تذكرني !

 





كتب ومراجع إلكترونية عرض وتحميل الكتب الإلكترونية ebooks

دراسات فـي الفكر الاستراتيجي والسياسي

موسى الزعبي مقدمة إن تسارع العولمة، والبحث عن الهوية الذي سببه هذا التسارع قاد المجتمعات للبحث عن توسطات سياسية واجتماعية وثقافية تكون قادرة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 11-03-2013, 10:16 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 17,441
افتراضي دراسات فـي الفكر الاستراتيجي والسياسي



موسى الزعبي


مقدمة


إن تسارع العولمة، والبحث عن الهوية الذي سببه هذا التسارع قاد المجتمعات للبحث عن توسطات سياسية واجتماعية وثقافية تكون قادرة على أن تأخذ على عاتقها تحقيق وجهة النظر هذه، إذ تبذل جهود من أجل تحرير ما يمكن أن نسميه هنا مجال الوعي بين الإطار الوطني أو القومي الضيق، والإطار العالمي الواسع جداً. ويبدو هذا السعي في نظر البعض مستحيلاً لحد ما، في الوقت الذي تجري فيه العولمة.
فقليلة هي العصور التي شهدت كعصرنا، وبالوتيرة نفسها، وبالتراكيب الوثيقة، هذا القدر الوفير من الثورات العلمية في مجالات التقانة والمعلوماتية، وما أثرت به على السياسة والفكر الاجتماعي، وقد ازدادت المعارف من كل نوع، مما أدى إلى إعادة النظر أيضاً في العلاقات الدولية، في المجالات المختلفة، العسكرية والاقتصادية إلى درجة أن جرت بعض المراجعات للممارسات في مختلف الميادين. وما كان بالأمس من اهتمامات الفلسفة أو حتى التاريخ أصبحت له انعكاسات جدية على الاقتصاد وعلم السياسة.
وتاريخياً، شكلت القارة الأوراسية (أوربا- آسيا) موطن القوة الدولية، منذ أن بدأت العلاقات الدولية بالامتداد على النطاق الكوني كله بالكامل، وذلك منذ حوالي خمسمائة عام سابقة. ووطدت شعوب المنطقة الأوراسية- خصوصاً الأوربية الغربية منها- هيمنتها على مجمل مواطئ الكرة الأرضية، وركزت عليها سيطرتها، وقد أعطى هذا التوسع، طبقاً لنماذج مختلفة، وأحقاب متنوعة، أوضاعاً متميزة إلى دول أوراسية مختلفة، وترافق ذلك مع رفعة شأن دولية.
ثم حدثت انزلاقات في التغيرات البنيوية في الشؤون الدولية، خلال عشر السنوات الأخيرة من القرن العشرين. إذ تصبح للمرة الأولى قوة خارجية عن القارة الأوراسية، ليس فقط كونها ارتفعت إلى مرتبة الحكَم في العلاقات الدولية الأوراسية، بل أيضاً القوة الشاملة المهيمنة الكونية. فقد أكمل انهيار الاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية، الصعود السريع للولايات المتحدة كقوة خارجية وبالتالي جعلها القوة الحقيقية الأولى الدولية اليوم.
لكن هذا لا يعني أن القارة الأوراسية قد فقدت شيئاً من أهميتها الجيوسياسية. إذ لا يزال جزء كبير من القوة الاقتصادية للكرة الأرضية يتمركز على محيطها الغربي، في أوربا. وفي الطرف الآخر، أصبحت آسيا- وفي وقت قصير- موطناً ديناميكياً للنمو الاقتصادي، أكثر فأكثر تأثيراً ونفوذاً سياسياً، وهنا يجري التساؤل عن الموقف الذي ستتخذه الولايات المتحدة، والذي ستلتزم به، بعد الآن، على النطاق الدولي، تجاه الشؤون الأوراسية المعقدة؟ وكيف يتم توقع ظهور قوة أوراسية منافسة للولايات المتحدة، بشكل خاص، تقف في وجه هيمنتها وتسلطها، وتعارض نهبها للعالم، مثلما هي حالها اليوم.
ويؤكد منظرو السياسة الخارجية الأمريكية على فكرة أن السيطرة على المعدات الجديدة للسلطة "التكنولوجيا، والمعلوماتية، والاتصالات، وأجهزة الاستعلام، وكذلك التجارة والمال"، جميعها أمور لازمة حتماً للاستمرار في الهيمنة. لهذا، يجب أن تأخذ السياسة الخارجية للولايات المتحدة، بالحساب، الأبعاد الجيوسياسية، وأن تستخدم كل نفوذها في الأوراسيا، لخلق توازن دائم في القارة، توازن تلعب فيه واشنطن دوراً أساسياً مهيمناً.
وستبقى أوراسيا من وجهة النظر الأمريكية، المسرح الذي يدور عليه الصراع بشأن الأولوية الدولية، لهذا فإنه من الضروري أن تتزود الولايات المتحدة بخط جيواستراتيجي من أجل المشاركة فيه، بعبارة أخرى، تحديد تنظيم استراتيجي لمصالحها الجيوسياسية.
ويرى بعض المهتمين بالشؤون الدولية، أن النظام الدولي الحالي، قد أصبح غير مستقر، فهو مشكل، في الواقع، من وحدات غير ثابتة، وجميعها في تطور، وتغير تحت أنظار العالم، ودون أن يعرف أحد إبراز قوانين له، وله القدرة على رسم المستقبل. ويدرك المشاهد الفطن، أن العلاقات الدولية، هي في الوقت الحاضر، في حالة من الفوضى الصاخبة، وتشكل جزيرات من عدم الاستقرار، لا بل محاولات الانفلات من هيمنة القطب الواحد، أخذت تبرز، وإن ببطء شديد. مع ذلك فإن المراقب اليقظ، يمكن أن يلحظ ذلك في جميع مجالات العلاقات الدولية على الرغم من محاولات السيطرة عليها، أو على الأقل إخفائها عن العلن مؤقتاً.
وكما بيَّنا في كتابنا هذا، تستهدف السياسة الخارجية للولايات المتحدة، بصورة رئيسة، تخليد هيمنة واشنطن، ودون منافس، منذ نهاية الحرب الباردة، ومنع ظهور منافسين جيواقتصاديين، على الأخص، في آسيا وفي أوربا الغربية، فهي إذن تمنع العالم الذي يمكن أن ينافسها، باستخدام كافة الوسائل، ولو بالقهر أو بطرق أخرى من تحقيق مصالحها. مع ذلك، فهذه السياسة محفوفة بالمخاطر، لأنها لا تلتزم بالشرائع الدولية، ولا ترى إلا من خلال مصالحها الجشعة.
ويعطي العديد من المحللين الأمريكيين تحليلات لافتة للنظر بخصوص مناطق المصالح الأمريكية الأساسية التي تساهم في تخليد هيمنة الولايات المتحدة على العالم. ويقومون بذلك دون الاهتمام بما يمكن أن يقوم به الزمن، من عنف وتغير، لا يحقق أحلام هؤلاء المحللين.
مع ذلك، ليس هنالك من أحد، من ذوي الخبرة الدولية، ممن يتابعون الأحداث الدولية، يشك في أن الولايات المتحدة أصبحت دولة متسلطة بشكل حاد، ويتحدث ساستها بصوت عالٍ، عن مصالح بلادهم، ويلوحون بقوانين وقرارات يفرضونها على العالم، وبتسويات بالقهر.
مما لا شك فيه، أن الولايات المتحدة، أصبحت القوة الدولية الأولى منذ عام 1991، وبهذا أصبحت تستحق اليوم لقب الامبراطورية الدولية، ويترافق هذا التعبير مع فكرة الهيمنة، التي تمارسها على الدول الأخرى، وبمقاييس القوة الاقتصادية والمالية والعسكرية، وبالتقدم التكنولوجي، وفي التفوق العسكري.
لقد توقف العالم ثنائي الأقطاب عن الوجود، على نحو فظ، وبطريقة غير منتظرة. وهنا أصبحت الساحة مُهيَّأة أمام استغلال الولايات المتحدة لتحقيق هيمتنها. وأخذت تلعب أدواراً لم يكن باستطاعتها القيام بها من قَبْل، مع وجود المنافسة السوفياتية، كما لم تحلم دولة أو مجموعة دول، الآن، منازعتها زعامتها وهيمنتها، بشكل جدي، وهكذا، أخذت أساطيلها البحرية والجوية وقواتها متعددة المهمات تصول وتجول في مختلف بقاع الكرة الأرضية.
إن معرفة الأبعاد الاستراتيجية القريبة والبعيدة للسياسة الأمريكية في الوطن العربي، لا بد من أن تتعدى الاستقراء الوصفي للأحداث، والتجديد الشكلي لحركة هذه السياسة نحو أهدافها، ذلك أن الخطر، لم يعد مقصوراً على قطر عربي دون آخر، أو حتى جيل بعينه من أجيال هذه الأمة، لكنه بات في الواقع يهدد جوهر مقومات الأمة العربية بقوة، في جميع أقطارها، وعلى مدى أجيالها المتعاقبة. لذا تأتي مسؤولية الباحثين العرب التي يفرضها عليهم الانتماء القومي، أن يتعرضوا بالبحث والتحليل العميقين، لجذور هذه السياسة وأغراضها، وذلك لبناء الوعي القومي الجماعي على مختلف المستويات للتصدي لهذه الأخطار، بل والانطلاق على نحو خلق استراتيجية عربية موحدة مضادة قادرة على وقف عملية تفتيت الأمة العربية، وتمزيق شعوبها إلى وحدات متصارعة، وأنظمة متنازعة ومتقاتلة، لأن القوة الاستراتيجية المعادية، تحتاج إلى قوة استراتيجية قوية لمقاومتها.
ويجدر بنا القول، إن السياسة الأمريكية قد نجحت في المحافظة على الوضع الإقليمي في الوطن العربي، بل وتمكنت من تجميد تجارب الوحدة العربية، ودعم الوضع الاستراتيجي للكيان الصهيوني، بتأييدها لسياسته التوسعية على حساب الحقوق العربية، وسعيها بشتى الوسائل للحصول على اعتراف العرب بذلك الكيان، وهي في طريقها لتحقيق ذلك، خاصة في الظروف المأساوية التي يمر بها العالم العربي المجزأ المحطم. ولكي ندرك أبعاد هذه السياسة الحقيقية، ونتبين الأخطار التي تشكلها على مستقبل الوجود العربي كله، ثم نصل إلى التصور الاستراتيجي الذي وضعته الولايات المتحدة للمنطقة، والذي شرعت في تنفيذه بعد حرب الخليج الثانية، بالتعاون مع بعض الحكام العرب، لا بد لنا من أن نغوص في تحليل الأسس النظرية والأبعاد التاريخية والعوامل المتغيرة والثابتة التي تؤثر على اتجاهات السياسة الأمريكية كما تتأثر بها، وهذا ما فعلناه في كتابنا دراسات في الفكر الاستراتيجي والسياسي.
وهكذا، يحاول كتابنا الإجابة على بعض التساؤلات، خاصة فيما يتعلق بالسياسة الدولية، وعلى الأخص انعكاسات هذه السياسة على منطقتنا العربية، حيث يتضمن بحوثاً وآراء تتصل بما يجري وما جرى في عالم اليوم، وما يمكن أن يحدث في الغد. وإنني أزعم بأنه يتضمن دراسات يحتاجها المثقف.


دمشق 25/1/2001
موسى الزعبي

¾





الفصل الأول :
آ- تاريخ العلاقات الدولية بين الحرب والسلم




1- قبل ظهور الدول

ƒ لقد عرفت العصور القديمة علاقات دولية
وجد قبل عصرنا طرازان من المجتمعات السياسية بصورة رئيسة: الامبراطوريات القارية التي شملت مناطق واسعة "مصر، الامبراطورية اليزنطية، بلاد ما بين النهرين، ثم أعقبتها الامبراطورية الآشورية، ثم الامبراطورية الفارسية، أخيراً، الامبراطورية الرومانية". كما شكلت بعض الحواضر، امبراطورية بحرية "صور، ثم قرطاجة، ثم أثينا".
ترجع الوثائق الرئيسية في العلاقات الدولية إلى تلك الحقبة: فكانت هناك معاهدات واتفاقيات دبلوماسية، وأخذت المجتمعات القديمة تحافظ على علاقات صداقة فيما بينها، وكذلك علاقات تجارية، أو منازعات. وكانت الاتصالات تجري بإرسال مبعوثين خاصين يُمنحون ميزات خاصة: سفراء. وتبرم المعاهدات بين الملوك على أساس من المساواة، وتكون مكتوبة، وتخضع لإجراءات تصديق، على شكل احتفالات رئيسة. وتؤدي المعاهدات خدمة في الإعداد للحرب "خاتمة التحالفات"، أو عند انتهاء مدة "معاهدة السلام". وتستخدم أيضاً في السلم. كالمعاهدة التجارية التي جرت بين آمينوفيس الرابع
(
Amenophis) وملك قبرص آلازيا (Alasia) في القرن الرابع عشر قبل المسيح، وهو اتفاق تجاري لإعفاء المنتجات القبرصية من الضرائب الجمركية، مقابل واردات كمية معينة من النحاس والخشب. كما عُقِدت معاهدة بين رمسيس الثاني، وملك الحثيين عام (1275)ق.م، تنص على أن ملك الحثيين لن يقبل على أرضه لاجئين مصريين، مقابل أن يتكفل الفرعون بالعهد بتسليم المجرمين الحثيين.
وعرفت الصين حرباً مستمرة "بين الممالك المحاربة" بين القرن الخامس والثالث ق.م، والتي كانت منظمة كدول، في الواقع، حديثه، ولقد تمت كتابة فن الحرب في تلك الحقبة من قبل سان تزو (Sun-Tzu). في الوقت نفسه، كان العالم اليوناني متجانساً في ثقافته، ومقسماً سياسياً إلى مدن، وذهب أبعد من ذلك في تنظيم العلاقات الدولية: فاخترع اليونانيون إجراءات التحكيم والحماية الدبلوماسية "شبه منظمات" دولية، مثل "منتدى المدن في اليونان، الذي كان يسمح بإدارة مشتركة دينية مقدسة، وكذلك إنشاء نظام دفاع جماعي بين المدن، مثل جامعة ديلوس (Delos) التي جرى تشكيلها بمبادرة من أثينا في القرن الخامس ق.م.
لقد كان للحضارات "اليونانية والرومانية والصينية" القديمة، جميع المظاهر المجسدة للحضارة والثقافة. أما الأجانب، فقد تمثلوا "بالبربرية"، إذا لم تصبح العلاقات مع اليونان محققة، وساهمت الجيوش الرومانية في توحيد حوض البحر الأبيض المتوسط. وأدى ذلك إلى إقامة عالم أكثر تجانساً، حيث قيس النجاح بإسناد المواطنة الرومانية إلى التابعية للامبراطورية، من القسم الأعظم الأكثر أهمية، فأسندت "للإيطاليين عام 88ق.م" ثم لجميع الأفراد العاملين كأجراء في الامبراطورية من قبل مرسوم أصدره كاراكالا في عام (212)ب.م" وتعهدت روما بعد ذلك بإقامة علاقات مع الخارج، خصوصاً الممالك الشرقية. وأُبرمت معاهدات غير متساوية، مع الشعوب المتحالفة مع روما، التي صانت استقلالها، مقابل مساهمتها بالرجال والمال. كما جرى عقد معاهدات بين المتآلفين من الشعوب البربرية التي أقامت على الحدود من أجل الدفاع عن الامبراطورية مقابل مزايا مالية واقتصادية "التموين بالقمح، السكن لدى أناس خصوصيين". ويتضمن القانون الروماني نفسه، أبعاداً دولية هامة، مثل قانون الـ(فيتيال) (Fetial)- يُعْهَد بتطبيقه إلى متعلقين بالدين، ممن هم سفراء روما. ويجب عليهم أن يقرروا، فيما إذا كانت الحرب عادلة أم غير عادلة- كذلك، يقررون "حقوق الناس" ويقومون بتسوية العلاقات العادية، بين الرومان وغير الرومان، الذين يسمون (بالمهاجرين)، وتتضح حقوق الناس أيضاً "كقانون قابل للتطبيق في مجال العلاقات بين الكائنات البشرية، بمعزل عن انتمائهم إلى جماعة مجموع الشعب المحدد سياسياً"1.

ƒ يهيمن العامل الديني على العلاقات الدولية، خلال جزء كبير من القرون الوسطى:
نأى العالم الروماني عن الفلسفة العقلانية الرواقية- التي تقول بأن كل شيء في الطبيعة، إنما يقع في العقل الكلي، ويقبل مفاعيل القدر طوعاً- اعتباراً من القرن الثالث ب.م. واستفادت من الأهمية المتزايدة للدين والتصوف من المسيحية التي أصبحت الدين الرسمي للامبراطورية اعتباراً من عام
(380)ب.م،
بعد اعتناقها من قبل الامبراطور قسطنطين عام (312)م. واستمرت الكنيسة كمؤسسة وحيدة شاملة في الغرب، عندما رزح العالم الروماني تحت الغزوات البربرية في نهاية القرن الخامس الميلادي، مع أسقف روما على رأسها. ونجحت الامبراطورية البيزنطية في البقاء على الحالة نفسها حتى عام (751)م في إيطاليا، "حتى سقوط رافين "Ravenne") ودامت الحضارة الرومانية في الشرق حتى عام (1453)م (سقوط القسطنطينية على أيدي العثمانيين). وتبتعد بيزنطة مع ذلك عن روما، على المستوى الديني، "الانشقاق بين الكاثوليك والأرثوذكس في عام (1054)م. ويشرع الإسلام في توسعه في عام (623)م "السنة الهجرية الأولى"، حيث اجتاح الجزء الأعظم من إسبانيا وصقلية. ولم يتوقف إلا في عام (732)م في بواتييه. ووجد الفضاء الأوربي، والبحر الأبيض المتوسط نفسه وقد تفجر أيضاً على المستوى الديني.
وحلت في الغرب الممالك محل المقاطعات الرومانية القديمة، وأعاد شارلمانيه توحيد الامبراطورية الرومانية الغربية للمرة الأولى عام (800)م، لكن مع الاعتراف بعلو شأن البابا. وتقاسم أحفاد شارلمانيه تركته حسب معاهدة فردان عام (843)م التي أدت إلى ولادة ثلاث ممالك: مملكة الفرنج الشرقية، ومملكة الفرنج الغربية، ولوثارنجي، سريعة الزوال، بين المملكتين. وقد أدّى الإعلان عن امراطورية جديدة عام (962) باسم "الامبراطورية الرومانية المقدسة" التي ستتخذ صفة "الجرمانية" عام (1512)/- إلى المجابهة بين الامبراطور مع البابا، والمعبر عنها بحادثة إذلال الامبراطور هنري الرابع تجاه البابا غريغۈري السا☨ع في كانوسا (Canossa) عام 8ı077)م. وأ٦شأĠالكابقسيون ,Les Capétiens) من Ьانبهم ف݊ عام (987) ؅ملكة فرنسا، التي تح䘧ول الๅᘭافظة على الادعاءات ڧلامبراطيرية وكذلك البابوية.
لم$تكن المملكة الكيان الأساس، Ȩل الإقืاع虊ة ١ي هظه الأوربا耠اɄسائرة نحو التجزئة:
كان الإقطاعي يمنح حمايته إلى تابعيه، الذين بدورهم، أن يقوموا بخدمة الإقطاعي، عن طريق الروابط في الإقطاعية، وتسبب استمرار القوانين البربرية وعاداتهم، إلى جانب القانون الروماني، في إيجاد الهوية الشخصية القانونية، وكون الأفراد يسجلون طبقاً لأصلهم، حسب القانون الروماني، أو حسب العادات الجرمانية. ورسمت هذه التعددية القانونية، الهوية العرقية لبعض السكان، حتى نهاية القرون الوسطى، دون إعاقة في عملية تجميع البربر مع الغالو-رومان.
ويجسد الملك أو الامبراطور في قمة الطبقة، وهما السيدان الإقطاعيان الأولان، نسقاً متمماً في سلسلة نظام الإقطاع، لكن ليس لهما في البداية أكثر من صورة السلطة، وليس السلطة نفسها، وكان الملك يفرض نفسه كمحارب على تابعيه وكقاض إقطاعي، يتعايش زمناً طويلاً مع القانون الإقطاعي. ثم تأكدت السلطة المركزية مع مرور الزمن ومع الحروب الخاصة مع الإقطاعيين الآخرين، وتوطدت بعد ذلك الممالك "فرنسا، انكلترا..." ويثابر القانونيون التابعون لملك فرنسا على إقامة الدليل أن "الملك هو الامبراطور في مملكته"، ويؤكدون أيضاً على سيادته ضد نير البابوية والامبراطورية المقدسة".
ثم تنتظم العلاقات الدولية بين الإمارات
لقد شجع الاتحاد الشخصي بين الملوك، على التحالفات "مثال زواج آن دوكييف، بنت الدوق الأكبر لروسيا، مع ملك فرنسا، هنري الأول في عام
(1049)، وكذلك عن طريق القواعد الميراثية، مما يوسع في المناطق. وتتبادل الممالك ومقاطعات الإقطاعيات الأخرى الرسل- لقب يرجع إلى البندقية- اسم "السفراء" وهم محميون طبقاً لوضع خاص. وكانت هناك علاقات بين الشرق والغرب: إذ يتلقى شار
لومانيه سفيراً من خليفة المسلمين عام (807)م، ويحاول ملوك فرنسا أخذ العدو من المسلمين من الخلف، وذلك بالتحالف مع المغول، في النصف الثاني من القرن الثالث عشر.
وأبرم الملوك معاهدات فيما بينهم، وأخذوا يسوون خلافاتهم عن طريق التحكيم أكثر فأكثر، من قبل شخص ملوكي ثالث- البابا أو الامبراطور في أغلب الأحيان-. وفسحت الحرب الخاصة بين الإقطاعيين المجال أمام الحروب بين الممالك شيئاً فشيئاً، وتطور قانون الحرب خصوصاً من أجل وضع حد للأعمال العدوانية: "الهدنة، وقف إطلاق النار، معاهدات السلام" ومن أجل تسوياتها "معاملة الأسرى". وحدث تطور في التجارة في أوقات السلم، مما أدى إلى ظهور القناصل اعتباراً من القرن الثاني عشر "من أجل السماح للتجار المغتربين بتسوية أمورهم الشخصية، مثل الزواج والميراث، طبقاً للقوانين المطبقة لدى دولهم" وظهور قانون البحار.
وتلعب الكنيسة دوراً جوهرياً خلال حقبة العصور الوسطى بالكامل
لم تكن تعرف المسيحية حدوداً، عندما يتعلق الأمر بالأديرة والجامعات "المُشكَّلة انطلاقاً من الطراز نفسه اعتباراً من نهاية القرن الثاني عشر"، وكذلك في الفن والمعارض التجارية. كانت اللاتينية اللغة المشتركة لرجال الكنيسة والمثقفين، ومن العلمانيين، حتى الشروع في تشكل اللغات الوطنية انطلاقاً من اللغات ذات المصدر اللاتيني، مثل "الإيطالية، الفرنسية، الإسبانية"، ومن اللغات البربرية [الانكليزية، الألمانية، الفلمنكية... الخ].
ولم يكن البابا ملكاً دنيوياً يحكم الدول الحِبْرِيَّة وحسب حول روما منذ القرن السابع، بل هو أيضاً حارس العقيدة الدينية، وبهذا كان يجسد سلطة عالمية، بهذا الاسم. فهو نفسه الذي كان يرسم الأباطرة، حتى عهد شارل مان، وعندما لا يحترم أمير ما قانون الكنيسة، يطبق البابا عليه شكلاً من "العقوبة الدولية": فيوجه ضربة لمملكته، بأن يوقع عليها حرماناً، بعبارة أخرى يمنع عنها كل خدمة دينية، على أراضي ذلك الإقطاعي "مقترف الذنب" والمحروم من رحمة البابا(2). وكانت المنافسة بين البابا والامبراطور تؤدي بهذا الأخير غالباً إلى الحرمان الكنسي- وهو لا يتردد بالمقابل بأن يختار "معاداة البابا" في عباداته. وهنا يبحث البابا عندئذ عن تحالف خصوم للامبراطور.
وكان البابا ينظم الحروب "العادلة"، ويجرب الحد من استخدام تلك الحروب. وبهذا كان يبحث عما يسمى بـ"سلام الرب" الذي يسمى بـ"الملاذ"، حسب القانون الدولي. وكان البابا يدفع الناس غير المؤمنين إلى اتباع كنيسته والإيمان بها، ويوجه عنف الإقطاعيين إلى هذا الهدف: وكذلك هدي السكان الوثنيين "حسب اعتقاده" في الشرق إلى اتباع كنيسته، حتى لو كانوا مسيحيين من أتباع كنائس أخرى. ومن هنا، زُعِم أن هدف الحروب الصليبية ومذابحها، هي عمليات هَدي، وعمليات إبادة ضد المسلمين. أُعلنت الأولى عام (1095). وسقطت عكا، آخر حصون الصليبية عام (1291). حيث سجل نهاية ذلك الاحتلال الصليبي، باسم المسيحية، للأرض المقدسة فلسطين، وكان البابا يرسل الفرانسيسكانيين والدومانيكيين لمطاردة الهرطقيين "هنا أصل محاكم التفتيش"، المشهورة بمذابحها. أخيراً، وعلاوة على دور البابا في التحكيم في النزاعات بين الأمراء المسيحيين، فإنه كان يمنح المناطق "بدون مالكين" لبعض أتباعه- ذلك القانون الذي اعترض عليه توماس الإيكويني.
2-مجتمع الدول المستقلة:

وتحدث قسمة المجتمع الدولي إلى دول مستقلة منذ نهاية القرون الوسطى: تطابقت نهاية القرون الوسطى مع تحول اقتصادي وسياسي وديني في أوربا، إذ حل اقتصاد السوق محل اقتصاد القوت: حيث أخذت السلع بالانتشار أبعد فأبعد. وبدأت الرأسمالية بالظهور في القرن الخامس عشر.
وفرض الكيان الإقليمي الأكبر نفسه على مستوى التنظيم السياسي: إنها الدولة. إذ توسعت الإقطاعيات التي قامت على الروابط الإقطاعية، إلى أن أصبحت دولاً، حيث جرى امتصاص بعضها وفقدت المدن التي حصلت على الاستقلال في القرن الحادي عشر والثاني عشر، في معظم الحالات، استقلالها، وأخذت كلمة الشعب أو الأمة تشير في البداية إلى مجموعة إنسانية من أصل واحد "ولادياً": ويتجمع المشاركون في الجامعة وفي الأسواق وفي المجامع الكنسية، في "الأمة" من جديد. ويتطور استخدام الكلمة اعتباراً من القرن الرابع عشر، وشجعت حرب المائة عام (1337-1453) على ظهور الوعي الوطني الكامل في فرنسا وفي انكلترا. ولم تعد كلمة "الأمة" مرجعاً علمياً في النصوص لدى رجال الدين، بل أخذت تتطابق مع إحساس أو عاطفة تعيش شرعياً حيث تشهد عليها نصوص كثيرة.
وتعَلْمَنت الدول [أصبحت غير دينية]، وأخذت شرعية السلطة السياسية تصبغ بالمهابة، وانخفضت قوة الكنيسة، وتراجعت اللغة اللاتينية، وحلت محلها اللغات المحلية، خصوصاً بين النخبة. وتقاسمت البرتغال والكاستي
(
Castilles) المناطق في العالم الجديد، مع تفضيل المفاوضات بشأن معاهدة تورديسيلاس (Tordesillas) عام (1494)، على احترام البراءة البابوية للبابا الكسندر التاسع عام (1493)، المفروض أن يوزع تلك المناطق "بدون المالكين". وتتحالف فرنسا مع القوى البروتستانتية ومع الامبراطورية العثمانية من أجل الصراع ضد هيمنة هابسبورغ الكاثوليكية. ويكتب (بيوسيولكس) Puysieulx وزير خارجية لويس الثالث عشر، عام (1620): "يجب علينا ككاثوليكيين جيدين، أن نميل إلى الجانب الكاثوليكي على الدوام، مع ذلك، إنكم تعلمون ما هي الهيمنة الإسبانية، كما أنها تتطرف من أجل تغطية نواياها الدنيوية، باسم هذا اللقب الديني"3.
ƒيغير ظهور الدول شروط ممارسة العلاقات الدولية
ففي حين كانت تمارس السلطة الإقطاعية على الأشخاص، كانت الدولة تمارس سلطتها على الأرض، وكان على الملك أن يعرف إلى أي حد تمتد سلطته. ثم كان عليه أن يقيم جبهة "للمحافظة على الحدود" ليحمي نفسه من التهديدات الخارجية. فالأرض المحددة بحدود، هي إذن مشاركة من قبل تابعيه في الدولة، من حيث الجوهر، وتدار الدولة من قبل عائلة أميرية، أسست قوتها على الحرب وعلى وسيلتها: الجيش. وكان الأمراء يلجؤون إلى الضرائب من أجل تمويل الجيش وشيئاً فشيئاً أدى ذلك إلى النقص في الترابط الإقطاعي الذي كان يشير إلى خصوصية العصور الوسطى. وسمحت الحرب بتوسيع أراضي الدولة، وكذلك في فرض ضرائب جديدة على السكان الذين يقطنون فيها، وهذا ما سمح للدولة بالعمل على احترام النظام الداخلي، وكذلك الحق في امتلاك العنف المشروع، وأكدت الدولة على احتكارها للوظائف التي كانت تسمى بـ"الحق الملَكي"، وفي "حق السلطة في تطيبق القانون وفي سك النقود".
كذلك جرى ترتيب العناصر التي تحدد الدولة حسب القانون الدولي: أرضاً ومكاناً وَطِراز الحكومة "السلالة الحاكمة". ويصبح مماثلة الدولة مع ملكها الطابع الملكي الأوربي من القرن السادس عشر حتى القرن الثامن عشر. وقام نيكولا مكيافيلي (Nicolas Machiavell) بتحليل الإقطاعيات، ووصف فن الحكم، في كتابه "الأمير" عام (1513). ويؤكد جان بودان (Jean Bodin) في ست كتب عن الجمهورية عام (1576) أن السيادة كونها لا تتجزأ وأبدية، يجب أن ترجع إلى ملك وراثي، منطقياً.
وتصبح المملكة- التعبير المشتق من كلمة الملك- الصفة الجوهرية للدولة بعد ذلك، وتصبح لازمَته المساواة القانونية، أساس المجتمع الدولي.
وتنتظم العلاقات الدولية في أوربا المجزأة إلى دول ملكية متساوية. وتحتل الحروب مكاناً هاماً في حياة الدول. ويصبح القانون الدولي مقسماً بين قانون الحرب وقانون السلم. وتستمر المعاهدة والتحكيم في الاستخدام. وجرى تأسيس الدبلوماسية عن طريق إنشاء وزارات الخارجية والسفارات الدائمة، كذلك عن طريق تنظيم وضع الدبلوماسيين والقناصل. وتتطور العلاقات البحرية، وتتأكد القوة التجارية التي كانت أولاً لـ(جين) (Genes) ثم للبندقية، ثم لاهانس، ثم هولندا، وأخيراً انكلترا، ونتج عن ذلك قانون البحار، الذي بات محدداً أكثر "مبدأ التكافؤ"- الشكل الأول لـ"نص الدولة الأكثر رعاية"- وقد ظهر في المجال التجاري. وتصدر الاستيلاء على الأراضي من قبل الملوك وسط تلك الحقبة من استعمار أمريكا كنظام احتلال حقيقي. وتحددت المبادئ الكبرى في "القانون الدولي" في نهاية القرن الثاني عشر- والقانون الدولي، تعبير اخترع من قبل جيرمي بنتام (Jeremy Bentham)، وتحدد مبادئه تماماً، وجرى تدوينها في النصوص العمومية.
لقد أكد إعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكية عام (1776) على أن للمستعمرات "الحق في أن تصبح دولاً حرة ومستقلة"، وأنها بهذا "تملك السلطة المطلقة في شن الحرب، وفي إبرام السلام، وفي التعاقد من أجل التحالفات، وفي تنظيم التجارة، والقيام بجميع الأعمال الأخرى. والأشياء التي للدول المستقلة الحق، بالقيام بها"، كذلك فهي سيادة الدولة. وفي عام (1793) أخضع القس غريغوار (Gregoire) الاتفاق "الذي لم يصوت عليه" إلى تصريح "يتعلق بحقوق الإنسان"، ويوجز جميع المكتسبات الكبرى للقانون الدولي في تلك الحقبة: السيادة والاستقلال للدول، مبدأ عدم التدخل، التأكيد على أن البحر "شيء مشترك"، منع الحرب الهجومية، ضرورة الحصانة الدبلوماسية، الصفة المميزة للمعاهدات.
ƒوتحل الأمة اليوم محل الملوك كأساس للسيادة:
لقد حلت شرعية الأمة محل الشرعية الملَكيَّة كحق إلهي، مع إنجاز نظرية الدولة/الأمة، كنتيجة للثورة الفرنسية(4) يكمن مبدأ كل سيادة في الأمة، بصورة رئيسة "الفقرة الثالثة في تصريح إعلان حقوق الإنسان والمواطن"- لكن هذا المبدأ الثوري هو أيضاً مبدأ حافظ، فيما يتعلق بالمحافظة على الدولة كأساس لتنظيم المجتمع الدولي. وإذا كان "مبدأ الجنسية" قد سمح لبعض الأمم، تكوين الدول في القرن التاسع عشر "ألمانيا، إيطاليا، الدول البلقانية"، فإنه لم يمنع اضطهاد الجنسيات الأقلية من قبل الدول الجديدة (البولونيون، التشيكيون، والكروات... الخ).
إنه من الجدير بالملاحظة- أن نشير أن عبارة الأمة قد تغلبت على عبارة الشعب: ففي حين كانت السيادة الوطنية في قلب إعلان حقوق الإنسان والمواطن لعام (1789)، في فرنسا لم تفرض "سيادة الشعب" نفسها إلا في دستور عام (1793) في فرنسا أيضاً. ولم تدخل في التطبيق العملي مطلقاً. ويستدعي المفهوم في الحقيقة، في آن واحد، عضوية "الأمة كهيئة سياسية"، ومنتظمة "كهيئة يجب أن يكون لها رأس حكومة، إما ملكاً، أو نخبة (تمثيل وطني)"، وذلك في منتصف الطريق بين الصفة الدستورية للدولة، والصفة الفوضوية للشعب. هذه هي الحقيقة التاريخية للأمة التي تتفوق على فكرة الشعب، الأقل قابلية للأخذ بها. ويحاول الاتجاه الاشتراكي معارضة الفكرة القومية لكن دون نجاح، وذلك بالتضامن البروليتاري "العمال ليس لهم وطن، ولا يمكن أن نقتطع منهم، ما ليس لديهم [...]، ألغوا استغلال أمة من قبل أمة أخرى. وتسقط كذلك العداوة بين الأمم نتيجة صراع الطبقات داخل الأمة "بيان الحزب الشيوعي عام (1848).
يوجد في الواقع فلسفتان للأمة
ففي بلد مثل فرنسا، فالدولة هي التي اختلقت أمة انطلاقاً من عناصر ثقافية وعرقية غير متجانسة خلال عدة قرون. فالدولة سابقة الوجود عن الأمة، والذاتيات مدعوة لأن تمتزج في هذه البوتقة صيغة ابتدعها (ستانيسلاس دوكليرمون- تونير (Stanislas Declermont-Tonnerre) عام (1791): حيث يقول: "يجب رفض كل شيء لليهود كأمة، ومَنْح كل شيء لليهود كأفراد"). فالأمة محددة ذاتياً: يفترض أنها ناشئة عن مشيئة الأفراد في العيش معاً. وأعطى القس سييس (Sieyes) تحديداً قانونياً محضاً: "هيئة من المشاركين يعيشون في ظل قانون مشترك، وممثلة سلطة تشريعية". حسبما جاء في كتابه: "ما هي الدولة الثالثة؟ الصادر عام (1789)". ولاءم أرنست رينان Ernest Renan هذا المأثور من جديد في محاضرة بعنوان : "ما هي الأمة؟ عام 1882" أكد خلالها "أن أمة ما، هي الإرادة، بالعيش المشترك، هي استفتاء عام في كل يوم"، وهنا يكفي حقوق الإنسان ضمان الحرية لكل فرد.
وبالنسبة للعديد من الشعوب الأقل نزوعاً للعالمية المجردة "مثل الانكليز والأمريكيين الشماليين" أو المحرومين من بنية الدولة زمناً طويلاً، "الألمان والإيطاليين"- فالأمة مصممة لجماعة لغوية وثقافية وحتى عرقية". ونظَّرَ فخته (Fiechte) وهردر (Herder) لألمانيا، فكرة النزعة القومية الرومانسية التي تخاطب العواطف أكثر من مخاطبتها العقل. فالأمة موجودة باستمرار بهويتها وبروحها الجماعية. فكلمة (Volksgeist) تعني "روح الشعب" حرفياً، وفي هذا المفهوم الجماعي فالهوية الجماعية للأقليات معترف بها على نحو أفضل، وتقبل الدول التي تدخل في هذا التصنيف تنظيماً جماعياً للأقليات، بدلاً عن البحث عن المقارنة مع طراز دولة مجردة. ويمكن لهذا الطراز مع ذلك أن يتسبب في إحداث إزعاجات لتلاحم دولة ما "على سبيل المثال، تفجر المجتمع الأمريكي".
في الواقع، إن المفهومين للأمة ممزوجان، غالباً. وإن حق الجنسية في هذا هومثال جيد، فإذا كان المفهوم الشخصي للأمة يؤدي إلى الاستناد إلى حق الأرض، فإن المفهوم الشخصي متميز بقانون الدم. أما من الناحية العملية، فإن معيار قانون الأرض وكذلك قانون الدم متحدان.
يبدو أن الفكرة القومية قد دخلت مرحلة الهبوط
بعد الحرب العالمية الثانية:

