تذكرني !

 





إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #49  
قديم 04-14-2015, 08:18 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 21,795
ورقة السلبية والقعود في الفكر الصوفي

السلبية والقعود في الفكر الصوفي*
ــــــــــــــــ

25 / 6 / 1436 هــ
14 / 4 / 2015 م
ــــــــــــ



لم يعرف الإسلام يوما ولم يطلب من المسلم أن يكون منزويا قاعدا سلبيا لا يحرك ساكنا إزاء الأحداث التي تواجهه في الحياة، ولم يكن أبدا مفهوم العمل للآخرة مضادا ولا مصادما للعمل الجاد والمثمر في أعمال الدنيا.

فالمسلم يرى الأمل ويزرعه دائما في أنفس من حوله ويقاوم دوما الفشل والإحباط في نفسه فضلا عن تصديره لغيره، ففي الحديث الشريف عنه "من قال هلك الناس فهو أهلكهم". [1]( فهو أهلكهم أي أشدهم هلاكاً).

والمسلم يتحلى دوما بحالة في نفسه تجعله مهمومًا بأمر نفسه وما يصلحها وبأمر دينه وقضاياه، ويرى دوما أنه مسئول عن هذا الهم أمام رب العالمين ويستشعر مسئوليته تجاه الآخرين ولا يألو جهدًا في أن يعمل لبلوغ هدفه وغايته، وذلك في كل أمر من أمور الدنيا من مولده وحتى وفاته تحقيقا لأمره صلى الله عليه وسلم "إذَا قَامَتْ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا" [2]

وينمي الإسلام شخصية المسلم فتجعلها تحمل معاني التجاوب والتفاعل والعطاء وتجعله دوما شخصا إيجابيا حيا متحركا متفاعلا مع كل وسط يحيا فيه، وفي المقابل يرفض الإسلام منه أن يكون متقوقعا منزويا، بليدا منغلقا خاملا كسولا، فالشخصية السلبية تدور حول نفسها فقط، اهتماماتها شخصية أنانية لا تبتعد عن الشهوات لا تمد يدها للآخرين ولا تسعى للترقي ولا لمعالي الأمور.

وهذا ما حرصت الصوفية كل الحرص على إيجاده، إيجاد مسلم خارج عن دائرة الوجود، ليس له علاقة بالحياة إلا ما يخصه فقط لا يسعى لعمل ولا تغيير ايجابي نافع.

وربما يفهم هذا منهم إذا كانت فلسفة ذاتية تخرج من مجموعة من المنسحبين من الحياة، وربما يتبعهم أناس يحبون أن يتبعوهم في هذه الآراء العجيبة الهادمة، فما أكثر الدعوات والنعرات في العالم وما أعجبها، ولكن أن يربط هذا الفهم بالإسلام وان يدعي هؤلاء إن هذا هو ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فهو الخطأ بعينه والذي يجب وان يبين للناس كذب وتدليس هؤلاء على الإسلام وعلى مفاهيمه الصحيحة.

ولعل اخطر ما يمكن أن يقال في هذا الموضوع هو بدايته حيث ينطلقون في هذا الكذب والافتراء على الإسلام من تقعيد وتأصيل فكرتهم الباطلة بتفسيرات ليس لها صحة لآيات من كتاب الله ولأحاديث من سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

ومن كلماتهم وافتراءاتهم:

- فمن تفسيراتهم الغريبة والشاذة ما نقله السهروردي ما روي عن داود بن صالح أنه قال: قال لي أبو سلمة بن عبد الرحمن: يا ابن أخي هل تدري في أي شيء نزلت الآية: {اصبروا وصبروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون}. قلت: لا، قال: يا ابن أخي لم يكن في زمن رسول الله غزو يربط فيه الخيل ولكنه انتظار الصلاة بعد الصلاة فالرباط لجهاد النفس والمقيم في الرباط مرابط مجاهد نفسه". [3]

- تفسيرهم لقوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ}[4] أن معناه مجاهدة النفس والهوى وذلك هو حق الجهاد، وهو الجهاد الأكبر على ما روي في الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حين رجع من بعض غزواته: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" [5].

ويقول شيخ الإسلام "ابن تيمية" تعليقا على استشهادهم بهذا الحديث: أما الحديث الذي يرويه بعضهم أنه قال في غزوة تبوك رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر فلا أصل له ولم يروه أحد من أهل المعرفة بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله، بل الواضح جداً من القرآن والمتواتر من السنة أن جهاد الكفار من أعظم القربات إلى الله تعالى، وأن الصحابة والتابعين في العصور الزاهرة التي شهد لها الرسول الكريم بالخيرية كانوا يتهافتون على القتال في سبيل الله ليحصلوا على إحدى الحسنيين إما الموت فالجنة، وإما النصر فالعزة والرفعة" [6].

