباء
إعلم أن العالم العنصري بما فيه كائن فاسد لا من ذواته و لا من أحواله و المكونات من المعدن و النبات و جميع الحيوانات الإنسان و غيره كائنة فاسدة بالمعاينة و كذلك ما يعرض لها من الأحوال و خصوصا الإنسانية فالعلوم تنشأ ثم تدرس و كذا الصنائع و أمثالها و الحسب من العوارض التي تعرض للآدميين فهو كائن فاسد لا محالة و ليس يوجد لأحد من أهل الخليقة شرف متصل في آبائه من لدن آدم إليه إلا ما كان من ذلك للنبي صلى الله عليه و سلم كرامة به و حياطةً على السر فيه و أول كل شرف خارجية كما قيل، و هي الخروج عن الرئاسة و الشرف إلى الضعة و الابتذال و عدم الحسب و معناه أن كل شرف و حسب فعدمه سابق عليه شأن كل محدث ثم إن نهايته في أربعة آباء و ذلك أن باني المجد عالم يما عاناه في بنائه و محافظ على الخلال التي هي أسباب كونه و بقائه و ابنه من بعده مباشر لأبيه فقد سمع منه ذلك و أخذه عنه إلا أنه مقصر في ذلك تقصير السامع بالشيء عن المعاني له ثم إذا جاء الثالث كان حظه الاقتفاء و التقليد خاصة فقصر عن الثاني تقصير المقلد عن المجتهد ثم إذا جاء الرابع قصر عن طريقتيهم جملة و أضاع الخلال الحافظة لبناء مجدهم و احتقرها و توهم أن ذلك البنيان لم يكن بمعاناة و لا تكلف و إنما هو أمر وجب لهم منذ أول النشأة بمجرد انتسابهم و ليس بعصابة و لا بخلال لما يرى من التجلة بين الناس و لا يعلم كيف كان حدوثها و لا سببها و يتوهم أنه النسب فقط فيربأ بنفسه عن أهل عصيته و يرى الفصل له عليهم وثوقاً بما ربي فيه من استتباعهم و جهلاً بما أوجب ذلك الاستتباع من الخلال التي منها التواضع لهم و الأخذ بمجامع قلوبهم فيحتقرهم بذلك فينغصون عليه و يحتقرونه و يديلون منه سواه من أهل ذلك المنبت و من فروعه في غير ذلك العقب للإذعان لعصبيتهم كما قلناه بعد الوثوق بما يرضونه من خلاله فتنمو فروع هذا و تذوي فروع الأول و ينهدم بناء بيته هذا في الملوك و هكذا في بيوت القبائل و الأمراء و أهل العصبية أجمع ثم في بيوت أهل الأمصار إذا تحطمت بيوت نشأت بيوت أخرى من ذلك النسب إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد * وما ذلك على الله بعزيز و اشتراط الأربعة في الأحساب إنما هو في الغالب و إلا فقد يدثر البيت من دون الأربعة و يتلاشى و ينهدم و قد يتصل أمرها إلى الخامس و السادس إلا أنه في انحطاط و ذهاب و اعتبار الأربعة من قبل الأجيال الأربعة بأن و مباشر له و مقلد و هادم و هو أقل ما يمكن و قد اعتبرت الأربعة في نهاية الحسب في باب المدح و الثناء قال صلى الله عليه و سلم إنما الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم إشارة إلى أنه بلغ الغاية من المجد و في التوراة ما معناه أن الله ربك طائق غيور مطالب بذنوب الآباء للبنين على الثوالث و الروابع و هذا يدل على أن الأربعة الأعقاب غاية في الأنساب و الحسب. و في كتاب الأغاني في أخبار عزيف الغواني أن كسرى قال للنعمان هل في العرب قبيلة تتشرف على قبيلة قال نعم قال بأي شيء قال من كان له ثلاثة آباء متوالية رؤساء ثم تصل ذلك بكمال الرابع فالبيت من قبيلته و طلب ذلك فلم يجده إلا في آل حذيفة بن بدر الفزاري و هم بيت قيس و آل ذي الجدين بيت شيبان و آل الأشعث بن قيس من كندة و آل حاجب بن زرارة و آل قيس بن عاصم المنقري من بني تميم فجمع هؤلاء الرهط و من تبعهم من عشائرهم و أقعد لهم الحكام و العدول فقام حذيفة بن بدر ثم الأشعث بن قيس لقرابته من النعمان ثم بسطام بن قيس بن شيبان ثم حاجب بن زرارة ثم قيس بن عاصم و خطبوا و نثروا فقال كسرى كلهم سيد يصلح لموضعه و كانت هذه البيوتات هي المذكورة في العرب بعد بني هاشم و معهم بيت بني الذبيان من بنى الحرث بن كعب اليمني و هذا كله يدل على أن الأربعة الآباء نهاية في الحسب و الله أعلم.
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 01-09-2012, 10:00 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 19,229
افتراضي

الفصل السادس عشر في أن الأمم الوحشية أقدر على التغلب ممن سواها
إعلم أنه لماكانت البداوة سبباً في الشجاعة كما قلناه في المقدمة الثالثة لا جرم كان هذا الجيلالوحشي أشد شجاعة من الجيل الآخر فهم أقدر على التغلب و انتزاع ما في أيدي سواهم منالأمم بل الجيل الواحد تختلف أحواله في ذلك باختلاف الأعصار فكلما نزلوا الأرياف وتفنقوا النعيم و ألفوا عوائد الخصب في المعاش و النعيم، نقص من شجاعتهم بمقدار مانقص من توحشهم و بداوتهم و اعتبر ذلك في الحيوانات العجم بدواجن الظباء و البقرالوحشية و الحفر إذا زال توحشها بمخالطة الآدميين و أخصب عيشها كيف يختلف حالها فيالانتهاض و الشدة حتى في مشيتها و حسن أديمها و كذلك الآدمي المتوحش إذا أنس و ألفو سببه أن تكون السجايا و الطباخ إنما هو عن المألوفات و العوائد و إذا كان الغلبللأمم إنما يكون بالإقدام و البسالة فمن كان من هذه الأجيال أعرق في البداوة و أكثرتوحشاً كان أقرب إلى التغلب على سواه إذا تقاربا في العدد و تكافآ في القوة العصبيةو انظر في ذلك شأن مضر مع من قبلهم من حمير و كهلان السابقين إلى الملك و النعيم ومع ربيعة المتوطنين أرياف العراق و نعيمه لما بقي مضر في بداوتهم و تقدمهم الآخرونإلى خصب العيش و غضارة النعيم كيف أرهفت البداوة حدهم في التغلب فغلبوهم على ما فيأيديهم و انتزعوه منهم و هذا حال بني طيء و بني عامر بن صعصعة و بني سليم بن منصورو من بعدهم لما تأخروا في باديتهم عن سائر قبائل مضر و اليمن و لم يتلبسوا بشيء مندنياهم كيف أمسكت حال البداوة عليهم قوة عصبيتهم و لم تخلفها مذاهب الترف حتى صارواأغلب على الأمر منهم و كذا كل حي من العرب يلي نعيماً و عيشاً خصباً دون الحي الآخرفإن الحي المتبدي، يكون أغلب له و أقدر عليه إذا تكافآ في القوة و العدد سنة اللهفي خلقه.
الفصل السابع عشر في أن الغاية التي تجري إليها العصبية هي الملك
و ذلك لأناقدمنا أن العصبية بها تكون الحماية و المدافعة و المطالبة و كل أمر يجتمع عليه وقدمنا أن الآدميين بالطبيعة الإنسانيه يحتاجون في كل اجتماع إلى وازع و حاكم يزعبعضهم عن بعض فلا بد أن يكون متغلباً عليهم بتلك العصبية و إلا لم تتم قدرته علىذلك و هذا التغلب هو الملك و هو أمر زائد على الرئاسة لأن الرئاسة إنما هي سؤدد وصاحبها متبوع و ليس له عليهم قهر في أحكامه و أما الملك فهو التغلب و الحكم بالقهرو صاحبها متبوع و ليس له عليهم قهر في أحكامه. و أما الملك فهو التغلب و الحكمبالقوة و صاحب العصبية إذا بلغ إلى رتبة طلب ما فوقها فإذا بلغ رتبة السؤدد والاتباع و وجد السبيل إلى التغلب و القهر لا يتركه لأنه مطلوب للنفس و لا يتماقتدارها عليه إلا بالعصبية التي يكون بها متبوعاً فالتغلب الملكي غاية للعصبية كمارأيت ثم أن القبيل الواحد و إن كانت فيه بيوتات مفترقة و عصبيات متعددة فلا بد منعصبية تكون أقوى من جميعها تغلبها و تستتبعها وتلتحم جميع العصبيات فيها و تصيركأنها عصبية واحدة كبرى و إلا وقع الافتراق المفضي إلى الاختلاف و التنافسولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرضثم إذا حصل التغلبلتلك العصبية على قومها طلبت بطبعها التغلب على أهل عصبية أخرى بعيدة عنها فإنكافأتها أو مانعتها كانوا أقتالاً و أنظاراً و لكل واحدة منهما التغلب على حوزتها وقومها شأن القبائل و الأمم المفترقة في العالم و إن غلبتها و استتبعتها التحمت بهاأيضاً و زادت قوة في التغلب إلى قوتها و طلبت غاية من التغلب و التحكم أعلى منالغاية الأولى و أبعد و هكذا دائماً حتى تكافىء بقوتها قوة الدولة في هرمها و لميكن لها ممانع من أولياء الدولة أهل العصبيات استولت عليها و انتزعت الأمر من يدهاو صار الملك أجمع لها و إن انتهت قوتها و لم يقارن ذلك هرم، الدولة و إنما قارنحاجتها إلى الاستظهار بأهل العصبيات انتظمتها الدولة في أوليائها تستظهر بها على مايعن من مقاصدها و ذلك ملك آخر دون الملك المستبد و هو كما وقع للترك في دولة بنيالعباس و لصنهاجة و زناتة مع كتامة و لبني حمدان مع ملوك الشيعة من العلوية والعباسية فقد ظهر أن الملك هو غاية العصبية و أنها إذا بلغت إلى غايتها حصل للقبيلةالملك إما بالاستبداد أو بالمظاهرة على حسب ما يسعه الوقت المقارن لذلك و إن عاقهاعن بلوغ الغاية عوائق كما نبينه وقفت في مقامها إلى أن يقضي الله بأمره.
الفصل الثامن عشر في أن من عوائق الملك حصول الترف و انغماس القبيل في النعيم
وسبب ذلك أن القبيل إذا غلبت بعصبيتها بعض الغلب استولت على النعمة بمقداره و شاركتأهل النعم و الخصب في نعمتهم و خصبهم و ضربت معهم في ذلك بسهم و حصة بمقدار غلبها واستظهار الدولة بها فإن كانت الدولة من القوة بحيث لا يطمع أحد في انتزاع أمرها ولا مشاركتها فيه أذعن ذلك القبيل لولايتها و القنوع بما يسوغون من نعمتها و يشركونفيه من جبايتها و لم تسم آمالهم إلى شيء من منازع الملك و لا أسبابه إنما همتهمالنعيم و الكسب و خصب العيش و السكون في ظل الدولة إلى الدعة و الراحة و الأخذبمذاهب الملك في المباني و الملابس و الاستكثار من ذلك و التأنق فيه بمقدار ما حصلمن الرياش و الترف و ما يدعو إليه من توابع ذلك فتذهب خشونة البداوة و تضعف العصبيةو البسالة و يتنعمون فيما أتاهم الله من البسطة و تنشأ بنوهم و أعقابهم في مثل ذلكمن الترفع عن خدمة أنفسهم و ولاية حاجاتهم و يستنكفون عن سائر الأمور الضرورية فيالعصبية حتى يصير ذلك خلقاً لهم و سجية فتنقص عصبيتهم و بسالتهم في الأجيال بعدهميتعاقبها إلى أن تنقرض العصبية فيأذنون بالانقراض و على قدر ترفهم و نعمتهم يكونإشرافهم على الفناء فضلاً عن الملك فإن عوارض الترف و الغرق في النعيم كاسر من سورةالمصبية التي بها التغلب و إذا انقرضت العصبية قصر القبيل عن المدافعة و الحمايةفضلاً عن المطالبة و التهمتهم الأمم سواهم فقد تبين أن الترف من عوائق الملك و اللهيؤتي ملكه من يشاء.
الفصل التاسع عشر في أن من عوائق الملك المذلة للقبيل و الانقياد إلى سواهم
وسبب ذلك أن المذلة و الانقياد كاسران لسورة العصبية و شدتها فإن انقيادهم و مذلتهمدليل على فقدانها فما رئموا للمذلة حتى عجزوا عن المدافعة فأولى أن يكون عاجزاً عنالمقاومة و المطالبة و اعتبر ذلك في بني إسرائيل لما دعاهم موسى عليه السلام إلىملك الشام و أخبرهم بأن الله قد كتب لهم ملكهم كيف عجزوا عن ذلك و قالوا:إن فيها قوماً جبارين و إنا لن ندخلها حتى يخرجوا منهاأي يخرجهمالله تعالى منها بضرب من قدرته غير عصبيتنا و تكون من معجزاتك يا موسى و لما عزمعليهم لجوا و ارتكبوا العصيان و قالوا له:اذهب أنت و ربك فقاتلاو ما ذلك إلا لما أنسوا من أنفسهم من العجز عن المقاومة و المطالبة كماتقتضيه الآية و ما يؤثر في تفسيرها و ذلك بما حصل فيهم من خلق الانقياد و ما رئموامن الذل للقبط أحقاباً حتى ذهبت العصبية منهم جملة مع أنهم لم يؤمنوا حق الإيمانبما أخبرهم به موسى من أن الشام لهم و أن العمالقة الذين كانوا بأريحا فريستهم بحكممن الله قدره لهم فأقصروا عن ذلك و عجزوا تعويلاً على ما في أنفسهم من العجز عنالمطالبة لما حصل لهم من خلق المذلة و طعنوا فيما أخبرهم به نبيهم من ذلك و ماأمرهم به فعاقبهم الله بالتيه و هو أنهم تاهوا في قفر من الأرض ما بين الشام و مصرأربعين سنة لم يأووا فيها العمران و لا نزلوا مصراً و لا خالطوا بشراً كما قصهالقرآن لغلظة العمالقة بالشام و القبط بمصر عليهم لعجزهم عن مقاومتهم كما زعموه ويظهر من مساق الآية و مفهومها أن حكمة ذلك التيه مقصودة و هي فناء الجيل الذينخرجوا من قبضة الذل و القهر و القوة و تخلقوا به و أفسدوا من عصبيتهم حتى نشأ فيذلك التيه جيل آخر عزيز لا يعرف الأحكام و القهر و لا يساهم بالمذلة فنشأت بذلكعصبية أخرى اقتدروا بها على المطالبة و التغلب و يظهر لك من ذلك أن الأربعين سنةأقل ما يأتي فيها فناء جيل و نشأة جيل آخر سبحان الحكيم العليم و في هذا أوضح دليلعلى شأن العصبية و أنها هي التي تكون بها المدافعة و المقاومة و الحماية و المطالبةو أن من فقدها عجز عن جميع ذلك كله و لحق بهذا الفصل فيما يوجب المذلة للقبيل شأنالمغارم و الضرائب فإن القبيل الغارمين ما أعطوا اليد من ذلك حتى رضوا بالمذلة فيهلأن في المغارم و الضرائب ضيماً و مذلة لا تحتملها النفوس الأبية إلا إذا استهونتهعن القتل و التلف و أن عصبيتهم حينئذ ضعيفة عن المدافعة و الحماية و من كانت عصبيتهلا تدفع عنه الضيم فكيف له بالمقاومة و المطالبة و قد حصل له الانقياد للذل والمذلة عائقة كما قدمناه. و منه قوله صلى الله عليه و سلم شأن الحرث لما رأى سكةالمحراث في بعض دور الأنصارما دخلت هذه دار قوم إلا دخلهم الذلفهو دليل صريح على أن المغرم موجب للذلة هذا إلى ما يصحب ذل المغارم من خلقالمكر و الخديعة بسبب ملكة القهر فإذا رأيت القبيل بالمغارم في ربقة من الذل فلاتطمعن لها بملك آخر الدهر و من هنا يتبين لك غلط من يزعم أن زناتة بالمغرب كانواشاوية يودون المغارم لمن كان على عهدهم من الملوك و هو غلط فاحش كما رأيت إذ لو وقعذلك لما استتب لهم ملك و لا تمت لهم دولة و انظر فيما قاله شهر براز ملك الباب لعبدالرحمن بن ربيعة لما أطل عليه و سأل شهر براز أمانه على أن يكون له فقال أنا اليوممنكم يدي في أيديكم و صعري معكم فمرحباً بكم و بارك الله لنا و لكم و جزيتنا إليكمالنصر لكم و القيام بما تحبون و لا تذلونا بالجزية فتوهونا لعدوكم فاعتبر هذا فيماقلناه فإنه كاف.
الفصل العشرون ـ في أن من علامات الملك التنافس في الخلال الحميدة و بالعكس
لماكان الملك طبيعياً للإنسان لما فيه من طبيعة الاجتماع كما قلناه و كان الإنسان أقربإلى خلال الخير من خلال الشر بأصل فطرته و قوته الناطقة العاقلة لأن الشر إنما جاءهمن قبل القوى الحيوانية التي فيه و إما من حيث هو إنسان فهو إلى الخير و خلاله أقربو الملك و السياسة إنما كانا له من حيث هو إنسان لأنهما للإنسان خاصة لا للحيوانفإذاً خلال الخير فيه هي التي تناسب السياسة و الملك إذ الخير هو المناسب للسياسة وقد ذكرنا أن المجد له أصل يبنى عليه و تتحقق به حقيقته و هو العصبية و العشير و فرعيتمم و جوده و يكمله و هو الخلال و إذا كان الملك غاية للعصبية فهو غاية لفروعها ومتمماتها و هي الخلال لأن وجوده دون متمماته كوجود شخص مقطوع الأعضاء أو ظهورهعرياناً بين الناس لم إذا كان وجود العصبية فقط من غير انتحال الخلال الحميدة نقصاًفي أهل البيوت و الأحساب فما ظنك بأهل الملك الذي هو غاية لكل مجد و نهاية لكل حسبو أيضاً فالسياسة و الملك هي كفالة للخلق و خلافة لله في العباد لتنفيذ أحكامه فيهمو أحكام الله في خلقه و عباده إنما هي بالخير و مراعاة المصالح كما تشهد به الشرائعو أحكام البشر إنما هي من الجهل و الشيطان بخلاف قدرة الله سبحانه و قدره فإنه فاعلللخير و الشر معاً و مقدرهما إذ لا فاعل سواه فمن حصلت له العصبية الكفيلة بالقدرةو أونست منه خلال الخير المناسبة لتنفيذ أحكام الله في خلقه فقد تهيأ للخلافة فيالعباد و كفالة الخلق و وجدت فيه الصلاحية لذلك. و هذا البرهان أوثق من أن أول وأصح مبنى فقد تبين أن خلال الخير شاهدة بوجود الملك لمن و جدت له العصبية فإذانفرنا في أهل العصبية و من حصل لهم من الغلب على كثير من النواحي و الأمم فوجدناهميتنافسون في الخير و خلاله من الكرم و العفو عن الزلات و الاحتمال من غير القادر والقرى للضيوف و حمل الكل و كسب المعدم و الصبر على المكاره و الوفاء بالعهد و بذلالأموال في صون الأعراض و تعظيم الشريعة و إجلال العلماء الحاملين لها و الوقوف عندما يحددونه لهم من فعل أو ترك و حسن الظن بهم و اعتقاد أهل الدين و التبرك بهم ورغبه الدعاء منهم و الحياء من الأكابر و المشايخ و توقيرهم و إجلالهم و الانقيادإلى الحق مع الداعي إليه و إنصاف المستضعفين من أنفسهم و التبدل في أحوالهم والانقياد للحق و التواضع للمسكين و استماع شهوى المستغيثين و التدين بالشرائع والعبادات و القيام عليها و على أسبابها و التجافي عن الغدر و المكر و الخديعة و نقضالعهد و أمثال ذلك علمنا أن هذه خلق السياسة قد حصلت لديهم و استحقوا بها أن يكونواساسة لمن تحت أيديهم أو على العموم و أنه خير ساقه الله تعالى إليهم مناسب لعصبيتهمو غلبهم و ليس ذلك سدىً فيهم و لا وجد عبثاً منهم و الملك أنسب المراتب و الخيراتلعصبيتهم فعلمنا بذلك أن الله تأذن لهم بالملك و ساقه إليهم و بالعكس من ذلك إذاتأذن الله بانقراض الملك من أمة حملتهم على ارتكاب المذمومات و انتحال الرذائل وسلوك طرقها فتفقد الفصائل السياسية منهم جملة و لا تزال في انتقاص إلى أن يخرجالملك من أيديهم و يتبدل به سواهم ليكون نعياً عليهم في سلب ما كان الله قد أتاهممن الملك و جعل في أيديهم من الخيروإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنامترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراو استقرىء ذلك و تتبعهفي الأمم السابقة تجد كثيراً مما قلناه و رسمناه و الله يخلق ما يشاء و يختار واعلم أن من خلال الكمال التي يتنافس فيها القبائل ألو العصبية و تكون شاهدة لهمبالملك إكرام العلماء و الصالحين و الأشراف و أهل الأحساب و أصناف التجار و الغرباءو إنزال الناس منازلهم و ذلك أن إكرام القبائل و أهل العصبيات و العشائر لمنيناهضهم في الشرف و يجاد بهم حبل العشير و العصبية و يشاركهم في اتساع الجاه أمرطبيعي يحمل عليه في الأكثر الرغبة في الجاه أو المخافة من قوم المكرم أو التماسمثلها منه و أما أمثال هؤلاء من ليس لهم عصبية تتقى و لا جاه يرتجى فيندفع الشك فيشأن كرامتهم و يتمحض القصد فيهم أنه للمجد و انتحال الكمال في الخلال و الإقبال علىالسياسة بالكلية لأن إكرام أقتاله و أمثاله ضروي في السياسة الخاصة بين قبيلة ونظرائه و إكرام الطارئين من أهل الفضائل و الخصوصيات كمال في السياسة العامةفالصالحون للدين و العلماء للجاءي إليهم في إقامة مراسم الشريعة و التجار للترغيبحتى تعم المنفعة بما في أيديهم و الغرباء من مكارم الأخلاق و إنزال الناس منازلهممن الإنصاف و هو من العدل فيعلم بوجود ذلك من أهل عصبيته انتماؤهم للسياسة العامة وهي الملك و أن الله قد تأذن بوجودها فيهم لوجوب علاماتها و لهذا كان أول ما يذهب منالقبيل أهل الملك إذا تأذن الله تعالى بسلب ملكهم و سلطانهم إكرام هذا الصنف منالخلق فإذا رأيته قد ذهب من أمة من الأمم فاعلم أن الفضائل قد أخذت في الذهاب عنهمو ارتقب زوال الملك منهمو إذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد لهو الله تعالى أعلم.
الفصل الحادي و العشرون في أنه إذا كانت الأمة وحشية كان ملكها أوسع
و ذلكلأنهم أقدر على التغلب و الاستبداد كما قلناه و استعباد الطوائف لقدرتهم على محاربةالأمم سواهم و لأنهم يتنزلون من الأهلين منزلة المفترس من الحيوانات العجم و هؤلاءمثل العرب و زناتة و من في معناهم من الأكراد و التركمان و أهل اللثام من صنهاجة وأيضاً فهؤلاء المتوحشون ليس لهم وطن يرتافون منه و لا بلد يجنحون إليه فنسبةالأقطار و المواطن إليهم على السواء فلهذا لا يقتصرون على ملكة قطرهم و ما جاورهممن البلاد و لا يقفون عند حدود أفقهم بل يظفرون إلى الأقاليم البعيدة و يتغلبون علىالأمم النائية و انظر ما يحكى في ذلك عن عمر رضي الله عنه لما بويع و قام يحرضالناس على العراق فقال: إن الحجاز ليس لكم بدار إلا على النجعة و لا قوى عليه أهلهإلا بذلك أين القراء المهاجرون عن موعد الله سيروا في الأرض التي وعدكم الله فيالكتاب أن يورثكموها فقال:ليظهره على الدين كله و لو كرهالمشركونو اعتبر ذلك أيضاً بحال العرب السالفة من قبل مثل التبابعة و حميركيف كانوا يخطون من اليمن إلى المغرب مرة و إلى العراق و الهند أخرى و لم يكن ذلكلغير العرب من الأمم و كذا حال الملثمين من المغرب لما نزعوا إلى الملك طفروا منالإقليم الأول و مجالاتهم منه في جوار السودان إلى الإقليم الرابع و الخامس فيممالك الأندلس من غير واسطة و هذا شأن هذه الأمم الوحشية فلذلك تكون دولتهم أوسعنطاقاً و أبعد من مراكزها نهاية،و الله يقدر الليل و النهارو هو الواحد القهار لا شريك له.
الفصل الثاني و العشرون في أن الملك إذا ذهب عن بعض الشعوب من أمة فلا بد من عودهإلى شعب أخر منها ما دامت لهم العصبية
و السبب في ذلك أن الملك إنما حصل لهمبعد سورة الغلب و الإذعان لهم من سائر الأمم سواهم فيتعين منهم المباشرون للأمرالحاملون سرير الملك و لا يكون ذلك لجميعهم لما هم عليه من الكثرة التي يضيق عنهانطاق المزاحمة و الغيرة التي تجدع أنوف كثير من المتطاولين للرتبة فإذا تعين أولئكالقائمون بالدولة انغمسوا في النعيم و غرقوا في بحر الترف و الخصب و استعبدواإخوانهم من ذلك الجيل و أنفقوهم في وجوه الدولة و مذاهبها و بقي الذين بعدوا عنالأمر و كبحوا عن المشاركة في ظل من عز الدولة التي شاركوها بنسبهم و بمنجاة منالهرم لبعدهم عن الترف و أسبابه فإذا استولت على الأولين الأيام و أباد غضراءهمالهرم فطبختهم الدولة و أكل الدهر عليهم و شرب بما أرهف النعيم من حدهم و استقتغريزة الترف من مائهم و بلغوا غايتهم من طبيعة التمدن الإنساني و التغلب السياسيشعر.
كدود القز ينسج ثم يفنىبمركز نسجه في الانعكاس
كانت حينئذ عصبية الآخرين موفورة و سورة غلبهم من الكاسر محفوظة وشارتهم في الغلب معلومة فتسمو آمالهم إلى الملك الذي كانوا ممنوعين منه بالقوةالغالبة من جنس عصبيتهم و ترتفع المنازعة لما عرف من غلبهم فيستولون على الأمر ويصير إليهم و كذا يتفق فيهم مع من بقي أيضاً منتبذاً عنه من عشائر أمتهم فلا يزالالملك ملجئاً في الأمة إلى أن تنكسر سورة العصبية منها أو يفنى سائر عشائرها سنةالله في الحياة الدنياو الآخرة عند ربك للمتقينو اعتبرهذا بما وقع في العرب لما انقرض ملك عاد قام به من بعدهم إخوانهم من ثمود و منبعدهم إخوانهم العمالقة و من بعدهم إخوانهم من حمير أيضاً و من بعدهم إخوانهمالتبابعة من حمير أيضاً و من بعدهم الأذواء كذلك ثم جاءت الدولة لمضر و كذا الفرسلما انقرض أمر الكينية ملك من بعدهم الساسانية حتى تأذن الله بانقراضهم أجمعبالإسلام و كذا اليونانيون انقرض أمرهم و انتقل إلى إخوانهم من الروم و كذا البربربالمغرب لما انقرض أمر مغراوة و كتامة الملوك الأول منهم رجع إلى صنهاجة ثمالملثمين من بعدهم ثم من بقي من شعوب زناتة و هكذا سنة الله في عباده و خلقه و أصلهذا كله إنما يكون بالعصبية و هي متفاوتة في الأجيال و الملك يخلقه الترف و يذهبهكما سنذكره بعد فإذا انقرضت دولة فإنما يتناول الأمر منهم من له عصبية مشاركةلعصبيتهم التي عرف لها التسليم و الإنقياد و أونس منها الغلب، لجميع العصبيات وذلك إنما يوجد في النسب القريب منهم لأن تفاوت العصبية بحسب ما قرب من ذلك النسبالتي هي فيه أو بعد حتى إذا وقع في العالم تبديل كبير من تحويل ملة أو ذهاب عمرانأو ما شاء الله من قدرته فحينئذ يخرج عن ذلك الجيل إلى الجيل الذي يأذن الله بقيامهبذلك التبديل كما وقع لمضر حين غلبوا على الأمم و الدول و أخذوا الأمر من أيدي أهلالعالم بعد أن كانوا مكبوحين عنه أحقاباً.
الفصل الثالث و العشرون في أن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيهو نحلته و سائر أحواله و عوائده
و السبب في ذلك أن النفس أبداً تعتقد الكمال فيمن غلبها و انقادت إليه إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه أولما تغالط بهمن أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب فإذا غالطت بذلك و اتصل لهااعتقاداً فانتحلت جميع مذاهب الغالب و تشبهت به و ذلك هو الاقتداء أو لما تراه والله أعلم من أن غلب الغالب لها ليس بعصبية و لا قوة بأس لم إنما هو بما انتحلته منالعوائد و المذاهب تغالط أيضاً بذلك عن الغلب و هذا راجع للأول و لذلك ترى المغلوبيتشبه أبداً بالغالب في ملبسه و مركبه و سلاحه في اتخاذها و أشكالها بل و في سائرأحواله و انظر ذلك في الأبناء مع آبائهم كيف تجدهم متشبهين بهم دائماً و ما ذلك إلالاعتقادهم الكمال فيهم و انظر إلى كل قطر من الأقطار كيف يغلب على أهله زي الحاميةو جند السلطان في الأكثر لأنهم الغالبون لهم حتى أنه إذا كانت أمة تجاور أخرى و لهاالغلب عليها فيسري إليهم من هذا التشبه و الاقتداء حظ كبير كما هو في الأندلس لهذاالعهد مع أمم الجلالقة فإنك تجدهم يتشبهون بهم في ملابسهم و شاراتهم و الكثير منعوائدهم و أحوالهم حتى في رسم التماثيل في الجدان و المصانع و البيوت حتى لقديستشعر من ذلك الناظر بعين الحكمة أنه من علامات الاستيلاء و الأمر لله. و تأمل فيهذا سر قولهم العامة على دين الملك فإنه من بابه إذ الملك غالب لمن تحت يده والرعية مقتدون به لاعتقاد الكمال فيه اعتقاد الأبناء بآبائهم و المتعلمين بمعلميهمو الله العليم الحكيم و به سبحانه و تعالى التوفيق.
الفصل الرابع و العشرون في أن الأمة إذا غلبت و صارت في ملك غيرها أسرع إليهاالفناء
و السبب في ذلك و الله أعلم ما يحصل في النفوس من التكاسل إذا ملك أمرهاعليها و صارت بالاستعباد آلة لسواها و عالة عليهم فيقصر الأمل و يضعف التناسل والاعتمار إنما هو عن جدة الأمل و ما يحدث عنه من النشاط في القوى الحيوانية فإذاذهب الأمل بالتكاسل و ذهب ما يدعو إليه من الأحوال و كانت العصبية ذاهبة بالغلبالحاصل عليهم تناقص عمرانهم و تلاشت مكاسبهم و مساعيهم وعجزوا عن المدافعة عنأنفسهم بما خضد الغلب من شوكتيهم فأصبحوا مغلبين لكل متغلب و طعمةً لكل آكل و سواءكانوا حصلوا على غايتهم من الملك أم لم يحصلوا. و فيه و الله أعلم سر آخر و هو أنالإنسان رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له و الرئيس إذا غلب على رئاسته وكبح عن غاية عزه تكاسل حتى عن شبع بطنه و ري كبده و هذا موجود في أخلاق الأناسي. ولقد يقال مثله في الحيوانات المفترسة و أنها لا تسافد إلا إذا كانت في ملكةالآدميين فلا يزال هذا القبيل المملوك عليه أمره في تناقص و اضمحلال إلى أن يأخذهمالفناء و البقاء لله وحده و اعتبر ذلك في أمة الفرس كيف كانت قد ملأت العالم كثرة ولما فنيت حاميتهم في أيام العرب بقي منهم كثير و أكثر من الكثير يقال إن سعداً أحصىما وراء المدائن فكالوا مائة ألف و سبعة و ثلاثين ألفاً منهم سبعة و ثلاثون ألفاًرب بيت و لما تحصلوا في ملكة الغرب و قبضة القهر لم يكن بقاؤهم إلا قليلاً و دثرواكأن لم يكونوا و لا تحسبن أن ذلك لظلم نزل بهم أو عدوان شملهم فملكة الإسلام فيالعدل ما علمت و إنما هي طبيعة في الإنسان إذا غلب على أمر و صار آلة لغيره و لهذاإنما تذعن للرق في الغالب أمم السودان لنقص الإنسانية فيهم و قربهم من عرضالحيوانات العجم كما قلناه أو من يرجو بانتظامه في ربقة الرق حصول رتبة أو إفادةمال أو عز كما يقع لممالك الترك بالمشرق و العلوج من الجلالقة و الإفرنجة فإنالعادة جارية باستخلاص الدولة لهم فلا يأنفون من الرق لما يأملونه من الجاه والرتبة باصطفاء الدولة و الله سبحانه و تعالى أعلم و به التوفيق.
الفصل الخامس و العشرون في أن العرب لا يتغلبون إلا على البسائط
و ذلك أنهمبطبيعة التوحش الذي فيهم أهل انتهاب و عيث ينتهبون ما قدروا عليه من غير مغالبة ولا ركوب خطر و يفرون إلى منتجعهم بالقفر و لا يذهبون إلى الزاحفة و المحاربة إلاإذا دفعوا بذلك عن أنفسهم فكل معقل أو مستصعب عليهم فهم تاركوه إلى ما يسهل عنه ولا يعرضون له و القبائل الممتنعة عليهم بأوعار الجبال بمنجاة من عيثهم و فسادهملأنهم لا يتسنمون، إليهم الهضاب و لا يركبون الصعاب و لا يحاولون الخطر و أماالبسائط فمتى اقتدروا عليها بفقدان الحامية و ضعف الدولة فهي نهب لهم و طمعة لآكلهميرددون عليها الغارة و النهب و الزحف لسهولتها عليهم إلى أن يصبح أهلها مغلبين لهمثم يتعاورونهم باختلاف الأيدي و انحراف السياسة إلى أن ينقرض عمرانهم و الله قادرعلى خلقه و هو الواحد القهار لا رب غيره.
الفصل السادس و العشرون في أن العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب
والسبب في ذلك أنهم أمة وحشية باستحكام عوائد التوحش و أسبابه فيهم فصار لهم خلقاً وجبلةً و كان عندهم ملذوذاً لما فيه من الخروج عن ربقة الحكم و عدم الانقياد للسياسةو هذه الطبيعة منافية للعمران و مناقضة له فغاية الأحوال العادية كلها عندهم الرحلةو التغلب و ذلك مناقض للسكون الذي به العمران و فناف له فالحجر مثلاً إنما حاجتهمإليه لنصبه أثافي القدر فينقلونه من المباني و يخربونها عليه و يعدونه لذلك و الخشبأيضاً إنما حاجتهم إليه ليعمدوا به خيامهم و يتخذوا الأوتاد منه لبيوتهم فيخربونالسقف عليه لذلك فصارت طبيعة وجودهم منافية للبناء الذي هو أصل العمران هذا فيحالهم على العموم و أيضاً فطبيعتهم انتهاب ما في أيدي الناس و أن رزقهم في ظلالرماحهم و ليس عندهم في أخذ أموال الناس حد ينتهون إليه بل كلما امتدت أعينهم إلىمال أو متاع أو ماعون انتهبوه فإذا تم اقتدارهم على ذلك بالتغلب و الملك بطلتالسياسة في حفظ أموال الناس و خرب العمران و أيضاً فلأنهم يكلفون على أهل الأعمالمن الصنائع و الحرف أعمالهم لا يرون لها قيمة و لا قسطاً من الأجر و الثمن والأعمال كما سنذكره هي أصل المكاسب و حقيقتها و إذا فسدت الأعمال و صارت مجاناًضعفت الآمال في المكاسب و انقبضت الأيدي عن العمل و ابذعر الساكن و فسد العمران وأيضاً فإنهم ليست لهم عناية بالأحكام و زجر الناس عن المفاسد و دفاع بعضهم عن بعضإنما همهم ما يأخذونه من أموال الناس نهباً أو غرامة فإذا توصلوا إلى ذلك و حصلواعليه أعرضوا عما بعده من تسديد أحوالهم و النظر في مصالحهم و قهر بعضهم عن أغراضالمفاسد و ربما فرضوا العقوبات في الأموال حرصاً على تحصيل الفائدة و الجباية والاستكثار منها كما هو شأنهم و ذلك ليس بمغن في دفع المفاسد و زجر المتعرض لها بليكون ذلك زائداً فيها لاستسهال الغرم في جانب حصول الغرض فتبقى الرعايا في ملكتهمكأنها فوضى دون حكم و الفوضى مهلكة للبشر مفسدة للعمران بما ذكرناه من أن وجودالملك خاصة طبيعية للإنسان لا يستقيم وجودهم و اجتماعهم إلا بها و تقدم ذلك أولالفصل و أيضاً فهم متنافسون في الرئاسة و قل أن يسلم أحد منهم الأمر لغيره و لو كانأباه أو أخاه أو كبير عشيرته إلا في الأقل و على كره من أجل الحياء فيتعدد الحكاممنهم و الأمراء و تختلف الأيدي على الرعية في الجباية و الأحكام فيفسد العمران وينتقض. قال الأعرابي الوافد على عبد الملك لما سأله عن الحجاج و أراد الثناء عليهعنده بحسن السياسة و العمران فقال: تركته يظلم و حده و انظر إلى ما ملكوه و تغلبواعليه من الأوطان من لدن الخليقة كيف تقوض عمرانه و اقفر ساكنه و بدلت الأرض فيه غيرالأرض فاليمن قرارهم خراب إلا قليلاً من الأمصار و عراق العرب كذلك قد خرب عمرانهالذي كان للفرس أجمع و الشام لهذا العهد كذلك و أفريقية و المغرب لما جاز إليها بنوهلال و بنو سليم منذ أول المائة الخامسة و تمرسوا بها لثلاثمائة و خمسين من السنينقد لحق بها و عادت بسائطه خراباً كلها بعد أن كان ما بين السودان و البحر الروميكله عمراناً تشهد بذلك آثار العمران فيه من المعالم و تماثيل البناء و شواهد القرىو المدر و الله يرث الأرض و من عليها و هو خير الوارثين.
الفصل السابع و العشرون في أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أوولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة
و السبب في ذلك أنهم لخلق التوحش الذيفيهم أصعب الأمم انقياداً بعضهم لبعض للغلظة و الأنفة و بعد الهمة و المنافسة فيالرئاسة فقلما تجتمع أهواؤهم فإذا كان الدين بالنبؤة أو الولاية كان الوازع لهم منأنفسهم و ذهب خلق الكبر و المنافسة منهم فسهل انقيادهم و اجتماعهم و ذلك بما يشملهممن الدين المذهب للغلظة و الألفة الوازع عن التحاسد و التنافس فإذا كان فيهم النبيأو الولي الذي يبعثهم على القيام بأمر الله يذهب عنهم مذمومات الأخلاق و يأخذهمبمحمودها و يؤلف كلمتهم لإظهار الحق تم اجتماعهم و حصل لهم التغلب و الملك و هم معذلك أسرع الناس قبولاً للحق و الهدى لسلامة طباعهم من عوج الملكات و براءتها منذميم الأخلاق إلا ما كان من خلق التوحش القريب المعاناة المتهيء لقبول الخير ببقائهعلى الفطرة الأولى و بعده عما ينطبع في النفوس من قبيح العوائد و سوء الملكات فإنكل مولود يولد على الفطرة كما ورد في الحديث و قد تقدم.
الفصل الثامن و العشرون في أن العرب أبعد الأمم عن سياسة الملك
و السبب في ذلكأنهم أكثر بداوة من سائر الأمم و أبعد مجالاً في القفر و أغنى عن حاجات التلول وحبوبها لاعتيادهم لشظف و خشونة العيش فاستغنوا عن غيرهم فصعب انقياد بعضهم لبعضلإفلاهم ذلك و للتوحش و رئيسهم محتاج إليهم غالباً للعصبية التي بها المدافعة فكانمضطراً إلى إحسان ملكتهم و ترك مراغمتهم لئلا يختل عليه شأن عصبيته فيكون فيهاهلاكه و هلاكهم و سياسة الملك و السلطان تقتضي أن يكون السائس وازعاً بالقهر و إلالم تستقم سياسته و أيضاً فإن من طبيعتهم كما قدمناه أخذ ما في أيدي الناس خاصة والتجافي عما سوى ذلك من الأحكام بينهم و دفاع بعضهم عن بعض فإذا ملكوا أمة من الأممجعلوا غاية ملكهم الانتفاع بأخذ ما في أيديهم و تركوا ما سوى ذلك من الأحكام بينهمو ربما جعلوا العقوبات على المفاسد في الأموال حرصاً على تكثير الجبايات و تحصيلالفوائد فلا يكون ذلك وازعاً و ربما يكون باعثاً بحسب الأغراض الباعثة على المفاسدو استهانة ما يعطي من ماله في جانب غرضه فتنمو المفاسد بذلك و يقع تخريب العمرانفتبقى تلك الأمة كأنها فوضى مستطيلة أيدي بعضها على بعض فلا يستقيم لها عمران وتخرب سريعاً شأن الفوضى كما قدمناه فبعدت طباع العرب لذلك كله عن سياسة الملك وإنما يصيرون إليها بعد انقلاب طباعهم و تبدلها بصبغة دينية تمحو ذلك منهم و تجعلالوازع لهم من أنفسهم و تحملهم على دفاع الناس بعضهم عن بعض كما ذكرناه و اعتبر ذلكبدولتهم في الملة لما شيد لهم الدين أمر السياسة بالشريعة و أحكامها المراعيةلمصالح العمران ظاهراً و باطناً و تتابع فيها الخلفاء عظم حينئذ ملكهم و قويسلطانهم. كان رستم إذا رأى المسلمين يجتمعون للصلاة يقول أكل عمر كبدي يعلم الكلابالآداب ثم إنهم بعد ذلك انقطعت منهم عن الدولة أجيال نبذوا الدين فنسوا السياسة ورجعوا إلى قفرهم و جهلوا شأن عصبيتهم مع أهل الدولة ببعدهم في الانقياد و إعطاءالنصفة فتوحشوا كما كانوا و لم يبق لهم من اسم الملك إلا أنهم من جنس الخلفاء و منجيلهم و لما ذهب أمر الخلافة و امحي رسمها انقطع الأمر جملة من أيديهم و غلب عليهمالعجم دونهم و أقاموا في بادية قفارهم لا يعرفون الملك و لا سياسته بل قد يجهلالكثير منهم أنهم قد كان لهم ملك في القديم و ما كان في القديم لأحد من الأمم فيالخليقة ما كان لأجيالهم من الملك و دول عاد و ثمود و العمالقة و حمير و التبابعةشاهدة بذلك ثم دولة مضر في الإسلام بني أمية و بني العباس لكن بعد عهدهم بالسياسةلما نسوا الدين فرجعوا إلى أصلهم من البداوة و قد يحصل لهم في بعض الأحيان غلب علىالدول المستضعفة كما في المغرب لهذا العهد فلا يكون ماله و غايته إلا تخريب مايستولون عليه من العمران كما قدمناه و الله يؤتي ملكه من يشاء.
الفصل التاسع و العشرون في أن البوادي من القبائل و العصائب مغلوبون لأهل الأمصار
قد تقدم لنا أن عمران البادية ناقص عن عمران الحواضر و الأمصار لأن الأمورالضرورية في العمران ليس كلها موجودةً لأهل البدو. و إنما توجد لديهم في مواطنهمأمور الفلح و موادها معدومة و معظمها الصنائع فلا توجد لديهم في الكلية من نجار وخياط و حداد و أمثال ذلك مما يقيم لهم ضروريات معاشهم في الفلح و غيره و كذاالدنانير و الدراهم مفقودة لديهم و إنما بأيديهم أعواضها من مغل الزراعة و أعيانالحيوان أو فضلاته ألباناً و أوباراً و أشعاراً و إهاباً مما يحتاج إليه أهلالأمصار فيعوضونهم عنه بالدنانير و الدراهم إلا أن حاجتهم إلى الأمصار في الضروري وحاجة أهل الأمصار إليهم في الحاجي و الكمالي فهم محتاجون إلى الأمصار بطبيعة وجودهمفما داموا في البادية و لم يحصل لهم ملك و لا استيلاء على الأمصار فهم محتاجون إلىأهلها و يتصرفون في مصالحهم و طاعتهم متى دعوهم إلى ذلك و طالبوهم به و أن كان فيالمصر ملك كان خضوعهم و طاعتهم لغلب الملك و أن لم يكن في المصر ملك فلا بد فيه منرئاسة و نوع استبداد من بعض أهله على الباقين و إلا انتقض عمرانه و ذلك الرئيسيحملهم على طاعته و السعي في مصالحه إما طوعاً ببذل المال لهم ثم يبدي لهم مايحتاجون إليه من الضروريات في مصره فيستقيم عمرانهمم و إما كرهاً إن تمت قدرته علىذلك و لو بالتغريب بينهم حتى يحصل له جانب منهم يغالب به الباقين فيضطر الباقون إلىطاعته بما يتوقعون لذلك من فساد عمرانهم و ربما لا يسعهم مفارقة تلك النواحي إلىجهات أخرى لأن كل الجهات معمور بالبدو الذين غلبوا عليها و منعوها من غيرها فلا يجدهؤلاء ملجأ إلا طاعة المصر فهم بالضرورة مغلوبون لأهل الأمصار و الله قاهر فوقعباده و هو الواحد الأحد القهار.
الباب الثالث من الكتاب الأول في الدول العامة و الملك و الخلافة و المراتبالسلطانية و ما يعرض في ذلك كله من الأحوال و فيه قواعد و متممات ـ الفصل الأول فيأن الملك و الدولة العامة إنما يحصلان بالقبيل و العصبية
و ذلك أنا قررنا فيالفصل الأول أن المغالبة و الممانعة إنما تكون بالعصبية لما فيها من النعرة والتذامر و استماتة كل واحد منهم دون صاحبه. ثم أن الملك منصب شريف ملذوذ يشتمل علىجميع الخيرات الدنيوية و الشهوات البدنية و الملاذ النفسانية فيقع فيه التنافسغالباً و قل أن يسلمه أحد لصاحبه إلا إذا غلب عليه فتقع المنازعة و تفضي إلى الحربو القتال و المغالبة و شيء منها لا يقع إلا بالعصبية كما ذكرناه آنفاً و هذا الأمربعيد عن أفهام الجمهور بالجملة و متناسون له لأنهم نسوا عهد تمهيد الدولة منذ أولهاو طال أمد مرباهم في الحضارة و تعاقبهم فيها جيلاً بعد جيل فلا يعرفون ما فعل اللهأول الدولة إنما يدركون أصحاب الدولة و قد استحكمت صبغتهم و وقع التسليم لهم والاستغناء عن العصبية في تمهيد أمرهم و لا يعرفون كيف كان الأمر من أوله و ما لقيأولهم من المتاعب دونه و خصوصاً أهل الأندلس في نسيان هذه العصبية و أثرها لطولالأمد و استغنائهم في الغالب عن قوة العصبية بما تلاشى وطنهم و خلا من العصائب والله قادر على ما يشاء و هو بكل شيء عليم و هو حسبنا و نعم الوكيل.
الفصل الثاني في أنه إذا استقرت الدولة و تمهدت فقد تستغني عن العصبية
و السببفي ذلك أن الدول العامة في أولها يصعب على النفوس الانقياد لها إلا بقوة قوية منالغلب للغرابة و أن الناس لم يألفوا ملكها و لا اعتادوه فإذا استقرت الرئاسة في أهلالنصاب المخصوص بالملك في الدولة و توارثوه واحداً بعد آخر في أعقاب كثيرين و دولمتعاقبة نسيت النفوس شأن الأولية و استحكمت لأهل ذلك النصاب صبغة الرئاسة و رسخ فيالعقائد دين الانقياد لهم و التسليم و قاتل الناس معهم على أمرهم قتالهم علىالعقائد الإيمانية فلم يحتاجوا حينئذ في أمرهم إلى كبير عصابة بل كأن طاعتها كتابمن الله لا يبدل و لا يعلم خلافه و لأمر ما يوضع الكلام في الإمامة آخر الكلام علىالعقائد الإيمانية كأنه من جملة عقودها و يكون استظهارهم حينئذ على سلطانهم ودولتهم المخصوصة إما بالموالي و المصطنعين الذين نشأوا في ظل العصبية و غيرها و إمابالعصائب الخارجين عن نسبها الداخلين في ولايتها و مثل هذا و قع لبني العباس فإنعصبية العرب كانت فسدت لعهد دولة المعتصم و ابنه الواثق و استظهارهم بعد ذلك إنماكان بالموالي من العجم و الترك و الديلم و السلجوقية و غيرهم ثم تغلب العجمالأولياء على النواحي و تقلص ظل الدولة فلم تكن تعدو أعمال بغداد حتى زحف إليهاالديلم و ملكوها و صار الخلائق في حكمهم ثم انقرض أمرهم و ملك السلجوقية من بعدهمفصاروا في حكمهم ثم انقرض أمرهم و زحف آخر التتار فقتلوا الخليفة و محوا رسم الدولةو كذا صنهانجة بالمغرب فسدت عصبيتهم منذ المائة الخامسة أو ما قبلها و استمرت لهمالدولة متقلصة الظل بالمهدية و بجاية و القلعة و سائر ثغور أفريقية و ربما انتزىبتلك الثغور من نازعهم الملك و اعتصم فيها و السلطان و الملك مع ذلك مسلم لهم حتىتأذن الله بانقراض الدولة و جاء الموحدون بقوة قوية من العصبية في المصامدة فمحواآثارهم و كذا دولة بني أمية بالأندلس لما فسدت عصبيتها من العرب استولى ملوكالطوائف على أمرها و اقتسموا خطتها و تنافسوا بينهم و توزعوا ممالك الدولة و انتزىكل واحد منهم على ما كان في ولايته و شمخ بأنفه و بلغهم شأن العجم مع الدولةالعباسية فتلقبوا بألقاب الملك و لبسوا شارته و أمنوا ممن ينقص ذلك عليهم أو يغيرهلأن الأندلس ليس بدار عصائب و لا قبائل كما سنذكره و استمر لهم ذلك كما قال ابن شرف.
مما يزهدني في أرض أندلس أسماء معتصم فيها و معتضد
ألقاب مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخاً صورةالأسد
فاستظهروا على أمرهم بالموالي و المصطنعين و الطراء على الأندلسمن أهل العدوة من قبائل البربر و زناتة و غيرهم اقتداءً بالدولة في آخر أمرها فيالاستظهار بهم حين ضعفت عصبية العرب و استبد ا بن أ بي عامر على الدولة فكان لهمدول عظيمة استبدت كل واحدة منها بجانب من الأندلس و حظ كبير من الملك على نسبةالدولة التي اقتسموها و لم يزالوا في سلطانهم ذلك حتى جاز إليهم البجر المرابطونأهل العصبية القوية من لمتونة فاستبدلوا بهم و أزالوهم عن مراكزهم و محوا آثارهم ولم يقتدروا على مدافعتهم لفقدان العصبية لديهم فبهذه العصبية يكون تمهيد الدولة وحمايتها من أولها و قد ظن الطرطوشي أن حامية الدول بإطلاق هم الجند أهل العطاءالمفروض مع الآهلة ذكر ذلك في كتابه الذي سماه سراج الملوك و كلامه لا يتناول تأسيسالدول العامة في أولها و إنما هو مخصوص بالدول الأخيرة بعد التمهيد و استقرار الملكفي النصاب و استحكام الصبغة لأهله فالرجل إنما أدرك الدولة عند هرمها و خلق جدتها ورجوعها إلى الاستظهار بالموالي و الصنائع ثم إلى المستخدمين من ورائهم بالأجر علىالمدافعة فإنه إنما أدرك دول الطوائف و ذلك عند اختلال بنى أمية و انقراض عصبتها منالعرب و استبداد كل أمير بقطره و كان في إيالة المستعين بن هود و ابنه المظفر أهلسرقسطة و لم يكن بقي لهم من أمر العصبية شيء لاستيلاء الترف على العرب منذ ثلاثمائةمن السنين و هلاكهم و لم ير إلا سلطاناً مستبداً بالملك عن عشائره قد استحكمت لهصبغة الاستبداد منذ عهد الدولة و بقية العصبية فهو لذلك لا ينازع فيه و يستعين علىأمره بالأجراء من المرتزقة فأطلق الطرطوشي القول في ذلك لم يتفطن لكيفية الأمر منذأول الدولة و إنه لا يتم إلا لأهل العصبية فتفطن أنت له و افهم سر الله فيه و اللهيؤتي ملكه من يشاء.
الفصل الثالث: في أنه قد يحدث لبعض أهل النصاب الملكي دولة تستغني عن العصبية
و ذلك أنه إذا كان لعصبية غلب كثير على الأمم و الأجيال و في نفوس القائمينبأمره من أهل القاصية إذعان لهم و انقياد فإذا نزع إليهم هذا الخارج و انتبذ عن مقرملكه و منبت عزه اشتملوا عليه و قاموا بأمره و ظاهروه على شأنه و عنوا بتمهيد دولتهيرجون استقراره في نصابه و تناوله الأمر من يد أعياصه و جزاءه لهم على مظاهرتهباصطفائهم لرتب الملك و خططه من وزارة أو قيادة أو ولاية ثغر و لا يطمعون فيمشاركته في شيء من سلطانه تسليماً لعصبيته و انقياداً لما استحكم له و لقومه منصبغة الغلب في العالم و عقيدة إيمانية استقرت في الإذعان لهم فلو راموها معه أودونه لزلزلت الأرض زلزالها و هذا كما وقع للأدارسة بالمغرب الأقصى و العبيديينبأفريقية و مصر لما انتبذ الطالبيون من المشرق إلى القاصية و ابتعدوا عن مقرالخلافة و سموا إلى طلبها من أيدي بنى العباس بعد أن استحكمت الصبغة لبني عبد منافلبني أمية أولا ثم لبني هاشم من بعدهم فخرجوا بالقاصية من المغرب و دعوا لأنفسهم وقام بأمرهم البرابرة مرةً بعد أخرى فأوربة و مغيلة للأدارسة و كتامة و صنهاجة وهوارة للعبيديين فشيدوا دولتهم و مهدوا بعصائبهم أمرهم و اقتطعوا من ممالكالعباسيين المغرب كله ثم أفريقية و لم يزل ظل الدولة يتقلص و ظل العبيديين يمتد إلىأن ملكوا مصر و الشام والحجاز و قاسموهم في الممالك الإسلامية شق الأبلمة و هؤلاءالبرابرة القائمون بالدولة مع ذلك كلهم مسلمون للعبيديين أمرهم مذعنون لملكهم وإنما كانوا يتنافسون في الرتبة عندهم خاصة تسليماً لما حصل من صبغة الملك لبني هاشمو لما استحكم من الغلب لقريش و مضر على سائر الأمم فلم يزل الملك في أعقابهم إلى أنانقرضت دولة العرب بأسرها و الله يحكم لا معقب لحكمه.
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 01-09-2012, 10:02 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 19,229
افتراضي