تضع القوى الجديدة مفاهيم أخرى مقدماً، فقد تكيفت الولايات المتحدة مع طريقة أقل تشدداً في مفهوم الأمة من المفهوم الأوربي، على أثر عملية التحرر من الاستعمار. أما الاتحاد السوفياتي السابق فقد سَحَقَ التطلعات القومية بواسطة الطريق الايديولوجي سواء داخل حدوده، أم في البلدان التي كانت تابعة للكتلة الشرقية من بلدان أوربا الشرقية. أما ميثاق الأمم المتحدة، فلم يتحدث إلا عن "حق الشعوب في أن تتصرف نفسها بنفسها" وكذلك في "السلامة الإقليمية".
لقد جرى تطبيق مبدأ "حق الشعوب في التصرف نفسها بنفسها" بعد نزع الاستعمار. وهذا في الواقع عوضاً عن مبدأ الدولة- الأمة وفتحت الولايات المتحدة، في الغالب، الطريق بحصولها على الاستقلال عا (1776). وشجعت نزع الاستعمار في بلدان أمريكا اللاتينية في المرحلة الأولى، في القرن التاسع عشر- من ثم في المرحلة الثانية بعد الحرب العالمية الثانية- في بلدان آسيا وأفريقيا. وانتشر الطراز الأوربي في مفهوم الدولة- الأمة في العالم أجمع بعد ذلك، لكن ليس دون صعوبات. حيث حدثت عدة أزمات بسبب عدم تلاؤم الخارطة العرقية مع الحدود التي فرضت من قبل الاستعمار. وأخذت نموذجاً سياسياً غربياً لا يتكيف مع الواقع بالنسبة للبعض من العالم الثالث، بل فرض حدوداً تعسفية تستهدف منع تشكل دول قومية حقيقية، كما جرى في تقسيم الوطن العربي، كما اشتمل حق الشعوب نفسه على غموض في مبدأ القوميات، في القرن الرابع عشر.
3- التوازن عن طريق القوة: النظرية الواقعية في العلاقات الدولية:

ƒيوضح الواقعيون المجتمع الدولي في حدود علاقات القوة بين الدول.
الواقعيون هم المؤيدون للعقلية في السياسة، ويستوحى تحليلهم من فلسفة مكيافيلي، وخصوصاً من هوبس (Hobbes) في كتابه (Leviathan)- الدولة ذات النظام الدكتاتوري- الصادر بالانكليزية عام (1651)- حيث وصف العالم في الوضع الطبيعي، أنه خلعة للغرائز النرجسية- المغرورة- للإنسان، وهنا، "حيث لا توجد قوة مشتركة، فلا وجود لقانون، وحيث لا وجود لقانون، فليس هنالك من ظلم". فبالنسبة للواقعيين، فإن المجتمع الدولي مشكل من دول، دون "قوة مشتركة". فهو فوضوي من الطبيعي. والدولة تتابع مصلحتها الخاصة، من الدفاع عن مصالحها إلى التعدي على أولئك الآخرين، وليس هنالك سوى خطوة لتجعل من الدولة قوة، ولقد وصف توسيديد (Thucidyde)، من قَبْلُ، عملية التطور في العالم اليوناني: تبدأ المدينة بتسليح نفسها من أن أمل أن لا تقع تحت طغيان مدينة أخرى. وما أن تصبح مجهزة بمعدات عسكرية قوية، فإنها تصل إلى الاستدلال بأن الهدف أن تكون محمية أكثر، وما أن تقوم بذلك، حتى تنتقل لوضع الدول المجاورة لها تحت وصايتها، وتصبح بالتالي امبريالية، لأنها لم تبحث إلا عن الدفاع عن مصالحها. وإن الموازنة الوحيدة لوقف هيمنة قوة كبرى تكمن في نتيجة تحالف الآخرين، ومن هنا البحث الدائم عن توازن القوى..
تقود هذه الرؤيا التي تسمح باستخدام القوة في العلاقات الدولية، إلى سياسة مجردة من القيم الأخلاقية، بسهولة، ولقد نظَّر كل من هيجل وهانس مرغانتو في كتابهما "السياسات بين الأمم" الصادر عام (1948) ورايمون آرون "سلام وحرب بين الأمم، الصادر عام (1962)، للواقعية في السياسة الدولية. فبالنسبة لهؤلاء الكتاب، لا يلعب القانون الدولي، سوى دوراً واحداً، رسوبياً. ويعتبر هيجل أن "حق الناس" يمكن أن يؤدي خدمة للمحافظة على ما يمكن أن يكون من حريات الأشخاص الخاصين في حال الأزمات، لكن لا يستطيع إلغاء النزاعات بين الدول، حيث فيها الحرب، هي الحل الطبيعي. ويتجنب رايمون آرون، الحديث عن دور القانون الدولي في العلاقات الدولية.
لقد سمح الواقعيون بممارسة الحرب في العلاقات بين الدول، ولزمن طويل:
تحافظ الدول على علاقات وصفها رايمون آرون بـ"الدبلوماسية الاستراتيجية"، والدبلوماسي والعسكري، هما الفاعلان في العلاقات الدولية، يأخذان الدور بالتناوب حسبما تكون عليه الدول في حالة حرب أم حالة سلم "أيضاً يجب أن لا تكون الدبلوماسية غائبة مطلقاً تماماً عن الحرب، وبحيث يكون للجيش دور الردع أو التهديد في زمن السلم".
فالحرب هي إذن "استمرار للدبلوماسية بطرق أخرى" طبقاً للصيغة المشهورة لكلوزفيتس، فما أن تعجز الطرق الدبلوماسية في تحقيق ما تصبو إليه دولة ما، عندئذ يجب أن تسمح الحرب بها.
ولقد فتح القانون الدولي الطريق أمام الحرب، كعلامة لهذا التطور، وعلى نحو متزايد، كما أن وضع الحياد الدائم، مُنظَّم أيضاً "سويسرا عام (1815)، بلجيكا عام (1831). كما أن شروط الحرب البحرية محددة بمعاهدة باريس لعام (1856). وقد توصل المسعى لتأنيس "من الإنسان Humanisation- قانون الحرب إلى العديد من الدلائل بعد حرب الكريمة. أولاً، إجراء التحكيم، ثم الأصول المُثبَّتة باتفاق لاهاي".
يفكر الواقعيون في حدود النظام الدولي
النظام هو مجمل عناصر مترابطة. ويمكن أن يكون مستقراً ونشطاً. ويتحرك طبقاً لقوانين محددة، والسلطة المحددة من قبل رايمون آرون، هي: "قدرة وحدة سياسية على فرض إرادتها على وحدات أخرى"، وهي توزع بين الدول تبعاً لعوامل مادية، بصورة رئيسة "مناطق، ثروات، سكان، جيوش". ولا تعتبر المنظمات الدولية فاعلة حقيقية عن طريق النظام، بل كانعكاس لتقاسم السلطة بين الدول. كما أن الموضوع الأساس للنظام بين الدول، هو معرفة قوانين النظام ومفاتيح استقراره: سواء عن طريق توازن القوى، أم عن طريق هيمنة قوة ما. ويتقارب هؤلاء الواقعيون في بعض الأحيان، بالتمسك بإقامة نماذج من القوانين الدولية(5). وعرَّف ستانلي هوفمان (Stanley Hoffman) (النظام الدبلوماسي الاستراتيجي) الخاص بنهاية الحرب الباردة، بالاستقرار في مستوى متوسط وشامل للنظام "طبقاً للتوازن الاستراتيجي النووي"، وبعدم الاستقرار في المستويات الأدنى "تطور الحروب في المناطق المحيطية(6).
ƒيبحث النظام عن التوازن بين الدول، منذ تكونه في القرن الرابع عشر.
لقد اخترعت القوى المُهدَّدة فكرة "التوازن"، والذي يطلق عليه اسم (الميزان) في القرن الثامن عشر، وذلك في مواجهة نزعات الهيمنة لدى القوى المسيطرة "لإسبانيا شارل مان، وفرنسا لويس الرابع عشر، ونابليون، وألمانيا غيوم الثاني وهتلر".
لقد حدد فاتل (Vattel) هذا التوازن كوضع ما من دولة فيه في موقف مهيمن، ولا تستطيع فرض قانونها على الآخرين في الواقع، فالتوازن غير مستقر على الدوام، ويعمل الإغراء من أجل خرقه من قبل القوى لصالحها ويؤدي ذلك إلى نشوب الحروب على الدوام.
ولقد حولت معاهدات ويستفالي (Westphalie) لعام (1648) الامبراطورية الجرمانية إلى موزاييك من الدول المستقلة وذات السيادة: وهذا هو مبدأ لاندهوهيت (Landeshoheit) الذي وضع حداً لسلطة الامبراطور، وجعل من الامبراطورية نوعاً من التنظيم الدولي، أي كونفدرالية، والتي ستبقى حتى حلها من قبل نابليون عام (1806). وضمنت فرنسا المعاهدات للاستفادة منها، بأن قادت سياسة توازن مع ألمانيا، ورتبت حلفاء ضد النمسا، وتصبح بريطانيا العظمى عندئذ، قوة سيِّدَه، وصنْعة التوازن الأوربي، الذي كان مهدداً من قبل لويس الرابع عشر، وعندما عجزت عن تحقيق طموحها بتأمين سياسة هيمنة قارية. ومنعت معاهدات أوترخت عام (1713) وراستارت (Rastart) عام (1714) من وضع فرنسا يدها على إسبانيا، وأقامت "حواجز" من التحصينات على حدودها الشمالية. وحافظت حربان أوربيتان كبيرتان "حرب الميراث النمساوي (1740-1748) وحرب السبع سنوات (1756-1763) على التوازن بين القوى. وفرض فاعلون جدد: روسيا وبروسيا، أنفسهم. وأضحى التوازن مهدداً من جديد من قبل فرنسا الثورية، من ثم من قبل فرنسا الامبريالية، حيث توصل المتحالفون في نهاية عام (1814) عام (1815) إلى نوع من الهدنة.
يتسبب الانسجام الأوربي في الاستقرار بأوربا
لقد أسس "مجلس إدارة أوربا" المؤلف من خمس قوى "انجلترا، فرنسا، بروسيا، النمسا، روسيا" مؤتمر فيينا، وإعادة تنظيم أوربا، بعد هزيمة نابوليون. وحافظ هذا النظام الأوربي على الشرعية الملكية والتوازن نتيجة معاهدات عام (1815). وقبلت انجلترا بالتوازن، لكن رفضت المبادئ الملكية. ورفضت النمسا وروسيا وبروسيا، من ثم فرنسا، المشاركة في "الحلف المقدس" الذي نُسِّق من قبل مستشار النمسا مترنيخ، ومارست سياسة "عزلة زاهية". وتسمح دبلوماسية المؤتمر بالتدخلات في الدول التي تخرق مبدأ الشرعية، حتى عام
(1830). وسُمِح لفرنسا التي كانت طرفاً في الحلف المقدس، منذ مؤتمر إكس لاسشبل عام (1818)، سمح لها في مؤتمر فيرون (
Verone) عام (1822) بالتدخل في إسبانيا من أجل إقامة سلطة البوربون فيها.
ويتتابع "الانسجام الأوربي" تحت شكل آخر، على الرغم من انهيار الأنظمة الملكية "بثورة عام (1830) في فرنسا، وثورة عام (1848) في النمسا". وأكدت القوى الكبرى على وجود "حق عام أوربي". ونظمت مؤتمرات ومحادثات حول المواضيع السياسية الكبيرة: في لندن عام (1831) بشان استقلال بلجيكا، وفي باريس عام (1856) بشأن وضع حد لحرب الكريمة. وتتدخل القوى الأوربية معاً لتحرير كريت من النير العثماني عام (1897) وكذلك التدخل لمعاقبة "القائمين على ثورة الملاكمين" في الصين عام (1900) ومؤتمر الجزيرة في المغرب عام (1906) للتسوية القارية الفرنسية- الألمانية. ومؤتمر لاهاي لتسوية قانون الحرب عام (1899) وعام (1907).
ويبذل بسمارك جهوداً بدوره للمحافظة على توازن القوى، وذلك باختلاقه "أنظمة" مختلفة من التحالفات، جرى فيها توريط النمسا وروسيا وإيطاليا، وذلك بعد الاضطرابات التي أحدثها توحيد إيطاليا عام (1860)، من ثم ألمانيا عام
(1871). وكان المستشار الحديدي يبحث عن المحافظة على الوضع الراهن الذي اعتقد أنه ملائم لألمانيا، وفي عزل فرنسا لمنعها من أجل أن لا تأخذ بثأرها، وذلك بهذه اللعبة البارعة التي يمكن مقارنتها بلعبة البهلوان، وهو يشعوذ مع خمس كرات منها ثلاث في الهواء، ولم يكن للامبراطور غليوم الثاني (1890-1918) الحذر هو نفسه، أن يلقي بألمانيا بـ"سياسة دولية" تؤدي إلى المجابهة مع انجلترا في حين تتحالف فرنسا مع روسيا. وانطلقت بلدان مثلثة الاتفاق "فرنسا وانجلترا وروسيا" والامبراطوريات الوسطى "ألمانيا والنمسا والمجر والامبراطورية العثمانية" لتنفيذ اختراق مسلح في عام (1714) في توازن غير م
ُسْتَقِرٍّ.
قلبت الحرب العالمية الأولى التوازن الأوربي، وذلك العمل على اختفاء النمسا وبإذلال ألمانيا دون محاولة لنزع وسائل قوتها. ثم بناء نظام أوربي جديد، لكن دون الإسهام بإحداث ضمانات للمحافظة على ذلك النظام. وعقدت معاهدات كانت تحمل فيها نفسها بذور نزاع جديد. ويحاول موسوليني إحياء مجلس الإدارة الأوربي، دون نجاح- وذلك باقتراح "الميثاق الرابع" لعام
(1933) الذي يجعل التعاون مؤسساتياً بين فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا وإيطاليا، لتحقيق السلام. ففي حين اعتمدت فرنسا على شبكة من التحالفات مع البلدان الصغيرة في أوربا الوسطى والبلقان، بحثت ألمانيا وإيطاليا في الواقع، عن إعادة النظر في هذه المعاهدات.

المصدر: ملتقى شذرات


]vhshj tJd hgt;v hghsjvhjd[d ,hgsdhsd

__________________
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 11-03-2013, 10:18 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 17,441
افتراضي

ويتعدل معنى مفهوم التوازن، أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها.
أخذت القوى المتحالفة "الولايات المتحدة، الاتحاد السوفياتي، المملكة المتحدة من ثم فرنسا" تعد الأوضاع الدولية لما بعد الحرب بعقدها مؤتمرات كبرى "طهران عام (1943)، مالطا وبوتسدام عام (1944). ولقد شغل التوازن المقبل بال تشرشل الذي اقترح على ستالين قسمة البلقان في خريف عام
(1944)، وبدل الجمود في المجابهة شرق- غرب، موضع التوازن، إلى مستوى كوني. ونشأ عن ذلك النظام ثنائي الأقطاب، ثم يصبح هذا العالم متعدد الأقطاب ابتداء من الستينيات (1960). واستخدم كيسنجر، وزير خارجية نيكسون والخبير الكبير في التاريخ الأوربي، التقارب الصيني-الأمريكي، ضد التحالف الهندي-السوفياتي، وفي الوقت الذي يتبدد مخطط فكرة الحرب الباردة، يحافظ قانون القوى على سريان مفعوله. ويستمر مجلس الأمن في منح مكان متميز للخمسة "الكبار". وحُدِّدت، في أوربا، المعاهدة الخاصة بالقوات التقليدية في أوربا، بقوانين توازن القوى. وبدا أن العلاقات التجارية والمالية الدولية، وقد تحددت بشكل آخر للقوة "بالمنافسات التجارية وبتمييز الدولار"، ولم تعد القوة وحدها كافية من أجل تمييز النظام الدولي الجديد في هذه الأثناء.

4-التحليل الليبرالي للعلاقات الدولية: السلام عن طريق الترابط


ƒيحُضُّ المثالي لسلام دائم، على القبول بآراء الفلاسفة:
لقد استند هؤلاء على القانون، تنظيم العنف بين الدول، بدرجات مختلفة، كما بين الأفراد، إذ يعتبر كونفوشيوس، الفيلسوف الصيني "من القرن الرابع ق.م" أن النظام الاجتماعي يجب أن يكون متناغماً مع نظام الطبيعة. ويجب أن تطبق هذه القاعدة، ليس فقط على الناس بالنسبة للشعب نفسه، بل أيضاً على الشعوب في العلاقات التي ترعى ذلك. ويدين الفيلسوف الصيني ما أوتسو Mao Tzu بشدة، بعد قرن من ذلك، في قلب حقبة الممالك المحاربة، الطبيعة الإجرامية للحروب.
ويقترح غروتيوس (Grotius) أحد مؤسسي القانون الدولي في أوربا، في القرن السابع عشر، إنشاء جمعية أمم، تسمح بالتحكيم وبالعمل على أن يسود النظام وضمان احترام حقوق الإنسان. ودعا الراهب إمريك كروسيه Emeric Crucé في عام (1623)، المسلمين والأفارقة والهنود إلى اتباع مشروعه الدولاتي الذي يضعه تحت إدارة البابا، وذلك في كتابه "Le Nouveau Cynée" على أن تكون البندقية كعاصمة، وبهذا يكون كنظام دولي للتحكيم الإجباري، وسيكون له كنتيجة طبيعية، القيام بإجراء تدخل جماعي ضد أي ملك يرفض التحكيم، ويعطي كروسيه لهذا المشروع بعداً اقتصادياً، يستند على حرية التجارة والنقد الموحد.
وصاغ العديد من المؤلفين مشاريع "خطط" من أجل جعل السلام محدداً، في عصر النور: فكتب غوتفورد ويلهلم فون ليبنتز- كتابه Consilion Aegyptianorum" عام (1670). وكذلك وليام بن William Penn" في كتابه "محاولة باتجاه السلام الحاضر والمستقبل في أوربا" بعام (1694). ثم القس سان بيير، كتابه بعنوان "مذكرة لجعل السلام دائماً في أوربا عام(1789) ثم جيرمي بنتام (مبدأ القانون الدولي" لعام (1789). وأمانويل كانت "Zum Ewigen Fridie" عام (1795). وهنري سان سيمون: "إعادة تنظيم المجتمع الأوربي، وضرورة وطرق تجميع الشعوب الأوربية في جسم سياسي واحد، بالمحافظة على الاستقلال الوطني لكل شعب عام (1814).
ƒيستبدل الليبراليون الحرب بالترابط
لقد جرى تفسير التقدم في العلاقات الدولية من قبل المدرسة الليبرالية بمأزق الحرب، في حين فكر الواقعيون "على رأسهم كلوزفيتز" بأن الحرب استمرار طبيعي للسياسة بين الدول، وجعل تحديث التقنيات وتعبئة الجماهير، الحرب، أكثر دموية، وأكثر كلفة، فتسببت الحرب العالمية الأولى
بـ(10) ملايين قتيل. وتسببت الحرب العالمية الثانية بمقتل (50)مليون. وتتحدى الحرب الشاملة، وتعبئة الأمم بالكامل التي تتناقض فيها الإيديولوجيات، كل استخدام عقلي للحرب، وانتهى الأمر بظهور السلاح النووي عام (1945)، حيث جعل الحرب الشاملة غير معقولة.

ويعارض الليبراليون الترابط و"التضامن الدولي"، طبقاً للرؤيا الواقعية للعلاقات الدولية، ويؤكدون: يجب أن تسهم ثلاثة عوامل في التقارب بين الشعوب: الديموقراطية والتجارة وعمليات المجتمعات الدولية المؤسساتية.
فالعالم سوف لن يعرف الحرب، إذا لم يكن مشكلاً إلا من الديموقراطيات في توقع مثالي، يمكن وصفه بـ"الكانتي"، وإذا حافظ الأفراد على علاقات سلمية داخل الدول. ويتساءلون، لماذا تحافظ الدول على علاقات أزماتية في نطاق المجتمع الدولي؟ وجعلت هذه الرؤيا المثالية للأزمات، المصالح بين الدول، سبيلاً للاتفاق من أجل السلام، وفي نهاية المطاف، بأن حدث في التاريخ؛ بأن الديموقراطيات هي التي شنّت الحروب.
لهذا يبني الليبراليون آمالهم على تنمية التبادلات بصورة رئيسة
إذن يجب أن ينجم التقدم الاقتصادي والتقني والتضامن بين الدول، لقد تم حدس النتيجة المهدئة للتجارة من قبل إمريك كروسيه، ثم جرى التخطيط لها من بعده من قبل العديد من المفكرين، أمثال بوسييه Bossuet وبواسغلبرت Boisguilbert وكوينسناي Quensnay، وقد كتب مونتسكيو Montesquieu: "لم تعد أوربا سوى أمة مشكلة من عديد من الأمم، وفرنسا وانجلترا بحاجة إلى غنى بولونيا وموسكو، وكل مقاطعة من مقاطعاتها بحاجة للأخرى"7.
أما نظرية الرهان- ذات الأهمية الكبرى لدى المحللين الأمريكيين- التي تُعتمد للمساعدة لتحقيق السلام، عن طريق التجارة والازدهار لكن من المعلوم، أن ما يكسبه أحد ما يخسره آخر، وتبرز الحرب من هذا المبدأ، مع أنه قد يكون رهاناً سلبياً في الحياة الإنسانية، ويأمل الرابح أن يعوض خسارته المحتملة الوقوع، بمضرة الآخرين من الخصوم.
وهناك عقائد اقتصادية تنفي فكرة التقدم، وتعتبر المالتوسية أن ندرة المصادر تحدد النمو السكاني، بشكل لا يمكن تجنبه، ولهذا يجب السيطرة على الخصوبة الإنسانية. أما المركنتيلية- أي النظام الاقتصادي الذي نشأ في أوربا أثناء تفسخ الإقطاعية وتعزيز ثروة الدولة، بتنظيم الاقتصاد، واعتبار المعادن الثخينة ثروة الدولة الأساسية- التي تطورت في القرن السابع عشر، واستهدفت التراكم في البلدان ذات الاحتياطات النقدية، وذلك بخفض الواردات، وفي زيادة الصادرات، وفي الخط نفسه، بالاكتفاء الذاتي، ويكون بالبحث عن خفض التبادلات مع الخارج، وبزيادة الإنتاج في الداخل، وهذا يعني إنتاج ما تحتاجه البلاد. وكانت مثل هذه السياسات مطبقة من قبل بلدان كانت تبحث عن خفض الاعتماد تجاه الخارج.
وعلى العكس من نظرية التبادل كدافع في "لعبة المجموع الإيجابي" طبقاً لليبراليين، حيث يربح كل واحد، وتغني التجارة الدولية التي تستند على نظرية الفائدة المقارنة، وعلى تخصص البلدان المصدرة، بحيث يغنى جميع المشاركين فيها. وتنسق الرأسمالية المكاسب الناتجة عن التبادل السلمي، وتسمح بعملية تراكم رأس المال، الشرط الضروري للثورة الصناعية التي بدأت في أوربا في القرن السابع عشر. ويتوضح نجاحها بإنتاج مواد وفيرة، مع ذلك، فالرأسمالية لا تنظر إلا للأرباح. يضاف إلى ذلك، فما من شيء يزيل المنافسة، بل كل شيء في الرأسمالية يغذيها. وهنا لن تكون السلطة السياسية "السلطة المتحكمة" كموضع رهان، بل الطاقة الاقتصادية "رأس المال الذي يميل دائماً لاجتياز الحدود بشكل أكثر".
ويطالب الليبراليون بالتعاون الدولي الذي ينجم عنه التقدم في التبادلات والتقنيات. ولقد تأسست المنظمات الدولية الأولى في القرن التاسع عشر من أجل إدارة التعاون الدولي في القطاعات التقنية "الاتصالات البعيدة، البريد... الخ". والقانون الدولي مدعو لإدارة العلاقات بين المنظمات الدولية. وتتوقف العلاقات الدولية عن كونها المحتكر للدبلوماسيين ورجال السياسة، وتفسح مجالاً متزايداً للخبراء والموظفين وللبيروقراطيات الوطنية.
على العكس من الواقعيين الذين يتحدثون عن النظام الدولي، يستدل الليبراليون بالتعبير عنه بواسطة المجتمع الدولي: يحلل الليبراليون المجتمع الدولي، كما يحللون المجتمع المدني. فهم يعترفون بخصوصيته، بعبارة أخرى، من واقع أنه مشكل من دول مستقلة. بل أيضاً يفسحون المجال أمام الفاعلين من غير التابعين للدول: المنظمات الدولية، المنظمات غير الحكومية، الشركات متعددة الجنسية، السلطات المحلية والإقليمية. ويبحث المنظرون الليبراليون عن تحديد القواعد التي تؤطر لعبة اللاعبين: المنظمات وسير عملها، و"الأنظمة" "نظام عدم تكاثر الأسلحة النووية، نظام حقوق الإنسان، نظام التجارة الدولية".. الخ.


ƒعرفت نظرية التضامن الدولي نجاحات وعكسها:
وصف الراديكالي الفرنسي، ليون بروجوا Leon Bourgeois "التضامن الذي يوحد الأعضاء في مجتمع الأمم المتحضرة"، من أجل تسوية سلمية للأزمات الدولية، عام (1899) في مقدمة لميثاق وضعه بقوله: لم يَكْفِ تطور التجارة الدولية من أجل ضمان السلام، بل على العكس، عرفت أوربا فترات توترات دولية، ترافقت مع مراحل ازدهار اقتصادي (1848-1873-1896-1920) في حين حدث التباطؤ الاقتصادي في السنوات (1873-1896) جنباً إلى جنب مع بعض خفض التوترات الدولية.
وجاءت المرحلة التالية، بعد الحرب العالمية الأولى بإقامة نظام الأمن الجماعي لضمان السلام بطريقة مختلفة عن توازن القوى. ولهذا اعترض وودرو ويلسون رئيس الولايات المتحدة آنذاك، اعترض على الواقعية والمثالية في السياسة الأوربية التقليدية، وذلك بتقديمه النقاط الأربع عشرة في مشروع السلام المقدم عام (1918). ولم يكن الحوار بين الواقعيين والمثاليين واضحاً أيضاً بمقدار ما كان عليه أثناء مؤتمر السلام عام (1919). وصرح كلمنصو Clemenceau لويلسون: "إن تاريخ الولايات هو تاريخ بهي، لكنه قصير، مائة عام، فترة طويلة بالنسبة لكم، أما بالنسبة لنا إنها أمر بسيط. لقد عرفت رجالاً ممن شاهدوا نابليون بأعينهم، لنا مفهومنا للتاريخ، الذي لا يمكن أن يكون كتاريخكم تماماً". وينتقد رئيس الوزراء الفرنسي المثالية الويلسونية بقسوة.
قررت الدول أن "تضع الحروب في مصاف الخارجة عن القانون" (ميثاق بريان-كيلوغ (Briand-Kellogg) لعام 1928). لكن لم يجر إكمال ذلك النظام الخاص بالأمن الجماعي، بنظام اقتصادي دولي صلب، وأدى الكساد الكبير عام (1929) إلى انكفاء الأمم على أسواقها المحمية، وانهارت التجارة الدولية، وظهرت الخصومات القومية من جديد.
ومن أجل معالجة هذا الفشل الذي حدث، فإن النظام الجديد للأمن الجماعي الذي وضع عام (1945)، يمنع اللجوء للقوة- باستثناء حالة الدفاع المشروع- وعُهد للقوى الممثلة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، مهمة المحافظة على الأمن الدولي، وأضيف إلى هذه الأسس المحدَّدة إقامة نظام اقتصادي ليبرالي، انضم إليه جميع الدول الغربية الحليفة للولايات المتحدة. أما الاتحاد السوفياتي، فقد نأى بنفسه، مع ذلك، فقد قبل بتكثيف مبادلاته التجارية خلال مرحلة الانفراج شرق- غرب في السبعينيات (1970). وصمم الأوربيون، من جانبهم، استبدال المجابهة بين القوى بالترابط في اقتصادهم: حيث طُرحَت خطة شومان كحجر أول في البناء الأوربي- من أجل المشاركة في إنتاج الفحم الحجري والصلب- كبداية، بانتظار إقامة "تضامن حقيقي" بين الدول الأوربية.
وبدا أن العَوْلمة المتزايدة في الاقتصاد، أصبحت السياج الوحيد في تحليلات العلاقات الدولية المعاصرة، مع انهيار الكتلة السوفياتية. مع ذلك، لم تختف النزاعات من أجل المصالح، كما تؤكد على ذلك الحروب التجارية، التي تنخرط فيها القوى التجارية الكبرى "الولايات المتحدة الأمريكية، اليابان، الاتحاد الأوربي" لكن جرى تسييسها على طراز تعاوني، لأن قواعد التجارة الدولية، تخلصت من ليبرالية أكثر حتى الوقت الحاضر.
فإذا كانت الحروب لم تختف في نهاية القرن العشرين "تقدر منظمة الأمم المتحدة أنه قد حدث حوالي مائة نزاع مسلح رئيس منذ عام 1945 حتى نهاية القرن العشرين، نتج عنه حوالي (20) مليون قتيل، فإن الحروب بين القوى العظمى أصبحت ليس فقط مُتجنَّبة، بل أيضاً بعيدة الاحتمال. فهل يجب اعتبار الحوار لهذا السبب، على أنه قد أصبح الميزة لصالح الليبراليين؟ وأصبحت العلاقات الدولية مسيطر عليها بالتوازن شرق- غرب، طيلة فترة الحرب الباردة في عواملها المختلفة "توازن الرعب، توازن القوى العسكرية، المنافسة الاقتصادية، المجابهات في المحيط الخارجي". واليوم أيضاً، لم تغرس الديموقراطية جذورها في كل مكان، ويجب على المجتمع الدولي الاعتماد على القوة في كل مرة يتعرض السلام الدولي للخطر.

ب-القانون الدولي: بين "أرضية متعفنة"
و"طموح سلمي" بين "النزعة الإنسانية والسيادة"
(8):


ليس القانون الدولي سوى "الفاصل بين القوى" طبقاً للصفة الجميلة لبول فاليري Paul Valery9. ولا ينجُ القانون الدولي من المشاكل التقليدية الصعبة التي تنشأ في العلاقات الدولية بين الحق والقوة والعدل. والقانون الدولي معرض لخطر أكثر من أي قانون آخر، من واقع أن القانون الدولي يستند بصورة رئيسة على الدول ذات السيادة. ويعتقد باسكال (Pascal): "لا يمكن القيام بالعدل إلا بالاستناد على العمل القوي، ولا نعمل إلا العمل القوي العادل". وتكمن كل الصعوبة في مواجهة نظام القانون الدولي، بالاستحالة النظرية، خارج السيادة الدولية، وفي استحالة العملية مع احترام القانون الدولي، دون سلطة حقيقية مع الموافقة على المستوى الدولي. والبعض يستخلص باستحالة انطولوجية في تطبيق القانون الدولي.
1ً-تناقضات القانون الدولي:

تلازم التفكير بالقانون الدولي، مع ظهور الدول المستقلة. وكما فكر أرسطو، فالدولة في اليونان، سياسياً، تجمع، وتجانس ثقافي، ويقابل رجال القانون سيادة الدولة بالقانون في أوربا المقسمة، في العصر الحديث، مع أنها تتقاسم الثقافة نفسها والقيم نفسها والسلوك نفسه، وهذا أيضاً هو واقع العالم العربي.
ƒالقانون الطبيعي: يُعتبر أرسطو أنه الأب لمدرسة القانون الطبيعي. بالنسبة له، الطبيعة اجتماعية، والإنسان كائن اجتماعي بالسليقة- "حيوان سياسي"- يطمح للعيش في مجتمع. ودمج القِس توماس الكويني Thomas D’Aquin "من القرن الثامن" هذا المفهوم في رؤيا مسيحية وأسس عقيدة من العدل الاجتماعي أيضاً. وجرت عَلْمَنة القانون الطبيعي في العصر الحديث "القرن السادس عشر- القرن الثامن عشر. ووجَّه النظام الديني من جديد الاتهام "بواسطة البروتستانتية"، بصورة رئيسة، وبالحجج اللاهوتية التي تفقد تأثيرها في المجال السياسي. إذ تتحقق الطموحات الجديدة من أجل السلام والنظام عبر الدولة، في نطاق القانون الطبيعي، والذي لم يعد يعتمد على الدين بل على العقل، حتى إذا كان بإمكانه أن يكون له وجود في "الدول البروتستانتية، وفي النظام الملكي الفرنسي، وكذلك في فلسفة هوبس "Hobbes"، نتيجة الغموض بين ما هو ديني وروحي.
وطبق الراهب الإسباني ألدو مينكاني، فرنسيسكو دوفيتوريا Francisco De Vitoria (1480-1546) مدرسة القانون الطبيعي "على مجتمعات الدول ذات السيادة". فالدول ذات السيادة حرة، لكنها بحاجة للعيش في مجتمع، كما هو الحال بالنسبة للأفراد. فمجتمعات الدول ذات السيادة هي ضرورة- تماماً كحق الناس الذين يسوسونها، والذين يشكلون جزءاً متكاملاً من القانون الطبيعي. ويفرض قانون العنف العقيدة المسيحية على الهنود الحمر، لكن يجب أن تكون الكرامة الإنسانية معترفاً بها. وهو بالمقابل يسمح بحق الإسبان بالإقامة في مناطق الهنود الحمر، وكذلك بحق هؤلاء الأخيرين بالمجيء إلى إسبانيا، باسم حرية الانتقال، ويسمح أيضاً بحق البعثات التبشيرية الإسبانية بالوعظ بالعقيدة المسيحية، دون أن تقبل هذه العقيدة بالتبادل باسم حرية التبشير.
ويعتبر الهولندي هوغو دوغروت Hugo De Groot- المسمى غروثيوس Grotius (1583-1645) الأب للقانون الدولي. وأثره الرئيس المعاهدة باسم "الحق في الحرب وفي السلم"، المكتوبة باللاتينية عام (1652)، وترجمت إلى جميع اللغات الأوربية عام (1758)، لكون الدول ذات سيادة، يجب أن تكون هذه السيادة محددة بقوة وحيدة هي القانون، إذا لم توجد منظمات عالمية للدول. لكن، وبخلاف أسلافه، فقد عَلْمَن غروتيوس الحق الطبيعي الذي "يشكل، في بعض مبادئه الرئيسة، القانون العقلي، الذي جعلنا نعترف بأن عملاً ما أخلاقياً هو شريف أو غير شريف، طبقاً لتلاؤمه أو عدم تلاؤمه مع ماله طبيعة معقولة أو اجتماعية بالضرورة". ويتميز هذا القانون الطبيعي عن القانون الإرادي الذي ينتج عن إرادة الأمم، يتوضح بطريقة الاتفاقيات بين هذه الأمم. وتُحدَّد القواعد العلمية للقانون الإرادي العلاقات الدولية، لكن يجب أن تكون متطابقة مع مبادئ القانون الطبيعي، خصوصاً باحترام الكلمة المعطاة "مبدأ العالم الألماني بوفندورف (Pufendorf) (1632-1674) ويكمل عمل غروتيوس بالاعتماد على القانون الطبيعي، أكثر، مع التقليل من دور الحق الإيجابي.
ويحاول واضعو القانون الطبيعي تحديد حدود سيادة الدول، وذلك بإخضاع هذه الدول إلى القانون الطبيعي، لكن يبقى التحديد ذاتياً، على الرغم من كل شيء في الحقيقة، وتبدو العلاقات الدولية أنها جلبت عنصراً دائماً لهذا البناء النظري، مع ذلك عرف القانون الطبيعي مكسباً مشجعاً، في عالم متضامن أكثر، حيث تختفي ممارسة الحرب بين القوى، كما أن حقوق الإنسان مسجلة في هذا التَّوقَّع نفسه، إذا نحن رأيناها في عالميتها، إذا نظرنا إليها من هذه الزاوية.. ويستمر العديد من علماء القانون في ترجمة القانون الطبيعي، دون تجنب الغموض الموجود بين الأخلاق والقانون على الدوام..
ƒالوضعية: "الوضعية هي فلسفة أوغوست كونت، التي تقصر عنايتها على الظواهر والوقائع اليقينية، مهملة كل تفكير تجريدي في الأسباب المطلقة. في حين تعتمد كل فلسفة على معرفة الوقائع، وعلى التجربة العملية مثل فلسفة سبنسر وستيوارت ميل ورينان.. الخ".
القانون الإيجابي في معارضته للقانون الطبيعي هو القانون مهما يكن وليس ذلك الذي يجب أن يكون. إنه قانون كيفي وعارض، دون تفوق، ودون وحدة. وإذا كان كذلك، فهو دون منطق، ويستطيع السفسطائيون والكلبيون، أن يعتبروا المخترعين للقانون الإيجابي: فبالنسبة لهم كل شيء هو شأن من المشاركة أو الاتفاق والدولة هي تشكل مصطنع، وليس طبيعياً. فإذا استفادت سيطرة الدين المسيحي من مدرسة القانون الطبيعي زمناً طويلاً "أكثر انسجاماً مع فكرة التفوق" فقد جعلت الاكتشافات الكبيرة، انطلاقاً من نهاية القرن الخامس عشر، من تجزئة أوربا سياسياً، بأن يتم وعي التنظيم الاجتماعي بصورة نسبية وتشجيع عملية تجديد الأفكار الوضعية. وحصل المفهوم الوضعي على نجاحات وبسرعة كبيرة في القانون الدولي، وعلى نحو أكثر من مدرسة القانون الطبيعي، وإنه يتطابق أكثر من مصالح الملوك المستبدين.
أما بالنسبة للجزويتي الإسباني فرنسيسكو سوواريتز (1548-1617) فإن حق الناس هو تطوري وعارض، ويختلف عما هو للشعوب، حسب مفهوم القانون الطبيعي. فهو إذن قانون إيجابي. لكن يعترف سوواريتز، مع ذلك، أنه يجب أن يكون تابعاً للقانون الطبيعي على الدوام: من ثم، استرجع العديد من القانونيين هذه النظرية لكن تحرروا من تفوق القانون الطبيعي. إذ يعتقد الانجليزي سلدن Selden (1548-1654) أن قانون الناس، هو نتيجة وحيدة للمعاهدات والعادة. وهناك انجليزي آخر يدعى زوش Zouch (1590-
1660)، الذي لم يعترف إلا بالأعمال التي يعترف بها بصورة مشروعة. أما الهولندي بنكر شوك
Bynker Shook (1673-1743) فقد اقتصر على القانون الطبيعي الناتج عن العادة.
ووسع السويسري أمريش دوفاتل Emmerich De Vattel
(1714-1786)، وكان دبلوماسياً في خدمة ملك الساكس، وسع هذه المفاهيم، فأقام الوضعية على الإرادية- وهذه الأخيرة مذهب يجعل الإدارة تتدخل في كل حكم، وتستطيع أن تعلق هذا الحكم- في كتابه: حق الناس، أو مبادئ الحق الطبيعي المطلق في سلوك وشؤون الأمم والملوك (1758). ويسمح بوجود حق طبيعي، لكن مع فارق دقيق "هام" حيث أن الدول هي ذات سيادة في تفسير هذا الحق، والمجتمع الدولي مختلف بالطبيعة إذن عن المجتمع المدني: على عكس الأفراد، فالدول ليست بحاجة للتخلي عن السيادة من أجل الدخول في المجتمع، فلا يوجد عقد اجتماعي في المجتمع الدولي. وبما أن الدول معرضة لخطر الدخول في نزاع إذا لم يتم الاتفاق على تفسير الحق الطبيعي، فهذا هو بالضبط الحق الإرادي الذي يجب أن يعدل من الحق الطبيعي من أجل تسهيل القبول المشترك، حسب الحالة الراهنة. وما من أحد يتبع قانون الحرب، أي الحرب العادلة بالضبط، والتي تتطابق مع القانون، لكن، لما كان مفهوم العدل نفسه، ليس واحداً لدى جميع الدول، فالحرب هي إذن عادلة مهما تكن مبرراتها، ويجب فقط أن تخضع لبعض الأشكال "سواءً أكانت حرباً مفتوحة أم (خفية)، على سبيل المثال.