صرف الناس عن الجهاد في سبيل الله، فينقل السهروردي في كتابه فيقول عجبا "قيل إن بعض الصالحين كتب إلى أخ له يستدعيه إلى الغزو فكتب إليه يا أخي كل الثغور مجتمعة لي في بيت واحد والباب علي مردود فكتب إليه أخوه لو كان الناس كلهم لزموا ما لزمته لاختلت أمور المسلمين وغلب الكفار فلا بد من الغزو والجهاد فكتب إليه يا أخي لو لزم الناس ما أنا عليه وقالوا في زواياهم وعلى سجادتهم الله أكبر لانهدم سور القسطنطينية" [7]

وهذا بعيد تماما عما جاء به الإسلام وعن فعل النبي صلى الله عليه وسلم الذي خرج وعمل وجاهد في سبيل الله بلسانه ويده ولم يكتف كما يدعي هؤلاء بهذه الأذكار ويدعي أنها هي التي ستأتي وحدها وبهذا القعود بالنصر ولا حاجة للأمة في الجهاد.
وهكذا كان فعل زعماء الصوفية في كل وقت، فكانوا لا يلتفون للعمل والجهاد وانشغلوا فقط بما هم عليه وتركوا الأمة تصارع وحدها أزماتها ومشكلاتها وعظائم أمورها.

فأبو حامد الغزالي كتب في "إحياء علوم الدين" كل شئ عن التصوف وقرر أن طريقتهم من أنجح الطرق وأصلحها للوصول إلى ولاية الله ومرضاته وتكلم بإسهاب شديد عن طقوس المتصوفة المبتدعة ومع ذلك فإنه لم يتطرق ولو بسطر واحد للكلام على المصيبة التي أصيبت بها الأمة الإسلامية ألا وهو سقوط بيت المقدس في يد الصليبية فيقول الشيخ عبد الرحمن الوكيل رحمة الله عليه: (سقط بيت المقدس في يد الصليبيين عام (542 هـ) والغزالي الزعيم الصوفي الكبير على قيد الحياة فلم يحرك منه هذا الحادث الجلل شعوراً واحد ولم يجر قلمه بشيء ما عنه في كتبه لقد عاش الغزالي بعد ذلك (13) عاماً إذ مات سنة (505هـ) فما ذرف دمعه واحدة ولا استنهض همة مسلم ليذود عن الكعبة الأولى"[8]

وهذا ما قاله الدكتور زكي مبارك حيث قال بعد أن تحدث قليلاً عن الحروب الصليبية: "أتدري لماذا ذكرت لك هذه الكلمة عن الحروب الصليبية لتعرف أنه ما كان "بطرس الناسك" يقضي ليله ونهاره في إعداد الخطب، وتحبير الرسائل، يحث أهل أوروبا فيها على احتلال أقطار المسلمين، كان الغزالي حجة الإسلام غارقاً في خلوته منكباً على أوردة المبتدعة لا يعرف ما يجب عليه من الدعوة إلى الجهاد في سبيل الله تعالى" [9].

أما الدكتور عمر فروخ فقد التمس العذر في سكوته عما جرى في القدس قائلاً: "كان الصوفية يعتقدون بأن الحروب الصليبية كانت عقاباً للمسلمين على ما سلف لهم من الذنوب والمعاصي، ولعل الغزالي قد شارك سائر الصوفية في هذا الاعتقاد" [10]

ولم يختلف حال ابن عربي وابن الفارض وهما الزعيمان الكبيران للصوفية عن حال الغزالي" فقد عاشا في عهد الحروب الصليبية فلم يسمع أحد عن واحد منهما أنه شارك في قتال أو دعا إلى قتال أو سجلا في شعرهما أو نثرهما آهة حسرة على الفواجع التي نزلت بالمسلمين، لقد كانا يقرران للناس أن الله هو عين كل شيء فليدع المسلمون الصليبيين فما هم إلا الذات الإلهية متجسدة في تلك الصور هذا حال أكبر زعماء التصوف وموقفهم من أعداء الله فهل كافحوا غاصباً أو طاغياً" [11]

"ولهذا لم يكن غريبا أبدا أن يجتمع زعماء الصوفية حين أقدم الفرنج على احتلال المنصورة لا لإعداد العدة وإعلان كلمة الجهاد ولكن لقراءة رسالة القشيري والمناقشة في كرامات الأولياء" [12]، وهذا ما فعلوه أيضا إبان غزو نابليون بونابرت لمصر عندما هرع الشيوخ إلى كتاب البخاري يلتمسون منه العون والمدد أمام مدافع الفرنسيين اقتحم الفرنسيون الأزهر بخيولهم عليهم جميعا.