الفصل الرابع: في أن الدولة العامة الاستيلاء العظيمة الملك أصلها الدين إما من نبوة أو دعوة حق
و ذلك لأن الملك إنما يحصل بالتغلب و التغلب إنما يكون بالعصبية و اتفاق الأهواء على المطالبة و جمع القلوب و تأليفها إنما يكون بمعونة من الله في إقامة دينه قال تعالى: لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم و سره أن القلوب إذا تداعت إلى أهواء الباطل و الميل إلى الدنيا حصل التنافس و فشا الخلاف و إذا انصرفت إلى الحق و رفضت الدنيا و الباطل و أقبلت على الله اتحدت و جهتها فذهب التنافس و قل الخلاف و حسن التعاون و التعاضد و اتسع نطاق الكلمة لذلك فعظمت الدولة كما نبين لك بعد أن شاء الله سبحانه و تعالى و به التوفيق لا رب سواه.

الفصل الخامس في أن الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة العصبية التي كانت لها من عددها
و السبب في ذلك كما قدمناه أن الصبغة الدينية تذهب بالتنافس و التحاسد الذي في أهل العصبية و تفرد الوجهة إلى الحق فإذا حصل لهم الاستبصار في أمرهم لم يقف لهم شيء لأن الوجهة واحدة و المطلوب متساو عندهم و هم مستميتون عليه و أهل الدولة التي هم طالبوها إن كانوا أضعافهم فأغراضهم متباينة بالباطل و تخاذلهم لتقية الموت حاصل فلا يقاومونهم و إن كانوا أكثر منهم بل يغلبون عليهم و يعاجلهم الفناء بما فيهم من الترف و الذل كما قدمناه و هذا كما وقع للعرب صدر الإسلام في الفتوحات فكانت جيوش المسلمين بالقادسية و اليرموك بضعةً و ثلاثين ألفاً في كل معسكر و جموع فارس مائة و عشرين ألفاً بالقادسية و جموع هرقل على ما قاله الواقدي أربعمائة ألف فلم يقف للعرب أحد من الجانبين و هزموهم و غلبوهم على ما بأيديهم و اعتبر ذلك أيضاً في دولة لمتونة و دولة الموحد ين فقد كان بالمغرب من القبائل كثير ممن يقاومهم في العدد و العصبية أو يشف عليهم إلا أن الاجتماع الديني ضاعف قوة عصبيتهم بالاستبصار و الاستماتة كما قلناه فلم يقف لهم شيء و اعتبر ذلك إذا حالت صبغة الدين و فسدت كيف ينتقض الأمر و يصير الغلب على نسبة العصبية وحدها دون زيادة الدين فتغلب الدولة من كان تحت يدها من العصائب المكافئة لها أو الزائدة القوة عليها الذين غلبتهم بمضاعفة الدين لقوتها و لو كانوا أكثر عصبية منها و أشد بداوةً و اعتبر هذا في الموحدين مع زناتة لما كانت زناتة أبدى من المصامدة و أشد توحشاً و كان للمصامدة الدعوة الدينية باتباع المهدي فلبسوا صبغتها و تضاعفت قوة عصبيتهم بها فغلبوا على زناتة أولاً و استتبعوهم و أن كانوا من حيث العصبية و البداوة أشد منهم فلما خلوا من تلك الصبغة الدينية انتقضت عليهم زناتة من كل جانب و غلبوهم على الأمر و انتزعوه منهم و الله غالب على أمره.

