تذكرني !

 





كتب ومراجع إلكترونية عرض وتحميل الكتب الإلكترونية ebooks

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #25  
قديم 01-09-2012, 11:18 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,456
افتراضي

الفصل الحادي عشر: في أن عالم الحوادث الفعلية إنما يتم بالفكر
اعلم أن عالم الكائنات يشتمل على ذوات محضة، كالعناصر و آثارها و المكونات الثلاثة عنها. التي هي المعدن و النبات و الحيوان. و هذه كلها متعلقات القدرة الإلهية و على أفعال صادرة عن الحيوانات، واقعة بمقصودها، متعلقة بالقدرة التي جعل الله لها عليها: فمنها منتظم مرتب، و هي الأفعال البشرية، و منها غير منتظم و لا مرتب، و هي أفعال الحيوانات غير البشر. و ذلك الفكر يدرك الترتيب بين الحوادث بالطبع أو بالوضع، فإذا قصد إيجاد شيء من الأشياء، فلأجل الترتيب بين الحوادث لابد من التفطن بسببه أو علته أو شرطه، و هي على الجملة مبادئه، إذ لا يوجد إلا ثانيا عنها و لا يمكن إيقاع المتقدم متأخرا، و لا المتأخر متقدما. و ذلك المبدأ قد يكون له مبدأ آخر من تلك المبادئ لا يوجد إلا متأخرا عنه، و قد يرتقي ذلك أو ينتهي. فإذا انتهى إلى آخر المبادىء في مرتبتين أو ثلاث أو أزيد، و شرع في العمل الذي يوجد به ذلك الشيء بدأ بالمبدأ الأخير الذي انتهى إليه الفكر، فكان أول عمله. ثم تابع ما بعده إلى آخر المسببات التي كانت أول فكرته. مثلا: لو فكر في إيجاد سقف يكنه انتقل بذهنه إلى لحائط الذي يدعمه، ثم إلى الأساس الذي يقف عليه الحائط فهو آخر الفكر. ثم يبدأ في العمل بالأساس، ثم بالحائط، ثم بالسقف، و هو آخر العمل.
و هذا معنى قولهم: أول العمل آخر الفكرة، و أول الفكرة آخر العمل فلا يتم فعل الإنسان في الخارج إلا بالفكر في هذه المرتبات لتوقف بعضها على بعض. ثم يشرع في فعلها. و أول هذا الفكر هو المسبب الأخير، و هو آخرها في العمل. و أولها في العمل هو المسبب الأول و هو آخرها في الفكر. و لأجل العثور على هذا الترتيب يحصل الإنتظام في الأفعال البشرية.
و أما الأفعال الحيوانية لغير البشر فليس فيها انتظام لعدم الفكر الذي يعثر به الفاعل علي الترتيب فيما يفعل. إذ الحيوانات إنما تدرك بالحواس و مدركاتها متفرقة خلية من الربط لأنة لا يكون إلا بالفكر. و لما كانت الحواس المعتبرة في عالم الكائنات هي المنتظمة، و غير المنتظمة إنما هيى تبع لها. اندرجت حينئذ أفعال الحيوانات فيها، فكانت مسخرة للبشر. و استولت أفعال البشر على عالم الحوادث. بما فيه، فكان كله في طاعته و تسخره. و هذا معنى الاستحلاف المشار إليه في قوله تعالى: إني جاعل في الأرض خليفة فهذا الفكر هو الخاصة البشرية التي تميز بها البشر عن غيره من الحيوان. و على قدر حصول الأسباب و المسببات في الفكر مرتبة تكون إنسانيتة. فمن الناس من تتوالى له السببية في مرتبتين أو ثلاث، و منهم من لا يتجاوزها، و منهم من ينتهي إلى خمس أو ست فتكون إنسانيته أعلى. و اعتبر ذلك بلاعب الشطرنج: فإن في اللاعبين من يتصور الثلاث حركات و الخمس الذي ترتيبها وضعي، و منهم من يقصر عن ذلك لقصور ذهنه. و إن كان هذا المثال غير مطابق. لأن لعب الشطرنج بالملكة، و معرفة الأسباب و المسببات بالطبع. لكنه مثال يحتذي به الناظر في تعقل ما يورد عليه من القواعد. و الله خلق الإنسان و فضله على كثير ممن خلق تفضيلا.

الفصل الثاني عشر في العقل التجريبي و كيفية حدوثه
إنك تسمع في كتب الحكماء قولهم أن الإنسان هو مدني الطبع، يذكرونه في إثبات النبوات و غيرها. و النسبة فيه إلى المدينة، و هي عندهم كناية عن الاجتماع البشري. و معنى هذا القول، أنة لا تمكن حياة المنفرد من البشر، و لا يتم وجوده إلا مع أبناء جنسه. و ذلك لما هو عليه من العجز عن استكمال وجوده و حياته، فهو محتاج إلى المعاونة في جميع حاجاته أبدا بطبعه. و تلك المعاونة لابد فيها من المفاوضة أولا، ثم المشاركة و ما بعدها. و ربما تفضي المعاملة عند اتحاد الأعراض إلى المنازعة و المشاجرة فتنشأ المنافرة و المؤالفة. و الصداقة و العداوة. و يؤول إلى الحرب و السلم بين الأمم و القبائل. و ليس ذلك على أي وجه اتفق، كما بين الهمل من الحيوانات، بل للبشر يما جعل الله فيهم من انتظام الأفعال و ترتيبها بالفكر كما تقدم. جعل منتظما فيهم و يسرهم لإيقاعه على وجوه سياسية و قوانين حكمية. ينكبون فيها عن المفاسد إلى المصالح، و عن الحسن إلى القبيح، بعد أن يميزوا القبائح و المفسدة. بما ينشأ عن الفعل من ذلك عن تجربة صحيحة، و عوائد معروفة بينهم، فيفارقون الهمل من الحيوان. و تظهر عليهم نتيجة الفكر في انتظام الأفعال و بعدها عن المفاسد.
هذه المعاني التي يحصل بها ذلك لا تبعد عن الحس كل البعد و لا يتعمق فيها الناظر، بل كلها تدرك بالتجربة و بها يستفاد. لأنها معان جزئية تتعلق بالمحسوسات و صدقها و كذبها، يظهر قريبا في الواقع، فيستفيد طالبها حصول العلم بها من ذلك. و يستفيد كل واحد من البشر القدر الذي يسر له منها مقتنصا له بالتجربة بين الواقع في معاملة أبناء جنسه. حتى يتعين له ما يجب و ينبغي، فعلا و تركا. و تحصل في ملابسة الملكة في معاملة أبناء جنسه. و من تتبع ذلك سائر عمره حصل له العثور على كل قضية. و لابد بما تسعه التجربة من الزمن. و قد يسهل الله على كثير من البشر تحصيل ذلك في أقرب زمن التجربة، إذ قلد فيها الآباء و المشيخة و الأكابر، و لقن عنهم و وعى تعليمهم، فيستغني عن طول المعانات في تتبع الوقائع و اقتناص هذا المعنى من بينها. و من فقد العلم في ذلك و التقليد فيه أو أعرض عن حسن استماعه و اتباعه، طال عناؤة في التأديب بذلك، فيجري في غير مألوف و يدركها على غير نسبة، فتوجد آدابه و فعاملاته سيئة الأوضاع بادية الخلل، و يفسد حاله في معاشه بين أبناء جنسه. و هذا معنى القول المشهور: من لم يؤدبه والده أدبه الزمان. أي من لم يلقن الآداب في معاملة البشر من والديه و في معناهما المشيخة و الأكابر و يتعلم ذلك منهم رجع إلى تعلمه بالطبع من الواقعات على توالي الأيام، فيكون الزمان معلمه و مؤدبة لضرورة ذلك بضرورة المعاونة التي في طبعه.
و هذا هو العقل التجريبي، و هو يحصل بعد العقل التمييزي الذي تقع به الأفعال كما بيناه. و بعد هذين مرتبة العقل النظري الذي تكفل يتفسيره أهل العلوم، فلا تحتاج إلى تفسيره في هذا الكتاب. و الله وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون.

الفصل الثالث عشر: في علوم البشر و علوم الملائكة
إنا نشهد في أنفسنا بالوجدان الصحيح وجود ثلاثة عوالم: أولها: عالم الحس و نعتبره بمدارك الحس الذي شاركنا فيه الحيوانات بالإدراك. ثم نعتبره الفكر الذي اختص به البشر فنعلم منه وجود النفس الإنسانية علما ضروريا بما بين جنبينا من مدارك العلمية التي هي فوق مدارك الحس، فتراه عالما آخر فوق عالم الحس. ثم نستدل على عالم ثالث فوقنا بما نجد فينا من آثاره التي تلقى في أفئدتنا كالإرادات و الوجهات، نحو الحركات الفعلية، فنعلم أن هناك فاعلا يبعثنا عليها من عالم فوق عالمنا و هو عالم الأرواح و الملائكة. و فيه ذوات مدركة لوجود آثارها فينا مع ما بيننا و بينها من المغايرة. و ربما يستدل على هذا العالم الأعلى ******** و ذواته بالرؤيا و ما نجد في النوم، و يلقى إلينا فيه من الأمور التي نحن في غفلة عنها في اليقظة، و تطابق الواقع في الصحيحة منها، فنعلم أنها حق و من عالم الحق. و أما أضغاث الأحلام فصور خيالية يخزنها الإدراك في الباطن و يجول فيها الفكر بعد الغيبة عن الحس. و لا نجد على هذا العالم ******** برهانا أوضح من هذا، فنعلمه كذلك على الجملة و لا ندرك له تفصيلا.
و ما يزعمه الحكماء الإلهيون في تفصيل ذواته و ترتيبها، المسماة عندهم بالعقول فليس شيء من ذلك بيقيني لاختلال شرط البرهان النظري فيه. كما هو مقرر في كلامهم في المنطق. لأن من شرطه أن تكون قضاياه أولية ذاتية. و هذه الذوات ********ة مجهولة الذاتيات فلا سبيل للبرهان فيها. و لا يبقى لنا مدرك في تفاصيل هذه العوالم إلا ما نقتبسه من الشرعيات التي يوضحها الإيمان و يحكمها. و أعقد هذه العوالم في مدركنا عالم البشر، لأنه وجداني مشهود في مداركنا الجسمانية و ********ة. و يشترك في عالم الحس مع الحيوانات و في عالم العقل و الأرواح مع الملائكة الذين ذواتهم من جنس ذواته، و هي ذوات مجردة عن الجسمانية و المادة، و عقل صرف يتحد فيه العقل و العاقل و المعقول، و كأنه ذات حقيقتها الإدراك و العقل، فعلومهم حاصلة دائما مطابقة بالطبع لمعلوماتهم لا يقع فيها خلل البتة.
و علم البشر هو حصول صورة المعلوم في ذواتهم بعد أن لا تكون حاصلة. فهو كله مكتسب، و الذات التي يحصل فيها صور المعلومات و هي النفس مادة هيولانية تلبس صور الوجود بصور المعلومات الحاصلة فيها شيئا فشيئا، حتى تستكمل، و يصح وجودها بالموت في مادتها و صورتها. فالمطلوبات فيها مترددة بين النفي و الإثبات دائما، بطلب أحدهما بالوسط الرابط بين الطرفين. فإذا حصل و صار معلوما افتقر إلى بيان المطابقة، و ربما أوضحها البرهان الصناعي، لكنه من وراء الحجاب. و ليس كالمعاينة التي في علوم الملائكة. و قد ينكشف ذلك الحجاب فيصير إلى المطابقة بالعيان الإدراكي. فقد تبين أن البشر جاهل بالطبع للتردد في علمه، و عالم بالكسب و الصناعة لتحصيله المطلوب بفكرة الشروط الصناعية. و كشف الحجاب الذي أشرنا إليه إنما هو بالرياضة بالإذكار التي أفضلها صلاة تنتهي عن الفحشاء و المنكر. و بالتنزه عن المتناولات المهمة و رأسها الصوم، و بالوجهة إلى الله بجميع قواه. و الله علم الإنسان ما لم يعلم.

الفصل الرابع عشر في علوم الأنبياء عليهم الصلاة و السلام
إنا نجد هذا الصنف من البشر تعتريهم حالة إلهية خارجة عن منازع البشر و أحوالهم فتغلب الوجهة الربانية فيهم على البشرية في القوى الإدراكية و النزوعية من الشهوة و الغضب و سائر الأحوال البدنية. فتجدهم متنزهين عن الأحوال الربانية، من العبادة و الذكر لله بما يقتضي معرفتهم به، فخبرين عنة بما يوحي إليهم في تلك الحالة، من هداية الأمة على طريقة واحدة و سنن معهود منهم لا يتبدل فيهم كأنة جبلة فطرهم الله عليها. و قد تقدم لنا الكلام في الوحي أول الكتاب في فصل المدركين للغيب. و بينا هنالك أن الوجود كله في عوالمه البسيطة و المركبة على تركيب طبيعي من أعلاها و أسفلها متصلة كلها اتصالا لا ينخرم. و أن الذوات التي في آخر كل أفق من العوالم مستعدة لأن تنقلب إلى الذات التي تجاوزها من الأسفل و الأعلى. استعدادا طبيعيا. كما في العناصر الجسمانية البسيطة. و كما في النخل و الكرم من آخر أفق النبات مع الحلزون و الصدف من أفق الحيوان و كما في القردة التي استجمع فيها الكيس و الإدراك مع الإنسان صاحب الفكر و الروية. و هذا الاستعداد الذي في جانب كل أفق من العوالم هو معنى الاتصال فيها.
و فوق العالم البشري عالم روحاني، شهدت لنا به الآثار التي فينا منه، بما يعطينا من قوى الإدراك و الإرادة فذوات العلم العالم إدراك صرف و تعقل محض، و هو عالم الملائكة، فوجب من ذلك كله أن يكون للنفس الإنسانية استعداد للانسلاخ من البشرية إلى الملكية. لتصير بالفعل من جنس الملائكة وقتا من الأوقات. و في لمحة من اللمحات. ثم تراجع بشريتها و قد تلقت في عالم الملكية ما كفلت بتبليغه إلى أبناء جنسها من البشر. و هذا هو معنى الوحي و خطاب الملائكة. و الأنبياء كلهم مفطورون عليه. كأنه جبلة لهم و يعالجون في ذلك الانسلاخ من الشدة و الغطيط ما هو معروف عنهم. و علومهم في تلك الحالة علم شهادة و عيان، لا يلحقه الخطأ و الزلل، و لا يقع فيه الغلط و الوهم، بل المطابقة فيه ذاتية لزوال حجاب الغيب و حصول الشهادة الواضحة، عند مفارقة هذه الحالة إلى البشرية، لا تفارق علمهم الوضوح. استصحابا له من تلك الحالة الأولى، و لما هم عليه من الذكاء المفضي بهم إليها، يتردد ذلك فيهم دائما إلى أن تكمل هداية الأمة التي بعثوا لها كما في قوله تعالى: إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه. فافهم ذلك و راجع ما قدمناه لك أول الكتاب، في أصناف المدركين للغيب، يتضح لك شرحه و بيانه، فقد بسطناه هنالك بسطا شافيا. و الله الموفق.

الفصل الخامس عشر في أن الإنسان جاهل بالذات عالم بالكسب
قد بينا أول هذه الفصول أن الإنسان من جنس الحيوانات، و أن الله تعالى ميزه عنها بالفكر الذي جعل له، يوقع به أفعاله على انتظام و هو العقل التمييزي أو يقتنص به العلم بالآراء و المصلح و المفاسد من أبناء جنسه، و هو العقل التجريبي، أو يحصل به في تصور الموجودات غائبا و شاهدا، على ما هي عليه، و هو العقل النظري، و هذا الفكر إنما يحصل له بعد كمال الحيوانية فيه. و يبدأ من التمييز، فهو قبل التمييز خلو من العلم بالجملة، معدود من الحيوانات، لاحق بمبدئه في التكوين، من النطفة و العلقة و المضغة. و ما حصل له بعد ذلك فهو بما جعل الله له من مدارك الحس و الأفئدة التي هي الفكر. قال تعالى في الامتنان علينا: و جعل لكم السمع و الأبصار و الأفئدة فهو في الحالة الأولى قبل التمييز هيولا فقط. لجهله بجميع المعارف. ثم تستكمل صورته بالع لم الذي يكتسبه بآلاته، فكمل ذاته الإنسانية في وجودها. و انظر إلى قوله تعالى مبدأ الوحي على نبيه اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم أي أكسبه من العلم ما لم يكن حاصلا له بعد أن كان علقة و مضغة فقد كشفت لنا طبيعته و ذاته ما هو عليه من الجهل الذاتي و العلم الكسبي و أشارت إليه الآية الكريمة تقرر فيه الامتنان عليه بأول مراتب وجوده. و هي الإنسانية. و حالتاه الفطرية و الكسبية في أول التنزيل و مبدأ الوحي. و كان الله عليما حكيما.

الفصل السادس عشر: في كشف الغطاء عن المتشابه من الكتاب و السنة و ما حدث لأجل ذلك من طوائف السنية و المبتدعة في الاعتقادات
اعلم أن الله سبحانه بعث إلينا نبينا محمدا صلى الله عليه و سلم يدعونا إلى النجاة و الفوز بالنعيم و أنزل عليه الكتاب الكريم باللسان العربي المبين. يخاطبنا فيه بالتكاليف المفضية بنا إلى ذلك. و كان في خلال هذا الخطاب، و من ضروراته، ذكر صفاته سبحانه و أسمائه، ليعرفنا بذاته، و ذكر الروح المتعلقة بنا، و ذكر الوحي و الملائكة، الوسائط بينه و بين رسله إلينا. و ذكر لنا يوم البعث و إنذاراته و لم يعين لنا الوقت في شيء منه. و ثبت في هذا القرآن الكريم حروفا من الهجاء مقطعة في أوائل بعض سوره، لا سبيل لنا إلى فهم المراد بها. و سمى هذه الأنواع كلها من الكتاب متشابها. و ذم على اتباعها فقال تعالى: هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب، و حمل العلماء من سلف الصحابة و التابعين هذه الآية على أن المحكمات هي المبينات الثابتة الأحكام. و لذا قال الفقهاء في اصطلاحهم: المحكم المتضح المعنى. و أما المتشابهات فلهم فيها عبارات. فقيل هي التي تفتقر إلى نظر و تفسير تصحح معناها، لتعارضها مع آية أخرى أو مع العقل، فتخفى دلالتها و تشتبه. و على هذا قال ابن عباس: المتشابه يؤمن به و لا يعمل به و قال مجاهد و عكرمة: كلما سوى آيات الأحكام و القصص متشابه و عليه القاضي أبو بكر و إمام الحرمين. و قال الثوري و الشعبي و جماعة من علماء السلف: المتشابه، ما لم يكن سبيل إلى علمه، كشروط الساعة و أوقات الإنذارات و حروف الهجاء في أوائل السور، و قوله في الآية هن أم الكتاب أي معظمة و غالبة و المتشابه أقله، و قد يرد إلى المحكم. ثم ذم المتبعين للمتشابه بالتأويل أو بحملها على معان لا تفهم منها في لسان العرب الذي خوطبنا به. وسماهم أهل زيغ، أي ميل عن الحق من الكفار و الزنادقة و جهلة أهل البدع. و أن فعلهم ذلك قصد الفتنة التي هي الشرك أو اللبس على المؤمنين أو قصدا لتأويلها بما يشتهونه فيقتدون به في بدعتهم.
ثم أخبر سبحانه بأنه استأثر بتأويلها و لا يعلمه إلا هو فقال: و ما يعلم تأويله إلا الله. ثم أثنى على العلماء بالإيمان بها فقط. فقال: و الراسخون في العلم يقولون آمنا به. و لهذا جعل السلف و الراسخون مستأنفا و رجحوه على العطف لأن الإيمان بالغيب أبلغ في الثناء و مع عطفه إنما يكون إيمانا بالشاهد. لأنهم يعلمون التأويل حينئذ فلا يكون غيبا. و يعضد ذلك قوله كل من عند ربنا و يدل على أن التأويل فيها غير معلوم للبشر. إن الألفاظ اللغوية إنما يفهم. منها المعاني التي وضعها العرب لها، فإذا استحال إسناد الخبر إلى مخبر عنه جهلنا مدلول الكلام حينئذ، و إن جاءنا من عند الله فوضنا علمه إليه و لا نشغل أنفسنا بمدلول نلتمسه، فلا سبيل لنا إلى ذلك. و قد قالت عائشة رضي الله عنها: إذا رأيتم الذين يجادلون في القرآن، فهم الذين عنى الله، فاحذروهم. هذا مذهب السلف في الآيات المتشابهة. و جاء في السنة ألفاظ مثل ذلك محملها عندهم محمل الآيات لأن المنبع واحد.
و إذا تقررت أصناف المتشابهات على ما قلناه، فلنرجع إلى اختلاف الناس فيها. فأما ما يرجع منها على ما ذكروه إلى الساعة و أشراطها و أوقات الإنذارات و عدد الزبانية وأمثال ذلك، فليس هذا و الله أعلم من المتشابه، لأنه لم يرد فيه لفظ مجمل و لا غيره و إنما هي أزمنة لحادثات استأثر الله بعلمها بنصه في كتابه و على لسان نبيه. و قال: إنما علمها عند الله. و العجب ممن عدها من التشابه. و أما الحروف المقطعة في أوائل السور فحقيقتها حروف الهجاء و ليس ببعيد أن تكون مرادة. و قد قال الزمخشري: فيها إشارة إلى بعد الغاية في الإعجاز، لأن القرآن المنزل مؤلف منها، و البشر فيها سواء، و التفاوت موجود في دلالتها بعد التأليف. و إن عدل عن هذا الوجه الذي يتضمن الدلالة على الحقيقة فإنما يكون بنقل صحيح، كقولهم في طه، إنه نداء من طاهر و هادي و أمثال ذلك. و النقل الصحيح متعذر، فيجيء المتشابه فيها من هذا الوجه. و أما الوحي والملائكة و الروح و الجن، فاشتباهها من حاء دلالتها الحقيقية لأنها غير متعارفة، فجاء التشابه فيها من أجل ذلك. و قد ألحق بعض الناس بها كل ما في معناها من أحوال القيامة و الجنة والدجال و الفتن و الشروط، و ما هو بخلاف العوائد المألوفة، و هو غير بعيد، إلا أن الجمهور لا يوافقونهم عليه. و سيما المتكلمون فقد عينوا محاملها على ما تراه في كتبهم، و لم يبق من المتشابه إلا الصفات التي وصف الله بها نفسه في كتابه و على لسان نبيه، مما يوهم ظاهره نقصا أو تعجيزا. و قد اختلف الناس في هذه الظواهر من بعد السلف الذين قررنا مذهبهم. و تنازعوا و تطرقت البدع إلى العقائد. فلنشر إلى بيان مذاهبهم و إيثار الصحيح منه على الفاسد فنقول، و ما توفيقي إلا بالله: اعلم أن الله سبحانه وصف نفسه في كتابه بأنه عالم، قادر، شديد، حي، سميع، بصير. متكلم، جليل، كريم، جواد، منعم، عزيز، عظيم. و كذا أثبت لنفسه اليدين و العينين و الوجه و القدم واللسان، إلى غير ذلك من الصفات: فمنها ما يقتضي صحة ألوهية. مثل العلم والقدرة و الإرادة. ثم الحياة التي هي شرط جميعها، و منها ما هي صفة كمال، كالسمع و البصر و الكلام، و منها ما يوهم النقص كالاستواء و النزول و المجيء، و كالوجه و اليدين و العينين التي هي صفات المحدثات. ثم أخبر الشارع أنا نرى ربنا يوم القيامة كالقمر ليلة البدر، لا نضام في رؤيته كما ثبت في الصحيح.
فأما السلف من الصحابة و التابعين فأثبتوا له صفات الألوهية و الكمال و فوضوا إليه ما يوهم النقص ساكتين عن مدلوله. ثم اختلف الناس من بعدهم و جاء المعتزلة فأثبتوا هذه الصفات أحكاما ذهنية مجردة، و لم يثبتوا صفة تقوم بذاته. و سموا ذلك توحيدا، و جعلوا الإنسان خالقا لأفعاله. و لا تتعلق بها قدرة الله تعالى، سيما الشرور و المعاصي منها، إذ يمتنع على الحكيم فعلها. و جعلوا مراعاة الأصلح للعباد واجبة عليه. و سموا ذلك عدلا، بعد أن كانوا أولا يقولون بنفي القدر، و أن الأمر كله فستأنف بعلم حادث و قدرة و إرادة كذلك، كما ورد في الصحيح. و أن عبد الله بن عمر تبرأ من معبد الجهني و أصحابه القائلين بذلك. و انتهى نفي القدر إلى واصل بن عطاء الغزالي، منهم، تلميذ الحسن البصري، لعهد عبد الملك بن مروان. ثم آخرا إلى معمر السلمي و رجعوا عن القول به. و كان منهم أبو الهذيل العلاف، و هو شيخ المعتزلة. أخذ الطريقة عن عثمان بن خالد الطويل عن واصل. و كان من صفات القدر، و اتبع رأي الفلاسفة في نفي الصفات الوجودية لظهور مذاهبهم يومئذ.
ثم جاء إبراهيم النظام، و قال بالقدر، و اتبعوه. و طالع كتب الفلاسفة و شدد في نفي الصفات و قرر قواعد الاعتزال. ثم جاء الجاحظ و الكعبي و الجبائي. و كانت طريقتهم تسمى علم الكلام: إما لما فيها من الحجاج و الجدال. و هو الذي يسمى كلاما، و إما أن أصل طريقتهم نفي صفة الكلام. فلهذا كأنما الشافعي يقول: حقهم أن يضربوا بالجريد و يطاف بهم. و قرر هؤلاء طريقتهم أثبتوا منها و ردوا، إلى أن ظهر الشيخ أبو الحسن الأشعري و ناظر بعض مشيختهم في مسائل الصلاح و الأصلح، فرفض طريقتهم، و كان على رأي عبد الله بن سعيد بن كلاب و أبي العباس القلانسي و الحرث ابن أسد المحاسبي من أتباع السلف و على طريقة السنة. فأيد مقالاتهم بالحجج الكلامية و أثبت الصفات لى قائمة بذات الله تعالى، من العلم و القدرة و الإرادة التي يتم بها دليل التمانع وتصح المعجزات للأنبياء. و كان من مذهبهم إثبات الكلام و السمع و البصر لأنها وإن أوهم ظاهرا النقص بالصوت و الحرف الجسمانيين، فقد وجد للكلام عند العرب مدلول آخر غير الحروف و الصوت، و هو ما يدور في الخلد. و الكلام حقيقة فيه دون الأول، فأثبتوها لله تعالى و انتفى إيهام النقص. و أثبتوا هذه الضفة قديمة عامة التعلق بشأن الصفات الأخرى. و صار القرآن اسما مشتركا بين القديم بذات الله تعالى. و هو الكلام النفسي و المحدث الذي هو الحروف المؤلفة المقروءة بالأصوات. فإذا قيل قديم، فالمراد الأول، و إذا قيل مقروء، مسموع، فلدلالة القراءة و الكتابة عليه. و تورع الإمام أحمد بن حنبل من إطلاق لفظ الحدوث عليه، لأنه لم يسمع من السلف قبله: لا إنه يقول أن المصاحف المكتوبة قديمة، و لا أن القراءة الجارية على السنة قديمة. و هو شاهدها فحدثه. و إنما منعه من ذلك الورع الذي كان عليه. و أما غير ذلك فإنكار للضروريات، و حاشاة منه. و أما السمع و البصر، و إن كان يوهم إدراك الجارحة. فهو يدل أيضا لغة على إدراك المسموع و المبصر و ينتفي إيهام النقص حينئذ لأنه حقيقة لغوية فيهما. و أما لفظ الاستواء و المجيء و النزول و الوجه و اليدين و العينين و أمثال ذلك، فعدلوا عن حقائقها اللغوية لما فيها من إيهام النقص بالتشبيه إلى مجازاتها، على طريقة العرب، حيث تتعذر حقائق الألفاظ، فيرجعون إلى المجاز. كما في قوله تعالى: يريد أن ينقض و أمثاله، طريقة معروفة. لهم غير منكرة و لا مبتدعة. وحملهم على هذا التأويل، و إن كان مخالفا لمذهب السلف في التفويض أن جماعة من أتباع السلف و هم المحدثون و المتأخرون من الحنابلة ارتكبوا في محمل هذه الصفات فحملوها على صفات ثابتة لله تعالى، مجهولة الكيفية. فيقولون في استوى على العرش تثبت له استواء، بحيث مدلول اللفظة. فرارا من تعطيله. و لا نقول بكيفيته فرارا من القول بالتشبيه الذي تنفيه آيات السلوب، من قوله ليس كمثله شيء سبحان الله عما يصفون تعالى الله عما يقول الظالمون لم يلد و لم يولد و لم يعلمون مع ذلك أنهم ولجوا من باب التشبيه في قولهم بإثبات استواء، و الاستواء عند أهل اللغة إنما موضوعه الاستقرار و التمكن. و هو جسماني. و أما التعطيل الذي يشنعون بإلزامه، و هو تعطيل اللفظ، فلا محذور فيه. و إنما المحذور في تعطيل الآلة. و كذلك يشنعون بإلزام التكليف بما لا يطاق و هو تمويه. لأن التشابه لم يقع في التكاليف، ثم يدعون أن هذا مذهب السلف، و حاشا لله من ذلك. و إنما مذهب السلف ما قررناه أولا من تفويض المراد بها إلى الله، و السكوت عن فهمها. و قد يحتجون لإثبات الاستواء لله بقول مالك: إن الاستواء معلوم الثبوت لله و حاشاه من ذلك، لأنة يعلم مدلول الاستواء. و إنما أراد أن الاستواء معلوم من الله، و هو الجسماني. و كيفيته أي حقيقته. لأن حقائق الصفات كلها كيفيات، و هي مجهولة الثبوت لله. و كذلك يحتجون على إثبات المكان بحديث السوداء. و أنها لما قال لها النبي صلى الله عليه و سلم: أين الله ؟ و قالت في السماء، فقال أعتقها فإنها مؤمنة. والنبي صلى الله عليه و سلم لم يثبت لها الإيمان بإثباتها المكان لله، بل لأنها آمنت بما جاء به من ظواهر، أن الله في السماء، فدخلت في جملة الراسخين الذين يؤمنون بالمتشابه من غير كشف عن معناه. و القطع بنفي المكان حاصل من دليل العقل النافي للافتقار. و من أدلة السلوب المؤذنة بالتنزيه مثل ليس كمثله شيء، وأشباهه. و من قوله: و هو الله في السموات و في الأرض، إذ الموجود لا يكون في مكانين، فليست في هذا للمكان قطعا، و المراد غيره. ثم طردوا ذلك المحمل الذي ابتدعوه في ظواهر الوجه و العينين و اليدين، و النزول و الكلام بالحرف والصوت يجعلون لها مدلولات أعم من الجسمانية و ينزهونه عن مدلول الجسماني منها. و هذا شيء لا يعرف في اللغة. و قد درج على ذلك الأول و الآخر منهم و نافرهم أهل السنة من المتكلمين الأشعرية و الحنفية. و رفضوا عقائدهم في ذلك، و وقع بين متكلمي الحنفية ببخارى و بين الإمام محمد بن إسماعيل البخاري ما هو معروف. و أما المجسمة ففعلوا مثل ذلك في إثبات الجسمية. و أنها لا كالأجسام. و لفظ الجسم له يثبت في منقول الشرعيات. و إنما جرأهم عليه إثبات هذه الظواهر، فلم يقتصروا عليه، بل توغلوا و أثبتوا الجسمية. يزعمون فيها مثل ذلك و ينزهونه بقول متناقض سفساف، و هو قولهم: جسم لا كالأجسام. و الجسم في لغة العرب هو العميق المحدود و غير هذا التفسير من أنه القائم بالذات أو المركب من الجواهر و غير ذلك، فاصطلاحات للمتكلمين يريدون بها غير المدلول اللغوي. فلهذا كان المجسمة أوغل في البدعة بل والكفر. حيث أثبتوا لله وصفا موهما يوهم النقص لم يرد في كلامه. و لا كلام نبيه. فقد تبين لك الفرق بين مذاهب السلف و المتكلمين السنية و المحدثين والمبتدعة من المعتزلة و المجسمة بما أطلعناك عليه. و في المحدثين غلاة يسمون المشبه لتصريحهم بالتشبيه، حتى إنه يحكى عن بعضهم أنه قال: أعفوني من اللحية و الفرج و سلوا عما بدا لكم من سواهما. و إن لم يتأول ذلك لهم، بأنهم يريدون حصر ما ورد من هذه الظواهر الموهمة. و حملها على ذلك المحمل الذي لأئمتهم، و إلا فهو كفر صريح و العياذ بالله. و كتب أهل السنة مشحونة بالحجاج على هذه البدع. و بسط الرد عليهم بالأدلة الصحيحة. و إنما أومأنا إلى ذلك إيماء يتميز به فصول المقالات و جملها. و الحمد لله الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
و أما الظواهر الخفية الأدلة و الدلالة، كالوحي و الملائكة و الروح و الجن والبرزخ و أحوال القيامة والدجال و الفتن و الشروط. و سائر ما هو متعذر على الفهم أو مخالف للعادات، فإن حملناه على ما يذهب إليه الأشعرية في تفاصيله، و هم أهل السنة. فلا تشابه، و إن قلنا فيه بالتشابه، فلنوضح القول فيه بكشف الحجاب عنه فنقول: اعلم أن العالم البشري أشرف العوالم من الموجودات، و أرفعها. و هو و إن اتحدت حقيقة الإنسانية فيه فله أطوار يخالف كل واحد منها الآخر بأحوال تختص به حتى، كأن الحقائق فيها مختلفة.
فالطور الأول: عالمه الجسماني بحسه الظاهر و فكره المعاشي و سائر تصرفاته التي أعطاه إياها وجوده الحاضر.
الطور الثاني: عالم النوم، و هو تصور الخيال بانفاذ تصوراته جائلة في باطنه فيدرك منها بحواسه الظاهرة مجردة عن الأزمنة و الأمكنة و سائر الأحوال الجسمانية، و يشاهدها في إمكان ليس هو فيه. و يحدث للصالح منها البشرى بما يترقب من مسراته الدنيوية و الأخروية، كما وعد به الصادق صلوات الله عليه. و هذان الطوران عامان في جميع أشخاص البشر، و هما مختلفان في المدارك كما تراه.
الطور الثالث: طور النبوة، و هو خاص بإشراف صنف البشر بما خصهم الله به من معرفته و توحيده. و تنزل ملائكته عليهم بوحيه. و تكليفهم بإصلاح البشر في أحوال كلها مغايرة للأحوال البشرية الظاهرة.
الطور الرابع: طور الموت الذي تفارق أشخاص البشر فيه حياتهم الظاهرة إلى وجود قبل القيامة يسمى البرزخ يتنعمون فيه و يعذبون على حسب أعمالهم ثم يفضون إلى يوم القيامة الكبرى، و هي دار الجزاء الأكبر نعيما و عذابا في الجنة أو في النار.
و الطوران الأولان شاهدهما وجداني. و الطور الثالث النبوي شاهده المعجزة و الأحوال المختصة بالأنبياء، و الطور الرابع شاهده ما تنزل على الأنبياء من وحي الله تعالى في المعاد و أحوال البرزخ و القيامة، مع أن العقل يقتضي به، كما نبهنا الله عليه، في كثير من آيات البعثة. و من أوضح الدلالة على صحتها أن أشخاص الإنسان لو لم يكن لهم وجود آخر بعد الموت غير هذه المشاهد يتلقى فيه أحوالا تليق به. لكان إيجاده الأول عبثا. إذ الموت إذا كان عدما كان مآل الشخص إلى العدم. فلا يكون لوجوده الأول حكمة. و العبث على الحكيم محال. وإذا تقررت هذه الأحوال الأربعة، فلنأخذ في بيان مدارك الإنسان فيها كيف تختلف اختلافا بينا يكشف لك غور المتشابه. فأما مداركه في الطور الأول فواضحة جلية. قال الله تعالى: والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة. فبهذه المدارك يستولي على ملكات المعارف و يستكمل حقيقة إنسانية و يوفي حق العبادة المفضية به إلى النجاة.
و أما مداركه في الطور الثاني. و هو طور النوم. فهي المدارك التي في الحس الظاهر بعينها. لكن ليست في الجوارح كما هي في اليقظة. لكن الرأي يتيقن كل شيء أدركه في نومه لا يشك فيه و لا يرتاب. مع خلو الجوارح عن الاستعمال العادي لها. و الناس في حقيقة هذه الحال فريقان: الحكماء، يزعمون أن الصور الخيالية يدفعها الخيال بحركة الفكر إلى الحس المشترك الذي هو الفصل المشترك بين الحس الظاهر و الحس الباطن. فتصور محسوسة بالظاهر في الحواس كلها. و يشكل عليهم هذا بأن المرائي الصادقة التي هي من الله تعالى أو من الملك أثبت و أرسخ في الإدراك من المرائي الخيالية الشيطانية، مع أن الخيال فيها على ما قرروه واحد.
الفريق الثاني: المتكلمون. أجملوا فيها القول. و قالوا: هو إدراك يخلقه الله في الحاسة فيقع كما يقع في اليقظة. و هذا أليق و إن كنا لا نتصور كيفيته.
و هذا الإدراك النومي أوضح شاهد على ما يقع بعده من المدارك الحسية في الأطوار.
و أما الطور الثالث، و هو طور الأنبياء. فالمدارك الحسية فيها مجهولة الكيفية. عند وجدانيته عندهم بأوضح من اليقين. فيرى النبي الله و الملائكة. و يسمع كلام الله منه أو من الملائكة. و يرى الجنة و النار، و العرش و الكرسي، و يخترق السموات السبع في إسرائه و يركب البراق فيها، و يلقى النبيين هنالك. و يصلى بهم، و يدرك أنواع المدارك الحسية كما يدرك في طوره الجسماني و النومي، بعلم ضروري يخلقه الله له، لا بالإدراك العادي للبشر في الجوارح. و لا يلتفت في ذلك إلى ما يقوله ابن سينا من تنزيله أمر النبوة على أمر النوم في دفع الخيال صورة إلى الحس المشترك. فإن الكلام عليهم هنا أشد من الكلام في النوم، لأن هذا التنزيل طبيعة واحدة كما قررناه، فيكون على هذا حقيقة الوحي و الرؤيا من النبي واحدة في يقينها و حقيقتها. و ليست كذلك على ما علمت من رؤيا النبي صلى الله عليه و سلم قبل الوحي ستة أشهر و أنها كانت بمدة الوحي و مقدمته. و يشعر ذلك بأنه رؤية في الحقيقة. و كذلك حال الوحي في نفسه فقد كان يصعب عليه و يقاسي منه شدة كما هي في الصحيح. حتى كان القرآن يتنزل عليه آيات مقطعات. و بعد ذلك نزل عليه براءة في غزوة تبوك جملة واحدة، و هو يسير على ناقته. فلو كان ذلك من تنزل الفكر إلى الخيال فقط، و من الخيال إلى الحس المشترك، لم يكن بين هذه الحالات فرق. و أما الطور الرابع، و هو طور الأموات في برزخهم الذي أوله القبر. و هم مجردون عن البدن. أو في بعثتهم عندما يرجعون إلى الأجسام. فمداركهم الحسية موجودة، فيرى الميت في قبره الملكان يسألانه. و يرى مقعده من الجنة أو النار بعيني رأسه، و يرى شهود الجنازة و يسمع كلامهم و خفق نعالهم في الانصراف عنه، و يسمع ما يذكرونه به من التوحيد أو من تقرير الشهادتين، و غير ذلك. و في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه و سلم وقف على قليب بدر و فيه قتلى المشركين من قريش، و ناداهم بأسمائهم، فقال عمر: يا رسول الله ! أتكلم هؤلاء الجيف ؟ فقال صلى الله عليه و سلم: و الذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع منهم لما أقول. ثم في البعثة يوم القيامة يعاينون بأسمائهم و أبصارهم كما كانوا يعاينون في الحياة من نعيم الجنة على مراتبه و عذاب النار على مراتبه، و يرون الملائكة و يرون ربهم، كما ورد في الصحيح: إنكم ترون ربكم يوم القيامة، كالقمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته. و هذه المدارك لم تكن لهم في. الحياة الدنيا و هي حسية مثلها. و تقع في الجوارح بالعلم الضروري الذي يخلقه الله كما قلناه. و سر هذا أن تعلم أن النفس الإنسانية هي تنشأ بالبدن و بمداركه، فإذا فارقت البدن بنوم أو بموت أو صار النبي حالة الوحي من المدارك البشرية إلى المدارك الملكية، فقد استصبحت ما كان معها من المدارك البشرية مجردة عن الجوارح، فيدرك بها في ذلك الطور أي إدراك شاءت منها، أرفع من إدراكها، و هي في الجسد. قاله الغزالي رحمه الله، و زاد على ذلك أن النفس الإنسانية صورة تبقى لها. بعد المفارقة فيها العينان و الأذنان و سائر الجوارح المدركة أمثالا لها، كان في البدن و صورا.
و أنا أقول: إنما يشير بذلك إلى الملكات الحاصلة من تصريف هذه الجوارح في بدنها زيادة على الإدراك. فإذا تفطنت لهذا كله علمت أن هذه المدارك موجودة في الأطوار الأربعة لكن ليس على ما كانت في الحياة الدنيا، و إنما هي تختلف بالقوة و الضعف بحسب ما يعرض لها من الأحوال. و يشير المتكلمون إلى ذلك إشارة مجملة بأن الله يخلق فيها علما ضروريا بتلك المدارك. أي مدرك كان، و يعنون به هذا القدر الذي أوضحناه. و هذه نبذة أومأنا بها إلى ما يوضح القول في المتشابه. و لو أوسعنا الكلام فيه لقصرت المدارك عنه. فلنفرع إلى الله سبحانه في الهداية و الفهم عن أنبيائه و كتابه، بما يحصل به الحق في توحيدنا. و الظفر بنجاتنا و الله يهدي من يشاء.