وهناك كاتبان آخران يُنَهّجان القانون الدولي الإيجابي في عصر النور وهما موزير (Mozer)، في كتابه "مبدأ حق الناس الحالي" (1750-1752)، وجورج فريدريك دومارتن Georges Frederic de Martens "ملخص حقوق الناس الحديث في أوربا القائم على المعاهدات والاستخدام" عام (1788). ويعتبران، مثلهم مثل فاتل، أن المجتمع الدولي مجتمع مشكل من دول ذات سيادة ومتساوية، والقانون الدولي لا يهتم بالأفراد، وهو نتيجة إرادة وموافقة الدول ذات السيادة "الموضحة بالمعاهدات ضمناً بالعادة، وتقدر الدول التزاماتها في العلاقات الدولية فقط، وتستطيع استخدام الحرب من أجل تسوية خلافاتها.
ووصل الوضعيون الإراديون إلى قمتهم في القرن التاسع عشر، وتخلصوا من ورقة التوت التي كانت المرجع للقانون الطبيعي. ولم يعد باعتبارهم سوى الحق الإيجابي، والدولة مصدر القانون، والقانون يصدر إذن عن إرادة الدولة، بالنسبة للمدرسة الإيجابية الألمانية وعلى رأسها (جيلنك تريبيل)
(
Jellinek Triepel)، ويعمق تريبيل تحليل القانون الدولي الإيجابي في المنطق الإرادي لفاتل. وينظم الإيطالي أنزيلوتي (Anzilotti)10- الذي سيصبح قاضياً في محكمة العدل الدولية الدائمة- بشكل جيد، القانون الإيجابي الذي يجب أن يكون، حسب رأيه، الموضوع الوحيد في دراسة القانون الدولي.
وانتهت العقيدة الوضعية، إلى القانون الدولي، المسمى بـ(الكلاسيكي): وهو ذلك النظام، الذي يشكل حجر الزاوية في مبدأ سيادة الدولة بين الدول. وقدرت محكمة العدل الدولية العليا، بأن القانون الدولي، يؤدي خدمة لـ"تسوية التعايش" بين الدول، "بهدف متابعة الأهداف المشتركة" و"تربط التسويات في مجال القانون، الدول، وهي الصادرة عن إرادة هذه الدول". كما يجب أن لا يؤدي هذا العرض الخاص بالتبرير عن الدول، للفوضى". وتوجه المحكمة اهتماماً من أجل توضيح أن "الحدود الأساسية التي تفرض القانون الدولي على الدولة، تلك التي تستعيد كل ممارسة لقوتها على دولة أخرى"، وتتوقف حرية دولة ما إذن عند بدء حرية دولة أخرى، وإن التأكيد على هذا المبدأ، هو إذن، أقل ما نستطيع انتظاره من القانون الدولي.
-ويحاول رجال القانون تجاوز هذه التناقضات في الحقبة المعاصرة:
يتساءلون عن العظمة بأنها الرغبة الوحيدة للدول، وأقل من تساؤلهم عن القانون، وعن أساسه الايديولوجي، وأقل من وظيفته: ويوجد القانون الدولي خدمة لتأطير عمل الدول والفاعلين الآخرين في العلاقات الدولية، وتحليلاتهم تميل نحو الذرائعية لإثبات بسيط للوقائع: فالدول هي ذات سيادة، ومع ذلك فإنها تخضع للقانون الدولي. ويتعلق معظم القانونيين المعاصرين إذن بوصف القانون كما هو.
يرفض هانس كلسون ومدرسته "المعيارية- Normativiste" المؤسسة في فيينا، اعتبار أي شيء آخر غير القانون. "إنها النظرية الخاصة بالقانون" ولا تتميز الدولة عن القانون، هي إذن القانون: "هي الآمر بالدفع القانوني"، والقانون الدولي مندمج فيه. وانتهت سيادة الدولة عن طريق الذوبان في المعايير التي ساهمت الدول في إقامتها. ويصبح القانون الدولي تتويجاً لنظام القانون الوطني، في حدوده القصوى.
وتتقارب عقيدة "الموضوعية- الاجتماعية" الممثلة بجورج سيل Georges Scelle، مع مدرسة القانون الطبيعي، مع ذلك: "إذ ينتج المجتمع الدولي، ليس عن التعايش، ومن تجمع الدول، بل على العكس، من تداخل الشعوب بالتجارة الدولية "بالمعنى الواسع". وسيكون عجباً، بالتأكيد، أن تتوقف الظاهرة الاجتماعية في الدولة، في حدود الدولة". لأن القاعدة القانونية، هي "آمر اجتماعي يترجم ضرورة تولدت عن التضامن الوطني، فلماذا لا تؤدي خدمة لأمور القوانين الدولية التي تطبق على المجتمعات الدولية؟ طبقاً لرأي المؤلف نفسه. وسوف لن يكون "حق الناس" قانونياً بين الدول- كما كان على الدوام- بل أصبح قانوناً بين الأفراد مطبق في نطاق دولي، وسيحل محل المجتمع الدولي"، التجميع الدولي: ويتحول الرابط الاجتماعي بين الأفراد إلى شعور حقيقي بالانتماء المجتمعي. وأعاد جورج سيل الربط إذن بالتحليل الليبرالي بين المجتمع الدولي، وعقيدة القانون الطبيعي، ويبقى جزء كبير من القانونيين مع ذلك، مترددين في قبول مفهوم "المجتمع الدولي" ويبدون شكوكاً أكثر.
ولوحظ أيضاً، خلال العديد من السنين، في فترة المنافسة شرق- غرب، الاجتياح الايديولوجي للقانون الدولي. ووجه آخرون النقد إلى القانون الدولي، سواء لإفراطه في الاستخفاف بدول العالم الثالث، أم لأنه يؤدي خدمة لهيمنة دول الغرب. واعترض رجال القانون الماركسيون جميعهم، على القانون الدولي، مع تكهنهم بـ"سقم الدولة" عندما أرادوا تحديد "قانون التعايش السلمي" من أجل مصارعة الحرية الليبرالية. كما اعترض قانونيو العالم الثالث من جانبهم على القانون الدولي، محددين بصورة رئيسة عن طريق البلدان النامية، وبحثوا عن نزع الاستعمار عن طريق القانون المشروع "حق الشعوب في تنمية نفسها بنفسها" وأشادوا نظاماً اقتصادياً دولياً جديداً، وأصبح لهذه النظريات ميل لكي تزال اليوم، أمام هيمنة القيم التي يطلق عليها اسم الليبرالية.
2-احترام القانون الدولي

ƒتفوق القانون الدولي على القانون الوطني ضرورة نظرية
تعتمد طبيعة القانون الدولي، على العلاقة بين القانون الدولي والقوانين الداخلية للدول.
ويشكل القانون الدولي والقانون الداخلي، خطاباً قانونياً واحداً، حسب عقيدة الواحديين (Monistes): بعبارة أخرى، لا يطبق القانون الدولي إلا إذا اندمج بالنظام القانوني الداخلي للدولة، والتقارب الثنائي، ليس مفاجئاً فقط، بل هو شكل عام محفوظ من قبل الوضعيات.
نظرياً، فلا يمكن أن يكون له صفة القانون الدولي، دون أولوية على القانون الداخلي. ولأن الدولة ذات سيادة، يجب أن يكون لديها قانون ولأنها تلتزم بالقانون الدولي، يجب أن تحترم التزاماتها، إذن فإنه منطقي بأن تتكيف مع حقها الخاص بالالتزامات التي اتخذتها حيال الدول الأخرى. ولا تستطيع دولة ما الادعاء بعدم كفاية تشريعاتها الداخلية من أجل إعفائها من مسؤولياتها الدولية. واعترفت محكمة العدل الدولية بالقانون الداخلي كـ"مبدأ معترف به بشكل عام". وأعادت محكمة العدل الدولية عام (1945) التأكيد على هذا المبدأ، كـ"مبدأ أساس ـ"مبدأ أساس في القانون الدولي"، بصورة منتظمة. بالمقابل لا يطبق القانون الدولي على الأشخاص، كما اعترفت بذلك محكمة العدل الدولية الدائمة في مسودة محاكمات دانزيغ عام (1928). واعترفت أن الدولة تقوم كوريثة بين القانون الدولي وتابعيها.
تعترف معظم الدول بتفوق القانون الدولي، وهذا حسب التوازن الأنجلو-ساكسون بأن "القانون الدولي جزء من قانون الأرض" طبقاً للعقيدة المقترحة من قبل بلاكستون Blackstone (1765). وهذه قاعدة معترف بها في البلاد التي فيها دستور مكتوب: وهنالك صعوبة بإنكار القانون الدولي العام، "خصوصاً القانون غير المكتوب" مع ذلك، ويمكن أن يتردد ذلك بالالتزام على الأرض التي لا تعترف به، ويجب عليها أن تخضع للتفسير الإداري.
فالمعاهدة إذن ليست مقبولة شرعاً إلا إذا طبقت بطريقة متبادلة، وليس تقدير شرط التبادل من شأن القاضي الذي يمكنه أن يرد الموضوع إلى مستوى وزارة الخارجية. ولقد أكد المجلس الدستوري، بأن ليس هنالك من شرط من أجل مطابقة القوانين مع الدستور. وهنا، على السلطة التنفيذية أن تستخلص النتائج من غياب التبادل "على سبيل المثال، بإلغاء المعاهدة".
بالمقابل، فعلى القاضي أن يبطل المادة المخالفة للمعاهدة، فالقانون الدولي يجب أن يطبق على الأفراد عند غياب قابلية التطبيق المباشرة، وعلى القاضي الداخلي أن يضمن هذا التطبيق. فالقاضي القضائي، يقبل تفسير اتفاق ما عندما يكون خالياً من الغموض11؛ أو عندما تكون بعض المصالح الخاصة موضع رهان، ويطلب القاضي الإداري من جانبه تدخل وزارة الخارجية أحياناً، لكن بعد أن يعتبر هذا التفسير كـ"عمل حكومي" غير قابل لأن يعترف به من قبل قسم قضايا الدولة.
الطبيعة الإجبارية للقانون الدولي، تفترض مشكلة التصديق: نادراً ما تقبل الدول تحديد سيادتها في النقطة التي يمكن أن يصبح خرق القياس مقراً من قبل المجموعة الدولية. والإقرار ضد الدولة التي تعتدي على السلم الدولي، خاضع لمزلاج مزدوج، تستطيع القوى وحدها رفعه إما سياسياً بالتصويت في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وإما عسكرياً ومالياً بوضعه موضع التنفيذ- هذا ما حدث في كوريا عام (1950) والعراق عام (1990)، وسمح بشن مثل تلك الميكانيكيات في شروط مطابق لميثاق الأمم المتحدة، لحد ما "من الفصل الثامن.
يضاف إلى ذلك، تكون الإجراءات التقليدية، نتيجة الاتهام عن مسؤولية الدولة، وآليات التصديق، متوقعة في المنظمات الدولية، في بعض الأحيان: حوارات متناقضة، نشر التقارير، آليات قانونية، إمكانية الطرد من معظم المنظمات الدولية، تعليق حق التصويت "خصوصاً في حالة عدم رفع المساهمة المالية"، وهذا من الأمور النادرة لتكون فعالة. لهذا، تفضل الدول استخدام الدبلوماسية واتخاذ إجراءات معاكسة، يراد بها الإقرار.
ج-تحليل المجتمع الدولي: بين النظام والقوة

يقسم المؤرخ جان بابتيست دو روزيل Jean Baptiste du Roselle العلاقات الدولية إلى بابين: السياسة الدولية التي هي حصة الدول "حرباً أم سلماً"، والحياة الدولية التي هي من فعل الفاعلين الخاصين "سياحة، رياضة، تجارة دولية" يبدو أن هذا التمييز يخفي ما يفعل القانون الدولي العام "أو بين الدول" عن القانون الدولي، الخاص "حيث تتواجه الأنظمة القانونية الداخلية، دون تدخل الدول".
والحالة هذه، فإنه في تناقض من حيث الملاءمة بين معارضة العلاقات الدولية العامة والخاصة. وتؤدي العولمة إلى تعزيز التعاون الدولي في جميع المجالات، في حين تنظم الدول الحياة الدولية، ويجب على مفهوم (القوة) معاد التقييم أن يؤخذ بالاعتبار على ضوء هذا التطور.
1- هل نهاية التاريخ هي نهاية التقدم

لقد أدت نهاية الحرب الباردة، كما في جميع الانقلابات التاريخية، إلى فقدان المعالم، وفتحت حقبة ش****ة، ويبدو أن رجال السياسة، وكذلك المثقفون، حائرون في مواجهة "العولمة" التي تغير العالم دون أن يتغيروا. ربما هذه الاستفهامات الحياتية الخاصة بحياة الإنسان ليست سوى العودة الأزلية للتفكير حول صيرورة الإنسانية ومصير الإنسان.
ƒوالتنبؤ "بنهاية التاريخ" ليس جديداً، كما يعتقد، طبقاً للضجة التي أثيرت حول فرضية فرانسيس فوكوياما: بعد سقوط جدار برلين بوقت قصير، هذا الأستاذ الأمريكي، هو الذي أطلق أن القيم الليبرالية "الديموقراطية، السوق، حقوق الإنسان" هي من الأمور التي لا غنى عنها، ويجب أن تحكم العالم بعد الآن. بالنتيجة، إن التاريخ قد ينتهي12. إذا أعطيت هذه الفرضية سبباً لليبراليين الذين يتوقعون السلام السرمدي عن طريق التضامن الدولي والأمن الجماعي. ومن قَبْل، في القرن التاسع عشر، رأى الفيلسوف الألماني، هيغل، في التاريخ العام تقدماً في وعي الحرية. ويجب أن تكون عبارته عن الدولة الحديثة، هي التي سينمي فيها الإنسان وعيه كمواطن حر ومناسب. وإذا كان مفهوم الدولة لدى هيغل قريب من نماذج عصره "امبراطورية نابوليون، بروسيا"، فإنه من الواضح، أنه سوف لن تحدث "نهاية التاريخ" فجأة، إلا عندما تصبح الدولة نموذجاً.
وتنبأ الأب تلهارد دو شاردان Teilhard de Chardin، الفيلسوف والعالم الفرنسي، تنبأ عام (1955)، بنهاية دينية وجماعية للتاريخ، فقد خرج الجنس البشري من الكائنات الحية "منطقة الحياة غير المُعْقلنة" من أجل الدخول في النوسفير (Noosphere) أي "منطقة الحياة المعقلنة"، وهنا ستبلغ مرحلة الإنسانية المتفوقة. بعبارة أخرى، سيطرة وتطور الكائنات الحية، ستصل بجميع الأرواح والكون في المسيح.
يجب أن تكون هيمنة القيم نسبويَّة مع ذلك: لقد خلق القرن العشرون نوعاً مختلفاً من الايديولوجيات العالمية الثلاث الكبيرة، الموروثة عن القرن التاسع عشر: التحررية والقومية والاشتراكية. والتحررية هي الرابح الأكبر على الساحتين في السياسة مع دَمَقْرطة أكبر اتساعاً، وأكثر على الساحة الكونية، وفي الاقتصاد. منذ زوال الفرضيات الكنيسة (Keynesienne) والمتعلقة بمذهب كَينِس الاقتصادي القائل بالتدخل الرسمي لإنماء الإنتاج والوظائف- وتعرضت الاشتراكية للإخفاق كتنظيم سياسي، مع أنها استرجعت جزئياً من قبل الديموقراطيات الليبرالية، حتى ابتعدت عن الكينسية، وهي تحافظ على بعد اجتماعي غاب عن البلدان الرأسمالية الليبرالية من القرن التاسع عشر.
ƒتوجيه الاتهام للتقدم ليس جديداً أيضاً: لقد قدر بول فاليري Paul Valery القول: "نحن، الحضارات، إننا نعلم أننا ميتون، من بعد" وذلك غداة الحرب العالمية الأولى.
ووصف زكي العائدي، العالم بأنه "محروم من الإحساس" بعد الآن في حين دوَّن كل واحد من المتخاصمين في الحرب الباردة- الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي- عملهما مع توقع غائي- حسب النظرية القائلة بأن كل شيء في الطبيعة، موجه لغاية معينة- وأدى انتصار ديموقراطية السوق، إلى اختفاء كل توقع لـ"أفق للتوقع"13. وأصبحت فكرة التقدم التي أدخلت بواسطة القديس أوغسطين، في القرن الرابع من عصرنا، التي تجسد فيها "الدولة الأرضية، دولة الرب"، أصبحت موضع شك، وحلت العولمة محل النظام بين الدول (Interétatique) الكلاسيكي بواسطة "نظام اجتماعي عالمي"، نزعت فيه الدولة عنها حيازة سلطتها، ومن أجل أن تحافظ الدولة على شرعيتها، وجب عليها التقشف.
ƒجرى الإعلان عن انحطاط الغرب منذ مطلع القرن العشرين:
نشر الفيلسوف الألماني أوزوالد سبينغلر Oswald Spengler في عام
(1918) كتاباً بعنوان: "انحطاط الغرب"، يعلن فيه، أن أوربا قد اجتازت مرحلة "الثقافة" المتميزة بالنشاط العفوي للروح، خصوصاً في "الفن" إلى مرحلة "الحضارة" المسيطر عليها بالثقافة العقلية والمَكْننة.

وعدلت نهاية الحرب الباردة من العلاقة بين الغرب والعالم. ولاحظ كلود ليفي- ستراوس Claude Levi-Straus، في كتابه "النسب والتاريخ" الصادر عام (1968) أن الماركسية والتحررية، طريقتين لفرض الفكر الغربي على العالم14. ويؤكد جان كريستوف روفان Jean Christophe Rufin، أن المنافسة شرق- غرب، قد نظّمت الحرب، التي ستحددها وعينت لها الأسس15 في كتابه "الامبراطورية والبربريات الجديدة" الصادر عام (1991)، حيث انطوى (الجنوب) على نفسه، واسترجع أحياناً بعض نشاطه- لكن على شكل نزاعات داخلية.
ويطرح البروفيسور صامويل هانتنغتون Samuel Huntington في مقالة داوية، نشرت في مجلة شؤون خارجية Forein Affairs ، طرازاً جديداً من النزاعات. فبعد الحرب بين الإمارات، من ثم بين الدول/الأمم، ثم بين الايديولوجيات "الفاشية، الشيوعية، الرأسمالية"، جاء دور "صدام الحضارات".
والحضارة هي كيان أو جوهر ثقافي، يتميز بالتاريخ وباللغة والتقاليد، وخصوصاً الدين ويُعْتبر صِدام الحضارات، كنتاج لتقسيم الحضارات، وسيحدث بين الدول الممثلة للحضارات المختلفة. ويُعدّد صامويل هانتنغتون، سبع حضارات أو ثمانية: الغربية، الكونفوشيوسية، اليابانية، الإسلامية، الهندية، السلافية-الأرثوذكسية، الأمريكية-اللاتينية، أخيراً، الأفريقية. ويعتبر الأزمة البوسنية، بأنها تعارض أو تصادم، بين المسلمين "مدعومين من قبل البلدان الإسلامية" على سبيل المثال، مع الأرثوذوكسية "مدعومين من الصرب وروسيا". ويعتبر الأزمة في القوقاز، على أنها صراع بين المسلمين والمسيحيين، وسيقود الصعود القوي للكونفوشيوسية إلى صراع يؤدي إلى تصادم حضارتين: الحضارة الهندية "البوذية" واليابانية الشنتوويك Shintoique. ويذهب هانتنغتون بعيداً بالتذكير بالتلاحم "الإسلامي"- "الكونفوشيوسي" ضد الغرب، الذي يتوضح في مجال الأسلحة، خصوصاً: ستصبح سياسة عدم تكاثر الأسلحة ذات الدمار الشامل، المصممة من قبل الغرب، مُعارضة من قبل الصين وستتصدى لها ببيع الأسلحة للبلدان الإسلامية دون تحفظ.
2-وينتظم العالم في أربعة أبعاد:

أصبح تعبير "النظام الدولي الجديد" موضع احتقار، بسبب خيبات الأمل التي أعقبت نهاية الحرب الباردة. وبهذا يجب إعادة التفكير بالعلاقات الدولية" ولقد أحدث تحطم الكتلة الاشتراكية، كأن عاصفة كانسة أتت على كل إبراز للعالم بواسطة طيف الأزمة شرق- غرب. وأصبح الترابط في الأبعاد الدولية والإقليمية، وحتى في مجال الهوية، يخضع لنظام معقد، لم يتحدد بعد حسبما تصوره أمثال هانتنغتون.
ƒوقادت العولمة إلى إقامة حيز كوني تجاري:
تميل العلاقات الاقتصادية تلقائياً للتحرر من الإرغامات الخاصة بالدول وبالحدود، وقد شكلت لاهانس (la Hanse) "شبكة" من المدن التجارية بين القرن الثاني عشر، والسابع عشر، ويرجع ظهور الظروف الأوربية، في توحيد الأسعار، إلى تاريخ القرن الخامس عشر، وظهرت أسواق المواد الأولية الكبيرة الدولية والمنتجات الزراعية، في القرن التاسع عشر. إذن، ليست ظاهرة "العولمة" الاقتصادية جديدة كما يبدو.
ويبدو أن الفضاء أو المجال الكوني للتجارة، المميز بقوانين السوق، مدعو الآن ليتوحد، إذ توصلت المشروعات إلى استراتيجية "إجمالية" بعبارة أخرى، إلى سياسة تجارية ومالية على نطاق السوق الدولي. ولم يعد تنظيم الاقتصاد الدولي ينحصر اليوم في تحريره من الضرائب الجمركية، بل بالتناغم مع شروط التنافس في مجالات "النقد، والتشريع الخاص بالاستثمار، وبالشروط الاجتماعية، وبالملكية الثقافية... الخ" والسرعة هي الدينامية المشاركة في جوهر العولمة. فقد شجع تطور النقل، على انطلاقة التبادل في البضائع، وفي رؤوس الأموال، والأفراد، منذ عدة قرون. وعرفت الثمانينات (1980) ثورة في الزمن الحقيقي، المتميز بالتحام المعلوماتية مع الاتصالات. وتلاقت النظريات الليبرالية في المطابقة مع تسارع في المكننة المنتظمة للأسواق "المالية، أسعار البضائع... الخ". فالحَيِّز قد نقص، والزمن قد انضغط، ويصبح رد الفعل الرهان الأساسي في المنافسة الاقتصادية الدولية وبسرعة.
وينتظم الحَيِّز المُعَوْلم على شكل شبكة. وتصبح التبادلات الاقتصادية الدولية، على نطاق الكرة الأرضية، مِثْلَل جريان الدم في جسم الإنسان. وأصبحت المدينة، المكان للاستقرار، ومكان للتبادلات، في آن واحد، منذ ثورة العصر الحجري المصقول، كما أصبحت المدينة الملاذ، وعقدة الاتصالات، والشبكات العالمية، التي أقامت علاقات هي هذا العقد للاقتصاد العالمي، وهي الموانئ والمطارات ومحطات القطارات، وأمكنة الإنتاج، ومناطق الاستهلاك الحضرية. ولم يعد المعيار المحدد، من أجل مكان معطى، يرجع إلى بلد غني أو بلد فقير، بل كونه مرتبط بالشبكة الاقتصادية الدولية أم لا. وللبلدان الغنية مناطقها المحددة في ثروتها، كما للبلدان الفقيرة أمكنتها المتطورة "الموانئ لتصدير المواد الأولية، المناطق الحرة" ولم تعد شبكات المواصلات محاور نقل فقط، بل يمكن أن تصبح "طرق سريعة للمعلومات"، أو تجمعات اجتماعية مثل "الدياسبورا الصينية".
ولا تزال المؤسسات الدولية، متخلفة التجهيز من أجل تأطير الحيز الكوني الواسع للسوق، وإذا توطدت المنظمة الدولية للعمل، منذ إنشائها عام (1919) لأصبح هدف تحسين شروط العمال، جعل شروط العمل متساوية، لتجنب الاعوجاجات في المنافسة الناشئة عن التفاوت في الأجور. ولم تنجح المنظمات الدولية المختلفة في فرض ضوابط مشتركة، أو في جعلها محل احترام. وشكل تحول الغات (Gatt) (الوكالة العامة للتعرفة والتجارة) إلى منظمة دولية للتجارة (OMC) التي أسندت إليها عملية تأطير العلاقات التجارية الدولية مشكلة بذلك خطوة هامة نحو تحديد إطار تنظيمي دولي، لا يزال فيه العديد من الثغرات.
ƒيبقى البعد في العلاقات الدولية بين الدول أساسياً:
تبقى الدولة من الأمور التي يتعذر أن يحل محلها أحد ما، كما تظهر ذلك المقارنة بين مكانة المناصب الوطنية العامة والمناصب العامة الدولية. ويتم الإحساس بضرورة الدولة في ثلاثة مستويات: تقوم الدول وحدها في وضع الأسس الخاصة بأطر العولمة، قبل كل شيء، مع الأخذ بالاعتبار الفوائد الجماعية في "مجال البيئة"، على سبيل المثال، وكذلك، القيام بالفصل عند نشوب الأزمات التجارية "على سبيل المثال بين المشروعات الأمريكية وتلك الأوربية أو اليابانية". ويبقى كل قانون دولي، جوهر العلاقات بين الدول، ثم تجسد الدولة، توطيد المكانة الإقليمية الخاصة بها، فالحدود تزال لكنها لا تختفي. وتبقى اليد العاملة، الباعث الأقل في عوامل الإنتاج في الاقتصاد العالمي. ويبقى السكان متعلقون بالعيش في أماكن عيشهم، ويدفعون الضرائب لسلطاتهم العامة، ويريدون أن يكونوا محميين ضد المشاكل المختلفة "الإجرام، المخدرات، البطالة"... الخ. ويرغبون بتحقيق أمنهم في نطاق إقليمي، ويتركز ذلك على الدولة عفوياً. وتصبح حتى المشروعات الدولية متأثرة بالروح القومية للمجمتع الأم وبحكامه.
ويحافظ المنطق الإقليمي على ملاءمته في المجال الدفاعي، حيث أصبح إنتاج الأسلحة دولياً أكثر فأكثر، كما أضحى الأمن جماعياً أكثر فأكثر، وذلك في المناطق التي يتوجب استدلال المسؤولين عن الدفاع عنها.
أخيراً، فالدولة/الأمة، هي الكيان السياسي الوحيد الذي يمكن أن يزدهر فيه الحوار العام والديموقراطية، حيث يتضاعف التلاحم الاجتماعي مع التلاحم الوطني، مما يسمح بإحساس جماعي "المصير المشترك".
فالإحساس الوطني هو طبيعي لدى جميع الشعوب، وفي جميع البلدان، وما من شعب يمكن أن يمثل كياناً مستقلاً إذا لم تُشكَّل أمة مستقلة.
ƒبعد الهوية الذاتية، ثابتة هامة للنظام الاجتماعي والسياسي الدولي:
فإذا كانت الدولة تبقى من الأمور التي لا غنى عنها، فإنها لم تضعف عن طريق العولمة. والحالة هذه فإنها "عولمة الذاتيات" التي تنسجم مع ضعف سلطة الدولة، ويشجع ذلك على ظهور الحركات الذاتية التي كانت مقهورة، أو تعمل بالخفاء، حتى ذلك الوقت، كل ذلك يجري كما لو أن العولمة قد أدت إلى ارتخاء في التلاحم الاجتماعي، ومؤدية إلى العودة إلى زيادة في طلب الذاتية Identitaire.
وينشأ التحول نحو الحرب من قلب هذا التطور. إذ أصبح من الصعب التفكير بالحرب بين القوى العظمى اليوم، سواء أكان التفسير الذي يعطى، أكان هو الردع، أم التعقيد في المعدات العسكرية، أو الديموقراطية، والحالة هذه تبقى الحرب في قلب هوية الدولة؛ فالحرب هي كَدالَّةٍ على الحق الأسمى للدولة، وكوسيلة لزيادة قوة الدولة.
وتعتمد ظاهرة الهوية على القبلية والعرق والذاتية الثقافية، وإنها حاضرة في المناطق المنزوعة الاستعمار بصورة سيئة في العالم الثالث، حيث لا تتطابق الحدود بين الشعوب مع الحدود العرقية. وفي البلدان الشرقية لم تطفئ الاشتراكية، النزعات القومية، وحتى في البلدان الغربية، أجج ضعف الدولة المركزية، أجج الذاتية وجعلها أكثر صلابة مما يعتقد: "الإيكوس، كيبك، الفلمنك، والوالون في بلجيكا... الخ".
وتميل دينامية الهوية بالاعتماد على العولمة الاقتصادية إلى التجزئة في الدولة، ويمكن أن يفسر ذلك من واقع أن تبقى الدولة الحامية ضد النتائج السلبية للعولمة.
ƒتتأكد العملية الإقليمية Regionalisation بالغموض
يستطيع العديد من المديات الإقليمية أن يصبح متميزاً: إذ يؤكد الإقليم بصعوبة على وجوده، بين النظام الاجتماعي الدولي، ومستوى الدول، بالإجمال في أوربا وأمريكا وآسيا والعالم العربي-الإسلامي، وأفريقيا السوداء.
فالأقاليم، هي أجزاء من العولمة الاقتصادية، بالدرجة الأولى وإنه من المنطق تماماً، أن تكبر التبادلات مع الجوار بسهولة أكثر من التبادلات البعيدة- على الرغم من الانخفاض المستمر في تكاليف النقل، ويمكن أن تشاد العمليات الإقليمية بالاستناد إلى الهوية الثقافية كونها أقوى من الروابط الاقتصادية أحياناً، كما في حالة العالم العربي الإسلامي.
هذا، وتبقى العملية السياسية الإقليمية أقل ثباتاً، على الرغم من وجود منظمات إقليمية دولية في كل مكان تقريباً في الوطن العربي، كالجامعة العربية، وفي أفريقيا منظمة الوحدة الأفريقية... وفي أمريكا وفي آسيا... الخ. لكن ليست هذه المنظمات سوى شكل معد للتعاون بين الدول في أغلب الأحيان، وبالنسبة لعدد كبير منها ليست سوى قشور فارغة، والجماعة الأوربية وحدها، هي التي حددت مشروعاً حقيقياً سياسياً، ينزع إلى تخطي الحدود القومية.
3-يجري تبني القانون حسب تطور المجتمع الدولي:

ƒويغطي القانون الدولي جميع المجالات في العلاقات الدولية بعد الآن:
يقسم القانون الدولي، تقليداً، إلى قانون السلم، وقانون الحرب. ويلاحظ أن الثاني قد هبط من حيث الأهمية عن الثاني "الذي دُشَّن تحت اسم قانون الأزمات المسلحة" من جديد، وتترجم الكثرة من المعاهدات، بالنسبة للأول، حاجات المجتمع الدولي ليعيش في استقرار قانوني، وفي التأطير عن طريق ضوابط ترابطها المتزايد. ولقد سجل القرار النهائي لمؤتمر فيينا عام (1815) ترتيبات وضع الدبلوماسيين، وكذلك الوضع القانوني لبعض الأنهار، وما يتعلق بإلغاء العبودية، وأدت القوانين الدولية التقليدية المدونة، خصوصاً القانون الدبلوماسي والقنصلي اتفاق عام (1961) وعام (1963)، وقانون المعاهدات (اتفاق عام 1967)، وحماية حقوق الإنسان، أدت جميعها إلى ظهور القانون النوعي.
ƒالقانون الدولي لا يتَدوَّل: لقد حطمت المنظمات الدولية مَحْظور المجتمع الدولي، المشكل حصراً من الدول، ووجب أن تكون النتيجة النهائية للعملية، التحول التدريجي للمجتمع الدولي، حيث نعيش لإتمامها، والمشكل من كيانات مترابطة ومتضامنة. ويرسم تطور المفاهيم الخاصة بـ"الميراث المشترك للإنسان" توقع نظام دولي عام، ينعش مجرى النزعة الطبيعية.
ƒيميل القانون الدولي للتأقلم:
تشهد مضاعفات المنظمات الإقليمية، وتطور القانون الدولي والضعف الإقليمي للحماية القضائية لحقوق الإنسان، على أقلمة القانون الدولي. ويعزز هذا الميل، ويسبب المنافسة، في آن واحد- التأكيد على القانون الدولي على النطاق الكوني، وسيكون خطراً تماماً أن يستخلص من ذلك حجة لإثبات نظرية صدام الحضارات.
ƒبمقدار ما يكون القانون الدولي أداة اليوم فهو رهان بين أيدي الدول:
تبقى سيادة الدول المحرك الحقيقي، وليست المنظمات الدولية المزودة من قبل الدول بالاستقلال الذاتي النسبي، ذات سيادة حقيقية. ولقد وضح غوي دو لا شاريير (Guy de la Charriere) أن للدول "سياسة خارجية قانونية"، بعبارة أخرى، سياسة تجاه القانون الذي ليس محدداً بالضرورة بالقانون، بعبارة أخرى، سياسة لتجعل القانون أداة لتأمين مصالحها. حسبما جاء في كتابه "السياسة الخارجية القانونية" الصادر عام (1983).
4ً-القوة وحدودها:

ƒتبقى القوة الحافز الأساسي في العلاقات الدولية، على الرغم من العولمة، وضعف الدول، وفتح الحدود: يتكرس مبدأ المساواة السامية بين الدول، قانونياً، كمبدأ مؤسس للقانون الدولي، مع أنه يتناقض مع الحقيقة الدولية. فالدول غير متساوية في عدد السكان، وفي المساحة، وفي المصادر الطبيعية، لكن عدم المساواة الأشد بروزاً في عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية.
كل شيء يحدث كما لو كنا نعيش في عالم من ثلاث مراحل: في المرحلة الأولى، توجد مجموعة الأمم التي لها المساواة السامية بين الدول، من حيث المبدأ، من أجل التعبير عن المنظمات الدولية، لنظام الأمم المتحدة. ويراد بالجمعية العامة للأمم المتحدة- التمويه بأنها تمثل "الديموقراطية بين الأمم"، لكن العديد من النصوص الادعائية التي يتم تبنيها كل عام، هي دون القدرة على تطبيق ما يجب من قانون على القوة الاقتصادية والسياسية.
المستوى الثاني محفوظ فقط لمجموعة صغيرة من الدول، في الواقع البلدان الرأسمالية الصناعية ذات المستوى العالي؛ ولهذه البلدان مؤتمراتها المحافظ عليها، مثل منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE)، ونادي باريس، ونادي لندن.. الخ. وهي تنظم في المجال الاقتصادي في عدة تنظيمات مثل "الاتحاد الأوربي، ومؤتمر التعاون الاقتصادي لدول آسيا، المحيط الهادي
(
APEC)... الخ. وهي تسيطر على المنظمات الدولية الشاملة عبر تنظيماتها الرئيسة، وفي المنظمات الأكثر أهمية. وتتطلب أن يكون التمثيل متوازناً بين البلدان، "صندوق النقد الدولي، البنك الدولي" وينزع هذا النادي الصغير، المشكل من عدة بلدان، من البلدان الرأسمالية الغربية في غالبيتها: "أوربا الغربية، أمريكا الشمالية، اليابان" إلى التوسع نحو الكتلة الشرقية السابقة، ونحو بعض البلدان (البارزة) "المكسيك، الأرجنتين، كوريا الجنوبية، تايوان...الخ". وفي نطاق هذه المجموعة نفسها، لبعض البلدان فيها ذاتها، امتياز أكبر، ولها وحدها الإمكانية للانتقال إلى المستوى الثالث في النظام الدولي. وتقسم هذه المرحلة إلى شقين، الشق السياسي، لا يحتفظ به إلا للفئة المخصصة للأعضاء الدائمين في مجلس الأمن حصراً فقط؛ خمس دول تملك مفاتيح هذه الفئة. والذين هم- عن طريق الصدفة الغريبة- المالكون للأسلحة النووية رسمياً وعلناً. والشق الثاني، هو شق اقتصادي، وهو مجموعة الـ(7) المشكلة من سبعة بلدان الأغنى في الكرة الأرضية والتي تميل لأن تصبح "مجلس إدارة للعالم"، وتفرض وجهات نظرها على شؤون اقتصادية متعددة، بل أيضاً سياسية.
وهناك نوع خاص، يجب أن يكون محتفظاً به من الطبيعي للأقوى من بين الدول على الكرة الأرضية، كونه قوة اقتصادية، وأيضاً سياسية، وعسكرية في آن واحد. وللولايات المتحدة، بالتأكيد، الوسائل لفرض إرادتها على العالم، منذ انهيار الاتحاد السوفياتي. مع ذلك تمتلك قدرات ونفوذاً لا يجاريها فيها أحد. ويعطيها دورها الأساسي في الأمن الأوربي، وفي الشرق الأوسط، وفي آسيا، لحماية مصالحها، أيضاً مسرحاً سياسياً في المنافسة الاقتصادية الدولية.
ويقدم القلق والهم المستمرين لدى الدول الصغيرة، من أجل حماية نفسها من هيمنة الكبار، استدلالاً بأن ظاهرة القوة المهيمنة لم تختف. إذ يسكن في ثلثي الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة أقل من عشرة ملايين مواطن في كل واحدة منها. وهذه الدول الصغيرة، تتعلق بدبلوماسية متعددة الجوانب، لحد أقصى، التي سمحت لها بالوجود، وفي توضيح أفكارها، وفي مقاومة ظاهرة "التبعية" للقوى العظمى، وجدت بعض الدول الصغيرة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، الطريقة للتأكيد على وجودها نظرياً على الأقل، وتعتبر أنه يمكن للمنظمة أن تضمن سير عمل أكثر مساواةً، وأكثر عدلاً في المجتمع الدولي.
ƒتبدلت عوامل القوة في الحقبة الراهنة: قوة الدولة محددة بطاقاتها على التأثير على العلاقات الدولية، وفي قوة تأثيرها على الحياة الداخلية. وهذا يعني، قبل كل شيء، بأن تجد أمة ما المصادر التي تسمح لها بالظهور على المسرح الدولي. فالقوة مفهوم نسبي، يشتق إذن من مقارنة جملة عوامل داخلية من القوة، ويمكن محاولة تحليل نوعي لعوامل متعددة دون الادعاء بتسوية معادلة للقوة.
يبدو أن الأرض فقدت مدلولها كعامل قوة:
قديماً، وجدت الدولة الأساس لسيادتها في الأرض، فكانت الأرض مصدراً للثروة: الزراعة، ثم الصناعة "في المراكز الحضرية، ثم الثروات الطبيعية". ولم تكن الأرض مكاناً دارت عليه الحروب ومن هنا "الأهمية الاستراتيجية"، بل كانت رهاناً لازماً. أما اليوم، فلم يعد مجدياً لبلد ما أن يمتلك مساحة واسعة مزود بإنتاج زراعي ومواد أولية في عالم مفتوح ومتغير أكثر فأكثر. فلم يتمكن الاتحاد السوفياتي السابق من تجنب انهياره الاقتصادي، على الرغم من اتساعه الهائل السابق، في حين وطدت كل من ألمانيا واليابان اقتصاديات قوية على أراضٍ ضيقة بعد الحرب العالمية الثانية. كما لم تعد المنافذ على البحر تشكل عاملاً حاسماً، فأصبحت الموانئ مشروعات عالمية غاطسة في عالم شديد التنافس، مثلها مثل الشركات البحرية الكبرى.
فهل أصبح الاقتصاد العالمي، لا وطن له (Aterritoriale)، ليس فقط في الحالة التي بقي على أساس اقتصاد مجسد فيها. إذ تكشف المعامل واليد العاملة والنقل، الضغط الطبيعي. مع ذلك، تبقى إحدى الرهانات الكبرى للعولمة، المحافظة على المنافسة على المناطق، وستبقى المناطق الغنية والواسعة أوراقاً رابحة دوماً. ويتحدث فرانسوا جوايو (Fransois Joyaux) عن الصين كـ"قوة إقليمية لها قابلية القوة".
باختصار، فالأرض ليست متغيراً، بل ثابتاً في معادلة القوة، فبدون الأرض، لا شيء، لكن لا تضمن الأرض الواسعة القوة له، بالنسبة لبلد ما.
إن الجغرافيا السياسية كما يشير اسمها، هي تنمية الوسط الجغرافي الذي تسجل فيه السياسة الدولية. وقد عرفت الجيوسياسة، ساعة انتصارها، في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ويعتبر الألماني فريدريك راتزل Friedrich Ratzel عالم الجيوسياسة الكبير، وكذلك الألماني كارل هوشوفر karl Haushofer أن الدول كمنظمات أو هيئات جغرافية، حيث الحدود مدعوة لأن تتغير، ويجردانها من مفهوم "المجال الحيوي". ويعتبرها ليبنسروم Lebnsraum على أنها ضرورة من أجل بقاء الأمة؛ ومن أجل أمنها، في آن واحد. فالجغرافيا السياسية هي "ضمير الدولة الجغرافي" بالنسبة لهؤلاء. ويعرض البريطاني هالفورد ماكندر Halford Mackinder عام (1919) أن الجيوسياسية، هي التَّمَفْصُل بين الأرض المركزية "قلب الأرض" "Heart Land" والجزيرة العالمية (World Island). ومن يسيطر على الجزيرة العالمية أوراسيا "أوربا وآسيا"، يمكنه أن يتسبب في فشل القوىا لبحرية "الولايات المتحدة، المملكة المتحدة". ويطري هوشوفر، الذي يتقاسم هذا التحليل، موضوع إعادة بناء أوراسيا، بواسطة تحالف ألماني- الاتحاد السوفياتي- اليابان، من أجل إفشال سياسة الأنا كوندا Anaconda- أفعى ضخمة من فصيلة البُوا- أي القوى البحرية التي تخنق ضحاياها.
لقد جرى توجيه الاتهام للجغرافيا السياسية على أنها هي التي أوحت للنازية سياستها الخارجية منذ زمن بعيد، مع ذلك، تجد اليوم بعض التشجيع ثانية، وهناك لا زالت بعض المفاهيم، كالمعارضة بين القوى القارية والقوى البحرية، تحتفظ بملاءمتها، ومطبقة في العلاقات الدولية المعاصرة. مثال ذلك، المعارضة بين الصين واليابان، وكتب كتاب آخرون، مثل ميشيل فوشيه Michel Foucher وإيف لاكوست Yves Lacoste، أعمالاً عديدة حول الجغرافيا السياسية. ودرس جويّو الجيوسياسية للشرق الأقصى ببراعة.

ƒتنتج الثروة الاقتصادية من الديموغرافيا بواسطة مستوى التنمية، وهي من الطبيعي العامل الحاسم للقوة: إن قياس الثروة الاقتصادية صعب للغاية: يمكن حسابها بالناتج الداخلي الخام. وهذا ما يميز القوى الاقتصادية "المُعَوْلمة" بقوة. وأدخل صندوق النقد الدولي دليلاً أو مرشداً آخر، عام (1993)، سماه (الناتج الداخلي الخام) (PiB) المتكافئ مع القوة الشرائية التي تأخذ بالحساب الظواهر الأكثر قابلية للقياس "مثل الاستهلاك الذاتي، مقارناً بمستوى الأسعار بالنقد".
إن التنمية الصناعية والتكنولوجية، هي عامل نسبي للقوة، لأنها تقاس بالتقدم الذي حققه بلد ما على بلد آخر، والحالة هذه، فمن الصعب جداً، المحافظة على التقدم التكنولوجي. وتلعب نتيجة اللحاق لبلد ما ببلد آخر لصالح البلدان المتنافسة: فكانت الولايات المتحدة في موقع ملائم لدرجة قصوى عام
(1945)، ثم أصبحت مُجابَهة بمشاكل المنافسة منذ مطلع الستينيات (1960).

ويؤثر تشكل الثروة، على القدرة في الوقت نفسه وتترجم القوة الاقتصادية لبلد ما في أغلب الأحيان، بالقدرة المالية. فقد استفادت الولايات المتحدة زمناً طويلاً وتستمر للآن من دور الدولار كعملة مرجع، وأصبح اليابان، الدائن الأول عالمياً ويملك سيطرة نسبية على تطور نقده، وربما ستربح أوربا غداً إذا توصلت إلى تحقيق الوحدة النقدية.
ƒتؤثر الديموغرافيا في البلدان المتطورة أكثر مما تؤثر في البلدان الفقيرة:
لا تزال الصين والهند بلداناً نامية، وتتأثر بالتأكيد من خلال سكانها، لكن لا تشكل الجموع القوة بعد الآن. بل إن تضافر رقم السكان ومستوى التطور هما المعتبران. فقد استطاع كل من الاتحاد السوفياتي السابق، والولايات المتحدة أن يتساويا من حيث عدد السكان، لكن اليوم، ففي حين لا تمثل روسيا سوى عدد من السكان انخفض إلى (150) مليون مواطن، أصبحت الولايات المتحدة القوة العظمى الأولى على الكرة الأرضية، فهي البلد المصنع الأكثر، والأكثر سكاناً حوالي (270) مليون.
ويجب أن يكون الرقم المجرد للسكان متناسباً مع النسبة المائوية للعاطلين عن العمل، الذين يشكلون أرقاماً لا يستفاد منها، بل عبئاً على الاقتصاد الوطني، كذلك هي حال النشاط الديموغرافي. وتعرف معظم البلدان الصناعية، خصوصاً اليابان وألمانيا، نقصاً في عدد الولادات حالياً، مقترناً بإطالة مدة العمر. وقد نمَّى العجز في عدد الأطفال حصة البالغين في سني العمل وفي نسبة الأشخاص المسنين، ويمكن أن تقود الشيخوخة الديموغرافية إلى ضعف اقتصادي، وذلك نتيجة الأعباء المتزايدة، لإعاشة المتقاعدين.
ƒتعتمد القوة العسكرية على القوة الاقتصادية لكن يمكن أن تصبح عاملاً ذاتياً للقوة مستقلاً على المدى القصير: يجب توفر الزمن لتحقيق القدرة الاقتصادية وتحويلها إلى قوة عسكرية في الواقع، وتُفسّر نجاحات ألمانيا واليابان في الفترة (1939-1942) بسبب البطء في حشد خصومهما لمصادرهم المتفوقة جداً. ثم رجح التفاوت في القوى الاقتصادية ضمن مدى قصير، عندما بدأ الحلفاء في إنتاج دبابات أكثر بأربع مرات، وكذلك الأمر في الطائرات، مما كان ينتجه أعداؤهم، بعد عام (1942)، عندها لعبت النتيجة دورها تقريباً.
وإذا كان التوازن في الترسانات النووية قد فقد مدلوله منذ نهاية الحرب الباردة، تهيمن الولايات المتحدة اليوم في مجال الأسلحة التقليدية، فليس هنالك من بلد يعادل قدرتها على الانتشار خارج حدوده، وهذا يعطي الولايات المتحدة قدرة على التدخل خارج حدودها، في الشؤون الدولية، كما يعطيها قدرة على التدخل في شؤون البلدان الأخرى، ويكشف ذلك، أن لا تعتبر هذه القوة مكتسبة بصورة نهائية، فإن تجمع الوسائل الأوربية، وصعود الاقتصاد الصيني السريع وبقوة، وكذلك في بعض بلدان آسيا، سيضاعف من سباق التسلح من جديد، ويمكن أن يتسبب ذلك الأمر تهديداً للرجحان المطلق الذي تستفيد منه واشنطن اليوم، في هذا المجال.
ƒالقاعدة السياسية والاجتماعية في بلد ما، هامة في الوقت نفسه
يمكن لبلد ما موجه بنوع من الحزم، ومستقر سياسياً واجتماعياً، أن يفرض نفسه على المسرح الدولي، بسهولة أكبر.
وتلعب العلاقة بين الرأي العام والحكومة دوراً لا يمكن إنكاره في مجال الأفكار عن السياسة الخارجية. وتتخذ بعض القرارات بسبب أثرها المسبق الحاسم على الرأي العام الداخلي. في الوقت نفسه يمكن أن يصبح الرأي العام عائقاً أمام سياسة حكومته.
ƒأخيراً تحدد العوامل التاريخية والثقافية استخدام القوة أيضاً لكل من فرنسا والمملكة المتحدة، سياسة خارجية ذات نزعة دولية، عن طريق روابطهما التي نسجاها خلال الحقبة الاستعمارية مع عديد من البلدان. فتستخدم فرنسا اللغة الفرنسية كأداة سياسية، وتلتزم كل من ألمانيا واليابان، على العكس من سلوك الدولتين السابقتين، بسبب آثار الماضي، وتلتزم (بالتصرف كقوى مدنية)، ويبدو أن تعدد الجوانب في سلوكها، هو السبيل المضمون الأكثر من العودة لسياسة القوة.
ƒتُمارَس القوة في نطاق متعدد الجوانب اليوم: ترجع تعددية الجوانب، في العلاقات الدولية، إلى مؤتمر فيينا، "ولادة حكم المديرين في أوربا"، وإلى أول منظمة دولية "الاتحادات الإدارية، من ثم عصبة الأمم، فالأمم المتحدة". ثم جعلت الولايات المتحدة من تعددية الجوانب محوراً لسياستها الخارجية، بعد عام (1945). ويتعلق الأمر بفَدْرَلة "من الفدرالية" حلفاء واشنطن حول قيم وقواعد مشتركة. إذ تتجنب القوة الأمريكية الفائقة- في بعض الحالات- السبيل الفظ، لكن "ليس دائماً" من أجل الهيمنة، وتحقيق مصالحها، وتفضل بعض الطرق الأكثر براعة لتحقيق هيمنتها. فعلى سبيل المثال، فرضت الولايات المتحدة نفسها في أمريكا الوسطى وفي الحرب الكورية وفي فيتنام التي تحولت إلى عار وهزيمة منكرة لحقت بواشنطن. ثم استفادت من فرصة تفردها كقوة أعظم وحيدة لتشن حرباً مدمرة على العراق، واستقرت بقوات كبيرة وفاعلة في منطقة الخليج العربي، وتعطيها هذه الأدوار هيمنة على حلفائها أحياناً، تفرض عليهم ما تريد، خاصة تؤمن لها منظمة حلف شمال الأطلسي تواجداً قانونياً مستمراً في أوربا16، كما تستخدم الولايات المتحدة شبكة التنظيمات الدولية، مثل "صندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة الدولية (OMC) وحلف شمالي الأطلسي، ومنظمة معاهدة جنوب- شرقي آسيا (OTASE)... الخ، ومجلس الأمن" لتحقيق مطامعها. وسوف تزداد مقاومة هيمنة الولايات المتحدة مع الزمن، إذ أخذت بوادر ظهور عالم متعدد الأقطاب لتحل محل الهيمنة المفردة للولايات المتحدة.
ويجب أن يصبح النظام الدولي، نظاماً نتيجة لثمرة تعاون بين الدول، بعد اليوم، لا هيمنة بعض منها على البعض الآخر. ويجب أن تأخذ المنظمات الدولية دورها وكذلك القوى الإقليمية، وتمارس نفوذاً حقيقياً" وهكذا يجب أن تتضاعف العمليات المؤسساتية في العلاقات الدولية من أجل التعايش السلمي بين الدول17، وليس فقط طبقاً لمصالحها الأنانية.
إذ يفرض التاريخ والنظرية، دواماً وتطوراً في العلاقات الدولية، لا عملية جعل القانون الدولي أداة مرتبطة بمفهوم قديم جداً عن الدبلوماسية.
ويشهد التقدم الاقتصادي والتكنولوجي والعولمة والتحول الجذري في شروط اللجوء للقوة في العلاقات الدولية تشهد على التطور المستمر في المجتمع الدولي، ويجب أن يأخذ كل تحليل للعلاقات الدولية هذين المظهرين بالحساب ومحاولة التوفيق بينهما.

¾¾

¡ الهوامش:


1-J.Combacus- S. sur, Droit International Public, Montchrestien, 1995.
2- Par Exemple au Début du XIIIe Siecle, Lorsque le Roi de France Philippe Auguste Repudie sa Femme Isambour.
3- Cité par Victor L. Tapié, la Guerre de Trente ans, Stedes 1989.
4-“Le Principe de Toute Souverainete Reside Essentiellement dan la Nation (Article 3 de la Declaration de Droits de l’Homme et de Citoyen.
5- Morton Kaplan, System and Process in International Politics, 1957.
6- In M. Grawitz et Jern Leca, Traité de Science Politique, puf, 1985.
7- Reflexion sur la Monarchie Universelle en Europe.
8- Ces Expressions sont Respectivement Employées par Vattel, F. Attar et M. Chemillier- Gendreau.
9- Regards sur le monde Actuel (1931).
10- Le Fonctionnement de la Cour Permanente de Justice Internationale, de la cour Internale de Justice Et des Tribunaux Arbitraux.
11- La cour de Cassation est L’instance Supreme de L’ordre Juridictionnel Judiciaire, Comme le Conseil d’Etat est l’Instance Supreme de l’Ordre Juridictionnel Administratif.
12- Francis Fukuyama a developpé sa these dan la Fin de l’Histoire ou la Dernier Homme.
13- Z. Laidi un Monde Prive de Sens Fayard 1994.
14- R. Koselleck, le Futur Passé ehess, 1990.
15- Claude Levi- Strauss, Race Histoire, 1968.
16- L’Empire Etles Nouveaux Barbares Lattes 1991.
17- CF. Kenneth Waltz, Theory of International Politics 1979.

¾¾¾

__________________
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 11-03-2013, 10:20 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 17,441
افتراضي

الفصل الثاني :
عولمة وتصدع شمال- جنوب




جاء في كتاب روبر ريش Robert Reich "الاقتصاد المعولم" ما يلي: "نشرع اليوم بالعيش في تحولات ستعيد تركيب الناس والاقتصاد في القرن الواحد والعشرين. وسوف لن يكون بعد الآن منتجات وتكنولوجيات وطنية، ولا شركات وطنية، ولا صناعات وطنية. كما سوف لن يكون هنالك اقتصاد وطني حسب المفهوم الذي نتمسك به اليوم، على أقل تقدير. وسيبقى العنصر المُتجذِّر الوحيد داخل حدود البلاد: الأشخاص الذين يشكلون الشعوب، وستصبح الكفاءات وأصحاب البصر النافذ لدى مواطنيها، هم النشيطون الرئيسون لكل شعب".
فهل أصبح الاقتصاد في طريقه إلى تغيير العالم، والعمل على إزالة مفهوم الدولة/الأمة؟. مع ذلك، لا يتماثل المسرح الاقتصادي العالمي مطلقاً مع هذا العالم المتنافس الصريح، حيث يعمل فيه الاقتصاديون كمرجع لإثبات شرعية نظرياتهم، وإن التصدع العميق بين ثروات "الشمال" الأكثر ازدياداً فأكثر، وجماهير "الجنوب" ذوي الناس الأكثر فأكثر، يثير هذا التصدع تحدياً حقيقياً أمام أجيال المستقبل.
آ-نطاق متعدد الجوانب

أصبحت المملكة المتحدة حتى الحرب العالمية الأولى، قطب السوق الدولية الأول، بعد إلغاء القوانين المتعلقة بالحنطة (corn laws) عام (1846) ووسمت ذلك التحول في حرية التبادل، وعرفت التجارة الدولية حينئذٍ ارتفاعاً حقيقياً، إذ تضاعف حجمها مرات خلال الفترة (1860-1913). ثم اخْتلَّت تلك السوق بين الحربين العالميتين من واقع عدم الاستقرار النقدي، ومن واقع الحمائية المتزايدة، والكساد الكبير الذي أدى إلى انكفاء الأمم على نفسها، وحماية أسواقها.
وتُطْرح مسألة التنظيم الاقتصادي من جديد، في نهاية الحرب العالمية الثانية. حيث جرى عقد مؤتمر في بريتون وودز Bretton Woods، المدينة الصغيرة في الولايات المتحدة الأمريكية في تموز عام (1948) ضمَّ (44) بلداً- منها الاتحاد السوفياتي السابق- الحليف ضد ألمانيا النازية واليابان. وتقرر تلك البلدان، إنشاء نطاق متعدد الجوانب، سيسمح ببلوغ أهداف ميثاق منظمة حلف شمالي الأطلسي، وميثاق الأمم المتحدة، بحجة المحافظة على السلام، وانطلاقاً من الفرضية القائلة: إن الكساد الكبير عام (1929) هو أصل الحرب العالمية الثانية، وأرادت الولايات المتحدة، من خلال ذلك المؤتمر، إبدال التسويات الطوعية للاقتصاد الحر، بتعاون دولي أكثر طوعية، حيث خرجت واشنطن من حقبة أصبح التقليد الليبرالي مهماً فيها بشكل شديد، نتيجة تدخل الدولة (حسب مفهوم التوزيع الجديد (New Deal).
وتوجب أن تكون المؤسسات المتوقعة، ثلاثة أعداد: بنك دولي لتسهيل إعادة إعمار أوربا والتنمية فيها، ثم خدمة نقد دولي لضمان استقرار تبديل العملات. وأخيراً منظمة دولية للتجارة، تسمح بتنمية أو تطوير التبادلات. وإذا كان ذلك النظام لم يعرف النجاح الذي وعد به مُنْشِئوه، فإنه مع ذلك شجَّع على تنمية الاقتصاد العالمي.
1-تقدمت قواعد التبادل الحر منذ عام 1945

ƒوأصبحت الاتفاقية العامة للتعرفة والتجارة (الغات G.A.TT) مخلدة على شكل منظمة دولية للتجارة: واجه المشاركون في مؤتمر بريتون وودز، إنشاء منظمة دولية للتجارة بهدف تأطير التبادل الحر عن طريق المراقبة البنيوية، وبالاستخدام الكامل للاستثمارات الأجنبية، حسب قانون المنافسة، ومن أجل الاستقرار في أسعار المواد الأولية، وذلك استناداً إلى اقتراح من كينس (Keynes) والمتطرفين (Maximalistes) من إدارة الرئيس الأمريكي روزفلت، جرت المفاوضات في نطاق المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة خلال الفترة (1946-1948)، ثم تم التوقيع على اتفاق تحرير المبادلات في تشرين الأول عام (1947) على نحو "مؤقت"، سرى مفعوله منذ الأول من كانون الثاني عام (1948): وكان ذلك ما سمي بـ"الاتفاقية العامة للتعرفة والتجارة- General Agrement on Tariffs and Trade". ولم يتم التصديق على ميثاق هافانا، الذي تم بموجبه إنشاء منظمة دولية للتجارة بالمقابل عام 1948، من قبل الولايات المتحدة التي خشيت تآكلاً في سيادتها، حسب ادعائها، وجرى دفنه بسرعة.
ومع أن (الغات) لم تكن سوى اتفاق دولي بسيط، لكنها أصبحت مزودة بأمانة عامة، وأصبح لها مقر في جنيف، احتشد فيه (400) شخص مع الزمن، تحت قيادة وتوجيه أمين عام تنفيذي، الذي أصبح تحت اسم (المدير العام) منذ عام (1960): ولما كان نظام (الغات) محدداً كـ"تحريري مؤسساتي" فإنه يترك حرية الأسعار وتحرير المبادلات، دون تأطير العمليات المالية الدولية، وأُنشئت آلية مؤسساتية من أجل ضبط المنافسة الدولية- بدائية بالتأكيد- وشكل ذلك فرقاً رئيساً بالنسبة إلى نظام الاتفاقيات ثنائية الجانب للتبادل الحر في القرن التاسع عشر.
ƒحددت (الغات) قواعد التبادل الحر دون فرضها، وساهمت في سرعة التصرف التجاري الذي حدد بثلاثة مبادئ:
مبدأ عدم التمييز: يتضمن بنداً بشأن الشعب ذو الأفضلية الأكثر، يجبر كل طرف من المتعاقدين على التوسع نحو جميع الأطراف الأخرى في الاتفاق، آلياً، مع تسهيلات تتعلق بالتعرفة، أو غير المتعلقة بها، والتي جرت الموافقة عليها لطرف ما من بينهم. كذلك حدود القيود المقرر غرضها، والمتوافقة مع قواعد (الغات)، وهذه القواعد هي التي أسست طبيعة تعدد جوانب (الغات)، مع قطيعة مع الاتفاقيات التجارية الليبرالية (بين بلدين)، والتي كانت متواترة قبل عام (1945). وتمنح قاعدة التعامل الوطني بفضل المبدأ نفسه، للطرف الموقع، تطبق مبدأ المعاملة الأقل ملاءمة من تلك المطبقة على إنتاجها الخاص، على منتجات مشابهة قادته من أطراف أخرى.
ويجبر مبدأ المبادلة: كل دولة تستفيد من نقض التعرفة، أو غير التعرفة تطبيق المبدأ نفسه بدورها. ويجب عدم الخلط في هذا المبدأ مع التساوي في التعرفات التي يمكن أن تتسبب بالارتفاع.
أخيراً مبدأ الشفافية: يجبر الدول أن تُحِلَّ محل إجراءات الحماية غير المتعلقة بالتعرفة "كوتا، سعر الحد الأدنى... الخ" بتعرفات قليلة للتبادل بشكل أكثر سهولة.
تتضمن كل من هذه المبادئ استثناءات: يمكن استبعاد مبدأ عدم التمييز لأسباب تتعلق بالأمن القومي، أو من أجل إنشاء منطقة تبادل حر، أو اتحاد جمركي، ويجب أن لا يمنع مبدأ المعاملة بالمثل بلداً نامياً من الشروط الملائمة للتصدير أو من أن يمنح نفسه حمايات تعرفية، أو غير تعرفية خاصة، وقد تمت ترجمة هذا الحق الخاص بالبلدان النامية اعتباراً من عام (1964)، عن طريق انضمام طرف رابع إلى منظمة (الغات) مستثنى من البلدان النامية من الالتزام بالمعاملة بالمثل عن طريق "تبني نظام أفضليات مصمم"، مؤقتاً حتى عام (1971) ونهائياً حتى عام (1979)، وجرى ذلك التعديل في مؤتمر طوكيو راوند. مع ذلك، بقيت كل دولة من الدول المتطورة، سيدة في توسيع أفضلياتها التي تمنحها لائحة البلدان التي ينتظر أن تستفيد منها.
ولم يمنع مبدأ الشفافية اتخاذ إجراءات تتعلق بتحديد الكمية للبلدان التي تواجه صعوبات في ميزان مدفوعاتها، من المحافظة على النظام، وعلى الصحة العامة وعلى المصادر الطبيعية، خصوصاً البلدان النامية، ولأسباب تؤثر عليها.
أخيراً، سمحت (الغات) بإجراءات حماية وحيدة الجانب في حال المنافسة (المخادعة) "إغراق الأسواق بالبضائع أو تلقي مساعدات مالية للتصدير1، أم في حالة "الاستعجال" كشرط للحماية من أجل تنمية طارئة ناشئة عنها ضرر كبير بالنسبة للصناعة الوطنية، أو في حال نقض التصويت بأغلبية الثلثين من قبل الأعضاء في (الغات) في حال "ظروف استثنائية". ولا يمكن أن تصبح الإجراءات الثأرية متخذة، إلا بعد تسمية "جماعة تحقيق" من خبراء يكلفون بتحديد فيما إذا كان هناك خرق للاتفاقيات التجارية والقرارت أم لا. وليس لقرارات جماعة التحقيق أي تأثير إجباري.
لقد خلقت (الغات) دينامية نتيجة تحرير المبادلات، وذلك بتنظيم دورات للمفاوضات التجارية متعددة الجوانب: لقد جرت المفاوضات التجارية متعددة الجوانب الأولى في ظروف إعادة البناء "في جنيف عام
(1947)، ثم أنيسي
Annecy عام (1949)، ثم تركاي Torquay2 عام
(1951)، ثم جنيف من جديد في الفترة (1955-1956)". وتوصلت إلى إجراء خفض انتقائي على التعرفات، خصوصاً في حصة الولايات المتحدة على بعض المنتجات، على نحو قوي.

ثم جرى خفض هام وشامل على التعرفات على مجمل المنتجات، وليس فقط على بعض منها، نتيجة تسارع المبادلات في الستينات (1960)، على أثر ديلون راوند (Dillon Round) (1960-1961) ثم كندي راوند (1964-1967)، وبالإجمال، فقد خُفِّضت التعرفة الجمركية من 40% إلى 7% في عام
(1967)، كما جرى تبني قانوني حول الإجراءات المضادة للإغراق
(
Antidumping)، وعلى الضوابط من أجل الكفاح ضد الروح الحمائية بواسطة الضوابط والمعايير.
ثم أججت الأزمة الدولية، انطلاقاً من مطلع السبعينات (1970)، التوترات التجارية، وتفاقمت نتيجة عدم الاستقرار في المبادلات، وتوصلت طوكيو راوند (1973-1979) مع ذلك إلى خفض السعر المتوسط على المنتجات المصنعة بمقدار (4.7%)، وامتصت العديد من "عوامل هدم التعرفة Picstarifaires" "أي الأسعار المرتفعة جداً في بعض المنتجات"، وثبتت في الوقت نفسه، إجراءات جديدة مضادة للإغراق، لكنها أخفقت فيما يتعلق بإلغاء التقييدات الكمية.
وبدأت دورة جديدة في تشرين أول (1988) في بونتادل إشي Punta del Este، في الأوروغواي، ومنها اسمها أوروغواي راوند، أتاحت الفرصة لمفاوضات حية، لم تنته إلا في كانون الأول (1993). وأصبح حقل المفاوضات مفتوحاً أمام الخدمات والزراعة هذه المرة. وانتهت المفاوضات بشأن الخدمات إلى "اتفاق عام حول تجارة الخدمات- (GATS) Accord General Sur le Commerce de Services، ثم أجّلَت المفاوضات الشائكة بشأن السمعيات البصريات والخدمات المالية والنقل إلى جولات أخرى، وتضمنت الـ(GATS) اتفاقاً عاماً في مجال الملكية الثقافية (TRIPS) “Trade Related Intellectual Property Rights”، يحمي في المستقبل والدفعات"حتى إذا لم يعترف بأسماء المصادر" والشهادات لمدة عشرين عاماً".
في الوقت نفسه، تابعت جولة أوروغواي خفض الرسوم الجمركية، معيدة النسب المتوسطة للرسوم على المنتجات الصناعية إلى 3% كما لم يعد هناك رسوم كلياً على بعض المنتجات "البيرة، المشروبات الكحولية، مواد البناء، المواد الطبية، المنتجات الصيدلانية، الأثاث المنزلي، الحديد، المعدات الزراعية"، في حين حافظت بعض المواد على رسوم تصل إلى (10%) كحد أقصى "ذاكرات معلوماتية، السيارات، الألمنيوم، المنتجات الكهربائية". وتوجب أن تصبح اتفاقيات التقييدات غير الجمركية "على المنسوجات والسيارات بشكل خاص" ملغاة، خلال عشر سنوات، حتى إذا كانت إجراءات الحماية ستبقى ممكنة. وجرى تحديد قانون الإعانات المالية الخاصة بالصادرات بشدة.
وحددت (الغات) قليلاً من القواعد، بصدد المواد الزراعية، إذ سمحت بتقييدات كمية "بشرط إقامة مراقبة على الفوائض المُشَوِّشَه بالنسبة للسوق العالمي". كذلك الإعانات على الصادرات "منذ أن لا تسمح بربح أكثر من حصة معادلة للتجارة الدولية"، وأصبح بإمكان الولايات المتحدة الأمريكية فرض نظام الحصص "الكوتا" على بعض وارداتها، مثل "السكر، لحوم البقر، الحليب، القطن، الفول السوداني". وتَمَّ قبول السياسة الزراعية المشتركة للأوربيين "حسومات على الواردات، استعادة على الصادرات" في الوقت نفسه، مقابل حرية دخول الزيوت والمنتجات البديلة عن الحبوب، ولم تمنع هذه الحمائية
(
Protectionnisme)، لا التحديث في قطاع الزراعة، ولا التنمية السريعة في التبادلات، في المرحلة الأولى. ووجه لها الاتهام اعتباراً من الثمانينات (1980) بسبب الفائض المتزايد وعدم التوازن في الأسواق الزراعية.
وأنجزت التسوية في الأوروغواي راوند مباشرة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي- بعد مفاوضات صعبة، وقد مثلت معاً 40% من الصادرات الزراعية- الغذائية العالمية. ويُتوقَّع خفض 20% على الدعم المقدم للزراعة، وخفض 36% من حجم الإعانات المالية، والمحافظة على المساعدات المباشرة "الاتحاد الأوربي عن طريق إعفاء متعلق بالسياسة الزراعية المشتركة (PAC) لعام (1992)، وإعادة التوجه في دعمها للصادرات وذلك بنظام مساعدات مباشرة"، على أنه يجب أن لا يتجاوز الحجم الكلي للمساعدات، مستوى الفترة
(1992-1993) حتى عام (2003)، وتمت المحافظة على الإجراءات المتعلقة بالواردات.