الفصل السادس في أن الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم
و هذا لما قدمناه من أن كل أمر تحمل عليه الكافة فلا بد له من العصبية و في الحديث الصحيح كما مر: ما بعث الله نبياً إلا في منعة من قومه و إذا كان هذا في الأنبياء و هم أولى الناس بخرق العوائد فما ظنك بغيرهم أن لا تخرق له العادة في الغلب بغير عصبية و قد وقع هذا لابن قسي شيخ الصوفية و صاحب كتاب خلع النعلين في التصوف ثار بالأندلس داعياً إلى الحق و سمي أصحابه بالمرابطين قبيل دعوة المهدي فاستتب له الأمر قليلاً لشغل لمتونة بما دهمهم من أمر الموحدين و لم تكن هناك عصائب و لا قبائل يدفعونه عن شأنه فلم يلبث حين استولى الموحدون على المغرب أن أذعن لهم و دخل في دعوتهم و تابعهم من معقله بحصن أركش و أمكنهم من ثغره و كان أول داعية لهم بالأندلس و كانت ثورته تسمى ثورة المرابطين و من هذا الباب أحوال الثوار القائمين بتغيير المنكر من العامة و الفقهاء فإن كثيراً من المنتحلين للعبادة و سلوك طرق الدين يذهبون إلى القيام على أهل الجور من الأمراء داعين إلى تغيير المنكر و النهي عنه و الأمر بالمعروف رجاءً في الثواب عليه من الله فيكثر أتباعهم و المتلثلثون بهم من الغوغاء و الدهماء و يعرضون أنفسهم في ذلك للمهالك و أكثرهم يهلكون في هذا السبيل مأزورين غير مأجورين لأن الله سبحانه لم يكتب ذلك عليهم و إنما أمر به حيث تكون القدرة عليه قال صلى الله عليه و سلم: من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فأن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه و أحوال الملوك و الدول راسخة قوية لا يزحزحها و يهدم بناءها إلا المطالبة القوية التي من ورائها عصبية القبائل و العشائر كما قدمناه و هكذا كان حال الأنبياء عليهم الصلاة و السلام في دعوتهم إلى الله بالعشائر و العصائب و هم المؤيدون من الله بالكون كله لو شاء، لكنه إنما أجرى الأمور على مستقر العادة و الله حكيم عليم فإذا ذهب أحد من الناس هذا المذهب و كان فيه محقاً قصر به الانفراد عن العصبية فطاح في هوة الهلاك و أما إن كان من المتلبسين بذلك في طلب الرئاسة فأجدر إن تعوقه العوائق و تنقطع به المهالك لأنه أمر الله لا يتم إلا برضاه و إعانته و الإخلاص له و النصيحة للمسلمين و لا يشك في ذلك مسلم و لا يرتاب فيه ذو بصيرة و أول ابتداء هذه النزعة في الملة ببغداد حين و قعت فتنة طاهر و قتل الأمين و أبطأ المأمون بخراسان عن مقدم العراق ثم عهد لعلي بن موسى الرضى من آل الحسين فكشف بنو العباس عن.
وجه النكير عليه و تداعوا للقيام و خلع طاعة المأمون و الاستبدال منه و بويع إبراهيم بن المهدي فوقع الهرج ببغداد و انطلقت أيدي الزعرة بها من الشطار و الحربية على أهل العافية و الصون و قطعوا السبيل و امتلأت أيديهم من نهاب الناس و باعوها علانية في الأسواق و استعدى أهلها الحكام فلم يعدوهم فتوافر أهل الدين و الصلاح على منع الفساق و كف عاديتهم و قام ببغداد رجل يعرف بخالد الدريوس و دعا الناس إلى الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فأجابه خلق و قاتل أهل الزعارة فغلبهم و أطلق يده فيهم بالضرب و التنكيل ثم قام من بعده رجل آخر من سواد أهل بغداد يعرف بسهل بن سلامة الأنصاري و يكنى أبا حاتم و علق مصحفاً في عنقه و دعا الناس إلى الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر و العمل بكتاب الله و سنة نبيه صلى الله عليه و سلم فاتبعه الناس كافةً من بين شريف و وضيع من بنى هاشم فمن دونهم و نزل قصر طاهر و أتخذ الديوان و طاف ببغداد و منع كل من أخاف المارة و منع الخفارة لأولئك الشطار و قال له خالد الدريوس أنا لا أعيب على السلطان فقال له سهل لكني أقاتل كل من خالف الكتاب و السنة كائناً من كان و ذلك سنة إحدى و مائتين و جهز له إبراهيم بن المهدي العساكر فغلبه و أسره و انحل أمره سريعاً و ذهب و نجا بنفسه ثم اقتدى بهذا العمل بعد كثير من الموسوسين يأخذون أنفسهم بإقامة الحق و لا يعرفون ما يحتاجون إليه في إقامته من العصبية و لا يشعرون بمغبة أمرهم و مآل أحوالهم و الذي يحتاج إليه في أمر هؤلاء إما المداواة إن كانوا من أهل الجنون و إما التنكيل بالقتل أو الضرب إن أحدثوا هرجاً و إما إذاعة السخرية منهم و عدهم من جملة الصفاعين و قد ينتسب بعضهم إلى الفاطمي المنتظر إما بأنه هو أو بأنه داع له و ليس مع ذلك على علم من أمر الفاطمي و لا ما هو و أكثر المنتحلين لمثل هذا تجدهم موسوسين أو مجانين أو ملبسين يطلبون بمثل هذه الدعوة رئاسةً امتلأت بها جوانحهم و عجزوا عن التوصل إليها بشيء من أسبابها العادية فيحسبون أن هذا من الأسباب البالغة بهم إلى ما يؤملونه من ذلك و لا يحسبون ما ينالهم فيه من الهلكة فيسرع إليهم القتل بما يحدثونه من الفتنة و تسوء عاقبة مكرهم و قد كان لأول هذه المائة خرج بالسوس رجل من المتصوفة يدعى التوبذري عمد إلى مسجد ماسة بساحل البحر هناك و زعم أنه الفاطمي المنتظر تلبيساً على العامة هنالك بما ملأ قلوبهم من الحدثان بانتظاره هنالك و أن من ذلك المسجد يكون أصل دعوته فتهافتت عليه طوائف من عامة البربر تهافت الفراش ثم خشي رؤساؤهم أتساع نطاق الفتنة فدس إليه كبير المصامدة يومئذ عمر السكسيوي من قتله في فراشه و كذلك خرج في غماره أيضاً لأول هذه المائة رجل يعرف بالعباس و ادعى مثل هذه الدعوة و اتبع نعيقه الأرذلون من سفهاء تلك القبائل و أغمارهم و زحف إلى بادس من أمصارهم و دخلها عنوة. ثم قتل لأربعين يوما من ظهور دعوته و مضى في الهالكين الأولين و أمثال ذلك كثير و الغلط فيه من الغفلة عن اعتبار العصبية في مثلها و أما إن كان التلبيس فأحرى أن لا يتم له أمر و أن يبوء بإثمه و ذلك جزاء الظالمين و الله سبحانه و تعالى أعلم و به التوفيق لا رب غيره و لا معبود سواه.

الفصل السابع في أن كل دولة لها حصة من الممالك و الأوطان لا تزيد عليها
و السبب في ذلك أن عصابة الدولة و قومها القائمين بها الممهدين لها لا بد من توزيعهم حصصاً على الممالك و الثغور التي تصير إليهم و يستولون عليها لحمايتها من العدو و إمضاء أحكام الدولة فيها من جباية و ردع و غير ذلك فإذا توزعت العصائب كلها على الثغور و الممالك فلا بد من نفاد عددها و قد بلغت الممالك حينئذ إلى حد يكون ثغراً للدولة و تخماً لوطنها و نطاقاً لمركز ملكها فإن تكفلت الدولة بعد ذلك زيادةً على ما بيدها بقى دون حاميةً و كان موضعاً لانتهاز الفرصة من العدو و المجاور و يعود وبال ذلك على الدولة بما يكون فيه من التجاسر و خرق سياج الهيبة و ما كانت العصابة موفورة و لم ينفد عددها في توزيع الحصص على الثغور و النواحي بقي في الدولة قوة على تناول ما وراء الغاية حتى ينفسح نطاقها إلى غايته و العلة الطبيعية في ذلك هي قوة العصبية من سائر القوى الطبيعية و كل قوة يصدر عنها فعل من الأفعال فشأنها ذلك في فعلها و الدولة في مركزها أشد مما يكون في الطرف و النطاق و إذا انتهت إلى النطاق الذي هو الغاية عجزت و أقصرت عما وراءه شأن الأشعة و الأنوار إذا انبعثت من المراكز و الدوائر المنفسحة على سطح الماء من النقر عليه ثم إذا أدركها الهرم و الضعف فإنما تأخذ في التناقص من جهة الأطراف و لا يزال المركز محفوظاً إلى أن يتأذن الله بانقراض الأمر جملة فحينئذ يكون انقراض المركز و إذا غلب على الدولة من مركزها فلا ينفعها بقاء الأطراف و النطاق بل تضمحل لوقتها فأن المركز كالقلب الذي تنبعث منه الروح فإذا غلب على القلب و ملك انهزم جميع الأطراف و انظر هذا في الدولة الفارسية كان مركزها المدائن فلما غلب المسلمون على المدائن انقرض أمر فارس أجمع و لم ينفع يزدجرد ما بقي بيده من أطراف ممالكه و بالعكس من ذلك الدولة الرومية بالشام لما كان مركزها القسطنطينية و غلبهم المسلمون بالشام تحيزوا إلى مركزهم بالقسطنطينية و لم يضرهم انتزاع الشام من أيديهم فلم يزل ملكهم متصلاً بها إلى أن تأذن الله بانقراضه و انظر أيضاً شأن العرب أول الإسلام لما كانت عصائبهم موفورة كيف غلبوا على ما جاورهم من الشام و العراق و مصر لأسرع وقت ثم تجاوزوا ذلك إلى ما وراءه من السند و الحبشة و أفريقية و المغرب ثم إلى الأندلس فلما تفرقوا حصصاً على الممالك و الثغور و نزلوها حامية و نفد عددهم في تلك التوزيعات أقصروا عن الفتوحات بعد و انتهى أمر الإسلام و لم يتجاوز تلك الحدود و منها تراجعت الدولة حتى تأذن الله بانقراضها و كذا كان حال الدول من بعد ذلك كل دولة على نسبة القائمين بها في القلة و الكثرة و عند نفاد عددهم بالتوزيع ينقطع لهم الفتح و الاستيلاء سنة الله في خلقه.

الفصل الثامن في أن عظم الدولة و اتساع نطاقها و طول أمدها على نسبة القائمين بها في القلة و الكثرة
و السبب في ذلك أن الملك إنما يكون بالعصبية و أهل العصبية هم الحامية الذين ينزلون بممالك الدولة و أقطارها و ينقسمون عليها فما كان من الدولة العامة قبيلها و أهل عصابتها أكثر كانت أقوى و أكثر ممالك و أوطاناً و كان ملكها أوسع لذلك و اعتبر ذلك بالدولة الإسلامية لما ألف الله كلمة العرب على الإسلام و كان عدد المسلمين في غزوة تبوك آخر غزوات النبي صلى الله عليه و سلم مائة ألف و عشرة آلاف من مضر و قحطان ما بين فارس و راجل إلى من أسلم منهم بعد ذلك إلى الوفاة فلما توجهوا لطلب ما في أيدي الأمم من الملك لم يكن دونه حمىً و لا وزر فاستبيح حمى فارس و الروم أهل الدولتين العظيمتين في العالم لعهدهم و الترك بالمشرق و الإفرنجة و البربر بالمغرب و القوط بالأندلس و خطوا من الحجاز إلى السوس الأقصى و من اليمن إلى الترك بأقصى الشمال و استولوا على الأقاليم السبعة ثم انظر بعد ذلك دولة صنهاجة و الموحدين مع العبيديين قبلهم لما كان كتامة القائمين بدولة العبيديين أكثر من صنهاجة و من المصامدة كانت دولتهم أعظم فملكوا أفريقية و المغرب و الشام و مصر و الحجاز ثم انظر بعد ذلك دولة زناتة لما كان عددهم أقل من المصامدة قصر ملكهم عن ملك الموحدين لقصور عددهم عن عدد المصامدة فمذ أول أمرهم ثم اعتبر بعد ذلك حال الدولتين لهذا العهد لزناتة بنى مرين و بني عبد الواد، كانت دولتهم أقوى منها و أسع نطاقاً و كان لهم عليهم الغلب مرة بعد أخرى. يقال أن عدد بني مرين لأول ملكهم كان ثلاثة آلاف و أن بني عبد الواد كانوا ألفاً إلا أن الدولة بالرفه و كثرة التابع كثرت من أعدادهم و على هذه النسبة في أعداد المتغلبين لأول الملك يكون أتساع الدولة و قوتها و أما طول أمدها أيضاً فعلى تلك النسبة لأن عمر الحادث من قوة مزاجه و مزاج الدول إنما هو بالعصبية فإذا كانت العصبية قوية كان المزاج تابعاً لها و كان أمد العمر طويلاً و العصبية إنما هي بكثرة العدد و وفوره كما قلناه و السبب الصحيح في ذلك أن النقص إنما يبدو في الدولة من الأطراف فإذا كانت ممالكها كثيرة كانت أطرافها بعيدةً عن مركزها و كثيرةً و كل نقص يقع فلا بد له من زمن فتكثر أزمان النقص لكثرة الممالك و اختصاص كل واحد منها بنقص و زمان فيكون أمدها أطول الدول لا بنو العباس أهل المركز و لا بنو أمية المستبدون بالأندلس و لم ينقص أمر جميعهم إلا بعد الأربعمائة من الهجرة و دولة العبيديين كان أمدها قريباً من مائتين و ثمانين سنة و دولة صنهاجة دونهم من لدن تقليد معز الدولة أمر أفريقية لبلكين بن زيري في سنة ثمان و خمسين و ثلاثمائة إلى حين استيلاء الموحدين على القلعة و بجاية سنة سبع و خمسين و خمسمائة و دولة الموحدين لهذا العهد تناهز مائتين و سبعين سنة و هكذا نسب الدول في أعمارها على نسبة القائمين بها سنة الله التي قد خلت في عباده.

الفصل التاسع في أن الأوطان الكثرة القبائل و العصائب قل أن تستحكم فيها دولة
و السبب في ذلك اختلاف الآراء و الأهواء و أن وراء كل رأي منها و هوىً عصبية تمانع دونها فيكثر الانتقاض على الدولة و الخروج عليها في كل وقت و أن كانت ذات عصبية لأن كل عصبية ممن تحت يدها تظن في نفسها منعةً و قوة و انظر ما و قع من ذلك بأفريقية و المغرب منذ أو ل الإسلام و لهذا العهد فإن ساكن هذه الأوطان من البربر أهل قبائل و عصبيات فلم يغن فيهم الغلب الأول الذي كان لابن أبى سرح عليهم و على الإفرنجة شيئاً و عاودوا بعد ذلك الثورة و الردة مرةً بعد أخرى و عظم الإثخان من المسلمين فيهم و لما استقر الدين عندهم عادوا إلى الثورة و الخروج و الأخذ بدين الخوارج مرات عديدةً قال ابن أبي زيد ارتدت البرابرة بالمغرب اثنتي عشرة مرة و لم تستقر كلمة الإسلام فيهم إلا لعهد ولاية موسى بن نصير فما بعده و هذا معنى ما ينقل عن عمر أن أفريقة مفرقة لقلوب أهلها إشارةً إلى ما فيها من كثرة العصائب و القبائل الحاملة لهم على عدم الإذعان و الانقياد و لم يكن العراق لذلك العهد بتلك الصفة و لا الشام إنما كانت حاميتها من فارس و الروم و الكافة دهماء أهل مدن و أمصار فلما غلبهم المسلمون على الأمر و انتزعوه من أيديهم لم يبق فيها ممانع و لا مشاق و البربر قبائلهم بالمغرب أكثر من أن تحص و كلهم بادية و أهل عصائب و عشائر و كلما هلكت قبيلة عادت الأخرى مكانها و إلى دينها من الخلاف و الردة فطال أمر العرب في تمهيد الدولة بوطن أفريقية و المغرب و كذلك كان الأمر بالشام لعهد بني إسرائيل كان فيه من قبائل فلسطين و كنعان و بني عيصو و بني مدين و بني لوط و الروم و اليونان و العمالقة و أكريكش و النبط من جانب الجزيرة و الموصل ما لا يحصى كثرة و تنوعا في العصبية فصعب على بني إسرائيل تمهيد دولتهم و رسوخ أمرهم و اضطرب عليهم الملك مرة بعد أخرى و سرى ذلك الخلاف إليهم فاختلفوا على سلطانهم و خرجوا عليه و لم يكن لهم ملك موطد سائر أيامهم إلى أن غلبهم الفرس ثم يونان ثم الروم آخر أمرهم عند الجلاء و الله غالب على أمره و بعكس هذا أيضا الأوطان الخالية من العصبيات يسهل تمهيد الدولة فيها و يكون سلطانها وازعا لقلة الهرج و الانتقاض و لا تحتاج الدولة فيها إلى كثير من العصبية كما هو الشأن في مصر و الشام لهذا العهد إذ هي خلو من القبائل و العصبيات كأن لم يكن الشام معدنا لهم كما قلناه فملك مصر في غاية الدعة و الرسوخ لقلة الخوارج و أهل العصائب إنما هو سلطان و رعية و دولتها قائمة بملوك الترك و عصائبهم يغلبون على الأمر واحدا بعد واحد و ينتقل الأمر فيهم من منبت إلى منبت و الخلافة مسماة للعباسي من أعقاب الخلفاء ببغداد و كذا شأن الأندلس لهذا العهد فإن عصبية ابن الأحمر سلطانها لم تكن لأول دولتهم بقوية و لا كانت كرات إنما يكون أهل بيت من بيوت العرب أهل الدولة الأموية بقوا من ذلك القلة و ذلك أن أهل الأندلس لما انقرضت الدولة العربية منهم و ملكهم البربر من لمتونة و الموحدين سئموا ملكتهم و ثقلت وطأتهم عليهم فأشربت القلوب بغضاءهم و أمكن الموحدون و السادة في آخر الدولة كثيرا من الحصون للطاغية في سبيل الاستظهار به على شأنهم من تملك الحضرة مراكش فاجتمع من كان بقي بها من أهل العصبية القديمة معادن من بيوت العرب تجافى بهم المنبت عن الحاضرة و الأمصار بعض الشيء و رسخوا في العصبية مثل ابن هود و ابن الأحمر و ابن مردنيش و أمثالهم فقام ابن هود بالأمر و دعا بدعوة الخلافة العباسية بالمشرق و حمل الناس على الخروج على الموحدين فنبذوا إليهم العهد و أخرجوهم و استقل ابن هود بالأمر في الأندلس ثم سما ابن الأحمر للأمر و خالف ابن هود في دعوته فدعا هؤلاء لابن أبي حفص صاحب أفريقية من الموحدين و قام بالأمر و تناوله بعصابة قريبة من قرابته كانوا يسمون الرؤساء و لم يحتج لأكثر منهم لقلة العصائب بالأندلس و إنها سلطان و رعية ثم استظهر بعد ذلك على الطاغية بمن يجيز إليه البحر من أعياص زناتة فصاروا معه عصبة على المثاغرة و الرباط ثم سما لصاحب من ملوك زناتة أمل في الاستيلاء على الأندلس فصار أولئك الأعياص عصابة ابن الأحمر على الامتناع منه إلى أن تأثل أمره و رسخ و ألفته النفوس و عجز الناس عن مطالبته و ورثة أعقابه لهذا العهد فلا تظن أنه بغير عصابة فليس كذلك و قد كان مبدأه بعصابة إلا أنها قليلة و على قدر الحاجة فإن قطر الأندلس لقلة العصائب و القبائل فيه يغني عن كثرة العصبية في التغلب عليهم و الله غني عن العالمين.

الفصل العاشر في أن من طبيعة الملك الانفراد بالمجد
و ذلك أن الملك كما قدمناه إنما هو بالعصبية و العصبية متألفة من عصبات كثيرة تكون واحدة منها أقوى من الأخرى كلها فتغلبها و تستولي عليها حتى تصيرها جميعاً في ضمنها و بذلك يكون الاجتماع و الغلب على الناس و الدول و سره أن العصبية العامة للقبيل هي مثل المزاج للمتكون و المزاج إنما يكون عن العناصر و قد تبين في موضعه أن العناصر إذا اجتمعت متكافئةً فلا يقع منها مزاج أصلاً بل لا بد من أن تكون واحدة منها هي الغالبة على الكل حتى تجمعها و تؤلفها و تصيرها عصبيةً واحدةً شاملةً لجميع العصائب و هي موجودة في ضمنها و تلك العصبية الكبرى إنما تكون لقوم أهل بيت و رئاسة فيهم، و لا بد من أن يكون واحد منهم رئيساً لهم غالباً عليهم فيتعين رئيساً للعصابات كلها لغلب منبته لجميعها و إذا تعين له ذلك فمن الطبيعة الحيوانية خلق الكبر و الأنفة فيأنف حينئذ من المساهمة و المشاركة في استتباعهم و التحكم فيهم و يجئ خلق التأله الذي في طباع البشر مع ما تقتضيه السياسة من انفراد الحاكم لفساد الكل باختلاف الحكام لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فتجدع حينئذ أنوف العصبيات و تفلح شكائمهم عن أن يسموا إلى مشاركته في التحكم و تقرع عصبيتهم عن ذلك و ينفرد به ما استطاع حتى لا يترك لأحد منهم في الأمر لا ناقة و لا جملاً فينفرد بذلك المجد بكليته و يدفعهم عن مساهمته و قد يتم ذلك للأول من ملوك الدولة و قد لا يتم إلا للثاني و الثالث على قدر ممانعة العصبيات و قوتها إلا أنه أمر لابد منه في الدول سنة الله التي قد خلت في عباده و الله تعالى أعلم.

الفصل الحادي عشر في أن من طبيعة الملك الترف
و ذلك أن الأمة إذا تغلبت و ملكت ما بأيدي أهل الملك قبلها كثر رياشها و نعمتها فتكثر عوائدهم و يتجاوزون ضرورات العيش و خشونته إلى نوافله و رقته و زينته و يذهبون إلى أتباع من قبلهم في عوائدهم و أحوالهم و تصير لتلك النوافل عوائد ضرورية في تحصيلها و ينزعون مع ذلك إلى رقة الأحوال في المطاعم و الملابس و الفرش و الآنية و يتفاخرون في ذلك و يفاخرون فيه غيرهم من الأمم في أكل الطيب و لبس الأنيق و ركوب الفاره و يناغي خلفهم في ذلك سلفهم إلى آخر الدولة و على قدر ملكهم يكون حظهم من ذلك و ترفهم فيه إلى أن يبلغوا من ذلك الغاية التي للدولة إلى أن تبلغها بحسب قوتها و عوائد من قبلها سنة الله في خلقه و الله تعالى أعلم.


الفصل الثاني عشر في أن من طبيعة الملك الدعة و السكون
و ذلك أن الأمة لا يحصل لها الملك إلا بالمطالبة و المطالبة غايتها الغلب و الملك و إذا حصلت الغاية انقضى السعي إليها قال الشاعر:
عجبت لسعي الدهر بيني و بينها فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر
فإذا حصل الملك أقصروا عن المتاعب التي كانوا يتكلفونها في طلبه و آثروا الراحة و السكون و الدعة و رجعوا إلى تحصيل ثمرات الملك من المباني و المساكن و الملابس فيبنون القصور و يجرون المياه و يغرسون الرياض و يستمتعون بأحوال الدنيا و يؤثرون الراحة على المتاعب و يتأنقون في أحوال الملابس و المطاعم و الآنية و الفرش ما استطاعوا و يألفون ذلك و ويورثونه من بعدهم من أجيالهم و لا يزال ذلك يتزايد فيهم إلى أن يتأذن الله بأمره و هو خير الحاكمين و الله تعالى أعلم.

الفصل الثالث عشر في أنه إذا تحكمت طبيعة الملك من الانفراد بالمجد و حصول الترف و الدعة أقبلت الدولة على الهرم
و بيانه من وجود الأول أنها تقتضي الانفراد بالمجد كما قلناه و مهما كان المجد مشتركاً بين العصابة و كان سعيهم له واحداً كانت هممهم في التغلب على الغير و الذب عن الحوزة أسوةً في طموحها و قوة شكائمها و مرماهم إلى العز جميعاً يستطيبون الموت في بناء مجدهم و يؤثرون الهلكة على فساده و إذا انفرد الواحد منهم بالمجد قرع عصبيتهم و كبح من أعنتهم و استأثر بالأموال دونهم فتكاسلوا عن الغزو و فشل ربحهم و رئموا المذلة و الاستعباد ثم ربي الجيل الثاني منهم على ذلك يحسبون ما ينالهم من العطاء أجراً من السلطان لهم عن الحماية و المعونة لا يجري في عقولهم سواه و قل أن يستأجر أحد نفسه على الموت فيصير ذلك وهناً في الدولة و خضداً من الشوكة و تقبل به على مناحي الضعف و الهرم لفساد العصبية بذهاب البأس من أهلها. و الوجه الثاني أن طبيعة الملك تقتضي الترف كما قدمناه فتكثر عوائدهم و تزيد نفقاتهم على أعطياتهم و لا يفي دخلهم بخرجهم فالفقير منهم يهلك و المترف يستغرق عطاءه بترفه ثم يزداد ذلك في أجيالهم المتأخرة إلى أن يقصر العطاء كله عن الترف و عوائده و تمسهم الحاجة و تطالبهم ملوكهم بحصر نفقاتهم في الغزو و الحروب فلا يجدون وليجةً عنها فيوقعون بهم العقوبات و ينتزعون ما في أيدي الكثير منهم يستأثرون به عليهم أو يؤثرون به أبناءهم و صنائع دولتهم فيضعفونهم لذلك عن إقامة أحوالهم و يضعف صاحب الدولة بضعفهم و أيضاً إذا كثر الترف في الدولة و صار عطاؤهم مقصراً عن حاجاتهم و نفقاتهم احتاج صاحب الدولة الذي هو السلطان إلى الزيادة في أعطياتهم حتى يسد خللهم و يزيح عللهم و الجباية مقدارها معلوم و لا تزيد و لا تنقص و أن زادت بما يستحدث من المكوس فيصير مقدارها بعد الزيادة محدوداً فإذا وزعت الجباية على الأعطيات و قد حدثت فيها الزيادة لكل واحد بما حدث من ترفهم و كثرة نفقاتهم نقص عدد الحامية حينئذ عما كان قبل زيادة الأعطيات ثم يعظم الترف و تكثر مقادير الأعطيات لذلك فينقص عدد الحامية و ثالثاً و رابعاً إلى أن يعود العسكر إلى أقل الأعداد فتضعف الحماية لذلك و تسقط قوة الدولة و يتجاسر عليها من يجاوزها من الدول أو من هو تحت يديها من القبائل و العصائب و يأذن الله فيها بالفناء الذي كتبه على خليقته و أيضاً فالترف مفسد للخلق بما يحصل في النفس من ألوان الشر و السفسفة و عوائدها كما يأتي في فصل الحضارة فتذهب منهم خلال الخير التي كانت علامة على الملك و دليلاً عليه و يتصفون بم يناقضها من خلال الشر فيكون علامة على الإدبار و الانقراض بما جعل من ذلك في خليقته و تأخذ الدولة مبادئ العطب و تتضعضع أحوالها و تنزل بها أمراض مزمنة من الهرم إلى أن يقضي عليها. الوجه الثالث أن طبيعة الملك تقتضي الدعة كما ذكرناه و إذا اتخذوا الدعة و الراحة مؤلفاً و خلقاً صار لهم ذلك طبيعةً و جبلةً شأن العوائد كلها و إيلافها فتربى أجيالهم الحادثة في غضارة العيش و مهاد الترف و الدعة و ينقلب خلق التوحش و ينسون عوائد البداوة التي كان بها الملك من شدة البأس و تعود الافتراس و ركوب البيداء و هداية القفر فلا يفرق بينهم و بين السوقة من الحضر إلا في الثقافة و الشارة فتضعف حمايتهم و يذهب بأسهم و تنخضد شوكتهم و يعود وبال ذلك على الدولة بما تلبس من ثياب الهرم ثم لا يزالون يتلونون بعوائد الترف و الحضارة و السكون و الدعة و رقة الحاشية في جميع أحوالهم و ينغمسون فيها و هم في ذلك يبعدون عن البداوة و الخشونة و ينسلخون عنها شيئاً فشيئاً و ينسون خلق البسالة التي كانت بها الحماية و المدافعة حتى يعودوا عيالاً على حامية أخرى أن كانت لهم و اعتبر ذلك في الدول التي أخبارها في الصحف لديك تجد ما قلته لك من ذلك صحيحاً من غير ريبة و ربما يحدث في الدولة إذا طرقها هذا الهرم بالترف و الراحة أن يتخير صاحب الدولة أنصاراً و شيعةً من غير جلدتهم ممن تعود الخشونة فيتخذهم جنداً يكون أصبر على الحرب و أقدر على معاناة الشدائد من الجوع و الشظف و يكون ذلك دواءً للدولة من الهرم الذي عساه أن يطرقها حتى يأذن الله فيها بأمره و هذا كما وقع في دولة الترك بالمشرق فإن غالب جندها الموالى من الترك فتتخير ملوكهم من أولئك المماليك المجلوبين إليهم فرساناً و جنداً فيكونون أجراً على الحرب و أصبر على الشظف من أبناء المماليك الذين كانوا قبلهم و ربوا في ماء النعيم و السلطان و ظله و كذلك في دولة الموحدين بأفريقية فإن صاحبها كثيراً ما يتخذ أجناده من زناتة و العرب ويستكثر منهم و يترك أهل الدولة المتعودين للترف فتستجد الدولة بذلك غفراً آخر سالماً من الهرم و الله وارث الأرض و من عليها.