الفصل السابع عشر: في علم التصوف
هذا العلم من العلوم الشرعية الحادثة في الملة و أصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة و كبارها من الصحابة و التابعين و من بعدهم طريقة الحق والهداية و أصلها العكوف على العبادة و الانقطاع إلى الله تعالى و الإعراض عن زخرف الدنيا و زينتها، و الزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة و مال و جاه والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة و كان ذلك عاما في الصحابة و السلف. فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني و ما بعده و جنح الناس إلى مخالطة الدنيا اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية و المتصوفة. و قال القشيري رحمه الله: ولا يشهد لهذا الاسم اشتقاق من جهة العربة و لا قياس. و الظاهر أنه لقب. و من قال اشتقاقه من الصفاء أو من الصفة فبعيد من جهة القياس اللغوي، قال: و كذلك من الصوف لأنهم لم يختصوا بلبسه. قلت: و الأظهر إن قيل بالاشتقاق أنه من الصوف و هم في الغالب مختصون بلبسه لما كانوا عليه من فخالفه الناس في لبس فاخر الثياب إلى لبس الصوف فلما اختص هؤلاء بمذهب الزهد و الانفراد عن الخلق و الإقبال على العبادة اختصوا بمآخذ مدركة لهم و ذلك أن الإنسان بما هو إنسان إنما يتميز عن سائر الحيوان بالإدراك و إدراكه نوعان: إدراك للعلوم و المعارف من اليقين و الفن و الشك و الوهم و إدراك للأحوال القائمة من الفرح و الحزن و القبض و البسط و الرضى و الغضب و الصبر و الشكر و أمثال ذلك. فالروح العاقل والمتصرف في البدن تنشأ من إدراكات و إرادات و أحوال و هي التي يميز بها الإنسان. و بعضها ينشأ من بعض كما ينشأ العلم من الأدلة و الفرح و الحزن عن إدراك المؤلم أو المتلذذ به و النشاط عن الحمام و الكسل عن الإعياء. و كذلك المريد في مجاهدته و عبادته لابد و أن ينشأ له عن في مجاهدة حال نتيجة تلك المجاهدة. و تلك الحال إما أن تكون نوع عبادة فترسخ و تصير مقاما للمريد و إما أن لا تكون عبادة و إنما تكون صفة حاصلة للنفس من حزن أو سرور أو نشاط أو كسل أو غير ذلك من المقامات. و لا يزال المريد يترقى من مقام إلى مقام إلى أن ينتهي إلى التوحيد و المعرفة التي هي الغاية المطلوبة للسعادة. قال صلى الله عليه و سلم: من مات يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة فالمريد لابد له من الترقي في هذه الأطوار و أصلها كلها الطاعة و الإخلاص و يتقدمها الإيمان و يصاحبها، و تنشأ عنها الأحوال و الصفات نتائج و ثمرات. ثم تنشأ عنها أخرى و أخرى إلى مقام التوحيد و العرفان. و إذا وقع، تقصير في النتيجة أو خلل فنعلم أنه إنما أتى من قبل التقصير في الذي قبله. و كذلك في الخواطر النفسانية و الواردات القلبية. فلهذا يحتاج المريد إلى محاسبة نفسه في سائر أعماله و ينظر في حقائقها لأن حصول النتائج عن الأعمال ضروري و تصورها من الخلل فيها كذلك. و المريد يجد ذلك بذوقه و يحاسب نفسه على أسبابه. و لا يشاركهم في ذلك إلا القليل من الناس لأن الغفلة عن هذا كأنها شاملة. و غاية أهل العبادات إذا لم ينتهوا إلى هذا النوع أنهم يأتون بالطاعات مخلصة من نظر الفقه في الأجزاء و الامتثال. و هؤلاء يبحثون عن نتائجها بالأذواق و المواجد ليطلعوا على أنها خالصة من التقصير أو لا، فظهر أن أصل طريقتهم كلها محاسبة النفس على الأفعال و التروك و الكلام في هذه الأذواق و المواجد التي تحصل عن المجاهدات ثم تستقر للمريد مقاما يترقى منها إلى غيرها ثم لهم مع ذلك آداب مخصوصة بهم و اصطلاحات في ألفاظ تدور بينهم إذ الأوضاع اللغوية إنما هي للمعاني المتعارفة. فإذا عرض من المعاني ما هو غير متعارف اصطلحنا عن التعبير عنه بلفظ يتيسر فهمة منه. فلهذا اختص هؤلاء بهذا النوع من العلم الذي ليس لواحد غيرهم من أهل الشريعة الكلام فيه. و صار علم الشريعة على صنفين: صنف مخصوص بالفقهاء و أهل الفتيا و هي الأحكام العامة في العبادات و العادات و المعاملات. و صنف مخصوص بالقوم في القيام بهذه المجاهدة و محاسبة النفس عليها و الكلام في الأذواق و المواجد العارضة في طريقها و كيفية الترقي منها من ذوق إلى ذوق و شرح الاصطلاحات التي تدور بينهم في ذلك. فلما كتبت العلوم و دونت و ألف الفقهاء في الفقه و أصوله و الكلام و التفسير وغير ذلك. كتب رجال من أهل هذه الطرقة في طريقهم فمنهم من كتب في الورع و محاسبة النفس على الاقتداء في الأخذ و الترك كما فعله القشيري في كتاب الرسالة و السهرودي في كتاب عوارف المعارف و أمثالهم. و جمع الغزالي رحمه الله بين الأمرين في كتاب الإحياء فدون فيه أحكام الورع و الاقتداء ثم بين آداب القوم وسننهم و شرح اصطلاحاتهم في عباراتهم و صار علم التصوف في الملة علما مدونا بعد أن كانت الطريقة عبادة فقط و كانت أحكامها إنما تتلقى من صدور الرجال كما وقع في سائر العلوم التي دونت بالكتاب من التفسير و الحديث و الفقه والأصول و غير ذلك. ثم إن هذه المجاهدة و الخلوة و الذكر يتبعها غالبا كشف حجاب الحس و الاطلاع على عوالم من أمر الله ليس لصاحب الحس إدراك شيء منها. و الروح من تلك العوالم. و سبب هذا الكشف أن. الروح إذا رجع في الحس الظاهر إلى الباطن ضعفت أحوال الحس و قويت أحوال الروح و غلب سلطانه و تجدد نشؤه أعان على ذلك الذكر فإنه كالغذاء لتنمية الروح و لا يزال في نمو و تزيد إلى أن يصير شهودا بعد أن كان علما. و يكشف حجاب الحس، و يتم وجود النفس التي لها من ذاتها. و هو عين الإدراك. فيتعرض حينئذ للمواهب الربانية و العلوم اللدنية و الفتح الإلهي و تقرب ذاته في تحقيق حقيقتها من الأفق الأعلى أفق الملائكة. و هذا الكشف كثيرا ما يعرض لأهل المجاهدة فيدركون من حقائق الوجود مالا يدرك سواهم و كذلك يدركون كثيرا من الواقعات قبل وقوعها و يتصرفون بهممهم و قوى نفوسهم في الموجودات السفلية و تصير طوع إرادتهم. فالعظماء منهم لا يعتبرون هذا الكشف و لا يتصرفون و لا يخبرون عن حقيقة شيء لم يؤمروا بالتكلم فيه بل يعدون ما يقع لهم من ذلك محنة و يتعوذون منة إذا هاجمهم. و قد كان الصحابة رضي الله عنهم على مثل هذه المجاهدة و كان حظهم من هذه الكرامات أوفر الحظوظ لكنهم لم يقع لهم بها عناية. و في فضائل أبي بكر و عمر و عثمان و علي رضي الله عنهم كثير منها. و تبعهم في ذلك أهل الطريقة ممن اشتملت رسالة القشيري على ذكرهم و من تبع طريقتهم من بعدهم. ثم إن قوما من المتأخرين انصرفت عنايتهم إلى كشف الحجاب و الكلام في المدارك التي وراءه و اختلفت طرق الرياضة عنهم في ذلك باختلاف تعليمهم في إماتة القوى الحسية و تغذية الروح العاقل بالذكر حتى يحصل للنفس إدراكها الذي لها من ذاتها بتمام نشوتها و تغذيتها فإذا حصل ذلك زعموا أن الوجود قد انحصر في مداركها حينئذ و أنهم كشفوا ذوات الوجود و تصوروا حقائقها كلها من العرش ثم إلى الطش. هكذا قال الغزالي رحمه الله في كتاب الإحياء بعد أن ذكر صورة الرياضة. ثم إن هذا الكشف لا يكون صحيحا كاملا عندهم إلا إذا كان ناشئا عن الاستقامة لأن الكشف قد يحصل لصاحب الجوع و الخلوة و إن لم يكن هناك استقامة ك*****ة و غيرهم من المرتاضين. و ليس مرادنا إلا الكشف الناشئ عن الاستقامة و مثاله أن المرآة الصقيلة إذا كانت محدبة أو مقعرة و حوذي بها جهة المرئي فإنه يتشكل فيه معوجا على غير صورته. و إن كانت مسطحة تشكل فيها المرئي صحيحا. فالاستقامة للنفس كالانبساط للمرآة فيما ينطبع فيها من الأحوال. و لما عني المتأخرون بهذا النوع من الكشف تكلموا في حقائق الموجودات العلوية و السفلية و حقائق الملك و الروح و العرش و الكرسي و أمثال ذلك. و قصرت مدارك من لم يشاركهم في طريقهم عن فهم أذواقهم و مواجدهم في ذلك. و أهل الفتيا بين فنكر عليهم و مسلم لهم. و ليس البرهان و الدليل بنافع في هذا الطريق ردا و قبولا إذ هي من قبيل الوجدانيات.
تفصيل و تحقيق: يقع كثيرا في كلام أهل العقائد من علماء الحديث و الفقه أن الله تعالى مباين لمخلوقاته. و يقع للمتكلمين أنة لا مباين و لا متصل. و يقع للفلاسفة أنة لا داخل العالم و لا خارجه. و يقع للمتأخرين من المتصوفة أنه متحد بالمخلوقات: إما بمعنى الحلول فيها، أو بمعنى إنه هو عينها. و ليس هناك غيره جملة و لا تفصيلا. فلنبين تفصيل هذه المذاهب و نشرح حقيقة كل واحد منها، حتى تتضح معانيها فنقول، إن المباينة تقال لمعنيين:
أحدهما المباينة في الحيز و الجهة، و يقابله الاتصال. و نشعر هذه المقابلة على هذه التقيد. بالمكان إما صريحا و هو تجسيم، أو لزوما و هو تشبيه من قبيل القول بالجهة. و قد نقل مثله عن بعض علماء السلف من التصريح بهذه المباينة، فيحتمل غير هذا المعنى. و من أجل ذلك أنكر المتكلمون هذه المباينة وقالوا: لا يقال في البارئ أنة مباين مخلوقاته، و لا متصل بها، لأن ذلك إنما يكون للمتحيزات. و ما يقال من أن المحل لا يخلو عي الاتصاف بالمعنى و ضده. فهو مشروط بصحة الاتصاف أولا، و أما مع امتناعه فلا، بل يجوز الخلو عن المعنى و ضده. كما يقال في الجماد، لا عالم و لا جاهل، و لا قادر و لا عاجز ولا كاتب و لا أمي. و صحة الاتصاف بهذه المباينة مشروط بالحصول في الجهة على ما تقرر من مدلولها. و البارئ سبحانه منزه عن ذلك. ذكره ابن التلمساني في شرح اللمع لإمام الحرمين و قال: و لا يقال في البارئ مباين للعالم و لا متصل به، و لا داخل فيه و لا خارج عنة. و هو معنى ما يقول الفلاسفة أنة لا داخل العالم و لا خارجه، يناء على وجود الجواهر غير المتحيزة. و أنكرها المتكلمون لما يلزم من مساواتها للبارئ في أخص الصفات. و هو مبسوط في علم الكلام.
وأما المعنى الآخر للمباينة، فهو المغايرة و المخالفة فيقال: البارئ مباين لمخلوقاته في ذاته و هويته و وجوده و صفاته. و يقابله الاتحاد و الامتزاج والاختلاط. و هذه المباينة هي مذهب أهل الحق كلهم من جمهور السلف و علماء الشرائع و المتكلمين و المتصوفة الأقدمين أهل الرسالة و من نحا منحاهم. و ذهب جماعة من المتصوفة المتأخرين الذين صيروا المدارك الوجدانية علمية نظرية، إلى أن البارئ تعالى متحد بمخلوقاته في هويته و وجوده و صفاته. و ربما زعموا أنة مذهب الفلاسفة قبل أرسطو، مثل أفلاطون و سقراط، و هو الذي يقينه المتكلمون حيث ينقلونه في علم الكلام عن المتصوفة و يحاولون الرد عليه لأنه ذاتان، تنتفي إحداهما، أو تندرج اندراج الجزء. فإن تلك مغايرة صريحة. و لا يقولون بذلك. و هذا الاتحاد هو الحلول الذي تدعيه النصارى في المسيح عليه السلام و هو أغرب لأنه حلول قديم في محدث أو اتحاده به. و هو أيضا عين ما تقوله الإمامية من الشيعة في الأئمة. و تقرير هذا الاتحاد في كلامهم على طريقين:
الأولى: أن ذات القديم كائنة في المحدثات محسوسها و معقولها، متحدة بها في المتصورين، و هي كلها مظاهر له، و هو القائم عليها، أي المقدم لوجودها بمعنى لولاه كانت عدما و هو رأي أهل الحلول.
الثانية: طريق أهل الوحدة المطلقة و كأنهم استشعروا من تقرير أهل الحلول الغيرية المنافية لمعقول الاتحاد، فنفوها بين القديم و بين المخلوقات في الذات و الوجود و الصفات. و غالطوا في غيرية المظاهر المدركة بالحس و العقل بأن ذلك من المدارك البشرية، و هي أوهام. و لا يريدون الوهم الذي هو قسيم العلم و الفن و الشك، إنما يريدون أنها كلها عدم في الحقيقة، و وجود في المدرك البشري فقط. و لا وجود بالحقيقة إلا للقديم، لا في الظاهر و لا في الباطن كما نقرره بعد، بحسب الإمكان. و التعويل في تعقل ذلك على النظر و الاستدلال، كما في المدارك البشرية، غير مفيد، لأن ذلك إنما نقل من المدارك الملكية، وإنما هي حاصلة للأنبياء بالفطرة و من بعدهم للأولياء بهدايتهم. و قصد من يقصد الحصول عليها بالطريقة العلمية ضلال. و ربما قصد بعض المصنفين ذلك في كشف الموجودات و ترتيب حقائقه على طريق أهل المظاهر فأتى يالأغمض فالأغمض.
و ربما قصد بعض المصنفين بيان مذهبهم في كشف الوجود و ترتيب حقائقه فأتى بالأغمض فالأغمض بالنسبة إلى أهل النظر و الاصطلاحات و العلوم كما فعل الفرغاني شارح قصيدة ابن الفارض في الديباجة التي كتبها في صدر ذلك الشرح فإنه ذكر في صدور الوجود عن الفاعل و ترتيبه أن الوجود كله صادر عن صفة الوحدانية التي هي مظهر الأحدية و هما معا صادران عن الذات الكريمة التي هي عين الوحدة لا غير. و يسمون هذا الصدور بالتجلي. و أول مراتب التجليات عندهم تجلي الذات على نفسه و هو يتضمن الكمال بإفاضة الإيجاد و الظهور لقوله في الحديث الذي يتناقلونه: كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق ليعرفوني و هذا الكمال في الإيجاد المتنزل في الوجود و تفصيل الحقائق و هو عندهم عالم المعاني و الحضرة الكمالية و الحقيقة المحمدية و فيها حقائق الصفات و اللوح و القلم و حقائق الأنبياء و الرسل أجمعين و الكمل من أهل الملة المحمدية. و هذا كله تفصيل الحقيقة المحمدية. و يصدر عن هذه الحقائق حقائق أخرى في الحضرة الهبائية و هي مرتبة المثال ثم عنها العرش ثم الكرسي ثم الأفلاك، ثم عالم العناصر، ثم عالم التركيب. هذا في عالم الرتق فإذا تجلت فهي في عالم الفتق. و يسمى هذا المذهب مذهب أهل التجلي و المظاهر و الحضرات و هو كلام لا يقتدر أهل النظر إلى تحصيل مقتضاه لغموضه و انغلاقه و بعد ما بين كلام صاحب المشاهدة و الوجدان و صاحب الدليل. و ربما أنكر بظاهر الشرع. هذا الترتيب و كذلك ذهب آخرون منهم إلى القول بالوحدة المطلقة و هو رأي أغرب من الأول في تعقله و تفاريعه. يزعمون فيه أن الوجود له قوى في تفاصيله بها كانت حقائق الموجودات و صورها و موادها. و العناصر إنما كانت بما فيها من القوى و كذلك مادتها لها في نفسها قوة بها كان وجودها. ثم إن المركبات فيها تلك القوى متضمنة في القوة التي كان بها التركيب، كالقوة المعدنية فيها قوى العناصر بهيولاها و زيادة القوة المعدنية ثم القوة الحيوانية تتضمن القوة المعدنية و زيادة قوتها في نفسها و كذا القوة الإنسانية مع الحيوانية ثم الفلك يتضمن القوة الإنسانية و زيادة. و كذا الذوات ********ة و القوة الجامعة للكل من غير تفصيل هي القوة الإلهية التي انبثت في جميع الموجودات كلية و جزئية و جمعتها و أحاطت بها من كل وجه. لا من جهة الظهور و لا من جهة الخفاء و لا من جهة الصورة و لا من جهة المادة فالكل واحد و هو نفس الذات الإلهية و هي في الحقيقة واحدة بسيطة و الاعتبار هو المفصل لها كالإنسانية مع الحيوانية. ألا ترى أنها مندرجة فيها و كائنة بكونها. فتارة يمثلونها بالجنس مع النوع، في كل موجود كما ذكرناه و تارة بالكل مع الجزء على طريقة المثال. و هم في هذا كله يفرون من التركيب و الكثرة بوجه من الوجوه و إنما أوجبها عندهم الوهم و الخيال. و الذي يظهر من كلام ابن دهقان في تقرير هذا المذهب أن حقيقة ما يقولونه في الوحدة شبيه بما تقوله الحكماء في الألوان من أن وجودها مشروط بالضوء فإذا عدم الضوء لم تكن الألوان موجودة بوجه. و كذا عندهم الموجودات المحسوسة كلها مشروطة بوجود المدرك الحسي، بل و الموجودات المعقولة و المتوهمة أيضا مشروطة بوجود المدرك العقلي فإذا الوجود المفصل كله مشروط بوجود المدرك البشري. فلو فرضنا عدم المدرك البشري جملة لم يكن هناك تفصيل الوجود بل هو بسيط واحد فالحر و البرد و الصلابة و اللين بل والأرض و الماء و النار و السماء و الكواكب، إنما وجدت لوجود الحواس المدركة لها لما جعل في المدرك من التفصيل الذي ليس في الموجود و إنما هو في المدارك فقط فإذا فقدت المدارك المفصلة فلا تفصيل إنما هو إدراك واحد و هو أنا لا غيره. و يعتبرون ذلك بحال النائم فإنه إذا نام و فقد الحس الظاهر فقد كل محسوس و هو في تلك الحال إلا ما يفصله له الخيال. قالوا: فكذا اليقظان إنما يعتبر تلك المدركات كلها على التفصيل بنوع مدركه البشري ولو قدر فقد مدركه فقد التفصيل و هذا هو معنى قولهم الموهم لا الوهم الذي هو من جملة المدارك البشرية. هذا ملخص رأيهم على ما يفهم من كلام ابن دهقان و هو في غاية السقوط لأنا نقطع بوجود البلد الذي نحن مسافرون عنه و إليه يقينا مع غيبته عن أعيننا و بوجود السماء المظلة و الكواكب و سائر الأشياء الغائبة عنا. و الإنسان قاطع بذلك و لا يكابر أحد نفسه في اليقين مع أن المحققين من المتصوفة المتأخرين يقولون إن المريد عند الكشف ربما يعرض له توهم هذه الوحدة و يسمى ذلك عندهم مقام الجمع ثم يترقى عنه إلى التمييز بين الموجودات و يعبرون عن ذلك بمقام الفرق و هو مقام العارف المحقق و لابد للمريد عندهم من عقبة الجمع و هي عقبة صعبة لأنه يخشى على المريد من وقوفه عندها فتخسر صفقته فقد تبينت مراتب أهل هذه الطريقة ثم إن كل هؤلاء المتأخرين من المتصوفة المتكلمين في الكشف و فيما وراء الحس توغلوا في ذلك فذهب الكثير منهم إلى الحلول و الوحدة كما أشرنا إليه و ملئوا الصحف منه مثل الهروي في كتاب المقامات له و غيره. و تبعهم ابن العربي و ابن سبعين و تلميذهما ابن العفيف وابن الفارض و النجم الإسرائيلي في قصائدهم. و كان سلفهم مخالطين للإسماعيلية المتأخرين من الرافضة الدائنين أيضا بالحلول و إلهية الأئمة مذهبا لم يعرف لأولهم فأشرب كل واحد من الفريقين مذهب الآخر. و اختلط كلامهم و تشابهت عقائدهم. و ظهر في كلام المتصوفة القول بالقطب و معناه رأس العارفين. يزعمون أنه لا يمكن أن يساويه أحد في مقامه في المعرفة حتى يقبضه الله. ثم يورث مقامه لآخر من أهل العرفان. و قد أشار إلى ذلك ابن سينا في كتاب الإشارات في فضول التصوف منها فقال: جل جناب الحق أن يكون شرعة لكل وارد أو يطلع عليه إلا الواحد بعد الواحد. و هذا كلام لا تقوم عليه حجة عقلية، و لا دليل شرعي و إنما هو من أنواع الخطابة و هو بعينه ما تقوله الرافضة و دانوا به. ثم قالوا بترتيب وجود الإبدال بعد هذا القطب كما قاله الشيعة في النقباء. حتى إنهم لما أسندوا لباس خرقة التصوف ليجعلوه أصلا لطريقتهم و نحلتهم رفعوه إلى علي رضي الله عنه و هو من هذا المعنى أيضا. و إلا فعلي رضي الله عنه لم يختص من بين الصحابة بتخليه و لا طريقة في لباس و لا حال. بل كان أبو بكر و عمر رضي الله عنهما أزهد الناس بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم و أكثرهم عبادة. و لم يختص أحد منهم في الدين بشيء يؤثر عنه في الخصوص بل كان الصحابة كلهم أسوة في الدين و الزهد و المجاهدة.
تشهد بذلك سيرهم و أخبارهم، نعم إن الشيعة يخيلون بما ينعلون من ذلك اختصاص علي رضي الله عنه بالفضائل دون من سواه من الصحابة ذهابا مع عقائد التشيع المعروفة لهم. و الذي يظهر أني المتصوفة بالعراق، لما ظهرت الإسماعيلية من الشيعة، و ظهر كلامهم في الإمامة و ما يرجع إليها ما هو معروف، فاقتبسوا من ذلك الموزانة بين الظاهر و الباطن و جعلوا الإمامة لسياسة الخلف في الانقياد إلى الشرع، و أفردوه بذلك أن لا يقع اختلاف كما تقرر في الشرع. ثم جعلوا القطب لتعليم المعرفة بالله لأنه رأس العارفين، و أفردوه بذلك تشبيها بالإمام في الظاهر و أن يكون على وزانه في الباطن و سموه قطبا لمدار المعرفة عليه، و جعلوا الأبدال كالنقباء مبالغة في التشبيه فتأمل ذلك.
يشهد لذلك من كلام هؤلاء المتصوفة في أمر الفاطمي و ما شحنوا كتبهم في ذلك مما ليس لسلف المتصوفة فيه كلام بنفي أو إثبات و إنما هو مأخوذ من كلام الشيعة و الرافضة و مذاهبهم في كتبهم. و الله يهدي إلى الحق.
تذييل: و قد رأيت أن أ*** هنا فصلا من كلام شيخنا العارف كبير الأولياء بالأندلس، أبي مهدي عيسى بن الزيات كان يقع له أكثر الأوقات على أ بيات الهروي التي وقعت له في كتاب المقامات توهم القول بالوحدة المطلقة أو يكاد يصرح بها و بقوله:
ما وحد الواحد من واحد إذ كل من وحده جاحد
توحيد من ينطق عن نعته تثنيه أبطلها الواحد
توحيده إياه توحيده و نعت من ينعته لاحد
فيقول رحمه الله على سبيل العذر عنه: استشكل الناس إطلاق لفظ الجمود على كل من وحد الواحد و لفظ الإلحاد على من نعته و وصفه. و استبشعوا هذه الأبيات و حملوا قائلها على الكفر و استخفوه. و نحن نقول على رأي هذه الطائفة أن معنى التوحيد عندهم انتقاء عين الحدوث بثبوت عين القدم و أن الوجود كله حقيقة واحدة وانية واحدة. و قد قال أبو سعيد الجزار من كبار القوم: الحق عين ما ظهر و عين ما بطن. و يرون أن وقوع التعدد في تلك الحقيقة وجود الاثنينية. و هم باعتبار حضرات الحس بمنزلة صور الضلال و الصدا و المرأى. و أن كل ما سوى عين القدم، إذا استتبع فهو عدم. و هذا معنى: كان الله، و لا شيء معه، و هو الآن على ما هو عليه كان عندهم. و معنى قول كبير الذي صدقه رسول الله صلى الله عليه و سلم في قوله: ألا كل شيء، ما خلا الله باطل. قالوا: فمن وحد و نعت، فقد قال بموجد محدث. هو نفسه، و توحيد محدث هو فعله، موجود قدير، هو معبود.
و قد تقدم معنى التوحيد انتقاء عين الحدوث، و عين الحدوث، الآن ثابتة بل متعددة، و التوحيد مجحود والدعوى كاذبة. كمن يقول لغيره، و هما معا في بيت واحد: ليس في البيت غيرك، فيقول الآخر بلسان حاله: لا يصح هذا إلا لو عدمت أنت ! و قد قال بعض المحققين في قولهم: خلق الله الزمان، هذه ألفاظ تناقض أصولها لأن خلق الزمان متقدم على الزمان و هو فعل لابد من وقوعه في الزمان. و إنما حمل ذلك ضيق العبارة عن الحقائق و عجز اللغات عن تأدية الحق فيها و بها. فإذا تحقق أن الموحد هو الموحد، و عدم ما سواه جملة. صح التوحيد حقيقة. و هذا معنى قولهم لا يعرف الله إلا الله و لا حرج على من وحد الحق مع بقاء الرسوم و الآثار، و إنما هو من باب: حسنات الأبرار سيئات المقربين. لأن ذلك لازم التقييد و العبودية و الشفعية. و من ترقى إلى مقام الجمع كان في حقه نقصا، مع علمه بمرتبته، و أنه تلبيس تستلزمه العبودية و يرمعه الشهود و يطهر من دنس حدوثه عين الجمع. و أعرق الأصناف في هذا الزعم القائلون بالوحدة المطلقة. و مدار المعرفة بكل اعتبار على الانتهاء إلى الواحد، و إنما صدر هذا القول من الناظم على سبيل التحريض و التنبيه و التفطين لمقام أعلى ترتفع فيه الشفعية و يحصل التوحيد المطلق عينا لا خطابا. و عبارة: فمن سلم استراح و من نازعته حقيقة أنس بقوله: كنت سمعه و بصره. و إذا عرفت المعاني لا مشاحة في الألفاظ. و الذي يفيده هذا كله تحقق أمر فوق هذا الطور، لا نطق فيه و لا خبر عنه. و هذا المقدار من الإشارة كاف. و التعمق في مثل هذا حجاب. و هو الذي أوقع في المقالات المعروفة. انتهى كلام الشيخ أبي مهدي الزيات، و نقلته من كتاب الوزير أبي الخطيب الذي ألفه في المحبة. و سماه التعريف بالحب الشريف. و قد سمعته من شيخنا أبى مهدي مرارا. إلا أني رأيت رسوم الكتاب أوعى له. لطول عهدي به. و الله الموفق.
ثم إن كثيرا من الفقهاء و أهل الفتيا انتدبوا للرد على هؤلاء المتأخرين في هذه المقالات و أمثالها و شملوا بالنكير سائر ما وقع لهم في الطريقة. و الحق أن كلامهم معهم فيه تفصيل فإن كلامهم في أربعة مواضع: أحدها الكلام على المجاهدات و ما يحصل من الأذواق و المواجد و محاسبة النفس على أعمالها لتحصل تلك الأذواق التي تصير مقاما و يترقى منة إلى غيره كما قلناه و ثانيها الكلام في الكشف والحقيقة المدركة من عالم الغيب مثل الصفات الربانية و العرش و الكرسي والملائكة و الوحي و النبؤة و الروح و حقائق كل موجود غائب أو شاهد و تركيب الألوان في صدورها عن موجودها و تكونها كما مر، و ثالثها التصرفات في العوالم والأكوان بأنواع الكرامات، و رابعها ألفاظ موهمة الظاهر صدرت من الكثير من أئمة القوم يعبرون عنها في اصطلاحهم بالشطحات تستشكل ظواهرها فمنكر و محسن و متأول. فأما الكلام في المجاهدات و المقامات و ما يحصل من الأذواق والمواجد في نتائجها و محاسبة النفس على التقصير في أسبابها فأمر لا مدفع فيه لأحد و أذواقهم فيه صحيحة و التحقق بها هو عين السعادة. و أما الكلام في كرامات القوم و أخبارهم بالمغيبات و تصرفهم في الكائنات. فأمر صحيح غير منكر. و إن مآل بعض العلماء إلى إنكارها فليس ذلك من الحق. و ما احتج به الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائني من أئمة الأشعرية على إنكارها لالتباسها بالمعجزة فقد فرق المحققون من أهل السنة بينهما بالتحدي و هو دعوى وقوع المعجزة على وفق ما جاء به. قالوا: ثم إن وقوعها على وفق دعوى الكاذب غير مقدور لأن دلالة المعجزة على الصدق عقلية فإن صفة نفسها التصديق. فلو وقعت مع الكاذب لتبدلت صفة نفسها و هو محال. هذا مع أن الوجود شاهد بوقوع الكثير من هذه الكرامات و إنكارها نوع مكابرة. و قد وقع للصحابة و أكابر السلف كثير من ذلك و هو معلوم مشهور. و أما الكلام في الكشف و إعطاء حقائق العلويات و ترتيب صدور الكائنات فأكثر كلامهم فيه نوع من المتشابه لما أنه وجداني عندهم و فاقد الوجدان عندهم بمعزل عن أذواقهم فيه. و اللغات لا تعطى له دلالة على مرادهم منه لأنها لم توضع إلا للتعارف و أكثره من المحسوسات. فينبغي أن لا نتعرض لكلامهم في ذلك و نتركه فيما تركناه من المتشابه و من رزقه الله فهم شيء من هذه الكلمات على الوجه الموافق لظاهر الشريعة فأكرم بها سعادة. و أما الألفاظ الموهمة التي يعبرون عنها بالشطحات و يوآخذهم بها أهل الشرع فاعلم أن الإنصاف في شأن القوم أنهم أهل غيبة عن الحس و الواردات تملكهم حتى ينطقوا عنها بما لا يقصدونه و صاحب الغيبة غير مخاطب و المجبور معذور. فمن علم منهم فضله و اقتداؤه حمل على القصد الجميل من هذا و أمثاله و أن العبارة عن المواجد صعبة لفقدان الوضع لها كما وقع لأبي يزيد البسطامي و أمثاله. و من لم يعلم فضله و لا اشتهر فموآخذ بما صدر عنه من ذلك إذا لم يتبين لنا ما يحملنا على تأويل كلامه. و أما من تكلم بمثلها و هو حاضر في حسه و لم يملكه الحال فموآخذ أيضا. و لهذا أفتى الفقهاء و أكابر المتصوفة بقتل الحلاج لأنه تكلم في حضور و هو مالك لحاله. و الله أعلم. و سلف المتصوفة من أهل الرسالة أعلام الملة الذين أشرنا إليهم من قبل لم يكن لهم حرص على كشف الحجاب و لا هذا النوع من الإدراك إنما همهم الاتباع و الاقتداء ما استطاعوا. و من عرض له شيء من ذلك أعرض عنه و لم يحفل به بل يفرون منه و يرون أنة من العوائق و المحن و أنه إدراك من إدراكات النفس مخلوق حادث و أن الموجودات لا تنحصر في مدارك الإنسان. و علم الله أوسع و خلقه أكبر و شريعته بالهداية أملك فلا ينطقون بشيء مما يدركون. بل حظروا الخوض في ذلك و منعوا من يكشف له الحجاب من أصحابهم من الخوض فيه و الوقوف عنده بل يلتزمون طريقتهم كما كانوا في عالم الحس قبل الكشف من الاتباع و الاقتداء و يأمرون أصحابهم بالتزامها. و هكذا ينبغي أن يكون حال المريد و الله الموفق للصواب.
رد مع اقتباس
  #26  
قديم 01-09-2012, 11:19 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,456
افتراضي

الفصل الثامن عشر: في علم تعبير الرؤيا
هذا العلم من العلوم الشرعية و هو حادث في الملة عندما صارت العلوم صنائع و كتب الناس فيها. و أما الرؤيا و التعبير لها فقد كان موجودا في السلف كما هو في الخلف. و ربما كان في الملوك و الأمم من قبل إلا أنه لم يصل إلينا للاكتفاء فيه بكلام المعبرين من أهل الإسلام. و إلا فالرؤيا موجودة في صنف البشر على الإطلاق و لابد من تعبيرها. فلقد كان يوسف الصديق صلوات الله عليه يعبر الرؤيا كما وقع في القرآن. و كذلك ثبت عن الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم و عن أبي بكر رضي الله عنه و الرؤيا مدرك من مدارك الغيب. و قال صلى الله عليه و سلم: الرؤيا الصالحة جزء من ستة و أربعين جزءا من النبؤة. و قال: لم يبق من المبشرات إلا الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له و أول ما بدأ به النبي صلى الله عليه و سلم من الوحي الرؤيا فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. و كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا انفتل من صلاة الغداة يقول لأصحابه: هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا ؟ يسألهم عن ذلك ليستبشر بما وقع من ذلك مما فيه ظهور الدين و إعزازه. و أما السبب في كون الرؤيا مدركا للغيب فهو أن الروح القلبي و هو البخار اللطيف المنبعث من تجويف القلب اللحمي ينتشر في الشريانات و مع الدم في سائر البدن و به تكمل أفعال القوى الحيوانية و إحساسها. فإذا أدركه الملال بكثرة التصرف في الإحساس بالحواس الخمس و تصريف القوى الظاهرة و غشي سطح البدن ما يغشاه من برد الليل انحبس الروح من سائر أقطار البدن إلى مركزه القلبي فيستجم بذلك لمعاودة فعله فتعطلت الحواس الظاهرة كلها و ذلك هو معنى النوم كما تقدم في أول الكتاب. ثم إن هذا الروح القلبي هو مطية للروح العاقل من الإنسان و الروح العاقل مدرك لجميع ما في عالم الأمر بذاته إذ حقيقته و ذاته عين الإدراك. و إنما يمنع من تعلقه للمدارك الغيبية ما هو فيه من حجاب الاشتغال بالبدن و قواه و حواشه. فلو قد خلا من هذا الحجاب و تجرد عنه لرجع إلى حقيقته و هو عين الإدراك فيعقل كل مدرك. فإذا تجرد عن بعضها خفت شواغله فلابد له من إدراك لمحة من عالمه بقدر ما تجرد له و هو في هذه الحالة قد خفت شواغل الحس الظاهر كلها و هي الشاغل الأعظم فاستعد لقبول ما هنالك من المدارك اللائقة من عالمه. و إذا أدرك ما يدرك من عوالمه رجع به إلى بدنه. إذ هو ما دام في بدنه جسماني لا يمكنه التصرف إلا بالمدارك الجسمانية. و المدارك الجسمانية للعلم إنما هي الدماغية و المتصرف منها هو الخيال. فإنه ينتزع من الصور المحسوسة صورا خيالية ثم يدفعها إلى الحافظة تحفظها له إلى وقت الحاجة إليها عند النظر و الاستدلال. و كذلك تجرد النفس منها صورا أخرى نفسانية عقلية فيترقى التجريد من المحسوس إلى المعقول و الخيال واسطة بينهما. و لذلك إذا أدركت النفس من عالمها ما تدركه ألقته إلى الخيال فيصوره بالصورة المناسبة و يدفعه إلى الحس المشترك فيراه النائم كأنة محسوس فيتنزل المدرك من الروح العقلي إلى الحسي. و الخيال أيضا واسطة. هذه حقيقة الرؤيا. و من هذا التقرير يظهر لك الفرق بين الرؤيا الصالحة وأضغاث الأحلام الكاذبة فإنها كلها صور في الخيال حالة النوم. و لكن إن كانت تلك الصور متتزلة من الروح العقلي المدرك فهو رؤيا. و إن كانت مأخوذة من الصور التي في الحافظة التي كان الخيال أودعها إياها منذ اليقظة فهي أضغاث أحلام.
و اعلم أن للرؤيا الصادقة علامات تؤذن بصدقها و تشهد بصحتها فيستشعر الرائي البشارة من الله مما ألقى إليه في نومه: فمنها سرعة انتباه الرائي عندما يدرك الرؤيا، كأنة يعاجل الرجوع إلى الحس باليقظة و لو كان مستغرقا في نومه، لتقل ما ألقي عليه من ذلك الإدراك فيفر من تلك الحالة إلى حالة الحس التي تبقى النفس فيها منغمسة بالبدن و عوارضه، و منها ثبوت ذلك الإدراك و دوامه بانطباع تلك الرؤيا بتفاصيلها في حفظه فلا يتخيلها سهو و لا نسيان. و لا يحتاج إلى إحضارها بالفكر و التذكير، بل تبقى متصورة في ذهنه إذا انتبه. و لا يغرب عنه شيء منها، لأن الإدراك النفساني ليس بزماني و لا يلحقه ترتبت، بل يدركه دفعة في زمن فرد. و أضغاث الأحلام زمانية. لأنها في القوى الدماغية يستخرجها الخيال من الحافظة إلى الحس المشترك كما قلناه. و أفعال البدن كلها زمانية فيلحقها الترتيب في الإدراك و المتقدم و المتأخر. و يعرض النسيان العارض للقوى الدماغية. و ليس كذلك مدارك النفس الناطقة إذ ليست بزمانية، و لا ترتيب فيها. و ما ينطبع فيها من الإدراكات فينطبع دفعة واحدة في أقرب من لمح البصر. و قد تبقى الرؤيا بعد الانتباه. حاضرة في الحفظ أياما من العمر. لا تشذ بالغفلة عن الفكر بوجه إذا كان الإدراك الأول قويا، و إذا كان إنما يتذكر الرؤيا بعد الانتباه من النوم بإعمال الفكر و الوجهة إليها، و ينسى الكثير من تفاصيلها حتى يتذكرها فليست الرؤيا بصادقة، و إنما هي من أضغاث الأحلام. و هذه العلامات من خواص الوحي. قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه و سلم: لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه و الرؤيا لها نسبة من النبوة و الوحي كما في الصحيح. قال صلى الله عليه و سلم: الرؤيا جزء من ستة و أربعين جزءا من النبوة فلخواصها أيضا نسبة إلى خواص النبوة. بذلك القدر، فلا تستبعد ذلك، فهذا وجه الحق. و الله الخالق لما يشاء.
و أما معنى التعبير فاعلم أن الروح العقلي إذا أدرك مدركة و ألقاه إلى الخيال فصوره فإنما يصوره في الصور المناسبة لذلك المعنى بعض الشيء كما يدرك معنى السلطان الأعظم فيصوره الخيال بصورة البحر أو يدرك العداوة فيصورها الخيال في صورة الحية. فإذا استيقظ و هو لم يعلم من أمره إلا أنه رأى البحر أو الحية فينظر المعبر بقوة التشبيه بعد أن يتيقن أن البحر صورة محسوسة و أن المدرك وراءها و هو يهتدي بقرائن أخرى تعين له المدرك فيقول مثلا: هو السلطان لأن البحر خلق عظيم يناسب أن يشبه بها السلطان و كذلك الحية يناسب أن تشبه بالعدو لعظم ضررها و كذا الأواني تشبه بالنساء لأنهن أوعية وأمثال ذلك. و من المرئي ما يكون صريحا لا يفتقر إلى تعبير لجلائها و وضوحها أو لقرب الشبه فيها بين المدرك و شبهه. و لهذا وقع في الصحيح الرؤيا ثلاث: رؤيا من الله و رؤيا من الملك و رؤيا من الشيطان. فالرؤيا التي من الله هي الصريحة التي لا تفتقر إلى تأويل و التي من الملك هي الرؤيا الصادقة تفتقر إلى التعبير و الرؤيا التي من الشيطان هي الأضغاث. و اعلم أن الخيال إذا ألقى إليه الروح مدركه. فإنما يصوره في القوالب المعتادة للحس و ما لم يكن الحس أدركه قط من القوالب فلا يصور فيه شيئا فلا يمكن من ولد أعمى أن يصور له السلطان بالبحر و لا العدو بالحية و لا النساء بالأواني لأنه لم يدرك شيئا من هذه و إنما يصور له الخيال أمثال هذه في شبهها و مناسبها من جنس مداركه التي هي المسموعات و المشمومات. و ليتحفظ المعبر من مثل هذا فربما اختلط به التعبير و فسد قانونه. ثم إن علم التعبير علم بقوانين كلية يبني عليها المعبر عبارة ما يقص عليه. و تأويله كما يقولون: البحر يدل على السلطان، و في موضع آخر يقولون: البحر يدل على الغيظ، و في موضع آخر يقولون: البحر يدل على الهم والأمر الفادح. و مثل ما يقولون: الحية تدل على العدو، و في موضع آخر يقولون: هي كاتم سر، و في موضع آخر يقولون: تدل على الحياة و أمثال ذلك. فيحفظ المعبر هذه القوانين الكلية، و يعبر في كل موضع بما تقتضيه القرائن التي تعين من هذه القوانين ما هو أليق بالرؤيا. و تلك القرائن منها في اليقظة و منها في النوم و منها ما ينقدح في نفس المعبر بالخاصية التي خلقت فيه و كل ميسر لما خلق له. و لم يزل هذا العلم فتناقلا بين السلف. و كان محمد بن سيرين فيه من أشهر العلماء و كتب عنه في ذلك القوانين و تناقلها الناس لهذا العهد. و ألف الكرماني فيه من بعده. ثم ألف المتكلمون المتأخرون و أكثروا. و المتداول بين أهل المغرب لهذا العهد كتب ابن أبي طالب القيرواني من علماء القيروان مثل الممتع و غيره و كتاب الإشارة للسالمي من أنفع الكتب فيه و أحضرها. و كذلك كتاب المرقبة العليا لابن راشد من مشيختنا بتونس. و هو علم مضيء ينور النبؤة للمناسبة التي بينهما و لكونها كانت من مدارك الوحي كما وقع في الصحيح و الله علام الغيوب.