وقبل الاتحاد الأوربي وضع سقف للمساحات المخصصة لزراعة نباتات الزينة. وقد طور إنتاجه في الواقع، وذلك بخرق التسوية التي تمت في ديلون راوند3، بعد الحظر المقرر من قبل الولايات المتحدة عام 1973 على صادرات الصويا، الذي جرت إدانته من قبل (الغات).
ƒأنهت المنظمة الدولية للتجارة، النظام الدولي للتبادل الحر: أنشئت المنظمة الدولية للتجارة (Organisation Mondiale du commerce)(OMC) طبقاً لاتفاقيات أورواغواي راوند، بناء على اتفاق مراكش بتاريخ 15 نيسان 1994. وولدت في الأول من كانون الثاني (1995)، و"استولت" على الأمانة العامة التابعة "للغات" في جنيف، وكُلِّفت بتسهيل استخدام وسير عمل جميع الوسائط الفضائية، وجميع الاتفاقيات الخاصة بالتبادل الحر: الاتفاقية العامة للتعرفة والتجارة (الغات)، والاتفاق العام المتعلق بتجارة الخدمات (GATS) والاتفاقية العامة في مجال الملكية الثقافية (TARIPS)، والاتفاقيات متعددة الجوانب، التي لا ترتبط إلا بعدد محدود من الأعضاء "الاتفاقيات حول تجارة المناطيد المدنية الموجهة، الأسواق العمومية، منتجات الحليب ولحوم البقر". وأصبحت أصالة المنظمة الدولية، وإنشاء آلية لتسوية الخلافات إجبارية، لأن الدول التزمت أن لا تتخذ إجراءات ثأرية تجاه شريك يعتبر مخادعاً.
2- تـنشر المؤسسات المالية الدولية، التحريرية في البلدان المتطورة على الرغم من فشل النظام النقدي الدولي:

ƒلقد تفجر النظام النقدي الدولي.
وتتجابه فرضيتان مع بروتون وودز: اعتُبرت الطريقة لضمان استقرار المبادلات، بأنها العامل لتقدم المبادلات التجارية. إنها طريقة كينس فقد تبنى عالم الاقتصاد الانجليزي، آلية للتعويض عن العجز في موازين المدفوعات، التي لم تنقصها عقبة لِتُطِلَّ برأسها، نتيجة لتحققها في بلدان بسبب الحرب العالمية الثانية، وجرى تمويل هذا التعويض من قبل الدول التي كانت تمتلك فائضاً، بشكل لتسمح للاقتصاديات التي أُضعفت من أن تنهض، ويمثل الأمريكي وايت (White) أمة قوية اقتصادياً، نفضل ترك السوق للقيام باللعبة، حسب قواعد السوق التي تجبر الدول العاجزة أن تتبع سياسة تقييد تستهدف تقويم حساباتها.
صندوق النقد الدولي قائم بشكل كبير حسب الفرضيات الأمريكية، وتكون العملات محددة بالنسبة للذهب- إذن بالنسبة للدولار- وتتغير بالنسبة للذهب طبقاً لقيمة ثابتة- ضمن هامش من التقلب محدد بـ(1%) في حال عدم التوازن المؤقت في ميزان المدفوعات بالنسبة لدولة ما- والتي يجب أن تدفع حصة محددة منذ البدء، تساوي وزنها في الاقتصاد الدولي- ويمكن اللجوء إلى "حق السحب"، باقتراض يصل إلى 125% من العملات القوية من حصتها، من أجل دعم عملتها الخاصة، والتعديل في التكافؤ يمكن في حال فقدان التوازن (الأساس)، لكن يخضع كل تخفيض يزيد عن 10% إلى إذْن.
ويجب أن يسمح النظام بتطوير التجارة وتنميتها: إذ يمكن لبلد ما، بحاجة إلى نقد أجنبي لتمويل وارداته، الحصول عليه، وذلك بالاقتراض من صندوق النقد الدولي، لكنه يجب عليه اتخاذ إجراءات تسمح له بإصلاح وضعه- ويوافق على حق السحب من قبل صندوق النقد الدولي مقابل تبني سياسة تستهدف توازن الحسابات الجارية "تقشف في الميزانية".
ولقد دخل صندوق النقد الدولي في العمل منذ عام (1946)، وأصبح يشتمل على (181) عضواً في مطلع عام (1996)، ويدار صندوق النقد الدولي من قبل مجلس حكام، يجتمعون مرة كل عام، ويضم جميع الدول. ومن قبل مجلس إدارة مكون من (24) عضواً، منهم سبعة أعضاء دائمين: "الولايات المتحدة، اليابان، ألمانيا، فرنسا، المملكة المتحدة، روسيا، سويسرا"، وتصوت الدول طبقاً لحصتها، ويجب أن تؤخذ معظم القرارات بالأغلبية المؤهلة "85% من أجل تعديل النظام الأساسي أو القوانين وزيادة الحصص" والحصص الأكثر أهمية، هي تلك الخاصة بالولايات المتحدة "18.2% وهذا يمنحها حق النقض على القرارات الأكثر أهمية"، وكذلك اليابان وألمانيا (5.7% لكل منها"، ثم فرنسا والملكة المتحدة "5.1% لكل منها".
والنظام النقدي الدولي قائم على الذهب، ولم يعمل به مطلقاً كلياً حتى عام (1958)، وكان الدولار وحده القابل للتبديل (Convertible). ثم جرى تحقيق قابلية التبديل للعملات الأوربية منذ عام (1958)، أما الين الياباني، فمنذ عام
(1964). ولقد أحْدَث العجز في ميزان مدفوعات الولايات المتحدة منذ عام
(1951)، زيادة في الدولارات، وخلق هذا مضاربة في الحصص، مقابل هذه العملة، ثم دُعِم بصورة مصطنعة من قبل الدول الغربية "بإنشاء تجمع الذهب
(
Pool) عالمياً عام (1960). ثم تمَّ الإعلان أن العملة الأمريكية أصبحت غير قابلة للتحويل في آب (1971) ثم تعرضت الولايات المتحدة في كانون أول من العام نفسه، من ثم في شباط (1973) إلى خفض قيمة عملتها، ودخلت اتفاقيات جامايكا الموقَّعة في كانون الثاني (1976) في التطبيق في نيسان (1978)، أعيد بموجبها الحرية النقدية للدول.
وجرى تأسيس حقوق السحب الخاصة (DTS) Droits de Tirage Spéciau في عام (1969)، حيث أصبحت القيمة محددة بالنسبة للدولار بموجبها، من ثم كسلَّة نقود، هي في الأول وحدة حساب "كل واحد من حق السحب يساوي (1.4) دولار في عام (1997): لكن تلك هي العملة الدولية: وأصدر صندوق النقد الدولي، عدة تخصيصات لحقوق السحب الخاصة، دون عوض من العملات الوطنية. وحقوق السحب الخاصة الممنوحة هي المخزون من الاحتياطات الرسمية، ويمكن لهذه أن يجري تبديلها، مع ذلك، مقابل العملات القوية لدى صندوق النقد الدولي، وفي هذه الحال، أصبح هناك تكوين عملة، والحسنة بأن هذا النظام لا يُشجِّع التضخم النقدي، وأدى بالدول إلى تحديد حصص لحقوق السحب الخاصة "وقد تم خلق (21) مليار حق سحب خاص".
قرعت نهاية النظام النقدي الدولي أجراس استقرار المبادلات:
أصبح هذا الوضع مكسباً، بالنسبة لبعض الاقتصاديين الليبراليين، فإن نسب الصرف، عامل توازن في موازين المدفوعات، إنها ثمن توازن سوق المبادلات مثل الأجرة، يجب أن تكون ثمن التوازن في سوق العمل، وثمن بضاعة في السوق حيث يجري تبادلها. والحقيقة أن الأمر أكثر تعقيداً: فالتبدلات على نسب المبادلات عنيفة جداً أحياناً، وتتسبب في إرباك حسابات الشركات الاقتصادية، حتى إذا عرضت الأسواق أوراقاً مالية من أجل حمايتها.
وحاولت البلدان المصنعة "مجموعة الـ[7]" دون نجاح مستمر في تحسين عملياتها، "اتفاقية بلازا (Blazza) عام )1985)، واللوفر عام (1987)، للكفاح ضد عدم الاستقرار هذا، في الحقيقة، تستخدم نسب التبادل كأداة سياسية واقتصادية وتجارية، خصوصاً من قبل الولايات المتحدة واليابان.
ƒأعيد صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للوضع الذي يسمح بتقديم المساعدات للتنمية: أصبح صندوق النقد الدولي أداة سياسية لمساعدة البلدان النامية. ولم يعد يقدم خدمة لمساعدة البلدان هي في عجز أمام المحافظة على سعر عملاتها الخاصة، بل منح "تسهيلات" للبلدان التي تواجه صعوبات: فإذا كانت الشريحات الأولى للقروض غير مشروطة، وتتطلب الشرائح الأعلى إبرام اتفاق "إثبات" أو"إيفاء بالوعد" بواسطته تلتزم البلدان المستفيدة باتباع سياسة استقرار. فصندوق النقد الدولي قد خلق آلية ملائمة ومشروطة بشروط أشد فأشد: آلية توسعت في الاعتمادات عام (1974)، وتسهيلات في الأحكام أو التسويات البنيوية (1986)، وتسهيلات بنيوية مفرزة عام (1987)، وتسهيلات للتحول التدريجي موجه للبلدان في أوربا الشرقية (1993). ويجب على الدولة أن تلتزم برسالة إقرار من وزير المالية، حول سياستها النقدية والميزانية والأجور، ونسب الربح، ونسب التبادل، وإدارة الدين العام، والاتصالات والمعلومات... الخ.
ولم يتوقف دور صندوق النقد الدولي عن أن يتعزز: إذ جرى عقد (13) اتفاق مشروط في عام (1975) و(20) عقد في عام (1979) و(42) عقد في عام (1990). ويميل صندوق النقد الدولي إلى اتباع سياسة مُواكبة أو مُلازمة على المدى المتوسط "ثلاث سنوات حتى عشر سنوات، لتسهيل التسويات البنيوية المعزَّزة" بدلاً من التسبب في مساعدات منتظمة، كما تتطلب نزعته الأساسية. لهذا، فقد أصبح (الدّرَكي الاقتصادي) بالنسبة للبلدان النامية، وعلى الرغم من لاشعبيته القوية، نتيجة الآثار الاجتماعية غير الحسنة، بسبب شروطه، فإنه مفتاح القنطرة بالنسبة للمؤسسات المالية الدولية، فهو الذي يسمح بإعادة جدولة الديون: تخضع المؤسسات الأخرى الخاصة في تدخلها، إلى تلك التي تخص صندوق النقد الدولي- ولقد وافق صندوق النقد الدولي على (15) مليار حق سحب خاصة حسب الالتزامات في السنوات (1994-1995).
البنك الدولي: وجب عليه في البدء، تعبئة رؤوس أموال على المدى الطويل من أجل إعادة البناء في البلدان المدمرة نتيجة الحرب العالمية الثانية. وكانت هذه المهمة، مكلفة بها الولايات المتحدة مباشرة في الواقع، حسب خُطَّةِ مارشال عام (1947)، وأعيد توجيه البنك عندئذ، نحو مساعدة التنمية. فمنح قروضها على المدى الطويل للبلدان ذات الدخل الضعيف بالنسبة للفرد من أجل تحويل مشاريع قطاعية.
ومع الزمن، أصبح يهتم أكثر فأكثر، بالبيئة الاقتصادية الجمعية MACRO ECONOMIQUE للمشاريع، حيث يعتمد على سلوكيتها. ولقد حدد عام (1980) قرضاً بتسوية بنيوية لتمويل البرامج الإصلاحية الجمعية، التي تكمل غالباً بقروض تسوية قطاعية. ويفرض عندئذٍ (شروطاً عامة) على البلدان ذات العلاقة، ويلعب أيضاً دور الوسيط أو الحافز بالنسبة لمساعدة المنظمات المتخصصة الأخرى: "مثل منظمة الصحة العالمية (OMS ومنظمة التغذية والزراعة و(FAO) والمؤسسات المالية العامة أو الخاصة).
ويتقارب البنك الدولي أيضاً في مجال التدخلات من قبل صندوق النقد الدولي، في حين يقتصر أفقه الزمني بين "ثمانية عشر شهراً وثلاث سنوات". وجرى رفع الالتزامات الجديدة لمجموعة البنك الدولي، بالنسبة للعام (1994) وعام (1995) إلى (45.5) مليار دولار.
تضم مجموعة البنك الدولي خمسة كيانات في الواقع: البنك الدولي لإعادة البناء والتنمية (BIRD)، وقد أُنشئ عام (1947)، ويدار مثله، مثل صندوق النقد الدولي، من قبل مجلس حكام، الذي يستقر فيه، ممثلو جميع الدول الأعضاء، ومن قبل مجلس إدارة شكل من (24) عضواً ولا يمكن لدولة ما أن تصبح عضواً في البنك الدولي، إلا إذا كانت عضواً في صندوق النقد الدولي، ولكل دولة حق التصويت جزئياً، طبقاً (للحصص) التي تمتلكها، بعبارة أخرى، الحُصَّة من رأس مال البنك التي سجلت لها جزئياً فيها، حسب أهميتها الاقتصادية. والحصص قابلة للمقابلة إلى ما يشبه ما لدى صندوق النقد الدولي: (17.5%) للولايات المتحدة و(7.9%) لليابان و(6.1%) لألمانيا، و(5.9%) لكل من فرنسا والمملكة المتحدة.والبنك الدولي لإعادة البناء والتنمية (BIRD) مثله مثل صندوق النقد الدولي، مقره في واشنطن، ويرأسه رئيس أمريكي تقليدياً ويسهم البنك الدولي لإعادة البناء والتنمية بـ (16.8) مليار دولار، قروضاً جديدة في الفترة (1994-1995) .
أنشأ البنك فرعان: الشركة المالية الدولية: ساهمت في عام (1956) في مشروعات أنشئت بمساهمة منها، وساهمت بحوالي (13) مليار دولار كمساعدات في أكثر من (400) مشروع خلال الفترة (1994-1995) ثم الشركة المالية للتنمية (A-I-D) التي أُنشئت عام (1960) وتحول بمساهمات طوعية من قبل الدول- لكن دون التمتع بالشخصية القانونية، وتمنح "اعتمادات" دون فوائد- "في حين يصل البنك الدولي لإعادة البناء والتنمية (BIRD) على فوائد حسب نسب السوق) تسدد ضمن شروط مربحة لتمويل مشاريع ليست مربحة في البلدان الأشد فقراً. ولقد دفعت (5.7) مليار دولار، في الفترة
(1994-1995) وتعتبر الولايات المتحدة المساهم الرئيس في صندوق الشركة المالية للتنمية، إلا أنها قررت خفض مساهمتها بحدود النصف عام (1996).

يشتمل البنك الدولي، أخيراً، على تنظيمين لتسهيل الاستثمار في الخارج: المركز الدولي لتسوية الخلافات، المتعلقة بالاستثمارات عام (1996) والوكالة متعددة الجوانب لضمان الاستثمارات عام (1988).
وتكمل البنوك الإقليمية للتنمية عمل البنك الدولي: حيث تتابع شروط سير عملها، من جانب آخر. فهناك البنك الخاص بالأمريكيتين INTERAMERICAINE للتنمية، مقره في واشنطن، وأنشئ عام (1960) ثم البنك الافريقي للتنمية، مقره في (أبيدجان) والبنك الآسيوي للتنمية، مركزه في (مانيلا) في عام (1966) ثم البنك العربي للتنمية الاقتصادية في أفريقيا، مركزه في (الخرطوم) والبنك الإسلامي للتنمية مركزه في (جدة) عام (1973) هذه البنوك مزودة برؤوس أموال من قبل الدول، تعود بالضرورة، إلى المنطقة ذات العلاقة، ويجب عليها تحقيق الأرباح، إذن، يجب أن تُموّل مشاريع مربحة، وهذا يوضح التناقض بين انطلاقة البنك الآسيوي للتنمية والبنك الخاص بالأمريكيتين للتنمية، من جهة، ومصاعب البنك الافريقي للتنمية من جهة أخرى.
في أوربا، أنشئ البنك الأوروبي للاستثمار "حسب معاهدة روما، أعيد تحديده، حسب معاهدة ماستريخ" مقره في لوكسومبورغ يمول الاستثمارات ضمن مجال الاتحاد الأوروبي، وأعمال التعاون في البلدان الأخرى "بلدان الاتحاد الأوربي، ثم بلدان أوربا الشرقية، ثم بلدان البحر الأبيض المتوسط، وينافس جزئياً من قبل البنك الأوربي لإعادة البناء والتنمية (BERD) الذي أنشئ عام (1990) لتمويل التحولات الاقتصادية في بلدان أوربا الشرقية، ويرجع ضعف التمويل في هذا البنك (10 مليار ECUS) إلى القطاع الخاص المساهم في نسبة تقل عن 60%.
وقرر المؤتمر الاقتصادي حول الشرق الأوسط وأفريقيا الشمالية، الذي اجتمع في الدار البيضاء في تشرين الثاني عام (1994)، إنشاء بنك للتنمية في الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا.
ب-العولمة

1-حركية وتأحيد UNIFORMISATION في قلب العولمة

ƒلقد جعلت تنمية النقل، الحركية صفة الاقتصاد العالمي: إنه التوسع التقني الكبير للإنسان الذي اجتاز المسافات بالتدريج، إذ ترافقت ثورة النقل مع الثورة الصناعية. وسمح اختراع المركب البخاري في مطلع القرن التاسع عشر، والسكك الحديدية ابتداءً من عام (1840)، والسيارة في ثمانينات
(1880)، والطيارة في أقصى نهاية القرن التاسع عشر، سمح كل ذلك، بانطلاقة هامة في تبادلات البضائع والأشخاص، فاستخدمت الطائرة ذات المحرك النفاث منذ عام (1945) مما زاد في طاقات النقل وجرى تحديث النقل البحري في سنوات (1965-1975) عن طرق المعلوماتية واستخدام المحركات الحديثة، ذات الدفع الذاتي في البواخر، والزيادة في حجم السفن وأصبح يؤمن ثلاثة أرباع حجم التجارة الدولية "يأتي النفط في المرتبة الأولى بالنسبة للبضائع المنقولة بحراً" وتضمن النقل بالطرق البرية الذي جرى تسهيله بالطرق السريعة، التي استخدمت من قبلُ في الحرب العالمية الثانية في ألمانيا، تطورات الحد الأقصى في مجالات النقل، وكذلك غاطس النقل البحري.

وأدى التقدم التقني إلى خفض تكاليف النقل، وشجع أيضاً على التوسع في المبادلات، وفي التقليل من فائدة القرب، والتخصص المتزايد لبعض البلدان في التجارة الدولية.
وانتظم الاقتصاد الدولي على شكل شبكات وعُقد مواصلات واتصالات التي ترتسم في مجالات متكاملة، بشكل قوي جداً "أوربا الغربية، والشواطئ الشرقية والغربية لأمريكا الشمالية، وضفاف المحيط الهادئ الجنوبية الشرقية الآسيوية ، وتصدر بعض المنتجات الأولية من بعض المناطق الشاطئية للبلدان النامية، في حين بقيت بلدان أخرى هامشية "بلدان العالم الثالث بشكل عام، وداخل البلدان المتطورة، والمناطق الريفية حيث بقيت في حالة من التخلف" وأصبحت الحركية الصفة نفسها للاقتصاد الدولي أيضاً.
ƒالإعلام، العنصر الأكثر حركية على الكرة الأرضية اليوم: الإعلام مرتبط بشروط الحياة الإنسانية نفسها، قبل أن يصبح خدمة يدفع من أجلها: اللغة، التعبير هو مصدر كل شيء، والإعلام جوهري للحياة الاقتصادية، حيث بدونه، لا يمكن للمقاول أن يتوقع، وبالتالي لا يمكنه أن يتحرك عندئذ إن سير عمل الأسواق "المواد الأولية" أو المنتجات المالية، لا يمكن أن يتفاعل إلا عن طريق الانتشار السريع للإعلام".
في الوقت نفسه فالإعلام، هو أساس الحياة الديقمراطية: إذ تطمح المجتمعات بـ "تنوير" أكثر وبـ "شفافية" أكثر وإلى (رعاية) أكثر في الفلك العام، منذ الثورة الثقافية في القرن السابع عشر والثامن عشر. وإن المعركة من أجل حرية التعبير هي أساس الاستحقاق الديمقراطي.
الإعلام هو الثقل المتزايد لوسائل الإعلام، في آخر الأمر. وانطلقت الصحافة التي ظهرت في القرن السابع عشر، وانطلقت في القرن التاسع عشر، وانتشر الراديو ما بين الحربين العالميتين وتعمم التلفاز خلال مرحلة التنامي لما بعد الحرب العالمية الثانية. وتشكل المجموعات الإعلامية ووكالات الأنباء، وسلاسل آقنية التلفاز العالمية، جميعاً، بعداً جوهرياً للعولمة، ولم تتوقف تكاليف الاتصالات عن الانخفاض. مثلها مثل تكاليف النقل، وسهلت التطور الأسّي في تبادل المعلومات. فتسارع البريد بسبب ثورة النقل، قبل كل شيء، الذي لم يسمح بنقل المعلومات "مباشرة" خلال مدة طويلة جداً، ولقد فتحت الأساليب القديمة للاتصالات "كالإشارات الضوئية، التلغراف البصري لمخترعه شاب CHAPPE عام (1827)، ثم أعقبه التلغراف الكهربائي عام (1837)، ثم الكابل البحري "الخط ما بين دوفر كاليه) عام (1852)، وتلفوبِل (1876)، التلغراف دون خطوط عام (1890) فتحت جميعها الطريق أمام الراديو، والتلفاز أطيراً عام (1924) ومرت معالجة المعلومات بعمليات ميكانيكية قبل الحرب العالمية الثانية "معالجة الخرائط المثقبة" إلى ثورة الإلكترونيات فبعد الحاسوب الالكتروني الأول عام (1945) وهو حاسوب قادر على تنفيذ
(1000) عملية ضرب بالثانية)، إلى الحاسوب المترنز
(
TRANSISTORISE) (من الترانزيستر)، عام (1958)، من ثم الحاسوب الإلكتروني ذي الدارة المتكاملة عام (1964) زادت جميعها من التحليلات بشكل كبير. وسهل استخدام الأقمار الاصطناعية اعتباراً من عام (1960) والفيبر البصري، انطلاقاً من ثمانينات (1980) الاتصالات، وتوصل التقارب في المعلوماتية والاتصالات اليوم (وسائل الإعلانات المتعددة" إلى تكامل طرق مختلفة من الاتصالات على الدعامة التقنية نفسها"، من ثم الشبكة الدولية للانترنيت التي توصف بأنها الطريق السري للمعلومات" والتي ربطت ملايين، وغدا مليارات المستخدمين من جديد، على كامل الكرة الأرضية.
وتتطابق العولمة مع الآنيّة، وأصبح الحدث يُعرف بسرعة أيضاً، في مجمل أطراف العالم، وفي نقاط أخرى من البلدان، التي يتم انتاجه فيها.
إننا أصبحنا نعيش في "قرية كونية"، طبقاً لتعبير شائع ومشهور، واستخدم من قبل المارشال ماك لوهان MAC LUHAN وأصبحت الأحداث السياسية أو الكوارث الطبيعية آنيّة ومضخَّمة بشكل لا يقاس في هذا الصندوق الواسع من الرجع أو الصدى.
ƒتميل الثقافة لأن تصبح عالمية: يجب فهم الثقافة هنا بمعناها الواسع، التي تشتمل على سوق الحاجيات الثقافية أيضاً "الكتب، الدسكات.. الخ" وكذلك في مجال الممارسات. والأمر يتعلق بالتأكيد بالثقافة للنخبة كذلك في المجال الفني، حيث اغتنت بالتأثيرات الخارجية دون انقطاع في أي مكان من العالم. ويستمر العالم، مثل العالم العربي، بالاستفادة من تراثه المدهش، في هذه العولمة في مجال الذوق الثقافي، ليرد على هيمنة الثقافة الشعبية ذات الأصول الأمريكية، مثل هولي وود، ووالد ديزني، والجاز، والروك، والهامبرغر، والكوكاكولا وهي الرموز العالمية اليوم لأذواق السينما والموسيقى، وحتى الأغاني المصدرة من الولايات المتحدة لباقي العالم، مثال ذلك النجاحات التي حققها ماك دونالد MAC DONALD بمطاعمه المتنشرة في أطراف العالم، والبالغة (12000) حتى اليوم، أما في مجال الاقتصاد الدولي فهو في الواقع، الأكثر تأثراً بالعولمة والأكثر فعالية.
2-تمُسّ العولمة رؤوس الأموال والبضائع والخدمات والناس، ضمن نظام متناقض:

العولمة، هي المرحلة الأخيرة في التطور الاقتصادي الذي انطلق من الرأسمالية. ويترافق الترابط مع ظهور أحوال دولية ويظهر، عن طريق التقارب في أسعار البضائع.
أما التدويل INTERNATIONALISATION، فهو المتأخر الأكثر، فهو المرحلة التي يظهر فيها الممثلون للشركات متعددة الجنسيات ويتأصلون في أسواق مختلفة، مع ذلك، كانت توجد أسواق عالمية في القرن التاسع عشر، للمنتجات الأولية "الزراعية، أو المنجمية"، ويتدخل فيها الفاعلون الدوليون: أما في المجال الصناعي، فكان ظهور الشركات متعددة الجنسيات السريع" فقد تأصل فورد في بلدان أوروبية عديدة ما بين الحربين العالميتين. وتوسعت الظاهرة مع تزايد المبادلات خلال ثلاثينيات (1930) الرائعة، كانطلاقة متعددة الجنسيات المعاصرة هي في ستينيات 1960.
والعولمة MONDIALISATION: فهي المرحلة النهائية التي تتوافق مع سوق وحيدة، مع أسعار وحيدة.ويستخدم الأنجلو ساكسون، بالأحرى تعبير "الكلياتية- GLOBALISATION"‍ بحيث كون المشروعات كلياتية وإنها تؤدي إلى استراتيجيات كلياتية. وبهذا، يصبح اعتبار السوق العالمي كمجموع وتتم المتاجرة في منتوجات هذه المشروعات في جميع أطراف العالم، وقد وصف روبر ريش طراز هذه الشبكات بأنها المشروع الذي يضاعف من الشركات، وبحيث تلعب التكنولوجيا دوراً متزايداً في هذه السوق العالمية. وبحيث يميل التمييز بين المادة، التي هي "البضائع" واللامادة التي هي "الخدمات" إلى التلاشي. ولا تمثّل قيمة الدعم في مجال المعلوماتية أكثر من 20% من الكلفة الإجمالية لتجهيزها، مقابل 80% "للوجسييل" "كانت النسبة معكوسة حتى عام (1970)، وتهيمن شركات الطيران المُمَولة، لصناعات الطائرات على قطاع صناعة الطائرات.
ƒعولمة رؤوس الأموال، هي الأكثر مشهدية: كان لتطور الأسواق المالية، منذ البداية، عندما انطلق قبل الحرب العالمية الثانية، قصدية تجارية رِبْحْيَّة. وتطور سوق العملات(4) الأوربية، مع تطور المبادلات التجارية وظهور عدم التوازن في موازين المدفوعات، وعلى نحو هام، خلال الثلاثينات الباهرة (1930) وترافق عدم التوازن الجديد الذي حدث بسبب الصدمة النفطية عام (1973)، بتقلبات نقدية أعقبتها تقويماً عاماً للعملات، أدى إلى انطلاقة في سوق رؤوس الأموال العائمة، وعرفت ثمانينيات (1980)، تحقيقياً حقيقيان لصالح عاملين: الشمولية GLOBALISATION أو الكلياتية، من جهة بعبارة أخرى، ظهور شركات أخذت تعتبر السوق الدولي كمجال وحيد وموحد، فيه تركز الإنتاج ويباع في كل مكان رؤوس الأموال، على نحو هام. ويتجاوز تدفق رؤوس الأموال اليومي، على الأسواق المالية الـ (1000) مليار دولار(5)
هذا، وإن الاستثمارات في مجال المستندات المالية، والتي تشكل التوظيفات غالباً ما تكون طيارة، وتقدمت الاستثمارات المباشرة في الخارج أيضاً على نحو هام منذ عام (1980) ويمثل التدفق السنوي كثر من 1% من الدخل الداخلي العالمي الخام في عام (1993) مقابل .0.5%في عام (1980)، أما المخزونات، فقد تجاوزت الرقم من 5% إلى 8%. وتضاعف مخزون الاستثمارات المباشرة في الخارج ثلاث مرات أيضاً في الفترة (1985-1993) أي متجاوزة المبلغ من (700) مليار إلى (4100) مليار دولار (6)
تعتبر اليابان اليوم، المستثمر الأول في مجال التدفق السنوي، تتبعه الولايات المتحدة. أما البلدان المستقبلة الرئيسة، فهي الولايات المتحدة، ثم المملكة المتحدة. وأخيراً الصين منذ عدة سنوات. وقد تلقت مجمل البلدان المتطورة ثلث الاستثمارات العالمية في عام (1993)- وهذا يعني، أعلى مما بلغته في السبعينات (1970) والثمانينات (1980)، بشكل واضح، وتعتبر المملكة المتحدة البلد الذي يستثمر الجزء الأكبر من ثروته في الخارج 25% من الدخل القومي الخام "مقابل 7% بالنسبة للولايات المتحدة" وتحتل الولايات المتحدة، المكان الأول في القيمة المطلقة: (550) مليار دولار، مستثمرة في الخارج، حتى عام (1993)، في حين استقبلت (450) مليار دولار للفترة نفسها، ويستثمر اليابان (250) مليار دولار في الخارج، أي أكثر مما يُستثمر عنده من الخارج.
تشهد هذه الأرقام على تطور الشركات متعددة الجنسيات، حيث تدّعي الكثير منها، كون هذه المشروعات "شاملة"، تُصنع وتوزع إنتاجها على نطاق الكرة الأرضية، وكانت في الماضي، تهتم باستغلال العالم الثالث وتستفيد الشركات متعددة الجنسيات، من صورة أكثر إيجابية، منذ السنوات الأخيرة، وتحاول الدول اجتذابها، وذلك بتبني تشريعات ملائمة للاستثمارات الأجنبية. وتسمح الخصخصة PRIVIATISATION والتشوشات DEREGLEMENTATION نتيجة الاتفاقيات المالية بتشجيع التنمية في المبادلات بين الشركات، لقد أصبح عدد الشركات متعددة الجنسيات (83000) شركة في عام (1993) طبقاً لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والصناعة
(
CNUCED)، تستخدم (73) مليون موظف "أي 3% من مجموع الاستخدام العالمي" وتحقق فروع هذه الشركات في الخارج، وعددها (200000) فرع، 10% من الدخل الداخلي الخام العالمي، وتسيطر الشركات متعددة الجنسيات، على القسم الأعظم من التجارة العالمية: وستصبح (30%) من المبادلات الدولية، طبقاً لأرقام الأمم المتحدة، مبادلات بين الشركات(7) فإذا كان لهذه الشركات متعددة الجنسيات هذا النفوذ الهام في العلاقات الاقتصادية فيجب الاعتماد على سلطتها أيضاً في الفلك السياسي ومثال ذلك الدور الذي ساهمت به شركة (ITT) في قلب نظام أَلّلندي في التشيلي عام (1973).
ƒتقدمت المبادلات التجارية بسرعة أكبر، مما تقدم الناتج القومي الخام الداخلي منذ عام 1945: لقد تجاوزت نسب نمو التجارة الدولية، نَِسَب نمو الناتج القومي الخام الداخلي، بمقدار النصف: إذ بلغ إجمالي الصادرات الدولية الـ (5000) مليار دولار تقريباً عام (1995).
لقد اتجهت حصة البلدان المتطورة نحو التزايد من تجارة السوق في التجارة الدولية، وحصل الجوهري في هذه المبادلات بين البلدان المتطورة، فوصل إلى "56%" في عام (1990) مقابل (40%) في عام (1950)، وحصلت الحصة الأقل أهمية في التجارة شمال- جنوب، فبلغت "28% في عام 1990 مقابل 40%في عام (1950) وتوافق الباقي مع البلدان ذات الاقتصاد المخطط قديماً، وبين بلدان الجنوب، وشهدت الصادرات الدولية، هبوطاً في حصة الزراعة من المنتجات" "من 35% عام (1955) إلى 12% عام (1992) في حين أثبتت المنتجات المصنعة رجحانها "47%من الصادرات العالمية في عام 1990" وتقلبت حصة المنتجات المعدنية تبعاً لتغيرات الأسعار.
ƒلقد تأثرت الخدمات ببطء بالعولمة: تقدمت المبادلات في مجال الخدمات منذ الثمانينات (1980) بشكل هام، وأصبحت تمثل "1200" مليار دولار في عام (1995 وبقيت تجارة الخدمات متواضعة، في التجارة الدولية "أقل من 25% بالنسبة إلى وزن الخدمات في الاقتصاد ولدى البلدان المتطورة "67% من الناتج القومي الخام الداخلي في بلدان الاتحاد الأوروبي" والخدمات أقل سهولة من حيث كونها لا مركزية في الواقع: ويتعلق الأمر في أغلب الأحيان لدرجة ما بـ "الأطباء" المطاعم المهندسين، الحلاقين.. الخ" وتتعلق الحصة الأكبر في هذا القطاع "بالخدمات الاجتماعية والتعليم والعدل والشرطة" أما الخدمات الرئيسة المتبادلة، فهي الخدمات البنكية والمالية، التي تصل إلى (37% من الحجم الإجمالي) أما في مجال نقل البضائع فتصل إلى (33%) والأشخاص إلى 30% والولايات المتحدة هي المصدر الأول للخدمات، تتبعها فرنسا.
ƒالعالم الإنساني، هو العامل الأخير في الاقتصاد الدولي.
يبقى الفرد، على الرغم من تأَحُّد UNIFORMISATION الثقافات وتطور المبادلات الاقتصادية مرتبط ببلاده وبلغته، على الأغلب والأكثر بأرض وطنه، ولا يمكن إهمال نسبة العمال المبعدين عن أوطانهم، لكنها تبقى الأضعف في مؤشرات العولمة. ففي فرنسا يعدون بـ (1.7) مليون مبعد، على سبيل المثال، "حيث نصف هؤلاء المبعدين إجمالاً، هم في أوربا الغربية" وتصل نسبة المبعدين إلى (2.5%) من عدد السكان الإجمالي" وهذا الرقم هو أدنى مما هو عليه الحال في المملكة المتحدة، حيث يصل إلى 6% وفي اليابان إلى 8% وفي إيطاليا إلى 10% وفي سويسرا إلى 12%.
ولم تتوقف الهجرة بالكامل، على الرغم من تطور البطالة في البلدان المتطورة. فقد تزايد عدد السكان الأجانب في ألمانيا بمقدار (800000) شخص، في الفترة (1980-1990) ومن (7.4) مليون شخص في الولايات المتحدة، خلال الفترة نفسها، أما في فرنسا، فقد انخفض العدد قليلاً، "حيث يمثل 6% من مجموع عدد السكان، عام 1990) لكن يجب الأخذ بالحساب، عدد من يتجنسون، لأن تدفق المهاجرين لم ينضب.

أخيراً، يجب الأخذ بالحساب- أن عدد السكان من المهاجرين، يصل عددهم إلى (125) مليون شخص ممن يعيشون خارج بلادهم، بعبارة أخرى أقل بقليل من 3% من سكان الكرة الأرضية.
وهناك ظاهرة أخرى في التحرك الإنساني، يجب أخذها بالاعتبار، وهي السياحة التي تطورت بشكل هام: إذ تواجد (30) مليون سائح عام (1950)
و(130) مليون عام (1970) و(520) مليون عام (1994) بالتحديد "فإنها مع ذلك، لا تشكل سوى خمس إجمالي المتنقلين في العالم" ويتعلق الأمر بتدفق الأوربيين- إذ ينتقل القسم الأعظم من بينهم في البلدان الأوربية الأخرى. ويشكل السائحون اليابانيون والأمريكيون حركات هامة أيضاً.

3-مع ذلك، تبقى العولمة غير تامة.