الفصل الرابع عشر في أن الدولة لها أعمار طبيعية كما للأشخاص
إعلم أن العمر الطبيعي للأشخاص على ما زعم الأطباء و المنجمون مائة وعشرون سنةً و هي سنو القمر الكبرى عند المنجمين و يختلف العمر في كل جيل بحسب القرانات فيزيد عن هذا و ينقص منه فتكون أعمار بعض أهل القرانات مائة تامة و بعضهم خمسين أو ثمانين أو سبعين على ما تقتضيه أدلة القرانات عند الناظرين فيها و أعمار هذه الملة ما بين الستينن إلى السبعين كما في الحديث و لا يزيد على العمر الطبيعي الذي هو مائة و عشرون إلا في الصور النادرة و على الأوضاع الغريبة من الفلك كما و قع في شأن نوح عليه السلام و قليل من قوم عاد و ثمود. و أما أعمار الدول أيضاً و إن كانت تختلف بحسب القرانات إلا أن الدولة في الغالب لا تعدو أعمار ثلاثة أجيال و الجيل هو عمر شخص واحد من العمر الوسط فيكون أربعين الذي هو انتهاء النمو و النشوء إلى غايته قال تعالى: حتى إذا بلغ أشده و بلغ أربعين سنة و لهذا قلنا أن عمر الشخص الواحد هو عمر الجيل و يؤيده ما ذكرناه في حكمة التيه الذي وقع في بنى إسرائيل و أن المقصود بالأربعين فيه فناء الجيل الأحياء و نشأة جيل آخر لم يعهدوا الذل و لا عرفوه فدل على اعتبار الأربعين في عمر الجيل الذي هو عمر الشخص الواحد و إنما قلنا أن عمر الدولة لا يعدو في الغالب ثلاثة أجيال لأن الجيل الأول لم يزالوا على خلق البداوة و خشونتها و توحشها من شظف العيش و البسالة و الافتراس و الاشتراك في المجد فلا تزال بذلك سورة العصبية محفوظةً فيهم فحدهم مرهف و جانبهم مرهوب و الناس لهم مغلوبون و الجيل الثاني تحول حالهم بالملك و الترفه من البداوة إلى الحضارة و من الشظف إلى الترف و الخصب و من الاشتراك في المجد إلى انفراد الواحد به و كسل الباقين عن السعي فيه و من عز الاستطالة إلى ذل الاستكانة فتنكسر سورة العصبية بعض الشيء و تؤنس منهم المهانة و الخضوع و يبقى لهم الكثير من ذلك بما أدركوا الجيل الأول و باشروا أحوالهم و شاهدوا اعتزازهم و سعيهم إلى المجد و مراميهم في المدافعة و الحماية فلا يسعهم ترك ذلك بالكلية و إن ذهب منه ما ذهب و يكونون على رجاء من مراجعة الأحوال التي كانت للجيل الأول أو على ظن من وجودها فيهم و أما الجيل الثالث فينسون عهد البداوة و الخشونة كأن لم تكن و يفقدون حلاوة العز و العصبية بما هم فيه من ملكة القهر و يبلغ فيهم الترف غايته بما تبنقوه من النعيم و غضارة العيش فيصيرون عيالاً على الدولة و من جملة النساء و الولدان المحتاجين للمدافعة عنهم و تسقط العصبية بالجملة و ينسون الحماية و المدافعة و المطالبة و يلبسون على الناس في الشارة و الزي و ركوب الخيل و حسن الثقافة يموهون بها و هم في الأكثر أجبن من النسوان على ظهورها فإذا جاء المطالب لهم لم يقاوموا مدافعته فيحتاج صاحب الدولة حينئذ إلى الاستظهار بسواهم من أهل النجدة و يستكثر بالموالى و يصطنع من يغني عن الدولة بعض الغناء حتى يتأذن الله بانقراضها فتذهب الدولة بما حملت فهذه كما تراه ثلاثة أجيال فيها يكون هرم الدولة و تخلفها و لهذا كان انقراض الحسب في الجيل الرابع كما مر في أن المجد و الحسب إنما هو أربعة آباء و قد أتيناك فيه ببرهان طبيعي كاف ظافر مبني على ما مهدناه قبل من المقدمات فتأمله فلن تعدو وجه الحق إن كنت من أهل الإنصاف و هذه الأجيال الثلاثة عمرها مائة و عشرون سنة على ما مر و لا تعدو الدول في الغالب هذا العمر بتقريب قبله أو بعده إلا أن عرض لها عارض آخر من فقدان المطالب فيكون الهرم حاصلاً مستولياً و الطالب لم يحضرها و لو قد جاء الطالب لما وجد مدافعاً فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعةً و لا يستقدمون فهذا العمر للدولة بمثابة عمر الشخص من التزايد إلى سن الوقوف ثم إلى سن الرجوع و لهذا يجري على ألسنة الناس في المشهور أن عمر الدولة مائة سنة و هذا معناه فأعتبره و اتخذ منه قانوناً يصحح لك عدد الآباء في عمود النسب الذي تريده من قبل معرفة السنين الماضية إذا كنت قد استربت في عددهم و كانت السنون الماضية منذ أولهم محصلة لديك فعد لكل مائة من السنين ثلاثة من الآباء فإن نفدت على هذا القياس مع نفود عددهم فهو صحح و إن نقصت عنه بجيل فقد غلط عددهم بزيادة واحد في عمود النسب و أن زادت بمثله فقد سقط واحد و كذلك تأخذ عدد السنين من عددهم إذا كان محصلاً لديك فتأمله تجده في الغالب صحيحاً و الله يقدر الليل و النهار.

الفصل الخامس عشر في انتقال الدولة من البداوة إلى الحضارة
اعلم أن هذه الأطوار طبيعية للدول فإن الغلب الذي يكون به الملك إنما هو بالعصيبة و بما يتبعها من شدة البأس و تعود الافتراس و لا يكون ذلك غالباً إلا مع البداوة فطور الدولة من أولها بداوة ثم إذا حصل الملك تبعه الرفه و اتساع الأحوال و الحضارة إنما هي تفنن في الترف و إحكام الصنائع المستعملة في وجوهه و مذاهبه من المطابخ و الملابس و المباني و الفرش و الأبنية و سائر عوائد المنزل و أحواله فلكل واحد منها صنائع في استجادته و التأنق فيه تختص به و يتلو بعضها بعضاً و تتكثر باختلاف ما تنزع إليه النفوس من الشهوات و الملاذ والتنعم بأحوال الترف و ما تتلون به من العوائد فصار طور الحضارة في الملك يتبع طور البداوة ضرورة لضرورة تبعية الرفه للملك و أهل الدول أبداً يقلدون في طور الحضارة و أحوالها للدولة السابقة قبلهم. فأحوالهم يشاهدون، و منهم في الغلب يأخذون، و مثل هذا وقع للعرب لما كان الفتح و ملكوا فارس و الروم و استخدموا بناتهم و أبناءهم و لم يكونوا لذلك العهد في شيء من الحضارة فقد حكي أنه قدم لهم المرقق فكانوا يحسبونه رقاعاً و عثروا على الكافور في خزائن كسرى فاستعملوه في عجينهم ملحاً و مثال ذلك كثير فلما استعبدوا أهل الدول قبلهم و استعملوهم في مهنهم و حاجات منازلهم و اختاروا منهم المهرة في أمثال ذلك و القومة عليهم أفادوهم علاج ذلك و القيام على عمله و التفنن فيه مع ما حصل لهم من أتساع العيش و التفنن في أحواله فبلغوا الغاية في ذلك و تطوروا بطور الحضارة و الترف في الأحوال و استجادة المطاعم و المشارب و الملابس و المباني و الأسلحة و الفرش و آلانية و سائر الماعون و الخرثي و كذلك أحوالهم في أيام المباهاة و الولائم و ليالي الأعراس فأتوا من ذلك وراء الغاية و انظر ما نقلة المسعودي و الطبري و غيرهما في أعراس المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل و ما بذل أبوها لحاشية المأمون حين وافاه في خطبتها إلى داره بفم الصلح و ركب إليها في السفين و ما انفق في أملاكها و ما نحلها المأمون و أنفق في عرسها تقف من ذلك على العجب فمنة أن الحسن بن سهل نثر يوم الأملاك في الصنيع الذي حضره حاشية المأمون فنثر على الطبقة الأولى منهم بنادق المسك ملثوثةً على الرقاع بالضياع و العقار مسوغة لمن حصلت في يده يقع لكل واحد منهم ما أداه إليه الاتفاق و البخت و فرق على الطبقة الثانية بدر الدنانير في كل بدرة عشرة آلاف و فرق على الطبقة الثالثة بدر الدراهم كذلك بعد أن أنفق على مقامة المأمون بداره أضعاف ذلك و منه أن المأمون أعطاها في مهرها ليلة زفافها ألف حصاة من الياقوت و أوقد شموع العنبر في كل واحدة مائة من و هو رطل و ثلثان و بسط لها فرشاً كان الحصير منها منسوجاً بالذهب مكللاً بالدر و الياقوت و قال المأمون حين رآه قاتل الله أبا نواس كأنه أبصر هذا حيث يقول في صفة الخمر:
كأن صغرى و كبرى من فواقعها حصباء در على أرض من الذهب
و أعد بدار الطبخ من الحطب لليلة الوليمة نقل مائة و أربعين بغلاً مدة عام كامل ثلاث مرات في كل يوم و فني الحطب لليلتين و أوقدوا الجريد يصبون عليه الزيت و أوعز إلى النواتية بإحضار السفن لإجازة الخواص من الناس بدجلة من بغداد إلى قصور الملك بمدينة المأمون لحضور الوليمة فكانت الحراقات المعدة لذلك ثلاثين ألفاً أجازوا الناس فيها أخريات نهارهم و كثير من هذا و أمثاله و كذلك عرس المأمون بن ذي النون بطليطلة نقلة ابن سام في كتاب الذخيرة و ابن حيان بعد أن كانوا كلهم في الطور الأول من البداوة عاجزين عن ذلك جملةً لفقدان أسبابه و القائمين على صنائعه في غضاضتهم و سذاجتهم يذكر أن الحجاج أولم في اختتان بعض ولده فاستحضر بعض الدهاقين يسأله عن ولائم الفرس و قال أخبرني بأعظم صنيع شهدته فقال له نعم أيها الأمير شهدت بعض مرازبة كسرى و قد صنع لأهل فارس صنيعاً أحضر فيه صحاف الذهب على أخونة الفضة أربعاً على كل واحد و تحمله أربع و صائف و يجلس عليه أربعة من الناس فإذا طعموا أتبعوا أربعتهم المائدة بصحافها و وصفائها فقال الحجاج يا غلام انحر الجزر و أطعم الناس و علم أنه لا يستقل بهذه الأبهة و كذلك كانت. و من هذا الباب أعطية بنى أمية و جوائزهم فإنما كان أكثرها الإبل أخذاً بمذاهب العرب وبداوتهم ثم كانت الجوائز في دولة بنى العباس و العبيديين من بعدهم ما علمت من أحمال المال و تخوت الثياب و إعداد الخيل بمراكبها و هكذا كان شأن كتامة مع الأغالبة بأفريقية و كذا بنى طفج بمصر و شأن لمتونة مع ملوك الطوائف بالأندلس و الموحدين كذلك و شأن زناتة مع الموحدين و هلم جراً تنتقل الحضارة من الدول السالفة إلى الدول الخالفة فانتقلت حضارة الفرس للعرب بني أمية و بني العباس و انتقلت حضارة بنى أمية بالأندلس إلى ملوك المغرب من الموحدين و زناتة لهذا العهد و انتقلت حضارة بني العباس إلى الديلم ثم إلى الترك ثم إلى السلجوقية ثم إلى الترك المماليك بمصر و التتر بالعراقين و على قدر عظم لدولة يكون شأنها في الحضارة إذ أمور الحضارة من توابع الترف و الترف من توا بع الثروة و النعمة و الثروة و النعمة من توابع الملك و مقدار ما يستولي عليه أهل الدولة فعلى نسبة الملك يكون ذلك كله فاعتبره و تفهمه و تأمله تجده صحيحاً في العمران و الله وارث الأرض و من عليها و هو خير الوارثين.

الفصل السادس عشر في أن الترف يزيد الدولة في أولها قوة إلى قوتها
و السبب في ذلك أن القبيل إذا حصل لهم الملك و الترف كثر التناسل و الولد والعمومية فكثرت العصابة و استكثروا أيضاً من الموالى و الصنائع و ربيت أجيالهم في جو ذلك النعيم و الرفه فازدادوا به عدداً إلى عددهم و قوة إلى قوتهم بسبب كثرة العصائب حينئذ بكثرة العدد فإذا ذهب الجيل الأول و الثاني و أخذت الدولة في الهرم لم تستقل أولئك الصنائع و الموالى بأنفسهم في تأسيس الدولة و تمهيد ملكها لأنهم ليس لهم من الأمر شيء إنما كانوا عيالاً على أهلها و معونةً لها فإذا ذهب الأصل لم يستقل الفرع بالرسوخ فيذهب و يتلاشى و لا تبقى الدولة على حالها من القوة. و اعتبر هذا بما وقع في الدولة العربية في الإسلام.كان عدد العرب كما قلنا لعهد النبؤة و الخلاقة مائة و خمسين ألفا و ما يقاربها من مضر و قحطان و لما بلغ الترف مبالغة قي الدولة و توفر نموهم بتوفر النعمة و استكثر الخلفاء من الموالى و الصنائع بلغ ذلك العدد إلى أضعافه يقال إن المعتصم نازل عمورية لما افتتحها في تسعمائة ألف و لا يبعد مثل هذا العدد أن يكون صحيحاً إذا اعتبرت حاميتهم في الثغور الدانية و القاصية شرقاً و غرباً إلى الجند الحاملين سرير الملك و الموالى والمصطنعين و قال المسعودي أحصى بنو العباس ابن عبد المطلب خاصة أيام المأمون للإنفاق عليهم فكانوا ثلاثين ألفاً بين ذكران و إناث فانظر مبالغ هذا العدد لأقل من مائتي سنة و اعلم أن سببه الرفه و النعيم الذي حصل للدولة و ربى فيه أجيالهم و إلا فعدد العرب لأول الفتح لم يبلغ هذا و لا قريبا منة و الله الخلاق العليم.


الفصل السابع عشر في أطوار الدولة و اختلاف أحوالها و خلق أهلها باختلاف الأطوار
إعلم أن الدولة تنتقل في أطوار مختلفة و حالات متجددة و يكتسب القائمون بها في كل طور خلقاً من أحوال ذلك الطور لا يكون مثله في الطور الآخر لأن الخلق تابع بالطبع لمزاج الحال الذي هو فيه و حالات الدولة و أطوارها لا تعدو في الغالب خمسة أطوار. الطور الأول طور الظفر بالبغية و غلب المدافع و الممانع و الاستيلاء على الملك و انتزاعه من أيدي الدولة في هذا الطور أسوة قومه في اكتساب المجد و جباية المال و المدافعة عن الحوزة و الحماية لا ينفرد دونهم بشيء لأن ذلك هو مقتضى العصبية التي وقع بها الغلب وهي لم تزل بعد بحالها. الطور الثاني طور الاستبداد على قومه و الانفراد دونهم بالملك و كبحهم عن التطاول للمساهمة و المشاركة و يكون صاحب الدولة في هذا الطور معنياً باصطناع الرجال و اتخاذ الموالى و الصنائع و الاستكثار من ذلك لجدع الموت أهل عصبيته و عشيرته المقاسمين له في نسبة الضاربين في الملك بمثل سهمه فهو يدافعهم عن الأمر و يصدهم عن موارده و يردهم على أعقابهم، أن يخلصوا إليه حتى يقر الأمر في نصابه و يفرد أهل بيته بما يبني من مجده فيعانى من مدافعتهم و مغالبتهم مثل ما عاناه الأولون في طلب الأمر أو أشد لأن الأولين دافعوا الأجانب فكان ظهراؤهم على مدافعتهم أهل العصبية بأجمعهم و هذا يدافع الأقارب لا يظاهره على مدافعتهم إلا الأقل من الأباعد فيركب صعباً من الأمر. الطور الثالث طور الفراغ و الدعة لتحصيل ثمرات الملك مما تنزع طباع البشر إليه من تحصيل المال و تخليد الآثار و بعد الصيت فيستفرغ وسعه في الجباية و ضبط الدخل و الخرج و إحصاء النفقات و القصد فيها و تشييد المباني الحافلة و المصانع العظيمة و الأمصار المتسعة و الهياكل المرتفعة و إجازة الوفود من أشراف الأمم و وجوه القبائل و بث المعروف في أهله هذا مع التوسعة على صنائعه و حاشيته في أحوالهم بالمال و الجاه واعتراض جنوده و إدرار أرزاقهم و إنصافهم في أعطياتهم لكل هلال حتى يظهر أثر ذلك عليهم في ملابسهم و شكثهم و شاراتهم يوم الزينة فيباهي بهم الدول المسالمة و يرهب الدول المحاربة و هذا الطور آخر أطوار الاستبداد من أصحاب الدولة لأنهم في هذه الأطوار كلها مستقلون بآرائهم بانون لعزهم موضحون الطرق لمن بعدهم. طور القنوع و المسالمة و يكون صاحب الدولة في هذا قانعاً بما بنى أولوه سلماً لأنظاره من الملوك و أقتاله مقلداً للماضين من سلفه فيتبع آثارهم حذو النعل بالنعل و يقتفي طرقهم بأحسن مناهج الاقتداء و يرى أن في الخروج عن تقليدهم فساد أمره و أنهم أبصر بما بنوا من مجده. الطور الخامس طور الإسراف و التبذير و يكون صاحب الدولة في هذا الطور متلفاً لما جمع أولوه في سبيل الشهوات و الملاذ و الكرم على بطانته و في مجالسه و اصطناع أخدان السوء و خضراء الدمن و تقليدهم عظيمات الأمور التي لا يستقلون بحملها و لا يعرفون ما يأتون منها يذرون منها مستفسداً لكبار الأولياء من قومه و صنائع سلفه حتى يضطغنوا عليه و يتخاذلوا عن نصرته مضيعاً من جنده بما أنفق من أعطياتهم في شهواته و حجب عنهم وجه مباشرته و تفقده فيكون مخرباً لما كان سلفه يؤسسون و هادماً لما كانوا يبنون و في هذا الطور تحصل في الدولة طبيعة الهرم و يستولي عليها المرض المزمن الذي لا تكاد تخلص منه و لا يكون لها معه برء إلى أن تنقرض كما نبينه في الأحوال التي نسردها و الله خير الوارثين.

الفصل الثامن عشر في أن آثار الدولة كلها على نسبة قوتها في أصلها
و السبب في ذلك أن الآثار إنما تحدث عن القوة التي بها كانت أولاً و على قدرها يكون الأثر فمن ذلك مباني الدولة و هياكلها العظيمة فإنما تكون على نسبة قوة الدولة في أصلها لأنها لا تتم إلا بكثرة الفعلة و اجتماع الأيدي على العمل بالتعاون فيه فإذا كانت الدولة عظيمة فسيحة الجوانب كثيرة الممالك و الرعايا كان الفعلة كثيرين جداً و حشروا من آفاق الدولة و أقطارها فتم العمل على أعظم هياكله ألا ترى إلى مصانع قوم عاد و ثمود و ما قصة القرآن عنهما.
و انظر بالمشاهدة إيوان كسرى و ما أقتدر فيه الفرس حتى أنه عزم الرشيد على هدمه و تخريبه فتكاءد عنه و شرع فيه ثم أدركه العجز و قصة استشارته ليحيى بن خالد في شأنه معروفة فانظر كيف تقتدر دولة على بناء لا تستطيع أخرى على هدمه مع بون ما بين الهدم و البناء في السهولة. تعرف من ذلك بون ما بين الدولتين و انظر إلى بلاط الوليد بدمشق و جامع بنى أمية بقرطبة و القنطرة التي على واديها كذلك بناء الحنايا لجلب الماء إلى قرطاجنة في القناة الراكبة عليها آثار شرشال بالمغرب و الأهرام بمصر و كثير من هذه الآثار الماثلة للعيان يعلم منه اختلف الدول في القوة و الضعف و اعلم أن تلك الأفعال للأقدمين إنما كانت بالهندام و اجتماع الفعلة و كثرة الأيدي عليها فبذلك شيدت تلك الهياكل و المصانع و لا تتوهم ما تتوهمه العامة أن ذلك لعظم أجسام الأقدمين عن أجسامنا في أطرافها و أقطارها فليس بين البشر في ذلك كبير بون كما نجد بين الهياكل و الآثار و لقد ولع القصاص بذلك و تغالوا فيه و سطروا عن عاد و ثمود و العمالقة في ذلك أخباراً عريقة في الكذب من أغربها ما يحكون عن عوج بن عناق رجل من العمالقة الذين قاتلهم بنو إسرائيل في الشام زعموا أنه كان لطوله يتناول السمك من البحر و يشويه إلى الشمس و يزيدون إلى جهلهم بأحوال البشر الجهل بأحوال الكواكب لما اعتقدوا أن للشمس حرارة و أنها شديدة فيما قرب منها و لا يعلمون أن الحر هو الضوء و أن الضوء فيما قرب من الأرض أكثر لانعكاس الأشعة من سطح الأرض بمقابلة الأضواء فتتضاعف الحرارة هنا لأجل ذلك و إذا تجاوزت مطارح الأشعة المنعكسة فلا حر هنالك بل يكون فيه البرد حيث مجاري السحاب و أن الشمس في نفسها لا حارة و لا باردة و أنما هي جسم بسيط مضيء لا مزاج له.
و كذلك عوج بن عناق هو فيما ذكروه من العمالقة أو من الكنعانيين الذين كانوا فريسة بني إسرائيل عند فتحهم الشام و أطوال بني إسرائيل و جسمانهم لذلك العهد قريبة من هياكلنا يشهد لذلك أبواب بيت المقدس فإنها وإن خربت و جددت لم تزل المحافظة على أشكالها و مقادير أبوابها و كيف يكون التفاوت بين عوج و بين أهل عصره بهذا المقدار و إنما مثارغلطهم في هذا أنهم استعظموا آثار الأمم و لم يفهموا حال الدول في الاجتماع و التعاون و ما يحصل بذلك و بالهندام من الآثار العظيمة فصرفوه إلى قوة الأجسام و شدتها بعظم هياكلها و ليس الأمر كذلك. و قد زعم المسعودي و نقله عن الفلاسفة مزعماً لا مستند له إلا التحكم و هو أن الطبيعة التي هي جبلة للأجسام لما برأ الله الخلق كانت في تمام الكرة و نهاية القوة و الكمال و كانت الأعمار أطول و الأجسام أقوى لكمال تلك الطبيعة فإن طروء الموت أنما هو بانحلال القوى الطبيعية فإذا كانت قوية كانت الأعمار أزيد فكان العالم في أولية نشأته تام الأعمار كامل الأجسام ثم لم يزل يتناقص لنقصان المادة إلى أن بلغ إلى هذه الحال التي هو عليها ثم لا يزال يتناقص إلى وقت الانحلال و انقراض العالم و هذا رأي لا وجه له إلا التحكم كما تراه و ليس له علة طبيعية و لا سبب برهاني و نحن نشاهد مساكن الأولين و أبوابهم و طرقهم فيما أحدثوه من البنيان و الهياكل و الديار و المساكن كديار ثمود المنحوتة في الصلد من الصخر بيوتاً صغاراً و أبوابها ضيقة و قد أشار صلى الله عليه و سلم إلى أنها ديارهم و نهى عن استعمال مياههم و طرح ما عجن به و أهرق و قال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين يصيبكم ما أصابهم.
و كذلك أرض عاد و مصر و الشام و سائر بقاع الأرض شرقاً و غرباً و الحق ما قررناه و من آثار الدول أيضاً حالها في الأعراس و الولائم كما ذكرناه في وليمة بوران و صنيع الحجاج و ابن ذي النون و قد مر ذلك كله.
و من آثارها أيضاً عطايا الدول و أنها تكون على نسبتها و يظهر ذلك فيها و لو أشرفت على الهرم فإن الهمم التي لأهل الدولة تكون على نسبة قوة ملكهم و غلبهم للناس و الهمم لا تزال مصاحبة لهم إلى انقراض الدولة و اعتبر ذلك بجوائز ابن ذي يزن لوفد قريش كيف أعطاهم من أرطال الذهب و الفضة و الأعبد و الوصائف عشراً عشراً و من كرش العنبر واحدة و أضعف ذلك بعشرة أمثاله لعبد المطلب و إنما ملكه يومئذ قرارة اليمن خاصة تحت استبداد فارس و إنما حمله على ذلك همة نفسه بما كان لقومه التبابعة من الملك في الأرض و الغلب على الأمم في العراقين و الهند و المغرب و كان الصنهاجيون بأفريقية أيضاً إذا أجازوا الوفد من أمراء زناتة الوافدين عليهم فإنما يعطونهم المال أحمالاً و الكساء تخوتاً مملوءةً و الحملان جنائب عديدة.
و في تاريخ ابن الرقيق من ذلك أخبار كثيرة و كذلك كان عطاء البرامكة و جوائزهم و نفقاتهم و كانوا إذا كسبوا معدماً فإنما هو الولاية و النعمة آخر الدهر لا العطاء الذي يستنفده يوم أو بعض يوم و أخبارهم في ذلك كثيرة مسطورة و هي كلها على نسبة الدول جارية هذا جوهر الصقلبي الكاتب قائد جيش العبيديين لما ارتحل إلى فتح مصر استعد من القيروان بألف حمل من المال و لا تنتهي اليوم دولة إلى مثل هذا. و كذلك وجد بخط أحمد بن محمد بن عبد الحميد عمل بما يحمل إلى بيت المال ببغداد أيام المأمون من جميع النواحي نقلته من جراب الدولة غلات السواد سبع و عشرون ألف ألف درهم مرتين و ثمانمائة ألف درهم و من الحلل النجرانية مائتا حلة و من طين الختم مائتان و أربعون رطلاً كنكر أحد عشر ألف ألف درهم مرتين و ستمائة ألف درهم كورد جلة عشرون ألف ألف درهم و ثمانية دراهم حلوان أربعة آلاف ألف درهم مرتين و ثمانمائة ألف درهم الأهواز خمسة و عشرون ألف درهم مرة و من السكر ثلاثون ألف رطل فارس سبعة و عشرون ألف ألف درهم و من ماء الورد ثلاثون ألف قارورة و من الزيت الأسود عشرون ألف رطل كرمان أربعة آلاف ألف درهم مرتين و مائتا ألف درهم و من المتاع اليماني خمسمائة ثوب و من التمر عشرون ألف رطل مكران أربعمائة ألف درهم مرة السند و ما يليه أحد عشر ألف ألف درهم مرتين و خمسمائة ألف درهم و من العود الهندي مائة و خمسون رطلاً سجستان أربعة آلاف ألف درهم مرتين و من الثياب المعينة ثلثمائة ثوب ومن الفانيد عشرون رطلاً خراسان ثمانية و عشرون ألف ألف درهم مرتين و من نقر الفضة ألفا نقرة و من البراذين أربعة آلاف و من الرقيق ألف رأس. و من المتاع عشرون ألف ثوب و من الإهليلج ثلاثون ألف رطل جرجان اثنا عشر ألف ألف درهم مرتين و من الإبريسم ألف شقة. قومس ألف ألف مرتين و خمسمائة من نقر الفضة طبرستان و الروبان و نهاوند ستة آلاف ألف مرتين و ثلائمائة ألف و من الفرش الطبري ستمائة قطعة و من الأكسية مائتان و من الثياب خمسمائة ثوب و من المناديل ثلاثمائة و من الجامات ثلاثمائة الري اثنا عشر ألف ألف درهم مرتين و من العسل عشرون ألف رطل همذان أحد عشر ألف ألف درهم مرتين و ثلاثمائة ألف و من رب الرمان ألف رطل و من العسل اثنا عشر ألف رطل ما بين البصرة و الكوفة عشرة آلاف ألف درهم مرتين و سبعمائة ألف درهم ماسبذان والدينار أربعة آلاف ألف درهم مرتين شهر زور ستة آلاف ألف درهم مرتين و سبعمائة ألف درهم الموصل و ما يليها أربعة و عشرون ألف ألف درهم مرتين و من العسل الأبيض عشرون ألف ألف رطل أذربيجان أربعة آلاف ألف درهم مرتين الجزيرة و ما يليها من أعمال الفرات أربعة و ثلاثون ألف ألف درهم مرتين و من الرقيق ألف رأس و من العسل اثنا عشر ألف زق و من البزاة عشرة و من الأكسية عشرون أرمينية ثلاثة عشر ألف ألف درهم مرتين و من البسط المحفور عشرون و من الزقم خمسمائة و ثلاثون رطلاً و من المسايج السور ما هي عشرة آلاف رطل و من الصونج عشرة آلاف رطل و من البغال مائتان و من المهرة ثلاثون قنسرين أربعمائة ألف دينار و من الزيت ألف حمل دمشق أربعمائة ألف دينار و عشرون ألف دينار و الأردن سبعة و تسعون ألف دينار فلسطين ثلاثمائة ألف دينار و عشرة آلاف دينار و من الزيت ثلاثمائة ألف رطل مصر ألف ألف دينار و تسعمائة ألف دينار و عشرون ألف دينار. برقة ألف ألف درهم مرتين. أفريقية ثلاثة عشر ألف ألف درهم مرتين و من البسط مائة و عشرون. اليمن ثلاثمائة ألف دينار و سبعون ألف دينار سوى المتاع. الحجاز ثلاثمائة ألف د ينار انتهي.
و أما الأندلس فالذي ذكره الثقات من مؤرخيها أن عبد الرحمن الناصر خلف في بيوت أمواله خمسة آلاف ألف ألف دينار مكررة ثلاث مرات يكون جملتها بالقناطير خمسمائة ألف قنطار.
و رأيت في بعض تواريخ الرشيد أن المحمول إلى بيت المال في أيامه سبعة آلاف قنطار و خمسمائة قنطار في كل سنة فاعتبر ذلك في نسب الدول بعضها من بعض و لاتنكرن ما ليس بمعهود عندك و لا في عصرك شيىء من أمثاله فتضيق حوصلتك عند ملتقط الممكنات فكثير من الخواص إذا سمعوا أمثال هذه الأخبار عن الدول السالفة بادر بالإنكار و ليس ذلك من الصواب فإن أحوال الوجود والعمران متفاوتة و من أدرك منها رتبة سفلى أو وسطى فلا يحصر المدارك كلها فيها و نحن إذا اعتبرنا ما ينقل لنا عن دولة بني العباس و بني أمية و العبيديين و ناسبنا الصحيح من ذلك و الذي لا شك فيه بالذي نشاهده من هذه الدول التي هي أقل بالنسبة إليها وجدنا بينها بوناً و هو لما بينها من التفاوت في أصل قوتها و عمران ممالكها فالآثار كلها جارية على نسبة الأصل في القوة كما قدمناه و لا يسعنا إنكار ذلك عنها إذ كثير من هذه الأحوال في غاية الشهرة و الوضوح بل فيها ما يلحق بالمستفيض و التواتر و فيها المعاين و المشاهد من آثار البناء و غيره فخذ من الأحوال المنقولة مراتب الدول في قوتها أو ضعفها و ضخامتها أو صغرها و اعتبر ذلك بما نقصه عليك من هذه الحكاية المستظرفة.
و ذلك أنه ورد بالمغرب لعهد السلطان أبي عنان من ملوك بني مرين رجل من مشيخة طنجة يعرف بابن بطوطة كان رحل منذ عشرين سنة قبلها إلى المشرق و تقلب في بلاد العراق و اليمن و الهند و دخل مدينة دهلي حاضرة ملك الهند و هو السلطان محمد شاه و اتصل بملكها لذلك العهد و هو فيروزجوه و كان له منه مكان و استعمله في خطة القضاء بمذهب المالكية في عمله ثم انقلب إلى المغرب و اتصل بالسلطان أبي عنان و كان يحدث عن شأن رحلته و ما رأى من العجائب بممالك الأرض و أكثر ما كان يحدث عن دولة صاحب الهند و يأتي من أحواله بما يستغربه السامعون مثل أن ملك الهند إذا خرج إلى السفر أحصى أهل مدينته من الرجال و النساء و الولدان و فرض لهم رزق ستة أشهر تدفع لهم من عطائه و أنه عند رجوعه من سفره يدخل في يوم مشهود يبرز فيه الناس كافة إلى صحراء البلد و يطوفون به و ينصب أمامه في ذلك الحقل منجنيقات على الظهر ترمى بها شكائر الدراهم و الدنانير على الناس إلى أن يدخل إيوانه و أمثال هذه الحكايات فتناحى الناس بتكذيبه و لقيت أيامئذ وزير السلطان فارس بن وردار البعيد الصيت ففاوضته في هذا الشأن و أريته إنكار أخبار ذلك الرجل لما استفاض في الناس من تكذيبه.
فقال لي الوزير فارس إياك أن تستنكر مثل هذا من أحوال الدول بما أنك لم تره فتكون كابن الوزير الناشىء في السجن و ذلك أن وزيراً اعتقله سلطانه و مكث في السجن سنين ربي فيها ابنه في ذلك المجلس فلما أدرك و عقل سأل عن اللحمان التي كان يتغذى بها فقال له أبوه هذا لحم الغنم فقال و ما الغنم فيصفها له أبوه بشياتها و نعوتها فيقول يا أبت تراها مثل الفأر فينكر عليه و يقول أين الغنم من الفأر و كذا في لحم الإبل و البقر إذ لم يعاين في محبسه من الحيوانات إلا الفأر فيحسبها كلها أبناء جنس الفأر و لهذا كثيراً ما يعتري الناس في الأخبار كما يعتريهم الوسواس في الزيادة عند قصد الإغراب كما قدمناه أول الكتاب فليرجع الإنسان إلى أصوله و ليكن مهيمناً على نفسه و مميزاً بين طبيعة الممكن و الممتنع بصريح عقله و مستقيم فطرته فما دخل في نطاق الإمكان قبله و ما خرج عنه رفضه و ليس مرادنا الإمكان العقلي المطلق فإن نطاقه أوسع شيء فلا يفرض حداً بين الواقعات و أنما مرادنا الإمكان بحسب المادة التي للشيء فإنا إذا نظرنا أصل الشيء و جنسه و صنفه و مقدار عظمه و قوته أجرينا الحكم من نسبة ذلك على أحواله و حكمنا بالامتناع على ما خرج من نطاقه، و قل ربي زدني علماً و أنت أرحم الراحمين و الله سبحانه و تعالى أعلم.