الفصل التاسع عشر: في العلوم العقلية و أصنافها
و أما العلوم العقلية التي هي طبيعية للإنسان من حيث إنه ذو فكر فهي غير مختصة بملة بل بوجه النظر فيها إلى أهل الملل كلهم و يستوون في مداركها و مباحثها. و هي موجودة في النوع الإنساني منذ كان عمران الخليقة. و تسمى هذه العلوم علوم الفلسفة و الحكمة و هي مشتملة على أربعة علوم: الأول علم المنطق و هو علم يعصم الذهن عن الخطأ في اقتناص المطالب المجهولة من الأمور الحاصلة المعلومة و فائدته تمييز الخطأ من الصواب. فيما يلتمسه الناظر في الموجودات و عوارضها ليقف على تحقيق الحق في الكائنات نفيا و ثبوتا بمنتهى فكره. ثم النظر بعد ذلك عندهم إما في المحسوسات من الأجسام العنصرية و المكونة عنها من المعدن و النبات و الحيوان و الأجسام الفلكية والحركات الطبيعية. و النفس التي تنبعث عنها الحركات و غير ذلك. و يسمى هذا الفن بالعلم الطبيعي و هو العلم الثاني منها. و إما أن يكون النظر في الأمور التي وراء الطبيعة من ********ات و يسمونه العلم الإلهي و هو الثالث منها. و العلم الرابع و هو الناظر في المقادير و يشتمل على أربعة علوم و تسمى التعاليم. أولها: علم الهندسة و هو النظر في المقادير على الإطلاق. إما المنفصلة من حيث كونها معدودة أو المتصلة و هي إما ذو بعد واحد و هو الخط أو ذو بعدين و في السطح، أو ذو أبعاد ثلاثة و هو الجسم التعليمي. ينظر في هذه المقادير و ما يعرض لها إما من حيث ذاتها أو من حيث نسبة بعضها إلى بعض. و ثانيها علم الأرتماطيقي و هو معرفة ما يعرض للكم المنفصل الذي هو العدد و يؤخذ له من الخواص و العوارض اللاحقة. و ثالثها علم الموسيقى و هو معرفة نسب الأصوات و النغم بعضها من بعض و تقديرها بالعدد و ثمرته معرفة تلاحين الغناء. و رابعها علم الهيئة و هو تعيين الأشكال للأفلاك و حصر أوضاعها و تعددها لكل كوكب من السيارة و الثابتة والقيام على معرفة ذلك من قبل الحركات السماوية المشاهدة الموجودة لكل واحد منها و من رجوعها و استقامتها و إقبالها و إدبارها. فهذه أصول العلوم الفلسفية و هي سبعة: المنطق و هو المقدم منها و بعده التعاليم فالأرتماطيقي أولا ثم الهندسة ثم الهيئة ثم الموسيقى ثم الطبيعيات ثم الإلهيات و لكل واحد منها فروع تتفرع عنه. فمن فروع الطبيعيات الطب و من فروع علم العدد علم الحساب والفرائض و المعاملات و من فروع الهيئة الأزياج و هي قوانين لحساب حركات الكواكب و تعديلها للوقوف على مواضعها متى قصد ذلك و من فروعها النظر في النجوم على الأحكام النجومية و نحن نتكلم عليها واحدا بعد واحد إلى آخرها. و اعلم أن أكثر من عني بها في الأجيال الذين عرفنا أخبارهم الأمتان العظيمتان في الدولة قبل الإسلام و هما فارس و الروم فكانت أسواق العلوم نافقة لديهم على ما بلغنا لما كان العمران موفورا فيهم والدولة و السلطان قبل الإسلام و عصره لهم فكان لهذه العلوم بحور زاخرة في آفاقهم و أمصارهم. و كان للكلدانيين و من قبلهم من السريانيين و من عاصرهم من القبط عناية ب***** و النجامة و ما يتبعها من الطلاسم و أخذ ذلك عنهم الأمم من فارس و يونان فاختص بها القبط و طمى بحرها فيهم كما وقع في المتلو من خبر هاروت و ماروت و شأن *****ة و ما نقله أهل العلم من شأن البراري بصعيد مصر. ثم تتابعت الملل بحظر ذلك و تحريمه فدرست علومه و بطلت كأن لم تكن إلا بقايا يتناقلها منتحلو هذه الصنائع. و الله أعلم بصحتها. مع أن سيوف الشرع قائمة على ظهورها مانعة من اختبارها. و أما الفرس فكان شأن هذه العلوم العقلية عندهم عظيما و نطاقها متسعا لما كانت عليه دولتهم من الضخامة و اتصال الملك. و لقد يقال إن هذه العلوم إنما وصلت إلى يونان منهم حين قتل الإسكندر دارا و غلب على مملكة الكينية فاستولى على كتبهم و علومهم. إلا أن المسلمين لما افتتحوا بلاد فارس، و أصابوا من كتبهم وصحائف علومهم مما لا يأخذه الحصر و لما فتحت أرض فارس و وجدوا فيها كتبا كثيرة كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب ليستأذنه في شأنها و تنقيلها للمسلمين. فكتب إليه عمر أن اطرحوها في الماء. فإن يكن ما فيها هدى فقد هدانا الله بأهدى منه و إن يكن ضلالا فقد كفانا الله. فطرحوها في الماء أو في النار و ذهبت علوم الفرس فيها عن أن تصل إلينا. و أما الروم فكانت الدولة منهم ليونان أولا و كان لهذه العلوم بينهم مجال رحب و حملها مشاهير من رجالهم مثل أساطين الحكمة و غيرهم. و اختص فيها المشاءون منهم أصحاب الرواق بطريقة حسنة في التعليم كانوا يقرؤون في رواق يظلم من الشمس و البرد على ما زعموا. و اتصل فيها سند تعليمهم على ما يزعمون من لدن لقمان الحكيم في تلميذه بقراط الدن، ثم إلى تلميذه أفلاطون ثم إلى تلميذه أرسطو ثم إلى تلميذه الإسكندر الأفرودسي، و تامسطيون و غيرهم. و كان أرسطو معلما للأسكندر ملكهم الذي غلب الفرس على ملكهم و انتزع الملك من أيديهم. و كان أرسخهم في هذه العلوم قدما و أبعدهم فيه صيتا و شهرة. و كان يسمى المعلم الأول فطار له في العالم ذكر. ولما انقرض أمر اليونان و صار الأمر للقياصرة و أخذوا بدين النصرانية هجروا تلك العلوم كما تقتضيه الملل و الشرائع فيها. و بقيت في صحفها و دواوينها مخلدة باقية في خزائنهم ثم ملكوا الشام و كتب هذه العلوم باقية فيهم. ثم جاء الله بالإسلام و كان لأهله الظهور الذي لا كفاء له و ابتزوا الروم ملكهم فيما ابتزوه للأمم. و ابتدأ أمرهم بالسذاجة و الغفلة عن الصنائع حتى إذا تبحبح من السلطان و الدولة و أخذ الحضارة بالحظ الذي لم يكن لغيرهم من الأمم و تفننوا في الصنائع و العلوم. تشوقوا إلى الاطلاع على هذه العلوم الحكمية بما سمعوا من الأساقفة و الأقسة المعاهدين بعض ذكر منها و بما تسمو إليه أفكار الإنسان فيها. فبغث أبو جعفر المنصور إلى ملك الروم أن يبعث إليه بكتب التعاليم مترجمة فبعث إليه بكتاب أوقليدس و بعض كتب الطبيعيات. فقرأها المسلمون و اطلعوا على ما فيها و ازدادوا حرصا على الظفر بما بقي منها. و جاء المأمون بعد ذلك و كانت له في العلم رغبة بما كان ينتحله فانبعث لهذه العلوم حرصا و أوفد الرسل على ملوك الروم في استخراج علوم اليونانيين و انتساخها بالخط العربي و بعث المترجمين لذلك فأوعى منه و استوعب. و عكف عليها النظار من أهل الإسلام و حذقوا في فنونها و انتهت إلى الغاية أنظارهم فيها. و خالفوا كثيرا من آراء المعلم الأول و اختصوه بالرد و القبول لوقوف الشهرة عنده. و دونوا في ذلك الدواوين وأربوا على من تقدمهم في هذه العلوم و كان من أكابرهم في الملة أبو نصر الفارابي و أبو علي بن سينا بالمشرق و القاضي أبو الوليد بن رشد و الوزير أبو بكر بن الصائغ بالأندلس إلى آخرين بلغوا الغاية في هذه العلوم. و اختص هؤلاء بالشهرة والذكر و اقتصر كثيرون على انتحال التعاليم و ما ينضاف إليها من علوم النجامة و***** و الطلسمات. و وقفت الشهرة في هذا المنتحل على جابر بن حيان من أهل المشرق و مسلمة بن أحمد المجريطي من أهل الأندلس و تلميذه. و دخل على الملة من هذه العلوم و أهلها داخلة و استهوت الكثير من الناس بما جنحوا إليها وقلدوا آراءها و الذنب في ذلك لمن ارتكبه. و لو شاء الله ما فعلوه. ثم إن المغرب والأندلس لما ركدت ريح العمران بهما و تناقصت العلوم بتناقصه اضمحل ذلك منهما إلا قليلا من رسومه تجدها في تفاريق من الناس و تحت رقبة من علماء السنة. و يبلغنا عن أهل المشرق أن بضائع هذه العلوم لم تزل عندهم موفورة و خصوصا في عراق العجم و ما بعده فيما وراء النهر و أنهم على بح من العلوم العقلية لتوفر عمرانهم و استحكام الحضارة فيهم. و لقد وقفت بمصر على تآليف في المعقول متعددة لرجل من عظماء هراة من بلاد خراسان يشتهر بسعد الدين التفتازاني منها في علم الكلام و أصول الفقه و البيان تشهد بأن له ملكة راسخة في هذه العلوم. و في أثنائها ما يدل على أن له اطلاعا على العلوم الحكمية و قدما عالية في سائر الفنون العقلية و الله يؤيد بنصره من يشاء. كذلك بلغنا لهذا العهد أن هذه العلوم الفلسفية ببلاد الإفرنجة من أرض رومة و ما إليها من العدوة الشمالية نافقة الأسواق و أن رسومها هناك. متجددة و مجالس تعليمها متعددة و دواوينها جامعة متوفرة و طلبتها متكثرة و الله أعلم بما هنالك و هو يخلق ما يشاء و يختار.

الفصل العشرون: في العلوم العددية
و أولها الأرتماطيقي و هو معرفة خواص الأعداد من حيث التأليف إما على التوالي أو بالتضعيف مثل أن الأعداد إذا توالت متفاضلة بعدد واحد فإن جمع الطرفين منها مساو لجمع كل عددين بعدهما من الطرفين بعدد واحد و مثل ضعف الواسطة إن كانت عدة تلك الأعداد فردا مثل الأفراد على تواليها و الأزواج على تواليها و مثل أن الأعداد إذا توالت على نسبة واحدة يكون أولها نصف ثانيها وثانيها نصف ثالثها الخ، أو يكون أولها ثلث ثانيها و ثانيها ثلث ثالثها الخ فإن ضرب الطرفين أحدهما في الآخر كضرب كل عددين بعدهما من الطرفين بعدد واحد أحدهما في الآخر. و مثل مربع الواسطة إن كانت العدة فردا و ذلك مثل أعداد زوج الزوج المتوالية من اثنين فأربعة فثمانية فستة عشر و مثل ما يحدث من الخواص العددية في وضع المثلثات العددية و المربعات و المخمسات والمسدسات إذا وضعت متتالية في سطورها بأن تجمع من الواحد إلى العدد الأخير فتكون مثلثة. و تتوالى المثلثات هكذا في سطر تحت الأضلاع ثم تزيد على كل مثلث ثلث الضلع الذي قبله فتكون مربعة. و تزيد على كل مربع مثلث الضلع الذي قبلة فتكون مخمسة و هلم جرا. و تتوالى الأشكال على توالى الأضلاع و يحدث جدول ذو طول و عرض. ففي عرضه الأعداد على تواليها ثم المثلثات على تواليها ثم المربعات ثم المخمسات الخ و في طوله كل عدد و أشكاله بالغا ما بلغ و تحدث في جمعها و قسمة بعضها على بعض طولا و عرضا خواص غريبة استقرت منها و تقررت في دواوينهم مسائلها كذلك ما يحدث للزوج و الفرد و زوج الزوج و زوج الفرد و زوج الزوج و الفرد فإن لكل منها خواص مختصة به تضمنها هذا الفن و ليست في غيره. و هذا الفن أول أجزاء التعاليم و أثبتها و يدخل في براهين الحساب. و للحكماء المتقدمين و المتأخرين فيه تآليف، و أكثرهم يدرجونه في التعاليم و لا يفردونه بالتآليف. فعل ذلك ابن سينا في كتاب الشفاء و النجاة و غيره من المتقدمين. و أما المتأخرون فهو عندهم مهجور إذ هو غير متداول و منفعته في البراهين لا في الحساب فهجروه لذلك بعد أن استخلصوا زبدته في البراهين الحسابية كما فعله ابن البناء في كتاب رفع الحجاب و غيره و الله سبحانه و تعالى أعلم. و من فروع علم العدد صناعة الحساب. و هي صناعة علمية في حساب الأعداد بالضم و التفريق. فالضم يكون في الأعداد بالأفراد و هو الجمع. و بالتضعيف تضاعف عددا بآحاد عدد آخر و هذا هو الضرب و التفريق أيضا يكون في الأعداد إما بالإفراد مثل إزالة عدد من عدد و صرفه الباقي و هو الطرح أو تفصيل عدد بأجزاء متساوية تكون عدتها محصلة و هو القسمة. و سواء كان هذا الضم و التفريق في الصحيح من العب أو الكسر. و معنى الكسر نسبة عدد إلى عدد و تلك النسبة تسمى كسرا. و كذلك يكون بالضم و التفريق في الجذور و معناها العد الذي يضرب في مثله فيكون منه العدد المربع. فإن تلك الجذور أيضا يدخلها الضم و التفريق و هذه الصناعة حادثة احتيج إليها للحساب في المعاملات ألف الناس فيها كثيرا و تداولوها في الأمصار بالتعليم للولدان. و من أحسن التعليم عندهم الابتداء بها لأنها معارف متضحة و براهين منتظمة فينشأ عنها في الغالب عقل مضيء درب على الصواب. و قد قال من أخذ نفسه بتعليم الحساب أول أمره إنه يغلب عليه الصدق لما في الحساب من صحة المباني و مناقشة النفس فيصير ذلك خلقا و يتعود الصدق و يلازمه مذهبا. و من أحسن التآليف المبسوطة فيها لهذا العهد بالمغرب كتاب الحصار الصغير. و لابن البناء المراكشي فيه تلخيص ضابط لقوانين أعماله مفيد ثم شرحه بكتاب سماه رفع الحجاب و هو مستغلق على المبتدئ بما فيه من البراهين الوثيقة المباني. و هو كتاب جليل القدر أدركنا المشيخة تعظمه و هو كتاب جدير بذلك. و ساوق فيه المؤلف رحمه الله كتاب فقه الحساب، لابن منعم و الكامل للأحدب، و لخص براهينها و غيرها عن اصطلاح الحروف فيها إلى علل معنوية ظاهرة، هي سر الإشارة بالحروف و زبدتها. و هي كلها مستغلقة و إنما جاءه الاستغلاق من طريق البرهان ببيان علوم التعاليم لأن مسائلها و أعمالها واضحة كلها. و إذا قصد شرحها فإنما هو إعطاء العلل في تلك الأعمال. و في ذلك من العسر على الفهم ما لا يوجد في أعمال المسائل فتأمله. و الله يهدي بنوره من يشاء و هو القوي المتين. و من فروعه الجبر و المقابلة. و هي صناعة تستخرج بها العدد المجهول من قبل المعلوم المفروض إذا كان بينهما نسبة تقتضي ذلك. فاصطلحوا فيها على أن جعلوا للمجهولات مراتب من طريق التضعيف بالضرب. أولها العدد لأنه به يتعين المطلوب المجهول باستخراجه من نسبة المجهول إليه و ثانيها الشيء لأن كل مجهول فهو من جهة إبهامه شيء و هو أيضا جذر لما يلزم من تضعيفه في المرتبة الثانية و ثالثها المال و هو أمر مبهم و ما بعد ذلك فعلى نسبة الأس في المضروبين. ثم يقع العمل المفروض في المسألة فتخرج إلى معادلة بين مختلفين أو أكثر من هذه الأجناس فيقابلون بعضها ببعض و يجبرون ما فيها من الكسر حتى يصير صحيحا. و يحطون المراتب إلى أقل الأسوس إن أمكن حتى يصير إلى الثلاثة التي عليها مدار الجبر عندهم و هي العدد و الشيء و المال. فإن كانت المعادلة بين، واحد و واحد تعين فالمال و الجذر يزول إبهامه بمعادلة العدد و يتعين. و المال و إن عادل الجذور فيتعين بعدتها. و إن كانت المعادلة بين واحد و اثنين أخرجه العمل الهندسي من طريق تفصيل الضرب في الاثنين و هي مبهمة فيعنيها ذلك الضرب المفصل. و لا يمكن المعادلة بين اثنين و اثنين. و أكثر ما انتهت المعادلة بينهم إلى ست مسائل لأن المعادلة بين عدد و جذر و مال مفردة أو مركبة تجيء ستة. و أول من كتب في هذا الفن أبو عبد الله الخوارزمي و بعده أبو كامل شجاع بن أسلم، و جاء الناس على أثره فيه. و كتابه في مسائله الست من أحسن الكتب الموضوعة فيه. و شرحه كثير من أهل الأندلس فأجادوا و من أحسن شروحاته كتاب القرشي. و قد بلغنا أن بعض أئمة التعاليم من أهل المشرق أنهى المعاملات إلى أكثر من هذه الستة الأجناس، و بلغها إلى فوق العشرين و استخرج لها كلها أعمالا و أتبعه ببراهين هندسية. و الله يزيد في الخلق ما يشاء سبحانه و تعالى. و من فروعه أيضا العاملات. و هو تصريف الحساب في معاملات المدن في البياعات و المساحات و الزكوات و سائر ما يغرض فيه العدد من المعاملات يصرف في صناعتنا ذلك الحساب في المجهول و المعلوم و الكسر والصحيح و الجذور و غيرها. و الغرض من تكثير المسائل المفروضة فيها حصول المران و الدربة بتكرار العمل حتى ترسخ الملكة في صناعة الحساب. و لأهل الصناعة الحسابية من أهل الأندلس تآليف فيها متعددة من أشهرها معاملات الزهراوي و ابن السمح و أبي مسلم بن خلدون من تلميذ مسلمة المجريطي وأمثالهم. و من فروعه أيضا الفرائض. و هي صناعة حسابية في تصحيح السهام لذوي الفروض في الوراثات إذا تعددت و هلك بعض الوارثين و انكسرت سهامه على ورثته أو زادت الفروض عند اجتماعها و تزاحمها على المال كله أو كان في الفريضة إقرار و إنكار من بعض الورثة فتحتاج في ذلك كله إلى عمل يعين به سهام الفريضة من كم تصح و سهام الورثة من كل بطن مصححا حتى تكون حظوظ الوارثين من المال على نسبة سهامهم من جملة سهام الفريضة. فيدخلها من صناعة الحساب جزء كبير من صحيحه و كسرة و جذره و معلومه و مجهوله و ترتب على ترتيب أبواب الفرائض الفقهية و مسائلها. فتشتمل حينئذ هذه الصناعة على جزء من الفقه و هو أحكام الوراثة من الفروض و العول و الإقرار و الإنكار و الوصايا و التدبير و غير ذلك من مسائلها و على جزء من الحساب و هو تصحيح السهمان باعتبار الحكم الفقهي و هي من أجل العلوم. و قد يورد أهلها أحاديث نبوية تشهد بفضلها مثل الفرائض ثلث العلم و أنها أول ما يرفع من العلوم و غير ذلك. و عندي أن ظواهر تلك الأحاديث كلها إنما هي في الفرائض العينية كما تقدم لا فرائض الوراثات فإنها أقل من أن تكون في كميتها ثلث العلم. و أما الفرائض العينية فكثيرة و قد ألف الناس في هذا الفن قديما و حديثا و أوعبوا و من أحسن التآليف فيه على مذهب مالك رحمه الله كتاب ابن ثابت و مختصر القاضي أبي القاسم الحوفي و كتاب ابن المنمر و الجعدي و الصردي و غيرهم. لكن الفضل للحوفي فكتابه مقدم على جميعها. و قد شرحه من شيوخنا أبو عبد الله محمد بن سليمان الشطي كبير مشيخة فاس فأوضح و أوعب. و لإمام الحرمين فيها تآليف على مذهب الشافعي تشهد باتساع باعه في العلوم، و رسوخ قدمه، و كذا للحنفية والحنابلة. و مقامات الناس في العلوم مختلفة. و الله يهدي من يشاء بمنه و كرمه لا رب سواه.

الفصل الحادي و العشرون: في العلوم الهندسية
هذا العلم هو النظر في المقادير إما المتصلة كالخط و السطح و الجسم و إما المنفصلة كالأعداد و فيما يعرض لها من العوارض الذاتية. مثل أن كل مثلث فزواياه مثل قائمتين. و مثل أن كل خطين متوازيين لا يلتقيان في وجه و لو خرجا إذ غير نهاية. و مثل أن كل خطين متقاطعين فالزاويتان المتقابلتان منهما متساويتان. و مثل أن الأربعة مقادير المتناسبة ضرب الأول منها في الثالث كضرب الثاني في الرابع و أمثال ذلك. و الكتاب المترجم لليونانيين في هذه الصناعة كتاب أوقليدس و يسمى كتاب الأصول و كتاب الأركان و هو أبسط ما وضع فيها للمتعلمين و أول ما ترجم من كتاب اليونانيين في الملة أيام أبي جعفر المنصور و نسخه مختلفة باختلاف المترجمين. فمنها لحنين بن إسحاق ولثابت بن قرة و ليوسف بن الحجاج و يشتمل على خمس عشرة مقالة. أربع في السطوح و واحدة في الأقدار المتناسبة و أخرى في نسب السطوح بعضها إلى بعض و ثلاث في العدد و العاشرة في المنطقات و القوى على المنطقات و معناه الجذور و خمس في المجسمات. و قد اختصره الناس اختصارات كثيرة كما فعله ابن سينا في تعاليم الشفاء. أفرد له جزءا منها اختصه به. و كذلك ابن الصلت في كتاب الاقتصار و غيرهم. و شرحه آخرون شروحا كثيرة و هو مبدأ العلوم الهندسية بإطلاق. و اعلم أن الهندسة تفيد صاحبها إضاءة في عقله، استقامة في فكره لأن براهينها كلها بينة الانتظام جلية الترتيب لا يكاد الغلط يدخل أقيستها لترتيبها و انتظامها فيبعد الفكر بممارستها عن الخطأ و ينشأ لصاحبها عقل على ذلك المهيع و قد زعموا أنة كان مكتوبا على باب أفلاطون: من لم يكن مهندسا فلا يدخلن منزلنا و كان شيوخنا رحمهم الله يقولون ممارسة الهندسة للفكر بمثابة الصابون للثوب الذي يغسل منه الأقذار و ينقيه من الأوضار والأدران، و إنما ذلك لما أشرنا إليه من ترتيبه و انتظامه. و من فروع هذا الفن الهندسة المخصوصة بالأشكال الكروية و المخروطات أما الأشكال الكروية ففيها كتابان من كتب اليونانيين لثاوذوسيوس و ميلاوش في سطوحها و قطوعها وكتاب ثاوذوسيوس مقدم في التعليم على كتاب ميلاوش لتوقف كثير من براهينه عليه. و لابد منهما لمن يريد الخوض في علم الهيئة لأن براهينها متوقفة عليه. فالكلام في الهيئة كله كلام في الكرات السماوية و ما يعرض فيها من القطوع والدوائر بأسباب الحركات كما نذكره فقد يتوقف على معرفة أحكام الأشكال الكروية سطوحها و قطوعها. و أما المخروطات فهو من فروع الهندسة أيضا. و هو علم ينظر فيما يقع في الأجسام المخروطة من الأشكال و القطوع و يبرهن على ما يعرض لذلك من العوارض ببراهين هندسية متوقفة على التعليم الأول. و فائدتها تظهر في الصنائع العملية التي موادها الأجسام مثل التجارة و البناء و كيف تصنع التماثيل الغريبة و الهياكل النادرة و كيف يتخيل على جر الأثقال و نقل الهياكل بالهندام و الميخال و أمثال ذلك. و قد أفرد بعض المؤلفين في هذا الفن كتابا في الحيل العلمية يتضمن من الصناعات الغريبة و الحيل المستظرفة كل عجيبة. و ربما استغلق على الفهوم لصعوبة براهينه الهندسية و هو موجود بأيدي الناس ينسبونه إلى بني شاكر. و الله تعالى أعلم. و من فروع الهندسة المساحة و هو فن يحتاج إليه في مسح الأرض و معناه استخراج مقدار الأرض المعلومة بنسبة شبر أو ذراع أو غيرهما و نسبة أرض من أرض إذ قويست بمثل ذلك. و يحتاج إلى ذلك في توظيف الخراج على المزارع و الفدن و بساتين الغراسة و في قسمة الحوائط والأراضي بين الشركاء و الورثة و أمثال ذلك. و للناس فيها موضوعات حسنة و كثيرة و الله الموفق للصواب بمنه و كرمه. المناظرة من فروع الهندسة و هو علم يتبين به أسباب الغلط في الإدراك البصري بمعرفة كيفية وقوعها بناء على أن إدراك البصر يكون بمخروط شعاعي رأسه نقطة الباصر و قاعدته المرئي. ثم يقع الغلط كثيرا في رؤية القريب كبيرا و البعيد صغيرا. و كذا رؤية الأشباح الصغيرة تحت الماء و وراء الأجسام الشفافة كبيرة و رؤية النقطة النازلة من المطر خطا مستقيما و السلقة دائرة و أمثال ذلك. فيتبين في هذا العلم أسباب ذلك و كيفياته بالبراهين الهندسية و يتبين به أيضا اختلاف المنظر في القمر باختلاف العروض الذي ينبني عليه معرفة رؤية الأهلة و حصول الكسوفات و كثير من أمثال هذا. و قد ألف في هذا الفن كثير من اليونانيين. و أشهر من ألف فيه من الإسلاميين ابن الهيثم. و لغيره أيضا تآليف و هو من هذه الرياضة و تفاريعها.

الفصل الثاني و العشرون: في علم الهيئة
و هو علم ينظر في حركات الكواكب الثابتة و المحركة و المتحيرة. و يستدل بكيفيات تلك الحركات على أشكال و أوضاع للأفلاك لزمت عنها لهذه الحركات المحسوسة بطرق هندسية. كما يبرهن على أن مركز الأرض مباين لمركز فلك الشمس بوجود حركة الإقبال و الإدبار و كما يستدل بالرجوع و الاستقامة للكواكب على وجود أفلاك صغيرة حاملة لها متحركة داخل فلكها الأعظم و كما يبرهن على وجود الفلك الثامن بحركة الكواكب الثابتة و كما يبرهن على تعدد الأفلاك للكوكب الواحد بتعداد الميول له و أمثال ذلك. و إدراك الموجود من الحركات و كيفياتها و أجناسها إنما هو بالرصد فإنا إنما علمنا حركة الإقبال و الإدبار به. و كذا تركيب الأفلاك في طبقاتها و كذا الرجوع و الاستقامة و أمثال ذلك. و كان اليونانيون يعتنون بالرصد كثيرا و يتخذون له الآلات التي توضع ليرصد بها حركة الكوكب المعين. و كانت تسمى عندهم ذات الحلق و صناعة عملها و البراهين عليه في مطابقة حركتها بحركة الفلك منقول بأيدي الناس.
و أما في الإسلام فلم تقع به عناية إلا في القليل. و كان في أيام المأمون شيء منه و صنع هذه الآلة المعروفة للرصد المسماة ذات الحلق. و شرع في ذلك فلم يتم. و لما مات ذهب رسمه و أغفل و اعتمد من بعده على الأرصاد القديمة و ليست بمغنية لاختلاف الحركات باتصال الأحقاب. و أن مطابقة حركة الآلة للرصد بحركة الأفلاك و الكواكب إنما هو بالتقريب. و هذه الهيئة صناعة شريفة و ليست على ما يفهم في المشهور أنها تعطى صورة السماوات و ترتيب الأفلاك والكواكب بالحقيقة بل إنما تعطي أن هذه الصور و الهيئات للأفلاك لزمت عن هذه الحركات. و أنت تعلم أنه لا يبعد أن يكون الشيء الواحد لازما لمختلفين و إن قلنا إن الحركات لازمة فهو استدلال باللازم على وجود الملزوم و لا يعطي الحقيقة بوجه على أنه علم جليل و هو أحد أركان التعاليم. و من أحسن التآليف فيه كتاب المجسطي منسوب لبطليموس. و ليس من ملوك اليونان الذين أسماؤهم بطليموس على ما حققه شراح الكتاب. و قد اختصره الأئمة من حكماء الإسلام كما فعله ابن سينا و أدرجه في تعاليم الشفاء. و لخصه ابن رشد أيضا من حكماء الأندلس و ابن السمح و ابن أبي الصلت في كتاب الاقتصار. و لابن الفرغاني هيئة ملخصة قربها و حذف براهينها الهندسية. و الله علم الإنسان ما لم يعلم. سبحانه لا إله إلا هو رب العالمين. و من فروعه علم الأزياج. و هي صناعة حسابية على قوانين عددية فيما يخص كل كوكب من طريق حركته و ما أدى إليه برهان الهيئة في وضعه من سرعة و بطء و استقامة و رجوع و غير ذلك يعرف به مواضع الكواكب في أفلاكها لأي وقت فرض من قبل حسبان حركاتها على تلك القوانين المستخرجة من كتب الهيئة. و لهذه الصناعة قوانين كالمقدمات و الأصول لها في معرفة الشهور و الأيام و التواريخ الماضية و أصول متقررة من معرفة الأوج والحضيض و الميول و أصناف الحركات و استخراج بعضها من بعض، يضعونها في جدول مرتبة تسهيلا على المتعلمين و تسمى الأزياج. و يسمى استخراج مواضع الكواكب للوقت المفروض لهذه الصناعة تعديلا و تقويما. و للناس فيه تآليف كثيرة للمتقدمين و المتأخرين مثل البتاني و ابن الكماد. و قد عول المتأخرون لهذا العهد بالمغرب على زيج منسوب لابن إسحاق من منجمي تونس في أول المائة السابعة. و يزعمون أن ابن إسحاق عول فيه على الرصد. و أن يهوديا كان بصقلية ماهرا في الهيئة و التعاليم و كان قد عني بالرصد و كان يبعث إليه بما يقع في ذلك من أحوال الكواكب و حركه لها فكان أهل المغرب لذلك عنوا به لوثاقة مبناه على ما يزعمون. و لخصه ابن البناء في آخر سماه المنهاج فولع به الناس لما سهل من الأعمال فيه و إنما يحتاج إلى مواضع الكواكب من الفلك لتنبني عليها الأحكام النجومية و هو معرفة الآثار التي تحدث عنها بأوضاعها في عالم الإنسان من الملك و الدول و المواليد البشرية و الكوائن الحادثة كما نبينه بعد و نوضح فيه أدلتهم إن شاء الله تعالى. و الله الموفق لما يحبه و يرضاه لا معبود سواه.