ƒويبقى النطاق التنظيمي للمبادلات العالمية ناقصاً: إنه من المنطقي والمرغوب فيه أن تكون قواعد التبادل الدولي محدودة، على المستوى الدولي. لكننا بعيدون عن ذلك. فمن جهة لم تنته شمولية –UNIVE RSALITE (الغات): (120) دولة الأعضاء في تلك الاتفاقية فقط وإن الانتساب لهذه المهمة شرط مسبق للانتساب إلى منظمة التجارة الدولية OMC. فلا تزال البلدان الاشتراكية السابقة خصوصاً روسيا والصين مستبعدة ولا تزال حالة الصين مقلقة، بسبب مبادلاتها المتزايدة، وكذلك "مشكلة الإعانات المالية والحماية الخاصة بالرسوم وشهادات المنشأة".
من جهة أخرى، لقد جرى إعداد مبادئ (الغات) بالنسبة إلى بيئة منافسة، والحالة هذه، ليس حسب شروط التجارة الدولية، كما أن تقلبات أسعار العملات، تخالف حساب الوكلاء التجاريين، ويؤثر التبدل في أسعار الدولار، على أسعار البضائع المصنعة والمواد الأولية، حيث يحرر فيه الجزء الأعظم من المبادلات الدولية، ولقد فاقم سعر الدولار المرتفع من تأثيرات الصدمة النفطية الثانية وغمر العالم في أزمة (1979-1985) وشجع خفض قيمة الدولار على صادرات الولايات المتحدة وكذلك اليابان حيث النقد فيها يتبع الدولار.
ولقد تسببت الاختلافات في التشريعات في المجالات المالية والاستثمارات والحماية الاجتماعية، في تشوشات العلاقات الاقتصادية الدولية وليس هنالك من أسس دولية تقر بالاحتكار والتعسفات في المواقف المهيمنة للشركات، في مجال التنافس، وترك موضوع المساعدات العامة لتقديرات الحكومات، باستثناء الإعانات المالية الخاصة بالتصدير، إذن، يجب تحديد الاتفاقيات ثنائية الجانب في مجال التنافس أو الضرائب، لكن مشكلة التوافق هذه لا تحل على المستوى الدولي، حيث لا يوجد أي وضع في القانون الدولي للشركات متعددة الجنسيات، ولقد أظهر الحوار حول الشرط الاجتماعي حساسية في الموضوع في المنظمة الدولية للتجارة: إذ تخشى البلدان المتطورة من عدم التمركز DELOCALISATION، وتريد بذلك إجبار البلدان النامية، على التصديق على الاتفاقات الرئيسة للمنظمة الدولية للعمل: وعلى العكس، تريد البلدان النامية، الاحتفاظ بيد عاملة رخيصة، والتي تعتبرها الحَسَنَة أو المكسب الوحيد المقارن القابل بأن يسمح لها بالتنمية الاقتصادية.
ƒيشتهر التكامل الإقليمي بعدم كفايات الاقتصاد العالمي للعلاج.
ƒالحمائية LE PROTECTIONNISME لم تستأصل بعد: لقد استخدمت الدول الحريات التي تركتها لها (الغات) بشكل واسع، وليس من المؤكد أن تشاهد هذه الممارسات وهي تختفي بالكامل في عصر المنظمة الدولية للتجارة (OMC) حتى إذا لم تمنع قوانين الكتل التجارية، الحرية في الاستمرار في المبادلات الدولية، لأن الحمائية لم تختف بعد.
ولقد أدى ذلك الأمر خدمة بشكل كبير للولايات المتحدة، بسبب محاولتها معالجة عجزها التجاري. ويسمح الكونجرس، للرئيس الأمريكي، بالرد على الأفعال "متعذرة التبرير" أو "غير المعقولة" أو التمييزية" حسب تعابير ذلك الكونجرس- ويفرض على الدول اتفاقات فيها "تعقيدات إرادية على الصادرات" مثل الحديد عام (1968)، وتُعَمّم الاتفاقيات ثنائية الجانب، على واردات المنسوجات عام (1971)، في مجال نظام الحصص، وتسمح الفقرة (301) من ميثاق التجارة لعام (1974) للحكومة الأمريكية باتخاذ تدابير ثأريه وحيدة الجانب، في حال انتهاك بيان قواعد (الغات)، أو ممارسة ما ترى فيه الولايات المتحدة، بأنها مخادعة. ويمكن لهذا التشريع أن يستخدم من قبل واشنطن في كل مرة ترى أن مصالحها معرضة للتنافس. كما يسمح المقطع (301) (supper) للكونجرس عندئذٍ "وليس فقط للرئيس" اتخاذ تدابير ثأريه. كما توسعت الفقرة
(301) "الخاصة"، بالإضافة إلى المقطع (301) (
SUPPER) لتشمل الممارسات المتعلقة بحقوق الأفضليات الفكرية وأرجأت الولايات المتحدة تطبيق ذلك التشريع، بعد إنشاء منظمة التجارة الدولية. ويسمح اتفاق (كلنتون- دول) الموقع بشهر تشرين الثاني (1994)، أن تستطيع الولايات المتحدة، من الانسحاب من المنظمة إذا جرى الإعلان عن ثلاثة آراء سلبية، خلال ثلاث سنوات ضدها.
أما في أوربا، فاللجنة الأوربية، هي المسؤولة عن استخدام العقوبات في المجال التجاري. وهكذا، جعلها طول الإجراءات، غير فعال، ولا يمكن للاتحاد الأوربي إعطاء الضمانات نفسها، كما لو كان الأمر متعلق بطرف واحد، يمارس من قبل طرف، وهو الولايات المتحدة، ولهذا السبب، فإن مصلحة البلدان الأوربية، هي بشكل عام حماية بعيدة عن المنافسة الدولية في مجالات "الزراعة والسمعيات- والبصريات".
واليابان، هي إحدى البلدان الأكثر انفتاحاً في مجال الخطة المتعلقة بالتعرفة، فهذا البلد، مفرط في مبادلاته التجارية من حيث الفائض منذ زمن طويل، من الناحية البنيوية، ويعتبر مع ذلك، على أنه البلد الأكثر حمائية. والأسباب المثارة متنوعة، وهي: نظام التقيد في التوزيع، وهيمنة اقتصادية للمجموعات الكبرى، ثم التحفظات الثقافية من قبل المستهلكين اليابانيين تجاه المنتجات الأجنبية، أخيراً التعقيدات الإدارية. ويطرح دنيس كليرك (DENIS CLERC) المشكلة الحقيقية التي خلقت هذا الوضع بقوله: "لماذا سيخشى بلد ما ممارسة التبادل الحر إذا كان سكانه لا يجدون مصلحتهم في هذا التبادل وإذا سيطر توافق معاد للانفتاح بالأحرى؟ على كل حال، فالمشكلة من جهة أخرى: أن بلداً ما أعد ديناميته الاقتصادية من أجل غزو السوق العالمي، أو في جزء كبير منه، عندئذٍ لا يمكنه ممارسة اللاتناسق، ويرفض أن يلعب الآخرون الورقة نفسها، مقابل تلك الانفتاحات الخارجية، فلا يمكن أن نكون مقايضين أحراراً في الصادرات وحمائيين في الواردات". وقامت الولايات المتحدة ودول السوق المشتركة بإجبار اليابان على عقد اتفاقات حصر ذاتي، خصوصاً في مجال السيارات، في مواجهة هذا الوضع. وهذا الأمر لا يمكنه أن يسير دون ترك آثار ضارة "زيادة الأسعار وعدم حصر جزئي للإنتاج".
ج-التكامل الصعب للجنوب في الاقتصاد الدولي الجديد:

1-يبدو أن مفهوم العالم الثالث قد تم تجاوزه:

لقد استخدم الاقتصادي ألفرد سوفي ALFRED SAUVU، الكاتب في الأُبزرفاتور OBSERVATEUR، تعبير العالم الثالث، مقارنة مع الدولة الثالثة، في نهاية النظام القديم، للمرة الأولى، عام (1952) ويبدو اليوم، أن هذا المفهوم الثوري، قد أبطل، بعد قمة النظام الاقتصادي الدولي الجديد عام
(1974).

ƒلقد ضاق نفس المطالبة بنزع الاستعمار: حيث تصدعت الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة، بعد عام (1945)، بعد نزع الاستعمار في بلدان أمريكا اللاتينية في القرن التاسع عشر، وكذلك فيما يسمى بالشرق الأوسط ما بين الحربين العالميتين، عموماً، وكذلك الهند عام (1947)، وحتى فلسطين عام (1948)، لكن المأساة الاستعمار الجديد قد حلت بها. واندنوسيا عام
(1949) الهند الصينية عام (1945)- حيث تحررت بالتدريج. أما في افريقيا السوداء- فقد بدأ عام (1957) مع غانا "ساحل الذهب سابقاً، المستعمرة- البريطانية"، وانتهى بشكل واسع عام (1960)، وانقضى مع استقلال المستعمرات البرتغالية في الفترة (1974-1975) "عينيابيساو، الرأس الأخضر، موزامبيق، ساوتومي، أنغولا" وجيبوتي عام (1977)، من ثم نهاية العنصرية في جنوب أفريقيا.

ƒلقد اخفقت العولمة اقتصادياً في العالم الثالث LE TIER- MONDISME:
لقد وَعَتْ البلدان منزوعة الاستعمار القديم كونها بلداناً متخلفة انطلاقاً من إثبات مثلث الجوانب: الاحتدام الديموغرافي، والثنائية والاستغلال.
لقد تضاعف عدد سكان العالم الثالث في الفترة (1965-1995): هذا التزايد المتفجر للسكان، لم يعقبه تزايد سريع في الإنتاج أيضاً، حيث نقص دخل الفرد في عدد كبير من البلدان، خاصة في بلدان أفريقيا، إذ انخفض إنتاج الحبوب بالنسبة للفرد بمقدار 16% خلال الفترة (1952-1983)، ويقدر أن هناك (500) مليون شخص يعانون سوء التغذية في آسيا، و(160) مليون في أفريقيا، خاصة في المناطق شبه الصحراوية، وإذا كان عدد سكان أفريقيا قد يتضاعف خلال الفترة 1990-2010) كما تدعي الإحصائيات الدولية التي لا تأخذ بالحساب، تأثير فقدان المناعة "الأيدز أو السيدا" على الديموغرافيا، "لا يزال ذلك الأثر محدوداً نسبياً"، فإن ثلث الأفارقة "حوالي (300) مليون فرد، سيعانون الجوع، خلال الخمسة عشرة عاماً القادمة.
الثنائية LE DUALISME: تتوضح غالباً في اقتصاد العالم الثالث بالتناقض بين قطاع مربح وموجه نحو الخارج، "مرتبط باستغلال المواد الأولية الموروث عن الفترة الاستعمارية وباقي اقتصاد متخلف، وغير مدرج في التجارة الدولية، وتترجم هذه المعاينة، جغرافياً غالباً، "كالتعارض بين السواحل مع الموانئ الهامة ووسائل الاتصالات الكبيرة من جهة، والبلدان المتخلفة من جهة أخرى". وهناك انفساخ آخر، يفصل جزءاً صغيراً من السكان، الذي أصبح ثرياً، مع كتلة الجماهير الفقيرة، التي تميل إلى التجمع في المدن أكثر فأكثر، كما في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، حيث تتمنّى إيجاد الوسائل للوصول إلى الأفضل. ويزيد هذا التوسع في مدن الصفيح، في تفاقم الأزمة، حيث من المتوقع أن يزداد عد سكان المدن في البلدان النامية، من 37% عام (1995) ليصل إلى 57% عام (2025).
تعتمد البلدان النامية على البلدان الغنية:
من جهة، تعتمد في صادراتها "ضرورة كمنفذ" وفي وارداتها "خصوصاً من المواد المصنعة"، وفي استثماراتها "الحاجة لرؤوس الأموال" والعديد من هذه البلدان، خاضع لمنتج وحيد، لأكثر من 50% من دخل الصادرات، النفط بالنسبة للبلدان المنتجة للنفط، الأورانيوم بالنسبة للنيجر، النحاس بالنسبة لزامبيا وكاليدونيا الجديدة، القهوة بالنسبة لأوغاندا ويورندي، وأثيوبيا وسلفادور، السكر بالنسبة لكوبا، والتبغ لملاوي الخ.
ولقد أدى الهبوط في أسعار المواد الأولية، على المدى الطويل (-40%) في الفترة (1950-1990) على الرغم من تزايد حصة المنتجات المصنعة في صادرات البلدان النامية على حساب المواد الخام أدى إلى تشوش في علاقات التبادل بالنسبة لهذه البلدان(9).
وتحركت البلدان النامية في اتجاهين لمواجهة هذا الوضع، فمن جهة عبرت عن مطالبها، خصوصاً في نطاق الجمعية العامة للأمم المتحدة، تجاه البلدان المتطورة. وقد حصلت، على تبني معاملة تفضيلية في التجارة الدولية، من مؤتمر الأمم المتحدة، حول التجارة والتنمية: ويتعلق الأمر بنظام أفضليات مطلق، أقيم مؤقتاً عام (1971)، ونهائياً عام (1979)، لكن البلدان المصنعة، عارضت اتخاذ إجراءات استثنائية، عندما تهدد هذه الإجراءات صناعتها الوطنية أمثال ذلك "الاتفاقات الخاصة بالمنسوجات متعددة الخيوط التركيبية المعقودة اعتباراً من عام (1973) بهدف تحديد واردات المنسوجات القادمة من البلدان المصنعة حديثاً.
في الوقت نفسه، حصلت البلدان النامية، على تبني "برنامج متكامل" يستهدف استقرار أسعار المنتجات الأساسية، من خلال مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والصناعة (CNUCED) الذي انعقد في نيروبي عام (1976) كذلك الحال بالنسبة لاستقرار الكارتلات أي اتحاد شركات المصدرين- من أجل استقرار أسعار المواد الأولية، باستثناء حالة واحدة. إبقاء أسعار الكاوتشوك على حالها بهدف استقرارها وتلقي الصندوق المشترك، التابع للأمم المتحدة الخاص باستقرار أسعار المنتجات الأولية المنشأ عام 1989) تخصصات غير كافية لتمويل المخزونات المنظمة وكذلك من أجل التدخل في الأسواق بهدف دعم كل منتج من المنتجات الأساسية الثمانية عشرة. لكن لم يتوصل الحوار شمال جنوب إلى أية نتيجة. وكان مؤتمر باريس، حول البلدان الأقل تقدماً، عام (1977)، وقمة كانكون CANCUN عام (1981) المظاهر الأخيرة في الوساطات، في هذه المجالات.
من جهة أخرى، بحثت البلدان النامية، تحديد سياسات اقتصادية بديلة:
"تنمية مركزية ذاتية" "النموذج التانزاني" و"الصناعات البديلة" عن الواردات "البرازيل، الجزائر" ثم التدخل العام من قبل الدولة في حال العجز المالي بالمساعدة العمومية والمديونية. لقد سمحت هذه السياسات للبلدان النامية بالحصول على نمو أقوى خلال الستينيات (1960) والسبعينيات (1970). لكن وصلت في الثمانينات إلى ساعة الحقيقية: ففي حين واجهت الدول التي اختارت طريق الإدارة الحكومية، العجز المالي، مما دعاها إلى مجابهة أزمة مديونية على نحو فظ، وكذلك الأمر بالنسبة للاقتصاديات الجديدة، التي ظهرت نتيجة تنمية صادراتها. أما تلك البلدان التي نجحت فهي تلك التي نجحت في الاندماج بالتجارة الدولية"، وقد أكد ذلك على انتصار روستو ROSTOW "صاحب نظرية الإقلاع" على بريبيش PREBISCH صاحب نظرية "معارضة المركز والمحيط".
أنذرت أزمة الاستدانة بنهاية الآمال الاقتصادية في العالم الثالث: لقد زادت الصدمات النفطية من فواتير النفط في البلدان الفقيرة وحيث الحاجات فيها، غير قابلة للانضغاط، على عكس البلدان الغنية"، أما المصادر المالية من مدخولات النفط، فقد أودعت في البنوك الغربية، وأخذت هذه البنوك في إقراض البلدان النامية، وفي هذه الحال، تضافر تحلق الدولار، نتيجة السياسة النقدية المقادة من قبل الولايات المتحدة اعتباراً من عام (1979)، مع هبوط أسعار المواد الأولية، في "التسبب في نزف مدخولات صادرات البلدان الفقيرة، مع النقص الدولي في رؤوس الأموال الناتج عن العجز في الميزانيات الأمريكية. وأدى كل ذلك، إلى وضع بعض البلدان النامية في مواقف صعبة. وتعلن المكسيك، عن التوقف عن دفع ما عليها من ديون عام (1982) وإذا كانت أزمة المكسيك، قد جرى حلها، عن طريق إسهام صندوق النقد الدولي، أصبحت ديون العالم الثالث، المشاكل الرئيسة في الاقتصاد العالمي، ويفرض صندوق النقد الدولي سياسات استقرار تمر عبر خفض العجوزات، وعبر تخفيض قيمة النقد الوطني، ورفع نسبة الفوائد وتحرير الاقتصاد، ولوضع هذه البرامج موضع التنفيذ تكاليف اجتماعية، ولا يسمح للبلدان النامية أن تتحرر دوماً من نيرها هذا.
وجرى وضع حلول أكثر جذرية، شيئاً فشيئاً خطة بيكر عام (1985) التي اكتفت "بتوقيع مشاركات جديدة مع أموال جديدة. وأصبح يقود تشخيص إفلاس البنوك التجارية، إلى التجاوزات في المؤونات في ميزانياتها لاستباق النقص في اعتماداتها في البلدان النامية، وذلك اعتباراً من الفترة (1987-1989) وتوقعت خطة برادي BRADY عام 1989 إعادة توزيع الدين "خفض في الحجم، وتأجيل في تاريخ سداد الدين" مقابل خطة تسوية بنيوية في البلاد. إنها "عنونة" الدين، باستبدال الديون، مقابل الدين: باستبدال الديون مقابل صكوك قيمة وجهته أدنى، لكنها مضمونة من قبل الخزينة الأمريكية. واستفاد العديد من البلاد من هذا الإجراء "المكسيك، فنزويلا، البرازيل، الأرجنتين، الفلبين بولونيا.. الخ" من جهة أخرى، فإن سوق صكوك الديون مُنزَّلة القيمة، متطور. فضلاً عن ذلك. فقد حصل مستثمرون على صكوك الديون هذه، بسعر منخفض من أجل استبدالها مع البلدان المدينة، مقابل مشاركات في مشروعات عمومية أصبحت مخصخصة. ويصبح نير الدين، أكثر قابلية للحمل، كذلك، مع أن قيمته المطلقة تستمر في الزيادة "1700 مليار دولار في نهاية عام (1994)، وتتجاوز أربعة بلدان رقم الـ (100) مليار دولار المكسيك الصين، أندنوسيا، البرازيل".
لقد قررت قمة الدول الصناعية السبع، التي انعقدت في تورنتو عام
(1988) إضافة إلى ما سبق، إلغاء جزء من الدين العام، أو خفض نسب الفائدة على بعض البلدان، فاستفادت مصر وبولونيا من هذه الإجراءات كما كانت البلدان الأشد فقراً، هدفاً لإجراءات الخفض، خصوصاً تلك المدينة تجاه المنظمات العامة.

لقد فقد مفهوم عدم الانحياز سماته: انعقد المؤتمر الأول في نيسان عام
(1955)، في باندونغ "أندنوسيا"، وضم (26) دولة "ولم تشكل الصين واليابان جزءاً من حركة عدم الانحياز" الذي كان هدفه انطلاقة جديدة في التاريخ البشري، وفي ختامه، أدان الاستعمار، في جميع مظاهره"
وكان ذلك تعبيراً استهدف الاتحاد السوفياتي آنذاك- وأطرى التعايش السلمي، حسب المبادئ الخمسة المحددة من قبل الهند والصين في ديباجة معاهدتهما حول التيبت: سلامة الأراضي الوطنية من التجزئة والانتقاص والسيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وعدم الاعتداء، وتبادل المكاسب في العقود، والتعايش السلمي. ثم فتح لقاء عبد الناصر وتيتو ونهرو، في جزيرة بريوني (يوغوسلافيا)، في تموز (1956) الطريق أمام حركة عدم الانحياز، التي تمفصلت حول ثلاث كلمات: التأكيد على وجود عالم ثالث، ثم الحيادية. أخيراً نزع الاستعمار.
ثم تأسست حركة عدم الانحياز عام (1961) في بلغراد وضمت عندئذ
(25) دولة
: فوضعت حركة عدم الانحياز شرطاً للانتساب إليها، ألا وهو: "إن انخراط أي عضو جديد في الحركة، يجب أن يخضع لاحترام الشروط الخمسة التالية: إتباع سياسة قائمة على التعايش السلمي. ثم تقديم الدعم لحركات التحرر، وأن لا ينتمي إلى أي تحالف عسكري، وأن لا يعقد أي اتفاق مساعدة عسكرية مع قوة أعظم، وأن لا يحمي قاعدة عسكرية أجنبية. وأصبح يجري تبديل رئاسة الحركة كل ثلاث سنوات: يتضمن البلدان التي تستقبل قمة الحركة كل ثلاث سنوات الرئاسة الثلاث سنوات التالية. وعرفت الحركة أيام انتصاراتها في ستينيات (1960) وسبعينيات (1970). ثم أخذت تتوسع تدريجياً، حتى بلغ عدد البلدان المنتمية للحركة (100) عضو ولقد وضح مؤتمر عام (1964) أهداف الحركة بالصراع ضد الاستعمار والإمبريالية ومساعدة حركات التحرر الوطني. وأضاف مؤتمر لوساكا عام (1967) إلى أهدافه، الصراع ضد الصهيونية، وفكرة التضامن الاقتصادي والسياسي، وأعد مؤتمر الجزائر عام (1973) إقامة نظام اقتصاد دولي..
لقد فشلت حركة عدم الانحياز ابتداء من سبعينيات (1970) بصورة مضاعفة:
في المقام الأول، لم تتوصل إلى تحديد طريق للتآلف قابل للتنفيذ بين الشرق والغرب. كما أن حركة عدم الانحياز، لم تتوصل إلى فرض مبادئها جميعاً على أعضائها، فكان العديد من أعضائها ينتمون إلى هذا المعسكر أم ذاك، في الواقع، مع ذلك، فقد عززت حرب فيتنام من عزلة الولايات المتحدة، في المجتمع الدولي، كذلك، فشل الطراز الاشتراكي ليكون بديلاً للمرور إلى الاستقلال عن الغرب الرأسمالي، على المستوى الاقتصادي. وازدادت الهوة، بين أولئك الذين انضموا إلى المعسكر الاشتراكي، باسم المعركة ضد الإمبريالية- وأولئك الذين يريدون المحافظة على مسافة متساوية بين الكتلتين، في قمة الجزائر عام (1973)، أما مؤتمر هافانا عام (1979) فزاد في تلك القسمة.
الفشل الثاني لحركة عدم الانحياز، عجزها عن تحقيق وحدة العالم الثالث، وعجلت النزاعات الاتحادية لدى البعض، في خطا المنافسة بسرعة بين الدول، فتقاربت الهند من الاتحاد السوفياتي، للوقوف ضد الصين التي حافظت على ابتعادها عن الحركة، ثم نيجريا التي مزقتها حرب بيافرا (1967-1970) وزادت في قسمة حركة عدم الانحياز. أخيراً، تكشف صعود الروح الأصولية عن قوة رجعية وردود فعل ضد العولمة والتهميش الاجتماعي.
ثم فقدت حركة عدم الانحياز، التي أصبحت تضم (113) عضواً، تلاحمها أيضاً بعد انهيار الكتلة الاشتراكية. حيث لم يعد لحركة عدم الانحياز من معنى، في الوقت الذي بدا فيه أن الأيديولوجية الغربية قد انتصرت ولو مؤقتاً. واختفت الخطابات المعادية للامبريالية والاستعمار، كما لم يعد لحركة عدم الانحياز من وجود، لتنجح في فرض خط مشترك في المواضيع السياسية الكبرى. كما أظهرت عجزها في تسوية الأزمات التي تخص أعضاءها، وفقدت كل نشاط لها، فقد عجزت عن إجراء تسوية لإنهاء الحرب العراقية- الإيرانية وعاصفة الصحراء، أو ثعلب الصحراء أو العدوان الأمريكي البريطاني المستمر على العراق، حتى لدرجة أن شارك بعض دول عدم الانحياز في تدمير العراق وكذلك الحال، عدوان منظمة حلف شمالي الأطلسي- على العضو البارز في حركة عدم الانحياز، وأحد مؤسسيها، يوغوسلافا السابقة أما المطالب الاقتصادية فقد بقيت مواضيع لا حل لها، على الرغم من أن أكثر من 51% من سكان الكرة الأرضية، ينتمون لحركة عدم الانحياز، لكن أعضاؤها، لا يشكلون سوى 7% من الدخل القومي الخام العالمي.
ففي قمة بلغراد عام (1989) اتخذت حركة عدم الانحياز خطاً معتدلاً في لهجتها تجاه العالم الإمبريالي، حسبما جرت العادة، فلم يوجه الاتهام للولايات المتحدة، ولا للصهيونية. وتقوم الحركة ضمناً، وللمرة الأولى بتبني طروحات الولايات المتحدة، بشأن حقوق الإنسان.
ƒوأخذ العالم بالتفجر إلى شظايا أكثر فأكثر: إجمالياً، يمثل الدخل القومي الداخلي الخام بالنسبة للفرد مقارناً بالقوة الشرائية (10) في مجمل البلدان النامية 15% من مثيله في المستوى لدى البلدان المتطورة. وبقي الرقم عام (1992) هو نفسه كما في عام (1960) وتحجب هذه الاستمرارية التباينات الكبرى
2-الانشقاق بين الشمال والجنوب، يتأبد:

أصبح التمييز بين مجموعة البلدان الغنية والأخرى المتخلفة أكثر وضوحاً فأكثر. وتتشكل الأولى من البلدان الغربية، التي تتجه الآن إلى ضم بلدان أوربا الشرقية، من جهة، ومن كتلة البلدان ذات الدخل الضعيف التي تأسن وتغوص في التخلف، خاصة في معظم بلدان أفريقيا وأمريكا الجنوبية، وبعض بلدان آسيا، من جهة أخرى.
ƒيتوجه الشمال نحو التوسع: لقد أقام الشمال أجهزته ومؤسساته الخاصة للتشاور والتواطؤ، فضلاً عن قدراته التي غالباً ما تكون اصطفائية في معالجة بعض القضايا، وتهيمن البلدان المصنعة، ذات اقتصاد السوق، على التجارة الدولية في مجال المنتجات المصنعة، إذ يصل إلى 75% أما في المنتجات الزراعية فتبلغ 63%.
تجمع مجموعة السبعة، التي تأسست عام (1975) سبعة بلدان هي البلدان الصناعية الرئيسة: تزداد شهرة هذه المجموعة نتيجة الأصداء التي تعقب قممها السنوية، والتي تجمع رؤساء الدول والحكومات فيها، كما تتفرع عنها مجموعات واجتماعات متنوعة لمسؤولين كبار: لقاءات وزراء المالية، و/ أو حكام البنوك المركزية في المجموعة "ومستشارين دبلوماسيين لرؤوساء الدول أو الحكومات" مع ذلك، فإن مجموعة السبعة لا تزال بعيدة عن تحقيق نجاحات في تسوية جميع المشاكل التي تعرض عليها لكن القدرات التي تملكها، تمنحها دوراً موجهاً رئيساً في العلاقات الدولية. وأصبحت القرارات التي تصدر عن المجموعة أكثر أهمية عما يصدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة.
منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية: لقد توسعت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية لتشمل بلداناً غير أوربية، "الولايات المتحدة، كندا، اليابان، استراليا، زيلاندا الجديدة" تلك المنظمة، التي أعقبت المنظمة الأوربية للتعاون الاقتصادي، عام 1960)، والتي أنشئت عام (1948)، من أجل إدارة مساعدات خطة مارشال، للبلدان الأوربية الغربية، على أثر الحرب العالمية الثانية. للسماح لهذه البلدان بتطوير مبادلاتها بمساعدة طراز من التعويض متعدد الجوانب، مع ذلك، فلم تعد تلعب سوى دور تنسيق وتحليل اقتصادي. كذلك إعداد قوانين دولية وتدير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، الوكالة الدولية للطاقة، وكذلك، وكالة الطاقة الذرية، كما أنشأت مجموعة الـ (24) لتنسيق المساعدات لبلدان أوربا الشرقية.
ثم أصبحت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، مدعوة للتوسع، مع تطور البلدان الناشئة، وهكذا، استقبلت المكسيك عام (1994)، ثم الجمهورية التشيكية عام 1995، والمجر وكوريا الجنوبية عام (1996)، والتحقت بولونيا عام
(1997) وستهبط حصة الـ (25) بلداً، الأعضاء في المنظمة من الإنتاج العالمي الخام من 54% عام 1990 إلى 44% عام (2010)، طبقاً لدراسة قامت بها المنظمة وذلك نتيجة ازدياد حصة البلدان النامية في آسيا: "هونغ كونغ، كوريا الجنوبية، ماليزيا، سنغافورة، تايوان، تايلاند" بمقدار (10%-14%) وتلك حصة الصين من 11% إلى 19% وللمنظمة التي أصبحت تضم اليوم (29) دولة عضواً، جميع الحظوظ، لأن تستقبل البلدان الغنية الجديدة، للالتحاق بها.

بنك التنظيمات الدولية: هو قبل كل شيء، مؤسسة أوروبية، مثل منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، وقد جرى إنشاؤه عام (1930) لأداء عمليات الدفع لإعادة تعمير ألمانيا، في نطاق خطة يونغ YOUNG. ثم أخذ يقوم بتسهيل التسويات الخاصة بالمدفوعات بين الدول الأوربية في نطاق الاتحاد الأوربي منذ عام (1945) ويسمح لحكام البنوك المركزية الأوربية بالاجتماع دورياً، لمعالجة القضايا المطروحة. ولقد انضمت الولايات المتحدة واليابان وكندا إلى هذا البنك، في ستينيات (1960) وشكلت مجموعة الـ (10) التي تضم في الواقع (11) بلداً: "ألمانيا، بلجيكا، فرنسا، المملكة المتحدة، كندا، السويد، اليابان، الولايات المتحدة، هولندا، إيطاليا، سويسرا" وتؤدي مجموعة الـ (10) خدمة في ميدان التشاور لاتخاذ القرارات في نطاق صندوق النقد الدولي، وكذلك في بنك التسويات الدولية، حيث أن جميع المدراء هم، فضلاً عن ذلك، من مواطني بلدان مجموعة الـ (10). كما لَعِبَ بنك التسويات الدولية، دوراً من الدرجة الأولى أيضاً، في إنقاذ الجنبه الإسترليني عام
(1968)، من ثم تحديد قواعد الملاءة لتوقع إفلاس المؤسسات البنكية‍: لجنة بال (
BALE) التي تضم حكام البنوك المركزية لمجموعة الـ (10) منذ عام
(1975). وتبنت نسبة كوك (
RATIO ****) في نهاية الثمانينات 1980، فارضة أن تصل الصناديق المختصة إلى نسبة لا تقل عن 8% من الموجودات لتفادي الأخطار.
لقد اقتصر بنك التنظيمات الدولية على (32) بلداً عضواً، مدة طويلة، ثم استقبل تسعة أعضاء جدد عام (1997)، ويعكس ذلك الأمر الصعود القوي للنمو، للأعضاء الجدد، في البلدان التالية روسيا، الصين، كوريا الجنوبية، هونغ كونغ، الهند، سنغافورة، المكسيك، البرازيل العربية السعودية"، وستصبح الاتفاقيات العامة للقروض مضاعفة وهي نوع من صناديق النقد تخصص للحالات العاجلة، حيث قُرِّرت من قبل بلدان مجموعة الـ (10)، وذلك من 25 مليار دولار إلى 50 مليار"، كما تستخدم أيضاً لمواجهة الأزمات المالية الدولية، كما حدث مع المكسيك عام (1994)، وستصبح مدارة بطريقة أوسع من مجموعة الـ (10) بفضل هذا التوسع، عما كان عليه الحال من قبل. وستترجم إعادة توزيع القوة الاقتصادية والمالية، على النطاق الدولي، بطريقة غير ملموسة، وذلك بالتطابق بين آليات القرارات.
كما يملك الشمال منظمات تشاور أخرى لإدارة القروض، مثل لجان نادي باريس، الذي يضم الدائنين العموميين تحت رئاسة مدير المالية الفرنسي، ثم نادى لندن، الذي يجتمع عندما يطلب الدائنون الخاصون. أخيراً، مجموعات مراقبة الصادرات، ويلعبون دوراً رئيساً.
للشمال وللجنوب مصالح متضاربة: يريد الشمال المحافظة على مستوى من الرخاء، ويعمل ضد تشوش البيئة، وضد تدفق الهجرات القادمة من الجنوب، وضد المخدرات والسيدا "فقدان المناعة المكتسبة" (11) والتكاثر النووي. ويتمنى الجنوب، على العكس، أن يتمكن من التطور، بل أكثر نزوعاً إلى أن تغلق العيون عن تلك المحظورات الشمالية، بهدف الحصول على العملات الأجنبية- كما يريد الحصول على منافذ تكنولوجية غربية.
إنه من المفيد الإقرار ، بالتأكيد على وجود منافسة بين الشمال والجنوب، إذ تسببت المصالح بالتباعد في مواضيع عديدة، كما هو الحال مثلاً بضرورة السيطرة على الديموغرافيا، وكذلك الصراع ضد الأوبئة، ولا شك أن الغرب يحاول إبعاد مشاكل الجنوب، التي خلفها الاستعمار في معظمها، عن كاهله، وهو يحاول بطرق شتى للقيام بذلك، كإنشاء منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية. لكن القليل من البلدان المتطورة، هي التي تخصص 0.7% من ناتجها القومي الخام للمساعدة العامة للتنمية في البلدان النامية، كما يطالبها بذلك المؤتمر الدولي للتجارة والصناعة (CNUCED) منذ عام (1968) في حين لم تقدم معظم البلدان المانحة سوى 0.3% عام (1996) من دخلها القومي الخام، باستثناء البلدان السكاندينافية "النرويج، الدانمارك، السويد"، وتقدم هولاندا مساعدات تتجاوز الـ (0.7%) في حين لا تقدم الولايات المتحدة أكثر من 0.1% فقط، وهو الحد الأدنى المقرر. والمساعدات التي تقدم، هي مساعدات مشروطة بمعنى مقابل تجاري تستفيد منه صادرات البلدان المانحة بالتأكيد. ويؤدي عدم كفاية رأس المال العمومي لدى البلدان النامية، إلى لجوئها، إلى رؤوس الأموال الخاصة التي تجبرها على الخضوع لشروط الدول المانحة بشأن إصلاح اقتصادها وانفتاحه.
أضحت الحدود شمال جنوب، جبهات أكثر من كونها حدود: الجنوب مجموعة رحبة من البلاد، غير متجانسة، تضم 80% من سكان الكرة الأرضية، مقابل 20% فقط من الناتج الداخلي الخام الدولي. ولا يسير هذا التفاوت نحو الانخفاض، بل على العكس، بازدياد مستمر، فكان للعشرين بلداً الأشد فقراً على وجه الكرة الأرضية، دخل يساوي (30) مرة أدنى مما لدى الـ (20) بلداً الأغنى، وأصبحت العلاقة في بداية التسعينيات (1990)
(1/60).

كذلك، يعرف الاقتصاد العالمي ميلاً متزايداً للتكامل، مع تهميش في بعض المجالات، في آن واحد. فإذا كان الاتفاق حول مبادئ التحررية أكثر اتساعاً، ينقص الانفتاح، الانتصار الدولي أيضاً في نطاق من الاستقرار النقدي التنافسي ليضمن للتبادلات قاعدة صلبة، كل ذلك يسمح بإدماج البلدان الفقيرة في التجارة الدولية، ويمكن التساؤل، في الوقت الذي تصل فيه العولمة إلى نهاية طريقها، إذا كانت الميول السياسية والثقافية، تسير نحو التجزئة، ولم تنته بعد، وذلك بتعريض ذلك التطور للخطر.

¾¾
¡ الهوامش:


(1) يشتمل إغراق الأسواق على البيع بسعر أقل من سعر السوق الداخلي، في الخارج
(2) مدينة صغيرة في المملكة المتحدة، على بحر المانش
(3) قبلت الولايات المتحدة مبدأ السياسة الزراعية التي بدأت عام (1962) مع السوق المشتركة، مقابل دخول بعض صادراتها، مثل الصويا، إلى الأراضي الأوربية دون ضرائب
(4) موجودات من القطوع المودعة لدى البنوك غير المقيمة
(5) يمثل التدفق التطور في العام الواحد، المخزون والوضع في وقت ما محدد "إذن هو مجموع التدفق في الماضي"
(6) تحقق الشركة متعددة الجنسية ربع مجموع مبيعاتها عن طريق الفروع في الخارج، على الأقل.
(7) بين الشركات الأم وفروعها، أو بين الشركات الفرعية نفسها
(8) المذهب القائل أن الكون خاضع لمبدأين متعارضين أحدهما الخير والآخر الشر.
(9) تقل علاقات التبادل لبلد ما- عندما تقل العلاقة بين السعر المتوسط للمنتجات التي يصدرها والسعر المتوسط للمنتجات التي يستوردها.
(10) من أجل حساب الدخل القومي الخام الداخلي للفرد، مقارنة بالقوة الشرائية: نأخذ بالحساب أسعار المنتجات والخدمات في مستواها "غالباً منخفضة جداً" في البلدان النامية، لكن مستوى الفرد أدنى بكثير مقارناً مع بلد متطور، والدخل القومي الداخلي الخام، في البلدان الفقيرة، يجب إعادة تقديره.
(11) أصبح عدد المصابين بجرثوم الأيدز، من الملونين (30) مليون، حسب إحصاء عام
(1997)، وحيث أن أكثر من 90% من هؤلاء من البلدان النامية، 75% منهم في أفريقيا، ويتأثر أكثر من 90% من المجموع بالوقاية والمعالجة في بلدان العالم الصناعي.