ولقد علم المستعمر في كل وقت أن هذه البقايا من هذا الفكر الغريب على الإسلام هم أمله الوحيد في إبقاء المسلم مخدرا بعيدا عن واقعه وقضايا أمته، فدعموه بكل ما يمكنهم دعمه، فهذا القائم بالأعمال الأمريكي في السودان يرتدي زي أولاد الشيخ الكباشي ويقوم بعدة زيارات لعدد من الطرق الصوفية رافقه خلال أكثرها مسئولون سودانيون بارزون، وكذلك كان فرانسيس ريتشاردوني السفير الأسبق للولايات المتحدة بالقاهرة يواظب على حضور مولد الصوفي السيد أحمد البدوي بمدينة طنطا في وسط الدلتا بشمال مصر لمدة تسع سنوات متتالية، وغيرهم في كل بلد لعلمهم اليقيني أن بقاء هؤلاء هدم للشخصية للمسلمة وتحريف لها ودافعا لها على استمرار الخنوع والخضوع والسلبية والانعزال.

ـــــــــــــــــ

[1] (رواه مسلم عن أبي هريرة).

[2] صححه الألباني

[3] عوارف المعارف "2/55 الملحق بالإحياء ( ص82).لشهاب الدين عمر السهروردي

[4] [الحج: 78]

[5] أورَدَه أبو حامدٍ الغزالي في "الإحياء" 3/7، وقال الحافظ العراقي: أورَدَه البيهقي في "الزهد" من حديث جابرٍ وقال: هذا إسنادٌ فيه ضعف.وهو موضوع كما قرَّر شيخُ الإسلام

[6] انظر: "مجموع الفتاوى" 11/198.

[7] -( عوارف المعارف ص82) .

[8] كتاب هذه هي الصوفية للشيخ عبدالرحمن الوكيل

[9] الأخلاق عند الغزالي، ص 25.

[10] أبو حامد الغزالي والتصوف، للشيخ عبد الرحمن دمشقية، ص 352.

[11] هذه هي الصوفية للشيخ عبدالرحمن الوكيل ص 170".

[12] طبقات الشعراني (1/11)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــ
رد مع اقتباس
  #50  
قديم 05-12-2015, 07:12 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 21,795
ورقة الوجد عند الصوفية

الوجد عند الصوفية*
ــــــــــــ

23 / 7 / 1436 هــ
12 / 5 / 2015 م
ــــــــــــ




من رحمة الله تعالى بعباده أن أرسل إليهم الرسل والأنبياء ليبينوا لهم ما أحله لهم مما حرمه, ومن رحمته تعالى بالناس أيضا أن أكمل وأتم رسالة خاتم رسله محمد صلى الله عليه وسلم, ليكون الإسلام حجة على العالمين, قال تعالى: {...الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ...} المائدة/3

فلا يجوز لأحد – بعد اكتمال الدين وتمامه – أن يبتدع شيئا ليس في كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم, ثم ينسبه إلى الإسلام كذبا وبهتانا, كما لا يجوز لأحد أن يزيد على هذا الدين شيئا أو ينقص منه تحت أي دعوى, وكل من يفعل ذلك فهو مبتدع لا بد من رده عن بدعته وضلاله.

ولعل من أكثر من ابتدع في هذا الدين هم المتصوفة, فشطحاتهم لا تمت إلى الإسلام بصلة, و معظم مصطلحاتهم ليس لها سند أو دليل من كتاب الله أو سنة رسوله, ومن هذه المصطلحات والشطحات "الوجد", الذي سنلقي عليه بعض الضوء في هذا التقرير.

التعريف

اختلفت عبارات الصوفية في تعريف الوجد, فمنهم من لم يجعل له حدا معينا, منزها الوجد عن أن تحيط بحقيقته عبارة فقال عمرو بن عثمان المكي: لا يقع على كيفية الوجد عبارة, لأنها سر الله تعالى عند المؤمنين الموقنين. (1)

ومنهم من عرفه بأنه: لهيب ينشأ في الأسرار ويسنح عن الشوق, فتضطرب الجوارح طربا أو حزنا عند ذلك الوارد كما ذكر أبو الحسين النوري (2), بينما عرفه أبو سعيد بن الأعرابي بأنه: رفع الحجاب, ومشاهدة الرقيب, وحضور الفهم, وملاحظة الغيب, ومحادثة السر, وإيناس المفقود, وهو فناؤك من حيث أنت. (3)

وقال الكلاباذي: الوجد هو ما صادف القلب من فزع, أو غم, أو رؤية معنى من أحوال الآخرة, أو كشف حالة بين العبد والله عزوجل. (4) ليأتي الغزالي بتعريف شبه جامع للوجد بقوله: إنه عبارة عن حالة يثمرها السماع, وهو وارد حق جديد عقيب السماع, يجده المستمع من نفسه. (5)

ويعزى اختلاف الصوفية في تعريف الوجد – وغيره من المصطلحات – إلى أن كلا منهم قد عبر عنه بحسب حاله ومشهده الخاص به, ولذلك نجد بينهم مثل هذا الاختلاف.