الفصل الثالث و العشرون: في علم المنطق
و هو قوانين يعرف بها الصحيح من الفاسد في الحدود المعرفة للماهيات و الحجج المفيدة للتصديقات و ذلك لأن الأصل في الإدراك إنما هو المحسوسات بالحواس الخمس. و جميع الحيوانات مشتركة في هذا الإدراك من الناطق و غيره و إنما يتميز الإنسان عنها بإدراك الكليات و هي مجردة من المحسوسات. و ذلك بأن يحصل في الخيال من الأشخاص المتفقة صورة منطبقة على جميع تلك الأشخاص المحسوسة و هي الكلي. ثم ينظر الذهن بين تلك الأشخاص المتفقة وأشخاص أخرى توافقها في بعض. فيحصل له صورة تنطبق أيضا عليهما باعتبار ما اتفقا فيه. و لا يزال يرتقي في التجريد إلى الكل الذي لا يجد كليا آخر معه يوافقه فيكون لأجل ذلك بسيطا. و هذا مثل ما يجرد من أشخاص الإنسان صورة النوع المنطبقة عليها. ثم ينظر بينه و بين الحيوان و يجرد صورة الجنس المنطبقة عليهما. ثم ينظر بينهما و بين النبات إلى أن ينتهي إلى الجنس العالي و هو الجوهر فلا يجد كليا يوافقه في شيء فيقف العقل هنالك عن التجريد. ثم إن الإنسان لما خلق الله له الفكر الذي به يدرك العلوم و الصنائع و كان العلم: إما تصورا للماهيات و يعنى به إدراك ساذج من غير حكم معه و إما تصديقا أي حكما بثبوت أمر لأمر فصار سعي الفكر في تحصيل المطلوبات إما بأن تجمع تلك الكليات بعضها إلى بعض على جهة التأليف فتحصل صورة في الذهن كلية منطبقة على أفراد في الخارج فتكون تلك الصورة الذهنية مفيدة لمعرفة ماهية تلك الأشخاص و إما بأن يحكم بأمر على أمر فيثبت له و يكون ذلك تصديقا. و غايته في الحقيقة راجعة إلى التصور لأن فائدة ذلك إذا حصل إنما هي معرفة حقائق الأشياء التي هي مقتضى العلم الحكمي. و هذا السعي من الفكر قد يكون بطريق صحيح و قد يكون بطريق فاسد فاقتضى ذلك تمييز الطريق الذي يسعى به الفكر في تحصيل المطالب العلمية ليتميز الصحيح من الفاسد فكان ذلك قانون المنطق. و تكلم فيه المتقدمون أول ما تكلموا به جملا جملا و مفترقا مفترقا. و لم تهذب طرقه و لم تجمع مسائله حتى ظهر في يونان أرسطو فهذب مباحثه و رتب مسائله و فصوله و جعله أول العلوم الحكمية و فاتحتها. و لذلك يسمى بالمعلم الأول و كتابة المخصوص بالمنطق يسمى النص و هو يشتمل على ثمانية كتب أربعة منها في صور القياس و أربعة في مادته. و ذلك أن المطالب التصديقية على أنحاء. فمنها ما يكون المطلوب فيه اليقين بطبعه و منها ما يكون المطلوب فيه الفن و هو على مراتب فيظهر في القياس من حيث المطلوب الذي يفيده و ما ينبغي أن تكون مقدماته بذلك الاعتبار و من أي جنس يكون من العلم أو من الفن. و قد ينظر في القياس لا باعتبار مطلوب مخصوص بل من جهة إنتاجه خاصة. و يقال للنظر الأول إنه من حيث المادة و نعني به المادة المنتجة للمطلوب المخصوص من يقين أو ظن و يقال للنظر الثاني إنه من حيث الصورة و إنتاج القياس على الإطلاق فكانت لذلك كتب المنطق ثمانية: الأول في الأجناس العالية التي ينتهي إليها تجريد المحسوسات و هي التي ليس فوقها جنس و يسمى كتاب المقولات. و الثاني في القضايا التصديقية و أصنافها و يسمى كتاب العبارة. و الثالث في القياس و صورة إنتاجه على الإطلاق و يسمى كتاب القياس و هذا آخر النظر من حيث الصورة. ثم الرابع كتاب البرهان و هو النظر في القياس المنتج لليقين و كيف يجب أن تكون مقدماته يقينية. و يختص بشروط أخرى لإفادة اليقين مذكورة فيه مثل كونها ذاتية و أولية و غير ذلك. و في هذا الكتاب الكلام في المعرفات و الحدود إذ المطلوب فيها إنما هو اليقين لوجوب المطابقة بين الحد و المحدود لا تحتمل غيرها فلذلك اختصت عند المتقدمين بهذا الكتاب. و الخامس: كتاب الجدل و هو القياس المفيد قطع المشاغب و إفحام الخصم و ما يجب أن يستعمل فيه من المشهورات و يختص أيضا من جهة إفادته لهذا الغرض بشروط أخرى من حيث إفادته لهذا الغرض و هي مذكورة هناك. و في هذا الكتاب يذكر المواضع التي يستنبط منها صاحب القياس قياسه و فيه عكوس القضايا. و السادس: كتاب السفسطة و هو القياس الذي يفيد غلاف الحق و يغالط به المناظر صاحبه و هو فاسد و هذا إنما كتب ليعرف به القياس المغالطي فيحذر منه. و السابع: كتاب الخطابة و هو القياس المفيد ترغيب الجمهور و حملهم على المراد منهم و ما يجب أن يستعمل في ذلك من المقالات. و الثامن: كتاب الشعر و هو القياس الذي يفيد التمثيل و التشبيه خاصة للإقبال على الشيء أو النفرة عنه و ما يجب أن يستعمل فيه من القضايا التخيلية. هذه هي كتب المنطق الثمانية عند المتقدمين. ثم إن حكماء اليونانيين بعد أن تهذبت الصناعة و رتبت رأوا أنة لابد من الكلام في الكليات الخمس المفيدة للتصور المطابق للماهيات في الخارج، أو لأجزائها أو عوارضها و هي الجنس و الفصل و النوع و الخاص و العرض العام، فاستدركوا فيها مقالة تختص بها مقدمة بين يدي الفن فصارت تسعا و ترجمت كلها في الملة الإسلامية. و كتبها و تداولها فلاسفة الإسلام بالشرح و التلخيص كما فعله الفارابي و ابن سينا ثم ابن رشد من فلاسفة الأندلس. و لابن سينا كتاب الشفاء استوعب فيه علوم الفلسفة السبعة كلها. ثم جاء المتأخرون فغيروا اصطلاح المنطق و ألحقوا بالنظر في الكليات الخمس ثمرته و هي الكلام في الحدود و الرسوم نقلوها من كتاب البرهان. و حذفوا كتاب المقولات لأن نظر المنطقي فيه بالعرض لا بالذات. و ألحقوا في كتاب العبارة الكلام في العكس. و إن كان من كتاب الجدل في كتب المتقدمين لكنة من توابع الكلام في القضايا ببعض الوجوه ثم تكلموا في القياس من حيث إنتاجه للمطالب على العموم لا بحسب مادة و حدقوا النظر فيه بحسب المادة و هي الكتب الخمسة: البرهان و الجدل و الخطابة و الشعر و السفسطة. و ربما يلم بعضهم باليسير منها إلماما و أغفلوها كأن لم تكن هي المهم المعتمد في الفن. ثم تكلموا فيما وضعوه من ذلك كلاما مستبحرا و نظروا فيه من حيث إنه فن برأسه لا من حيث إنه آلة للعلوم فطال الكلام فيه و اتسع. و أول من فعل ذلك الإمام فخر الدين بن الخطيب و من بعده أفضل الدين الخونجي و على كتبه معتمد المشارقة لهذا العهد. و له في هذه الصناعة كتاب كشف الأسرار و هو طويل و اختصر فيها مختصر الموجز و هو حسن في التعليم ثم مختصر الجمل في قدر أربعة أوراق أخذ بمجامع الفن و أصوله متداولة المتعلمون لهذا العهد فينتفعون به. و هجرت كتب المتقدمين و طرقهم كأن لم تكن و هي ممتلئة من ثمرة المنطق و فائدته كما قلناه. و الله الهادي للصواب.
اعلم أن هذا الفن قد اشتد النكير على انتحاله من متقدمي السلف و المتكلمين. و بالغوا في الطعن عليه و التحذير منه و حظروا تعلمه و تعليمه. وجاء المتأخرون من بعدهم من لدن الغزالي و الإمام ابن الخطيب فسامحوا في ذلك بعض الشيء. و أكب الناس على انتحاله من يومئذ إلا قليلا، يجنحون فيه إلى رأي المتقدمين. فينفرون عنه و يبالغون في إنكاره. فلنبين لك نكتة القول و الرد في ذلك، لتعلم مقاصد العلماء في مذاهبهم، و ذلك أن المتكلمين لما وضعوا علم الكلام لنصر العقائد الإيمانية بالحجج العقلية، كانت طريقتهم في ذلك بأدلة خاصة و ذكروها في كتبهم كالدليل على حدث العالم بإثبات الأغراض و حدوثها. و امتناع خلو الأجسام عنها، و ما لا يخلو عن الحوادث حادث. و كإثبات التوحيد بدليل التمانع. و إثبات الصفات القديمة بالجوامع الأربعة إلحاقا للغائب بالشاهد. و غير ذلك من أدلتهم المذكورة في كتبهم. ثم مرروا تلك الأدلة بتمهيد قواعد و أصول هي كالمقدمات لها مثل إثبات الجوهر الفرد و الزمن الفرد و الخلاء بين الأجسام و نفي الطبيعة و التركيب العقلي للماهيات. و أن العرض لا يبقى زمنين و إثبات الحال و هي صفة الموجود، لا موجودة و لا معدومة و غير ذلك من قواعدهم التي بنوا عليها أدلتهم الخاصة. ثم ذهب الشيخ أبو الحسن، و القاضي أبو بكر و الأستاذ أبو إسحاق إلا أن أدلة العقائد منعكسة بمعنى أنها إذا بطلت بطل مدلولها. و لهذا رأى القاضي أبو بكر أنها بمثابة العقائد و القدح فيها قدح في العقائد لابتنائها عليها. و إذا تأملت المنطق وجدته كله يدور على التركيب العقلي، و إثبات الكلي الطبيعي في الخارج لينطبق عليه الكلي الذهني المنقسم إلى الكليات الخمس، التي هي الجنس و النوع و الفصل والخاصة و العرض العام، و هذا باطل عند المتكلمين. و الكلي و الذاتي عندهم إنما اعتبار ذهني ليس في الخارج ما يطابقه. أو حال عند من يقول بها فتبطل الكليات الخمس و التعريف المبني عليها. و المقولات العشر، و يبطل العرض الذاتي، فتبطل ببطلانه القضايا الضرورية الذاتية المشروطة في البرهان و تبطل المواضع التي هي لباب كتاب الجدل. و هي التي يؤخذ منها الوسط الجامع بين الطرفين في القياس، و لا يبقى إلا القياس الصوري، و من التعريفات المساوئ في الصادقية على أفراد المحمود، لا يكون أعلم منها، فيدخل غيرها، و لا أخص فيخرج بعضها، و هو الذي يعبر عنه النحاة بالجمع و المنع و المتكلمون بالطرد و العكس، و تنهدم أركان المنطق جملة. و إن أثبتنا هذه كما في علم المنطق أبطلنا كثيرا من مقدمات المتكلمين فيؤدي إلى إبطال أدلتهم على العقائد كما مر. فلهذا بالغ المتقدمون من المتكلمين في النكير على انتحال المنطق و عده بدعة أو كفرا على نسبة الدليل الذي يبطل. و المتأخرون من لدن الغزالي لما أنكروا انعكاس الأدلة، و لم يلزم عندهم من بطلان الدليل بطلان مدلوله، و صح عندهم رأي أهل المنطق في التركيب العقلي و وجوب الماهيات الطبيعية و كلياتها في الخارج، قضوا بأن المنطق غير مناف للعقائد الإيمانية. و إن كان منافيا لبعض أدلتها، بل قد يستدلون على إبطال كثير من تلك المقدمات الكلامية، كنفي الجوهر الفرد و الخلاء و بقاء الأعراض و غيرها، و يستبدلون من أدلة المتكلمين على العقائد بأدلة أخرى يصححونها بالنظر و القياس العقلي. و لم يقدح ذلك عندهم في العقائد السنية بوجه. و هذا رأي الإمام و الغزالي و تابعهما لهذا العهد، فتأمل ذلك و اعرف مدارك العلماء و مآخذهم فيما يذهبون إليه. و الله الهادي و الموفق للصواب.

الفصل الرابع و العشرون: في الطبيعيات
و هو علم يبحث في الجسم من جهة ما يلحقه من الحركة و السكون فينظر في الأجسام السماوية و العنصرية و ما يتولد عنها من حيوان و إنسان و نبات و معدن و ما يتكون في الأرض من العيون و الزلازل و في الجو من السحاب و البخار و الرعد والبرق و الصواعق و غير ذلك. و في مبدأ الحركة للأجسام و هو النفس على تنوعها في الإنسان و الحيوان و النبات. و كتب أرسطو فيه موجودة بين أيدي الناس ترجمت مع ما ترجم من علوم الفلسفة أيام المأمون و ألف الناس على حذوها مستتبعين لها بالبيان و الشرح و أوعب من ألف في ذلك ابن سينا في كتاب الشفاء جمع فيه العلوم السبعة للفلاسفة كما قدمنا ثم لخصه في كتاب النجا و في كتاب الإشارات و كأنه يخالف أرسطو في الكثير من مسائلها و يقول برأيه فيها. و أما ابن رشد فلخص كتب أرسطو و شرحها متبعا له غير مخالف. و ألف الناس في ذلك كثيرا لكن هذه هي المشهورة لهذا العهد و المعتبرة في الصناعة. و لأهل المشرق عناية بكتاب الإشارات لا بن سينا و للإمام ابن الخطيب عليه شرح حسن و كذا الآمدي و شرحه أيضا نصير الدين الطوسي المعروف بخواجه من أهل المشرق و بحث مع الإمام في كثير من مسائله فأوفى على أنظاره و بحوثه و فوق كل ذي علم عليم و الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

الفصل الخامس و العشرون: في علم الطب
و من فروع الطبيعيات صناعة الطب و هي صناعة تنظر في بدن الإنسان من حيث يمرض و يصح فيحاول صاحبها حفظ الصحة و برء المرض بالأدوية والأغذية بعد أن يتبين المرض الذي يخص كل عضو من أعضاء البدن و أسباب تلك الأمراض التي تنشأ عنها و ما لكل مرض من الأدوية مستدلين على ذلك بأمزجة الأدوية و قواها و على المرض بالعلامات المؤذن بنضجه و قبوله الدواء أولا: في السجية و الفضلات و النبض محاذين لذلك قوة الطبيعة فإنها المدبرة في حالتي الصحة و المرض. و إنما الطبيب يحاذيها و يعينها بعض الشيء بحسب ما تقتضيه طبيعة المادة و الفصل و السن و يسمى العلم الجامع لهذا كله علم الطب. و ربما أفردوا بعض الأعضاء بالكلام و جعلوه علما خاصا، كالعين و عللها وأكحالها. كذلك ألحقوا بالفن من مناخ الأعضاء و معناها المنفعة التي لأجلها خلق كل عضو من أعضاء البدن الحيواني. و إن لم يكن ذلك من موضوع علم الطب إلا أنهم جعلوه من لواحقه و توابعه. و إمام هذه الصناعة التي ترجمت كتبه فيها من الأقدمين جالينوس يقال إنه كان معاصرا لعيسى عليه السلام و يقال إنه مات بصقلية في سبيل تغلب و مطاوعة اغتراب. و تآليفه فيها هي الأمهات التي اقتدى بها جميع الأطباء بعده. و كان في الإسلام في هذه الصناعة أئمة جاءوا من وراء الغاية مثل الرازي و المجوسي و ابن سينا و من أهل الأندلس أيضا كثير وأشهرهم ابن زهر. و هي لهذا العهد في المدن الإسلامية كأنها نقصت لوقوف العمران و تناقصه و هي من الصنائع التي لا تستدعيها إلا الحضارة و الترف كما نبينه بعد. و للبادية من أهل العمران طب يبنونه في غالب الأمر على تجربة قاصرة على بعض الأشخاص متوارثا عن مشايخ الحي و عجائزه، و ربما يصح منه البعض إلا أنة ليس على قانون طبيعي و لا على موافقة المزاج. و كان عند العرب من هذا الطب كثير و كان فيهم أطباء معروفون كالحارث بن كلدة و غيره. و الطب المنقول في الشرعيات من هذا القبيل و ليس من الوحي في شيء و إنما هو أمر كان عاديا للعرب. و وقع في ذكر أحوال النبي صلى الله عليه و سلم من نوع ذكر أحواله التي هي عادة و جبلة لا من جهة أن ذلك مشروع على ذلك النحو من العمل. فإنه صلى الله عليه و سلم إنما بعث ليعلمنا الشرائع و لم يبعث لتعريف الطب و لا غيره من العاديات. و قد وقع له في شأن تلقيح النخل ما وقع فقال: أنتم أعلم بأمور دنياكم. فلا ينبغي أن يحمل شيء من الطب الذي وقع في الأحاديث الصحيحة المنقولة على أنة مشروع فليس هناك ما يدل عليه اللهم إلا إذا استعمل على جهة التبرك و صدق العقد الإيماني فيكون له أثر عظيم في النفع. و ليس ذلك في الطب المزاجي و إنما هو من آثار الكلمة الإيمانية كما وقع في مداواة المبطون بالعسل و نحوه و الله الهادي إلى الصواب لا رب سواه.

الفصل السادس و العشرون: في الفلاحة
هذه الصناعة من فروع الطبيعيات و هي النظر في النبات من حيث تنميته و نشؤه بالسقي و العلاج و تعهده بمثل ذلك و كان للمتقدمين بها عناية كثيرة و كان النظر فيها عندهم عاما في النبات من جهة غرسه و تنميته و من جهة خواصه و روحانيته و مشاكلتها لروحانيات الكواكب و الهياكل المستعمل ذلك كله في باب ***** فعظمت عنايتهم به لأجل ذلك. و ترجم من كتب اليونانيين كتاب الفلاحة النبطية منسوبة لعلماء النبط مشتملة من ذلك على علم كبير. و لما نظر أهل الملة فيما اشتمل عليه هذا الكتاب و كان باب ***** مسدودا و النظر فيه محظورا فاقتصروا منه على الكلام في النبات من جهة غرسه و علاجه و ما يعرض له في ذلك و حذفوا الكلام في الفن الآخر منه جملة. و اختصر ابن العوام كتاب الفلاحة النبطية على هذا المنهاج و بقي الفن الآخر منه مغفلا، نقل منة مسلمة في كتبه *****ية أمهات من مسائله كما نذكره عند الكلام على ***** إن شاء الله تعالى. و كتب المتأخرين في الفلاحة كثيرة و لا يعدون فيها الكلام في الغراس و العلاج و حفظ النبات من حوائجه و عوائقه و ما يعرض في ذلك كله و هي موجودة.

الفصل السابع و العشرون: في علم الإلهيات
و هو علم ينظر في الوجود المطلق فأولا في الأمور العامة للجسمانيات و ********ات من الماهيات و الوحدة و الكثرة و الوجوب و الإمكان و غير ذلك ثم ينظر في مبادئ الموجودات و أنها روحانيات ثم في كيفية صدور الموجودات عنها و مراتبها ثم في أحوال النفس بعد مفارقة الأجسام و عودها إلى المبدأ. و هو عندهم علم شريف يزعمون أنة يوقفهم على معرفة الوجود على ما هو عليه و أن ذلك عين السعادة في زعمهم. و سيأتي الرد عليهم بعد. و هو تال للطبيعيات في ترتيبهم ولذلك يسمونه علم ما وراء الطبيعة. و كتب المعلم الأول فيه موجودة بين أيدي الناس. و لخصه ابن سينا في كتاب الشفاء و النجاة و كذلك لخصه ابن رشد من حكماء الأندلس. و لما وضع المتأخرون في علوم القوم و دونوا فيها و رد عليهم الغزالي ما رد منها ثم خلط المتأخرون من المتكلمين مسائل علم الكلام بمسائل الفلسفة لاشتراكهما في المباحث، و تشابه موضوع علم الكلام بموضوع الإلهيات و مسائله بمسائلها فصارت كأنها فن واحد ثم غيروا ترتيب الحكماء في مسائل الطبيعيات و الإلهيات و خلطوهما فنا واحدا قدموا الكلام في الأمور العامة ثم أتبعوه بالجسمانيات و توابعها ثم ب********ات و توابعها إلى آخر العلم كما فعله الإمام ابن الخطيب في المباحث المشرقية و جميع من بعده من علماء الكلام. و صار علم الكلام مختلطا بمسائل الحكمة و كتبه محشوة بها كأن الغرض مم موضوعهما و مسائلهما واحد. و التبس ذلك على الناس و هو صواب لأن مسائل علم الكلام إنما هي عقائد متلقاة من الشريعة كما نقلها السلف من غير رجوع فيها إلى العقل و لا تعويل عليه بمعنى أنها لا تثبت إلا به فإن العقل معزول عن الشرع و أنظاره و ما تحدث فيه المتكلمون من إقامة الحجج فليس بحثا عن الحق فيها فالتعليل بالدليل بعد أن لم يكن معلوما هو شأن الفلسفة بل إنما هو التماس حجة عقلية تعضد عقائد الإيمان و مذاهب السلف فيها و تدفع شبه أهل البدع عنها الذين زعموا أن مداركهم فيها عقلية. و ذلك بعد أن تفرض صحيحة بالأدلة النقلية كما تلقاها السلف و اعتقدوها و كثير ما بين المقامين. و ذلك أن مدارك صاحب الشريعة أوسع لاتساع نطاقها عن مدارك الأنظار العقلية فهي فوقها و محيطة بها لاستمدادها من الأنوار الإلهية فلا تدخل تحت قانون النظر الضعيف و المدارك المحاط بها. فإذا هدانا الشارع إلى مدرك فينبغي أن نقدمه على مداركنا و نثق به دونها و لا ننظر في تصحيحه بمدارك العقل و لو عارضه بل نعتمد ما أمرنا به اعتقادا و علما و نسكت عما لم نفهم من ذلك و نفوضه إلى الشارع و نعزل العقل عنه و المتكلمون إنما دعاهم إلى ذلك كلام أهل الإلحاد في معارضات العقائد السلفية بالبدع النظرية فاحتاجوا إلى الرد عليهم من جنس معارضاتهم و استدعى ذلك الحجج النظرية و محاذاة العقائد السلفية بها و أما النظر في مسائل الطبيعيات والإلهيات بالتصحيح و البطلان فليس من موضوع علم الكلام و لا من جنس أنظار المتكلمين. فاعلم ذلك لتميز به بين الفنين فإنهما مختلطان عند المتأخرين في الوضع و التأليف و الحق مغايرة كل منهما لصاحبه بالموضوع و المسائل و إنما جاء الالتباس من اتحاد المطالب عند الاستدلال و صار احتجاج أهل الكلام كأنه إنشاء لطلب الاعتداد بالدليل و ليس كذلك بل إنما هو رد على الملحدين و المطلوب مفروض الصدق معلومة. و كذا جاء المتأخرون من غلاة المتصوفة المتكلمين بالمواجد أيضا فخلطوا مسائل الفنين بفنهم و جعلوا الكلام واحدا فيها كلها مثل كلامهم في النبؤات و الاتحاد و الحلول و الوحدة و غير ذلك. و المدارك في هذه الفنون الثلاثة متغايرة مختلفة و أبعدها من جنس الفنون و العلوم مدارك المتصوفة لأنهم يدعون فيها الوجدان و يفرون عن الدليل و الوجدان بعيد عن المدارك العلمية و أبحاثها و توابعها كما بيناه و نبينه. و الله يهدي من يشاء إلى طريق مستقيم و الله أعلم بالصواب.

الفصل الثامن و العشرون: في علوم ***** و الطلسمات
و هي علوم بكيفية استعدادات تقتدر النفوس البشرية بها على التأثيرات في عالم العناصر إما بغير معين أو بمعين من الأمور السماوية و الأول هو ***** و الثاني هو الطلسمات و لما كانت هذه العلوم مهجورة عند الشرائع لما فيها من الضرر و لما يشترط فيها من الوجهة إلى غير الله من كوكب أو غيره كانت كتبها كالمفقودة بين الناس. إلا ما وجد في كتب الأمم الأقدمين فيما قبل نبؤة موسى عليه السلام مثل النبط و الكلدانيين فإن جميع من تقدمه من الأنبياء لم يشرعوا الشرائع و لا جاءوا بالأحكام إنما كانت كتبهم مواعظ و توحيدا لله و تذكيرا بالجنة والنار و كانت هذه العلوم في أهل بابل من السريانيين و الكلدانيين و في أهل مصر من القبط و غيرهم. و كان لهم فيها التآليف و الآثار و لم يترجم لنا من كتبهم فيها إلا القليل مثل الفلاحة النبطية من أوضاع أهل بابل فأخذ الناس منها هذا العلم و تفننوا فيه و وضعت بعد ذلك الأوضاع مثل مصاحف الكواكب السبعة و كتاب طمطم الهندي في صور الدرج و الكواكب و غيرها. ثم ظهر بالمشرق جابر بن حيان كبير *****ة في هذه الملة فتصفح كتب القوم و استخرج الصناعة و غاص في زبدتها و استخرجها و وضع فيها غيرها من التآليف و أكثر الكلام فيها و في صناعة السيمياء لأنها من توابعها لأن إحالة الأجسام النوعية من صورة إلى أخرى إنما يكون بالقوة النفسية لا بالصناعة العملية فهو من قبيل ***** كما نذكره في موضعه. ثم جاء مسلمة بن أحمد المجريطي إمام أهل الأندلس في التعاليم و*****يات فلخص جميع تلك الكتب و هذبها و جمع طرقها في كتابه الذي سماه غاية الحكيم و لم يكتب أحد في هذا العلم بعده. و لتقدم هنا مقدمة يتبين بها حقيقة ***** و ذلك أن النفوس البشرية و إن كانت واحدة بالنوع فهي مختلفة بالخواص و هي أصناف كل صنف مختص بخاصية واحدة بالنوع لا توجد في الصنف الآخر. و صارت تلك الخواص فطرة و جبلة لصنفها فنفوس الأنبياء عليهم الصلاة و السلام لها خاصية تستعد بها للانسلاخ من ********ة البشرية إلى ********ة الملكية حتى يصير ملكا في تلك اللمحة التي انسلخت فيها، و هذا هو معنى الوحي كما مر في موضعه، و هي في تلك الحالة محصلة للمعرفة الربانية و مخاطبة الملائكة عليهم السلام عن الله سبحانه و تعالى كما مر. و ما يتسع في ذلك من التأثير في الأكوان و نفوس *****ة لها خاصة التأثير في الأكوان و استجلاب روحانية الكواكب للتصرف فيها و التأثير بقوة نفسانية أو شيطانية. فأما تأثير الأنبياء فمدد إلهي و خاصية ربانية و نفوس الكهنة لها خاصية الاطلاع على المغيبات بقوى شيطانية. و هكذا كل صنف مختص بخاصية لا توجد في الآخر. و النفوس الساحرة على مراتب ثلاث يأتي شرحها فأولها المؤثرة بالهمة فقط من غير آلة و لا معين و هذا هو الذي تسميه الفلاسفة ***** و الثاني بمعين من مزاج الأفلاك أو العناصر أو خواص الأعداد و يسمونه الطلسمات و هو أضعف رتبة من الأول و الثالث تأثير في القوى المتخيلة. يعمد صاحب هذا التأثير إلى القوى المتخيلة فيتصرف فيها بنوع من التصرف و يلقي فيها أنواعا من الخيالات و المحاكاة و صورا مما يقصده من ذلك ثم ينزلها إلى الحس من الرائين بقوة نفسه المؤثرة فيه فينظر الراؤن كأنها في الخارج و ليس هناك شيء من ذلك، كما يحكى عن بعضهم أنه يري البساتين و الأنهار و القصور و ليس هناك شيء من ذلك ويسمى هذا عند الفلاسفة الشعوذة أو الشعبذة. هذا تفصيل مراتبه ثم هذه الخاصية تكون في الساحر بالقوة شأن القوى البشرية كلها و إنما تخرج إلى الفعل بالرياضة و رياضة ***** كلها إنما تكون بالتوجه إلى الأفلاك و الكواكب و العوالم العلوية والشياطين بأنواع التعظيم و العبادة و الخضوع و التذلل فهي لذلك وجهة إلى غير الله و سجود له. و الوجهة إلى غير الله كفر فلهذا كان ***** كفرا و الكفر من مواده و أسبابه كما رأيت. و لهذا اختلف الفقهاء في قتل الساحر هل هو لكفره السابق على فعله أو لتصرفه بالإفساد و ما ينشأ عنه من الفساد في الأكوان و الكل حاصل منه. و لما كانت المرتبتان الأوليان من ***** لها حقيقة في الخارج و المرتبة الأخيرة الثالثة لا حقيقة لها اختلف العلماء في ***** هل هو حقيقة أو إنما هو تخييل فالقائلون بأن له حقيقة نظروا إلى المرتبتين الأوليين و القائلون بأن لا حقيقة له نظروا إلى المرتبة الثالثة الأخيرة. فليس بينهم اختلاف في نفس الأمر بل إنما جاء من قبل اشتباه هذه المراتب و الله أعلم. و اعلم أن وجود ***** لا مرية فيه بين العقلاء من أجل التأثير الذي ذكرناه و قد نطق به القرآن. قال الله تعالى: و لكن الشياطين كفروا يعلمون الناس ***** و ما أنزل على الملكين ببابل هاروت و ماروت و ما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء و زوجه و ما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله. و سحر رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى كان يخيل إليه أنة يفعله و جعل سحره في مشط و مشاقة و جف طلعة و دفن في بئر ذروان فأنزل الله عز و جل عليه في المعوذتين: و من شر النفاثات في العقد قالت عائشة رضي الله عنها: كان لا يقرأ على عقدة من تلك العقد التي سحر فيها إلا انحلت. و أما وجود ***** في أهل بابل و هم الكلدانيون من النبط و السريانيين فكثير و نطق به القرآن و جاءت به الأخبار و كان للسحر في بابل و مصر أزمان بعثة موسى عليه السلام أسواق نافقة. و لهذا كانت معجزة موسى من جنس ما يدعون و يتاناغون فيه و بقي من آثار ذلك في البراري بصعيد مصر شواهد دالة على ذلك و رأينا بالعيان من يصور صورة الشخص المسحور بخواص أشياء مقابلة لما نواه و حاوله موجودة بالمسحور و أمثال تلك المعاني من أسماء و صفات في التأليف و التفريق. ثم يتكلم على تلك الصورة التي أقامها مقام الشخص المسحور عينا أو معنى ثم ينفث من ريقه بعد اجتماعه في فيه بتكرير مخارج تلك الحروف من الكلام السوء و يعقد على ذلك المعنى في سبب أعده لذلك تفاؤلا بالعقد و اللزام و أخذ العهد على من أشرك به من الجن في نفثه في فعله ذلك استشعارا للعزيمة بالعزم. و لتلك البنية و الأسماء السيئة روح خبيثة تخرج منه مع النفخ متعلقة يريقه الخارج من فيه بالنفث فتنزل عنها أرواح خبيثة و يقع عن ذلك بالمسحور ما يحاوله الساحر. و شاهدنا أيضا من المنتحلين للسحر و عمله من يشير إلى كساء أو جلد و يتكلم عليه في سره فإذا هو مقطوع متخرق. و يشير إلى بطون الغنم كذلك في مراعيها بالبعج فإذا أمعاؤها ساقطة من بطونها إلى الأرض. و سمعنا أن بأرض الهند لهذا العهد من يشير إلى إنسان فيتحتت قلبه و يقع ميتا و ينقلب عن قلبه فلا يوجد في حشاه و يشير إلى الرمانة و تفتح فلا يوجد من حبوبها شيء. و كذلك سمعنا أن بأرض السودان و أرض الترك من يسحر السحاب فيمطر الأرض المخصوصة. و كذلك رأينا من عمل الطلسمات عجائب في الأعداد المتحابة و هي ر ك ر ف د أحد العددين مائتان و عشرون و الآخر مائتان و أربعة و ثمانون و معنى المتحابة أن أجزاء كل واحد التي فيه من نصف و ثلث و ربع و سدس و خمس و أمثالها إذا جمع كان متساويا للعدد الآخر صاحبه فتسمى لأجل ذلك المتحابة. و نقل أصحاب الطلسمات أن لتلك الأعداد أثرا في الإلفة بين المتحابين و اجتماعهما إذا وضع لهما مثالان أحدهما بطالع الزهرة و هي في بيتها أو شرفها ناظرة إلى القمر نظر مودة و قبول و يجعل طالع الثاني سابع الأول و يضع على أحد التمثالين أحد العددين و الآخر على الآخر. و يقصد بالأكثر الذي يراد ائتلافه أعني المحبوب ما أدري الأكثر كمية أو الأكثر أجزاء فيكون لذلك من التألف العظيم بين المتحابين مالا يكاد ينفك أحدهما عن الآخر. قاله صاحب الغاية و غيره من أئمة هذا الشأن و شهدت له التجربة. و كذا طابع الأسد و يسمى أيضا طابع الحصى و هو أن يرسم في قالب هند إصبع صورة أسد سائلا ذنبه عاضا على حصاة قد قسمها بنصفين و بين يديه صورة حية منسابة من رجليه إلى قبالة وجهه فاغرة فاها فيه و على ظهره صورة عقرب تدب. و يتحين برسمه حلول الشمس بالوجه الأول أو الثالث من الأسد بشرط صلاح النيرين و سلامتهما من النحوس. فإذا وجد ذلك و عثر عليه طبع في ذلك الوقت في مقدار المثقال فما دونه من الذهب و غمس بعد في الزعفران محلولا بماء الورد و رفع في خرقة حرير صفراء فإنهم يزعمون أن لممسكه من العز على السلاطين في مباشرتهم و خدمتهم و تسخيرهم له مالا يعبر عنه. و كذلك للسلاطين فيه من القوة و العز على من تحت أيديهم. ذكر ذلك أيضا أهل هذا الشأن في الغاية و غيرها و شهدت له التجربة. و كذلك وفق المسدس المختص بالشمس ذكروا أنه. يوضع عند حلول الشمس في شرفها و سلامتها من النحوس و سلامة القمر بطالع ملوكي يعتبر فيه نظر صاحب العاشر لصاحب الطالع نظر مودة و قبول و يصلح فيه ما يكون من مواليد الملوك من الأدلة الشريفة و يرفع في خرقة حرير صفراء بعد أن يغمس في الطيب. فزعموا أن له أثرا في صحابة الملوك و خدمتهم و معاشرتهم. و أمثال ذلك كثير. و كتاب الغاية لمسلمة بن أحمد المجريطي هو مدونة هذه الصناعة و فيه استيفاؤها و كمال مسائلها و ذكر لنا أن الإمام الفخر بن الخطيب وضع كتابا في ذلك و سماه بالسر المكتوم و أنه بالمشرق يتداوله أهله و نحن لم نقف عليه. و الإمام لم يكن من أئمة هذا الشأن فيما نظن و لعل الأمر بخلاف ذلك. و بالمغرب صنف من هؤلاء المنتحلين لهذه الأعمال *****ية يعرفون بالبعاجين و هم الذين ذكرت أولا أنهم يشيرون إلى الكساء أو الجلد فيتخرق و يشيرون إلى بطون الغنم بالبعج فتنبعج. و يسمى أحدهم لهذا العهد باسم البعاج لأن أكثر ما ينتحل من ***** بعج الأنعام يرهب بذلك أهلها ليعطوه من فضلها و هم مستترون بذلك في الغاية خوفا على أنفسهم من الحكام، لقيت منهم جماعة و شاهدت من أفعالهم هذه بذلك و أخبروني أن لهم وجهة و رياضة خاصة بدعوات كفرية و إشراك لروحانيات الجن و الكواكب، شطرت فيها صحيفة عندهم تسمى الخزيرية يتدارسونها و أنهم بهذه الرياضة و الوجهة يصلون إلى حصول هذه الأفعال لهم و أن التأثير الذي لهم إنما هو فيما سوى الإنسان الحر من المتاع و الحيوان و الرفيق و يعبرون عن ذلك يقولهم إنما نفعل فيما تمشي فيه الدراهم أي ما يملك و يباع و يشترى من سائر المتملكات هذا ما زعموه. و سألت بعضهم فأخبرني به و أما أفعالهم فظاهرة موجودة وقفنا على الكثير منها و عاينتها من غير ريبة في ذلك. هذا شأن ***** والطلسمات و أثارهما في العالم فأما الفلاسفة ففرقوا بين ***** و الطلسمات بعد أن أثبتوا أنهما جميعا أثر للنفس الإنسانية و استدلوا على وجود الأثر للنفس الإنسانية بأن لها آثارا في بدنها على غير المجرى الطبيعي و أسبابه الجسمانية بل آثار عارضة من كيفيات الأرواح تارة كالسخونة الحادثة عن الفرح و السرور و من جهة التصورات النفسانية أخرى كالذي يقع من قبل التوهم. فإن الماشي على حرف حائط أو حبل منتصب إذا قوي عنده توهم السقوط سقط بلا شك. و لهذا تجد كثيرا من الناس يعودون أنفسهم ذلك بالدربة عليه حتى يذهب عنهم هذا الوهم فتجدهم يمشون على حرف الحائط و الحبل المنتصب و لا يخافون السقوط. فثبت أن ذلك من آثار النفس الإنسانية و تصورها للسقوط من أجل الوهم. و إذا كان ذلك أثرا للنفس في بدنها من غير الأسباب الجسمانية الطبيعية فجائز أن يكون لها مثل هذا الأثر في غير بدنها إذ نسبتها إلى الأبدان في ذلك النوع من التأثير واحدة لأنها غير حالة في البدن و لا منطبعة فيه فثبت أنها مؤثرة في سائر الأجسام. و أما التفرقة عندهم بين ***** و الطلسمات فهو أن ***** لا يحتاج الساحر فيه إلى معين و صاحب الطلسمات يستعين بروحانيات الكواكب و أسرار الأعداد و خواص الموجودات و أوضاع الفلك المؤثرة في عالم العناصر كما يقول المنجمون و يقولون: ***** اتحاد روح بروح و الطلسم اتحاد روح يجسم و معناه عندهم ربط الطبائع العلوية السماوية بالطبائع السفلية، و الطبائع العلوية هي روحانيات الكواكب و لذلك يستعين صاحبه في غالب الأمر بالنجامة. و الساحر عندهم غير مكتسب لسحره بل هو مفطور عندهم على تلك الجبلة المختصة بذلك النوع من التأثير. و الفرق عندهم بين المعجزة و ***** أن المعجزة قوة إلهية تبعث على النفس ذلك التأثير فهو مؤيد بروح الله على فعله ذلك. و الساحر إنما يفعل ذلك من لدن نفسه و بقوته النفسانية و بإمداد الشياطين في بعض الأحوال فبينهما الفرق في المعقولية و الحقيقة و الذات في نفس الأمر و إنما نستدل نحن على التفرقة بالعلامات الظاهرة و هي وجود المعجزة لصاحب الخير و في مقاصد الخير و للنفوس المتمحصة للخير و التحدي بها على دعوى النبؤة. و ***** إنما يوجد لصاحب الشر و في أفعال الشر في الغالب من التفريق بين الزوجين و ضرر الأعداء و أمثال ذلك. و للنفوس المتمحصة للشر. هذا هو الفرق بينهما عند الحكماء الإلهيين: و قد يوجد لبعض المتصوفة و أصحاب الكرامات تأثير أيضا في أحوال العالم و ليس معدودا من جنس ***** و إنما هو بالإمداد الإلهي لأن طريقتهم و نحلتهم من آثار النبؤة و توابعها و لهم في المدد، الإلهي حفظ على قدر حالهم و إيمانهم و تمسكهم بكلمة الله و إذا اقتدر أحد منهم على أفعال الشر لا يأتيها لأنة متقيد فيما يأتيه بذرة للأمر الإلهي. فما لا يقع لهم فيه الإذن لا يأتونه بوجه و من أتاه منهم فقد عدل عن طريق الحق و ربما سلب حاله. و لما كانت المعجزة بإمداد روح الله و القوى الإلهية فلذلك لا يعارضها شيء من *****. و انظر شأن سحرة فرعون مع موسى في معجزة العصا كيف تلقفت ما كانوا به يأفكون و ذهب سحرهم و اضمحل كأن لم يكن. و كذلك لما أنزل على النبي صلى الله عليه و سلم في المعوذتين و من شر النفاثات في العقد. قالت عائشة رضي الله عنها: فكان لا يقرأها على عقد في من العقد التي سحر فيها إلا انحلت. ف***** لا يثبت مع اسم الله و ذكره بالهمة الإيمانية و قد نقل المؤرخون أن زركش كاويان و هي راية كسرى كان فيها الوفق المئيني العددي منسوجا بالذهب في أوضاع فلكية رصدت لذلك الوفق. و وجدت الراية يوم قتل رستم بالقادسية واقعة على الأرض بعد انهزام أهل فارس و شتاتهم. و هو فيما يزعم أهل الطلسمات و الأوفاق مخصوص بالغلب في الحروب و أن الراية التي يكون فيها أو معها لا تنهزم أصلا. إلا أن هذه عارضها المدد الإلهي من إيمان أصحاب رسول الله صلى الله علية و سلم و تمسكهم بكلمة الله فانحل معها كل عقد سحري و لم يثبت و يطل ما كانوا يعملون. و أما الشريعة فلم تفرق بين ***** و الطلسمات و جعلته كله بابا واحدا محظورا. لأن الأفعال إنما أباح لنا الشارع منها ما يهمنا في ديننا الذي فيه صلاح آخرتنا أو في معاشنا الذي فيه صلاح دنيانا و ما لا يهمنا في شيء منهما فإن كان فيه ضرر أو نوع ضرر ك***** الحاصل ضرره بالوقوع و يلحق به الطلسمات لأن أثرهما واحد و كالنجامة التي فيها نوع ضرر باعتقاد التأثير فتفسد العقيدة الإيمانية برد الأمور إلى غير الله فيكون حينئذ ذلك الفعل محظورا على نسبته في الضرر. و إن لم يكن مهما علينا و لا فيه ضرر فلا أقل من تركه قربة إلى الله فإن من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه. فجعلت الشريعة باب ***** والطلسمات و الشعوذة بابا واحدا لما فيها من الضرر و خصته بالحظر و التحريم. و أما الفرق عندهم بين المعجزة و ***** فالذي ذكره المتكلمون أنة راجع إلى التحدي و هو دعوى وقوعها على وفق ما ادعاه. قالوا: و الساحر مصروف عن مثل هذا التحدي فلا يقع منه. و وقوع المعجزة على وفق دعوى الكاذب غير مقدور لأن دلالة المعجزة على الصدق عقلية لأن صفة نفسها التصديق فلو وقعت مع الكذب لاستحال الصادق كاذبا و هو محال فإذا لا تقع المعجزة مع الكاذب بإطلاق. و أما الحكماء فالفرق بينهما عندهم كما ذكرناه فرق ما بين الخير و الشر في نهاية الطرفين. فالساحر لا يصدر منه الخير و لا يستعمل في أسباب الخير و صاحب المعجزة لا يصدر منه الشر و لا يستعمل في أسباب الشر و كأنهما على طرفي النقيض في أصل فطرتهما. و الله يهدي من يشاء و هو القوي العزيز لا رب سواه و من قبيل هذه التأثيرات النفسية الإصابة بالعين و هو تأثير من نفس المعيان عندما يستحسن بعينه مدركا من الذوات أو الأحوال و يفرط في استحسانه و ينشأ عن ذلك الاستحسان حسد يروم معه سلب ذلك الشيء عمن اتصف به فيؤثر فساده. و هو جبلة فطرية أعني هذه الإصابة بالعين. و الفرق بينها و بين التأثيرات النفسانية أن صدورة فطري جبلي لا يتخلف و لا يرجع اختيار صاحبه و لا يكتسبه. و سائر التأثيرات و إن كان منها مالا يكتسب فصدورها راجع إلى اختيار فاعلها و الفطري منها قوة صدورها و لهذا قالوا: القاتل ب***** أو بالكرامة يقتل و القاتل بالعين لا يقتل. و ما ذلك إلا أنه ليس مما يريده و يقصده أو يتركه و إنما هو مجبور في صدوره عنه. و الله أعلم بما في الغيوب و مطلع على ما في السرائر.
رد مع اقتباس
  #27  
قديم 01-09-2012, 11:20 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,456
افتراضي