¾¾¾

__________________
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 11-03-2013, 10:22 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 17,441
افتراضي


الفصل الثالث :
المسرح السياسي الأوراسي "أوربا آسيا" الكبير من وجهة نظر الولايات المتحدة:




"إن الرهان الجيوسياسي الرئيس للولايات المتحدة، هو الأوراسيا، (أوربا- آسيا) حيث هيمنت قوى وشعوب القارة الكبيرة التي تنافست، من أجل الهيمنة الإقليمية، والتفوق الشامل على العلاقات الدولية، منذ خمسة قرون، واليوم- هذه قوة خارجية عن القارة تتغلب على غيرها في الأوراسيا، وتعتمد هيمنتها الشاملة على قدرتها في المحافظة على هذا الموقع بشكل دقيق.
إنه من الواضح أنه لن يكون لهذا الوضع سوى زمن واحد، لكن ستعتمد مدته ونتيجته، ليس فقط على الرفاه في الولايات المتحدة، بل أيضاً، وبشكل أكثر عمومية، على الهيمنة الكاملة لمصالح الولايات المتحدة على ما عداها وتفوقها. ولقد خلق الظهور السريع لقوة دولية وحيدة، الفرصة أمام الولايات المتحدة لبناء نظام دولي جديد، تتكفل فيه واشنطن بتحمل المسؤولية الكاملة، التي تؤمن لها القيام بذلك الدور، بواسطة قوتها الشاملة، وإلا فالفوضى ستعم العالم، وبالتالي عدم الاستقرار، يفتح أبوابه على كل الاحتمالات".
هذا المقطع، هو من كتاب زبيغنيو برزنسكي، مستشار الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، بعنوان: (اللاعب الكبير، أمريكا وباقي العالم" وهكذا ينطلق منظرو الاستراتيجية الأمريكية الإمبريالية، وذلك لتبرير دور الولايات المتحدة من أجل بناء إمبراطورية جديدة، تضمن لها مصالحها إلى أبعد مدى، وبالطبع من بين هؤلاء، البروفسور "ب. هانتنغتون" الذي أكد في مقالة داويه، بعنوان صراع الحضارات الذي تحول إلى كتاب فيما بعد، تحت ذلك العنوان، أكد فيها: "في عالم لا يكون فيه للولايات المتحدة الأولوية، سيعرف هذا العالم العنف والفوضى أكثر، وديمقراطية أقل، ونمواً اقتصادياً أدنى، إلا إذا استمرت الولايات المتحدة، كما هو الحال اليوم، أن يكون لها نفوذ أكثر على الشؤون الدولية الشاملة، وأكثر من أي بلدٍ آخر. كما أن المحافظة على الأولوية للولايات المتحدة، أمر جوهري، ليس فقط من أجل مستوى العيش والأمن للأمريكيين، بل أيضاً من أجل مستقبل الحرية والديمقراطية والاقتصاديات المفتوحة والنظام الدولي"(1).
ويريد هذا المنظر الإمبريالي، من هذا النص الدعائي المزيف بالقول أن الطريقة التي "تدير" فيها الولايات المتحدة، القارة الأوراسية، هي أمر حاسم، لنهب خيرات شعوبها لصالح الإمبريالية الأمريكية، لأنها القارة الأكبر، على سطح الكرة الأرضية، وكأن شعوبها لا يحتاجون لشيء، سوى حاجتهم لوصاية وهيمنة الإمبرياليين الأمريكيين. ولهذا فهم يعتبرون القارة الأوراسية- المحور الجيوسياسي الأساس، للهيمنة، وكل قوة تسيطر على شعوبها وتنهب خيراتها، تسيطر بواسطتها على منطقتين من ثلاث مناطق في العالم، الأكثر تطوراً والأكثر إنتاجية. وإن نظرة بسيطة على خارطة الكرة الأرضية تكفي من أجل فهم، كيف أن السيطرة على الأوراسيا، تقوم بصورة آلية تقريباً، حماية سهلة للقارة الأفريقية- كما تمنح موقعاً جيوسياسياً محيطياً للأمريكيين، وللمحيطين الكبيرين، الأطلسي والهادي وحيث يعد حوالي (75%) من السكان في العالم، في القارة الأوراسية، كذلك، فيها الجزء الأكبر من الثروة الطبيعية على شكل مشروعات أو مناجم معدنية من المواد الأولية. ويصل مجموع الإنتاج الوطني الخام لهذه القارة إلى (60%) من مجموع الإنتاج العالمي. وإن ثلاثة أرباع مصادر الطاقة المعروفة موجودة مجتمعة فيها أيضاً.
ولقد نشأت في تلك القارة، معظم الدول السياسية الدينامية القادرة على القيام بالمبادرات الخلاقة. وتوجد فيها، الاقتصاديات الست الأكثر ازدهاراً، والست الأضخم، من حيث الميزانية في مجال الدفاع بعد الولايات المتحدة بالطبع. كذلك، تمتلك جميع هذه البلدان الستة السلاح النووي "رسمياً" كمفترضة" مع استثناء من كل حالة. وتقع فيها الدولتان ذات السكان الأكثر عدداً، في القارة الأوراسية، كما يقع فيها جميع المنافسين السياسيين و/ أو الاقتصاديين، للولايات المتحدة. وتتجاوز قوتها المتراكمة، بعيداً، تلك التي لدى الولايات المتحدة، كما لحسن حظ منافسيها، فهذه القارة واسعة شاسعة جداً، مما يجعل من الصعب جداً تحقيق وحدتها السياسية.
وتبقى القارة الأوراسية، بالنتيجة الرقعة التي دارت عليها المعارك من أجل الوصول للتفوق المطلق والشامل، ويمكن مقارنة الجيواستراتيجية بعبارة أخرى، التنظيم الاستراتيجي للمصالح الجيوسياسية، كرهان في لعبة الشطرنج هذه، مع ذلك- فهذا المسرح الأوراسي، ذو الشكل البيضوي غير الكامل، يتضمن كل اللاعبين، كما يمتلك كل لاعب سلسلة من القطع- وإذن رأسمال من القوة- مختلفة ومتنوعة ويمثّل اللاعبون الأساسيون المركز والجنوب والشرق والغرب من ساحة تلك اللعبة. وتوجد على الجانبين الأخيرين الاثنين، مناطق ذات كثافة سكانية، مؤلفة من عدة دول قوية، وفي الغرب، تمارس الولايات المتحدة سلطتها مباشرة على الحواشي المحيطية الضيقة، وإلى الشرق الأقصى من الكتلة القارية، فتشتمل على لاعب مستقل، ذو نفوذ يبرز أكثر فأكثر، وذو عدد سكان ضخم- ونصف شبه جزيرة تقدم نقاط دعم للولايات المتحدة.
ويمتد بين هذين القطبين، مساحة مركزية واسعة، وسكان مبعثرون. وتنظيم متفجر، مجرد اليوم من التوجه السياسي الصلب والمتماسك، يشغلها منذ عهد قريب، خصم حازم، يريد أن يتفوق على الولايات المتحدة، وحيث هدفه، على المدى البعيد، أن ينتهي به الأمر، إلى إنهاء وجود الولايات المتحدة في القارة الأوراسية، وفي جنوب هذه الهضبة الكبرى المركزية، تمتد منطقة تشتهر بالفوضى السياسية القوية، لكنها غنية بمصادر الطاقة، وتكتسي من هذا الموقع، أهمية كبيرة من حيث القوة بالنسبة لجميع دول أوراسيا، إلى الغرب كما إلى الشرق، ذات كثافة سكانية كبيرة. ويصبو الهدب الأكبر الجنوبي من هذه المنطقة إلى الهيمنة الإقليمية.
وتدور "اللعبة" على هذه الرقعة المشوهة الشكل والضخمة، الممتدة من لشبونه إلى فلاديفوستك. ومن الممكن أن يصبح الفضاء المركزي منجذباً نحو المجال الغربي "حيث تلعب الولايات المتحدة فيه دوراً راجحاً".
لكن إذا لم يخضع الجنوب لهيمنة تقتصر على لاعب واحد، وإذا حقق الشرق وحدته، بحيث تجد الولايات المتحدة نفسها مستبعدة أو مطرودة من قواعدها الجزيرية، عندها ستحافظ هذه الأخيرة على مواقع متفوقة، أما إذا انقطع الفضاء المركزي عن الغرب، وشكل كياناً دينامياً، قادراً على المبادلات الخاصة به، وإذا ضمن عندئذ سيطرته على الجنوب، أو شكل اتحاداً مع الفاعل الرئيس الشرقي، عندئذٍ، فإن موقع الولايات المتحدة في أوراسيا، سيصبح معرضاً للضعف بشكل مرعب، وكذلك، إلى الشرق، سيكون للاتحاد بين لاعبين رئيسين- نتائج مشابهة. أخيراً، ستؤدي نهاية استحقاق الولايات المتحدة عن طريق شركائها، في الأطراف الغربية، إلى نهاية مساهمة الولايات المتحدة في لعبة الشطرنج الأوراسية، حتى إذا كان سيعني هذا التغيير المفاجيء، دون شك، خضوعاً للتخوم الغربية لفاعل يصبح قوياً من جديد، في المنطقة الوسطى.
وتبقى هيمنة الولايات المتحدة سطحية، وهي تمارسها بآليات متعددة من النفوذ، على الرغم من أبعادها الكونية، لأنها تمارسها، بعكس إمبراطوريات الماضي، ليس عن طريق السيطرة المباشرة، لما يلجم اتساع وتنوع قوة عدد من دول القارة الأوراسية، نفوذ الولايات المتحدة ويقلل من سيطرتها على مجرى الأحداث. فهذا العدد الكبير من صفات القارة الأوراسية- ناتج عن اتساعها جداً وعن العدد الكبير من السكان، وغناها الفخم بعدد ثقافاتها وعقائدها وتاريخها، وقوية بدولها، وبدينامياتها السياسية والتاريخية، وبطموحاتها من أجل البرهنة على عدم لين عريكتها حيال أي كان. وهل تتطلب هذه القوة المهيمنة الشاملة والاقتصاد الأكثر ازدهاراً، حذاقة جيواستراتيجية كبيرة في هذا السياق، إذن على الولايات المتحدة أن تستخدم مصادرها بدراية جيدة دائماً، وبطريقة اصطفائية وحذرة على الرقعة الأوراسية بالكامل، إذا أرادت فرض هيمنتها.
فضلاً عن ذلك، تدعي الولايات المتحدة أنها بلد ديمقراطي كثيراً، وتدعي أن هذه الصفة تتنافى مع إظهار نفسها استبدادية، وهذا يعني الحد من استخدام قوتها العاتية أثناء ما تقوم به لحماية مصالحها، لكن ذلك الإدعاء لا ينطبق على سلوكها، خاصة طاقتها في المجال العسكري والمخابراتي وبالتالي إرهاب أي شعب يقف في وجه تحقيق مصالحها باستخدام العنف الشديد بالوسائل المختلفة. علماً أن أية ديمقراطية ليبرالية يفترض فيها أن لا تتبع تلك الأساليب المزيفة، خاصة إذا كان باستطاعتها الهيمنة على المؤسسات الدولية لاتخاذ قرارات تعطيها لبوساً بعيداً عن حقيقتها. وهكذا، فالسباق إلى القوة لن يكون هدفاً قابلاً أن يعبِّئ الانفعالات الشعبية، إلا في الحالة التي تكون فيها الأوضاع مهددة بأخطار وشيكة الوقوع أو مداهمة كما تتعارض التضحيات الاقتصادية "بعبارة أخرى ارتفاع في الإنفاق العسكري" والإنسانية "بما في ذلك الضحايا بين الأفراد المجندين أو المحترفين"، مع الديمقراطية الحقيقية، كما تستبعد الديمقراطية، كل تصرف إمبريالي.

وبطريقة عامة، من المفروض أن لا يعتبر الأمريكيون أن وضعهم الجديد كقوة دولية عظمى، ودون منافس، أن ذلك يمنحهم ميزات خاصة، إذا كانوا يدعون أنهم ديموقراطيون. وأن لا يغتروا بما يسمونه هم "بروح الطفرة" السياسية المتولدة عن انهيار الكتلة الاشتراكية. مع أن ما حدث، استقبل ببرود في البداية، حتى أُثيرت تكهنات من قبل المعلقين والطبقات الرجعية المتعارضة في الولايات المتحدة، حول مستقبل دور واشنطن بعد انهيار ذلك المنافس. مع ذلك، لا يمكن إنكار النجاح التاريخي للولايات المتحدة الذي تحقق بالنتيجة، خاصة على المستوى الداخلي، ومهما كانت أسباب المجابهة مع الاتحاد السوفياتي السابق، مع أنه أثار العديد من الحوارات، لكنه أبرز وجهتا نظر متعاكستين: تقول الأولى، إن نهاية الحرب الباردة إذا كانت قد انتهت، على المستوى الدولي- مع الاتحاد السوفياتي السابق، فإن ذلك يقتضي تخفيضاً هاماً في التزامات الولايات المتحدة الدولية، ومهما كانت النتائج بالنسبة لموقعها الشمولي. أما أصحاب الفرضية الثانية، فيقولون حان الوقت لتحقيق تعددية حقيقية، يجب على الولايات المتحدة فيها أن تشجعها، ويتم ذلك، عن طريق تخلي الولايات المتحدة عن جزء من هيمنتها. ويتلقى كل من هذين التيارين (الفكريين) الدعم من أطراف الرأي العام بشكل واسع.
وفي النتيجة، لقد عدّلت المعطيات الجديدة بمجملها، الوضع الدولي، وفرضت على الولايات المتحدة أن تندمج مع توقعات الأوضاع المستجدة. وبحيث يصبح استعمال القوة مباشرة أقل يُسْرةً عما كان عليه في الماضي. مع أن السلاح النووي قد قلل من مفهوم الفائدة من الحرب أو حتى التهديد بالحرب، باعتبارها امتداد للسياسة بنسب خيالية، مما جعل الترابط بين الشعوب، أكثر فعالية من الابتزاز الاقتصادي. كذلك أضحت المناورات الدبلوماسية وتشكيل التحالفات واختيار الحلفاء، واستخدام جميع المكاسب المتاحة، مفاتيح للنجاح، وذلك بالممارسات الجيواستراتيجية على الساحة الدولية.

الجيوسياسية، والجيواستراتيجية: وهنا يجب على الولايات المتحدة كقوة مهيمنة، أن لا تهمل الجغرافيا السياسية للمحافظة على أولويتها الدولية، ويبقى هذا الأمر معطية أساسية في الشؤون الدولية، وكان نابليون يقول ويؤكد أن معرفة الجغرافيا لشعب ما تكفي لفهم سياسته الخارجية، مع ذلك يجب تبني هذا التحليل للحقائق الجديدة للقوة العاتية.
أصبحت السيطرة على المناطق الرهان الأساسي في النزاعات السياسية. وكان تمجيد الإباء الوطني، عن طريق إلحاق مناطق جديدة، أو كبتٍ ناتج عن خسارة أرض "مقدسة"، الأسباب والأمل لمعظم الحروب الدموية التي جرت منذ انطلاقة الروح الوطنية. ويمكن القول، دون مبالغة، إن الضرورات الإقليمية" كانت الدافع الرئيس الذي أوحى بالتصرفات العدوانية للدول /الأمم. ورسخت الإمبراطوريات أمنها بالطريقة نفسها، وذلك بالعمل على اغتصاب النقاط الحساسة، الجواهر الجغرافية الحقيقية، مثل جبل طارق، قنال السويس، سنغافورة، حيث أدت خدمات كبرى كمراصد أو مفاتيح قناطر، في نظام السيطرة الإمبريالية، في آن واحد، والحال اليوم أيضاً، فيما يجري من محاولات الهيمنة على منطقة الخليج العربي.
وتقدم لنا ألمانيا النازية واليابان الإمبريالي، مثلان، وإلى أبعد الحدود عن الرابط بين النزعة القومية والحيازة الإقليمية. وينطبق ذلك أيضاً على سلوك معظم الدول الاستعمارية. فقد استهدف المسعى الألماني "لاقامة رايخ جديد" في برنامجه إعادة وحدة الشعوب الناطقة باللغة الألمانية تحت السقف نفسه سياسياً، واستهدف أيضاً رغبة أخرى: امتلاك إهراءات أُكرانيا، والبلدان السلافية الأخرى، حيث نذر السكان أنفسهم لتقديم يد عاملة رخيصة، والقيام بأعمال السخرة في المجالات الإمبريالية، وبالطريقة نفسها، اعتبرت اليابان أن ضم منشوريا- وفيما بعد أندنوسيا، المستعمرة الهولندية آنذاك، والغنية بالنفط- كشرط جوهري لتحقيق نزعتها كقوة عظمى قادرة على اللعب على المسرح الدولي، وفي خط مشابه، ألا ينطبق ذلك على ما تقوم به الولايات المتحدة، من حشد لقواتها في منطقة الخليج العربي، وتهديد شعوب تلك المنطقة، من أعمال القرصنة الدولية بحجة المحافظة على مصالحها، أليس وجود قواتها على أرض معظم دول الخليج العربي يمثل صورة الاستعمار القديم. وفي نهب خيرات تلك المنطقة كما كان يجري في الماضي في عهد الاستعمار، أو أليس ما قامت به الولايات المتحدة من حشد أكبر مجمع عسكري لتدمير العراق- ينطبق عليه ما ينطبق عما قامت به النازية بحجة شعار المناطق الحيوية؟ وتبرير ما قامت به، أنه أمر مشروع حيث كونها قوة عظمى، ويسير عملها هذا جنباً إلى جنب مع هيمنتها.
وهكذا، تبقى الدول / الأمم. الوحدات الأساس في النظام الدولي. في حين خفف زوال النزعة القومية المتطرفة لدى القوى العظمى وخسوف الأيديولوجيات، من المضمون العاطفي للسياسة الشاملة كما قلل السلاح النووي، وإلى حد بعيد، من اللجوء للقوة، في هذه الأثناء- وحدثت المجابهات والخصومات الإقليمية، التي تهيمن على العلاقات الدولية اليوم، على مناطق النفوذ. وتأخذ المجابهة مظهر العداوة عادة في أغلب الأحيان، تجاه جار رفض أن يمنح حق تقرير المصير لإخوة في الدم، أو اقتطاع جزء من الوطن الأم، أو التعبير عن الظلم في حال سوء معاملة الأقليات العرقية. ونشاهد في هذه المعادلات التقليدية، أن الرابط للوجاهة، هو نتيجة لهذه المشاكل المتنوعة.
وتميز النخبات الحاكمة، العوامل الجديدة في تحديد الوضع الدولي لدولة ما ودرجة نفوذها، ويتقدم النجاح الاقتصادي، ونتائجه الطبيعية والتجديد التكنولوجي، على المعايير الأخرى، وتمثل اليابان أفضل مثال. مع ذلك، يحدد الوضع الجغرافي لبلد ما، أفضلياته المباشرة وثقله العسكري والاقتصادي والسياسي، على الدوام، وكلها على علاقة مباشرة، مع قدرته على العمل عند ترويج مصالحه الجيوسياسية، وفي اللعب من أجل نفوذه، واتخذ المبادرات الحديثة أيضاً. وقدَّر المختصون في الجغرافيا السياسية، الفوائد النسبية للقوة البرية والقوة البحرية. كما جدّوا في تحديد المنطقة التي تسمح بالسيطرة على مجمل القاره الأوراسية ولقد افتتح أحد كبار الخبراء، وهو هالفورد. ج. ماكندر halford j. Mackinder هذا الحوار، منذ بداية القرن العشرين، عندما حدد مفهومين جديدين: فقد طور، قبل كل شيء ذلك المفهوم المسمى "المجال المحوري" في القارة الأوراسية "مضمناً فيها كامل سيبريا والقسم الأعظم من آسيا الوسطى" من ثم، قلب القارة (heartland) أي أوربا الوسطى المعتبرة كمقفزين ضروريين للسيطرة على القارة الأوراسية. ولقد عمم مفهوم قلب القارة، الميادين الأساسية المشهورة التالية:
-من يحكم أوربا الشرقية يهيمن على قلب القارة.
-ومن يحكم "قلب القارة" يهيمن على الجزيرة العالم
-ومن يحكم الجزيرة العالم، يهيمن على العالم.
ولقد استند مختصون ألمان مشهورون في مجال الجيوسياسية على هذه المبادئ لتبرير الـ (drang nach osten) لبلادهم، بصورة خاصة منهم كارل هوشوفير (karl haushofer) الذي تبنى مفهوم "هالفورد ج. ماكندر، للحاجات الاستراتيجية الألمانية. كما أوجد الصدى المعمم لمفهوم "المجال الحيوي" الضروري للشعب الألماني والذي وضع في مقدمة اهتمامات هتلر مع الإصرار على تنفيذه. وتوقع منظرون أوربيون، انتقال مركز الجاذبية، الجيوسياسية، إلى الشرق خلال النصف الأول من القرن العشرين، وفهموا أن منطقة المحيط الهادي الولايات المتحدة واليابان خاصة تستعدان لوراثة التفوق، والقيام بالهيمنة الإمبريالية خاصة الولايات المتحدة، حالما يصيب الضعف أوربا وتصبح غير قادرة على ممارسة تفوقها، بعد ذلك.. ودافع بول دوما نجون paul demangeon، والعديد من زملائه، جميعهم مختصون في مجال الجيوسياسية، دافعوا عن قيام وحدة كبرى بين الدول الأوربية، قبل البدء بالحرب العالمية الثانية.
واليوم، لم تعد الجيوسياسية تعلق كبير الأهمية، على الهوية. ويمكن لأية منطقة جغرافية في الأوراسيا، أن تؤدي خدمة كقاعدة من أجل الهيمنة على القارة، وليس من أجل المقارنة بين الفوائد النسبية للقوة البرية مع القوة البحرية، وتطرح الجيوسياسية، أن التفوق على القارة الأوراسية يؤدي خدمة كمنطقة رسو للهيمنة الشاملة، مروراً من المستوى الإقليمي إلى المستوى الكوني. وتتمتع الولايات المتحدة بالتفوق الدولي، مع أنها قوة خارجية بالنسبة للقارة الأوراسية، ويرجع ذلك إلى حضورها المباشر في ثلاث مناطق محيطية في القارة الأوراسية، مع موقع يمتد فيه شعاع عملها، حتى على دول المنطقة الخلفية (hinterland) القارية، لكن، تبقى القارة الأوراسية، المسرح الوحيد، الذي يمكن أن تظهر فيه، قوة منافسة محتملة للولايات المتحدة، أما إذا أرادت واشنطن تحقيق طموحاتها، بإعداد قواعد عمل جيواستراتيجي، بعبارة أخرى تحديد الوسائل التي يجب أن تؤمن لها إدارة مصالحها الجيوسياسية في القارة الأوراسية، على المدى الطويل، عندها يتحتم الخضوع لتحليل العاملين الرئيسين، والاعتراف المناسب بقيمة الأرض.
وللقيام بذلك، يلزم مرحلتان ضروريتان:
-قيام تطابق بين الدول التي تمتلك دينامية حقيقية جيواستراتيجية، قادرة على إحداث انقلاب هام في التوزيع الدولي للسلطة في المقام الأول، ثم الكشف عن الأفضليات التي تظهر في مجال السياسة الخارجية، في الحركة نفسها، ولدى النخبة في البلاد ذات العلاقة بالموضوع، ومواجهة النتائج التي ستحدث نتيجة جهودها لبلوغ ذلك الهدف، والتعرف على الدول التي تستطيع أن يكون لها تأثير حافز على الفاعلين الجيواستراتيجيين الأكثر أهمية، أو على الشروط الإقليمية، والأكثر حساسية حيال وجهة النظر الجيوسياسية.
-في المقام الثاني، صياغة سياسات نوعية، محددة لموازنة الجهود المشؤومة لسياسات ناتجة عن مبادرة من قبل بعض الدول، ثم تحديد الوسائل للربط والمشاركة والسيطرة عليها، بطريقة المحافظة على المصالح الحيوية للولايات المتحدة وتشجيعها، وإعداد تأملات جيواستراتيجية شاملة تكمل وتطابق السياسات المتنوعة الإقليمية للولايات المتحدة، على المستوى الكوني.
باختصار، يتطلب تحديد التوجه الجيواستراتيجي حيال الفكرة الأوراسية بالنسبة للولايات المتحدة، وضوحاً في الطريقة، قبل كل شيء، وإنه من الضروري إقامة سياسات موطدة العزم تجاه دول مزودة بموقع جيواستراتيجي ديناميكي، لمعالجة الدول الحافزة مع الحذر، وفي العمق، لن يكون لهذا التقارب من معنى، إلا بمقدار ما يؤدي خدمة لمصالح الولايات المتحدة. بعبارة أخرى، المحافظة على وضعها، كقوة كونية عظمى، على المدى القصير، ثم التطور نحو تعاون دولي، قائم على المؤسسات على المدى الطويل، وتتلخص الصيغ الثلاث الجيواستراتيجية في المصطلح الفظ لإمبراطوريات الماضي في: تجنب التواطؤ لإلحاق الأضرار "بالتابعين" ثم المحافظة على حالة التبعية، التي تؤمن أمنها، ثم زرع الطاعة لدى المواطنين في الدول التابعة، ومنع البرابرة من تشكيل تحالفات هجومية.
فاعلون جيواستراتيجيون وأقطاب جيوسياسيون:
يعتبر الفاعلون الجيوسياسيون من الدرجة الأولى، تلك الدول المزودة بقدرة ورغبة وطنية كافية من أجل ممارسة قوتها ونفوذها خارج حدودها. ومن هذا الواقع، فهي على قدرة على تعديل العلاقات الدولية، التي من الممكن أن تتعرض للتسبب بإلحاق الخطر والتأثير على مصالح الولايات المتحدة. والكل يملك قدرة ما وبدرجة ما، و/ أو النزوع لتبني موقف متفجر في الشأن الجيوسياسي، ولأسباب متنوعة، مثل عظمة وطنية، وارتياح أيديولوجي، أو اعتقاد ديني، أو إدعاء اقتصادي، كما تبحث بعض الدول عن بلوغ موقع إقليمي مهيمن أو نفوذ دولي. وإذا كان هذا الأمر مربكاً، في مجال التعليل المعقد له، فما من شيء يلخصه على نحو أفضل من الجملة التي قالها روبرت برووننيغ robert browning: "على الرجل أن يتوخى أكثر مما يمكن أن ينجزه، لكن ما جدوى أن تحلم بالجنة؟" فهذه الدول تتفحص جميع مظاهر قوة الولايات المتحدة، وتقدر في أي وضع منسجمة مصالحها مع ذلك الشريك المستفيد، الذي يعد أهدافه الخاصة، وذلك بالاضطلاع بمسؤولية المجابهة مع الولايات المتحدة، إذا كان ذلك ضرورياً. فيجب على الولايات المتحدة أن تعير اهتماماً خاصاً تماماً لمثل هؤلاء الفاعلين.
ويدل مفهوم الأقطاب الجيوسياسية، على تلك الدول، التي تعتمد على قوتها الحقيقية على نحو أقل، من تعليلاتها لوضعها الجغرافي الحساس بشكل أكثر، وتكون قابليتها للتأثر قوية، وتؤثر على سلوك فاعلين جيواستراتيجيين، ويمنحها تمركزها في أغلب الأحيان، دوراً أساسياً من أجل الوصول إلى بعض المناطق، بحيث تستطيع فصل فاعل من الطراز الأول عن المصادر الضرورية له، وقد يحصل أيضاً أن يعمل قطب جيوسياسي، كترس دفاعي لدولة أو منطقة ذات أهمية أساسية، وأحياناً، فإن الوجود البسيط لقطب جيوسياسي، له آثار سياسية وثقافية هامة، من أجل دولة مجاورة، ولها فاعلية في المجال الجيواستراتيجي، وإن مطابقة وحماية الأقطاب الجيوسياسية الرئيسية لما بعد الحرب الباردة أمر أساسي بالنسبة للاستراتيجية الشاملة للولايات المتحدة.
ولنشير أيضاً بتمهيد. إذا كان الفاعلون الجيواستراتيجيون هم من بلدان قوية من الدرجة الأولى بشكل عام، فإن جميع البلدان القوية لا تشكل فاعلين جيواستراتيجيين بصورة آلية، كذلك، فالمشكلة الوحيدة التي يمكن أن تثيرها لائحة الفاعلين، تتعلق بإهمال عدد معين من البلدان، ذات الأهمية، ويتطلب ذلك بعض التوضيح.
في الوضع الحالي، يمكن التمييز على الخارطة السياسية الجديدة للقارة الأوراسية خمسة فاعلين جيواستراتجيين، وكذلك خمسة أقطاب جيو سياسيين، على الأقل، "ويملأ اثنان من بين الأخيرين، مهمة الفاعلين جزئياً" فإن الهند والصين وفرنسا وألمانيا وروسيا هي دول فاعلة من الدرجة الأولى، في حين أن بريطانيا العظمى واليابان وأندنوسيا، هي بلدان هامة جداً دون شك، لكنها لا ترقى إلى هذه الفئة، وتشكل أكرانيا وأذربيجان وكوريا وتركيا وإيران أقطاباً جيوسياسية حاسمة. وتلعب هاتان الأخيرتان، أيضاً في بعض الحالات دوراً جيواستراتيجياً، على الرغم من وسائلها الأقل..
في هذه المرحلة نكتفي بالقول، إنّ الفاعلين الجيواستراتيجين الأساسيين في الطرف الغربي للقارة الأوراسية، هما فرنسا وألمانيا. وكلا الاثنان مولعان بالعمل لرؤية أوربا موحدة، حتى إذا اختلفا في تقدير الروابط التي يتوجب أن يحافظ عليها مع الولايات المتحدة في هذا الكيان الجديد. مع ذلك، يثابر كل من الطرفين، على تحقيق ذلك المشروع الطموح، ببذل جهود، لتعديل الوضع الراهن، بعبارة أخرى. وتمتلك فرنسا تصوراً جيواستراتيجياً، خاصاً بأوربا، وهو تصور خاص بها، والذي يختلف عن التصور الخاص بالولايات المتحدة، في مظاهر متعددة، من جهة أخرى، لدى فرنسا بعض النزوع الطبيعي لتأخذ على عاتقها القيام بمناورات تكتيكية، أو لديها الإرادة لتلعب دور روسيا ضد الولايات المتحدة، بطيبة خاطر، أو حتى ضد بريطانيا العظمى، أو ضد ألمانيا، لكن تقوم بكل ذلك، بالاعتماد على التحالف الفرنسي الألماني للتعويض عن ضعفها الخاص بها.
ففرنسا وألمانيا، قويتان، على نحو كافٍ، وديناميتان من أجل أن يكون لهن نفوذ إقليمي أبعد من مجاوريهن المباشرين، كذلك، فإن لدى فرنسا، اعتقاد بتشكيل نواة لمجموع دول من دول البحر الأبيض المتوسط ومن شمالي أفريقيا، من أجل تقاسم المنافع المشتركة، بالإضافة إلى دورها السياسي المركزي في توحيد أوربا. وأخذت ألمانيا تعي الأوراق الرابحة التي تمتلكها، والخاصة بها، أكثر فأكثر، على أنها الدولة الأكثر أهمية في أوربا، فهي القاطرة الاقتصادية الإقليمية ورئيسة رتل القوة الاقتصادية في الاتحاد الأوربي، وتشعر بنفسها أن عليها أن تتولى مسؤولية خاصة حيال بلدان أوربا الوسطى الجديدة، وذلك ليس دون التذكير بالمفهوم العتيق (mittel europa) الذي يتوضح تحت الحماية الألمانية. يضاف إلى ذلك، فإن فرنسا وألمانيا تعتبران نفسيهما، أنه مسموح لهما، التفاوض باسم أوربا مع روسيا. ومن هذا الواقع، تستطيع ألمانيا، أن لا تستبعد إمكانية إجراء اتفاقيات ثنائية الجانب مع روسيا، اعتماداً على وضعها الجغرافي ونظريّا على الأقل.
وينقل السير روي دونمان (sir roy denman) الذي مثل بريطانيا العظمى لدى المجلس الأوربي، في أعلى مستوى، ينقل في مذكراته، كيف أنه صرح أمام مهندس أوربا الموحدة، أثناء المؤتمر التحضيري للسوق المشتركة عام (1955) قائلاً:
إنكم تُعِدُّون معاهدة للمستقبل، التي سوف لن تكون مصدقة مطلقاً ،وإذا صُدّقت، فإنها سوف لن تطبق مطلقاً، وإذا طُبّقت، فإنها سوف لن تكون مقبولة بالنسبة لبريطانيا العظمى [] إلى اللقاء وحظ سعيد(2).
ومرت أربعون عاماً، لكن حدد ذلك التصريح، الموقف البريطاني أيضاً فعلى العكس من ترددها حيال الاتحاد الاقتصادي والنقدي الذي أصبح نافذ المفعول منذ كانون الثاني (1999) فإن بريطانيا رفضت ربط مصيرها بمصير أوربا للآن. وما من شيء يمكن أن يلخص هذا الموقف على نحو أفضل من ذلك التحليل في بداية سنوات التسعينات (1990).
-بريطانيا العظمى ترفض احتمال قيام وحدة سياسية أوربية
-بريطانيا العظمى تفضل تنسيق سياساتها الخارجية في الأمن والدفاع خارج نطاق الجماعة الأوربية.
-بريطانيا العظمى تميز طرازاً للتكامل الاقتصادي قائم على التبادل
الحر(3)

-تبقى بريطانيا العظمى الشريك الهام بالنسبة للولايات المتحدة، بلا منازع، ويجب أن لا تمثل سياستها ومواقفها أية صفة تحدّي وتمارس المملكة المتحدة نوعاً من النفوذ الشامل عن طريق الكمونويلث، لكن سلطتها قد انخفضت. وإنها لم تعد تميل إلى رؤيا طموحة. وتقول إنه يجب عليها أن تكون روابط الصداقة مع الولايات المتحدة محافظ عليها، مع دعم حاسم وقوي، كحليف وفي، وبأن تبقى كقاعدة عسكرية حيوية، وأن تتعاون في مجال المعلومات، عن قرب، لكن ما من شيء يتطلب في سياستها اهتماماً مدعوماً، وإن المملكة المتحدة، فاعل جيواستراتيجي، لكن في حالة تقاعد، وهي تستند على انتصاراتها المشهورة، وعلى مسافة جديرة بالاحترام في مواقفها حيال المغامرات الأوربية الكبرى المعتادة من فرنسا وألمانيا.
وتلتزم الدول الأوربية الأخرى من ذوات القياس المتوسط، الأعضاء في حلف شمالي الأطلسي و/أو الجماعة الأوربية، في معظمها، بتوجيهات الولايات المتحدة، لكنها كثيراً ما تتبنى المواقف الألمانية والفرنسية وتبقى العقبة في سياساتها الإقليمية، وليس لديها للآن من سبب لمراجعة تحالفاتها. وهي لا تدخل في فئة اللاعبين الجيواستراتيجيين، في هذه الشروط ولا في فئة المحاورين الجيوسياسيين، كما أن الاعتبارات نفسها، تنطبق على أوربا الوسطى. فبولونيا، هي الأكثر أهمية من بين المرشحين الأقوياء للانضمام إلى منظمة حلف شمالي الأطلسي، وكذلك للاتحاد الأوربي. لكن لا تزال بولونيا ضعيفة جداً لإبراز دورها في وضع اللاعب الجيواستراتيجي، وليس أمامها من خيار، سوى التكامل مع الغرب. ويقدم اختفاء النظام الاشتراكي سبباً لربطها مع التحالف الأطلسي، وأوربا الموحدة، بشدة، ويعطيها ذلك ضمانات أمن لا سابق لها، وكذلك تحديد خياراتها الاستراتيجية.
أما روسيا، فتبقى اللاعب من الدرجة الأولى، وهل هناك حاجة لتوضيح ذلك؟ فعلى الرغم من ضعف الدولة للآن، والقلق الدائم بسبب الأوضاع الداخلية، فإن وجودها، مع ذلك، يمارس نفوذاً رئيساً على معظم الدول المستقلة حديثاً، والتي كانت تشكل جزءاً من الاتحاد السوفياتي السابق لكن لروسيا طموحات، جيوسياسية عالمية، وتوضحها على نحو مكشوف أكثر فأكثر، ويجب على مجمل جيرانها، في الشرق والغرب، أخذ نفوذها بالحسبان، إذا ما استردت بعض قواها من جهة أخرى، فإنها لم ترسم للآن خيارها الاستراتيجي الأساسي: فهل يجب اعتبار الولايات المتحدة، كشريك أم كخصم؟ كما تعتمد خياراتها في القارة الأوراسية على ما يمكن أن تختاره من أجوبة معلّقة للآن، حتى تتوضح سياستها الداخلية، خاصة توجهها الذي ستقرره من بين اختياراتها، هل تكون تبعية للولايات المتحدة، تحت شعار الديمقراطية الغربية، أم تسعى لتعيد أمجاد الماضي، كامبراطورية أوراسية؟ وفي جميع الحالات، لن يعرف وضعها كلاعب، حتى بعد خسارتها العديد من أجزائها، وهجرها للسيطرة على بعض المناطق الأساسية في الساحة الأوراسية.
وما من أحد يعترض على الدور الرئيس للصين، فهي الآن قوة إقليمية هامة، وإن لها طموحات أكثر رفعة، مع الأخذ بالاعتبار ماضيها كقوة دولية، وكذلك المفهوم الملائم للصينيين، على الدوام، كـ "إمبراطورية وسط" وقد عدلت خياراتها الآن، من التوزيعه الجيوسياسية كقوة في آسيا بتناغم مدعوم من تطورها الاقتصادي، ويسير ذلك من التخفيف من وسائلها وطموحاتها للآن، وسيطرح موضوع تايوان، وبسرعة كانطلاقة لبداية "الصين العظمى" وقد يعرضها ذلك، أن يصبح لهذا الأمر انعكاسات ذات دلالة خطرة، على موقع الولايات المتحدة في الشرق الأقصى. وكان لتفكيك الاتحاد السوفياتي، آثار كبيرة على الجناح الغربي من الصين، بإنشاء سلسلة كاملة من الدول المستقلة، لم تحدد بكين بعد سياستها المتلاحمة حيالها. وسوف لن يكون الموقف الصيني موقف اللامبالي حيال هذه الأوضاع الجديدة. وكما أن روسيا، ستكون متأثرة بعمق، عند بروز الصين كقوة عظمى على المسرح الدولي.