الفصل التاسع عشر في استظهار صاحب الدولة على قومه و أهل عصبيته بالموالي و المصطنعين
إعلم أن صاحب الدولة إنما يتم أمره كما قلناه بقومه فهم عصابته و ظهراؤه على شأنه و بهم يقارع الخوارج على دولته و منهم يقلد أعمال مملكته و وزارة دولته و جباية أموله لأنهم أعوانه على الغلب و شركاؤه في الأمر و مساهموه في سائر مهماته هذا ما دام الطور الأول للدولة كما قلناه فإذا جاء الطور الثاني و ظهر الاستبداد عنهم و الانفراد بالمجد و دافعهم عنه بالمراح صاروا في حقيقة الأمر من بعض أعدائه و احتاج في مدافعتهم عن الأمر و صدهم عن المشاركة إلى أولياء آخرين من غير جلدتهم يستظهر بهم عليهم و يتولاهم دونهم فيكونون أقرب إليه من سائرهم و أخص به قرباً و اصطناعاً و أولى إيثاراً و جاهاً لما أنهم يستميتون دونه في مدافعة قومه عن الأمر الذي كان لهم و الرتبة التي ألفوها في مشاركتهم فيستخلصهم صاحب الدولة و يخصهم بمزيد التكرمة و الإيثار و يقسم لهم ما للكثير من قومه و يقلدهم جليل الأعمال و الولايات من الوزارة و القيادة و الجباية و ما يختص به لنفسه و تكون خالصة له دون قومه من ألقاب المملكة لأنهم حينئذ أولياؤه الأقربون و نصحاؤه المخلصون و ذلك حينئذ مؤذن باهتضام الدولة و علامة على المرض المزمن فيها لفساد العصبية التي كان بناء الغلب عليها.
و مرض قلوب أهل الدولة حينئذ من الامتهان و عداوة السلطان فيضطغنون عليه و يتربصون به الدوائر و يعود وبال ذلك على الدولة و لا يطمع في برئها من هذا الداء لأنه ما مضى يتأكد في الأعقاب إلى أن ذهب رسمها و اعتبر ذلك في دولة بني أمية كيف كانوا إنما يستظهرون في حروبهم و ولاية أعمالهم برجال العرب مثل عمرو بن سعد بن أبي و قاص و عبد الله بن زياد بن أبي سفيان والحجاج بن يوسف و المهلب بن أبي صفرة و خالد بن عبد الله القسري و ابن هبيرة و موسى بن نصير و بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري و نصر بن سيار و أمثالهم من رجالات العرب و كذا صدر من دولة بني العباس كان الاستظهار فيها أيضاً برجالات العرب فلما صارت الدولة للانفراد بالمجد و كبح العرب عن التطاول للولايات صارت الوزارة للعجم و الصنائع من البرامكة و بني سهل بن نوبخت و بني طاهر ثم بني بويه و موالي الترك مثل بغا و وصيف و أثلمش و باكناك و ابن طولون و أبنائهم و غير هؤلاء من موالي العجم فتكون الدولة لغير من مهدها و العز لغير من اجتلبه سنة الله في عباده و الله تعالى أعلم.

الفصل العشرون في أحوال الموالي و المصطنعين في الدول
إعلم أن المصطنعين في الدول يتفاوتون في الالتحام بصاحب الدولة بتفاوت قديمهم و حديثهم في الالتحام بصاحبها و السبب في ذلك أن المقصود في العصبية من المدافعة و المغالبة إنما يتم بالنسب لأجل التناصر في ذوي الأرحام و القربى و التخاذل في الأجانب و البعداء كما قدمناه و الولاية و المخالطة بالرق أو بالحلف تتنزل منزلة ذلك لأن أمر النسب و إن كان طبيعياً فإنما هو وهمي و المعنى الذي كان به الالتحام إنما هو العشرة و المدافعة و طول الممارسة و الصحبة بالمربى و الرضاع و سائر أحوال الموت و الحياة و إذا حصل الالتحام بذلك جاءت النعرة و التناصر و هذا مشاهد بين الناس و اعتبر مثله في الاصطناع فإنه يحدث بين المصطنع و من اصطنعه نسبة خاصة من الوصلة تتنزل هذه المنزلة و تؤكد اللحمة و إن لم يكن نسب فثمرات النسب موجودة فإذا كانت هذه الولاية بين القبيل و بين أوليائهم قبل حصول الملك لهم كانت عروقها أوشج و عقائدها أصح و نسبها أصرح لوجهين أحدهما أنهم قبل الملك أسوة في حالهم فلا يتميز النسب عن الولاية إلا عند الأقل منهم فينزلون منهم منزلة ذوي قرابتهم و أهل أرحامهم و إذا اصطنعوهم بعد الملك كانت مرتبة الملك مميزة للسيد عن المولى. و لأهل القرابة عن أهل الولاية و الاصطناع لما تقتضيه أحوال الرئاسة و الملك من تميز الرتب و تفاوتها فتتميز حالتهم و يتنزلون منزلة الأجانب و يكون الالتحام بينهم أضعف و التناصر لذلك أبعد و ذلك انقص من الاصطناع قبل الملك.
الوجه الثاني أن الاصطناع قبل الملك يبعد عهده عن أهل الدولة بطول الزمان و يخفي شأن تلك اللحمة و يظن بها في الأكثر النسب فيقوى حال العصبية و أما بعد الملك فيقرب العهد و يستوي في معرفته الأكثر فتتبين اللحمة و تتميز عن النسب فتضعف العصبية بالنسبة إلى الولاية التي كانت قبل الدولة و اعتبر ذلك في الدول و الرئاسات تجده فكل من كان اصطناعه قبل حصول الرئاسة و الملك لمصطنعه تجده أشد التحاماً به و أقرب قرابةً إليه و يتنزل منه منزلة أبنائه و إخوانه و ذوي رحمه و من كان اصطناعه بعد حصول الملك و الرئاسة لمصطنعه لا يكون له من القرابة و اللحمة ما للأولين و هذا مشاهد بالعيان حتى أن الدولة في آخر عمرها ترجع إلى الشمال الأجانب و اصطناعهم و لا يبنى لهم مجد كما بناه المصطنعون قبل الدولة لقرب العهد حينئذ بأوليتهم و مشارفة الدولة على الانقراض فيكونون منحطين في مهاوي الضعة.
و إنما يحمل صاحب الدولة على اصطناعهم و العدول إليهم عن أوليائها الأقدمين و صنائعها الأولين ما يعتريهم في أنفسهم من العزة على صاحب الدولة و قلة الخضوع له و نظره بما ينظره به قبيله و أهل نسبه لتأكد اللحمة منذ العصور المتطاولة بالمربى و الاتصال بآبائه و سلف قومه و الانتظام مع كبراء أهل بيته فيحصل لهم بذلك دالة عليه و اعتزاز فينافرهم بسببها صاحب الدولة و يعدل عنهم إلى استعمال سواهم و يكون عهد استخلاصهم و اصطناعهم قريباً فلا يبلغون رتب المجد و يبقون على حالهم من الخارجية و هكذا شأن الدول في أواخرها و أكثر ما يطلق اسم الصنائع و الأولياء على الأولين و أما هؤلاء المحدثون فخدم و أعوان والله ولي المؤمنين و هو على كل شيء وكيل.

الفصل الحادي و العشرون فيما يعرض في الدول من حجر السلطان و الاستبداد عليه
إذا استقر الملك في نصاب معين و منبت واحد من القبيل القائمين بالدولة و انفردوا به و دفعوا سائر القبيل عنه و تداوله بنو واحداً بعد واحد بحسب الترشيح فربما حدث التغلب على المنصب من وزرائهم و حاشيتهم و سببه في الأكثر ولاية صبي صغير أو مضعف من أهل المنبت يترشح للولاية بعهد أبيه أو بترشيح ذويه و خوله و يؤنس منه العجز عن القيام بالملك فيقوم به كافله من وزراء أبيه و حاشيته و مواليه أو قبيله و يوري بحفظ أمره عليه حتى يؤنس منه الاستبداد و يجعل ذلك ذريعة للملك فيححب الصبي عن الناس و يعوده إليها ترف أحواله و يسيمه في مراعيها متى أمكنه و ينسيه النظر في الأمور السلطانية حتى يستبد عليه و هو بما عوده يعتقد أن حظ السلطان من الملك إنما هو جلوس السرير إعطاء الصفقة و خطاب التهويل و القعود مع النساء خلف الحجاب و أن الحل و الربط و الأمر و النهي و مباشرة الأحوال الملوكية و تفقدها من النظر في الجيش و المال و الثغور أنما هو للوزير و يسلم له في ذلك إلى أن تستحكم له صبغة الرئاسة و الاستبداد و يتحول الملك إليه و يؤثر به عشيرته و أبناءه من بعده كما وقع لبني بويه و الترك و كافور الأخشيدي و غيرهم بالمشرق و للمنصور بن أبي عامر بالأندلس.
و قد يتفطن ذلك المحجور المغلب لشأنه فيحاول على الخروج من ربقة الحجر و الاستبداد و يرجع الملك إلى نصابه و يصرب على أيدي المتغلبين عليه إما بقتل أو برفع عن الرتبة فقط إلا أن ذلك في النادر الأقل لأن الدولة إذا أخذت في تغلب الوزراء و الأولياء استمر لها ذلك و قل أن تخرج عنه لأن ذلك إنما يوجد في الأكثر عن أحوال الترف و نشأة أبناء الملك منغمسين في نعيمة قد نسوا عهد الرجولة و ألفوا أخلاق الدايات و الأظار و ربوا عليها فلا ينزعون إلى رئاسة و لا يعرفون استبداداً من تغلب إنما همهم في القنوع بالأبهة و التنفس في اللذات و أنواع الترف و هذا التغلب يكون للموالي و المصطنعين عند استبداد عشير الملك على قومهم و انفرادهم به دونهم و هو عارض للدولة ضروري كما قدمناه و هذان مرضان لابرء للدولة منهما إلا في الأقل النادر و الله يؤتي ملكه من يشاء و هو على كل شيء قدير.

الفصل الثاني و العشرون في أن المتغلبين على السلطان لا يشاركونه في اللقب الخاص بالملك
و ذلك أن الملك و السلطان حصل لأوليه منذ أول الدولة بعصبية قومه و عصبيته التي استتبعتهم حتى استحكمت له و لقومه صبغة الملك و الغلب و هي لم تزل باقية و بها انحفظ رسم الدولة و بقاؤها و هذا المتغلب و إن كان صاحب عصبية من قبيل الملك أو الموالي و الصنائع فعصبيته مندرجة في عصبية أهل الملك وتابعة لها و ليس له صبغة في الملك و هو لا يحاول في استبداده انتزاع ثمراته من الأمر والنهي و الحل و العقد و الإبرام و النقض يوهم فيها أهل الدولة أنه متصرف عن سلطانه منفذ في ذلك من وراء الحجاب لأحكامه. فهو يتجافى عن سمات الملك و شاراته و ألقى به جهده و يبعد نفسه عن التهمة بذلك.
و إن حصل له الاستبداد لأنه مستتر في استبداده ذلك بالحجاب الذي ضربه السلطان و أولوه على أنفسهم عن القبيل منذ أول الدولة و مغالط عنه بالنيابة و لو تعرض لشيىء من ذلك لنفسه عليه أهل العصبية و قبيل الملك و حاولوا الإستئثار به دونه لأنه لم يستحكم له في ذلك صبغة تحملهم على التسليم له و الانقياد فيهلك لأول وهلة و قد وقع مثل هذا لعبد الرحمن بن الناصر بن منصور بن أبي عامر حين سمى إلى مشاركة هشام و أهل بيته في لقب الخلافة و لم يقنع بما قنع به أبوه و أخوه من الاستبداد بالحل و العقد و المراسم المتابعة فطلب من هشام خليفته أن يعهد له بالخلافة فنفس ذلك عليه بنو مروان و سائر قريش و بايعوا لابن عم الخليفة هشام محمد بن عبد الجبار بن الناصر و خرجوا عليهم و كان في ذلك خراب دولة العامريين و هلاك المؤيد خليفتهم و استبدل منه سواه من أعياص الدولة إلى آخرها و اختلت مراسم ملكهم و الله خير الوارثين.

الفصل الثالث و العشرون في حقيقة الملك و أصنافه
الملك منصب طبيعي للإنسان لأننا قد بنا أن البشر لا يمكن حياتهم و وجودهم إلا باجتماعهم و تعاونهم على تحصيل قوتهم و ضرورياتهم و إذا اجتمعوا دعت الضرورة إلى المعاملة و اقتضاء الحاجات و مد كل واحد منهم يده إلى حاجته يأخذها من صاحبه لما في الطبيعة الحيوانية من الظلم و العدوان بعضهم على بعض و يمانعه الآخر عنها بمقتضى الغضب و الألفة و مقتضى القوة البشرية في ذلك فيقع التنازع المفضي إلى المقاتلة و هي تؤدي إلى الهرج و سفك الدماء و إذهاب النفوس المفضي ذلك إلى انقطاع النوع و هو مما خصه الباري سبحانه بالمحافظة فاستحال بقاؤهم فوضى دون حالم يزغ بعضهم عن بعض و احتاجوا من أجل ذلك إلى الوازع و هو الحاكم عليهم و هو بمقتضى الطبيعة البشرية الملك القاهر المتحكم و لا بد في ذلك من العصبية لما قدمناه من أن المطالبات كلها و المدافعات لا تتم إلا بالعصبية و هذا الملك كما تراه منصب شريف تتوجه نحوه المطالبات و يحتاج إلى المدافعات. و لا يتم شيء من ذلك إلا بالعصبيات كما مر و العصبيات متفاوتة و كل عصبية فلها تحكم و تغلب على من يليها من قومها و عشيرها و ليس الملك لكل عصبية و إنما الملك على الحقيقة لمن يستعبد الرعية و يجبي الأموال و يبعث البعوث و يحمي الثغور و لا تكون فوق يده يد قاهرة و هذا معنى الملك و حقيقته في المشهور فمن قصرت به عصبيته عن بعضها مثل حماية الثغور أو جباية الأموال أو بعث البعوث فهو ملك ناقص لم تتم حقيقته كما وقع لكثير من ملوك البربر في دولة الأغالبة بالقيروان و لملوك العجم صدر الدولة العباسية. و من قصرت به عصبيته أيضاً عن الاستعلاء على جميع العصبيات، و الضرب على سائر الأيدي و كان فوقه حكم غيره فهو أيضاً ملك ناقص لم تتم حقيقته و هؤلاء مثل أمراء النواحي و رؤساء الجهات الذين تجمعهم دولة واحدة و كثيراً ما يوجد هذا في الدولة المتسعة النطاق أعني توجد ملوك على قومهم في النواحي القاصية يدينون بطاعة الدولة التي جمعتهم مثل صنهاجة مع العبيديين و زناتة مع الأمويين تارة و العبيديين تارةً أخرى و مثل ملوك العجم في دولة بني العباس و مثل ملوك الطوائف من الفرس مع الاسكندر و قومه اليونانيين و كثير من هؤلاء فاعتبره تجده و الله القاهر فوق عباده.

الفصل الرابع و العشرون في أن إرهاف الحد مضر بالملك و مفسد له في الأكثر
إعلم أن مصلحة الرعية في السلطان ليست في ذاته و جسمه من حسن شكله أو ملاحة وجهه أو عظم جثمانه أو أتساع علمه أو جودة خطه أو ثقوب ذهنه و إنما مصلحتهم فيه من حيث إضافته إليهم فإن الملك و السلطان من الأمور الإضافية و هي نسبة بين منتسبين فحقيقة السلطان أنه المالك للرعية القائم في أمورهم عليهم فالسلطان من له رعية و الرعية من لها سلطان و الصفة التي له من حيث إضافته إليهم هي التي تسمى الملكة و هي كونه يملكهم فإذا كانت هذه الملكة و توابعها من الجودة بمكان حصل المقصود من السلطان على أتم الوجوه فإنها إن كانت جميلة صالحة كان ذلك مصلحة لهم و إن كانت سيئة متعسفة كان ذلك ضرراً عليهم و إهلاكاً لهم.
و يعود حسن الملكة إلى الرفق فإن الملك إذا كان قاهراً باطشاً بالعقوبات منقباً عن عورات الناس و تعديد ذنوبهم شملهم الخوف و الذل و لاذوا منه بالكذب و المكر و الخديعة فتخلقوا بها و فسدت بصائرهم و أخلاقهم و ربما خذلوه في مواطن الحروب و المدافعات ففسدت الحماية بفساد النيات و ربما أجمعوا على قتله لذلك فتفسد الدولة و يخرب السياج و إن دام أمره عليهم و قهره فسدت العصبية لما قلناه أولاً و فسد السياج من أصله بالعجز عن الحماية و إذا كان رفيقاً بهم متجاوزاً عن سيئاتهم استناموا إليه و لاذوا به و أشربوا محبته و استماتوا دونه في محاربة أعدائه فاستقام الأمر من كل جانب و أما توابع حسن الملكة فهي النعمة عليهم و المدافعة عنهم فالمدافعة بها تتم حقيقة الملك و أما النعمة عليهم و الإحسان لهم فمن حملة الرفق بهم و النظر لهم في معاشهم و هي أصل كبير من التحبب إلى الرعية و أعلم أنه قلما تكون ملكة الرفق في من يكون يقظاً شديد الذكاء من الناس و أكثر ما يوجد الرفق في الغفل و المتغفل و أقل ما يكون في اليقظ لأنه يكلف الرعية فوق طاقتهم لنفوذ نظره فيما وراء مداركهم و إطلاعه على عواقب الأمور في مبادئها بالمعية فيهلكون لذلك قال صلى الله عليه و سلم سيروا على سير أضعفكم. و من هذا الباب اشترط الشارع في الحاكم قلة الإفراط في الذكاء، و مأخذه من قصة زياد ابن أبي سفيان لما عزله عمر عن العراق و قال له لم عزلتني يا أمير المؤمنين لعجز أم لخيانة فقال عمر لم أعزلك لواحدة منهما و لكني كرهت أن أحمل فضل عقلك عن الناس، فأخذ من هذا أن الحاكم لا يكون مفرط الذكاء و الكيس مثل زياد بن أبي سفيان و عمرو بن العاص لما يتبع ذلك من التعسف و سوء الملكة و حمل الوجود على ما ليس في طبعه كما يأتي في آخر هذا الكتاب و الله خير المالكين و تقرر من هذا أن الكيس و الذكاء عيب في صاحب السياسة لأنه إفراط في الفكر كما أن البلادة إفراط في الجمود و الطرفان مذمومان من كل صفة إنسانية و المحمود هو التوسط كما في الكرم مع التبذير و البخل و كما في الشجاعة مع الهوج و الجبن و غير ذلك من الصفات الإنسانية و لهذا يوصف الشديد الكيس بصفات الشيطان فيقال شيطان و متشيطن و أمثال ذلك و الله يخلق ما يشاء و هو العليم القدير.

الفصل الخامس و العشرون في معنى الخلافة و الإمامة
لما كانت حقيقة الملك أنه الاجتماع الضروري للبشر و مقتضاه التغلب و القهر اللذان هما من آثار الغضب و الحيوانية كانت أحكام صاحبه في الغالب جائزة عن الحق مجحفة بمن تحت يده من الخلق في أحوال دنياهم لحمله إياهم في الغالب على ما ليس في طوقهم من أغراضه و شهواته و يختلف في ذلك باختلاف المقاصد من الخلف و السلف منهم متعسر طاعته لذلك و تجيء العصبية المفضية إلى الهرج و القتل فوجب أن يرجع في ذلك إلى قوانين سياسية مفروضة يسلمها الكافة و ينقادون إلى أحكامها كما كان ذلك للفرس و غيرهم من الأمم و إذا خلت الدولة من مثل هذه السياسة لم يستتب أمرها و لم يتم استيلاؤها سنة الله في الذين خلوا من قبل فإذا كانت هذه القوانين مفروضة من العقلاء و أكابر الدولة و بصرائها كانت سياسة عقلية و إذا كانت مفروضة من الله بشارع يقررها و يشرعها كانت سياسة دينية نافعة في الحياة الدنيا و في الآخرة و ذلك أن الخلق ليس المقصود بهم دنياهم فقط فإنها كلها عبث و باطل إذ غايتها الموت و الفناء، و الله يقول أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا فالمقصود بهم إنما هو دينهم المفضي بهم إلى السعادة في آخرتهم صراط الله الذي له ما في السموات و ما في الأرض فجاءت الشرائع بحملهم على ذلك في جميع أحوالهم من عبادة و معاملة حتى في الملك الذي هو طبيعي للاجتماع الإنساني فأجرته على منهاج الدين ليكون الكل محوطاً بنظر الشارع. فما كان منه بمقتضى القهر و التغلب و إهمال القوة العصبية في مرعاها فجور و عدوان و مذموم عنده كما هو مقتضى الحكمة السياسية و ما كان منه بمقتضى السياسة و أحكامها فمذموم أيضاً لأنه نظر بغير نور الله و من لم يجعل الله له نوراً فما له من نور لأن الشارع أعلم بمصالح الكافة فيما هو مغيب عنهم من أمور آخرتهم و أعمال البشر كلها عائدة عليهم في معادهم من ملك أو غيره قال صلى الله عليه و سلم: إنما هي أعمالكم ترد عليكم. و أحكام السياسة إنما تطلع على مصالح الدنيا فقط يعلمون ظاهراً من حياة الدنيا و مقصود الشارع بالناس صلاح آخرتهم فوجب بمقتضى الشرائع حمل الكافة على الأحكام الشرعية في أحوال دنياهم و آخرتهم و كان هذا الحكم لأهل الشريعة و هم الأنبياء و من قام فيه مقامهم و هم الخلفاء فقد تبين لك من ذلك معنى الخلافة و أن الملك الطبيعي هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية و دفع المضار و الخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية و الدنيوية الراجعة إليها إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين و سياسة الدنيا به فأفهم ذلك و اعتبره فيما نورده عليك من بعد و الله الحكيم العليم.

الفصل السادس و العشرون فى اختلاف الأمة في حكم هذا المنصب و شروطه
و إذ قد بينا حقيقة هذا المنصب و أنه نيابة عن صاحب الشريعة في حفظ الدين و سياسة الدنيا به تسمى خلافة و إمامة و القائم به خليفة و إماماً فأما تسميته إماماً فتشبيهاً بإمام الصلاة في أتباعه و الإقتداء به و لهذا يقال الإمامة الكبرى و أما تسميته خليفة فلكونه يخلف النبي في أمته فيقال خليفة بإطلاق و خليفة رسول الله و اختلف في تسميته خليفة الله فأجازه بعضهم اقتباساً من الخلافة العامة التي للآدمين في قوله تعالى إني جاعل في الأرض خليفة و قوله جعلكم خلائف الأرض.
و منع الجمهور منه لأن معنى الآية ليس عليه و قد نهى أبو بكر عنه لما دعي به و قال: لست خليفة الله و لكني خليفة رسول الله صلى الله عليه و سلم. و لأن الاستخلاف إنما هو في حق الغائب و أما الحاضر فلا. ثم إن نصب الإمام واجب قد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة و التابعين لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر رضي الله عنه و تسليم النظر إليه في أمورهم و كذا في كل عصر من بعد ذلك و لم تترك الناس فوضى في عصر من الأعصار واستقر ذلك إجماعاً دالاً على وجوب نصب الإمام. و قد ذهب بعض الناس إلى أن مدرك وجوبه العقل، و أن الإجماع الذي وقع إنما هو قضاء بحكم العقل فيه.
قالوا و إنما وجب بالعقل لضرورة الاجتماع للبشر و استحالة حياتهم و وجودهم منفردين و من ضرورة الاجتماع التنازع لازدحام الأغراض. فما لم يكن الحاكم الوازع أفضى ذلك إلى الهرج المؤذن بهلاك البشر و انقطاعهم مع أن حفظ النوع من مقاصد الشرع الضرورية و هذا المعنى بعينه هو الذي لحظه الحكماء في وجوب النبؤات في البشر و قد نبهنا على فساده و أن إحدى مقدماته أن الوازع إنما يكون بشرع من الله تسلم له الكافة تسليم إيمان ما و اعتقاد و هو غير مسلم لأن الوازع قد يكون بسطوة الملك و قهر أهل الشوكة و لو لم يكن شرع كما في أمم المجوس و غيرهم ممن ليس له كتاب أو لم تبلغه الدعوة أو نقول يكفي في رفع التنازع معرفة كل واحد بتحريم الظلم عليه بحكم العقل فادعاؤهم أن ارتفاع التنازع إنما يكون بوجود الشرع هناك و نصب الإمام هنا غير صحيح بل كما يكون بنصب الإمام يكون بوجود الرؤساء أهل الشوكة أو بامتناع الناس عن التنازع و التظالم فلا ينهض دليلهم العقلي المبني على هذه المقدمة فدل على أن مدرك وجوبه أنما هو بالشرع و هو الاجماع الذي قدمناه.
و قد شذ بعض الناس فقال بعدم وجوب هذا النصب رأساً لا بالعقل و لا بالشرع منهم الأصم من المعتزلة و بعض الخوارج و غيرهم، و الواجب عند هؤلاء إنما هو إمضاء الحكم الشرع فإذا تواطأت الأمة على العدل و تنفيذ أحكام الله تعالى لم يحتج إلى إمام و لا يجب نصبه و هؤلاء محجوجون بإلإجماع. و الذي حملهم على هذا المذهب إنما هو الفرار عن الملك و مذاهبه من الاستطالة و التغلب و الاستمتاع بالدنيا لما رأوا الشريعة ممتلئة بذم ذلك و النعي على أهله و مرغبة في رفضه. و أعلم أن الشرع لم يذم الملك لذاته و لا حظر القيام به لم إنما ذم المفاسد الناشئة عنه من القهر و الظلم و التمتع باللذات و لا شك أن في هذه مفاسد محظورة و هي من توابعه كما أثنى على العدل و النصفة و إقامة مراسم الدين و الذب عنه و أوجب بإزائها الثواب و هي كلها من توابع الملك.
فإذاً إنما وقع الذم للملك على صفة و حال دون حال أخرى و لم يذمه لذاته و لا طلب تركه كما ذم الشهوة و الغضب من المكلفين و ليس مراده تركهما بالكلية لدعاية الضرورة إليه و أما المراد تصريفهما على مقتضى الحق و قد كان لداود و سليمان صلوات الله و سلامه عليهما الملك الذي لم يكن لغيرهما و هما من أنبياء الله تعالى و أكرم الخلق عنده ثم نقول لهم أن هذا الفرار عن الملك بعدم و جوب هذا النصب لا يغنيكم شيئاً لأنكم موافقون على وجوب إقامة أحكام الشريعة و ذلك لا يحصل إلا بالعصبية و الشوكة و العصبية مقتضية بطبعها للمك فيحصل الملك و إن لم ينصب إمام و هو عين ما قررتم عنه. و إذا تقرر أن هذا النصب واجب بإجماع فهو من فروض الكفاية و راجع إلى اختيار أهل العقد و الحل فيتعين عليهم نصبه و يجب على الخلق جميعاً طاعته لقوله تعالى أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم.
و أما شروط هذا المنصب فهي أربعة: العلم و العدالة و الكفاية و سلامة الحواس و الأعضاء مما يؤثر في الرأي و العمل و اختلف في شرط خامس و هو النسب القرشي فأما اشتراط العلم فطاهر لأنه إنما يكون منفذاً لأحكام الله تعالى إذا كان عالماً بها و ما لم يعلنها لا يصح تقديمه لما و لا يكفي من العلم إلا أن يكون مجتهداً لأن التقليد نقص و الإمامة تستدعي الكمال في الأوصاف و الأحوال و أما العدالة فلأنه منصب ديني ينظر في سائر المناصب التي هي شرط فيها فكان أولى باشتراطها فيه.
و لاخلاف في انتقاء العدالة فيه بفسق الجوارح من ارتكاب المحظورات و أمثالها و في انتفائها بالبدع الاعتقادية خلاف.
و أما الكفاية فهو أن يكون جزئياً على إقامة الحدود و اقتحام الحروب بصيراً بها كفيلاً يحمل الناس عليها عارفاً بالعصبية و أحوال الدهاء قوياً على معاناة السياسة ليصح له بذلك ما جعل إليه من حماية الدين و جهاد العدو و إقامة الأحكام و تدبير المصالح.
و أما سلامة الحواس و الأعضاء من النقص و العطلة كالجنون و العمى و الصمم و الخرس و ما يؤثر فقده من الأعضاء في العمل كفقد اليدين و الرجلين و الأنثيين فتشترط السلامة منها كلها لتأثير ذلك في تمام عمله و قيامه بما جعل إليه و إن كان إنما يشين في المنظر فقط كفقد إحدى هذه الأعضاء فشرط السلامة منه شرط كمال و يلحق بفقدان الأعضاء المنع من التصرف و هو ضربان ضرب يلحق بهذه في اشتراط السلامة منه شرط وجوب و هو القهر و العجز عن التصرف جملة بالأسر و شبهه و ضرب لا يلحق بهذه و هو الحجر باستيلاء بعض أعوانه عليه من غير عصيان و لا مشاقة فينتقل النظر في حال هذا المستولى فإن جرى على حكم الدين و العدل و حميد السياسة جاز قراره و إلا استنصر المسلمون بمن يقبض يده عن ذلك و يدفع علته حتى ينفذ فعل الخليفة.
و أما النسب القرشي فلإجماع الصحابة يوم السقيفة على ذلك و احتجت قريش على الأنصار لما هموا يومئذ ببيعة سعد بن عبادة و قالوا: منا أمير و منكم أمير. بقوله صلى الله عليه و سلم: الأئمة من قريش. و بأن النبي صلى الله عليه و سلم أوصانا بأن نحسن إلى محسنكم و نتجاوز عن مسيئكم و لو كانت الإمارة فيكم لم تكن الوصية بكم فحجوا الأنصار و رجعوا عن قولهم منا أمير و منكم أمير و عدلوا عما كانوا هموا به من بيعة سعد لذلك. و ثبت أيضاً في الصحيح لا يزال هذا الأمر في هذا الحي من قريش و أمثال هذه الأدلة كثيرة إلا أنه لما ضعف أمر قريش و تلاشت عصبيتهم بما نالهم من الترف و النعيم و بما أنفقتهم الدولة في سائر أقطار الأرض عجزوا بذلك عن حمل الخلافة و تغلبت عليهم الأعاجم و صار الحل و العقد لهم فاشتبه ذلك على كثير من المحققين حتى ذهبوا إلى نفي طه اشتراط القرشية و عولوا على ظواهر في ذلك مثل قوله صلى الله عليه و سلم: اسمعوا و أطيعوا و إن ولي عليكم عبد حبشي ذو زبيبة. و هذا لا تقوم به حجة ذلك فإنه خرج مخرج التمثيل و الغرض للمبالغة في إيجاب السمع و الطاعة و مثل قول عمر لو كان سالم مولى حذيفة حياً لوليته أو لما دخلتني فيه الظنة و هو أيضاً لا يفيد ذلك لما علمت أن مذهب الصحابي ليس بحجة و أيضاً فمولى القوم منهم و عصبية الولاء حاصلة لسالم في قريش و هي الفائدة في اشتراط النسب و لما استعظم عمر أمر الخلافة و رأى شروطها كأنها مفقودة في ظنه عدل إلى سالم لتوفر شروط الخلافة عنده فيه حتى من النسب المفيد للعصبية كما نذكر و لم يبق إلا صراحة النسب فرآه غير محتاج إليه إذ الفائدة في النسب إنما هي العصبية و هي حاصلة من الولاء فكان ذلك حرصاً من عمر رضي الله عنه على النظر للمسلمين و تقليد أمرهم لمن لا تلحقه فيه لائمة و لا عليه فيه عهدة.
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 01-09-2012, 10:32 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 19,229
افتراضي