القسم الأول من الفصل التاسع و العشرون: علم أسرار الحروف
و هو المسمى لهذا العهد بالسيميا. نقل وضعه من الطلسمات إليه في اصطلاح أهل التصرف من المتصوفة، فاستعمل استعمال العام في الخاص. و حدث هذا العلم في الملة بعد صدر منها، و عند ظهور الغلاة من المتصوفة و جنوحهم إلى كشف حجاب الحس، و ظهور الخوارق على أيديهم و التصرفات في عالم العناصر، و تدوين الكتب و الاصطلاحات، و مزاعمهم في تنزل الوجود عن الواحد و ترتيبه. و زعموا أن الكمال الإسمائي مظاهره أرواح الأفلاك و الكواكب، و أن طبائع الحروف و أسرارها سارية في الأسماء، فهي سارية في الأكوان على هذا النظام. و الأكوان من لدن الإبداع الأول تتنقل في أطواره و تعرب عن أسراره، فحدث لذلك علم أسرار الحروف، و هو من تفاريع علم السيمياء لا يوقف على موضوعه و لا تحاط بالعدد مسائله. تعددت فيه تآليف البوني و ابن العربي و غيرهما ممن اتبع آثارهما. و حاصلة عندهم و ثمرته تصرف النفوس الربانية في عالم الطبيعة بالأسماء الحسنى و الكلمات الإلهية الناشئة عن الحروف المحيطة بالأسرار السارية في الأكوان.
ثم اختلفوا في سر التصرف الذي في الحروف بما هو: فمنهم من جعله للمزاج الذي فيه، و قسم الحروف بقسمة الطبائع إلى أربعة أصناف كما للعناصر. و اختصت كل طبيعة بصنف من الحروف يقع التصرف في طبيعتها فعلا و انفعالا بذلك الصنف، فتنوعت الحروف بقانون صناعي يسمونه التكسير إلى نارية و هوائية و مائية و ترابية على حسب تنوع العناصر، فالألف للنار و الباء للهواء والجيم للماء والدال للتراب. ثم ترجع كذلك على التوالي من الحروف و العناصر إلى أن تنفذ. فتعين لعنصر النار حروف سبعة: الألف و الهاء و الطاء و الميم و الفاء والسين و الذال، و تعين لعنصر الهواء سبعة أيضا: الباء و الواو و الياء و النون و الضاد والتاء و الظاء، و تعين لعنصر الماء أيضا سبعة: الجيم و الزاي و الكاف و الصاد والقاف و الثاء و الغين، و تعين لعنصر التراب أيضا سبعة: الدال و الحاء و اللام و العين و الراء و الخاء و الشين.
و الحروف النارية لدفع الأمراض الباردة و لمضاعفة قوة الحرارة حيث تطلب مضاعفتها، إما حسا أو حكما. كما في تضيف قوى المريخ في الحروب في القتل و الفتك. و المائية أيضا لدفع الأمراض الحارة من حميات و غيرها و لتضعيف القوى الباردة حيث تطلب مضاعفتها حسا أو حكما، كتضعيف قوى القمر و أمثال ذلك.
و منهم من جعل سر التصرف الذي في الحروف للنسبة العددية: فإن حروف أبجد دالة على أعدادها المتعارفة وضعا و طبعا فبينها من أجل تناسب الأعداد تناسب في نفسها أيضا، كما بين الباء و الكاف و الراء لدلالتها كلها على الاثنين كل في مرتبته، فالباء على اثنين في مرتبة الآحاد، و الكاف على اثنين في مرتبة العشرات، و الراء على اثنين في مرتبة المئين. و كالذي بينها و بين الدال و الميم والتاء لدلالتها على الأربعة، و بين الأربعة و الاثنين نسبة الضعف. و خرج للأسماء أوفاق كما للأعداد يختص كل صنف من الحروف بصنف من الأوفاق الذي يناسبه من حيث عدد الشكل أو عدد الحروف، و امتزج التصرف من السر الحرفي و السر العددي لأجل التناسب الذي بينهما. فأما سر التناسب الذي بين هذه الحروف و أمزجة الطبائع، أو بين الحروف و الأعداد، فأمر عسير على الفهم، إذ ليس من قبيل العلوم و القياسات، و إنما مستندهم فيه الذوق و الكشف. قال البوني: و لا تظن أن سر الحروف مما يتوصل إليه بالقياس العقلي، و إنما هو بطريق المشاهدة و التوفيق الإلهي. و أما التصرف في عالم الطبيعة بهذه الحروف و الأسماء المركبة فيها و تأثر الأكوان عن ذلك فأمر لا ينكر لثبوته عن كثير منهم تواترا. و قد يظن أن تصرف هؤلاء و تصرف أصحاب الطلسمات واحد، و ليس كذلك، فإن حقيقة الطلسم و تأثيره على ما حققه أهله أنة قوى روحانية من جوهر القهر، تفعل فيما له ركب فعل غلبة و قهر. بأسرار فلكية و نسب عددية و بخورات جالبات لروحانية ذلك الطلسم، مشدودة فيه بالهمة، فائدتها ربط الطبائع العلوية بالطبائع السفلية، و هو عندهم كالخميرة المركبة من هوائية و أرضية و مائية و نارية حاصلة في جملتها، تخيل و تصرف ما حصلت فيه إلى ذاتها و تقلبه إلى صورتها. و كذلك الإكسير للأجسام المعدنية كالخميرة تقلب المعدن الذي تسري فيه إلى نفسها بالإحالة. و لذلك يقولون: موضوع الكمياء جسد في جسد لأن الإكسير أجزاؤه كلها جسدانية. و يقولون: موضوع الطلسم روح في جسد لأنه ربط الطبائع العلوية بالطبائع السفلية. و الطبائع السفلية جسد و الطبائع العلوية روحانية. و تحقيق الفرق بين تصرف أهل الطلسمات و أهل الأسماء، بعد أن تعلم أن التصرف في عالم الطبيعة كله إنما هو للنفس الإنسانية والهمم البشرية أن النفس الإنسانية محيطة بالطبيعة و حاكمة عليها با الذات، إلا أن تصرف أهل الطلسمات إنما هو في استنزال روحانية الأفلاك و ربطها بالصور أو بالنسب العددية. حتى يحصل من ذلك نوع مزاج يفعل الإحالة و القلب بطبيعته، فعل الخميرة فيما حصلت فيه. و تصرف أصحاب الأسماء إنما هو بما حصل لهم بالمجاهدة و الكشف من النور الإلهي و الإمداد الرباني، فيسخر الطبيعة لذلك طائعة غير مستعصية، و لا يحتاج إلى مدد من القوى الفلكية و لا غيرها، لأن مدده أعلى منها.
و يحتاج أهل الطلسمات إلى قليل من الرياضة تفيد النفس قوة على استنزال روحانية الأفلاك. و أهون بها وجهة و رياضة. بخلاف أهل الأسماء فإن رياضتهم هي الرياضة الكبرى، و ليست لقصد التصرف في الأكوان إذ هو حجاب. و إنما التصرف حاصل لهم بالعرض، كرامة من كرامات الله لهم. فإن خلا صاحب الأسماء عن معرفة أسرار الله و حقائق الملكوت، الذي هو نتيجة المشاهدة والكشف، و اقتصر على مناسبات الأسماء و طبائع الحروف و الكلمات. و تصرف بها من هذه الحيثية و هؤلاء هم أهل السيياء في المشهور كأن إذا لا فرق بينه و بين صاحب الطلسمات، بل صاحب الطلسمات أوثق منه لأنه يرجع إلى أصول طبيعية علمية و قوانين مرتبة. و أما صاحب أسرار الأسماء إذا فاته الكشف الذي يطلع به على حقائق الكلمات و آثار المناسبات بفوات الخلوص في الوجهة، و ليس له في العلوم الاصطلاحية قانون برهاني يعول عليه يكون حاله أضعف رتبة. و قد يمزج صاحب الأسماء قوى الكلمات و الأسماء بقوى الكواكب، فيعين لذكر الأسماء الحسنى، أو ما يرسم من أوفاقها، بل و لسائر الأسماء، أوقاتا تكون من حظوظ الكواكب الذي يناسب ذلك الاسم، كما فعله البوني في كتايه الذي سماه الأنماط. و هذه المناسبة عندهم هي من لدن الحضرة العمائية. و هي برزخية الكمال الأسماني. و إنما تنزل تفصيلها في الحقائق على ما هي عليه من المناسبة. و إثبات هذه المناسبة عندهم إنما هو بحكم المشاهدة. فإذا خلا صاحب الأسماء عن تلك المشاهدة، و تلقى تلك المناسبة تقليدا، كان عمله بمثابة عمل صاجب الطلسم، بل هوأوثق منه كما قلناه. و كذلك قد يمزج أيضا صاحب الطلسمات عمله و قوى كواكبه بقوى الدعوات المؤلفة من الكلمات المخصوصة لمناسبة بين الكلمات و الكواكب، إلا أن مناسبة الكلمات عندهم ليست كما هي عند أصحاب الأسماء من الاطلاع في حال المشاهدة، و إنما يرجع إلى ما اقتضته أصول طريقتهم *****ية. من اقتسام الكواكب لجميع ما في عالم المكونات، من جواهر و أعراض و ذوات و معان، و الحروف و الأسماء من جملة ما فيه.
فلكل واحد من الكواكب قسم منها يخصه، و يبنون على ذلك مباني غريبة منكرة من تقسيم سورالقرآن و آيه على هذا النحو، كما فعله مسلمة المجريطي في الغاية. و الظاهر من حال البوني في أنماطه أنه اعتبر طريقتهم. فإن تلك الأنماط إذا تصفحتها، و تصفحت الدعوات التي تضمنتها. و تقسيمها على ساعات الكواكب السبعة، ثم وقفت على الغاية، و تصفحت قيامات الكواكب التي فيها، و هي الدعوات التي تختص بكل كوكب، و يسمونها قيامات الكواكب، أي الدعوة التي يقام له بها، شهد له ذلك: إما بأنه من مادتها، أو بأن التناسب الذي كان في أصل الإبداع و برزخ العلم قضى بذلك كله. و ما أوتيتم من العلم إلا قليلا. و ليس كل ما حرمه الشارع من العلوم بمنكر الثبوت، فقد ثبت أن ***** حق مع حظره. لكن حسبنا من العلم ما علمنا.
و من فروع علم السيمياء عندهم استخراج الأجوبة من الأسئلة، بارتباطات ش بين الكلمات حرفية، يوهمون أنها أصل في معرفة ما يحاولون علمه من الكائنات الاستقبالية، و إنما هي شبه المعاياة و المسائل السيالة. و لهم في ذلك كلام كثير من أدعية و أوراد. و أعجبه زايرجة العالم للسبتي و قد تقدم ذكرها. و نبين هنا ما ذكروه في كيفية العمل بتلك الزايرجة بدائرتها و جدولها المكتوب حولها، ثم نكشف عن الحق فيها و أنها ليست من الغيب. و إنما هي مطابقة بين مسئلة و جوابها في الإفادة فقط، و قد أشرنا إلى ذلك من قبل. و ليس عندنا رواية يعول عليها في صحة هذه القصيدة إلا أننا تحرينا أصح النسخ منها في ظاهر الأمر. و الله الموفق بمنه. و هي هذه:
يقول سبيتي و يحمد ربه مصل على هاد إلى الناس أرسلا
محمد المبعوث خاتم الأنبيا و يرضى عن الصحب و من لهم تلا
ألا هذه زايرجة العالم الذي تراه بحيكم و بالعقل قد خلا
فمن أحكم الوضع فيحكم جسمه و يدرك أحكاما تدبرها العلا
و من أحكم الربط فيدرك قوة و يدرك للتقوى و للكل حاصل
ومن أحكم التصريف يحكم سره و يعقل نفسه و صح له الولا
و في عالم الأمر تراه محققا و هذا مقام من بالأذكار كملا
فهذي سرائر عليكم بكتمها أقمها دوائر وللحاء عدلا
فطاء لها عرش و فيظ نقوشنا بنظم و نثر قبد تراه مجدولا
و نسب دوائر كنسبة فلكها و ارسم كواكبا لأدراجها العلا
و أخرج لأوتار و ارسم حروفها و كور بمثله على حد من خلا
أقم شكل زيرهم و سو بيوته و حقق بهامهم و نورهم جلا
و حصل علوما للطباع مهندسا و علما لموسيقى و الأرباع مثلا
و سو لموسيقى و علم حروفهم و علم بآلات فحقق و حصلا
و سو دوائرها و نسب حروفها و عالمها أطلق و الأقليم جدولا
أمير لنا فهو نهاية دولة زناتية آبت و حكم لها خلا
و قطر لأندلس فابن لهودهم و جاء بنو نصر و ظفرهم تلا
ملوك و فرسان و أهل لحكمة فإن شئت نصبتهم و قطرهم حلا
و مهدي توحيد بتونس حكمهم ملوك بالمشرق بالأوفاق نزلا
و اقسم على القطر و كن متفقدا فإن شئت للروم فبالحر شكلا
ففنش و برشنون الراء حرفهم و إفرنسهم دال و بالطاء كملا
ملوك كناوة دلوا لقافهم و إعرب قومنا بترقيق أعملا
فهند حباشي و سند فهرمس و فرس ططاري و ما بعدهم طلا
فقيصرهم جاء و يزدجردهم لكاف و قبطهم بلامه طولا
و عباس كلهم شريف معظم و لكن تركي بذا الفعل عطلا
فإن شئت تدقيق الملوك و كلهم فختم بيوتا ثم نسب و جدولا
على حكم قانون الحروف و علمها و علم طبائعها و كله مثلا
فمن علم العلوم تعلم علمنا و يعلم أسرار الوجود و أكملا
فيرسخ علمه و يعرف ربه و علم ملاحيم بحاميم فصلا
و حيث أتى اسم و العروض يشقه فحكم الحكيم فيه قطهعا ليقتلا
و تأتيك أحرف فسو لضربها و أحرف سيبويه تأتيك فيصلا
فمكن بتنكير و قابل و عوضن بترنيمك الغالي للأجزاء خلخلا
و في العقد و المجزور يعرف غالبا و زد لمح وصفيه في العقل فعلا
و اختر لمطلع و سويه رتبة و اعكس بجذبيه و بالدور عدلا ؟
و يدركها المرء فيبلغ قصده و تعطي حروفها و في نظمها انجلا
إذا كان سعد و الكواكب اسعدت فحسبك في الملك و نيل اسمه العلا
و إيقاع دالهم بمرموز ثممة فنسب دنادينا تجد فيه منهلا
و أوتار زيرهم فللحاء بمهم و مثناهم المثلث بجيمه قد جلا
و أدخل بأفلاك و عدل بجدول و أرسم أباجاد و باقيه جملا
و جوز شذوذ النو تجري و مثله أتى في عروض الشعر عن جملة ملا
فأصل لديننا و أصل لفقهنا و علم لنحونا فاحفظ و حصلا
فادخل لفسطاط على الوفق جذره و سبح باسمه و كبر و هللا
فتخرج أبياتا و في كل مطلب بنظم طبيعي و سر من العلا
و تفنى بحصرها كذا حكم عدهم فعلم الفواتيح ترى فيه منهلا
فتخرج أبياتا و عشرون ضعفت من الألف طبعيا فيا صاح جدولا
تريك صنائعا من الضرب أكملت فصح لك المنى و صح لك العلا
و سجع بزيرهم و أثني بنقرة أقمها دوائر الزير و حصلا
أقمها بأوفاق و أصل لعدها من أسرار أحرفهم فعذبه سلسلا
43 ك 1 ك و ك ح و ا ه عم له ر لا سع كط 1 ل م ن ح ع ف و ل

الفصل التاسع و العشرون: علم أسرار الحروف القسم الثاني
الكلام على استخراج نسبة الأوزان و كيفياتها و مقادير المقابل منها و قوة الدرجة المتميزة بالنسبة إلى موضع المعلق من امتزاج طبائع و علم طب أو صناعة الكيميا
أيا طالبا للطب مع علم جابر و عالم مقدار المقادير بالولا
إذا شئت علم الطب لابد نسبة لأحكام ميزان تصادف منهلا
فيشفي عليكم و الأكسير محكم و أمزاج وضعكم بتصحيح أنجلا
الطب ********
و شئت إيلاوش 565 ـهـ و دهنه بحلا لبهرام برجيس و سبعة أكملا
لتحليل أوجاع البوارد صححوا كذلك و التركيب حيث تنقلا
كد منع مهم 355 و هح 6 صح لهاى و لمح 1 آ 1 و هح وى سكره لا ل ح مههت مهههـ ع ع مى مرح حـ 2242 ل ك عا عر.
مطاريح الشعاعات في مواليد الملوك و بنيهم
و علم مطاريح الشعاعات مشكل و ضلع قسيها بمنطقة جلا
و لكن قي حج مقام إمامنا و يبدو إذا عرض الكواكب عدلا
بدال مراكز بين طول و عرضها فمن أدرك المعنى علا ثم فوضلا
مواقع تربيع و سه مسقط لتسديسهم تثليث بيت التي تلا
يزاد لتربيع و هذا قياسه يقينا و جذره و بالعين أعملا
و من نسبة الربعين ركب شعاعك بصاد و ضعفه و تربيعه أنجلا
اختص صح صحـ عـ 8 سع وى هذا العمل هنا للملوك و القانون مطرد عمله و لم ير أعجب منه.
مقامات الملوك المقام الأول 5 المقام الثاني
ع ع و المقام الرا بع للح المقام الخامس لاى المقام السادس بير المقام السابع عره
خط الاتصال و الانفصال
خط الاتصال
خط الانفصال
الوتر للجميع و تابع الجرر التام
الاتصال و الانفصال
الواجب التام في الاتصالات
إقامة الأنوار
الجزر المجيب في العمل
إقامة السوال عن الملوك
مقام الأولا نورعه ي مقام بها 5 حج لا
الانفعال ******** و الا نقياد الرباني
أيا طالب السر لتهليل ربه لدى أسمائه الحسنى تصادف منهلا
تطيعك أخيار الأنام بقلبهم كذلك ريسهم و في الشمس أعملا
ترى عامة الناس إليك تقيدوا و ما قلته حقا و في الغير أهملا
طريقك هذا السيل و السبل الذي أقوله غيركم و نصركموا اجتلى
إذا شئت تحيا في الوجود مع التقى و دينا متينا أو تكن متوصلا
كذي النون و الجنيد مع سر صنعة و في سر بسطام أراك مسربلا
و في العالم العلوي تكون محدثا كذا قالت الهند و صوفية الملا
طريق رسول الله بالحق ساطع و ما حكم صنع مثل جبريل أنزلا
فبطشك تهليل و قوسك مطلع و يوم الخميس البدء و الأحدانجلى
و في جمعة أيضا بالأسماء مثله و في اثنين للحسنى تكون مكملا
و في طائه سر في هائه إذا أراك بها مع نسبة الكل أعطلا
و ساعة سعد شرطهم في نقوشها و عود و مصطكى بخور تحصلا
و تتلو عليها آخر الحشر دعوة و الاخلاص و السبع المثاني مرتلا
اتصال أنوار الكواكب بلعاني لا هي ى لا ظ غ لدسع ق صح مـ ف و ى
و في يدك اليمنى حديد و خاتم و كل برأسك و في دعوة فلا
و آية حشر فاجعل القلب وجهها و اتلو إذا نام الأنام و رتلا
هي السر في الأكوان لا شيء غيرها هي الآية الغظمى فحقق و حصلا
تكون بها قطبا إذا جدت خدمة و تدرك أسرارا من العالم العلا
سري بها ناجي و معروف قبله و باح بها الحلاج جهرا فأعقلا ؟
و كان بها الشبلي يدأب دائما إلى أن رقى فوق المريدين و اعتلى
فصف من الأدناس قلبك جاهدا و لازم لاذكار و صم و تنقلا
فما نال سر القوم إلا محقق عليم بأسرار العلوم محصلا
مقامات المحبة و ميل النفوس و المجاهدة و الطاعة و العبادة و حب و تعشق و فناء الفناء و توجه و مراقبة و خلة و أئمة
الانفعال الطبيعي
لبرجيس في المحبة الوفق صرفوا بقزدير أو نحاس الخلط أكملا
و قيل بفضة صحيحا رأيته فجعلك طالعا خطوطه ما علا
توخ به زيادة النور للقمر و جعلك للقبول شمسه أصلا
و يومه و البخور عود لهندهم و وقت لساعة و دعوته ألا
و دعوته بغاية فهي أعملت و عن طسيمان دعوة و لها جلا
و قيل بدعوة حروف لوضعها بحر هواء أو مطالب أهلا
فتنقش أحرفا بدال و لامها و ذلك وفق للمربع حصلا
إذا لم يكن يهوى هواك دلالها فدال ليبدو واو زينب معطلا
فحسن لبائه و بائهم إذا هواك و باقيهم قليلة جملا
و نقش مشاكل بشرط لوضعهم و ما زدت أنسبه لفعلك عدلا
و مفتاح مريم ففعلهما سوا فبوري و بسطامي بسورتها تلا
و جعلك بالقصد و كن متفقدا أدلة و حشي لقبضة ميلا
فاعكس بيوتها بألف و نيف فباطنها سر و في سرها انجلا
فصل في المقامات للنهاية
لك الغيب صورة من العالم العلا و توجدها دار أو ملبسها الحلا
و يوسف في الحسن و هذا شبيهه بنثر و ترتيل حقيقة أنزلا
و في يده طول و في الغيب ناطق فيحكى إلى عود يجاوب بلبلا
و قد جن بهلول بعشق جمالها و عند تجليها لبسطام أخذلا
و مات أجليه و أشرب حبها جنيد و بصرى و الجسم أهملا
فتطلب في التهليل غايته و من بأسمائه الحسنى بلا نسبة خلا
و من صاحب الحسنى له الفوز بالمنى و يسهم بالزلفى لدى جيرة العلا
و تخبر بالغيب إذا جدت خدمة تريك عجائبا بمن كان موئلا
فهذا هو الفوز و حسن تناله و منها زيادات لتفسيرها تلا
الوصية و التختم و الإيمان و الإسلام و التحريم و الأهلية
فهذا قصيدنا و تسعون عده و ما زاد خطبة و ختما و جدولا
عجبت لأبيات و تسعون عدها تولد أبياتا و ما حصرها انجلا
فمن فهم السر فيفهم نفسه و يفهم تفسيرا تشابه أشكلا
حرام و شرعي لاظهار سرنا لناس و إن خصوا و كان التأهلا
فإن شئت أهليه فغلظ يمينهم و تفهم برحلة و دين تطولا
لعلك أن تنجو و سامع سرهم من القطع و الافشا فترأس بالعلا
فنجل لعباس لسره كاتم فنال سعادات و تابعه علا
و قام رسول الله في الناس خاطبا فمن يرأس عرشا فذلك أكملا
و قد ركب الأرواح أجساد مظهر فآلت لقتلهم بدق تطولا
إلى العالم العلوي يفنى فناؤنا و يلبس أثواب الوجود على الولا
فقد تم نظما و صلى إلهنا على خاتم الرسل صلاة بها العلا
و صلى إله العرش ذو المجد و العلا على سيد ساد الأنام و كملا
محمد الهادي الشفيع إمامنا و أصحابه أهل المكارم و العلا


كيفية العمل في استخراج أجوبة المسائل من زايرجة العالم بحول الله منقولا عمن لقيناه من القائمين عليها
السؤال له ثلثمائة و ستون جوابا عدة الدرج، و تختلف الأجوبة عن سؤال واحد في طالع مخصوص باختلاف الأسئلة المضافة إلى حروف الأوتار. و تناسب العمل من استخراج الأحرف من بيت القصيد.
تنبيه: تركيب حروف الأوتار و الجدول على ثلاثة أصول: حروف عربية تنقل على هيآتها. و حروف برسم الغبار. و هذه تتبدل: فمنها ما ينقل على هيئته متى لم تزد الأدوار عن أربعة، فإن زادت عن أربعة نقلت إلى المرتبة الثانية من مرتبة العشرات و كذلك لمرتبة المئين على حسب العمل كما سنبينه، و منها حروف برسم الزمام كذلك، غير أن رسم الزمام يعطي نسبة ثانية، فهي بمنزلة واحد ألف و بمنزلة عشرة، و لها نسبة من خمسين بالعربي. فاستحق البيت من الجدول أن توضع فيه ثلاثة حروف في هذا الرسم و حرفان في الرسم، فاختصروا من الجدول بيوتا خالية. فمتى كانت أصول الأدوار زائدة على أربعين حسبت في العدد في طول الجدول و إن لم تزد على أربعة لم يحسب إلا العامر منها.
و العمل في السؤال يفتقر إلى سبعة أصول: عدة حروف الأول حساب أدوارها بعد طرحها، اثني عشر اثني عشر، و هي ثمانية أحرف في الكامل و ستة في الناقص أبدا. و معرفة درج الطالع و سلطان البرج، و الدور الأكبر الأصلي، و هو واحد أبدا. و ما يخرج من إضافة الطالع للدور الأصلي، و ما يخرج من ضرب الطالع و الدور في سلطان البرج. و إضافة سلطان البرج للطالع و العمل جميعه ينتج عن ثلاثة أدوار مضروبة في أربعة، تكون اثني عشر دورا. و نسبة هذه الثلاثة الأدوار التي هي كل دور من أربعة نشأة ثلاثية، كل نشأة لها ابتداء. ثم إنها تضرب أدوارا رباعية أيضا ثلاثية. ثم إنها من ضرب ستة في اثنين، فكان لها نشأة، يظهر ذلك في العمل. و يتبع هذه الأدوار الاثني عشر نتائج. و هي في الأدوار، إما أن تكون نتيجة أو أكثر إلى ستة.
فأول ذلك نفرض سؤالا عن الزايرجة، هل هي علم قديم، أو محدث بطالع أول درجة من القوس أثناء حروف الأوتار ؟ ثم حروف السؤال. فوضعنا حروف وتر رأس القوس و نظيره من رأس الجوزاء. و ثالثه و تر رأس الدلو إلى حد المركز، و أضفنا إليه حروف السؤال، و نظرنا عدتها و أقل ما تكون ثمانية و ثمانين، و أكثر ما تكون ستة و تسعين، و هي جملة الدور الصحيح، فكانت في سؤالنا ثلاثة و تسعين. و يختصر السؤال إن زاد عن ستة و تسعين، بأن يسقط جميع أدواره الاثني عشرية، و يحفظ ما خرج منها و ما بقي، فكانت في سؤالنا سبعة أدوار، الباقي تسعة، أثبتها في الحروف ما لم يبلغ الطالع اثنتي عشرة درجة، فإن بلغها لم تثبت لها عدة و لا دور.
ثم تثبت أعدادها أيضا إن زاد الطالع عن أربعين و عشرين في الوجه الثالث، ثم تثبت الطالع و هو واحد، و سلطان الطالع و هو أربعة، و الدور الأكبر و هو واحد، و اجمع ما بين الطالع و الدور و هو اثنان في هذا السؤال، و اضرب ما خرج منهما في سلطان البرج يبلغ ثمانية، و أضف السلطان للطالع فيكون خمسة، فهذه سبعة أصول. فما خرج من ضرب الطالع و الدور الأكبر في سلطان القوس، مما لم يبلغ اثني عشر فيه تدخل في ضلع ثمانية من أسفل الجدول صاعدا، و إن زاد على اثني عشر طرح أدوارا، و تدخل بالباقي في ضلع ثمانية، و تعلم على منتهى العدد و الخمسة المستخرجة من السلطان و الطالع، يكون الطالع في ضلع السطح المبسوط الأعلى من الجدول، و تعد متواليا خمسات أدوارا، و تحفظها إلى أن يقف العدد على حرف من أربعة، و هي ألف أو باء أو جيم أو زاي. فوقع العدد في عملنا على حرف الألف و خلف ثلاثة أدوار، فضربنا ثلاثة في ثلاثين كانت تسعة. و هو عدد الدور الأول. فأثبته و اجمع ما بين الضلعين: القائم و المبسوط يكن في بيت ثمانية في مقابلة البيوت العامرة بالعدد من الجدول، و إن وقف في مقابلة الخالي من بيوت الجدول على أحدها. فلا يعتبر و تستمر على أدوارك. و أدخل يعدد ما في الدور الأول، و ذلك تسعة في صدر الجدول مما يلي البيت الذي اجتمعا فيه. و هي ثمانية، مارا إلى جهة اليسار، فوقع على حرف لام ألف و لا يخرج منها أبدا حرف مركب. و إنما هو إذن حرف تاء أربعمائة برسم الزمام، فعلم عليها بعد نقلها من بيت القصيد، و اجمع عدد الدور للسلطان يبلغ ثلاثة عشر، أدخل بها في حروف الأوتار، و أثبت ما وقع عليه العدد و علم عليه من بيت القصيد. و من هذا القانون تدري كم تدور الحروف في النظم الطبيعي، و ذلك أن تجمع حروف الدور الأول و هو تسعة لسلطان البرج و هو أربعة تبلغ ثلاثة عشر، أضعفها يمثلها تكون ستة و عشرين، أسقط منها درج الطالع وهو واحد في هذا السؤال الباقي خمسة و عشرون.
فعلى ذلك يكون نظم الحروف الأول، ثم ثلاثة و عشرون مرتين، ثم إثنان و عشرون مرتين، على حسب هذا الطرح إلى أن ينتهي للواحد من آخر البيت المنظوم. و لا تقف على أربعة و عشرين لطرح ذلك الواحد أولا. ثم ضع الدور الثاني و أضف حروف الدور الأول إلى ثمانية، الخارجة من ضرب الطالع و الدور في السلطان تكن سبعة عشر الباقي خمسة. فاصعد في ضلع ثمانيه بخمسة من حيث انتهيت في الدور الأول و علم عليه، و أدخل في صدر الجدول بسبعة عشر، ثم بخمسة. و لا تعد الخالي، و الدور عشرون، فوجدنا حرف ثاء خمسمائة، و إنما هو نون لأن دورنا في مرتبة العشرات، فكانت الخمسمائة بخمسين لأن دورها سبعة عشر فلو لم تكن سبعة عشر لكانت مئين. فأثبت نونا ثم أدخل بخمسة أيضا من أوله. و انظر ما حاذى ذلك من السطح تجد واحدا، فقهقر العدد واحدا يقع على خمسة، أضف لها واحدا لسطح تكن ستة. أثبت واوا و علم عليها من بيت القصيد أربعة، و أضفها للثمانية الخارجة من ضرب الطالع مع الدور في السلطان تبلغ اثني عشر، أضف لها الباقي من الدور الثاني و هو خمسة تبلغ سبعة عشر، و هو ما للدور الثاني. فدخلنا بسبعة عشر في حروف الأوتار، فوقع العدد على واحد. أثبت الأول و علم عليها من بيت القصيد و أسقط من حروف الأوتار ثلاثة حروف عدة الخارج من الدور الثاني. و ضع الدور الثالث و أضف خمسة إلى ثمانية تكن ثلاثة عشر، الباقي واحد. انقل الدور في ضلع ثمانية بواحد و أدخل في بيت القصيد بثلاثة عشر، و خذ ما وقع عليه العدد و هو ق و علم عليه. و أدخل بثلاثة عشر في حروف الأوتار و أثبت ما خرج، و هو سين، و علم عليه من بيت القصيد، ثم أدخل مما يلي السين الخارجة بالباقي من دور ثلاثة عشر و هو واحد، فخذ مما يلى حرف سين من الأوتار فكان ب أثبتها و علم عليها من بيت القصيد. و هذا يقال له: الدور المعطوف، و ميزانه صحيح. و هو أن تضعف ثلاثة عشر بمثلها، و تضيف إليها الواحد الباقي من الدور. تبلغ سبعة و عشرين. و هو حرف باء المستخرج من الأوتار من بيت القصيد. و أدخل في صدر الجدول بثلاثة عشر، و انظر ما قابله من السطح و أضعفه بمثله، و زد عليه الواحد الباقي من ثلاثة عشر، فكان حرف جيم، و كانت للجملة سبعة، فذلك حرف زاي فأثبتناه و علمنا عليه من بيت القصيد. و ميزانه أن تضعف السبعة بمثلها و زد عليها الواحد الباقي هن ثلاثة عشر يكن خمسة عشر، و هو الخامس عشر من بيت القصيد و هذا آخر أدوار الثلاثيات و ضع الدور الرابع و له من العدد تسعة بإضافة الباقي من الدور السابق، فاضرب الطالع مع الدور في السلطان، و هذا الدور آخر العمل في البيت الأول من الرباعيات.
فاضرب على حرفين من الأوتار و اصعد يتسعة في ضلع ثمانية و أدخل بتسعة من دور الحرف الذي أخذته آخرا من بيت القصيد، فالتاسع حرف راء، فأثبته و علم عليه. و أدخل في صدر الجدول بتسعة و انظر ما قابلها من السطح يكون ج، قهقر العدد واحدا يكون ألف و هو الثاني من حرف الراء من بيت القصيد فأثبته و علم عليه. و عد مما يلي الثاني تسعة يكون ألف أيضا أثبته و علم عليه و أضرب على حرف من الأوتار، و أضعف تسعة يمثلها تبلغ ثمانية عشر، أدخل بها في حروف الأوتار تقف على حرف راء، أثبتها و علم عليها من بيت القصيد ثمانية و أربعين. و أدخل بثمانية عشر في حروف الأوتار تقف على س أثيتها و علم عليها اثنين. و أضعف اثنين إلى تسعة تكون أحد عشر. أدخل في صدر الجدول بأحد عشر تقابلها من السطح ألف أثبتها و علم عليها ستة، و ضع الدور الخامس و عدته سبعة عشر الباقي خمسة. اصعد بخمسة في ضلع ثمانية و اضرب على حرفين من الأوتار و أضعف خمسة بمثلها، و أضفها إلى سبعة عشر عدد دورها الجملة سبعة و عشرون، أدخل بها في حروف الأوتار تقع على ب أثبتها و علم عليها اثنين وثلاثين و اطرح من سبعة عشر اثنين التي هي في أس اثنين و ثلاثين الباقي خمسة عشر. أدخل في حروف الأوتار تقف على ق أثبتها و علم عليها ستة و عشرين. و أدخل في صدر الجدول بست و عشرين تقف على اثنين بالغبار و ذلك حرف ب أثبته و علم عليه أربعة و خمسين، و أضرب على حرفين من الأوتار و ضع الدور السادس، و عدته ثلاثة عشر. الباقي منة واحد، فتبين إذ ذاك أن دور النظم من خمسة و عشرين، فإن الأدوار خمسة و عشرون و سبعة عشر و خمسة و ثلاثة عشر و واحد، فاضرب خمسة في خمسة تكن خمسة و عشرين، و هو الدور في نظم البيت، فانقل الدور في ضلع ثمانية بواحد. و لكن لم يدخل في بيت القصيد بثلاثة عشر كما قدمناه، لأنة دور ثاني من نشأة تركيبية ثانية، بل أضفنا الأربعة التي من أربعة و خمسين الخارجة على حروف ب من بيت القصيد إلى الواحد تكون خمسة، تضييف خمسة إلى ثلاثة عشر التي للدور تبلغ ثمانية عشر. أدخل بها في صدر الجدول و خذ ما قابلها من السطح و هو ألف أثبته و علم عليه من بيت القصيد اثني عشر و اضرب على حرفين من الأوتار. و من هذا الجدول تنظر أحرف السؤال، فما خرج منها زده مع بيت القصيد من آخره و علم عليه من حروف السؤال ليكون داخلا في العدد في بيت القصيد. و كذلك تفعل بكل حرف بعد ذلك مناسبا لحروف السؤال، فما خرج منها زده إلى بيت القصيد من آخر و علم عليه. ثم أضف إلى ثمانية عشر ما علمته على حرف الألف من الآحاد، فكان اثنين تبلغ الجملة عشرين. أدخل بها في حروف الأوتار تقف على حرف راء، أثبته و علم عليه من بيت القصيد، ستة و تسعين و هو نهاية الدور في الحرف الوتري. فاضرب على حرفين من الأوتار و ضع الدور السابع. و هو ابتداء لمخترع ثان ينشأ من الإختراعين. و لهذا الدور من العدد تسعة، تضيف لها واحدا تكون عشرة للنشأة الثانية، و هذا الواحد تزيده بعد إلى اثني عشر دورا، إذا كان من هذه النسبة، أو تنقصه من الأصل تبلغ الجملة خمسة عشر. فاصعد في ضلع ثمانية و تسعين و أدخل في صدر الجدول بعشرة تقف على خمسمائة، و إنما هي خمسون، نون مضاعفة بمثلها، و تلك ق أثبتها و علم عليها من بيت القصيد اثنين و خمسين، و أسقط من اثنين و خمسين اثنين، و أسقط تسعة التي للدور، الباقي واحد و أربعون، فأدخل بها في حروف الأوتار تقف على واحد أثبته. و كذلك أدخل بها في بيت القصيد تجد واحدا، فهذا ميزان هذه النشأة الثانية فعلم عليه من بيت القصيد علامتين. علامة على الألف الأخير الميزاني، و أخرى على الألف الأولى فقط، و الثانية أربعة و عشرون و اضرب على حرفين من الأوتار، و ضع الدور الثامن و عدته سبعة عشر الباقي خمسة، أدخل في ضلع ثمانية و خمسين و أدخل في بيت القصيد بخمسة تقع على عين بسبعين، أثبتها و علم عليها. و أدخل في الجدول بخمسة، و خذ ما قابلها من السطح. و ذلك واحد، أثبته و علم عليه من البيت ثمانية و أربعين، و أسقط واحدا من ثمانية و أربعين للأس الثاني و أضف إليها خمسة، الدور. الجملة اثنان و خمسون. أدخل بها في صدر الجدول تقف على حرف ب غبارية و هي مرتبة مئينية لتزايد العدد، فتكون مائتين و هي حرف راء، أثبتها و علم عليها من القصيد أربعة و عشرين، فانتقل الأمر من ستة و تسعين إلى الابتداء و هو أربعة و عشرون، فأضف إلى أربعة و عشرين خمسة، الدور، و أسقط واحدا تكون الجملة ثمانية و عشرين. أدخل بالنصف منها في بيت القصيد تقف على ثمانية، أثبت و علم عليها و ضع الدور التاسع، و عدده ثلاثة عشر الباقي واحد. إصعد في ضلع ثمانية بواحد. و ليست نسبة العمل هنا كنسبتها في الدور السادس لتضاعف العدد، و لأنه من النشأة الثانية، و لأنه أول الثلث الثالث من مربعات البروج و آخر الستة الرابعة من المثلثات. فاضرب ثلاثة عشر التي للدور في أربعة التي هي مثلثات البروج السابقة، الجملة اثنان و خمسون، أدخل بها في صدر الجدول تقف على حرف اثنين غبارية، و إنما هي مئينية لتجاوزها في العدد عن مرتبتي الآحاد و العشرات، فأثبته مائتين راء. و علم عليها من بيت القصيد ثمانية و أربعين، و أضف إلى ثلاثة عشر، الدور، واحد الأس، و أدخل بأربعة عشر في بيت القصيد تبلغ ثمانية، فعلم عليها ثمانية و عشرين، و اطرح من أربعة عشر سبعة يبقى سبعة إضرب على حرفين من الأوتار، و أدخل بسبعة تقف على حرف لام، أثبته و علم عليه من البيت. و ضع الدور العاشر و عدده تسعة، و هذا ابتداء المثلثة الرابعة، و اصعد في ضلع ثمانية بتسعة، تكون خلاء، فاصعد بتسعة ثانية تصير في السابع من الابتداء. اضرب تسعة في أربعة لصعودنا بتسعتين، و إنما كانت تضرب في اثنين. و أدخل في الجدول بستة و ثلاثين تقف على أربعة زمامية و هي عشرية، فأخذناها أحادية لقلة الأدوار. فأثبت حرف دال، و إن أضفت إلى ستة و ثلاثين واحد الأس كان حدها من بيت القصيد. فعلم عليها، و لو دخلت بالتسعة لا غير من ضرب في صدر الجدول لوقف على ثمانية. فاطرح من ثمانية أربعة الباقي أربعة و هو المقصود. و لو دخلت في صدر الجدول بثمانية عشر التي هي تسعة في اثنين لوقف على واحد زمامي و هو عشري. فاطرح منه اثنين تكرار التسعة، الباقي ثمانية نصفها المطلوب. و لو دخلت في صدر الجدول بسبعة و عشرين بضربها في ثلاثة لوقعت على عشرة زمامية، و العمل واحد. ثم أدخل بتسعة في بيت القصيد و أثبت ما خرج و هو ألف، ثم اضرب تسعة في ثلاثة التي هي مركب تسعة الماضية و أسقط واحدا و أدخل في صدر الجدول بستة و عشرين، و أثبت ما خرج و هو مائتان بحرف راء و علم عليه من بيت القصيد ستة و تسعين. و اضرب على حرفين من الأوتار و ضع الدور الحادي عشر و له سبعة عشر الباقي خمسة، إصعد في ضلع ثمانية بخمسة و تحسب ما تكرر عليه المشي في الدور الأول، و أدخل في صدر الجدول بخمسة تقف على خال، فخذ ما قابله من السطح و هو واحد، فادخل بواحد في بيت القصيد تكن سين، أثبته و علم عليه أربعة. و لو يكون الوقف في الجدول على بيت عامر لأثبتنا الواحد ثلاثة. و أضعف سبعة عشر بمثلها و أسقط واحدا و أضعفها بمثلها و زدها أربعة تبلغ سبعة و ثلاثين، أدخل بها في الأوتار تقف على ستة أثبتها و علم عليها، و أضعف خمسة بمثلها. و أدخل في البيت تقف على لام أثبتها و علم عليها عشرين، و اضرب على حرفين من الأوتار. و ضع الدور الثاني عشر و له ثلاثة عشر الباقي واحد، إصعد في ضلع ثمانية بواحد، و هذا الدور آخر الأدوار و آخر الإختراعين و آخر المربعات الثلاثية و آخر المثلثات الرباعية. و الواحد في صدر الجدول يقع على ثمانين زمامية، و إنما هي آحاد ثمانية، و ليس معنا من الأدوار إلا واحد، فلو زاد عن أربعة من مربعات اثني عشر أو ثلاثة من مثلثات اثني عشر لكانت ح، و إنما هي د، فأثبتها و علم عليها من بيت القصيد أربعة و سبعين، ثم انظر ما ناسبها من السطح تكن خمسة، أضعفها بمثلها للأس تبلغ عشرة، أثبت ى و علم عليها، و انظر في أي المراتب وقعت: وجدناها في الرابعة. دخلنا بسبعة في حروف الأوتار، و هذا المدخل يسمى التوليد الحرفي فكانت ف، أثبتها وأضف إلى سبعة واحد الدور، الجملة ثمانية. أدخل بها في الأوتار تبلغ س أثبتها و علم عليها ثمانية، و اضرب ثمانية في ثلاثة الزائدة على عشرة الدور، فإنها أخر مربعات الأدوار بالمثلثات تبلغ أربعة و عشرين، أدخل بها في بيت القصيد وعلم على ما يخرج منها و هو مائتان و علامتها ستة و تسعون. و هو نهاية الدور الثاني في الأدوار الحرفية، و اضرب على حرفين من الأوتار و ضع النتيجة الأولى و لها تسعة. و هذا العدد يناسب أبدا الباقي من حروف الأوتار بعد طرحها أدوارا و ذلك تسعة، فاضرب تسعة في ثلاثة التي هي زائدة على تسعين من حروف الأوتار، و أضف لها واحدا الباقي من الدور الثاني عشر تبلغ ثمانية و عشرين، فأدخل بها في حروف الأوتار تبلغ ألفا، أنبته و علم عليه ستة و تسعين. و إن ضربت سبعة التي هي أدوار الحروف التسعينية في أربعة و هي الثلاثة الزائدة على تسعين. و الواحد الباقي من الدور الثاني عشر كان كذلك، و اصعد في ضلع ثمانية يتسعة و أدخل في الجدول بتسعة تبلغ اثنين زمامية. و اضرب تسعة فيما ناسب من السطح، و ذلك ثلاثة، و أضف لذلك سبعة، عدد الأوتار الحرفية، و اطرح واحدا الباقي من دور اثني عشر تبلغ ثلاثة و ثلاثين، أدخل بها في البيت تبلغ خمسة. فأثبتها و أضف تسعة بمثلها و أدخل في صدر الجدول بثمانية عشر، و خذ ما في السطح و هو واحد، أدخل به في حروف الأوتار تبلغ م أثبته و علم عليه، و اضرب على حرفين من الأوتار. و ضع النتيجة الثانية و لها سبعة عشر الباقي خمسة، فاصعد في ضلع ثمانية بخمسة و اضرب خمسة في ثلاثة الزائدة على تسعين تبلغ خمسة عشر، أضف لها واحدا الباقي من الدور الثاني عشر تكن تسعة، و أدخل بستة عشرفي بيت القصيد تبلغ ت أثبته و علم عليه أربعة و ستين. و أضف إلى خمسة الثلاثة الزائدة على تسعين. و زد واحدا الباقي من الدور الثاني عشر يكن تسعة. أدخل بها في صدر الجدول تبلغ ثلاثين زمامية، و انظر ما في السطح تجد واحدا أثبته و علم عليه من بيت القصيد و هو التاسع أيضا من البيت. و أدخل بتسعة في صدر الجدول تقف على ثلاثة و هي عشرات. فأثبت لام و علم عليه و ضع النتيجة الثالثة و عددها ثلاثة عشر الباقي واحد. فانقل في ضلع ثمانية بواحد و أضف إلى ثلاثة عشر الثلاثة الزائدة على التسعين. و واحد الباقي من الدور الثاني عشر تبلغ سبعة عشر، و واحد النتيجة تكن ثمانية عشر. أدخل بها في حروف الأوتار تكن لاما أثبتها فهذا آخر العمل.
و المثال في هذا السؤال السابق: أردنا أن نعلم أن هذه الزايرجة علم محدث أو قديم، بطالع أول درجة من القوس، أثبتنا حروف الأوتار، ثم حروف السؤال. ثم الأصول، و هي عدة الحروف ثلاثة و تسعون أدوارها سبعة الباقي منها تسعة، الطالع واحد، سلطان القوس أربعة، الدور الأكبر واحد، درج الطالع مع الدور اثنان، ضرب الطالع مع الدور في السلطان ثمانية، إضافة السلطان للطالع خمسة بيت القصيد.
سؤال عظيم الخلق حزت فصن إذن غرائب شك ضبطه الجد مثلا
حروف الأوتار: ص ط ه رث ك هـ م ص ص و ن ب هـ س ا ن ل م ن ص ع ف ص و رس ك ل م ن ص ع ف ض ق ر س ت ث خ ذ ظ غ ش ط ى ع ح ص ر و ح ر و ح ل ص ك ل م ن ص ا ب ج د ه و ز ح ط ى.
حروف السؤال ا ل زا ى رج ة ع ل م م ح د ث ا م ق د ى م الدورالأول 19 الدور الثاني 17 الباقي 5 الدور الثالث 13 الباقي 1 الدور الرا بع 9 الدور الخامس 17 الباقي 5 الدور السادس 13 الباقي 1 الدور السابع 9 الدور الثامن 17 الباقي 5 الدور التاسع 13 الباقي 1 الدور العاشر 13 الدور الحادي عشر 17 الباقي 5 الدور الثاني عشر 13 الباقي 1 النتيجة الأولى 9 النتيجة الثانية 17 الباقي 5 النتيجة الثالثة 13 الباقي 1. دورها على خمسة و عشرين ثم على ثلاثة و عشرين مرتين ثم على واحد و عشرين مرتين إلى أن تنتهي إلى الواحد من آخر البيت و تنقل الحروف جميعا و الله أعلم ن ف ر و ح ر و ح ا ل و د س ا د ر ر س ر ه ا ل د ر ى س و ا ن س د ر و ا ب لا ا م ر ب و ا ا ل ع ل ل.
هذا آخر الكلام في استخراج الأجوبة من زايرجة العالم منظومة. و للقوم طرائق أخرى من غير الزايرجة يستخرجون بها أجوبة المسائل غير منظومة. و عندهم أن السر في استخراج الجواب منظوما من الزايرجة، إنما هو مزجهم بيت مالك بن وهيب و هو: سؤال عظيم الخلق البيت، و لذلك يخرج الجواب على رويه. و أما الطرق الأخرى فيخرج الجواب غير منظوم. فمن طرائقهم في استخراج الأجوبة ما ننقله عن بعض المحققين منهم.