ويعتمد التوازن، في الطرف الشرقي من القارة الأوراسية، على التناقض فاليابان ، قوة دولية، دون شك، من الدرجة الأولى، ولليابان الحق باعتبار أن التحالف الأمريكي الياباني، كعلاقة ثنائية، الأكثر أهمية بالنسبة للولايات المتحدة، لكون اليابان، أحد كبار القوى الاقتصادية الدولية، وبأنها تمتلك وسائل الضغط للتأثير على السياسة الدولية. مع ذلك، يتخلى اليابان، عن التفكير بكل نفوذ إقليمي للآن، ويتخذ مبادرات وكأنه تحت وصاية الولايات المتحدة، ولا يتمنى للآن أن يتورط في السياسة القارية في آسيا، على غرار تصرف بريطانيا في أوربا، ومن بين الأسباب الأخرى، فإنه من الواضح، سيوقظ أي تردد لإرساء تفوقه، ريبة وعداوة جيرانه.
وتمنح السياسة المتواضعة لليابان، دوراً أساسياً، للولايات المتحدة، في مجال الأمن في الشرق الأقصى، ويجب أن لا يغيب عن البال، أنه، إذا لم يكن اليابان لاعباً جيواستراتيجياً، الآن، فإنه يمتلك القدرات الضرورية لكي يصبح كذلك وبسرعة، على سبيل المثال، إذا عدلت الولايات المتحدة أو الصين خطّها في تصرفاتها والمحافظة على علاقات جيدة مع اليابان أمر ضروري بالنسبة للولايات المتحدة، ليس بوضع عينيها مفتوحة على سياستها الخارجية، بل بزرع الاحتراس الدولي في هذا البلد مع العناية، وسيكون لضعف الروابط السياسية بين الولايات المتحدة واليابان، أثر حاسم ومباشر على الاستقرار الإقليمي.
ولن تعرف إندنوسيا أن تصبح معتبرة كلاعب جيواستراتيجي ديناميكي لجملة كاملة من الأسباب. حيث بقي نفوذ هذا البلد الأكثر أهمية في جنوب شرقي آسيا، محدوداً جداً في النطاق الإقليمي. فهو يعاني من مشاكل اقتصاد نام نسبياً، ومن عدم استقرار سياسي بنيوي، ومن تبعثر جغرافي لأرخبيلها، ومن قابلية للنزاعات الاثنية، هامة تثار من قبل الموقع الذي تحتله الأقلية الصينية في القطاع المالي. وباستطاعة أندنوسيا أن تشكل عقبة ذات أهمية أمام التطلعات الصينية، باتجاه الجنوب. ويمكن مع ذلك، التأكيد أن فترة ضعف الإرادة التوسعية الأندنوسية، قد انتهت. أما استراليا التي أصابها القلق منذ عهد قريب، فقد شدت من روابطها، فيما بعد، في مجال التعاون والأمن مع أندنوسيا، ويلزم فترة من الاستقرار والنجاح الاقتصادي حتى تصبح اندنوسيا فاعلاً إقليمياً مهيمناً.

وحصلت الهند على وضع القوة الإقليمية، وتتصرف بالمقابل كلاعب دولي من النسق الأول. فإنها قد جعلت من نفسها كمنافس للصين، وإن كان مثل ذلك التقدير مبالغاً فيه، مع ذلك، فلا جدال بأن الهند تشكل الدولة الأقوى في آسيا الجنوبية، وتشكل القطب الوحيد للسلطة الإقليمية، فزودت نفسها بالسلاح النووي، وبطريقة شبه رسمية ليس فقط من أجل تخويف الباكستان، بل أيضاً من أجل إقامة التوازن في مواجهة الترسانة النووية الصينية، وقد أعدت الهند رؤيا جيواستراتيجية لدورها الإقليمي، يمتد على مجمل المحيط الهندي، بناء عليه فإن طموحاتها لا تتناقض مع مصالح الولايات المتحدة في القارة الأوراسية، ومن هذا الواقع، لا يشكل هذا اللاعب الجيواستراتيجي، مشاكل جيوسياسية على المستوى نفسه، كروسيا أو الصين.
وقد عدل استقلال أُكرانيا من طبيعة الدولة الروسية نفسها. ومن هذا الواقع، يصبح الوضع الجديد والهام على الساحة الأوراسية، كمحور جيوسياسي. ولقد توقفت روسيا عن كونها إمبراطورية في أوراسيا بدون أكرانيا، حتى لو أنها بذلت جهوداً لكي تخفي تماماً مثل هذا الوضع. وعندها سيصبح مركز الجاذبية محولاً عندئذٍ.. وستصبح هذه الإمبراطورية آسيوية بصورة رئيسة، ومكرسة للضعف لكن سيقود مثل ذلك الوضع لنزاعات دائمة مع تابعيها الثائرين في آسيا الوسطى، وسوف لن يقبل هؤلاء خسارة استقلالهم دون أن يقاوموا، ذلك الاستقلال الذي حصلوا عليه حديثاً. كما سيضمنون لأنفسهم الدعم من حلفائهم المسلمين في الجنوب، في حين تعارض الصين، التي تبدي اهتماماً متزايداً بالدول الجديدة ، في آسيا الوسطى، وبإصلاحات وضع اليد الروسية دون شك. كما ستضمن عودة السيطرة على أكرانيا من قبل موسكو بلد من اثنين وخمسين مليون نسمة، مزود بمصادر عديدة، ومن ممرّ إلى البحر الأسود، الوسائل لتصبح روسيا دولة إمبريالية وقوية من جديد تتوسع باتجاه أوربا وآسيا، وسيكون لانتهاء استقلال أكرانيا من آثار فورية على أوربا الوسطى، وستصبح بولونيا، عندئذ المحور الجيوسياسي، على الطرف الشرقي لأوربا الموحدة.
أما أذربايجان، فإنها تغطي منطقة حساسة، لأنها تسيطر على المنافذ نحو الثروات الغنية في حوض الكاسبيان وآسيا الوسطى، على الرغم من ضعف أبعادها وعدد سكانها المحدود. وسيكون لأي تهديد لاستقلالها نتيجتان: من جهة، فإن موسكو ستبدل اتجاهها نحو مكاسبها من الثروات النفطية الضخمة في هذا البلد، ومن جهة أخرى، فإن أي دور لآسيا الوسطى، سيفقدها كل قدرة على المبادرة حتى إذا حافظت على استقلالها الشكلي. وسيسمح كون أذربايجان مستقلة، بأن ترتبط ثانية بالأسواق الغربية، عن طريق الأنابيب النفطية التي تجنبت المرور بالمناطق الخاضعة للنفوذ الروسي، ومما يسمح بالربط بين الاقتصاديات النامية، ذات الاستهلاك القوي للطاقة، وحقول النفط المطموع فيها من قبل جمهوريات آسيا الوسطى وإن مصير أذربايجان وآسيا الوسطى، مشابه للمصير الأكراني، وقد يؤثر ما سيكون عليه مصير روسيا في المستقبل.
وستحاول كل من تركيا وإيران، العمل على تعزيز نفوذها في آسيا الوسطى خاصة في منطقة بحر الكاسبيان، نتيجة للضعف الروسي، ويكفي حضورها، لكي يؤدي إلى تضمينها في لائحة اللاعبين الجيواستراتيجيين غير أن الصعوبات الداخلية، لكل منهما، تحد من قدراتهما للتوزيع الإقليمي للسلطة، والجهود التي تتجاوز الحد، المخصصة لإبطالها بسبب المنافسة، وسيقلل نفوذهما المتبادل من هامش مبادراتهما. وقد حققت تركيا، نفوذاً ذا دلالة في أذربايجان، وقدم الموقف الإيراني الموجه لخدمة المصالح الروسية على حياء، نتيجة للتحرك في نطاق أقليتها الآذرية.
وتشكل كل من تركيا وإيران محورين جيوسياسيين، مع ذلك، ومن الطراز الأول. إذ تشكل تركيا عامل استقرار في منطقة البحر الأسود كما تشكل حاجزاً، على المحاور المؤدية للبحر الأبيض المتوسط، كما تؤدي خدمة كعامل موازنة مع روسيا في القوقاز، وترياقاً واقياً ضد الأصوليين الإسلاميين ونقطة رُسُوّ للحلف الأطلسي في الجنوب. وتشجع الاضطرابات في تركيا على العنف في جنوبي البلقان، وبالتالي عودة الحضور الروسي إلى الدول المستقلة حديثاً في القوقاز، وتؤدي إيران خدمة أيضاً كعنصر استقرار وإعادة توزيع السلطة في آسيا الوسطى، على الرغم من موقفها الغامض تجاه أذربايجان. وتؤكد إيران على هيمنتها على الجناح الشرقي للخليج العربي /الفارسي، مع رغبتها بالاستقلال، حتى لو ترافق ذلك بالعداء الظاهر للولايات المتحدة، وبالعمل على منع روسيا من تهديد المصالح الأمريكية في منطقة الخليج العربي.
أخيراً، كوريا الجنوبية، المحور الجيوسياسي في الشرق الأقصى، فهي تقدم خدمة كدرع ضد اليابان، من واقع روابطها الوثيقة مع الولايات المتحدة وذلك بردع اليابان عن تشكيل قوة عسكرية ذات استقلال ذاتي، وتسمح بالحد من الحضور العسكري للولايات المتحدة في الأرخبيل. وسيشوش أي تبديل هام في وضع كوريا الجنوبية، سواء عن طريق الوحدة مع كوريا الشمالية، أو الاندماج مع الفلك الصيني، سيشوش من دور الولايات المتحدة في الشرق الأقصى، وبالنتيجة دور اليابان، يضاف إلى ذلك تزيد "الخانة" التي تشغلها كوريا الجنوبية على الساحة الدولية من نموها الاقتصادي، أولاً بأول، وتصبح بالتالي السيطرة عليها أكثر أهمية وقيمة، فأكثر.
وهكذا، فاللائحة المقامة لدور اللاعبين الجيواستراتيجيين، وكذلك لدور المحاور الجيوسياسية، ليس لها صفة الدوام والاستمرار، ولا حتى لها صفة الحزم، ويمكن أن يصبح وضع العديد من الدول، موضع بحث في الظروف الراهنة. فيمكن أن تدخل تايوان وتايلاند وباكستان وربما حتى كزخستان وأوزباكستان في صف المحاور الجيوسياسية، في بعض الجوانب، بناء عليه، ليس هنالك من ذريعة واضحة مع ذلك، تبرر أن لا تشملها تلك اللوائح، لكن سيشكل أي تبدل للأوضاع لأي بلد من تلك البلدان، حدثاً ذو أهمية حاسمة، مما يؤدي إلى تغيير توزيع القوة لكن ليس من المؤكد، بأن ذلك سيؤدي إلى ردود فعل متسلسلة. فقط موضوع تايوان، هو الموضوع الصعب، وإذا اعتبرت هذه الجزيرة على أنها كيان مستقل عن الصين، عندها يمكن اعتبار ذلك استثناءً. فهل يجب أن تلتزم الصين القاريه بإخضاع تلك الجزيرة بالقوة ؟ مطلقة بذلك العمل تحدياً للولايات المتحدة وكذلك قابلية مصداقيتها في الشرق الأقصى، يبدو أن هذا الاحتمال لمثل ترتيب الظروف بهذا الشكل ضعيف للغاية، لكن يجب وضع هذا الاحتمال تحت النظر من أجل ترسيخ سياسة الولايات المتحدة
تجاه الصين.

خيارات كبرى، وتحديات في المستقبل:
سمح تطابق اللاعبين من الدرجة الأولى والأقطاب الأساسية وتوافقهم، بحَصْر المآزق الكبرى التي تجد الولايات المتحدة نفسها فيها في مجابهة معها. وتتركز التحديات الرئيسية المتوقعة التي يمكن أن تبرز في القارة الأوراسية حول خمسة أمور نعرضها فيما يلي:
1-نوع الوحدة الأوربية، وأثرها على الولايات المتحدة وكيفية تشجيعها
2-ما هو المظهر الذي يمكن لروسيا أن تتبناه، والذي يحفظ مصالح الولايات المتحدة، على نحو أفضل؟ وكيف يمكن للولايات المتحدة أن تضغط في هذا السياق، بشكل أفضل؟
3-إلى أية درجة يمكن للبلقان أن يبرز من جديد في أوراسيا، وكيف يمكن للولايات المتحدة التقليل من أخطار الانفجارات فيه؟
4-أي دور يجب أن يكون للصين مشجعاً لها لتتبناه في الشرق الأقصى، وماذا ستكون عليه النتائج بالنسبة للولايات المتحدة بل أيضاً بالنسبة لليابان؟
5-ما هي التحالفات الجديدة القابلة لأن تتشكل على القارة الأوراسية، والتي يمكن أن تهدد مصالح الولايات المتحدة وما هي الوسائل التي يمكن اللجوء إليها من أجل تجنبها؟
لقد أعلنت الولايات المتحدة، على الدوام، عن تعلقها بالوحدة الأوربية، وقد جرى تأكيد الأساس الدائم لهذا المطلب منذ إدارة الرئيس كندي. وكان ذلك المبدأ يعني "المشاركة" في الاتحاد "على قدم المساواة" ويسجل الموقف الرسمي لواشنطن على دعم ظهور كيان جديد، قوي على نحو كافٍ، في أوروبا من أجل تقاسم المسؤوليات مع الولايات المتحدة من جهة، وكذلك التكاليف من أجل التفرد على سطح الكرة الأرضية، وحماية المصالح المشتركة لكن، ينقص موقف الولايات المتحدة، الوضوح والمنطق، فهل تتمنى واشنطن حقا ًمعالجة الشؤون الدولية على قدم المساواة مع غيرها ، أم أنها تفضل تحالفاً مع أوربا أقل توازناً؟ وهل الولايات المتحدة جاهزة لتقاسم تفوقها في الشرق الأوسط، المنطقة التي ليست أكثر قرباً من أوربا جغرافيا فقط، بل فيها للعديد من الدول الأوربية مصالح حيوية، وتدافع عنها منذ زمن بعيد، وهي مصالح خاصة هامة جداً، ولنذكر على سبيل المثال، القضية الفلسطينية- وما تقوم به الولايات المتحدة حيالها فهي تقدم الدعم اللامحدود للكيان الصهيوني في جميع المجالات والمستويات وترفض واشنطن، حتى مجرد ابداء الرأي لأي كان، يتعلق بتلك القضية. كما أن هناك خلافات عميقة حول الموقف من العراق- والموقف من الحظر الظالم الذي يتسبب في قتل مئات آلاف الأطفال العراقيين، وتمنع الولايات المتحدة عنه حتى الطعام والدواء، وتعالج الولايات المتحدة مثل تلك الأمور بروح الهيمنة وليس كخلاف بين أنداد.
ويعتبر الأوربيون، فقدان الحماسة تجاه الوحدة الأوربية من قبل الولايات المتحدة، عملية غدر، وغموض في المواقف، خاصة تجاه البلدان التي تتخذ قرارات قد لا ترضى عنها واشنطن في بعض الشؤون الدولية. فواشنطن لم تقم فقط بإضعاف عزيمة لندن للعب الدور المخرب في كثير من الأمور المتعلقة بالاتحاد الأوربي، بل تشجع ألمانيا وتتحيز لها بشكل بارز لتتولى برلين زعامة أوربا بدلاً من فرنسا- في عملية التوحيد وهذا الايثار واضح، وعلى مشهد من التوجهات التقليدية في السياسة الفرنسية كما لها تأثير على التقاربات التكتيكية الفرنسية- البريطانية التي تتعارض مع المواقف الألمانية. كما أنها تشجب سراً وعلناً، المغازلات التي تقوم بها فرنسا حيال روسيا، والموجهة لموازنة التحالف الألماني الأمريكي.
ويستوجب ظهور أوربا موحدة- خصوصاً إذا استفاد من دعم بنّاء من جانب الولايات المتحدة ، أن يترافق مع تعديلات هامة على الهياكل الخاصة بمنظمة حلف شمالي الأطلسي، الرابطة الأساسية لنفوذ الولايات المتحدة في أوربا، بل أيضاً الكادر الخاص لحضورها العسكري في هذه القارة، والرهان الحاسم فيها، ولقد انطوى التحالف كمركز هيمنة، إذا استخدمنا حقاً المصطلح الكلاسيكي للعبارة، وقد يصبح قائماً على اتفاق بين شريكين متساويين تقريباً، مع الوحدة الأوربية. ولم تفلح للآن محاولات التسوية الضرورية، في نطاق منظمة حلف شمالي الأطلسي، المستهدفة أن يصبح الدور الأوربي فاعلاً، كما لم تفلح المحاولات لإنشاء قوة أوربية خاصة بأوربا فعلاً وعملاً، وهو خيار لصالح أوربا ولا شك، وبالتالي إجبار الولايات المتحدة على إعادة النظر في تنظيم منظمة حلف شمالي الأطلسي، على أسس جديدة، يكون للكلمة الأوربية مكان في قرارات الحلف، ومن أجل الحد من استعلاء الولايات المتحدة في نطاق الحلف.
باختصار، إذا أرادت الولايات المتحدة إعداد فكرة جيواستراتيجية ملائمة حقاً لأوربا، فعليها مواجهة الوحدة الأوربية، دون تهرب، كما عليها أن تسمح بشراكة حقيقية مع أوربا، وعليها أن تدرك كل ما يعنيه هذا المفهوم، فإذا كانت الولايات المتحدة ترغب حقاً بهذه الوحدة وبناء على ذلك بأوربا أكثر استقلالية يجب أن تضع كل ثقلها في الميزان من أجل دعم البلدان ذات الالتزام الأكثر بنجاح التكامل الاقتصادي والسياسي في أوربا وتقتضي مثل هذه الاستراتيجية، المراهنة ثانية، بشأن آثار التحالف البريطاني الولايات المتحدة، ذو الأهمية كأمر مقدس منذ زمن بعيد:
كما يجب أن تأخذ السياسة المتلاحمة بالحسبان وهذا يعني الإشارة إلى إثارة حوار مشترك مع الأوربيين- موضوع عملية توسيع الاتحاد الأوروبي المعقد: خاصة، فيما يتعلق بالمدى الذي يمكن لأوربا أن تتوسع فيه باتجاه الشرق؟ وهل يجب أن تتوافق الحدود للاتحاد الأوربي مع حدود منظمة حلف شمالي الأطلسي؟ فإذا كان الجواب، على السؤال يخص الأوربيين وحدهم، فله مع ذلك توريطات مباشرة مع قرارات منظمة حلف شمالي الأطلسي، وبطبيعة الولايات المتحدة، التي تلعب هذا الدور الراجح حتى هذا اليوم، ويبدو ان توافقاً قد توطد لصالح السماح لشعوب أوربا الوسطى، في الالتحاق بهذين الكيانين الاتحاد الأوربي ومنظمة حلف شمالي الأطلسي- لكن، يبقى الحوار مفتوحاً، بهذا الشأن، أما ما يتعلق بمستقبل الجمهوريات البلطيقية وأكرانيا، فسيكون انضمامها ضمن أمد ليس بقريب.
ويلاحظ أن الموضوع المشكوك بأمره من الناحية الجيواستراتيجية، هو إعادة البحث فيما يتعلق بروسيا الاتحادية، ويطرح مستقبل هذا البلد، العديد من الأسئلة، ولا يمكن الاكتفاء بالإعلان عن أفضلياتها بالرد عليها في سبيل حل ديموقراطي وتعزيز الروابط الوثيقة مع أوربا. وإنه من المحتمل أن تلعب روسيا دوراً تلتزم فيه بالقيم التي يتقاسمها الأمريكيون والأوربيون. بالنتيجة أن تلعب روسيا دوراً لا يمكن إهماله في سبيل المشاركة في بناء أوراسيا أكثر استقراراً، بحيث تتعاون فيها الأمم المختلفة بشكل أكثر انسجاماً، لكن لا تضع إقامة نظام ديموقراطي في روسيا، حداً للطموحات الروسية الأخرى، بالضرورة، ويستمر المفهوم الراسخ بعمق بين أوساط النخبة الحاكمة "المشكلة بشكل واسع من الكوادر السوفياتية القديمة، في مجال السياسة الخارجية، كما في المجالات الأخرى" بأن لروسيا دوراً عالمياً يجب أن تلعبه، دوراً من الدرجة الأولى، وتقتضي هذه النزعة تبعية دول جديدة لموسكو، خاصة تلك التي استقلت نتيجة انهيار الاتحاد السوفياتي، وتتجلى بادرة الصداقة من الغرب، في نظر عدد متنفّذ من الطبقة الحاكمة، بأنها طريقة لانكار حق روسيا في وضع دولي متميز، وأنه من المفيد ذكر ما علق به خبيران روسيان في الجيوسياسية:
"بالرغم من أن الولايات المتحدة، والبلدان الأعضاء في منظمة حلف شمالي الأطلسي، تتجنب لحد ما، عمل ما يمكن أن يتسبب في إهانة الشرف الوطني الروسي، إلا أنها تتمسك بتفتت روسيا، وتدمير الأسس الجيوسياسية التي يمكن لموسكو، أن تأمل، نظرياً على الأقل استعادة وضعها كقوة دولية، واحتلالها تلك المكانة التي كانت للاتحاد السوفياتي السابق".


خصوصاً، فإن الولايات المتحدة مشكوك بنواياها عملياً، تجاه المنظمة الجديدة في الحيِّز الأوربي، وتعمل واشنطن على جعل مجموعة الدول الضعيفة من دول أوربا الشرقية، قابلة للحياة، في هذا الجزء من العالم، مقدمة لها عرضاً للاقتراب من منظمة حلف شمالي الأطلسي، ومن الاتحاد الأوربي أو مؤسسات غربية أخرى.
يعرض هذا التنويه المآزق التي تواجه الولايات المتحدة بشكل جيد. كما يعرض إلى أي مدى تنسجم فيه المساعدة الاقتصادية لروسيا، التي تعزز من قوتها السياسية والعسكرية في يوم ما مع المساعدة المقدمة للدول المستقلة حديثاً. وهل تستطيع روسيا بالحركة نفسها، أن تصبح قوية وديموقراطية؟ وهل أنها سوف لن تبحث عن إصلاح مجالها الإمبريالي، عندئذ، إذا زادت من قوتها؟ وهل يمكنها أن تزدهر باعتبارها إمبراطورية وكونها ديمقراطية؟
فلا يمكن لسياسة الولايات المتحدة تجاه الأقطاب الجيوسياسية المحسوسة، مثل أكرانيا، أدربايجان، أن تتجنب طرح مثل تلك المواضيع، لكن تتلخص العقبة في الاختيار بين التوازن التكتيكي والنية الاستراتيجية، ويشترط التجديد الداخلي لروسيا، التقدم في عملية الدمقرطة، وأن تصبح أوربية
(
europesation) "أي تتأرّب" وستكون الآثار الناتجة عن استعادة قدراتها الإمبريالية، مشؤومة على هذين الهدفين: الدمقرطة والتأرّب، وهنا يمكن أن تتولد عنها مشاكل تؤدي إلى خلافات بين الولايات المتحدة وبعض الدول الأوربية، وستؤثر هذه النتائج على الاتحاد الأوربي في المقام الأول، وكذلك، على منظمة حلف شمالي الأطلسي، فهل إن ترشيحاً محتملاً لروسيا لواحدة من هاتين المؤسستين، من الأمور التي يمكن مواجهتها؟ وفي هذه الحالة ماهو دور أكرانيا؟ وهل سيكون لاستبعاد روسيا نتائج خطيرة- فهذا سيؤكد التنبؤات الروسية الأشد كآبة لكن سيكون لإضعاف الاتحاد الأوربي أو حلف الأطلسي آثاراً قوية تتسبب في عدم الاستقرار.
وتحوم شكوك أخرى، في المجال الواسع من آسيا الوسطى، المجرد من السمات الجيوسياسية الراسخة، وتتحرك تلك الشكوك بقابلية التأثر بالمحورين الإقليميين، تركيا وإيران. ويعيش في المنطقة الممتدة من الكريمة، وعلى طول الحدود الجنوبية الجديدة لروسيا، حتى الإقليم الصيني في غرينغجيانغ
(
xinjiang) وتنزل من جديد نحو المحيط الهندي، لتتابع باتجاه الغرب نحو البحر الأحمر، قبل الصعود من جديد نحو الشمال، نحو الهدب الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، ثم تنغلق ثانية، على البحر الأسود، يعيش أكثر من أربعمائة مليون من السكان موزعين ما بين خمس وعشرين دولة، وعلى مزيج عرقي وديني غير متجانسين، ومحرومة من الاستقرار في معظمها، ويمتلك العديد من هذه الدول الأسلحة النووية، أو تسعى للحصول عليها.
تحتضن هذه المنطقة، نزاعات متفجرة، سريعة الالتهاب ومحاطة بقوة مجاورة هامة. ويدل كل ذلك على أنه يمكن أن تصبح ميدان مجابهات عنيفة بين الدول/ الأمم. ومن المحتمل أن تصبح مسرحاً لنزاعات عرقية ودينية على نحو أكثر، عسيرة على الحلول وسيحدد الموقف الهندي مدى العداوات، فالهند تمتلك الوسائل لتخويف خصومها الأكثر حباً للحروب، ويمكن أن تختار تأجيج النزاعات إذا وجدت في ذلك مناسبة للتأثير على الباكستان، كما سيؤثر تفاقم التوتر الداخلي في كل من تركيا وإيران، على دورهما في عملية الاستقرار، لحد ما، وسوف لن تُسهّل مثل هذه التطورات تكامل الدول الجديدة في آسيا الوسطى، مع المجموعة الدولية، كما ستؤثر على الأمن في منطقة الخليج العربي الفارسي، الذي سيبقى في دائرة اختصاص الولايات المتحدة، ويمكن للولايات المتحدة، مثلها مثل القوى الإمبريالية الأخرى، أن تُصبح مجابهة في المنطقة، وتدخل في نزاع على نطاق أقوى بكثير من تلك الحرب التي جرت في يوغوسلافيا السابقة.
وتستغل الأصولية الإسلامية والنزعة القومية المتزايدة، اللتان توجهان الاتهام للغطرسة والهيمنة الأمريكية في المنطقة لحماية مصالحها الجشعة، والتي تشكل عامل عدم، استقرار فيها، خاصة في دعمها اللامحدود للكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة، وكذلك دعمها لبعض الأنظمة في المنطقة، على حساب المصالح القومية، مما يؤدي إلى تفجرات من حين لآخر تزعزع استقرار تلك المنطقة الحساسة من العالم. غير أنه مع غياب سياسة متلاحمة في معظم دول المنطقة، لتصبح قادرة على فرض سيطرتها على التيارات المختلفة، وغياب الديمقراطية، كل ذلك يقود أيضاً إلى احتكاكات تؤثر أيضاً على الاستقرار في تلك المنطقة، فالتحدي الذي تمثله النزعة الأصولية، الدينية أو القومية، لا يشكل تحدياً استراتيجياً مطلقاً من وجهة النظر الجيوسياسية، بل يجب البحث جدياً عن أسباب العنف المنتشر ومعالجتها.


هذا، وتفرض القوة التي تتمتع بها الصين، مسائل جيواستراتيجية حاسمة، مع ذلك، لا يمكن استبعاد الاحتمالات الأكثر تفاؤلاً، مثل احتضان الصين للمبادئ الديمقراطية، وتطبيق قوانين السوق وعندها ستندمج الصين مع ميثاق تعاون إقليمي، لكن لا شيء يضمن أن يترافق نموها الاقتصادي، وتعزيز قدراتها العسكرية، بدَمَقْرَطةٍ واسعة، ومهما تكن الحسابات والمناورات المعروضة ما من أحد من جيرانها، لن يكون على قدرة لمعارضة (صين عظمى)، يضاف إلى ذلك، النزوع لدى بعض دول المنطقة إلى خلق النزاعات والتوترات. مع ذلك سيكون لمثل تلك الأوضاع نتائج خطيرة، خاصة على العلاقات الأمريكية اليابانية، إذ من المحتمل، ولو قليلاً للآن، أن لا تقف طوكيو في الصف الأمريكي، إذا قررت معارضة الطموحات الصينية. ويمكن لمثل ذلك الموقف، أن يؤدي بطوكيو لمراجعة رؤياها ودورها بشكل جذري في المنطقة وبالتالي العمل على إنهاء الوجود الأمريكي في الشرق الأقصى.
فإذا أريد التعامل مع الصين يجب القبول عندئذ بدفع الثمن. وسوف لن تكون الموافقة على ذلك، وقبول فرض هيمنتها، مقتصرة على افتراض ما يُطلب إثباته، بل ما هي الحقائق التي تؤكد على تفوقها؟ بل السؤال الأكثر وضوحاً، ما هو فلك النفوذ المتضمن بلداناً، ويبقى مقبولاً للولايات المتحدة، وملائماً في الوقت نفسه لاندماج الصين في الاذعانات الدولية؟ وما هي التنازلات التي يمكن أن يُوافق عليها من قبل الإمبراطورية السماوية المتجددة؟
في هذا السياق، تكتسي المحافظة على الوجود الأمريكي في كوريا الجنوبية، أهمية حاسمة، وبدلاً من ذلك، يتوجب مواجهة مراجعة الاتفاقيات العسكرية الأمريكية اليابانية، من أجل أن يعهد لطوكيو بالوسائل اللازمة لدفاعها. وكل حركة تستهدف صالح توحيد كوريا، قابلة لأن توجه الاتهام للوجود العسكري الأمريكي على شبه الجزيرة الكورية، ويمكن التفكير أيضاً باحتمال أن تختار كوريا الموحدة الاستغناء عن الحماية الأمريكية، ولم لا، أن لا يكون هو الشرط للثمن المُعْلَن من قبل الصين، بدلاً عن دعمها القاطع لإعادة الوحدة، وعندها يتوجب على الولايات المتحدة، أن لا تنسى، وبكل وضوح أنه سيكون للسلوك بشأن علاقاتها مع الصين نتائج خطيرة على الاستقرار والأمن الأمريكي- الياباني- الكوري، بشكل محتوم.


لإنهاء هذا الأمر، لنتذكر أيضاً، احتمال تحالف أطراف من بلدان مختلفة فكان يهيمن على الشؤون الدولية في الماضي، القضايا بين دولة ودولة، إلى حد كبير، وتبحث كل دولة عن ضمان لها بالوصول إلى الهيمنة الإقليمية، لهذا، من المحتمل أن تواجه الولايات المتحدة تحالفات إقليمية، تستهدف دفع أمريكا خارج القارة الأوراسية، وهذا ما يؤدي إلى تهديد وضعها كقوة شاملة، وإننا نستطيع أن نشير منذ الآن، أن ظهور تحالفات من هذا الطراز، سيعتمد على الطريقة التي سوف تصمم طبعاً للبراهين التي أتينا على ذكرها، على نطاق واسع.
وسيمثل السيناريو الثاني خطراً قوياً جداً‍ ولادة تحالف كبير، يضم الصين مع روسيا، وربما إيران ليكون تحالفاً موحداً ضد "هيمنة الولايات المتحدة" وكان في الماضي هذا الاحتمال ضعيفاً عن طريق الصلات الأيديولوجية مع أنه مشابه الآن من حيث الاتساع والمدى لما كانت عليه الكتلة الصينية السوفياتية. لكن سيكون موجهاً هذه المرة من قبل الصين. ولتجنب هذا الاحتمال اليوم يجب على الولايات المتحدة، بسط كل مهاراتها الجيواستراتيجية على جزء كبير من المحيط الأوراسي، خاصة إلى الغرب على الأقل، وإلى الشرق وإلى الجنوب.
كما سيكون لمحور صيني ياباني، مع أنه أقل احتمالاً، ثقلاً أكثر من حيث آثاره. وإنه لن ينبثق إلا عند ظهور بداية انهيار التفوق الأمريكي في الشرق الأقصى، وبالتالي، إعادة في توجه السياسة الخارجية اليابانية. وسيسمح مثل هذا المحور، تبرير وحدتها، التي ستقوم على العقيدة "الآسيوية" ضد هيمنة الولايات المتحدة بمشاركة شعبين ديناميين جداً. مع ذلك، يجب النظر إلى المستقبل بشكل سيِّئ، خاصة إذا نجح هذان البلدان، في صرف النظر عن نزاعاتهما التاريخية لتشكيل تحالف بينهما. وسوف يتوجب على واشنطن أن تتمكن من حماية نفسها من مثل هذه التوقعات، إذا كانت تريد لعب دور الحرص والبصيرة في الشرق الأقصى.
كما لا يمكن استبعاد نشوء تحالفات في أوربا، على الرغم من كونه بعيد الاحتمال، كما يبدو اليوم، وقد يكون التحالف مثلاً على شكل ميثاق ألماني روسي، أو اتفاق فرنسي- روسي، وتعرف سوابق مماثلة مشهورة، وستكون الفرضيتان معقولتان، إذا قضت التعقيدات على الوحدة الأوربية، إذا استعصت على أي حل، أيضاً إذا فسدت العلاقات بين أوربا والولايات المتحدة، بشكل خطير، فهل يمكن تخيل إمكانية التوافق بين أوربا الغربية وروسيا، يستهدف طرد الولايات المتحدة من القارة كلها، لكن لا تبدو إمكانية حصول تغييرات كبيرة في الظروف الراهنة، محتملة، ويجب على الولايات المتحدة، أن لا ترتكب سلسلة من الأخطاء الكبيرة، لكن يجب أن يعاد النظر في السياسة الأوربية من جديد، تكون فيها شريكاً للولايات المتحدة، على قدم المساواة.
ومهما يكن المستقبل وما يخبئه، يمكن أن نستخلص، على نحو معقول، أن أولوية الولايات المتحدة في القارة الأوراسية، ستكون خاضعة إلى اضطرابات قوية، حتى قد تصل إلى المجابهة مع حوادث عرضية من العنف ويمكن أن يتسبب طامعون جدد، أو تحالفات جديدة بجعل موقع الولايات المتحدة ومكانتها، قابلة للتأثر، فالنظام الدولي الذي تمارس فيه الولايات المتحدة دوراً مهيمناً، وتجعل من التهديد المسلح وسيلة سوف لن يؤدي إلى الاستقرار. وإذا دام زماناً، فسيكون دوامه في أجزاء من العالم، بسبب الأولويات الأمريكية الموجهة فقط للتوقعات الجيواستراتيجية، على المدى الطويل، وعلى الولايات المتحدة الاعتماد على أنظمة اجتماعية وسياسية مشروعة عندئذ من أجل أن تخفف من العداوة الرئيسة ضدها. كما سيكون مثل هذا الأمر مشروطاً، في أن تندمج الدول في مجموعات متعددة الجوانب وتعيد الارتباط فيما بينها.


¾¾
¡ الهوامش:

(1) صامويل ب هانتغتون "لماذا الشؤون الدولية أولاً" الأمن الدولي، ربيع عام 1993-
ص(83).

(2) روي دنمان roy denman (الفرص الضائعة) لندن، كاسل 1996.
(3) روبرت سكيدلسكي robert skidelski "بريطانيا العظمى، وأوربا الجديدة"، من الأطلسي إلى الأورال، دافيد ب كاليو david p. Calleo وفيليب هـ غوردون، philip h. Gordon طبعة أرلينغتون، فرجينيا 1992 ص(145)
(4) آ بوغاتوروف a. Bougatourov وف كرفيوك v.kreme njovk "بروفيسور في معهد الولايات المتحدة وكندا" "الوضع الحالي وتوقعات العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة" في مجلة "nelavismaya gazeta" 28 حزيران 1996.


¾¾¾

__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« فلسطين في عام 2000 ؟ | الجوهـر اليهودي »

يتصفح الموضوع حالياً : 2 (0 عضو و 2 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الفكر الاستراتيجي للقادة: دروس مستوحاة من التجارب العالمية والعربية Eng.Jordan بحوث الإدارة والإقتصاد 3 11-03-2013 08:33 PM
الفكر الاستراتيجي في العصر النبوي Eng.Jordan دراسات وبحوث اسلامية 0 06-13-2013 10:44 AM
دراســـات فـي الفكر الاستراتيجي والسياسي Eng.Jordan كتب ومراجع إلكترونية 0 02-19-2012 11:45 AM
تحديات الفكر والثقافة العربية في الفكر والأدب Eng.Jordan دراسات وبحوث أدبية ولغوية 0 02-19-2012 09:36 AM
تحديات الفكر والثقافة العربية في الفكر والأدب الدكتور سليمان الأزرعي مهند دراسات وبحوث أدبية ولغوية 0 01-09-2012 06:47 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 10:25 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2016, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73