و من القائلين بنفي اشتراط القرشية القاضي أبو بكر الباقلاني لما أدرك عليهعصبية قريش من التلاشي و الاضمحلال و استبداد ملوك العجم من الخلفاء فأسقط شرطالقرشية و إن كان موافقاً لرأي الخوارج لما رأى عليه حال الخلفاء لعهده و بقيالجمهور على القول باشتراطها و صحة الإمامة للقرشي و لو كان عاجزاً عن القيام بأمورالمسلمين و رد عليهم سقوط شرط الكفاية التي يقوى بها على أمره لأنه إذا ذهبت الشوكةبذهاب العصبية فقد ذهبت الكفاية و إذا وقع الإخلال بشرط الكفاية تطرق ذلك أيضاً إلىالعلم والدين و سقط اعتبار شروط هذا المنصب و هو خلاف الاجتماع.
و لنتكلم الآنفي حكمة اشتراط النسب ليتحقق به الصواب في هذه المذاهب فنقول: أن الأحكام الشرعيةكلها لا بد لها من مقاصد و حكم تشتمل عليها و تشرع لأجلها و نحن إذا بحثنا عنالحكمة في اشتراط النسب القرشي و مقصد الشارع منه لم يقتصر فيه على التبرك بوصلةالنبي صلى الله عليه و سلم كما هو في المشهور و إن كانت تلك الوصلة موجودة و التبركبها حاصلاً لكن التبرك ليس من المقاصد الشرعية كما علمت فلا بد إذن من المصلحة فياشتراط النسب و هي المقصودة من مشروعيتها و إذا سبرنا و قسمنا لم نجدها إلا اعتبارالعصبية التي تكون بها الحماية و المطالبة و يرتفع الخلاف و الفرقة بوجودها لصاحبالمنصب فتسكن إليه الملة و أهلها و ينتظم حبل الإلفة فيها و ذلك أن قريشاً كانواعصبة مضر و أصلهم و أهل الغلب منهم و كان لهم على سائر مضر العزة بالكثرة و العصبيةو الشرف فكان سائر العرب يعترف لهم بذلك و يستكينون لغلبهم فلو جعل الأمر في سواهملتوقع افتراق الكلمة بمخالفتهم و عدم انقيادهم و لا يقدر غيرهم من قبائل مضر أنيردهم عن الخلاف و لا يحملهم على الكرة فتتفرق الجماعة و تختلف الكلمة.
والشارع محذر من ذلك حريص على أتفاقهم و رفع التنازع و الشتات بينهم لتحصل اللحمة والعصبية و تحسن الحماية بخلاف ما إذا كان الأمر في قريش لأنهم قادرون على سوق الناسبعصا الغلب إلى ما يراد منهم فلا يخشى من أحد من خلاف عليهم و لا فرقة لأنهم كفيلونحينئذ بدفعها و منع الناس منها فاشترط نسبهم القرشي في هذا المنصب و هم أهل العصبيةالقوية ليكون أبلغ في انتظام الملة و أتفاق الكلمة و إذا انتظمت كلمتهم انتظمتبانتظامها كلمة مضر أجمع فأذعن لهم سائر العرب و انقادت الأمم سواهم إلى أحكامالملة و وطئت جنودهم قاصية البلاد كما وقع في أيام الفتوحات و استمر بعدها فيالدولتين إلى أن أضمحل أمر الخلافة و تلاشت عصبية العرب و يعلم ما كان لقريش منالكثرة و التغلب على بطون مضر من مارس أخبار العرب و سيرهم و تفطن لذلك في أحوالهم.
و قد ذكر ذلكابن إسحاقفيكتاب السيرو غيره فإذا ثبت أن اشتراط القرشية أنما هو لدفعالتنازع بما كان لهم من العصبية و الغلب و علمنا أن الشارع لا يخص الأحكام بجيل ولا عصر و لا أمة علمنا أن ذلك إنما هو من الكفاية فرددناه إليها و طردنا الملةالمشتملة على المقصود من القرشية و هي وجود العصبية فاشترطنا في القائم بأمورالمسلمين أن يكون من قوم أولي عصبية قوية غالبة على من معها لعصرها ليستتبعوا منسواهم و تجتمع الكلمة على حسن الحماية و لا يعلم ذلك في الأقطار و الآفاق كما كانفي القرشية إذ الدعوة الإسلامية التي كانت لهم كانت عامة و عصبية العرب كانت وافيةبها فغلبوا سائر الأمم و إنما يخص لهذا العهد كل قطر بمن تكون له فيه العصبيةالغالبة و إذا نظرت سر الله في الخلافة لم تعد هذا لأنه سبحانه إنما جعل الخليفةنائباً عنه في القيام بأمور عباده ليحملهم على مصالحهم و يردهم عن مضارهم و هومخاطب بذلك و لا يخاطب بالأمر إلا من له قدرة عليه ألا ترى ما ذكره الإمام ابنالخطيب في شأن النساء و أنهن في كبير من الأحكام الشرعية جعلن تبعاً للرجال و لميدخلن في الخطاب بالوضع. و إنما دخلن عنده بالقياس و ذلك لما لم يكن لهن من الأمرشيء و كان الرجال قوامين عليهن اللهم إلا في العبادات التي كل أحد فيها قائم علىنفسه فخطابهن فيها بالوضع لا بالقياس ثم أن الوجود شاهد بذلك فإنه لا يقوم بأمر أمةأو جيل إلا من غلب عليهم و قل أن يكون الآمر الشرعي مخالفاً للأمر الوجودي و اللهتعالى أعلم.
الفصل السابع و العشرون في مذاهب الشيعة في حكم الأمامة
إعلم أن الشيعة لغة هم الصحب و الأتباع و يطلق في عرف الفقهاء و المتكلمين من الخلفو السلف على اتباع علي و بنيه رضي الله عنهم و مذهبهم جميعاً متفقين عليه أنالإقامة ليست من المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة و يتعين القائم بهابتعيينهم بل هي ركن الدين و قاعدة الإسلام و لا يجوز لنبي إغفاله و لا تفويضه إلىالأمة بل يجب عليه تعيين الإمام لهم و يكون معصوماً من الكبائر و الصغائر و أنعلياً رضي الله عنه هو الذي عينه صلوات الله و سلامه عليه بنصوص ينقلونها ويؤولونها على مقتضى مذهبهم لا يعرفها جهابذة السنة و لا نقله الشريعة بل أكثرهاموضوع أو مطعون في طريقه أو بعيد عن تأويلاتهم الفاسدة.
و تنقسم هذه النصوصعندهم إلى جلي و خفي فالجلي مثل قوله:من كنت مولاه فعلي مولاه.قالوا و لم تطرد هذه الولاية إلا في علي و لهذا قال له عمر أصبحت مولى كلمؤمن و مؤمنة و منها قوله:أقضاكم عليو لا معنى للأمامةإلا القضاء بأحكام الله و هو المراد بأولي الأمر الواجبة طاعتهم بقوله:أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم.و المراد الحكمو القضاء و لهذا كان حكماً في قضية الإمامة يوم السقيفة دون غيره و منها قولهمن يبايعني على روحه و هو وصي و ولي هذا الأمر من بعديفلميبايعه إلا علي.
و من الخفي عندهم بعث النبي صلى الله عليه و سلم علياً لقراءةسورة براءة في الموسم حين أنزلت فإنه بعث بها أولاً أبا بكر ثم أوحي إليه ليبلغهرجل منك أو من قومك فبعث علياً ليكون القارىء المبلغ قالوا: و هذا يدل على تقديمعلي. و أيضاً فلم يعرف أنه قدم أحداً على علي. و أما أبو بكر و عمر فقدم عليهمافي غزاتين أسامة بن زيد مرة و عمر بن العاص أخرى و هذه كلها أدلة شاهدة بتعيين عليللخلافة دون غيره فمنها ما هو غير معروف و منها ما هو بعيد عن تأويلهم ثم منهم منيرى أن هذه النصوص تدل على تعيين علي و تشخيصه. و كذلك تنتقل منه إلى من بعده وهؤلاء هم الإمامية و يتبرأون من الشيخين حيث لم يقدموا علياً و يبايعوه بمقتضى هذهالنصوص و يغمصون في إمامتهما و لا يلتفت إلى نقل القدح فيهما من غلاتهم فهو مردودعندنا و عندهم و منهم من يقول أن هذه الأدلة إنما اقتضت تعيين علي بالوصف لا بالشخصو الناس مقصرون حيث لم يصغوا الوصف موضعه و هؤلاء هم الزيدية و لا يتبرأون منالشيخين و لا يغمصون في إمامتهما مع قولهم بأن علياً أفضل منهما لكنهم يجوزون إمامةالمفضول مع وجود الأفضل.
ثم اختلفت نقول هؤلاء الشيعة في مساق الخلافة بعد عليفمنهم من ساقها في ولد فاطمة بالنص عليهم واحداً بعد واحد على ما يذكر بعد و هؤلاءيسمون الإمامية نسبةً إلى مقالتهم باشتراط معرفة الإمام و تعيينه في الإيمان و هيأصل عندهم و منهم من ساقها في ولد فاطمة لكن بالاختيار من الشيوخ و يشترط أن يكونالإمام منهم عالماً زاهداً جواداً شجاعاً و يخرج داعياً إلى إمامته و هؤلاء همالزيدية نسبة إلى صاحب المذهب و هو زيد بن علي بن الحسين السبط و قد كان يناظر أخاهمحمداً الباقر على اشتراط الخروج في الإمام فيلزمه الباقر أن لا يكون أبوهما زينالعابدين إماماً لأنه لم يخرج و لا تعرض للخروج و كان مع ذلك ينعى عليه مذاهبالمعتزلة و أخذه إياها عن واصل بن عطاء و لما ناظر الإمامية زيداً في إمامة الشيخينو رأوه يقول بإمامتهما و لا يتبرأ منهما رفضوه و لم يجعلوه من الأئمة و بذلك سموارافضة و منهم من ساقها بعد علي و ابنيه السبطين على اختلافهم في ذلك إلى أخيهمامحمد بن الحنفية ثم إلى ولده و هم الكيسانية نسبة إلى كيسان مولاه و بين هذهالطوائف اختلافات كثيرة تركناها اختصاراً و منهم طوائف يسمون الغلاة تجاوزوا حدالعقل و الإيمان في القول بألوهية هؤلاء الأئمة. إما على أنهم بشر اتصفوا بصفاتالألوهية أو أن الإله حل في ذاته البشرية و هو قول بالحلول يوافق مذهب النصارى فيعيسى صلوات الله عليه و لقد حرق علي رضي الله عنه بالنار من ذهب فيه إلى ذلك منهم وسخط محمد بن الحنفية المختار بن أبي عبيد لما بلغه مثل ذلك عنه فصرح بلعنته والبراءة منه و كذلك فعل جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه بمن بلغه مثل هذا عنه ومنهم من يقول إن كمال الإمام لا يكون لغيره فإذا مات انتقلت روحه إلى إمام آخرليكون فيه ذلك الكمال و هو قول بالتناسخ و من هؤلاء الغلاة من يقف عند واحد منالأئمة لا يتجاوزه إلى غيره بحسب من يعين لذلك عندهم و هؤلاء هم الواقفية فبعضهميقول هو حي لم يمت إلا أنه غائب عن أعين الناس و يستشهدون لذلك بقصة الخضر قيل مثلذلك في علي رضي الله عنه لم أنه في السحاب و الرعد صوته و البرق في صوته و قالوامثله في محمد بن الحنيفة و إنه في جبل رضوى من أرض الحجاز.
و قال شاعرهم.
ألا أن الأئمة من قريش ولاة الحق أربعة سواء
علي و الثلاثة من بنيه هم الأسباط ليس بهم خفاء
فسبط سبط إيمان و بر و سبط غيبته كربلاء
و سبط لا يذوق الموت حتى يقود الجيش يقدمه اللواء
تغيب لا يرى فيهم زماناً برضوى عنده عسل و ماء
و قال مثله غلاة الإمامية و خصوصاً الاثنا عشرية منهم يزعمون أن الثانيعشر من أئمتهم و هو محمد بن الحسن العسكري و يلقبونه المهدي دخل في سرداب بدارهم فيالحلة و تغيب حين اعتقل مع أمه و غاب هنالك و هو يخرج آخر الزمال فيملأ الأرض عدلاًيشيرون بذلك إلى الحديث الواقع في كتابالترمذيفيالمهدي و هم إلى الآن ينتظرونه و يسمونه المنتظر لذلك، و يقفون في كل ليلة بعدصلاة المغرب بباب هذا السرداب و قد قدموا مركباً فيهتمون باسمه و يدعونه للخروج حتىتشتبك النجوم ثم ينفضون و يرجئون الأمر إلى الليلة الآتية و هم على ذلك لهذا العهدو بعض هؤلاء الواقفية يقول أن الإمام الذي مات يرجع إلى حياته الدنيا و يستشهدونلذلك بما وقع في القرآن الكريم من قصة أهل الكهف و الذي مر على قرية و قتيل بنيإسرائيل حين ضرب بعظام البقرة التي أمروا بذبحها و مثل ذلك من الخوارق التي وقعتعلى طريق المعجزة و لا يصح الاستشهاد بها في غير مواضعها و كان من هؤلاء السيدالحميري و من شعره في ذلك
إذا ما المرء شاب له قذال وعللهالمواشط بالخضاب
فقد ذهبت بشاشته و أودى فقم يا صاحنبك على الشباب
إلى يوم تتوب الناس فيه إلى دنياهمقبل الحساب
فليس بعائد مافات منه إلى أحد إلىيوم الإياب
أدين بأن ذلك دين حق وما أنا فيالنشور بذي ارتياب
كذاك الله أخبر عن أناس حيوامن بعد درس في التراب
و قد كفانا مؤونة هؤلاء الغلاة أئمة الشيعة فإنهملا يقولون بها و يبطلون احتجاجاتهم عليها و أما الكيسانية فساقوا الإمامة من بعدمحمد بن الحنفية إلى ابنه أبي هاشم و هؤلاء هم الهاشمية ثم افترقوا فمنهم من ساقهابعده إلى أخيه علي ثم إلى ابنه الحسن بن علي و آخرون يزعمون أن أبا هاشم لما ماتبأرض السراة منصرفاً من الشام أوصى إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس و أوصىمحمد إلى ابنه ابراهيم المعروف بالإمام و أوصى هو إلى أخيه عبد الله بن الحارثيةالملقب بالسفاح و أوصى هو إلى أخيه عبد الله أبي جعفر الملقب بالمنصور و انتقلت فيولده بالنص و العهد واحداً بعد واحد إلى آخرهم و هذا مذهب الهاشمية القائمين بدولةبني العباس و كان منهم أبو مسلم و سليمان بن كثير و أبو سلمة الخلال و غيرهم منشيعة العباسية و ربما يعضدون ذلك بأن حقهم في هذا الأمر يصل إليه من العباس لأنهكان حياً وقت الوفاة و هو أولى بالوراثة بعصبية العمومة و أما الزيدية فساقواالإمامة على مذهبهم فيها و إنها باختيار أهل الحل و العقد لا بالنص فقالوا بإمامةعلي ثم ابنه الحسن ثم أخيه الحسين ثم ابنه زيد بن علي و هو صاحب هذا المذهب و خرجبالكوفة داعياً إلى الإمامة فقتل و صلب بالكناسة و قال الزيدية بإمامة ابنه يحيى منبعده فمضى إلى خراسان و قتل بالجوزجان بعد أن أوصى إلى محمد بن عبد الله بن حسن بنالحسن السبط و يقال له النفس الزكية، فخرج بالحجاز و تلقب بالمهدي و جاءته عساكرالمنصور فقتل و عهد إلى أخيه إبراهيم فقام بالبصرة و معه عيسى بن زيد بن علي فوجهإليهم المنصور عساكره فهزم و قتل إبراهيم و عيسى و كان جعفر الصادق أخبرهم بذلك كلهو هي معدودة في كراماته و ذهب آخرون منهم إلى أن الامام بعد محمد ابن عبد اللهالنفس الزكية هو محمد بن القاسم بن علي بن عمر، و عمر هو أخو زيد بن علي فخرج محمدبن القاسم بالطالقان فقبض عليه و سيق إلى المعتصم فحبسه و مات في حبسه و قال آخرونمن الزيدية أن الإمام بعد يحيى بن زيد هو أخوه عيسى الذي حصر مع إبراهيم بن عبدالله في قتاله مع منصور و نقلوا الإمامة في عقبه و إليه انتسب دعي الزنج كما نذكرهفي أخبارهم و قال آخرون من الزيدية أن الإمام بعد محمد بن عبد الله أخوة إدريس الذيفر إلى المغرب و مات هنالك و قام بأمر ابنه إدريس و اختط مدينة فاس و كان من بعدهعقبه ملوكاً بالمغرب إلى أن انقرضوا كما نذكره في أخبارهم. و بقي أمر الزيدية بعدذلك غير منتظم و كان منهم الذاعي الذي ملك طبرستان و هو الحسن بن زيد بن محمد بنإسماعيل بن الحسن بن زيد بن علي بن الحسين السبط و أخوه محمد بن زيد ثم قام بهذهالدعوة في الديلم الناصر الأطروش منهم، و أسلموا على يده و هو الحسن بن علي بنالحسن بن علي بن عمر و عمر أخو زيد بن علي فكانت لبنيه بطبرستان دولة و توصل الديلممن نسبهم إلى الملك و الاستبداد على الخلفاء ببغداد كما نذكر في أخبارهم. و أماالإمامية فساقوا الإمامة من علي الرضى إلى ابنه الحسن بالوصية ثم إلى أخيه الحسينثم إلى ابنه علي زين العابدين ثم إلى ابنه محمد الباقر ثم إلى ابنه جعفر الصادق ومن هنا افترقوا فرقتين فرقة ساقها إلى ولده إسماعيل و يعرفونه بينهم بالإمام و همالاسماعيلية و فرقة ساقوها إلى ابنه موسى الكاظم و هم الاثنا عشرية لوقوفهم عندالثاني عشر من الأئمة و قولهم بغيبته إلى آخر الزمان كما مر فأما الإسماعيليةفقالوا بإمامة اسماعيل الإمام بالنص من أبيه جعفر و فائدة النص عليه عندهم و إن كانقد مات قبل أبيه إنما هو بقاء الإمامة في عقبه كقصة هارون مع موسى صلوات اللهعليهما قالوا انتقلت الإمامة من إسماعيل إلى ابنه محمد المكتوم و هو أول الأئمةالمستورين لأن الإمام عندهم قد لا يكون له شوكة فيستتر و تكون دعاته ظاهرين إقامةللحجة على الخلق و إذا كانت له شوكة ظهر و أظهر دعوته قالوا و بعد محمد المكتومابنه جعفر الصادق و بعده ابنه محمد الحبيب و هو آخر المستورين و بعده ابنه عبد اللهالمهدي الذي أظهر دعوته أبو عبد الله الشيعي في كتامة و تتابع الناس على دعوته ثمأخرجه من معتقله بسجلماسة و ملك القيروان و المغرب و ملك بنوه من بعده مصر كما هومعروف في أخبارهم و يسمى هؤلاء نسبة إلى القول بإمامة إسماعيل و يسمون أيضاًبالباطنية نسبة إلى قولهم بالإمام الباطن أي المستور و يسمون أيضاً الملحدة لما فيضمن مقالتهم من الإلحاد و لهم مقالات قديمة و مقالات جديدة دعا إليها الحسن بن محمدالصباح في آخر المائة الخامسة و ملك حصوناً بالشام و العراق و لم تزل دعوته فيهاإلى أن توزعها الهلاك بين ملوك الترك بمصر و ملوك التتر بالعراق فانفرضت. و مقالةهذا الصباح في دعوته مذكورة في كتابالملل و النحلللشهرستاني.و أما الاثنا عشرية فربما خصوا باسم الإمامية عندالمتأخرين منهم فقالوا بإمامة موسى الكاظم بن جعفر الصادق لوفاة أخيه الأكبرإسماعيل الإمام في حياة أبيهما جعفر فنص على إمامة موسى هذا ثم ابنه علي الرضا الذيعهد إليه المأمون و مات قبله لم يتم له أمر ثم ابنه محمد التقي ثم ابنه علي الهاديثم ابنه محمد الحسن العسكري ثم ابنه محمد المهدي المنتظر الذي قدمناه قبل و في كلواحدة من هذه المقالات للشيعة اختلاف كثير إلا أن هذه أشهر مذاهبهم و من أراداستيعابها و مطالعتها فعليهبكتاب الملل و النحللابن حزموالشهرستانيو غيرهماففيها بيان ذلك و الله يضل من يشاء و يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم و هو العليالكبير.
الفصل الثامن و العثسرون في انقلاب الخلافةإلى الملك
إعلم أن الملك غاية طبيعية للعصبية ليس وقوعه عنها باختيار إنما هو بضرورة الوجود وترتيبه كما قلناه من قبل و أن الشرائع و الديانات و كل أمر يحل عليه الجمهور فلا بدفيه من العصبية إذ المطالبة لا تتم إلا بها كما قدمناه.
فالعصبية ضرورية للملةو بوجودها يتم أمر الله منها و في الصحيح ما بعث الله نبياً إلا في منعة من قومه ثموجدنا الشارع قد ذم العصبية و ندب إلى إطراحها و تركها فقال: إن الله أذهب عنكمعبية الجاهلية و فخرها بالآباء أنتم بنو آدم و آدم من تراب، و قال تعالىإن أكرمكم عند الله أتقاكمو وجدناه أيضاً قد ذم الملك و أهله ونعى على أهله أحوالهم من الاستمتاع بالخلاق و الإسراف في غير القصد و التنكب عنصراط الله و إنما حض على الإلفة في الدين و حذر من الخلاف و الفرقة، و أعلم أنالدنيا كلها و أحوالها مطية للآخرة و من فقد المطية فقد الوصول، و ليس مراده فيماينهى عنه أو يذمه من أفعال البشر أو يندب إلى تركه إهماله بالكلية أو اقتلاعه منأصله و تعطيل القوى التي ينشأ عليها بالكلية إنما قصده تصريفها في أغراض الحق جهدالاستطاعة حتى تصير المقاصد كلها حقاً و تتحد الوجهة كما قال صلى الله عليه و سلم:من كانت هجرته إلى الله و رسوله فهجرته إلى الله و رسوله و منكانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه.فلميذم الغضب و هو يقصد نزعه من الإنسان فإنه لو زالت منه قوة الغضب لفقد منه الانتصارللحق و بطل الجهاد و إعلاء كلمة الله و إنما يذم الغضب للشيطان و للأغراض الذميمةفإذا كان الغصب لذلك كان مذموماً و إذا كان الغضب في الله و لله كان ممدوحاً و هومن شمائله صلى الله عليه و سلم و كذا ذم الشهوات أيضاً ليس المراد إبطالها بالكليةفإن من بطلت شهوته كان نقصاً في حقه و إنما المراد تصريفها فيما أبيح له باشتمالهعلى المصالح ليكون الإنسان عبداً متصرفاً طوع الأوامر الإلهية و كذا العصبية حيثذمها الشارع و قاللن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم،فإنمامراده حيث تكون العصبية على الباطل و أحواله كما كانت في الجاهلية و أن يكون لأحدفخر بها أو حق على أحد لأن ذلك مجال من أفعال العقلاء و غير نافع في الآخرة التي هيدار القرار فأما إذا كانت العصبية في الحق و إقامة أمر الله فأمر مطلوب و لو بطللبطلت الشرائع إذ لا يتم قوامها إلا بالعصبية كما قلناه من قبل و كذا الملك لما ذمهالشارع لم يذم منه الغلب بالحق و قهر الكافة على الدين و مراعاة المصلح و إنما ذمهلما فيه من التغلب بالباطل و تصريف الآدميين طوع الأغراض و الشهوات كما قلناه، فلوكان الملك مخلصاً في غلبه للناس أنه لله و لحملهم على عبادة الله و جهاد عدوه لميكن ذلك مذموماً و قد قال سليمان صلوات الله عليه: ربي هب لي ملكاً لا ينبغي لأحدمن بعدي.
لما علم من نفسه أنه بمعزل عن الباطل في النبؤة و الملك. و لما لقيمعاوية عمر بن الخطاب رضي الله عنهما عند قدومه إلى الشام في أبهة الملك وزيه منالعديد و العدة استنكر ذلك و قال: أكسروية يا معاوية فقال يا أمير المؤمنين أنا فيثغر تجاه العدو و بنا إلى مباهاتهم بزينة الحرب و الجهاد حاجة فسكت و لم يخطئه لمااحتج عليه بمقصد من مقاصد الحق و الدين فلو كان القصد رفض الملك من أصله لم يقنعهالجواب في تلك الكسروية و انتحالها بل كان يحرض على خروجه عنها بالجملة و إنما أرادعمر بالكسروية ما كان عليه أهل فارس في ملكهم من ارتكاب الباطل و الظلم و البغي وسلوك شبله و الغفلة عن الله و أجابه معاوية بأن القصد بذلك ليس كسروية فارس وباطلهم و إنما قصده بها وجه الله فسكت، و هكذا كان شأن الصحابة في رفض الملك وأحواله و نسيان عوائده حذراً من التباسها بالباطل فلما استحضر رسول الله صلى اللهعليه و سلم استخلف أبا بكر على الصلاة إذ هي أهم أمور الدين و ارتضاه الناس للخلافةو هي حمل الكافة على أحكام الشريعة و لم يجر للملك ذكر لما أنه مظنة للباطل و نخلةيومئذ لأهل الكفر و أعداء الدين فقام بذلك أبو بكر ما شاء الله متبعاً سنن صاحبهوقاتل أهل الردة حتى اجتمع العرب على الإسلام ثم عهد إلى عمر فاقتفى أثره و قاتلالأمم فغلبهم و أذن للعرب بانتزاع ما بأيديهم من الدنيا و الملك فغلبوهم عليه وانتزعوه منهم ثم صارت إلى عثمان بن عفان ثم إلى علي رضى عنهما و الكل متبرئون منالملك منكبون عن طرقه و أكد ذلك لديهم ما كانوا عليه من عضاضة الإسلام و بداوةالعرب فقد كانوا أبعد الأمم عن أحوال الدنيا و ترفها لا من حيث دينهم الذي يدعوهمإلى الزهد في النعيم و لا من حيث بداوتهم و مواطنهم و ما كانوا عليه من خشونة العيشو شظفه الذي ألفوه، فلم تكن أمة من الأمم أسغب عيشاً من مضر لما كانوا بالحجاز فيأرض غير ذات زرع و لا ضرع و كانوا ممنوعين من الأرياف و حبوبها لبعدها و اختصاصهابمن وليها من ربيعة و اليمن فلم يكونوا يتطاولون إلى خصبها و لقد كانوا كثيراً مايأكلون العقارب و الخنافس و يفخرون بأكل العلهز و هو وبر الإبل يمهونه بالحجارة فيالدم و يطبخونه و قريبا من هذا كانت حال قريش في مطاعمهم و مساكنهم حتى إذا اجتمعتعصبية العرب على الدين بما أكرمهم الله من نبوة محمد صلى الله عليه و سلم زحفوا إلىأمم فارس و الروم و طلبوا ما كتب الله لهم من الأرض بوعد الصدق فابتزوا ملكهم واستباحوا دنياهم فزخرت بحار الرفه لديهم حتى كان الفارس الواحد يقسم له في بعضالغزوات ثلاثون ألفاً من الذهب أو نحوها فاستولوا من ذلك على مالا يأخذه الحصر و هممع ذلك على خشونة عيشهم فكان عمر يرقع ثوبه بالجلد و كان علي يقول: يا صفراء و يابيضاء غري غيري و كان أبو موسى يتجافى عن أكل الدجاج لأنه لم يعهدها للعرب لقلتهايومئذ و كانت المناخل مفقودةً عندهم بالجملة و إنما يأكلون الحنطة بنخالها ومكاسبهم مع هذا أتم ما كانت لأحد من أهل العالم قال:المسعوديفي أيام عثمان أفتى الصحابة الضياع و المال فكان له يوم قتل عند خازنه خمسونو مائة ألف دينار و ألف ألف درهم و قيمة ضياعه بوادي القرى و حنين و غيرهما مائتاألف دينار و خلف إبلاً و خيلاً كثيرةً و بلغ الثمن الواحد من متروك الزبير بعدوفاته خمسين ألف دينار و خلف ألف فرس و ألف أمة و كانت غلة طلحة من العراق ألفدينار كل يوم و من ناحية السراة أكثر من ذلك و كان على مربط عبد الرحمن بن عوف ألففرس و له ألف بعير و عشرة آلاف من الغنم و بلغ الربع من متروكه بعد وفاته أربعة وثمانين ألفاً و خلف زيد بن ثابت من الفضة و الذهب ما كان يكسر بالفؤوس غير ما خلفمن الأموال و الضياع بمائة ألف دينار و بنى الزبير داره بالبصرة و كذلك بنى بمصر والكوفة والإسكندرية و كذلك بنى طلحة داره بالكوفة و شيد دارة بالمدينة وبناها بالجصو الآجر و الساج و بنى سعد بن أبي وقاص داره بالعقيق و رفع سمكها و أوسع فضاءها وجعل على أعلاها شرفات و بنى المقداد داره بالمدينة و جعلها مجصصة الظاهر و الباطن وخلف يعلى بن منبه خمسين ألف دينار و عقاراً و غير ذلك ما قيمته ثلاثمائة ألف درهممن كلامالمسعودي.