فصل في الاطلاع على الأسرار الخفية من جهة الارتباطات الحرفية
إعلم أرشدنا الله و إياك أن هذه الحروف أصل الأسئلة في كل قضية، و إنما تستنتج الأجوبة على تجزئته بالكلية، و هي ثلاثة و أربعون حرفا كما ترى و الله علام الغيوب ا و ل ا ع ظ س ا ل م خ ى د ل ز ق ت ا ر ذ ص ف ن غ ق ش ا ك ك ى ب م ض ب ح ط ل ج ه د ن ل ث ا.
و قد نظمها بعض الفضلاءفي بيت جعل فيه كل حرف مشدد من حرفين و سماه القطب فقال:
سؤال عظيم الخلق حزت فصن إذن غرائب شك ضبطه الجد مثلا
فإذا أردت استنتاج المسئلة فاحذف ما تكرر من حروفها و أثبت ما فضل منه. ثم احذف من الأصل و هو القطب لكل حرف فضل من المسألة حرفا يماثله، و أثبت ما فضل منه. ثم امزج الفضلين في سطر واحد تبدأ بالأول من فضله. و الثاني من فضل المسئلة. و هكذا إلى أن يتم الفضلان أو ينفد أحدهما قبل الآخر، فتضع البقية على ترتيبها. فإذا كان عدد الحروف الخارجة بعد المزج موافقا لعدد حروف الأصل قبل الحذف فالعمل صحيح، فحينئذ تضيف إليها خمس نونات لتعدل بها الموازين الموسيقية و تكمل الحروف ثمانية و أربعين حرفا. فتعمر بها جدولا مربعا يكون آخر ما في السطر الأول أول ما في السطر الثاني. و تنقل البقية على حالها. و هكذا إلى أن تتم عمارة الجدول. و يعود السطر الأول بعينه و تتوالى الحروف في القطر على نسبة الحركة، ثم تخرج وتر كل حرف بقسمة مربعة على أعظم جزء يوجد له، و تضع الوتر مقابلا لحرفه. ثم تستخرج النسب العنصرية للحروف الجدولية، و تعرف قوتها الطبيعية و موازينها ********ة و غرائزها النفسانية و أسوسها الأصلية من الجدول الموضوع لذلك، و هذه صورته:
ثم تأخذ وتر كل حرف بعد ضربه في أسوس أوتاد الفلك الأربعة، و احذر ما يلي الأوتاد و كذلك السواقط لأن نسبتها مضطربة. و هذا الخارج هو أول رتب السريان. ثم تأخذ مجموع العناصر و تحط منها أسوس المولدات، يبقى أس عالم الخلق بعد عروضه للمدد الكونية، فتحمل عليه بعض المجردات عن المواد و هي عناصر الأمداد، يخرج أفق النفس الأوسط، و تطرح أول رتب السريان من مجموع العناصر يبقى عالم التوسط. و هذا مخصوص بعوالم الأكوان البسيطة لا المركبة. ثم تضرب عالم التوسط في أفق النفس الأوسط يخرج الأفق الأعلى، فتحمل عليه أول رتب السريان، ثم تطرح من الرابع أول عناصر الأمداد الأصلي يبقى ثالث رتبة السريان، فتضرب مجموع أجزاء العناصر الأربعة أبدا في رابع مرتبة السريان، يخرج أول عالم التفصيل، و الثاني في الثاني يخرج ثاني عالم التفصيل، و الثالث في الثالث يخرج ثالث عالم التفصيل، و الرابع في الرابع يخرج رابع عالم التفصيل. فتجمع عوالم التفصيل و تحط من عالم الكل. تبقى العوالم المجردة، فتقسم على الأفق الأعلى يخرج الجزء الأول. و يقسم المنكسر على الأفق الأوسط يخرج الجزء الثاني، و ما انكسر فهو الثالث. و يتعين الرابع هذا في الرباعي. و إن شئت أكثر من الرباعي فتستكثر من عوالم التفصيل و من رتب السريان و من الأوفاق بعد الحروف. و الله يرشدنا و إياك. و كذلك إذا قسم عالم التجريد على أول رتب السريان خرج الجزء الأول من عالم التركيب، و كذلك إلى نهاية الرتبة الأخيرة من عالم الكون. فافهم و تدبر و الله المرشد المعين.
و من طريقهم أيضا في استخراج الجواب، قال بعض المحققين منهم: اعلم أيدنا الله و إياك بروج منه، أن علم الحروف جليل يتوصل العالم به لما لا يتوصل بغيره من العلوم المتداولة بين العالم. و للعمل به شرائط تلتزم. و قد يستخرج العالم أسرار الخليقة و سرائر الطبيعة، فيطلع بذلك على نتيجتي الفلسفة، أعني السيميا و أختها. و يرفع له حجاب المجهولات و يطلع بذلك على مكنون خبايا القلوب. و قد شهدت جماعة بأرض المغرب ممن اتصل بذلك، فأظهر الغرائب و خرق العوائد و تصرف في الوجود بتأييد الله.
و اعلم أن ملاك كل فضيلة الاجتهاد و حسن الملكة مع الصبر. مفتاح كل خير، كما أن الخرق و العجلة رأس الحرمان، فأقول: إذا أردت أن تعلم قوة كل حرف من حروف الفابيطوس أعني أبجد إلى آخر العدد، و هذا أول مدخل من علم الحروف، فانظر ما لذلك الحرف من الأعداد، فتلك الدرجة التي هي مناسبة للحرف هي قوته في الجسمانيات. ثم اضرب العدد في مثله تخرج لك قوته في ********ات و هي وتره. و هذا في الحروف المنقوطة لا يتم بل يتم لغير المنقوطة، لأن المنقوطة منها مراتب لمعان يأتي عليها البيان فيما بعد.
و اعلم أن لكل شكل من أشكال الحروف شكلا في العالم العلوي أعني الكرسي، و منها المتحرك و الساكن و العلوي و السفلي كما هو مرقوم في أماكنه من الجداول الموضوعة في الزيارج.
و اعلم أن قوى الحروف ثلاثة أقسام: الأول و هو أقلها قوة تظهر بعد كتابتها، فتكون كتابته لعالم روحاني مخصوص بذلك الحرف المرسوم، فمتى خرج ذلك الحرف بقوة نفسانية و جمع همة كانت قوى الحروف مؤثرة في عالم الأجسام. الثاني قوتها في الهيئة الفكرية و ذلك ما يصدر عن تصريف ********ات لها، فهي قوة في ********ات العلويات، و قوة شكلية في عالم الجسمانيات. الثالث و هو يجمع الباطن، أعني القوة النفسانية على تكوينه، فتكون قبل النطق به صورة في النفس، بعد النطق به صورة في الحروف و قوة في النطق.
و أما طبائعها فهي الطبيعيات المنسوبة للمتولدات في الحروف و هي الحرارة و اليبوسة، و الحرارة و الرطوبة و البرودة و اليبوسة و البرودة و الرطوبة، فهذا سر العدد اليماني، و الحرارة جامعة للهواء و النار و هما: ا هـ ط م ف ش ذ ج ز ك س ق ث ظ، و البرودة جامعة للهواء و الماء ب و ى ن ص ت ض د ح ل ع ر خ غ، و اليبوسة جامعة للنار و الأرض ا هـ ط م ف ش ذ ب و ى ن ص ت ض، فهذه نسبة حروف الطبائع و تداخل أجزاء بعضها في بعض. و تداخل أجزاء العالم فيها علويات و سفليات بأسباب الأمهات الأول، أعني الطبائع الأربع المنفردة، فمتى أردت استخراج مجهول من مسئلة ما، فحقق طالع السائل أو طالع مسئلته واستنطق حروف أوتارها الأربعة: الأول و الرابع و السابع و العاشر مستوية مرتبة، و استخرج أعداد القوى و الأوتار كما سنبين، و احمل و انسب و استنتج الجواب يخرج لك المطلوب، إما بصريح اللفظ أو بالمعنى. و كذلك في كل مسئلة تقع لك. بيانه: إذا أردت أن تستخرج قوى حروف الطالع. مع اسم السائل والحاجة. فاجمع أعدادها بالجمل الكبير، فكان الطالع الحمل رابعه السرطان سابعه الميزان عاشره الجدي. و هو أقوى هذه الأوتاد. فاسقط من كل برج حرفي التعريف. و انظر ما يخص كل برج من الأعداد المنطقة الموضوعة في دائرتها، و احذف أجزاء الكسر في النسب الإستنطاقية كلها و أثبت تحت كل حرف ما يخصه من ذلك، ثم أعداد حروف العناصر الأربعة و ما يخصها كالأول. و ارسم ذلك كله أحرفا و رتب الأوتاد و القوى و القرائن سطرا ممتزجا. و كسر و اضرب ما يضرب لاستخراج الموازين. و اجمع و استنتج الجواب يخرج لك الضمير و جوابه. مثاله افرض أن الطالع الحمل كما تقدم. ترسم ح م ل: فللحاء من العدد ثمانية لها النصف و الربع و الثمن د ب ا الميم لها من العدد أربعون. لها النصف و الربع و الثمن و العشر و نصف العشر إذا أردت التدقيق م ك ى ه د ب، اللام لها من العدد ثلاثون، لها النصف و الثلثان و الثلث و الخمس و السدس و العشر ك ى و هـ ج. و هكذا تفعل بسائر حروف المسئلة و الاسم من كل لفظ يقع لك. و أما استخراج الأوتار فهو أن تقسم مربع كل حرف على أعظم جزء يوجد له. مثاله: حرف د له من الأعداد أربعة مربعها ستة عشر. إقسمها على أعظم جزء يوجد لها و هو اثنان يخرج وترا لدال ثمانية. ثم تضع كل وتر مقابلا لحرفه. ثم تستخرج النسب العنصرية، كما تقدم في شرح الاستنطاق. و لها قاعدة تطرد في استخراجها من طبع الحروف و طبع البيت الذي يحل فيه من الجدول كما ذكر الشيخ لمن عرف الاصطلاح. و الله أعلم.


فصل في الاستدلال على ما في الضمائر الخفية بالقوانين الحرفية
و ذلك لو سأل سائل عن عليل لم يعرف مرضه ما علته. و ما الموافق لبرئه منه، فمر السائل أن يسمي ما شاء من الأشياء على اسم العلة المجهولة، لتجعل ذلك الاسم قاعدة لك. ثم استنطق الاسم مع اسم الطالع و العناصر و السائل و اليوم والساعة إن أردت التدقيق في المسئلة، و إلا اقتصرت على الاسم الذي سماه السائل. و فعلت به كما نبين. فأقول مثلا: سمى السائل فرسا فأثبت الحروف الثلاثة مع أعدادها المنطقة. بيانه: أن للفاء من العدد ثمانين و لها م ك ي ح ب، ثم الراء لها من العدد مائتان ق ن ك ى ثم السين لها من العدد ستون و لها م ل ك فالواو عدد تام له د جـ ب، و السين مثله و لها م ل ك. فإذا بسطت حروف الأسماء وجدت عنصرين متساويين، فاحكم لأكثرهما حروفا بالغلبة على الآخر، ثم احمل عدد حروف عناصر اسم المطلوب و حروفه دون بسط. و كذلك اسم الطالب و احكم للأكثر و الأقوى بالغلبة.
و صفة قوى إستخراج العناصر
فتكون الغلبة هنا للتراب و طبعه البرودة. و اليبوسة طبع السوداء، فتحكم على المريض بالسوداء. فإذا ألفت من حروف الإستنطاق كلاما على نسبة تقريبية خرج موضع الوجع في الحلق، و يوافقه من الأدوية حقنة و من الأشربة شراب الليمون. هذا ما خرج من قوى أعداد حروف اسم فرس و هو مثال تقريبي مختصر. و أما استخراج قوى العناصر من الأسماء العلمية فهو أن تسمي مثلا محمدا، فترسم أحرفه مقطعة. ثم تضع أسماء العناصر الأربعة على ترتيب الفلك، يخرج لك ما في كل عنصر من الحروف و العدد. و مثاله:
فتجد أقوى هذه العناصر من هذا الاسم المذكور عنصر الماء، لأن عدد حروفه عشرون حرفا، فجعلت له الغلبة على بقية عناصر الاسم المذكور. و هكذا يفعل بجميع الأسماء. حينئذ تضاف إلى أوتارها، أو للوتر المنسوب للطالع في الزايرجة، أو لوتر البيت المنسوب لمالك بن وهيب. الذي جعله قاعدة لمزج الأسئلة و هو هذا:
سؤال عظيم الخلق حزت فصن إذن غرائب شك ضبطه الجد مثلا
و هو وتر مشهور لاستخراج المجهولات، و عليه كان يعتمد ابن الرقام و أصحابه. و هو عمل تام قائم بنفسه في المثالات الوضعية. وصفة العمل بهذا الوتر المذكور أن ترسمه مقطعا ممتزجا بألفاظ السؤال على قانون صنعة التكسير. و عدة حروف هذا الوتر أعني البيت ثلاثة و أربعون حرفا، لأن كل حرف مشدد من حرفين.
ثم تحذف ما تكرر عند المزج من الحروف و من الأصل. لكل حرف فضل من المسئلة حرف يماثله، و تثبت الفضلين سطرا ممتزجا بعضه ببعض الحروف. الأول من فضلة القطب و الثاني من فضلة السؤال، حتى يتم الفضلتان جميعا فتكون ثلاثة و أربعين، فتضيف إليها خمس نونات ليكون ثمانية و أربعين، لتعدل بها الموازين الموسيقية. ثم تضع الفضلة على ترتيبها فإن كان عدد الحروف الخارجة بعد المزج يوافق العدد الأصلي قبل الحذف فالعمل صحيح، ثم عمر بما مزجت جدولا مربعا يكون آخر ما في السطر الأول أول ما في السطر الثاني.
و على هذا النسق حتى يعود السطر الأول بعينه، و تتوالى الحروف في القطر على نسبة الحركة. ثم تخرج وتر كل حرف كما تقدم تضعه مقابلا لحرفه، ثم تستخرج النسب العنصرية للحروف الجدولية، لتعرف قوتها الطبيعية و موازينها ********ة و غرائزها النفسانية و أسوسها الأصلية من الجدول الموضوع لذلك. و صفة استخراج النسب العنصرية هو أن تنفر الحرف الأول من الجدول ما طبيعته و طبيعة البيت الذي حل فيه، فإن اتفقت فحسن، و إلا فاستخرج بين الحرفين نسبة. و يتسع هذا القانون في جميع الحروف الجدولية. و تحقيق ذلك سهل على من عرف قوانينة كما هو مقرر في دوائرها الموسيقية. ثم تأخذ وتر كل حرف بعد ضربه في أسوس أوتاد الفلك الأربعة كما تقدم. و احذر ما يلي الأوتاد. و كذلك السواقط لأن نسبتها مضطربة. و هذا الذي يخرج لك هو أول مراتب السريان. ثم تأخذ مجموع العناصر و تحط منها أسوس المولدات يبقى أس عالم الخلق بعد عروضه للمدد الكونية. فتحمل عليه بعض المجردات عن المواد و هي عناصر الإمداد، يخرج أفق النفس الأوسط. و تطرح أول رتب السريان من مجموع العناصر يبقى عالم التوسط. و هذا مخصوص بعوالم الأكوان البسيطة لا المركبة. ثم تضرب عالم التوسط في أفق النفس الأوسط يخرج الأفق الأعلى. فتحمل عليه أول رتب السريان. ثم تطرح من الرابع أول عناصر الإمداد الأصلي يبقى ثالث رتبة السريان. ثم تضرب مجموع أجزاء العناصر الأربعة أبدا في رابع رتب السريان يخرج أول عالم التفصيل، و الثاني في الثاني يخرج ثاني عالم التفصيل، و كذلك الثالث و الرابع، فتجمع عوالم التفصيل و تحط من عالم الكل، تبقى العوالم المجردة، فتقسم على الأفق الأعلى يخرج الجزء الأول. و من هنا يطرد العمل في التامة. و له مقامات في كتب ابن وحشية و البوني و غيرهما. و هذا التدبير يجري على القانون الطبيعي الحكمي في هذا الفن و غيره من فنون الحكمة الإلهية، و عليه مدار وضع الزيارج الحرفية و الصنعة الإلهية و النيرجات الفلسفية. و الله الملهم و به المستعان و عليه التكلان، و حسبنا الله و نعم ال****.
رد مع اقتباس
  #28  
قديم 01-09-2012, 11:21 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,456
افتراضي