فكانت مكاسب القوم كما تراه و لم يكنذلك منيعاً عليهم في دينهم إذ هي أموال حلال لأنها غنائم و فيوء و لم يكن تصرفهمفيها بإسراف إنما كانوا على قصد في أحوالهم كما قلناه فلم يكن ذلك بقادح فيهم و أنكان الاستكثار من الدنيا مذموماً فإنما يرجع إلى ما أشرنا إليه من الإسراف و الخروجبه عن القصد و إذا كان حالهم قصداً و نفقاتهم في سبيل الحق و مذاهبه كان ذلكالاستكثار عوناً لهم على طرق الحق و اكتساب الدار الآخرة فلما تدرجت البداوة والغضاضة إلى نهايتها و جاءت طبيعة الملك التي هي مقتضى العصبية كما قلناه و حصلالتغلب و القهر كان حكم ذلك الملك عندهم حكم ذلك الرفه و الاستكثار من الأموال فلميصرفوا ذلك التغلب في باطل ولا خرجوا به عن مقاصد الديانة و مذاهب الحق، و لماوقعت الفتنة بين علي و معاوية و هي مقتضى العصبية كان طريقهم فيها الحق و الاجتهادو لم يكونوا في محاربتهم لغرض دنيوي أو لإيثار باطل أو لاستشعار حقد كما قد يتوهمهمتوهم وينزع إليه ملحد و إنما اختلف اجتهادهم في الحق و سفه كل واحد نظر صاحبهباجتهاده في الحق فاقتتلوا عليه و إن كان المصيب عليا فلم يكن معاوية قائماً فيهابقصد الباطل إنما قصد الحق و أخطأ و الكل كانوا في مقاصدهم على حق ثم اقتضت طبيعةالملك الانفراد بالمجد و استئثار الواحد به و لم يكن لمعاوية أن يدفع عن نفسه وقومه فهو أمر طبيعي ساقته العصبية بطبيعتها و استشعرته بنو أمية و من لم يكن علىطريقة معاويه في اقتفاء الحق من أتباعهم فاعصوصبوا عليه و استماتوا دونه و لو حملهممعاوية على غير تلك الطريقة و خالفهم في الانفراد بالأمر لوقوع في افتراق الكلمةالتي كان جمعها و تأليفها أهم عليه من أمر ليس وراءه كبير مخالفة و قد كان عمر بنعبد العزيز رضي الله عنه يقول: إذا رأى القاسم بن محمد بن أبي بكر لو كان لي منالأمر شيء لوليته الخلافة و لو أراد أن يعهد إليه لفعل و لكنة كان يخشى من بنى أميةأهل الحل و العقد لما ذكرناه فلا يقدر أن يحول الأمر عنهم لئلا تقع الفرقة. و هذاكله إنما حمل عليه منازع الملك التي هي مقتضى العصبية فالملك إذا حصل و فرضنا أنالواحد انفرد به و صرفه في مذاهب الحق و وجوهه لم يكن في ذلك نكير عليه و لقد انفردسليمان و أبوه داود صلوات الله عليهما بملك بنى إسرائيل لما اقتضته طبيعة الملك منالانفراد به وكانوا ما علمت من النبؤة و الحق و كذلك عيد معاوية إلى يزيد خوفاً منافتراق الكلمة بما كانت بنو أمية لم يرضوا تسليم الأمر إلى من سواهم. فلو قد عهدإلى غيره اختلفوا عليه مع أن ظنهم كان به صالحاً و لا يرتاب أحد في ذلك و لا يظنبمعاوية غيره فلم يكن ليعهد إليه و هو يعتقد ما كان عليه من الفسق حاشا اللهلمعاوية من ذلك و كذلك كان مروان بن الحكم و ابنه و أن كانوا ملوكاً لم يكن مذهبهمفي الملك مذهب أهل البطالة و البغي إنما كانوا متحرين لمقاصد الحق جهدهم إلا فيضرورة تحملهم على بعضها مثل خشية افتراق الكلمة الذي هو أهم لديهم من كل مقصد يشهدلذلك ما كانوا عليه من الاتباع و الإقتداء و ما علم السلف من أحوالهم و مقاصدهم فقداحتج مالك في الموطأ بعمل عند الملك و أما مروان فكان من الطبقة الأولى من التابعينو عدالتهم معروفة ثم تدرج الأمر في ولد عبد الملك و كانوا من الدين بالمكان الذيكانوا عليه و توسطهم عمر بن عبد العزيز فنزع إلى طريقة الخلفاء الأربعة و الصحابةجهده و لم يهمل. ثم جاء خلفهم و استعملوا طبيعة الملك في أغراضهم الدنيوية ومقاصدهم و نسوا ما كان عليه سلفهم من تحري القصد فيها و اعتماد الحق في مذاهبهافكان ذلك مما دعا الناس إلى أن نعوا عليهم أفعالهم و أدالوا بالدعوة العباسية منهمو ولي رجالها الأمر فكانوا من العدالة بمكان و صرفوا الملك في وجوه الحق و مذاهبهما استطاعوا حتى جاء بنو الرشيد من بعده فكان منهم الصالح و الطالح ثم أفضى الأمرإلى بنيهم فأعطوا الملك و الترف حقه و انغمسوا في الدنيا و باطلها و نبذوا الدينوراءهم ظهرياً فتأذن الله بحربهم و انتزاع الأمر من أيدي العرب جملة و أمكن سواهم والله لا يظلم مثقال ذرة. و من تأمل سير هؤلاء الخلفاء و الملوك و اختلافهم في تحريالحق من الباطل علم صحة ما قلناه و قد حكاهالمسعوديمثله في أحوال بنى أمية عن أبي جعفر المنصور و قد حصر عمومته و ذكروا بنيأمية فقال: أما عبد الملك فكان جباراً لا يبالي بما صنع و أما سليمان فكان همهبطنه و فرجه و أما عمر فكان أعور بين عميان و كان رجل القوم هشام قال و لم يزل بنوأمية ضابطين لما مهد لهم من السلطان يحوطونه و يصونون ما و هب الله لهم منه معتسلمهم معالي الأمور و رفضهم دنياتها حتى أفضى الأمر إلى أبنائهم المترفين فكانتهمتهم قصد الشهوات و ركوب اللذات من معاصي الله جهلاً باستدراجه و أمناً لكره معاطراحهم صيانة الخلافة و استخفافهم بحق الرئاسة و ضعفهم عن السياسة فسلبهم اللهالعز و ألبسهم الذل و نفى عنهم النعمة ثم استحضر عبد الله ابن مروان فقص عليه خبرهمع ملك النوبة لما دخل أرضهم فاراً أيام السفاح قال أقمت ملياً ثم أتاني ملكهم فقعدعلى الأرض و قد بسطت لي فرش ذات قيمة فقلت ما منعك عن القعود على ثيابنا فقال إنيملك و حق لكل ملك أن يتواضع لعظمة الله إذ رفعه الله ثم قال لي: لم تشربون الخمر وهي محرمة عليكم في كتابكم ؟ فقلت: اجترأ على ذلك عبيدنا و أتباعنا قال: فلم تطئونالزرع بدوابكم و الفساد محرم عليكم ؟ قلت: فعل ذلك عبيدنا و أتباعنا بجهلهم قال:فلم تلبسون الديباج و الذهب و الحرير و هو محرم عليكم في كتابكم ؟ قلت: ذهب مناالملك و انتصرنا بقوم من العجم دخلوا في ديننا فلبسوا ذلك على الكره منا، فأطرقينكث بيده في الأرض و يقول عبيدنا و أتباعنا و أعاجم دخلوا في ديننا ثم رفع رأسهإلي و قال: ليس كما ذكرت بل أنتم قوم استحللتم ما حرم الله عليكم وأتيتم ما عنهنهيتم و ظلمتم فيما ملكتم فسلبكم الله العز و ألبسكم الذل بذنوبكم و لله نقمة لمتبلغ غايتها فيكم و أنا خائف أن يحل بكم العذاب و أنتم ببلدي فينالني معكم و إنماالضيافة ثلاث فتزود ما احتجت إليه و ارتحل عن أرضي فتعجب المنصور و أطرق فقد تبينلك كيف انقلبت الخلافة إلى الملك و أن الأمر كان في أوله خلافة و وازع كل أحد فيهامن نفسه و هو الدين و كانوا يؤثرونه على أمور دنياهم و أن أفضت إلى هلاكهم وحدهمدون الكافة فهذا عثمان لما حصر في الدار جاءه الحسن و الحسين و عبد الله بن عمر وابن جعفر وأمثالهم يريدون المدافعة عنه فأبى و منع من سل السيوف بين السلمين مخافةالفرقة و حفظاً للإلفة التي بها حفظ الكلمة و لو أدى إلى هلاكه. و هذا علي أشارعليه المغيرة لأول ولايته باستبقاء الزبير ومعاوية و طلحة على أعمالهم حتى يجتمعالناس على بيعته و تتفق الكلمة و له بعد ذلك ما شاء من أمره و كان ذلك من سياسةالملك فأبى فراراً من الغش الذي ينافيه الإسلام و غدا عليه المغيرة من الغداة فقال: لقد أشرت عليك بالأمس بما أشرت ثم عدت إلى نظري فعلمت أنه ليس من الحق و النصيحةوأن الحق فيما رأيته أنت فقال علي: لا و الله بل أعلم أنك نصحتني بالأمس و غششتنياليوم و لكن منعني مما أشرت به زائد الحق و هكذا كانت أحوالهم في إصلاح دينهم بفساددنياهم و نحن:
نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع
فقد رأيت كيف صار الأمر إلى الملك و بقيت معاني الخلافة منتحري الدين ومذاهبه و الجري على منهاج الحق و لم يظهر التغير إلا في الوازع الذيكان ديناً ثم انقلب عصبيةً و سيفاً و هكذا كان الأمر لعهد معاوية و مروان و ابنهعبد الملك و الصدر الأول من خلفاء بني العباس إلى الرشيد و بعض ولده ثم ذهبت معانيالخلافة و لم يبق إلا اسمها و صار الأمر ملكاً بحتاً و جرت طبيعة التغلب إلى غايتهاو استعملت في أغراضها من القهر التقلب في الشهوات و الملاذ و هكذا كان الأمر لولدعبد الملك و لمن جاء بعد الرشيد من بني العباس و اسم الخلافة باقياً فيهم لبقاءعصبية العرب و الخلافة و الملك في الطورين ملتبس بعضهما ببعض ثم ذهب رسم الخلافة وأثرها بذهاب عصبية العرب و فناء جيلهم و تلاشى أحوالهم وبقى الأمر ملكاً بحتاً كماكان الشأن في ملوك العجم بالمشرق يدينون بطاعة الخليفة تبركاً و الملك بجميع ألقابهو مناحيه لهم و ليس للخليفة منه شيء و كذلك فعل ملوك زناتة بالمغرب مثل صنهاجة معالعبيديين و مغراوة و بني يفرن أيضاً مع خلفاء بني أمية بالأندلس و العبيديينبالقيروان فقد تبين أن الخلافة قد وجدت بدون الملك أولا ثم التبست معانيهما واختلطت ثم انفرد الملك حيث افترقت عصبيته من عصبية الخلافة و الله مقدر الليل والنهار و هو الواحد القهار.
الفصل التاسع و العشرون في معنى البيعة
إعلم أن البيعة هي العهد على الطاعة كأن المبايع يعاهد أميره على أنه يسلم لهالنظر في أمر نفسه و أمور المسلمين لا ينازعه في شيء من ذلك و يطيعه فيما يكلفه بهمن الأمر على المنشط و المكره و كانوا إذا بايعوا الأمير و عقدوا عهده جعلوا أيديهمفي يديه تأكيداً للعهد فأشبه ذلك فعل البائع و المشتري فسمي بيعةً مصدر باع و صارتالبيعة مصافحةً بالأيدي هذا مدلولها في عرف اللغة و معهود الشرع و هو المراد فيالحديث في بيعة النبي صلى الله عليه و سلم ليلة العقبة و عند الشجرة وحيثما و ردهذا اللفظ و منه بيعة الخلفاء و منه أيمان البيعة كان الخلفاء يستحلفون على العهد ويستوعبون الأيمان كلها لذلك فسمي هذا الاستيعاب إيمان البيعة و كان الإكراه فيهاأكثر و أغلب و لهذا لما أفتى مالك رضي الله عنه بسقوط يمين الإكراه أنكرها الولاةعليه و رأوها قادحةً في أيمان البيعة، و وقع ما وقع من محنة الإمام رضي الله عنه وأما البيعة المشهورة لهذا العهد فهي تحية الملوك الكسروية من تقبيل الأرض أو اليدأو الرجل أو الذيل أطلق عليها اسم البيعة التي هي العهد على الطاعة مجازاً لما كانهذا الخضوع في التحية و التزام الآداب من لوازم الطاعة و توابعها و غلب فيه حتىصارت حقيقيةً عرفيةً و استغنى بها عن مصافحة أيدي الناس التي هي الحقيقة في الأصللما في المصافحة لكل أحد من التنزل و الابتذال المنافيين للرئاسة و صون المنصبالملوكي إلا في الأقل ممن يقصد التواضع من الملوك فيأخذ به نفسه مع خواصه و مشاهيرأهل الدين من رعيته فافهم معنى البيعة في العزف فإنه أكيد على الإنسان معرفته لمايلزمه من حق سلطانه و إمامه و لا تكون أفعاله عبثاً و مجاناً و اعتبر ذلك من أفعالكمع الملوك و الله القوي العزيز.
الفصل الثلاثون في ولاية العهد
إعلم أنا قدمنا الكلام في الإمامة و مشروعيتهالما فيها من المصلحة و أن حقيقتها للنظر في مصالح الأمة لدينهم و دنياهم فهو وليهمو الأمين عليهم ينظر لهم ذلك في حياته و يتبع ذلك أن ينظر لهم بعد مماته و يقيم لهممن يتولى أمورهم كما كان هو يتولاها ويثقون بنظره لهم في ذلك كما و ثقوا به فيماقبل و قد عرف ذلك من الشرع بإجماع الأمة على جوازه و انعقاده إذ وقع بعهد أبي بكررضي الله عنه لعمر بمحضر من الصحابة و أجازوه و أوجبوا على أنفسهم به طاعة عمر رضيالله عنه و عنهم و كذلك عهد عمر في الشورى إلى الستة بقية العشرة و جعل لهم أنيختاروا للمسلمين ففوض بعضهم إلى بعض حتى أفضى ذلك إلى عبد الرحمن بن عوف فاجتهد وناظر المسلمين فوجدهم متفقين على عثمان و على علي فآثر عثمان بالبيعة على ذلكلموافقته إياه على لزوم الاقتداء بالشيخين في كل ما يعن دون اجتهاده فانعقد أمرعثمان لذلك و أوجبوا طاعته و الملأ من الصحابة حاضرون للأولى و الثانية و لم ينكرهأحد منهم فدل على أنهم متفقون على صحة هذا العهد عارفون بمشروعيته.
و الإجماعحجة كما عرف ولايتهم الإمام في هذا الأمر و أن عهد إلى أبيه أو ابنه لأنه مأمون علىالنظر لهم في حياته فأولى أن لا يحتمل فيها تبعةً بعد مماته خلافاً لمن قال باتهامهفي الولد و الوالد أو لمن خصص التهمة بالولد دون الوالد فإنه بعيد عن الظنة في ذلككله لا سيما إذا كانت هناك داعية تدعو إليه من إيثار مصلحة أو توقع مفسدة فتنتفيالظنة في ذلك رأساً كما وقع في عهد معاوية لابنه يزيد و إن كان فعل معاوية مع وفاقالناس له حجة في الباب و الذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون من سواه إنماهو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس و اتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل و العقد عليهحينئذ من بني أمية إذ بنو أمية يومئذ لا يرضون سواهم و هم عصابة قريش و أهل الملةأجمع و أهل الغلب منهم فآثره بذلك دون غيره ممن يظن أنه أولى بها و عدل عن الفاضلإلى الفضول حرصاً على الاتفاق و اجتماع الأهواء الذي شأنه أهم عند الشارع.
وإن كان لا يظن بمعاوية غير هذا فعدالته و صحبته مانعة من سوى ذلك وحضور أكابرالصحابة لذلك و سكوتهم عنه دليل على انتفاء الريب فيه فليسوا ممن يأخذهم في الحقهوادة و ليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق فإنهم كلهم أجل من ذلك و عدالتهممانعة منه و فرار عبد الله بن عمر من ذلك إنما هو محمول على تورعه من الدخول في شيءمن الأمور مباحاً كان أو محظوراً كما هو معروف عنه و لم يبق في المخالفة لهذا العهدالذي اتفق عليه الجمهور إلا ابن الزبير و ندور المخالف معروف ثم إنه وقع مثل ذلك منبعد معاوية من الخلفاء الذين كانوا يتحرون الحق و يعملون به مثل عبد الملك و سليمانمن بني أمية و السفاح والمنصور والمهدي و الرشيد من بني العباس و أمثالهم ممن عرفتعدالتهم و حسن رأيهم للمسلمين و النظر لهم و لا يعاب عليهم إيثار أبنائهم و إخوانهمو خروجهم عن سنن الخلفاء الأربعة في ذلك فشأنهم غير شأن أولئك الخلفاء فأنهم كانواعلى حين لم. تحدث طبيعة الملك و كان الوازع دينياً فعند كل أحد وازع من نفسهفعهدوا إلى من يرتضيه الدين فقط و آثروه على غيره و وكلوا كل من يسمو إلى ذلك إلىوازعه. و أما من بعدهم من لدن معاوية فكانت العصبية قد أشرفت على غايتها من الملكو الوازع الديني قد ضعف و احتيج إلى الوازع السلطاني و العصباني فلو عهد إلى غير منترتضيه العصبية لردت ذلك العهد و انتقض أمره سريعاً و صارت الجماعة إلى الفرقة والاختلاف.
سأل رجل علياً رضي الله عنه: ما بال المسلمين اختلفوا عليك و لميختلفوا على أبي بكر و عمر فقال: لأن أبا بكر و عمر كانا واليين على مثلي و أنااليوم وال على مثلك يشير إلى وازع الدين أفلا ترى إلى المأمون لما عهد إلى علي بنموسى بن جعفر الصادق و سماه الرضا كيف أنكرت العباسية ذلك و نقضوا بيعته و بايعوالعمه بن المهدي و ظهر من الهرج و الخلاف وانقطاع السبل و تعدد الثوار و الخوارج ماكاد أن يصطلم الأمر حتى بادر المأمون من خراسان إلى بغداد ورد أمرهم لمعاهده فلا بدمن اعتبار ذلك في العهد فالعصور تختلف باختلاف ما يحدث فيها من الأمور و القبائل والعصبيات و تختلف باختلاف المصالح و لكل واحد منها حكم يخصه لطفاً من الله بعباده وأما أن يكون القصد بالعهد حفظ التراث على الأبناء فليس من المقاصد الدينية إذ هوأمر من الله يخص به من يشاء من عباده ينبغي أن تحسن فيه النية ما أمكن خوفاً منالعبث بالمناصب الدينية و الملك لله يؤتيه من يشاء، و عرض هنا أمور تدعو الضرورةإلى بيان الحق فيها.
فالأول منها ما حدث في يزيد من الفسق أيام خلافته فإياكأن تظن بمعاوية رضي الله عنه أنه علم ذلك من يزيد فإنه أعدل من ذلك و أفضل بل كانيعذله أيام حياته في سماع الغناء و ينهاه عنه و هو أقل من ذلك و كانت مذاهبهم فيهمختلفة و لما حدث في يزيد ما حدث من الفسق اختلف الصحابة حينئذ في شأنه فمنهم منرأى الخروج عليه و نقض بيعته من أجل ذلك كما فعل الحسين و عبد الله بن الزبير رضيالله عنهما و من اتبعهما في ذلك و منهم من أباه لما فيه من إثارة الفتنة و كثرةالقتل مع العجز عن الوفاء به لأن شوكة يزيد يومئذ هي عصابة بنى أمية و جمهور أهلالحل و العقد من قريش و تستتبع عصبية مضر أجمع و هي أعظم من كل شوكة و لا تطاقمقاومتهم فأقصروا عن يزيد بسبب ذلك وأقاموا على الدعاء بهدايته و الراحة منه و هذاكان شأن جمهور المسلمين و الكل مجتهدون و لا ينكر على أحد من الفريقين فمقاصدهم فيالبر و تحري الحق معروفة وفقنا الله للاقتداء بهم.
و الأمر الثاني هو شأنالعهد مع النبي صلى الله عليه و سلم و ما تدعيه الشيعة من وصيته لعلي رضي الله عنهو هو أمر لم يصح و لا نقله أحد من أئمة النقل و الذي وقع في الصحيح من طلب الدواة والقرطاس ليكتب الوصية و أن عمر منع من ذلك فدليل واضح على أنه لم يقع و كذا قول عمررضي الله عنه حين طعن و سئل في العهد فقال: إن أعهد فقد عهد من هو خير مني يعنيأبا بكر و إن أترك فقد ترك من هو خير مني يعني النبي صلى الله عليه و سلم لم يعهد وكذلك قول علي للعباس رضي الله عنهما حين دعاه للدخول إلى النبي صلى الله عليه و سلميسألانه عن شأنهما في العهد فأبى على من ذلك و قال إنه إن منعنا منها فلا نطمع فيهاآخر الدهر و هذا دليل على أن علياً علم أنه لم يوص و لا عهد إلى أحد و شبهةالإمامية في ذلك إنما هي كون الإمامة من أركان الدين كما يزعمون و ليس كذلك و إنماهي من المصالح العامة المفوضة إلى نظر الخلق و لو كانت من أركان الدين لكان شأنهاشأن الصلاة و لكان يستخلف فيها كما استخلف أبا بكر في الصلاة و لكان يشتهر كمااشتهر أمر الصلاة و احتجاج الصحابة على خلافة أبي بكر بقياسها على الصلاة في قولهمارتضاه رسول الله صلى الله عليه و سلم لديننا أفلا نرضاه لدنيانا دليل على أنالوصية لم تقع. و يدل ذلك أيضاً على أن أمر الإمامة و العهد بها لم يكن مهما كماهو اليوم و شأن العصبية المراعاة في الاجتماع و الافتراق في مجاري العادة لم يكنيومئذ بذلك الاعتبار لأن أمر الدين و الإسلام كان كله بخوارق العادة من تأليفالقلوب عليه و استماتة الناس دونه و ذلك من أجل الأحوال التي كانوا يشاهدونها فيحضور الملائكة لنصرهم و تردد خبر السماء بينهم و تجدد خطاب الله في كل حادثة تتلىعليهم فلم يحتج إلى مراعاة العصبية لما شمل الناس من صبغة الانقياد و الإذعان ومايستفزهم من تتابع المعجزات الخارقة و الأحوال الإلهية الواقعة و الملائكة المترددةالتي وجموا منها و دهشوا من تتابعها فكان أمر الخلافة و الملك و العهد والعصبية وسائر هذه الأنواع مندرجاً في ذلك القبيل كما وقع فلما انحصر ذلك المدد بذهاب تلكالمعجزات ثم بفناء القرون الذين شاهدوها فاستحالت تلك الصبغة قليلاً قليلاً و ذهبتالخوارق و صار الحكم للعادة كما كان فاعتبر أمر العصبية و مجاري العوائد فيما ينشأعنها من المصالح و المفاسد و أصبح الملك والخلافة و العهد بهما مهماً من المهماتالأكيدة كما زعموا و لم يكن ذلك من قبل فانظر كيف كانت الخلافة لعهد النبي صلى اللهعليه وسلم غير مهمة فلم يعهد فيها ثم تدرجت الأهمية زمان الخلافة بعض الشيء بما دعتالضرورة إليه في الحماية والجهاد و شأن الردة و الفتوحات فكانوا بالخيار في الفعل والترك كما ذكرناه عن عمر رضي الله عنه ثم صارت اليوم من أهم الأمور للإلفة علىالحماية و القيام بالمصالح فاعتبرت فيها العصبية التي هي سر الوازع عن الفرقة والتخاذل و منشأ الاجتماع و التوافق الكفيل بمقاصد الشريعة و أحكامها.
و الأمرالثالث شأن الحروب الواقعة في الإسلام بين الصحابة و التابعين فاعلم أن اختلافهمإنما يقع في الأمور الدينية و ينشأ عن الاجتهاد في الأدلة الصحيحة و المداركالمعتبرة و المجتهدون إذا اختلفوا فإن قلنا إن الحق في المسائل الاجتهادية واحد منالطرفين و من لم يصادفه فهو مخطئ فإن جهته لا تتعين بإجماع فيبقى الكل على احتمالالإصابة و لا يتعين المخطئ منها و التأثيم مدفوع عن الكل إجماعاً و إن قلنا إن الكلحق و إن كل مجتهد مصيب فأحرى بنفي الخطأ و التأثيم و غاية الخلاف الذي بين الصحابةو التابعين أنه خلاف اجتهادي في مسائل دينية ظنية و هذا حكمه و الذي وقع من ذلك فيالإسلام إنما هو واقعة على مع معاوية و مع الزبير و عائشة و طلحة و واقعة الحسين معيزيد و واقعة ابن الزبير مع عبد الملك فأما و واقعة علي فإن الناس كانوا عند مقتلعثمان مفترقين في الأمصار فلم يشهدوا بيعة علي و الذين شهدوا فمنهم من بايع و منهممن توقف حتى يجتمع الناس و يتفقوا على إمام كسعد و سعيد و ابن عمر و أسامة بن زيد والمغيرة بن شعبة و عبد الله بن سلام و قدامة بن مظعون و أبى سعيد الخدري و كعب بنمالك و النعمان بن بشير و حسان بن ثابت و مسلمة بن مخلد و فضالة بن عبيد و أمثالهممن أكابر الصحابة و الذين كانوا في الأمصار عدلوا عن بيعته أيضاً إلى الطلب بدمعثمان و تركوا الأمر فوضى حتى يكون شورى بين المسلمين لمن يولونه و ظنوا بعلي هوادةفي السكوت عن نصر عثمان من قاتله لا في الممالأة عليه فحاش لله من ذلك.
و لقدكان معاوية إذا صرح بملامته إنما يوجهها عليه في سكوته فقط ثم اختلفوا بعد ذلك فرأىعلي أن بيعته قد انعقدت و لزمت من تأخر عنها باجتماع من اجتمع عليها بالمدينة دارالنبي صلى الله عليه و سلم و موطن الصحابة و أرجأ الأمر في المطالبة بدم عثمان إلىاجتماع الناس و اتفاق الكلمة فيتمكن حينئذ من ذلك و رأى الآخرون أن بيعته لم تنعقدلافتراق الصحابة أهل الحل و العقد بالآفاق و لم يحصر إلا قليل و لا تكون البيعة إلاباتفاق أهل الحل و العقد و لا تلزم بعقد من تولاها من غيرهم أو من القليل منهم و إنالمسلمين حينئذ فوضى فيطالبون أولاً بدم عثمان ثم يجتمعون على إمام وذهب إلى هذامعاوية و عمرو بن العاص و أم المؤمنين عائشة و الزبير و ابنه عبد الله و طلحة وابنه محمد و سعد و سعيد و النعمان بن بشير و معاوية بن خديج و من كان على رأيهم منالصحابة الذين تخلفوا عن بيعة علي بالمدينة كما ذكرنا إلا أن أهل العصر الثاني منبعدهم اتفقوا على انعقاد بيعة علي و لزومها للمسلمين أجمعين و تصويب رأيه فيما ذهبإليه و تعيين الخطأ من جهة معاوية و من كان على رأيه و خصوصاً طلحة و الزبيرلانتقاضهما على علي بعد البيعة له فيما نقل مع دفع التأثيم عن كل من الفريقينكالشأن في المجتهدين و صار ذلك إجماعاً من أهل العصر الثاني على أحد قولي أهل العصرالأول كما هو معروف.
و لقد سئل علي رضي الله عنه عن قتلى الجمل وصفين فقال: والذي نفسي بيده لا يموتن أحد من هؤلاء و قلبه نقي إلا دخل الجنة يشير إلى الفريقيننقلهالطبريو غيره فلا يقعن عندك ريب في عدالة أحد منهمو لا قدح في شيء من ذلك فهم من علمت و أقوالهم و أفعالهم إنما هي عن المستندات وعدالتهم مفروغ منها عند أهل السنة إلا قولاً للمعتزلة فيمن قاتل علياً لم يلتفتإليه أحد من أهل الحق و لا عرج عليه و إذا نظر ت بعين الإنصاف عذرت الناس أجمعين فيشأن الاختلاف في عثمان و اختلاف الصحابة من بعد و علمت أنها كانت فتنةً ابتلى اللهبها الأمة بينما المسلمون قد أذهب الله عدوهم و ملكهم أرضهم و ديارهم و نزلواالأمصار على حدودهم بالبصرة و الكوفة و الشام و مصر و كان أكثر العرب الذين نزلواهذه الأمصار جفاةً لم يستكثروا من صحبة النبي صلى الله عليه و سلم و لا ارتاضوابخلقه مع ما كان فيهم من الجاهلية من الجفاء و العصبية و التفاخر و البعد عن سكينةالإيمان و إذا بهم عند استفحال الدولة قد أصبحوا في ملكة المهاجرين و الأنصار منقريش وكنانة و ثقيف و هذيل و أهل الحجاز و يثرب السابقين الأولين إلى الإيمانفاستنكفوا من ذلك و غضوا به لما يرون لأنفسهم من التقدم بأنسابهم و كثرتهم ومصادمةفارس و الروم مثل قبائل بكر بن وائل و عبد القيس بن ربيعة و قبائل كندة و الأزد مناليمن و تميم و قيس من مضر فصاروا إلى الغض من قريش و الأنفة عليهم، و التمريض فيطاعتهم و التعلل في ذلك بالتظلم منهم و الاستعداء عليهم والطعن فيهم بالعجز عنالسوية و العدل في العدل عن السوية و فشت المقالة بذلك و انتهت إلى المدينة و هم منعلمت فأعظموه و أبلغوه عثمان فبعث إلى الأمصار من يكشف له الخبر.