الفصل الثلاثون: في علم الكيمياء
و هو علم ينظر في المادة التي يتم بها كون الذهب و الفضة بالصناعة و يشرح العمل الذي يوصل إلى ذلك فيتصفحون المكونات كلها بعد معرفة أمزجتها و قواها لعلهم يعثرون على المادة المستعدة لذلك حتى من العضلات الحيوانية كالعظام والريش و البيض و العذرات فضلا عن المعادن. ثم يشرح الأعمال التي تخرج بها تلك المادة من القوة إلى الفعل مثل حل الأجسام إلى أجزائها الطبيعية يالتصعيد والتقطير و جمد الذائب منها بالتكليس و إمهاء الصلب بالقهر و الصلابة و أمثال ذلك. و في زعمهم أنه يخرج بهذه الصناعات كلها جسم طبيعي يسمونه الإكسير. و أنه يلقى منه على الجسم المعدني المستعد لقبول صورة الذهب أو الفضة بالاستعداد القريب من الفعل مثل الرصاص و القصدير و النحاس بعد أن يحمى بالنار فيعود ذهبا إبريزا. و يكنون عن ذلك الإكسير إذا ألغزوا في اصطلاحاتهم بالروح و عن الجسم الذي يلقى عليه بالجسد. فشرح هذه الاصطلاحات و صورة هذا العمل الصناعي الذي يقلب هذه الأجساد المستعدة إلى صورة الذهب و الفضة هو علم الكيمياء. و ما زال الناس يؤلفون فيها قديما و حديثا. و ربما يعزى الكلام فيها إلى من ليس من أهلها. و إمام المدونين فيها جابر بن حيان حتى إنهم يخصونها به فيسمونها علم جابر و له فيها سبعون رسالة كلها شبيهة بالألغاز. و زعموا أنه لا يفتح مقفلها إلا من أحاط علما بجميع ما فيها. و الطغرائي من حكماء المشرق المتأخرين له فيها دواوين و مناظرات مع أهلها و غيرهم من الحكماء. و كتب فيها مسلمة المجريطي من حكماء الأندلس كتابه الذي سماه رتبة الحكيم و جعله قرينا لكتابه الآخر في ***** و الطلسمات الذي سماه غاية الحكيم. و زعم أن هاتين الصناعتين هما نتيجتان للحكمة و ثمرتان للعلوم و من لم يقف عليهما فهو فاقد ثمرة العلم و الحكمة أجمع. و كلامه في ذلك الكتاب وكلامهم أجمع في تآليفهم هي ألغاز يتعذر فهمها على من لم يعان اصطلاحاتهم في ذلك. و نحن نذكر سبب عدولهم إلى هذه الرموز و الألغاز. و لابن المغيربي من أئمة هذا الشأن كلمات شعرية على حروف المعجم من أبدع ما يجيء في الشعر ملغوزة كلها لغز الأحاجي و المعاياة فلا تكاد تفهم. و قد ينسبون للغزالي رحمه الله بعض التآليف فيها و ليس بصحيح لأن الرجل لم تكن مداركه العالية لتقف عن خطأ ما يذهبون إليه حتى ينتحله. و ربما نسبوا بعض المذاهب و الأقوال فيها لخالد بن يزيد بن معاوية ربيب مروان بن الحكم و من المعلوم البين أن خالدا من الجيل العربي و البداوة إليه أقرب فهو بعيد عن العلوم و المهناج بالجملة فكيف له بصناعة غريبة المنحى مبنية على معرفة طبائع المركبات و أمزجتها و كتب الناظرين في ذلك من الطبيعيات و الطب لم تظهر بعد و لم تترجم أللهم إلا أن يكون خالد بن يزيد آخر من أهل المدارك الصناعية تشبه باسمه فممكن. و أنا أنقل لك هنا رسالة أبي بكر بن بشرون لأبي السمح في هذه الصناعة و كلاهما من تلاميذ مسلمة فيستدل من كلامه فيها على ما ذهب إليه في شأنها إذا أعطيته حقه من التأمل قال ابن بشرون بعد صدر من الرسالة خارج عن الغرض: و المقدمات التي لهذه الصناعة الكريمة قد ذكرها الأولون و اقتص جميعها أهل الفلسفة من معرفة تكوين المعادن و تخلق الأحجار و الجواهر و طباع البقاع و الأماكن فمنعنا اشتهارها من ذكرها و لكن أبين لك من هذه الصنعة ما يحتاج إليه فتبدأ بمعرفته فقد قالوا: ينبغي لطلاب هذا العلم أن يعلموا أولا ثلاث خصال: أولها هل تكون ؟ و الثانية من أي تكون ؟ و الثالثة من أي كيف تكون ؟ فإذا عرف هذه الثلاثة و أحكمها فقد ظفر بمطلوبه و بلغ نهايته من هذا العلم و أما البحث عن وجوبها و الاستدلال عن تكونها فقد كفيناكه بما بعثنا به إليك من الإكسير. و أما من أي شيء تكون فإنما يريدون بذلك البحث عن الحجر الذي يمكنه العمل و إن كان العمل موجودا من كل شيء بالقوة لأنها من الطبائع الأربع منها تركبت ابتداء و إليها ترجع انتهاء و لكن من الأشياء ما يكون فيه بالقوة و لا يكون بالفعل و ذلك أن منها ما يمكن تفصيلها تعالج و تدبر و هي التي تخرج من القوة إلى الفعل و التي لا يمكن تفصيلها لا تعالج و لا تدبر لأنها فيها بالقوة فقط و إنما لم يمكن تفصيلها لاستغراق بعض طبائعها في بعض و فضل قوة الكبير منها على الصغير. فينبغي لك وفقك الله أن تعرف أوفق الأحجار المنفصلة التي يمكن فيها العمل و جنسه و قوته و عمله و ما تدبر من الحل و العقد و التنقية و التكليس و التنشيف و التقليب فإن من لم يعرف هذه الأصول التي هي عماد هذه الصنعة لم ينجح و لم يظفر بخير أبدا. و ينبغي لك أن تعلم هل يمكن أن يستعان عليه بغيره أو يكتفى به وحده و هل هو واحد في الابتداء أو شاركه غيره فصار في التدبير واحدا فسمي حجرا. و ينبغي لك أن تعلم كيفية عمله و كمية أوزانه و أزمانه و كيف تركيب الروح فيه و إدخال النفس عليه ؟ و هل تقدر النار على تفصيلها منه بعد تركيبها ؟ فإن لم تقدر فلأي علة و ما السبب الموجب لذلك ؟ فان هذا هو المطلوب فافهم. و اعلم أن الفلاسفة كلها مدحت النفس و زعمت أنها المدبرة للجسد و الحاملة له و الدافعة عنه و الفاعلة فيه. و ذلك أن الجسد إذا خرجت النفس منه مات و برد فلم يقدر على الحركة و الامتناع من غيره لأنه لا حياة فيه و لا نور. و إنما ذكرت الجسد و النفس لأن هذه الصفات شبيهة بجسد الإنسان الذي تركيبه على الغذاء و العشاء و قوامه و تمامه بالنفس الحية النورانية التي بها يفعل العظائم و الأشياء المقابلة التي لا يقدر عليها غيرها بالقوة الحية التي فيها. و إنما انفعل الإنسان لاختلاف تركيب طبائعه و لو اتفقت طبائعه لسلمت من الأعراض و التضاد و لم تقدر النفس على الخروج من بدنه و لكان خالدا باقيا. فسبحان مدبر الأشياء تعالى. و اعلم أن الطبائع التي يحدث عنها هذا العمل كيفية دافعة في الابتداء فيضية محتاجة إلى الانتهاء و ليس لها إذا صارت في هذا الحد أن تستحيل إلى ما منه تركبت كما قلناه آنفا في الإنسان لأن طبائع هذا الجوهر قد لزم بعضها بعضا و صارت شيئا واحدا شبيها بالنفس في قوتها و فعلها و بالجسد في تركيبه و مجسته بعد أن كانت طبائع مفردة بأعيانها. فيا عجبا من أفاعيل الطبائع إن القوة للضعيف الذي يقوى على تفصيل الأشياء و تركيبها و تمامها فلذلك قلت قوي و ضعيف. و إنما وقع التعبير و الفناء في التركيب الأول للاختلاف و عدم ذلك في الثاني للاتفاق. و قد قال بعض الأولين التفصيل و التقطيع في هذا العمل حياة و بقاء و التركيب موت و فناء. و هذا الكلام دقيق المعنى لأن الحكيم أراد بقوله حياة و بقاء خروجه من العدم إلى الوجود لأنه ما دام على تركيبه الأول فهو فان لا محالة، فإذا ركب التركيب الثاني عدم الفناء. و التركيب الثاني لا يكون إلا بعد التفصيل و التقطيع فإذا التفصيل و التقطيع في هذا العمل خاصة. فإذا بقي الجسد المحلول انبسط فيه لعدم الصورة لأنه قد صار في الجسد بمنزلة النفس التي لا صورة لها و ذلك أنه لا وزن له فيه و سترى ذلك إن شاء الله تعالى و قد ينبغي لك أن تعلم أن اختلاط اللطيف باللطيف أهون من اختلاط الغليظ و إنما أريد بذلك التشاكل في الأرواح و الأجساد لأن الأشياء تتصل بأشكالها. و ذكرت لك ذلك لتعلم أن العمل أوفق و أيسر من الطبائع اللطائف ********ة منها من الغليظة الجسمانية. و قد يتصور في العقل أن الأحجار أقوى و أصبر على النار من الأرواح كما ترى أن الذهب و الحديد و النحاس أصبر على النار من الكبريت و الزئبق و غيرهما من الأرواح فأقول إن الأجساد قد كانت أرواحا في بدنها فلما أصابها حر الكيان قلبها أجسادا لزجة غليظة فلم تقدر النار على أكلها لإفراط غلظها و تلزجها. فإذا أفرطت النار عليها صيرتها أرواحا كما كانت أول خلقها. و إن تلك الأرواح اللطيفة إذا أصابتها النار أبقت و لم تقدر على البقاء عليها فينبغي لك أن تعلم ما صير الأجساد في هذه الحالة و صير الأرواح في هذا الحال فهو أجل ما تعرفه. أقول إنما أبقت تلك الأرواح لاشتعالها و لطافتها. و إنما اشتعلت لكثرة رطوبتها و لأن النار إذا أحست بالرطوبة تعلقت بها لأنها هوائية تشاكل النار و لا تزال تغتذي بها إلى أن تفنى. و كذلك الأجساد إذا أحست بوصول النار إليها لقلة تلزجها و غلظها و إنما صارت تلك الأجساد لا تشتعل لأنها مركبة من أرض و ماء صابر على النار فلطيفه متحد بكثيفه لطول الطبخ اللين المازج للأشياء. و ذلك أن كل متلاش إنما يتلاشى بالنار لمفارقة لطيفه من كثيفه و دخول بعضه في بعض على غير التحليل و الموافقة فصار ذلك الانضمام و التداخل مجاورة لا ممازجة فسهل بذلك افتراقهما كالماء و الدهن و ما أشبههما. و إنما وصفت ذلك لتستدل به على تركيب الطبائع و تقابلها فإذا علمت ذلك علما شافيا فقد أخذت حظك منها. و ينبغي لك أن تعلم أن الأخلاط التي هي طبائع هذه الصناعة موافقة بعضها لبعض مفصلة من جوهر واحد يجمعها نظام واحد بتدبير واحد لا يدخل عليه غريب في الجزء منه و لا في الكل كما قال الفيلسوف: إنك إذا أحكمت تدبير الطبائع و تآليفها و لم تدخل عليها غريبا فقد أحكمت ما أردت إحكامه و قوامه إذ الطبيعة واحدة لا غريب فيها فمن أدخل عليها غريبا فقد زاغ عنها و وقع في الخطأ. و اعلم أن هذه الطبيعة إذا حل لها جسد من قرائنها على ما ينبغي في الحل حتى يشاكلها في الرقة و اللطافة انبسطت فيه و جرت معه حيثما جرى لأن الأجساد ما دامت غليظة جافية لا تنبسط و لا تتزاوج و حل الأجساد لا يكون بغير الأرواح فافهم هداك الله هذا القول. و اعلم هداك الله أن هذا الحل في جسد الحيوان هو الحق الذي لا يضمحل و لا ينقص و هو الذي يقلب الطبائع و يمسكها و يظهر لها ألوانا و أزهارا عجيبة. و ليس كل جسد يحل خلاف هذا هو الحل التام لأنة مخالف للحياة، فإنما حله بما يوافقه و يدفع عنه حرق النار، حتى يزول عن الغلظ و تنقلب الطبائع عن حالاتها إلى ما لها أن تنقلب من اللطافة و الغلظ. فإذا بلغت الأجساد نهايتها من التحليل و التلطيف ظهرت لها هنالك قوة تمسك و تغوص و تقلب و تنفذ و كل عمل لا يرى له مصداق في أوله فلا خير فيه. و اعلم أن البارد من الطبائع هو ييبس الأشياء و يعقد رطوبتها و الحار منها يظهر رطوبتها و يعقد يبسها و إنما أفردت الحر و البرد لأنهما فاعلان و الرطوبة و اليبس منفعلان و على انفعال كل واحد منهما لصاحبه تحدث الأجسام و تتكون و إن كان الحر أكثر فعلا في ذلك من البرد لأن البرد ليس له نقل الأشياء و لا تحركها و الحر هو علة الحركة. و متى ضعفت علة الكون و هو الحرارة لم يتم منها شيء أبدا كما إنه إذا أفرطت الحرارة على شيء و لم يكن ثم برد أحرقته و أهلكته. فمن أجل هذه العلة احتيج إلى البارد في هذه الأعمال ليقوى به كل ضد على ضده و يدفع عنه حر النار. و لم يحذر الفلاسفة أكبر شيء إلا من النيران المحرقة. و أمرت بتطهير الطبائع و الأنفاس و إخراج دنسها و رطوبتها و نفور آفاتها و أوساخها عنها على ذلك استقام رأيهم و تدبيرهم فإنما عملهم إنما هو مع النار أولا و إليها يصير أخيرا فلذلك قالوا: إياكم و النيران المحرقات. و إنما أرادوا بذلك نفي الآفات التي معها فتجمع على الجسد آفتين فتكون أسرع لهلاكه. و كذلك كل شيء إنما يتلاشى و يفسد من ذاته لتضاد طبائعه و اختلافه فيتوسط بين شيئين فلم يجد ما يقويه و يعينه إلا قهرته الآفة و أهلكته. و اعلم أن الحكماء كلها ذكرت ترداد الأرواح على الأجساد مرارا ليكون ألزم إليها و أقوى على قتال النار إذا هي باشرتها عند الإلفة أعني بذلك النار العنصرية فاعلمه. و لنقل الآن على الحجر الذي يمكن منه العمل على ما ذكرته الفلاسفة فقد اختلفوا فيه فمنهم من زعم أنه في الحيوان و منهم من زعم أنه في النبات و منهم من زعم أنه في المعادن و منهم من زعم أنه في الجميع. و هذه الدعاوى ليست بنا حاجة إلى استقصائها و مناظرة أهلها عليها لأن الكلام يطول جدا و قد قلت فيما تقدم إن العمل يكون في كل شيء بالقوة لأن الطبائع موجودة في كل شيء فهو كذلك فنريد أن تعلم من أي شيء يكون العمل بالقوة و الفعل فنقصد إلى ما قاله الحراني إن الصبغ كله أحد صبغين: إما صبغ جسد كالزعفران في الثوب الأبيض حتى يحول فيه و هو مضمحل منتقض التركيب، و الصبغ الثاني تقليب الجوهر من جوهر نفسه إلى جوهر غيره و لونه كتقليب الشجر بل التراب إلى نفسه و قلب الحيوان و النبات الى نفسه حتى يصير التراب نباتا و النبات حيوانا و لا يكون إلا بالروح الحي و الكيان الفاعل الذي له توليد الأجرام و قلب الأعيان. فإذا كان هذا هكذا فنقول إن العمل لابد أن يكون إما في الحيوان و إما في النبات و برهان ذلك أنهما مطبوعان على الغذاء و به قوامهما و تمامهما. فأما النبات فليس فيه ما في الحيوان من اللطافة و القوة و لذلك قل خوض الحكماء فيه. و أما الحيوان فهو آخر الاستحالات الثلاث و نهايتها و ذلك أن المعدن يستحيل نباتا و النبات يستحيل حيوانا و الحيوان لا يستحيل إلى شيء هو الطف منه إلا أن ينعكس راجعا إلى الغلظ و أنه أيضا لا يوجد في العالم شيء تتعلق فيه الروح الحية غيره و الروح ألطف ما في العالم و لم تتعلق الروح بالحيوان إلا بمشاكلته إياها. فأما الروح التي في النبات فإنها يسيرة فيها غلظ و كثافة و هي مع ذلك مستغرقة كامنة فيه لغلظها و غلظ جسد النبات فلم يقدر على الحركة لغلظه و غلظ روحه. و الروح المتحركة ألطف من الروح الكامنة كثيرا و ذلك أن المتحركة لها قبول الغذاء و التنقل و التنفس و ليس للكامنة غير قبول الغذاء وحده. و لا تجري إذا قيست بالروح الحية إلا كالأرض عند الماء. كذلك النبات عند الحيوان فالعمل في الحيوان أعلى و أرفع و أهون و أيسر. فينبغي للعاقل إذا عرف ذلك أن يجرب ما كان سهلا و يترك ما يخشى فيه عسرا. و اعلم أن الحيوان عند الحكماء ينقسم أقساما من الأمهات التي هي الطبائع و الحديثة التي هي المواليد و هذا معروف متيسر الفهم فلذلك قسمت الحكماء العناصر و المواليد أقساما حية و أقساما ميتة فجعلوا كل متحرك فاعلا حيا و كل ساكن مفعولا ميتا. و قسموا ذلك في جميع الأشياء و في الأجساد الذائبة و في العقاقير المعدنية فسموا كل شيء يذوب في النار و يطير و يشتعل حيا و ما كان على خلاف ذلك سموه ميتا فأما الحيوان و النبات فسموا كل ما انفصل منها طبائع أربعا حيا و ما لم ينفصل سموه ميتا ثم إنهم طلبوا جميع الأقسام الحية. فلم يجدوا لوفق هذه الصناعة مما ينفصل فصولا أربعة ظاهرة للعيان و لم يجدوا غير الحجر الذي في الحيوان فبحثوا عن جنسه حتى عرفوه و أخذوه و دبروه فتكيف لهم منه الذي أرادوا. و قد يتكيف مثل هذا في المعادن و النبات. بعد جمع العقاقير و خلطها ثم تفصل بعد ذلك. فأما النبات فمنه ما ينفصل ببعض هذه الفصول مقل الأشنان و أما المعادن ففيها أجساد و أرواح و أنفاس إذا مزجت و دبرت كان منها ما له تأثير. و قد دبرنا كل ذلك فكان الحيوان منها أعلى و أرفع و تدبيره أسهل و أيسر. فينبغي لك أن تعلم ما هو الحجر الموجود في الحيوان و طريق وجوده. إنا بينا أن الحيوان أرفع المواليد و كذا ما تركب منه فهو ألطف منه كالنبات من الأرض. و إنما كان النبات ألطف من الأرض لأنه إنما يكون من جوهره الصافي و جسده اللطيف فوجب له بذلك اللطافة و الرقة. و كذا هذا الحجر الحيواني بمنزلة النبات في التراب. و بالجملة فإنه ليس في الحيوان شيء ينفصل طبائع أربعا غيره فافهم هذا القول فإنة لا يكاد يخفى إلا على جاهل بين الجهالة و من لا عقل له. فقد أخبرتك ماهية هذا الحجر و أعلمتك جنسه و أنا أبين لك وجوه تدابيره حتى يكمل الذي شرطناه على أنفسنا من الإنصاف إن شاء الله سبحانه.
التدبير على بركة الله خذ الحجر الكريم فأودعه القرعة و الإنبيق و فصل طبائعه الأربع التي هي النار و الهواء و الأرض و الماء و هي الجسد و الصبغ فإذا عزلت الماء عن التراب و الهواء عن النار فارفع كل واحد في إنائه على حدة و خذ الهابط أسفل الإناء و هو الثفل فاغسله بالنار الحارة حتى تذهب النار عنه سواده و يزول غلظه و جفاؤه و بيضه تبييضا محكما و طير عنه فضول الرطوبات المستجنة فيه فإنه يصير عند ذلك ماء أبيض لا ظلمة فيه و لا وسخ و لا تضاد. ثم اعمد إلى تلك الطبائع الأول الصاعدة منه فطهرها أيضا من السواد و التضاد و كرر عليها الغسل و التصعيد حتى تلطف و ترق و تصفو. فإذا فعلت ذلك فقد فتح الله عليك فابدأ بالتركيب الذي عليه مدار العمل. و ذلك أن التركيب لا يكون إلا بالتزويج و التعفين فأما التزويج فهو اختلاط اللطيف بالغليظ و أما التعفين فهو التمشية و السحق حتى يختلط بعضه ببعض و يصير شيئا واحدا لا اختلاف فيه و لا نقصان بمنزلة الامتزاج بالماء. فعند ذلك يقوى الغليظ على إمساك اللطيف و تقوى الروح على مقابلة النار و تصبر عليها و تقوى النفس على الغوص في الأجساد والدبيب فيها. و إنما وجد ذلك بعد التركيب لأن الجسد المحلول لما ازدوج بالروح مازجه بجميع أجزائه و دخل بعضها في بعض لتشاكلها فصار شيئا واحدا و وجب من ذلك أن يعرض للروح من الصلاح و الفساد و البقاء و الثبوت و ما يعرض للجسد لموضع الإمتزاج. و كذلك النفس إذا امتزجت بهما و دخلت فيهما بخدمة التدبير اختلطت أجزاؤها بجميع أجزاء الآخرين أعني الروح و الجسد و صارت هي و هما شيئا واحدا لا اختلاف فيه بمنزلة الجزء الكلي الذي سلمت طبائعه و اتفقت أجزاؤه فإذا ألقى هذا المركب الجسد المحلول و ألح عليه النار و أظهر ما فيه من الرطوبة على وجهه ذاب في الجسد المحلول. و من شأن الرطوبة الاشتمال و تعلق النار بها فإذا أرادت النار التعلق بها منعها من الاتحاد بالنفس ممازجة الماء لها. فإن النار لا تتحد بالدهن حتى يكون خالصا. و كذلك الماء من شأنه النفور من النار. فإذا ألحت عليه النار و أرادت تطييره حبسه الجسد اليابس الممازج له في جوفه فمنعه من الطيران فكان الجسد علة لإمساك الماء و الماء علة لبقاه الدهن و الدهن علة لثبات الصبغ و الصبغ علة لظهور الدهن و اظهار الدهنية في الأشياء المظلمة التي لا نور لها و لا حياة فيها. فهذا هو الجسد المستقيم و هكذا يكون العمل. و هذه التصفية التي سألت عنها و هي التي سمتها الحكماء بيضة و إياها يعنون لا بيضة الدجاج و اعلم أن الحكماء لم تسميها بهذا الاسم لغير معنى بل أشبهتها. و لقد سألت مسلمة عن ذلك يوما و ليس عنده غيري فقلت له: أيها الحكيم الفاضل أخبرني لأي شيء سمت الحكماء مركب الحيوان بيضة ؟ اختيارا منهم لذلك أم لمعنى دعاهم إليه ؟ فقال: بل لمعنى غامض فقلت أيها الحكيم و ما ظهر لهم من ذلك من المنفعة و الاستدلال على الصناعة حتى شبهوها و سموها بيضة ؟ فقال: لشبهها و قرابتها من المركب ففكر فيه فإنه سيظهر لك معناه. فبقيت بين يديه مفكرا لا أقدر على الوصول إلى معناه. فلما رأى ما بي من الفكر و أن نفسي قد مضت فيها أخذ بعضدي و هزني هزة خفيفة و قال لي: يا أبا بكر ذلك للنسبة التي بينهما في كمية الألوان عند امتزاج الطبائع و تأليفها. فلما قال ذلك انجلت عني الظلمة و أضاء لى نور قلبي و قوي عقلي على فهمه فنهضت شاكرا الله عليه إلى منزلي و أقمت على ذلك شكلا هندسيا يبرهن به على صحة ما قاله مسلمة. و أنا واضعه لك في هذا الكتاب. مثال ذلك أن المركب إذا تم و كمل كان نسبة ما فيه من طبيعة الهواء إلى ما في البيضة من طبيعة الهواء كنسبة ما في المركب من طبيعة النار إلى ما في البيضة من طبيعة النار. و كذلك الطبيعتان الأخريان، الأرض و الماء فأقول: إن كل شيئين متناسبين على هذه الصفة هما متشابهان. و مثال ذلك أن تجعل لسطح البيضة هزرح فإذا أردنا ذلك فإنا نأخذ أقل طبائع المركب و هي طبيعة اليبوسة و نضيف إليها مثلها من طبيعة الرطوبة و ندبرهما حتى تنشف طبيعة اليبوسة طبيعة الرطوبة و تقبل قوتها. و كأن في هذا الكلام رمزا و لكنه لا يخفى عليك. ثم تحمل عليهما جميعا مثليهما من الروح و هو الماء فيكون الجميع ستة أمثال. ثم تحمل على الجميع بعد التدبير مثلا من طبيعة الهواء التي هي النفس و ذلك ثلاثة أجزاء فيكون الجميع تسعة أمثال اليبوسة بالقوة. و تحمل تحت كل ضلعين من المركب الذي طبيعته محيطة بسطح المركب طبيعتين فتجعل أولا الضلعين المحيطين بسطحه طبيعة الماء و طبيعة الهواء و هما ضلعا ا ح د و سطح ابجد و كذلك الضلعان المحيطان بسطح البيضة اللذان هما الماء و الهواء ضلعا هزوح فأقول أن سطح ابجد يشبه سطح هزوح طبيعة الهواء التي تسمى نفسا و كذلك بجـ من سطح المركب. و الحكماء لم تسم شيئا باسم شيء إلا لشبهه به. و الكلمات التي سألت عن شرحها الأرض المقدسة و هي المنعقدة من الطبائع العلوية و السفلية. و النحاس هو الذي أخرج سواده و قطع حتى صار هباء ثم حمر بالزاج حتى صار نحاسيا و المغنيسيا حجرهم الذي تجمد فيه الأرواح و تخرجه الطبيعة العلوية التي تستجن فيها الأرواح لتقابل عليها النار و الفرفرة لون أحمر قان يحدثه الكيان. و الرصاص حجر له ثلاث قوى مختلفة الشخوص و لكنها متشاكلة و متجانسة. فالواحدة روحانية نيرة صافية و هي الفاعلة و الثانية نفسانية و هي متحركة حساسة غير أنها أغلظ من الأولى و مزكزها دون مركز الأولى و الثالثة قوة أرضية حاسة قابضة منعكسة إلى مركز الأرض لثقلها و هي الماسكة ********ة والنفسانية جميعا و المحيطة بهما. و أما سائر الباقية فمبتدعة و مخترعة. إلباسا على الجاهل، و من عرف المقدمات استغنى عن غيرها. فهذا جميع ما سألتني عنه و قد بعثت به إليك مفسرا و نرجو بتوفيق الله أن تبلغ أملك و السلام. انتهى كلام ابن بشرون و هو من كبار تلاميذ مسلمة المجريطي شيخ الأندلس في علوم الكيمياء و السيمياء و ***** في القرن الثالث و ما بعده. و أنت ترى كيف صرف ألفاظهم كلها في الصناعة إلى الزمز و الألغاز التي لا تكاد تبين و لا تعرف و ذلك دليل على أنها ليست بصناعة طبيعية. و الذي يجب أن يعتقد في أمر الكيمياء و هو الحق الذي يعضده الواقع أنها من جنس آثار النفوس ********ة و تصرفها في عالم الطبيعة، إما من نوع الكرامة إن كانت النفوس خيرة أو من نوع ***** إن كانت النفوس شريرة فاجرة. فأما الكرامة فظاهرة و أما ***** فلأن الساحر كما ثبت في مكان تحقيقه يقلب الأعيان المادية بقوته *****ية. و لابد له مع ذلك عندهم من مادة يقع فعله *****ي فيها كتخليق بعض الحيوانات من مادة التراب أو الشجر و النبات و بالجملة من غير مادتها المخصوصة بها، كما وقع لسحرة فرعون في الحبال و العصي و كما ينقل عن سحرة السودان و الهنود في قاصية الجنوب و الترك في قاصية الشمال أنهم يسحرون الجو للأمطار و غير ذلك. و لما كانت هذه تخليقا للذهب في غير مادته الخاصة به كان من قبيل ***** و المتكلمون فيه من أعلام الحكماء مثل جابر و مسلمة. و من كان قبلهم من حكماء الأمم إنما نحوا هذا المنحى و لهذا كان كلامهم فيه ألغازا حذرا عليها من إنكار الشرائع على ***** و أنواعه لا أن ذلك يرجع إلى الضنانة بها كما هو رأي من لم يذهب إلى التحقيق في ذلك. و انظر كيف سمى مسلمة كتابه فيها رتبة الحكيم و سمى كتابه في ***** و الطلسمات غاية الحكيم إشارة إلى عموم موضوع الغاية و خصوص موضوع هذه لأن الغاية أعلى من الرتبة فكان مسائل الرتبة بعض من مسائل الغاية و تشاركها في الموضوعات. و من كلامه في الفنين يتبين ما قلناه و نحن نبين فيما بعد غلط من يزعم أن مدارك هذا الأمر بالصناعة الطبيعية. و الله العليم الخبير.

الفصل الحادي و الثلاثون: في إبطال الفلسفة و فساد منتحلها
هذا الفصل و ما بعده مهم لأن هذه العلوم عارضة في العمران كثيرة في المدن. و ضررها في الدين كثير فوجب أن يصدع بشأنها و يكشف عن المعتقد الحق فيها. و ذلك أن قوما من عقلاء النوع الإنساني زعموا أن الوجود كله الحسي منه و ما وراء الحسي تدرك أدواته و أحواله بأسبابها و عللها بالأنظار الفكرية و الأقيسة العقلية و أن تصحيح العقائد الإيمانية من قبل النظر لا من جهة السمع فإنها بعض من مدارك العقل. و هؤلاء يسمون فلاسفة جمع فيلسوف و هو باللسان اليوناني محب الحكمة. فبحثوا عن ذلك و شمروا له و حوموا على إصابة الغرض منه و وضعوا قانونا يهتدي به العقل في نظره إلى التمييز بين الحق و الباطل و سموه بالمنطق. و محصل ذلك أن النظر الذي يفيد تمييز الحق من الباطل إنما هو للذهن في المعاني المنتزعة من الموجودات الشخصية فيجرد منها أولا صور منطبقة على جميع الأشخاص كما ينطبق الطابع على جميع النقوش التي ترسمها في طين أو شمع. و هذه مجردة من المحسوسات تسمى المعقولات الأوائل. ثم تجرد من تلك المعاني الكلية إذا كانت مشتركة مع معان أخرى و قد تميزت عنها في الذهن فتجرد منها معان أخرى و هي التي اشتركت بها. ثم تجرد ثانيا إن شاركها غيرها و ثالثا إلى أن ينتهي التجريد إلى المعاني البسيطة الكلية المنطبقة على جميع المعاني و الأشخاص و لا يكون منها تجريد بعد هذا و هي الأجناس العالية. و هذه المجردات كلها من غير المحسوسات هي من حيث تأليف بعضها مع بعض. لتحصيل العلوم منها تسمى المعقولات الثواني. فإذا نظر الفكر في هذه المعقولات المجردة و طلب تصور الوجود. كما هو فلابد للذهن من إضافة بعضها إلى بعض و نفي بعضها عن بعض بالبرهان العقلي اليقيني ليحصل تصور الوجود تصورا صحيحا مطابقا إذا كان ذلك بقانون صحيح كما مر. و صنف التصديق الذي هو تلك الإضافة و الحكم متقدم عندهم على صنف التصور في النهاية و التصور متقدم عليه في البداءة و التعليم لأن التصور التام عندهم هو غاية الطلب الإدراكي و إنما التصديق وسيلة له و ما تسمعه في كتب المنطقيين من تقدم التصور و توقف التصديق عليه فبمعنى الشعور لا بمعنى العلم التام و هذا هو مذهب كبيرهم أرسطو ثم يزعمون أن السعادة في إدراك الموجودات كلها ما في الحس و ما وراء الحس بهذا النظر و تلك البراهين. و حاصل مداركهم في الوجود على الجملة و ما آلت إليه و هو الذي فرعوا عليه قضايا أنظارهم أنهم عثروا أولا على الجسم السفلي بحكم الشهود و الحس ثم ترقى إدراكهم قليلا فشعروا بوجود النفس من قبل الحركة و الحس في الحيوانات ثم احسوا من قوى النفس بسلطان العقل. و وقف إدراكهم فقضوا على الجسم العالي السماوي بنحو من القضاء على أمر الذات الإنسانية. و وجب عندهم أن يكون للفلك نفس و عقل كما للإنسان ثم أنهوا ذلك نهاية عدد الآحاد و هي العشر، تسع مفصلة ذواتها جمل و واحد أول مفرد و هو العاشر. و يزعمون أن السعادة في إدراك الوجود على هذا النحو من القضاء مع تهذيب النفس و تخلقها بالفضائل و أن ذلك ممكن للإنسان و لو لم يرد شرع لتمييزه بين الفضيلة و الرذيلة من الأفعال بمقتضى عقله و نظره و ميله إلى المحمود منها و اجتنابه للمذموم بفطرته و أن ذلك اذا حصل للنفس حصلت لها البهجة و اللذة و أن الجهل بذلك هو الشقاء السرمدي و هذا عندهم هو معنى النعيم و العذاب في الآخرة إلى خبط لهم في تفاصيل ذلك معروف في كلماتهم. و إمام هذه المذاهب الذي حصل مسائلها و دون علمها و سطر حججها فيما بلغنا في هذه الأحقاب هو أرسطو المقدوني من أهل مقدونية من بلاد الروم من تلاميذ أفلاطون و هو معلم الإسكندر و يسمونه المعلم الأول على الإطلاق يعنون معلم صناعة المنطق إذ لم تكن قبله مهذبة و هو أول من رتب قانونها و استوفى مسائلها و أحسن بسطها و لقد أحسن في ذلك القانون ما شاء لو تكفل له بقصدهم في الإلهيات ثم كان من بعده في الإسلام من أخذ بتلك المذاهب و أتبع فيها رأيه حذو النعل بالنعل إلا في القليل. و ذلك أن كتب أولئك المتقدمين لما ترجمها الخلفاء من بني العباس من اللسان اليوناني إلى اللسان العربي تصفحها كثير من أهل الملة و أخذ من مذاهبهم من أضله الله من منتحلي العلوم و جادلوا عنها و اختلفوا في مسائل من تفاريعها و كان من أشهرهم أبو نصر الفارابي في المائة الرابعة لعهد سيف الدولة و أبو علي بن سينا في المائة الخامسة لعهد نظام الملك من بني بويه بأصبهان و غيرهما. و اعلم أن هذا الرأي الذي ذهبوا إليه باطل بجميع وجوهه. فأما إسنادهم الموجودات كلها إلى العقل الأول و اكتفاؤهم به في الترقي إلى الواجب فهو قصور عما وراء ذلك من رتب خلق الله فالوجود أوسع نطاقا من ذلك و يخلق ما لا تعلمون و كأنهم في اقتصارهم على إثبات العقل فقط و الغفلة عما وراءه بمثابة الطبيعيين المقتصرين على إثبات الأجسام خاصة المعرضين عن النقل و العقل المعتقدين أنه ليس وراء الجسم في حكمة الله شيء. و أما البراهين التي يزعمونها على مدعياتهم في الموجودات و يعرضونها على معيار المنطق و قانونه فى قاصرة و غير وافية بالغرض. أما ما كان منها في الموجودات الجسمانية و يسمونه العلم الطبيعي فوجه قصوره أن المطابقة بين تلك النتائج الذهنية التي تستخرج بالحدود و الأقيسة كما في زعمهم و بين ما في الخارج غير يقيني لأن تلك أحكام ذهنية كلية عامة و الموجودات الخارجية متشخصة بموادها. و لعل في المواد ما يمنع مطابقة الذهني الكلي للخارجي الشخصي اللهم إلا مالا يشهد له الحس من ذلك فدليله شهوده لا تلك البراهين فأين اليقين الذي يجدونه فيها ؟ و ربما يكون تصرف الذهن أيضا في المعقولات الأول المطابقة للشخصيات بالصور الخيالية لا في المعقولات الثواني التي تجريدها في الرتبة الثانية فيكون الحكم حينئذ يقينيا بمثابة المحسوسات إذ المعقولات الأول أقرب إلى مطابقة الخارج لكمال الانطباق فيها فنسلم لهم حينئذ دعاويهم في ذلك. إلا أنه ينبغي لنا الإعراض عن النظر فيها إذ هو من ترك المسلم لما لا يعنيه فإن مسائل الطبيعيات لا تهمنا في ديننا و لا معاشنا فوجب علينا تركها. و أما ما كان منها في الموجودات التي وراء الحس و هي ********ات و يسمونه العلم الإلهي و علم ما بعد الطبيعة فإن ذواتها مجهولة رأسا و لا يمكن التوصل إليها و لا البرهان عليها لأن تجريد المعقولات من الموجودات الخارجية الشخصية إنما هو ممكن فيما هو مدرك لنا. و نحن لا ندرك الذوات ********ة حتى نجرد منها ماهيات أخرى بحجاب الحس بيننا و بينها فلا يأتي لنا برهان عليها و لا مدرك لنا في إثبات وجودها على الجملة إلا ما نجده بين جنبينا من أمر النفس الإنسانية و أحوال مداركها و خصوصا في الرؤيا التي هي وجدانية لكل أحد و ما وراء ذلك من حقيقتها و صفاتها فأمر غامض لا سبيل إلى الوقوف عليه. و قد صرح بذلك محققوهم حيث ذهبوا إلى أن مالا مادة له لا يمكن البرهان عليه لأن مقدمات البرهان من شرطها أن تكون ذاتية. و قال كبيرهم أفلاطون: إن الإلهيات لا يوصل فيها إلى أينين و إنما يقال فيها بالأخلق و الأولى يعني الظن: و إذا كنا إنما نحصل بعد التعب و النصب على الظن فقط قيكفينا الظن الذي كان أولا فأي فائدة لهذه العلوم و الاشتغال بها و نحن إنما عنايتنا بتحصيل اليقين فيما وراء الحس من الموجودات و هذه هي غاية الأفكار الإنسانية عندهم. و أما قولهم إن السعادة في إدراك الموجودات على ما هي عليه يتلك البراهين فقول مزيف مردود و تفسيره أن الإنسان مركب من جزءين أحدهما جسماني و الآخر روحاني ممترج به و لكل واحد من الجزءين مدارك مختصة به و المدرك فيهما واحد و هو الجزء ******** يدرك تارة مدارك روحانية و تارة مدارك جسمانية إلا أن المدارك ********ة يدركها بذاته بغير واسطة و المدارك الجسمانية بواسطة آلات الجسم من الدماغ والحواس. و كل مدرك فله ابتهاج بما يدركه. و اعتبره بحال الصبى في أول مداركه الجسمانية التي هي بواسطة كيف يبتهج بما يبصره من الضوء و بما يسمعه من الأصوات فلا شك أن الابتهاج بالإدراك الذي للنفس من ذاتها بغير واسطة يكون أشد و ألذ. فالنفس ********ة إذا شعرت بإدراكها الذي لها من ذاتها بغير واسطة حصل لها ابتهاج و لذة لا يعبر عنهما و هذا الإدراك لا يحصل بنظر و لا علم و إنما يحصل بكشف حجاب الحس و نسيان المدارك الجسمانية بالجملة. و المتصوفة كثيرا ما يعنون بحصول هذا الإدراك للنفس بحصول هذه البهجة فيحاولون بالرياضة إماتة القوى الجسمانية و مداركها حتى الفكر من الدماغ و ليحصل للنفس إدراكها الذي لها من ذاتها عند زوال الشواغب و الموانع الجسمانية يحصل لهم بهجة و لذة لا يعبر عنهما. و هذا الذي زعموه بتقدير صحته مسلم لهم و هو مع ذلك غير واف بمقصودهم. فأما قولهم إن البراهين و الأدلة العقلية محصلة لهذا النوع من الإدراك و الابتهاج عنه فباطل كما رأيته إذ البراهين و الأدلة من جملة المدارك الجسمانية لأنها بالقوى الدماغية من الخيال و الفكر و الذكر. و نحن نقول إن أول شيء نعنى به في تحصيل هذا الإدراك إماتة هذه القوى الدماغية كلها لأنها منازعة له قادحة فيه و تجد الماهر منهم عاكفا على كتاب الشفاء و الإشارات و النجاء و تلاخيص ابن رشد للقص من تأليف أرسطو و غيره يبعثر أوراقها و يتوثق من براهينها و يلتمس هذا القسط من السعادة فيها و لا يعلم أنه يستكثر بذلك من الموانع عنها. و مستندهم في ذلك ما ينقلونه عن أرسطو و الفارابي و ابن سينا أن من حصل له إدراك العقل الفعال و اتصل به في حياته فقد حصل حظة من هذه السعادة. و العقل الفعال عندهم عبارة عن أول رتبة ينكشف عنها الحس من رتب ********ات و يحملون الاتصال بالعقل الفعال على الإدراك العلمي و قد رأيت فساده و إنما يعني أرسطو و أصحابه بذلك الاتصال و الإدراك إدراك النفس الذي لها من ذاتها و بغير واسطة و هو لا يحصل إلا بكشف حجاب الحس. و أما قولهم إن البهجة الناشئة عن هذا الإدراك هي عين السعادة الموعود بها فباطل أيضا لأنا إنما تبين لنا بما قرروه أن وراء الحس مدركا آخر للنفس من غير واسطة و أنها تبتهج بإدراكها ذلك ابتهاجا شديدا و ذلك لا يعين لنا أنه عين السعادة الأخروية و لابد بل هي من جملة الملاذ التي لتلك السعادة. و أما قولهم إن السعادة في إدراك هذه الموجودات على ما هي عليه فقول باطل مبني على ما كنا قدمناه في أصل التوحيد من الأوهام و الأغلاط في أن الوجود عند كل مدرك منحصر في مداركه. و بينا فساد ذلك و إن الوجود أوسع من أن يحاط به أو يستوفى إدراكه بجملته روحانيا أو جسمانيا. و الذي يحصل من جميع ما قررناه من مذاهبهم أن الجزء ******** إذا فارق القوى الجسمانية أدرك إدراكا ذاتيا له مختصا بصنف من المدارك و هي الموجودات التي أحاط بها علمنا و ليس بعام الإدراك في الموجودات كلها إذ لم تنحصر و أنه يبتهج بذلك النحو من الإدراك ابتهاجا شديدا كما يبتهج الصبي بمداركه الحسية في أول نشوءه و من لنا بعد ذلك بإدراك جميع الموجودات أو بحصول السعادة التي وعدنا بها الشارع إن لم نعمل لها، هيهات هيهات لما توعدون. و أما قولهم إن الإنسان مستقل بتهذيب نفسه و إصلاحها بملابسة المحمود من الخلق و مجانبة المذموم فأمر مبني على أن ابتهاج للنفس بإدراكها الذي لها من ذاتها هو عين السعادة الموعود بها لأن الرذائل عائقة للنفس عن تمام إدراكها ذلك بما يحصل لها من الملكات الجسمانية و ألوانها. و قد بينا أن أثر السعادة و الشقاوة و من وراء الإدراكات الجسمانية و ********ة فهذا التهذيب الذي توصلوا إلى معرفته إنما نفعه في البهجة الناشئة عن الإدراك ******** فقط الذي هو على مقاييس و قوانين. و أما ما وراء ذلك من السعادة التي وعدنا بها الشارع على امتثال ما أمر به من الأعمال و الأخلاق فأمر لا يحيط به مدارك المدركين. و قد تنبه لذلك زعيمهم أبو علي ابن سينا فقال في كتاب المبدأ و المعاد ما معناه: إن المعاد ******** و أحواله هو مما يتوصل إليه بالبراهين العقلية و المقاييس لأنه على نسبة طبيعية محفوظة و وتيرة واحدة فلنا في البراهين عليه سعة. و أما المعاد الجسماني و أحواله فلا يمكن إدراكه بالبرهان لأنه ليس على نسبة واحدة و قد بسطته لنا الشريعة الحقة المحمدية فلنظر فيها و ليرجع في أحواله إليها. فهذا العلم كما رأيته غير واف بمقاصدهم التي حوموا عليها مع ما فيه من مخالفة الشرائع و ظواهرها. و ليس له فيما علمنا إلا ثمرة واحدة و هي شحذ الذهن في ترتيب الأدلة و الحجج لتحصيل ملكة الجودة و الصواب في البراهين. و ذلك أن نظم المقاييس و تركيبها على وجه الأحكام و الإتقان هو كما شرطوه في صناعتهم المنطيقية و قولهم بذلك في علومهم الطبيعية و هم كثيرا ما يستعملونها في علومهم الحكمية من الطبيعيات و التعاليم و ما بعدها فيستولي الناظر فيها بكثرة استعمال البراهين بشروطها على ملكة الإتقان و الصواب في الحجج و الاستدلالات لأنها و إن كانت غير وافية بمقصودهم فهي أصح ما علمناه من قوانين الأنظار. هذه ثمرة هذه الصناعة مع الاطلاع على مذاهب أهل العلم و آرائهم و مضارها ما علمت. فليكن الناظر فيها متحرزا جهده معاطبها و ليكن نظر من ينظر فيها بعد الامتلاء من الشرعيات و الاطلاع على التفسير و الفقه و لا يكبن أحد عليها و هو خلو من علوم الملة فقل أن يسلم لذلك من معاطبها. و الله الموفق للصواب و للحق و الهادي إليه. و ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