بعث ابن عمرو محمد بن مسلمة و أسامة بن زيد و أمثالهم فلم ينكروا على الأمراء شيئاً و لا رأواعليهم طعناً و أدوا ذلك كما علموه فلم ينقطع الطعن من أهل الأمصار و مازالتالشناعات تنمو و رمي الوليد بن عقبة و هو على الكوفة بشرب الخمر و شهد عليه جماعةمنهم و حده عثمان و عزلة ثم جاء إلى المدينة من أهل الأمصار يسألون عزل العمال وشكوا إلى عائشة و علي و الزبير و طلحة و عزل لهم عثمان بعض العمال فلم تنقطع بذلكألسنتهم بل وفد سعيد بن العاصي وهو على الكوفة فلما رجع اعترضوه بالطريق و ردوهمعزولاً ثم انتقل الخلاف بين عثمان ومن معه من الصحابة بالمدينة و نقموا عليهامتناعه من العزل فأبى إلا أن يكون على جرحة ثم نقلوا النكير إلى غير ذلك من أفعالهو هو متمسك بالاجتهاد و هم أيضاً كذلك ثم تجمع قوم من الغوغاء وجاءوا إلى المدينةيظهرون طلب النصفة من عثمان و هم يضمرون خلاف ذلك من قتله و فيهم من البصرة والكوفة و مصر وقام معهم في ذلك علي و عائشة و الزبير و طلحة و غيرهم يحاولون تسكينالأمور و رجوع عثمان إلى رأيهم و عزل لهم عامل مصر فانصرفوا قليلاً ثم رجعوا و قدلبسوا بكتاب مدلس يزعمون أنهم لقوة في يد حامله إلى عامل مصر بأن يقتلهم و حلفعثمان على ذلك فقالوا مكنا من مروان فإنه كاتبك فحلف مروان فقال ليس في الحكم أكثرمن هذا فحاصروه بداره ثم بيتوه على حين غفلة من الناس و قتلوه وانفتح باب الفتنةفلكل من هؤلاء عذر فيما وقع و كلهم كانوا مهتمين بأمر الدين ولا يضيعون شيئاً منتعلقاته.
ثم نظروا بعد هذا الواقع و اجتهدوا و الله مطلع على أحوالهم و عالمبهم و نحن لا نظن بهم إلا خيراً لما شهدت به أحوالهم و مقالات الصادق فيهم و أماالحسين فإنه لما ظهر فسق يزيد عند الكافة من أهل عصره بعثت شيعة أهل البيت بالكوفةللحسين أن يأتيهم فيقوموا بأمره فرأى الحسين أن الخروج على يزيد متعين من أجل فسقهلا سيما من له القدرة على ذلك و ظنها من نفسه بأهليته و شوكته فأما الأهلية فكانتكما ظن و زيادة و أما الشوكة فغلط يرحمه الله فيها لأن عصبية مضر كانت في قريش وعصبية عبد مناف إنما كانت في بني أمية تعرف ذلك لهم قريش و سائر الناس و لا ينكرونهو إنما نسي ذلك أول الإسلام لما شغل الناس من الذهول بالخوارق و أمر الوحي و ترددالملائكة لنصرة المسلمين فأغفلوا أمور عوائدهم و ذهبت عصبية الجاهلية و منازعها ونسيت و لم يبق إلا العصبية الطبيعية في الحماية و الدفاع ينتفع بها في إقامة الدينو جهاد المشركين و الدين فيها محكم و العادة معزولة حتى إذا انقطع أمر النبؤة والخوارق المهولة تراجع الحكم بعض الشيء للعوائد فعادت العصبية كما كانت و لمن كانتو أصبحت مصر أطوع لبني أمية من سواهم بما كان لهم من ذلك قبل فقد تبين لك غلطالحسين إلا أنه في أمر دنيوي لا يضره الغلط فيه و أما الحكم الشرعي فلم يغلط فيهلأنه منوط بظنه و كان ظنه القدرة على ذلك و لقد عذله ابن العباس و ابن الزبير و ابنعمر و ابن الحنفية أخوه و غيره في مسيره إلى الكوفة و علموا غلطه في ذلك و لم يرجععما هو بسبيله لما أراده الله.
و أما غير الحسين من الصحابة الذين كانوابالحجاز و مع يزيد بالشام والعراق و من التابعين لهم فرأوا أن الخروج على يزيد و إنكان فاسقاً لا يجوز لما ينشأ عنه من الهرج و الدماء فأقصروا عن ذلك و لم يتابعواالحسين و لا أنكروا عليه و لا أثموه لأنه مجتهد و هو أسوة المجتهدين و لا يذهب بكالغلط أن تقول بتأثيم هؤلاء بمخالفة الحسين و قعودهم عن نصره فإنهم أكثر الصحابة وكانوا مع يزيد و لم يروا الخروج عليه و كان الحسين يستشهد بهم و هو بكربلاء علىفصله و حقه و يقول سلوا جابر بن عبد الله و أبا سعيد الخدري و أنس بن مالك و سهل بنسعيد و زيد بن أرقم و أمثالهم و لم ينكر عليهم قعودهم عن نصره و لا تعرض لذلك لعلمهأنه عن اجتهاد و إن كان هو على اجتهاد و يكون ذلك كما يحدالشافعيوالمالكيوالحنفيعلى شرب النبيذ و اعلم أن الأمر ليس كذلك و قتاله لميكن عن اجتهاد هؤلاء و إن كان خلافه عن اجتهادهم و إنما انفرد بقتاله يزيد و أصحابهو لا تقولن إن يزيد و إن كان فاسقاً و لم يجز هؤلاء الخروج عليه فأفعاله عندهمصحيحة و اعلم أنه إنما ينفذ من أعمال الفاسق ما كان مشروعاً و قتال البغاة عندهم منشرطه أن يكون مع الإمام العادل و هو مفقود في مسئلتنا فلا يجوز قتال الحسين مع يزيدو لا ليزيد بل هي من فعلاته المؤكدة لفسقه و الحسين فيها شهيد مثاب و هو على حق واجتهاد و الصحابة الذين كانوا مع يزيد على حق أيضاً و اجتهاد و قد غلط القاضيأبو بكر بن العربي المالكيفي هذا فقال في كتابه الذي سماهبالعواصم و القواصمما معناه:
إن الحسين قتل بشرعجده و هو غلط حملته عليه الغفلة عن اشتراط الإمام العادل و من أعدل من الحسين فيزمانه في إمامته و عدالته في قتال أهل الآراء و أما ابن الزبير فإنه رأى في منامهما رآه الحسين و ظن كما ظن و غلطه في أمر الشوكة أعظم لأن بني أسد لا يقاومون بنيأمية في جاهلية و لا إسلام. و القول بتعين الخطاء في جهة مخالفة كما كان في جهةمعاوية مع علي لا سبيل إليه. لأن الإجماع هنالك قضى لنا به و لم نجده ها هنا. وأما يزيد فعين خطأه فسقه. و عبد الملك صاحب ابن الزبير أعظم الناس عدالة و ناهيكبعدالته احتجاج مالك بفعله و عدول ابن عباس و ابن عمر إلى بيعته عن ابن الزبير و هممعه بالحجاز مع أن الكثير من الصحابة كانوا يرون أن بيعة ابن الزبير لم تنعقد لأنهلم يحضرها أهل العقد و الحل كبيعة مروان و ابن الزبير على خلاف ذلك و الكل مجتهدونمحمولون على الحق في الظاهر و إن لم يتعين في جهة منهما و القتل الذي نزل به بعدتقرير ما قررناه يجيء على قواعد الفقه و قوانينه مع أنه شهيد مثاب باعتبار قصده وتحريه الحق هذا هو الذي ينبغي أن تحمل عليه أفعال السلف من الصحابة و التابعين فهمخيار الأمة و إذا جعلناهم عرضة للقدح فمن الذي يختص بالعدالة و النبي صلى الله عليهو سلم يقول:خير الناس قرنيثم الذين يلونهم مرتين أوثلاثاً ثم يفشو الكذب فجعل الخيرة و هي العدالة مختصة بالقرن الأول و الذي يليهفإياك أن تعود نفسك أو لسانك التعرض لأحد منهم و لا يشوش قلبك بالريب في شيء مماوقع مهم و التمس لهم مذاهب الحق و طرقه ما استطعت فهم أولى الناس بذلك و ما اختلفواإلا عن بينة و ما قاتلوا أو قتلوا إلا في سبيل جهاد أو إظهار حق واعتقد مع ذلك أناختلافهم رحمة لمن بعدهم من الأمة ليقتدي كل واحد بمن يختاره منهم و يجعله إمامه وهادية و دليله فافهم ذلك و تبين حكمه الله في خلقه و أكوانه و اعلم أنه على كل شيءقدير و إليه الملجأ و المصير و الله تعالى أعلم.
الفصل الحادي و الثلاثون في الخطط الدينية الخلافية
لما تبين أن حقيقة الخلافةنيابة عن صاحب الشرع في حفظ الدين و سياسة الدنيا فصاحب الشرع متصرف في الأمرين أمافي الدين فبمقتضى التكاليف الشرعية الذي هو مأمور بتبليغها و حمل الناس عليها و أماسياسة الدنيا فبمقتضى رعايته لمصالحهم في العمران البشري و قد قدمنا أن هذا العمرانضروري للبشر و أن رعاية مصالحه كذلك لئلا يفسد إن أهملت و قدمنا أن الملك و سطوتهكاف في حصول هذه المصالح.
نعم إنما تكون أكمل إذا كانت بالأحكام الشرعية لأنهأعلم بهذه المصالح فقد صار الملك يندرج تحت الخلافة إذا كان إسلاميا و يكون منتوابعها و قد ينفر إذا كان في غير الملة و له على كل حال مراتب خادمة و وظائف تابعةتتعين خططاً و تتوزع على رجال الدولة وظائف فيقوم كل واحد بوظيفته حسبما يعينهالملك الذي تكون يده عاليةً عليهم فيتم بذلك أمره و يحسن قيامه بسلطانه و أماالمنصب الخلافي و إن كان الملك يندرج تحته بهذا الاعتبار الذي ذكرناه فتصرفه الدينييخص بخطط و مراتب لا تعرف إلا للخلفاء الإسلاميين فلنذكر الآن الخطط الدينيةالمختصة بالخلافة و نرجع إلى الخطط الملوكية السلطانية.
فاعلم أن الخططالدينية الشرعية من الصلاة و الفتيا و لقضاء و الجهاد و الحسبة كلها مندرجة تحتالإمامة الكبرى التي هي الخلافة فكأنها الإمام الكبير و الأصل الجامع و هذه كلهامتفرعة عنها و داخلة فيها لعموم نظر الخلافة وتصرفها في سائر أحوال الملة الدينية والدنيوية و تنفيذ أحكام الشرع فيها على العموم.
فأما إمامة الصلاة فهي أرفعهذه الخطط كلها و أرفع من الملك بخصوصه المندرج معها تحت الخلافة. و لقد يشهد لذلكاستدلال الصحابة في شأن أبي بكر رضي الله عنه باستخلافه في الصلاة على استخلافه فيالسياسة في قولهم ارتضاه رسول الله صلى الله عليه و سلم لديننا أفلا نرضاه لدنيانا؟ فلولا أن الصلاة أرفع من السياسة لما صح القياس و إذا ثبت ذلك فاعلم أن المساجدفي المدينة صنفان مساجد عظيمة كثيرة الغاشية معدة للصلوات المشهودة. و أخرى دونهامختصة بقوم أو محلة وليست للصلوات العامة فأما المساجد العظيمة فأمرها راجع إلىالخليفة أو من يفوض إليه من سلطان أو من وزير أو قاض فينصب لها الإمام في الصلواتالخمس و الجمعة و العيدين و الخسوفين و الاستسقاء و تعين ذلك إنما هو من طريقالأولى و الاستحسان و لئلاً يفتات الرعايا عليه في شيء من النظر في المصالح العامةوقد يقول بالوجوب في ذلك من يقول بوجوب إقامة الجمعة فيكون نصب الإمام لها عندهواجباً و أما المساجد المختصة بقوم أو محلة فأمرها راجع إلى الجيران و لا تحتاج إلىنظر خليفة و لا سلطانا و أحكام هذه الولاية و شروطها و المولى فيها معروفة في كتبالفقه و مبسوطة في كتبالأحكام السلطانيةللماورديو غيره فلا نطول بذكرها و لقد كان الخلفاء الأولون لايقلدونها لغيرهم من الناس. و انظر من طعن من الخلفاء في المسجد عند الأذان بالصلاةو ترصدهم لذلك في أوقاتها. يشهد لك ذلك بمباشرتهم لها و أنهم لم يكونوا مستخلفينفيها. و كذا كان رجال الدولة الأموية من بعدهم استئثاراً بها و استعظاماً لرتبتها.
يحكى عن عبد الملك أنه قال لحاجبه قد جعلت لك حجابهً يأبى إلا عن ثلاثة صاحبالطعام فإنه يفسد بالتأخير و الأذان بالصلاة فإنه داع إلى الله و البريد فال فيتأخيره فساد القاصية فلما جاءت طبيعة الملك و عوارضه من الغلظة و الترفع عن مساواةالناس في دينهم و دنياهم استنابوا في الصلاة فكانوا يستأثرون بها في الأحيان و فيالصلوات العامة كالعيدين و الجمعة إشارةً و تنويهاً فعل ذلك كثير من خلفاء بنيالعباس و العبيديين صدر دولتهم.
و أما الفتيا فللخليفة تصفح أهل العلم والتدريس و رد الفتيا إلى من هو أهل لها وإعانته على ذلك و منع من ليس أهلا لها وزجره لأنها من مصالح المسلمين في أديانهم فتجب عليه مراعاتها لئلا يتعرض لذلك منليس له بأهل فيضل الناس. وللمدرس الانتصاب لتعليم العلم و بثه و الجلوس لذلك فيالمساجد فإن كانت من المساجد العظام التي للسلطان الولاية عليها و النظر في أئمتهاكما مر فلا بد من استئذانه في ذلك و إن كانت من مساجد العامة فلا يتوقف ذلك. علىإذن. على أنه ينبغي أن يكون لكل أحد من المفتين و المدرسين زاجر من نفسه يمنعه عنالتصدي لما ليس له بأهل فيضل به المستهدي و يضل به المسترشد و في الأثر أجراكم علىالفتيا أجراكم على جراثيم جهنم فللسلطان فيهم لذلك من النظر ما توجبه المصلحة منإجازة أو رد.
و أما القضاء فهو من الوظائف الداخلة تحت الخلافة لأنه منصبالفصل بين الناس في الخصومات حسماً للتداعي و قطعاً للتنازع إلا أنه بالأحكامالشرعية المتلقاة من الكتاب و السنة، فكان لذلك من وظائف الخلافة و مندرجاً فيعمومها و كان الخلفاء في صدر الإسلام يباشرونه بأنفسهم و لا يجعلون القضاء إلى منسواهم. و أول من دفعه إلى غيره و فوضه فيه عمر رضي الله عنه فولى أبا الدرداء معهبالمدينة و ولى شريحاً بالبصرة و ولى أبا موسى الأشعري بالكوفة و كتب له في ذلكالكتاب المشهور الذي تدور عليه أحكام القضاة و هي مستوفاة فيه يقول أما بعد: فإنالقضاء فريضة محكمة و سنة متبعة فافهم إذا أدلي إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذله و آس بين الناس في وجهك و مجلسك و عدلك حتى لا يطمع شريف في حيفك و لا ييأس ضعيفمن عدلك البينة على من ادعى و اليمين على من أنكر. و الصلح جائز بين المسلمين إلاصلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً و لا يمنعك قضاء قضيته أمس فراجعت اليوم فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق فإن الحق قديم و مراجعة الحق خير من التمادي فيالباطل الفهم الفهم فيما يتلجلج في صدرك مما ليس في كتاب و لا سنة ثم اعرف الأمثالو الأشباه و قس الأمور بنظائرها و اجعل لمن ادعى حقاً غائباً أو بينةً أمداً ينتهيإليه فإن أحضر بينته أخذت له بحقه و إلا استحللت القضاء عليه فإن ذلك أنفى للشك وأجلى للعمى. المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلوداً في حد أو مجرى عليه شهادةزور أو ظنيناً في نسب أو ولاء، فإن الله سبحانه عفا عن الإيمان و درأ بالبينات. وإياك و القلق و الضجر و التأفف بالخصوم فإن استقرار الحق في مواطن الحق يعظم اللهبه الأجر و يحسن به الذكر و السلام.
انتهى كتاب عمر و إنما كانوا يقلدونالقضاء لغيرهم و إن كان مما يتعلق بهم لقيامهم بالسياسة العامة و كثرة أشغالها منالجهاد و الفتوحات و سد الثغور وحماية البيضة، و لم يكن ذلك مما يقوم به غيرهملعظم العناية فاستحقوا القضاء في الواقعات بين الناس و استخلفوا فيه من يقوم بهتخفيفاً على أنفسهم و كانوا مع ذلك إنما يقلدونه أهل عصبيتهم بالنسب أو الولاء و لايقلدونه لمن بعد عنهم في ذلك. و أما أحكام هذا المنصب و شروطه فمعروفة في كتبالفقه و خصوصاً كتب الأحكام السلطانية. إلا أن القاضي إنما كان له في عصر الخلفاءالفصل بين الخصوم فقط ثم دفع لهم بعد ذلك أمور أخرى على التدريج بحسب اشتغالالخلفاء و الملوك بالسياسة الكبرى و استقر منصب القضاء آخر الأمر على أنه يجمع معالفصل بين الخصوم استيفاء بعض الحقوق العامة للمسلمين بالنظر في أموال المحجورعليهم من المجانين و اليتامى و المفلسين و أهل السفه و في وصايا المسلمين و أوقافهمو تزويج الأيامى عند فقد الأولياء على رأي من رآه و النظر في مصالح الطرقات والأبنية و تصفح الشهود و الأمناء و النواب و استيفاء العلم و الخبرة فيهم بالعدالةو الجرح ليحصل له الوثوق بهم و صارت هذه كلها من تعلقات وظيفته و توابع ولايته. وقد كان الخلفاء من قبل يجعلون للقاضي النظر في المظالم و هي وظيفة ممتزجة من سطوةالسلطنة و نصفة القضاء و تحتاج إلى علو يد و عظيم رهبة تقمع الظالم من الخصمين وتزجر المتعدي و كأنه يمضي ما عجز القضاة أو غيرهم عن إمضائه و يكون نظره في البيناتو التقرير و اعتماد الأمارات و القرائن و تأخير الحكم إلى استجلاء الحق و حملالخصمين على الصلح و استحلاف الشهود و ذلك أوسع من نظر القاضي.
و كان الخلفاءالأولون يباشرونها بأنفسهم إلى أيام المهتدي من بني العباس و ربما كانوا يجعلونهالقضاتهم كما فعل عمر رضي الله عنه مع قاضيه أبي أدريس الخولاني و كما فعله المأمونليحيى بن أكثم و المعتصم لأحمد بن أبي داود و ربما كانوا يجعلون للقاضي قيادةالجهاد في عساكر الطوائف و كان يحيى بن أكثم يخرج أيام المأمون بالطائفة إلى أرضالروم و كذا منذر بن سعيد قاضي عبد الرحمن الناصر من بني أمية بالأندلس فكانت توليههذه الوظائف إنما تكون للخلفاء أو من يجعلون ذلك له من وزير مفوض أو سلطان متغلب.و كان أيضاً النظر في الجرائم و إقامة الحدود في الدولة العباسية و الأمويةبالأندلس و العبيديين بمصر و المغرب راجعاً إلى صاحب الشرطة و هي وظيفة أخرى دينيةكانت من الوظائف الشرعية في تلك الدول توسع النظر فيها عن أحكام القضاء قليلاًفيجعل للتهمة في الحكم مجالاً و يفرض العقوبات الزاجرة قبل ثبوت الجرائم و يقيمالحدود الثابتة في مالها و يحكم في القود و القصاص و يقيم التعزيز و التأديب في حقمن لم ينته عن الجريمة.
ثم تنوسي شأن هاتين الوظيفتين في الدول التي تنوسيفيها أمر الخلافة فصار أمر المظالم راجعاً إلى السلطان كان له تفويض من الخليفة أولم يكن و انقسمت وظيفة الشرطة قسمين منها وظيفة التهمة على الجرائم و إقامة حدودهاو مباشرة القطع و القصاص حيث يتعين و نصب لذلك في هذه الدول حاكم يحكم فيها بموجبالسياسة دون مراجعة الأحكام الشرعية و يسمى تارةً باسم الوالي و تارةً باسم الشرطةو بقي قسم التعازير و إقامة الحدود في الجرائم الثابتة شرعاً فجمع ذلك للقاضي مع ماتقدم و صار ذلك من توابع وظيفة ولايته و استقر الأمر لهذا العهد على ذلك و خرجت هذهالوظيفة عن أهل عصبية الدولة لأن الأمر لما كان خلافةً دينيةً و هذه الخطة من مراسمالدين فكانوا لا يولون فيها إلا من أهل عصبيتهم من العرب و مواليهم بالحلف أو بالرقأو بالاصطناع ممن يوثق بكفايته أو غنائه فيما يدفع إليه، و لما انقرض شأن الخلافةو طورها و صار الأمر كله ملكاً أو سلطانا صارت هذه الخطط الدينية بعيدة عنه بعضالشيء لأنها ليست من ألقاب الملك و لا مراسمه ثم خرج الأمر جملة من العرب و صارالملك لسواهم من أمم الترك و البربر فازدادت هذه الخطط الخلافية بعداً عنهم بمنحاهاوعصبيتها. و ذلك أن العرب كانوا يرون أن الشريعة دينهم و هل النبي صلى الله عليه وسلم منهم و أحكامه و شرائعه نحلتهم بين الأمم و طريقهم، و غيرهم لا يرون ذلك إنمايولونها جانباً من التعظيم لما دانوا بالملة فقط. فصاروا يقلدونها من غير عصابتهمممن كان تأهل لها في دول الخلفاء السالفة.
و كان أولئك المتأهلون بما أخذهمترف الدول منذ مئتين من السنين قد نسوا عهد البداوة و خشونتها و التبسوا بالحضارةفي عوائد ترفهم و دعتهم، و قلة الممانعة عن أنفسهم، و صارت هذه الخطط في الدولالملوكية من بعد الخلفاء مختصةً بهذا الصنف من المستضعفين في أهل الأمصار و نزلأهلها عن مراتب العز لفقد الأهلية بأنسابهم و ما هم عليه من الحضارة فلحقهم منالاحتقار ما لحق الحضر المنغمسين في الترف و الدعة، البعداء عن عصبية الملك الذينهم عيال على الحامية، و صار اعتبارهم في الدولة من أجل قيامها بالملة و أخذهابأحكام الشريعة، لما أنهم الحاملون للأحكام المقتدون بها. و لم يكن إيثارهم فيالدولة حينئذ إكراماً لذواتهم، و إنما هو لما يتلمح من التجمل بمكانهم في مجالسالملك لتعظيم الرتب الشرعية، و لم يكن لهم فيها من الحل و العقد شيء، و أن حضروهفحضور رسمي لا حقيقة وراءه، إذ حقيقة الحل و العقد إنما هي لأهل القدرة عليه فمنلا قدرة له عليه فلا حل له و لا عقد لديه. اللهم إلا أخذ الأحكام الشرعية عنهم، وتلقي الفتاوى منهم فنعم و الله الموفق. و ربما يظن بعض الناس أن الحق فيما وراءذلك و أن فعل الملوك فيما فعلوه من إخراج الفقهاء و القضاة من الشورى مرجوح و قدقال صلى الله عليه و سلم:العلماء ورثة الأنبياءفاعلم أنذلك ليس كما ظنه و حكم الملك و السلطان إنما يجري على ما تقتضيه طبيعة العمران وإلا كان بعيداً عن السياسة. فطبيعة العمران في هؤلاء لا تقضي لهم شيئاً من ذلك لأنالشورى و الحل و العقد لا تكون إلا لصاحب عصبية يقتدر بها على حل أو عقد أو فعل أوترك، و أما من لا عصبية له و لا يملك من أمر نفسه شيئاً و لا من حمايتها و إنما هوعيال على غيره فأي مدخل له في الشورى أو أي معنى يدعو إلى اعتباره فيها اللهم إلاشوراه فيما يعلمه من الأحكام الشرعية فموجودة في الاستفتاء خاصة. و أما شوراه فيالسياسة فهو بعيد عنها لفقدانه العصبية و القيام على معرفة أحوالها وأحكامها و إنماإكرامهم من تبرعات الملوك و الأمراء الشاهدة لهم بجميل الاعتقاد في الدين و تعظيممن ينتسب إليه بأي جهة انتسب و أما قوله صلى الله عليه و سلمالعلماء ورثة الأنبياءفاعلم أن الفقهاء في الأغلب لهذا العهد وما احتف به إنما حملوا الشريعة أقوالاً في كيفية الأعمال في العبادات و كيفيةالقضاء في المعاملات ينصونها على من يحتاج إلى العمل بها هذه غاية أكابرهم و لايتصفون إلا بالأقل منها و في بعض الأحوال و السلف رضوان الله عليهم و أهل الدين والورع من المسلمين حملوا الشريعة اتصافاً بها و تحققاً بمذاهبها. فمن حملهااتصافاً و تحققاً دون نقل فهو من الوارثين مثل أهل رسالة القشيري و من اجتمع لهالأمران فهو الوارث على الحقيقة مثل فقهاء التابعين و السلف و الأئمة الأربعة و مناقتفى طريقهم و جاء على أثرهم و إذا انفرد واحد من الأمة بأحد الأمرين فالعابد أحقبالوراثة من الفقيه الذي ليس بعابد لأن العابد ورث بصفة و الفقيه الذي ليس بعابد لميرث شيئاً إنما هو صاحب أقوال بنصها علينا في كيفيات العمل و هؤلاء أكثر فقهاءعصرناإلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات و قليل ما هم.
العدالة: و هي وظيفة دينية تابعة للقضاء و من مواد تصريفه و حقيقة هذه الوظيفةالقيام عن إذن القاضي بالشهادة بين الناس فيما لهم و عليهم تحملاً عند الإشهاد وأداء عند التنازع و كتباً في السجلات تحفظ به حقوق الناس و أملاكهم و ديونهم و سائرمعاملاتهم و شرط هذه الوظيفة الاتصاف بالعدالة الشرعية و البراءة من الجرح ثمالقيام بكتب السجلات و العقود من جهة عباراتها و انتظام فصولها و من جهة إحكامشروطها الشرعية و عقودها فيحتاج حينئذ إلى ما يتعلق بذلك من الفقه و لأجل هذهالشروط و ما يحتاج إليه من المران على ذلك و الممارسة له اختص ذلك ببعض العدول وصار الصنف القائمون به كأنهم مختصون بالعدالة و ليس كذلك و إنما العدالة من شروطاختصاصهم بالوظيفة و يجب على القاضي تصفح أحوالهم و الكشف عن سيرهم رعاية لشرطالعدالة فيهم و أن لا يهمل ذلك لما يتعين عليه من حفظ حقوق الناس فالعهدة عليه فيذلك كله و هو ضامن دركه و إذا تعين هؤلاء لهذه الوظيفة عمت الفائدة في تعبين منتخفى عدالته على القضاة بسبب اتساع الأمصار و اشتباه الأحوال و اضطرار القضاة إلىالفصل بين المتنازعين بالبينات الموثوقة فيعولون غالباً في الوثوق بها على هذاالصنف و لهم في سائر الأمصار دكاكين و مصاطب يختصون بالجلوس عليها فيتعاهدهم أصحابالمعاملات للإشهاد و تقييده بالكتاب و صار مدلول هذه اللفظة مشتركاً بين هذهالوظيفة التي تبين مدلولها و بين العدالة الشرعية التي هي أخت الجرح و قد يتواردانو يفترقان و الله تعالى أعلم.
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« حمل كتاب رسائل الأحزان في فلسفة الجمال والحب | حمل كتاب تفسير الأحلام لابن سيرين »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
حمل ادبية الخطاب النثري عند ابن خلدون مهند دراسات وبحوث أدبية ولغوية 2 01-25-2014 09:28 PM
منظور ابن خلدون في اكتساب اللغة العربية عبدالناصر محمود مقالات وتحليلات 0 05-17-2013 06:06 AM
آراء ابن خلدون عن طبائع العرب جدل واختلاف Eng.Jordan مقالات وتحليلات 0 12-11-2012 08:27 PM
أصول الأدب العربي عند ابن خلدون Eng.Jordan أخبار ومختارات أدبية 0 09-11-2012 11:56 AM
مقدمة مقدمة في علوم القران محمد خطاب شذرات إسلامية 0 01-12-2012 08:54 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 10:48 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68