الفصل الثاني و الثلاثون: في ابطال صناعة النجوم و ضعف مداركها و فساد غايتها
هذه الصناعة يزعم أصحابها أنهم يعرفون بها الكائنات في عالم العناصر قبل حدوثها من قبل معرفة قوى الكواكب و تأثيرها في المولدات العنصرية مفردة و مجتمعة فتكون لذلك أوضاع الأفلاك و الكواكب دالة على ما سيحدث من نوع من أنواع الكائنات الكلية و الشخصية. فالمتقدمون منهم يرون أن معرفة قوى الكواكب و تأثيراتها بالتجربة و هو أمر تقصر الأعمار كلما لو اجتمعت عن تحصيله إذ التجربة إنما تحصل في المرات المتعددة بالتكرار ليحصل عنها العلم أو الظن. و أدوار الكواكب منها ما هو طويل الزمن فيحتاج تكرره إلى آماد و أحقاب متطارلة يتقاصر عنها ما هو طويل من أعمار العالم. و ربما ذهب ضعفاء منهم إلى أن معرفة قوى الكواكب و تأثيراتها كانت بالوحي و هو رأي فائل و قد كفونا مؤنة إبطاله. و من أوضح الأدلة فيه أن تعلم أن الأنبياء عليهم الصلاة و السلام أبعد الناس عن الصنائع و أنهم لا يتعرضون للإخبار عن الغيب إلا أن يكون عن الله فكيف يدعون استنباطه بالصناعة و يشيرون بذلك لتابعيهم من الخلق. و أما بطليمس و من تبعه من المتأخرين فيرون أن دلالة الكواكب على ذلك دلالة طبيعية من قبل مزاج يحصل للكواكب في الكائنات العنصرية قال لأن فعل النيرين و أثرهما في العنصريات ظاهر لا يسع أحدا حجده مثل فعل الشمس في تبدل الفصول و أمزجتها و نضج الثمار و الزرع و غير ذلك و فعل القمر في الرطوبات و الماء و إنضاج المواد المتعفنة و فواكه القناء و سائر أفعاله. ثم قال: و لنا فيما بعدها من الكواكب طريقان الأولى التقليد لمن نقل ذلك عنه من أئمة الصناعة إلا أنه غير مقنع للنفس و الثانية الحدس و التجربة بقياس كل واحد منها إلى النير الأعظم الذي عرفنا طبيعته و أثره معرفة ظاهرة فننظر هل يزيد ذلك الكوكب عند القران في قوته و مزاجه فتعرف موافقته له في الطبيعة أو ينقص عنها فتعرف مضادته. ثم إذا عرفنا قواها مفردة عرفناها مركبة و ذلك عند تناظرها بأشكال التثليث و التربيع و غيرهما و معرفة ذلك من قبل طبائع البروج بالقياس أيضا إلى النير الأعظم. و إذا عرفنا قوى الكواكب كلها فهي مؤثرة في الهواء و ذلك ظاهر. و المزاج الذي يحصل منها للهواء يحصل لما تحته من المولدات و تتخلق به النطف و البزر فتصير حالا للبدن المتكون عنها و للنفس المتعلقة به الفائضة عليه المكتسبة لما لها منه و لما يتبع النفس و البدن من الأحوال لأن كيفيات البزرة و النطفة كيفيات لما يتولد عنهما و ينشأ منهما. قال: و هو مع ذلك ظني و ليس من اليقين في شيء و ليس هو أيضا من القضاء الإلهي يعني القدر إنما هو من جملة الأسباب الطبيعية للكائن و القضاء الإلهي سابق على كل شيء. هذا محصل كلام بطليمس و أصحابه و هو منصوص في كتابه الأربع و غيره. و منه يتبين ضعف مدرك هذه الصناعة و ذلك أن العلم الكائن أو الظن به إنما يحصل عن العلم بجملة أسبابه من الفاعل و القابل و الصورة و الغاية على ما يتبين في موضعه. و القوى النجومية على ما قرروه إنما هي فاعلة فقط و الجزء العنصري هو القابل ثم إن القوى النجومية ليست هي الفاعل بجملتها بل هناك قوى أخرى فاعلة معها في الجزء المادي مثل قوة التوليد للأب و النوع التي في النطفة و قوى الخاصة التي تميز بها صنف من النوع و غير ذلك. فالقوى النجومية إذا حصل كمالها و حصل العلم فيها إنما هي فاعل واحد من جملة الأسباب الفاعلة للكائن. ثم إنة يشترط مع العلم بقوى النجوم و تأثيراتها مزيد حدس و تخمين و حينئذ يحصل عنده الظن بوقوع الكائن. و الحدس و التخمين قوى للناظر في فكره و ليس من علل الكائن و لا من أصول الصناعة فإذا فقد هذا الحدس و التخمين رجعت أدراجها عن الظن إلى الشك. هذا إذا حصل العلم بالقوى النجومية على سداده و لم تعترضه آفة و هذا معوز لما فيه من معرفة حسبانات الكواكب في سيرها لتتعرف به أوضاعها و لما أن اختصاص كل كوكب بقوة لا دليل عليه. و مدرك بطليمس في إثبات القوى للكواكب الخمسة بقياسها إلى الشمس مدرك ضعيف لأن قوة الشمس غالبه لجميع القوى من الكواكب و مستولية عليها فقل أن يشعر بالزيادة فيها أو النقصان منها عند المقارنة كما قال و هذه كلها قادحة في تعريف الكائنات الواقعة في عالم العناصر بهذه الصناعة. ثم إن تأثير الكواكب فيما تحتها باطل إذ قد تبين في باب التوحيد أن لا فاعل إلا الله بطريق استدلالي كما رأيته و احتج له أهل علم الكلام بما هو غني في البيان من أن إسناد الأسباب إلى المسببات مجهول الكيفية و العقل منهم على ما يقضى به فيما يظهر بادئ الرأي من التأثير فلعل استنادها على غير صورة التأثير المتعارف. و القدرة الإلهية رابطة بنهما كما ربطت جميع الكائنات علوا و سفلا سيما و الشرع يرد الحوادث كلها إلى قدرة الله تعالى و يبرأ مما سوى ذلك. و النبؤات أيضا منكرة لشأن النجوم و تأثيراتها. و استقراء الشرعيات شاهد بذلك في مثل قوله إن الشمس و القمر لا يخسفان لموت أحد و لا لحياته و في قوله أصبح من عبادي مؤمن بي و كافر بي. فأما من قال مطرنا بفضل الله و رحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب و أما من قال مطرنا بنوء كذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب الحديث الصحيح. فقد بان لك بطلان هذه الصناعة من طريق الشرع و ضعف مداركها مع ذلك من طريق العقل مع ما لها من المضار في العمران الإنساني بما تبعث من عقائد العوام من الفساد إذا اتفق الصدق من أحكامها في بعض الأحايين أتفاقا لا يرجع إلى تعليل و لا تحقيق فيلهج بذلك من لا معرفة له و يظن اطراد الصدق في سائر أحكامها و ليس كذلك. فيقع في رد الأشياء إلى غير خالقها. ثم ما ينشأ عنها كثيرا في الدول من توقع القواطع و ما يبعث عليه ذلك التوقع من تطاول الأعداء و المتربصين بالدولة إلى الفتك و الثورة. و قد شاهدنا من ذلك كثيرا فينبغي أن تحظر هذه الصناعة على جميع أهل العمران لما ينشأ عنها من المضار في الدين و الدول، و لا يقدح في ذلك كون وجودها طبيعيا للبشر بمقتضى مداركهم و علومهم. فالخير و الشر طبيعتان موجودتان في العالم لا يمكن نزعهما و إنما يتعلق التكليف بأسباب حصولهما فيتعين السعي في اكتساب الخير بأسبابه و دفع أسباب الشر و المضار. هذا هو الواجب على من عرف مفاسد هذا العلم و مضاره. و ليعلم من ذلك أنها و إن كانت صحيحة في نفسها فلا يمكن أحدا من أهل الملة تحصيل علمها و لا ملكتها بل إن نظر فيها ناظر و ظن الإحاطة بها فهو في غاية القصور في نفس الأمر. فإن الشريعة لما حظرت النظر فيها فقد الاجتماع من أهل العمران لقراءتها و التحليق لتعليمها و صار المولع بها من الناس و هم الأقل و أقل من الأقل إنما يطالع كتبها و مقالاتها في كسر بيته متسترا عن الناس و تحت ربقة الجمهور مع تشغب الصناعة و كثرة فروعها و اعتياصها على الفهم فكيف يحصل منها على طائل ؟ و نحن نجد الفقه الذي عم نفعه دينا و دنيا و سهلت مآخذه من الكتاب و السنة و عكف الجمهور على قراءته و تعليمه ثم بعد التحقيق و التجميع و طول المدارسة و كثرة المجالس و تعدها إنما يحذق فيه الواحد بعد الواحد في الأعصار و الأجيال. فكيف يعلم مهجور للشريعة مضروب دونه سد الخطر و التحريم مكتوم عن الجمهور صعب المآخذ محتاج بعد الممارسة و التحصيل لأصوله و فروعه إلى مزيد حدس و تخمين يكتنفان به من الناظر فأين التحصيل و الحذق فيه مع هذه كلها. و مدعى ذلك من الناس مردود على عقبه و لا شاهد له يقوم بذلك لغرابة الفن بين أهل الملة و قلة حملته فاعتبر ذلك يتبين لك صحة ما ذهبنا إليه. و الله أعلم بالغيب فلا يظهر على غيبه أحدا. و مما وقع في هذا المعنى لبعض أصحابنا من أهل العصر عندما غلب العرب عساكر السلطان أبي الحسن و حاصروه بالقيروان و كثر إرجاف الفريقين الأولياء و الأعداء و قال في ذلك أبو القاسم الروحي من شعراء أهل تونس:
أستغفر الله كل حين قد ذهب العيش و الهناء
أصبح في تونس و أمسي و الصبح لله و المساء
الخوف و الجوع و المنايا يحدثها الهرج و الوباء
و الناس في مرية و حرب و ما عسى ينفع المراء
فأحمدي يرى عليا حل به الهلك و التواء
و آخر قال سوف يأتي به إليكم صبا رخاء
و الله من فوق ذا و هذا يقضي لعيديه ما يشاء
يا راصد الخنس الجواري ما فعلت هذه السماء
مطلتمونا و قد زعمتم أنكم اليوم أملياء
مر خميس على خميس و جاء سبت و أربعاء
و نصف شهر و عشر ثان و ثالث ضمه القضاء
و لا نرى غير زور قول أذاك جهل أم ازدراء
إنا إلى الله قد علمنا أن ليس يستدفع القضاء
رضيت بالله لي إلها حسبكم البدر أو ذكاء
ما هذه الأنجم السواري إلا عباديد أو إماء
يقضى عليها و ليس تقضي و ما لها في الورى اقتضاء
ضلت عقول ترى قديما ما شأنه الجرم و الفناء
و حكمت في الوجود طبعا يحدثه الماء و الهواء
لم تر حلوا إزاء مر تغذوهم تربة و ماء
الله ربي و لست أدري ما الجوهر الفرد و الخلاء
و لا الهيولى التي تنادي ما لي عن صورة عراء
و لا وجود و لا انعدام و لا ثبوت و لا انتفاء
و الكسب لم أدر فيه إلا ما *** البيع و الشراء
و إنما مذهبي و ديني ما كان للناس أولياء
إذ لا فصول و لا أصول و لا جدال و لا رياء
ما تبع الصدر و اقتفينا يا حبذا كان الاقتفاء
كانوا كما يعلمون منهم و لم يكن ذلك الهذاء
يا أشعري الزمان إني أشعرني الصيف و الشتاء
لم أجز بالشر غير شر و الخير عن مثله جزاء
و إنني إن أكن مطيعا فلست أعصى و لي رجاء
و إنني تحت حكم بار أطاعه العرش و الثراء
ليس انتصار بكم و لكن أتاحه الحكم و القضاء
لو حدث الأشعري عمن له إلى رأيه انتماء
لقال أخبرهم بأني مما يقولونه براء


الفصل الثالث و الثلاثون: في انكار ثمرة الكيميا و استحالة وجودها و ما ينشأ من المفاسد عن انتحالها
اعلم أن كثيرا من العاجزين عن معاشهم تحملهم المطامع على انتحال هذه الصنائع و يرون أنها أحد مذاهب المعاش و وجوهه و أن اقتناء المال منها أيسر و أسهل على مبتغيه فيرتكبون فيها من المتاعب و المشاق و معاناة الصعاب و عسف الحكام و خساره الأموال في النفقات زيادة على النيل من غرضه و العطب آخرا إذا ظهر على خيبة و هم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. و إنما أطمعهم في ذلك رؤية أن المعادن تستحيل و ينقلب بعضها إلى بعض للمادة المشتركة فيحاولون بالعلاج صيرورة الفضة ذهبا و النحاس و القصدير فضة و يحسبون أنها من ممكنات عالم الطبيعة و لهم في علاج ذلك طرق مختلفة لاختلاف مذاهبهم في التدبير و صورته و في المادة الموضوعة عندهم للعلاج المساة عندهم بالحجر المكرم هل هي العذرة أو الدم أو الشعر أو البيض أو كذا أو كذا مما سوى ذلك. و جملة التدبير عندهم بعد تعين المادة أن تمهى بالفهر على حجر صلد أملس و تسقى أثناء إمهائها بالماء و بعد أن يضاف إليها من العقاقير و الأدوية ما يناسب القصد منها و يوثر في انقلابها إلى المعدن المطلوب. ثم تجفف بالشمس من بعد السقي أو تطبخ بالنار أو تصعد أو تكلس لاستخراج مائها أو ترابها فإذا رضي بذلك كله من علاجها و تم تدبيره على ما اقتضته أصول صنعته حصل من ذلك كله تراب أو مائع يسمونه الإكسير و يزعمون أنه إذا ألقى على الفضة المحماة بالنار عادت ذهبا أو النحاس المحمى بالنار عاد فضة على ما قصد به في عمله. و يزعم المحققون منهم أن ذلك الإكسير مادة مركبة من العناصر الأربعة حصل فيها بذلك العلاج الخاص و التدبير مزاج ذو قوى طبيعية تصرف ما حصلت فيه إليها و تقلبه إلى صورتها و مزاجها و تبث فيه ما حصل فيها من الكيفيات و القوى كالخميرة للخبز تقلب العجين إلى ذاتها و تعمل فيه ما حصل لها من الانفشاش و الهشاشة ليحسن هضمة في المعدة و يستحيل سريعا إلى الغذاء. و كذا إكسير الذهب و الفضة فيما يحصل فيه من المعادن يصرفه إليهما و يقلبه إلى صورتهما. هذا محصل زعمهم على الجملة فتجدهم عاكفين على هذا العلاج يبتغون الرزق و المعاش فيه و يتناقلون أحكامه و قواعده من كتب لأئمة الصناعة من قبلهم يتداولونها بينهم و يتناظرون في فهم لغوزها و كشف أسرارها إذ هي في الأكثر تشبه المعمى. كتآليف جابر بن حيان في رسائله السبعين و مسلمة المجريطي في كتابه رتبة الحكيم و الطغرائي و المغيربي في قصائده العريقة في إجادة النظم و أمثالها و لا يحلون من بعد هذا كله بطائل منها. ففاوضت يوما شيخنا أبا البركات التلفيفي كبير مشيخة الأندلس في مثل ذلك و وقفته على بعض التآليف فيها فتصفحه طويلا ثم رده إلي و قال لي و أنا الضامن له أن لا يعود إلى بيته إلا بالخيبة. ثم منهم من يقتصر في ذلك على الدلسة فقط. إما الظاهرة كتمويه الفضة بالذهب أو النحاس بالفضة أو خلطهما على نسبة جزء أو جزءين أو ثلاثة أو الخفية كإلقاء الشبه بين المعادن بالصناعة مثل تبييض النحاس و تلبيسه بالزوق المصعد فيجيء جسما معدنيا شبيها بالفضة و يخفى إلا على النقاد المهرة فيقدر أصحاب هذه الدلس مع دلستهم هذه سكة يسربونها في الناس و يطبعونها بطابع السلطان تمويها على الجمهور بالخلاص. و هؤلاء أخس الناس حرفة و أسوأهم عاقبة لتلبسهم بسرقة أموال الناس فإن صاحب هذه الدلسة إنما هو يدفع نحاسا في الفضة و فضة في الذهب ليستخلصها لنفسه فهو سارق أو شر من السارق. و معظم هذا الصنف لدينا بالمغرب من طلبة البربر المنتبذين بأطراف البقاع و مساكن الأغمار يأوون إلى مساجد البادية و يموهون على الأغنياء منهم بأن بأيديهم صناعة الذهب و الفضة و النفوس مولعة بحبهما و الاستهلاك في طلبهما فيحصلون من ذلك على معاش. ثم يبقى ذلك عندهم تحت الخوف و الرقبة إلى أن يظهر العجز و تقع الفضيحة فيفرون إلى موضع آخر و يستجدون حالا أخرى في استهواء بعض أهل الدنيا بأطماعهم فيما لديهم. و لا يزالون كذلك في ابتغاء معاشهم و هذا الصنف لا كلام معهم لأنهم بلغوا الغاية في الجهل و الرداءة و الاحتراف بالسرقة و لا حاسم لعلتهم إلا اشتداد الحكام عليهم و تناولهم من حيث كانوا و قطع أيديهم متى ظهروا على شأنهم لأن فيه إفسادا للسكة التي تعم بها البلوى و هي متمول الناس كافة. و السلطان مكلف بإصلاحها و الاحتياط عليها و الاشتداد على مفسديها. و أما من انتحل هذه الصناعة ولم يرض بحال الدلسة بل استنكف عنها و نزه نفسه عن إفساد سكة المسلمين و نقودهم و إنما يطلب إحالة الفضة للذهب و الرصاص و النحاس و القصدير إلى الفضة بذلك النحو من العلاج و بالإكسير الحاصل عنده فلنا مع هؤلاء متكلم و بحث في مداركهم لذلك. مع أنا لا نعلم أن أحدا من أهل العالم تم له هذا الغرض أو حصل منه على بغية إنما تذهب أعمارهم في التدبير و الفهر و الصلابة و التصعيد و التكليس و اعتيام الأخطار بجمع العقاقير و البحث عنها. و يتناقلون في ذلك حكايات و تمت لغيرهم ممن تم له الغرض منها أو وقف على الوصول يقنعون باستماعها و المفاوضات فيها و لا يستريبون في تصديقها شأن الكلفين المغرمين بوساوس الأخبار فيما يكلفون به فإذا سئلوا عن تحقيق ذلك بالمعاينة أنكروه و قالوا إنما سمعنا و لم نر. هكذا شأنهم في كل عصر و جيل و اعلم أن انتحال هذه الصنعة قديم في العالم و قد تكلم الناس فيها من المتقدمين و المتأخرين فلننقل مذاهبهم في ذلك ثم نتلوه بما يظهر فيها من التحقيق الذي عليه الأمر في نفسه فنقول إن مبنى الكلام في هذه الصناعة عند الحكماء على حال المعادن السبعة المتطرقة و هي الذهب و الفضة و الرصاص و القصدير و النحاس و الحديد والخارصين هل هي مختلفات بالفصول و كلها أنواع قائمة بأنفسها أو إنها مختلفة بخواص من الكيفيات و هي كلها أصناف لنوع واحد ؟ فالذي ذهب إليه أبو البصر الفارابي و تابعه عليه حكماء الأندلس أنها نوع واحد و أن اختلافها إنما هو بالكيفيات من الرطوبة و اليبوسة و اللين و الصلابة و الألوان من الصفرة و البياض والسواد و هي كلها أصناف لذلك النوع الواحد و الذي ذهب إليه ابن سينا و تابعه عليه حكماء المشرق أنها مختلفة بالفصول و أنها أنواع متباينة كل واحد منها قائم بنفسه متحقق بحقيقته له فصل و جنس شأن سائر الأنواع. و بنى أبو نصر الفارابي على مذهبه في اتفاقها بالنوع إمكان انقلاب بعضها إلى بعض لإمكان تبدل الأغراض حينئذ و علاجها بالصنعة. فمن هذا الوجه كانت صناعة الكيمياء عنده ممكنة سهلة المأخذ. و بنى أبو علي بن سينا على مذهبه في اختلافها بالنوع إنكار هذه الصنعة و استحالة وجودها بناء على أن الفصل لا سبيل بالصناعة إليه و إنما يخلقه خالق الأشياء و مقدرها و هو الله عز و جل. و الفصول مجهولة الحقائق رأسا بالتصوف فكيف يحاول انقلابها بالصنعة. و غلطه الطغرائي من أكابر أهل هذه الصناعة في هذا القول. و رد عليه بأن التدبير و العلاج ليس في تخليق الفصل و إبداعه و إنما هو في إعداد المادة لقبوله خاصة. و الفصل يأتي من بعد الإعداد من لدن خالقه و بارئه كما يفيض النور على الأجسام بالصقل و الإمهاء. و لا حاجة بنا في ذلك إلى تصوره و معرفته قال: و إذا كنا قد عثرنا على تخليق بعض الحيوانات مع الجهل بفصولها مثل العقرب من التراب و النتن و مثل الحيات المتكونة من الشعر و مثل ما ذكره أصحاب الفلاحة من تكوين النحل إذا فقدت من عجاجيل البقر. و تكوين القصب من قرون ذوات الظلف و تصييره سكرا بحشو القرون بالعسل بين يدي ذلك الفلح للقرون فما المانع إذا من العثور على مثل ذلك في الذهب و الفضة. فتتخذ مادة تضيفها للتدبير بعد أن يكون فيها استعداد أول لقبول صورة الذهب و الفضة. ثم تحاولها بالعلاج إلى أن يتم فيها الاستعداد لقبول فصلها. انتهى كلام الطغرائي بمعناه. و هو الذي ذكرة في الرد على ابن سينا صحيح. لكن لنا في الرد على أهل هذه الصناعة مأخذا آخر يتبين منه استحالة وجودها و بطلان مزعمهم أجمعين لا الطغرائي و لا ابن سينا. و ذلك أن حاصل علاجهم أنهم بعد الوقوف على المادة المستعدة بالاستعداد الأول يجعلونها موضوعا و يحاذون في تدبيرها و علاجها تدبير الطبيعة في الجسم المعدني حتى أحالته ذهبا أو فضة و يضاعفون القوى الفاعلة و المنفعلة ليتم في زمان أقصر. لأنة تبين في موضوعه أن مضاعفة قوة الفاعل تنقص من زمن فعله و تبين أن الذهب إنما يتم كونه في معدنه بعد ألف و ثمانين من السنين دورة الشمس الكبرى فإذا تضاعفت القوى و الكيفيات في العلاج كان زمن كونه أقصر من ذلك ضرورة على ما قلناه أو يتحرون بعلاجهم ذلك حصول صورة مزاجية لتلك المادة تصيرها كالخميرة فتفعل في الجسم المعالج الأفاعيل المطلوبة في إحالته و ذلك هو الإكسير على ما تقدم. و اعلم أن كل متكون من المولدات العنصرية فلابد فيه من اجتماع العناصر الأربعة على نسبة متفاوتة إذ لو كانت متكافئة في النسبة لما تم امتزاجها فلابد من الجزء الغالب على الكل. و لابد في كل ممتزج من المولدات من حرارة غريزية هي الفاعلة لكونها الحافظة لصورته، ثم كل متكون في زمان فلابد من اختلاف أطواره و انتقاله في زمن التكوين من طور إلى طور حتى ينتهي إلى غايته. و انظر شأن الإنسان في طور النطفة ثم العلقة ثم المضغة ثم التصوير ثم الجنين ثم المولود ثم الرضيع ثم إلى نهايته. و نسب الأجزاء في كل طور تختلف في مقاديرها و كيفياتها و إلا لكان الطور الأول بعينه هو الآخر و كذا الحرارة الغريزية في كل طور مخالفة لها في الطور الآخر. فانظر إلى الذهب ما يكون له في معدنه من الأطوار منذ ألف سنة و ثمانين و ما ينتقل فيه من الأحوال فيحتاج صاحب الكيمياء إلى أن يساوق فعل الطبيعة في المعدن و يحاذيه بتدبيره و علاجه إلى أن يتم. و من شرط الصناعة أبدا تصورها يقصد إليه بالصنعة فمن الأمثال السائرة للحكماء أول العمل آخر الفكرة و آخر الفكرة أول العمل. فلابد من تصور هذه الحالات للذهب في أحواله المتعددة و نسبها المتفاوتة في كل طور و اختلاف الحار الغريزي عند اختلافها و مقدار الزمان في كل طور و ما ينوب عنه من مقدار القوى المضاعفة و يقوم مقامه حتى يحاذي بذلك كله فعل الطبيعة في المعدن أو تعد لبعض المواد صورة مزاجية كصورة الخميرة للخبز و تفعل في هذه المادة بالمناسبة لقواها و مقاديرها. و هذه المادة إنما يحصرها العلم المحيط والعلوم البشرية قاصرة عن ذلك و إنما حال من يدعي حصوله على الذهب بهذه الصنعة. بمثابة من يدعي بالصنعة تخليق إنسان من المني. و نحن إذا سلمنا له الإحاطة بأجزائه و نسبته و أطواره و كيفية تخليقه في رحمه و علم ذلك علما محصلا بتفاصيله حتى لا يشذ منه شيء عن علمه سلمنا له تحليق هذا الإنسان وأنى له ذلك. و لنقرب هذا البرهان بالاختصار ليسهل فهمه فنقول حاصل صناعة الكيمياء و ما يدعونه بهذا التدبير أنه مساوقة الطبيعية المعدنية بالفعل الصناعي و محاذاتها به إلى أن يتم كون الجسم المعدني أو تخليق مادة بقوى و أفعال و صورة مزاجية تفعل في الجسم فعلا طبيعيا فتصيره و تقلبه إلى صورتها. و الفعل الصناعي مسبوق بتصورات أحوال الطبيعة المعدنية التي يقصد مساوقتها أو محاذاتها أو فعل المادة ذات القوى فيها تصورا مفصلا واحدة بعد أخرى. و تلك الأحوال لا نهاية لها و العلم البشري عاجز عن الإحاطة بما دونها و هو بمثابة من يقصد تخليق إنسان أو حيوان أو نبات. هذا محصل هذا البرهان و هو أوثق ما علمته و ليست الاستحالة فيه من جهة الفصول كما رأيته و لا من الطبيعة إنما هو من تعذر الإحاطة و قصور البشر عنها. و ما ذكره ابن سينا بمعزل عن ذلك و له وجه آخر في الاستحالة من جهة غايته. و ذلك أن حكمة الله في الحجرين و ندورهما أنهما قيم لمكاسب الناس و متمولاتهم. فلو حصل عليهما بالصنعة لبطلت حكمة الله في ذلك و كثر وجودهما حتى لا يحصل أحد من اقتنائهما على شيء. و له وجه آخر من الاستحالة أيضا و هو أن الطبيعة لا تترك أقرب الطريق في أفعالها و ترتكب الأعوص و الأبعد. فلو كان هذا الطريق الصناعي الذي يزعمون أنه صحيح و أنه أقرب من طريق الطبيعة في معدنها أو أقل زمانا لما تركته الطبيعة إلى طريقها الذي سلكته في كون الفضة و الذهب و تخلقهما و أما تشبيه الطغراءي هذا التدبير بما عثر عليه من مفردات لأمثاله في الطبيعة كالعقرب و النحل و الحية وتخليقها فأمر صحيح في هذه أدى إليه العثور كما زعم. و أما الكيمياء فلم تنقل عن أحد من أهل العالم أنه عثر عليها و لا على طريقها و ما زال منتحلوها يخبطون فيها عشواء إلى هلم جرا و لا يظفرون إلا بالحكايات الكاذبة. و لو صح ذلك لأحد منهم لحفظه عنه أولاده أو تلميذه و أصحابه و تنوقل في الأصدقاء و ضمن تصديقه صحة العمل بعده إلى أن ينتشر و يبلغ إلينا و إلى غيرنا. و أما قولهم إن الإكسير بمثابة الخميرة. و إنه مركب يحيل ما يحصل فيه و يقلبه إلى ذلك فاعلم أن الخميرة إنما تقلب العجين و تعده للهضم و هو فساد و الفساد في المواد سهل يقع بأيسر شيء من الأفعال و الطبائع. و المطلوب بالإكسير قلب المعدن إلى ما هو أشرف منه و أعلى فهو تكوين و صلاح و التكوين أصعب من الفساد فلا يقاس الإكسير بالخميرة. و تحقيق الأمر في ذلك أن الكيمياء إن صح وجودها كما تزعم الحكماء المتكلمون فيها مثل جابر بن حيان و مسلمة بن أحمد المجريطي و أمثالهم فليست من باب الصنائع الطبيعية و لا تتم بأمر صناعي. و ليس كلامهم فيها من منحى الطبيعيات إنما هو من منحى كلامهم في الأمور *****ية و سائر الخوارق و ما كان من ذلك للحلاج و غيره و قد ذكر مسلمة في كتاب الغاية ما يشبة ذلك. و كلامه فيها في كتاب رتبة الحكيم من هذا المنحى و هذا كلام جابر في رسائله و نحو كلامهم فيه معروف و لا حاجة بنا إلى شرحه و بالجملة فأمرها عندهم من كليات المواد الخارجة عن حكم الصنائع فكما لا يتدبر ما منه الخشب و الحيوان في يوم أو شهر خشبا أو حيوانا فيما عدا مجرى تخليقه كذلك لا يتدبر ذهب من مادة الذهب في يوم و لا شهر و لا يتغير طريق عادته إلا بإرفاد ما وراء عالم الطبائع و عمل الصنائع فكذلك من طلب الكيمياء طلبا صناعيا ضيع ماله و عمله و يقال لهذا التدبير الصناعي التدبير العقيم لأن نيله إن كان صحيحا فهو واقع مما وراء الطبائع و الصنائع كالمشي على الماء و امتطاء الهواء و النفوذ في كشائف الأجساد و نحو ذلك من كرامات الأولياء الخارقة للعادة أو مثل تخليق الطير و نحوها من معجزات الأنبياء. قال تعالى: وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني و على ذلك فسبيل تيسيرها مختلف بحسب حال من يؤتاها. فربما أوتيها الصالح و يؤتيها غيره فتكون عنده معارة. و ربما أوتيها الصالح و لا يملك إيتاءها فلا تتم في يد غيره. و من هذا الباب يكون عملها سحريا فقد تبين أنها إنما تقع بتأثيرات النفوس و خوارق العادة إما معجزة أو كرامة أو سحرا. و لهذا كان كلام الحكماء كلهم فيها إلغازا لا يظفر بحقيقته إلا من خاض لجة من علم ***** و اطلع على تصرفات النفس في عالم الطبيعة. و أمور خرق العادة غير منحصرة و لا يقصد أحد إلى تحصيلها. و الله بما يعملون محيط. و أكثر ما يحمل على التماس هذه الصناعة و انتحالها هو كما قلناه العجز عن الطرق الطبيعية للمعاش و ابتغاؤه من غير وجوهه الطبيعية كالفلاحة و التجارة و الصناعة فيصعب العاجز ابتغاءه من هذه و يروم الحصول على الكثير من المال دفعة بوجوه غير طبيعية من الكيمياء و غيرها. و أكثر من يعني بذلك الفقراء من أهل العمران حتى في الحكماء المتكلمين في إنكارها و استحالتها. فإن ابن سينا القائل باستحالتها كان عليه الوزراء فكان من أهل الغنى و الثروة و الفارابي القائل بإمكانها كان من أهل الفقر الذين يعوزهم أدنى بلغة من المعاش و أسبابه. و هذه تهمة ظاهرة في أنظار النفوس المولعة بطرقها و انتحالها. و الله الرازق ذو القوة المتين لا رب سواه.

الفصل الرابع و الثلاثون: في أن كثرة التآليف في العلوم عائقة عن التحصيل
اعلم أنه مما أضر بالناس في تحصيل العلم و الوقوف على غاياته كثرة التآليف و اختلاف الاصطلاحات في التعاليم و تعد طرقها ثم مطالبة المتعلم و التلميذ باستحضار ذلك. و حينئذ يسلم له منصب التحصيل فيحتاج المتعلم إلى حفظها كلها أو أكثرها و مراعاة طرقها. و لا يفي عمره بما كتب في صناعة واحدة إذا تجرد لها فيقع القصور و لابد دون رتبة التحصيل. و يمثل ذلك من شأن الفقه في المذهب المالكي بالكتب المدونة مثلا و ما كتب عليها من الشروحات الفقهية مثل كتاب ابن يونس و اللخمي و ابن بشير و التنبيهات و المقدمات و البيان و التحصيل على العتبية و كذلك كتاب ابن الحاجب و ما كتب عليه. ثم إنه يحتاج إلى تمييز الطريقة القيروانية من القرطبية و البغدادية و المصرية و طرق المتأخرين عنهم و الإحاطة بذلك كله و حينئذ يسلم له منصب الفتيا و هي كلها متكررة والمعنى واحد. و المتعلم مطالب باستحضار جميعها و تمييز ما بينها والعمر ينقضي في واحد منها. و لو اقتصر المعلمون بالمتعلمين على المسائل المذهبية فقط لكان الأمر دون ذلك بكثير و كان التعليم سهلا و مأخذه قريبا و لكنه داء لا يرتفع لاستقرار العوائد عليه فصارت كالطبيعة التي لا يمكن نقلها و لا تحويلها و يمثل أيضا علم العربية من كتاب سيبويه و جميع ما كتب عليه و طرق البصريين و الكوفيين و البغداديين و الأندلسيين من بعدهم و طرق المتقدمين و المتأخرين مثل ابن الحاجب و ابن مالك و جميع ما كتب في ذلك كيف يطالب به المتعلم و ينقضي عمره دونه و لا يطمع أحد في الغاية منه إلا في القليل النادر مثل ما وصل إلينا بالمغرب لهذا العهد من تآليف رجل من أهل صناعة العربية من أهل مصر يعرف بابن هاشم ظهر من كلامه فيها أنه استولى على غاية من ملكة تلك الصناعة لم تحصل إلا لسييبويه و ابن جني و أهل طبقتهما لعظيم ملكته و ما أحاط به من أمصول ذلك الفن و تفاريعه و حسن تصرفه فيه. و ذلك على أن الفضل ليس منحصرا في المتقدمين سيما مع ما قدمناه من كثرة الشواغب بتعدد المذاهب و الطرق و التآليف و لكن فضل الله يؤتيه من يشاء. و هذا نادر من نوادر الوجود و إلا فالظاهر أن المتعلم و لو قطع عمره في هذا كله فلا يفي له بتحصيل علم العربية مثلا الذي هو آلة من الآلات و وسيلة فكيف يكون في المقصود الذي هو الثمرة ؟ و لكن الله يهدي من يشاء.

الفصل الخامس و الثلاثون: في المقاصد التي ينبغي اعتمادها بالتأليف و إلغاء ما سواها
اعلم أن العلوم البشرية خزانتها النفس الإنسانية بما جعل الله فيها من الإدراك الذي يفيدها ذلك الفكر المحصل لها ذلك بالتصور للحقائق أولا، ثم بإثبات العوارض الذاتية لها أو نفيها عنها ثانيا، إما بغير وسط أو بوسط، حتى يستنتج الفكر بذلك مطالبه التي يعنى بإثباتها أو نفيها. فإذا استقرت من ذلك صورة علمية في الضمير فلابد من بيانها لآخر: إما على وجه التعليم، أو على وجه المفاوضة، تصقل الأفكار في تصحيحها. و ذلك البيان إنما يكون بالعبارة، و هي الكلام المركب من الألفاظ النطقية التى خلقها الله في عضو اللسان مركبة من الحروف، و هي كيفيات الأصوات المقطعة بعضلة اللهاة و اللسان ليتبين بها ضمائر المتكلمين بعضهم لبعض في مخاطباتهم و هذه رتبة أولى في البيان عما في الضمائر، و إن كان معظمها و أشرفها العلوم، فهي شاملة لكل ما يندرج في الضمير من خبر أو إنشاء على العموم. و بعد هذه الرتبة الأولى من البيان رتبة ثانية لا يؤدى بها ما في الضمير، لمن توارى أو غاب شخصه و بعد، أو لمن يأتي بعد و لم يعاصره و لا لقيه. و هذا البيان منحصر في الكتابة، و هي رقوم باليد تدل أشكالها و صورها بالتواضع على الألفاظ النطقية حروفا بحروف و كلمات بكلمات، فصار البيان فيها على ما في الضمير بواسطة الكلام المنطقي، فلهذا كانت في الرتبة الثانية واحدا، فسمي هذا البيان. يدل على ما في الضمائر من العلوم و المعارف، فهو أشرفها. و أهل الفنون معتنون يإيداع ما يحصل في ضمائرهم من ذلك في بطون الأوراق بهذه الكتابة، لتعلم الفائدة في حصوله للغائب و المتأخر و هؤلاء هم المؤلفون. و التآليف بين العوالم البشرية و الأمم الإنسانية كثير، و منتقلة في الأجيال و الأعصار و تختلف باختلاف الشرائع و الملل و الأخبار عن الأمم و الدول. و أما العلوم الفلسفية، فلا اختلاف فيها، لأنها إنما تأتي على نهج واحد، فيما تقتضيه الطبيعة الفكرية، في تصور الموجودات على ما هي عليه، جسمانيها و روحانيها و فلكيها و عنصريها و مجردها و مادتها. فإن هذه العلوم لا تختلف، و إنما يقع الاختلاف في العلوم الشرعية لاختلاف الملل، أو التاريخية لاختلاف خارج الخبر. ثم الكتابة مختلفة باصطلاحات البشر في رسومها و أشكالها، و يسمى ذلك قلما و خطا. فمنها الخط الحميري، و يسمى المسند، و هو كتابة حمير و أهل اليمن الأقدمين، و هو يخالف كتابة العرب المتأخرين من مضر، كما يخالف لغتهم. و إن الكل عربيا. إلا أن ملكة هؤلاء في اللسان و العبارة غير ملكة أولئك. و لكل منهما قوانين كلية مستقرأة من عبارتهم غير قوانين الآخرين. و ربما يغلط في ذلك من لا يعرف ملكات العبارة. و منها الخط السرياني، و هو كتابة النبط و الكلدانيين. و ربما يزعم بعض أهل الجهل أنه الخط الطبيعي لقدمه فإنهم كانوا أقدم الأمم، و هذا وهم، و مذهب عامي. لأن الأفعال الاختيارية كلها ليس شيء منها بالطبع، و إنما هو يستمر بالقديم و المران حتى يصير ملكة راسخة، فيظنها المشاهد طبيعية كما هو رأي كثير من البلداء في اللغة العربية، فيقولون: العرب كانت تعرب بالطبع و تنطق بالطبع. و هذا وهم. و منها الخط العبراني الذي هو كتابة بني عابر بن شالح من بني إسرائيل و غيرهم. و منها الخط اللطيني، خط اللطينيين من الروم، و لهم أيضا لسان مختص بهم. و لكل أمة من الأمم اصطلاح في الكتاب يعزى إليها و يختص بها. مثل الترك و الفرنج و الهنود و غيرهم. و إنما وقعت العناية بالأقلام الثلاثة الأولى. أما السرياني فلقدمه كما ذكرنا، و أما العربي و العبري فلتنزل القرآن و التوراة بهما بلسانهما. و كان هذان الخطان بيانا لمتلوهما، فوقعت العناية بمنظومهما أولا و انبسطت قوانين لاطراد العبارة في تلك اللغة على أسلوبها لتفهم الشرائع التكليفية من ذلك الكلام الرباني. و أما اللطيني فكان الروم، و هم أهل ذلك اللسان، لما أخذوا بدين النصرانية، و هو كله من التوراة، كما سبق في أول الكتاب، ترجموا التوراة و كتب الأنبياء الإسرائيليين إلى لغتهم، ليقتنصوا منها الأحكام على أسهل الطرق. و صارت عنايتهم بلغتهم و كتابتهم آكد من سواها. و أما الخطوط الأخرى فلم تقع بها عناية، و إنما هي لكل أمة بحسب اصطلاحها. ثم إن الناس حصروا مقاصد التآليف التي ينبغي اعتمادها و إلغاء ما سواها، فعدوها سبعة:
أولها: استنباط العلم بموضوعه و تقسيم أبوابه و فصوله و تتبع مسائله، أو استنباط مسائل و مباحث تعرض للعالم المحقق و يحرص على إيصاله بغيره، لتعم المنفعة به فيودع ذلك بالكتاب في المصحف، لعل المتأخر يظهر على تلك الفائدة، كما وقع في الأصول في الفقه. تكلم الشافعى أولا في الأدلة الشرعية اللفظية و لخصها، ثم جاء الحنفية فاستنبطوا مسائل القياس و استوعبوها، و انتفع بذلك من بعدهم إلى الآن.
و ثانيها: أن يقف على كلام الأولين و تآليفهم فيجدها مستغلقة على الأفهام و يفتح الله له في فهمها فيحرص على إبانة ذلك لغيره ممن عساه يستغلق عليه، لتصل الفائدة لمستحقها. و هذه طريقة البيان لكتب المعقول و المنقول، و هو فصل شريق.
و ثالثها: أن يعثر المتأخر على غلط أو خطأ في كلام المتقدمين ممن اشتهر فضله و بعد في الإفادة صيتة، و يستوثق في ذلك بالبرهان الواضح الذي لا مدخل للشك فيه، فيحرص على إيصال ذلك لمن بعدة، إذ قد تعذر محوه و نزعه بانتشار التآليف في الأفاق و الأعصار، و شهرة المؤلف و وثوق الناس بمعارفه، فيودع ذلك الكتاب ليقف على بيان ذلك.
و رابعها: أن يكون الفن الواحد قد نقصت منه مسائل أو فصول بحسب انقسام موضوعه فيقصد المطلع على ذلك أن يتمم ما نقص من تلك المسائل ليكمل الفن بكمال مسائله و فصوله، و لا يبقى للنقص فيه مجال.
و خامسها: أن تكون مسائل العلم قد وقعت غير مرتبة في أبوابها و لا منتظمة، فيقصد المطلع على ذلك أن يرتبها و يهذبها، و يجعل كل مسئلة في بابها، كما وقع في المدونة من رواية سحنون عن ابن القاسم، و في العتبية من رواية العتبي عن أصحاب مالك، فإن مسائل كثيرة من أبواب الفقه منها قد وقعت في غير بابها فهذب ابن أبي زيد المدونة و بقيت العتبية غير مهذبة. فنجد في كل باب مسائل من غيره. و استغنوا بالمدونة و ما فعله ابن أبي زيد فيها و البرادعي من بعده.
و سادسها: أن تكون مسائل العلم مفرقة في أبوابها من علوم أخرى فيتنبه بعض الفضلاء إلى موضوع ذلك الفن و جميع مسائله، فيفعل ذلك، و يظهر به فن ينظمه في جملة العلوم التي ينتحلها البشر بأفكارهم، كما وقع في علم البيان. فإن عبد القاهر الجرجاني و أبا يوسف السكاكي وجدا مسائله مستقرية في كتب النحو و قد جمع منها الجاحظ في كتاب البيان و التبيين مسائل كثيرة، تنبه الناس فيها لموضوع ذلك العلم و انفراده عن سائر العلوم، فكتبت في ذلك تأليفهم المشهورة، و صارت أصولا لفن البيان، و لقنها المتأخرون فأربوا فيها على كل متقدم.
و سابعها: أن يكون الشيء من التآليف التي هي أمهات للفنون مطولا مسهبا فيقصد بالتآليف تلخيص ذلك، بالاختصار و الايجاز و حذف المتكرر، إن وقع، مع الحذر من حذف الضروري لئلا يخل بمقصد المؤلف الأول.
فهذه جماع المقاصد التي ينبغي اعتمادها بالتأليف و مراعاتها. و ما سوى ذلك ففعل غير محتاج إليه و خطأ عن الجادة التي يتعين سلوكها في نظر العقلاء، مثل انتحال ما تقدم لغيره من التآليف أن ينسبه إلى نفسه ببعض تلبيس، من تبديل الألفاظ و تقديم المتأخر و عكسه، أو يحذف ما يحتاج إليه في الفن أو يأتي بما لا يحتاج إليه، أو يبدل الصواب بالخطأ، أو يأتي بما لا فائدة فيه. فهذا شأن الجهل و القحة. و لذا قال أرسطو، لما عدد هذه المقاصد، و انتهى إلى آخرها فقال: و ما سوى ذلك ففصل أو شره، يعني بذلك الجهل و القحة. نعوذ بالله من العمل في ما لا ينبغي للعاقل سلوكه. و الله يهدي للتي هي أقوم.
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« حمل كتاب رسائل الأحزان في فلسفة الجمال والحب | حمل كتاب تفسير الأحلام لابن سيرين »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
حمل ادبية الخطاب النثري عند ابن خلدون مهند دراسات وبحوث أدبية ولغوية 2 01-25-2014 09:28 PM
منظور ابن خلدون في اكتساب اللغة العربية عبدالناصر محمود مقالات وتحليلات مختارة 0 05-17-2013 06:06 AM
آراء ابن خلدون عن طبائع العرب جدل واختلاف Eng.Jordan مقالات وتحليلات مختارة 0 12-11-2012 08:27 PM
أصول الأدب العربي عند ابن خلدون Eng.Jordan أخبار ومختارات أدبية 0 09-11-2012 11:56 AM
مقدمة مقدمة في علوم القران محمد خطاب شذرات إسلامية 0 01-12-2012 08:54 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 03:42 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68