الفرق بين الوجد و الكشف

1- أما الفرق بين الوجد والكشف فالوجد الصوفي مرتبط بالسماع كما سبق, وهو استماع الأشعار الملحنة بالأنغام والأوتار والدفوف وغير ذلك, فالسماع من أقوى بواعث الوجد, أما الكشف الصوفي فعلى الرغم من كون السماع لا يبعد أن يكون سببا له ما لم يكن مكشوفا من قبل كما قال الغزالي, إلا أنه على كل حال غير مرتبط بالأنغام والأوتار كما هو الحال في الوجد, فالسماع بالنسبة للوجد عامل أساسي وسبب أصلي, أما بالنسبة للكشف فهو ثانوي وقد يعد ضمن قائمة الكشف الكثيرة.

2- ومن الفروق أيضا أن المشاهدة في الوجد لا تكون إلا عن فناء ناجم من تأثير النغم, أما المشاهدة حال الكشف فتكون بفناء وبغير فناء, عن طريق الإسراءات والمعاريج الصوفية, وعن طريق الكشف الحسي بارتفاع الحجب الحسية وغير ذلك.

3- وبالإضافة لما سبق فالمشاهدة حال الوجد لا يطيق المرء البقاء تحت أعبائها, ولا الثبات عندها, فقد يؤدي ذلك إلى هلاك النفس وتلفها, وليس الأمر كذلك في المشاهدة حال الكشف.

4- أحوال الكشف تكون في حالة اليقظة أو النوم أو بينهما, أما الوجد فيحصل في حال اليقظة بفناء أو بغير فناء.

الفرق بين الوجد والذوق

1- الوجد الصوفي سببه – كما سبق – السماع, بينما الذوق سببه التجلي الإلهي على القلوب, والوجد لا تجلي فيه.

2- الوجد فيه فناء في بعض أحواله, بينما الذوق لم يذكروا فيه فناء.

3- الوجد فيه مشاهدة إلا أنها لا تدوم لأن فيها مهلكة العبد, بينما المشاهدة في الذوق مدعاة لطلب المزيد.

أنواع الوجد ودرجاته

1- التواجد: استدعاء الوجد كما قال القشيري, واستجلابه بالذكر والتفكر كما قال السهروردي, وظهور ما يجد في باطنه على ظاهره كما ذكر الكلاباذي. (6)

فالتواجد أمر سابق على الوجد, وهو محاولة اصطناع الوجد, إما عن طريق الذكر أو التفكر, وسماه الغزالي بالوجد المتكلف, وجعله قسيما للوجد الهاجم. (7)

وأحيانا ما تطلق كتب التصوف لفظ التواجد على غير معناه الاصطلاحي السابق, بل قد يطلقونه على الأثر الذي يحدثه السماع, من الحركة والاضطراب والرقص والغشي والصعق وتمزيق الثياب ونحو ذلك. (8)

2- الوجد: وهو وسط بين التواجد والوجود, قال القشيري: "فالتواجد بداية والوجود نهاية, والوجد واسطة بين البداية والنهاية". (9)

وقد قسم الصوفية الوجد إلى وجد متعلق بالأحوال, وهو لكل سائر إلى الله كل بحسب حاله مع الله, ووجد متعلق بالمكاشفات والمشاهدات, والأخير له ارتباط بالفناء الصوفي, وقد خصه الغزالي بالصديقين الذين جاوزا الأحوال والمقامات وبلغوا مقام الفناء. (10)

وهل يُملك الوجد أم لا؟ اختلف الصوفية, فاختار ابن عربي عدم القدرة على ملك الوجد فقال: "وعندنا أن الوجد لا يملك" (11), وذهب الغزالي إلى إمكانية تملكه, مفرقا بين الوارد إن كان قويا أم ضعيفا, وصاحب الوجد حسب قدرته على ضبط جوارحه من عدمه, ويفهم من كلامه أن الوجد الذي يملك أتم وأكمل وصاحبه كذلك. (12)

3- الوجود: هو آخر مراتب ودرجات الوجد, قال القشيري: " ... وأما الوجود فهو بعد الارتقاء عن الوجد, ولا يكون وجود الحق إلا بعد خمود البشرية, لأنه لا يكون للبشرية بقاء عند ظهور سلطان الحقيقة". (13)

ومن خلال أقوال الصوفية في الوجود يمكن استخلاص الفرق بينه وبين الوجد بأمور هي:

· كل وجود وجد ولا عكس فالوجود أخص من الوجد.

· الوجود معناه مشاهدة الحق "الله" في أثناء الوجد, أما الوجد فقد يحصل فيه ذلك أو لا.

· الوجود يكون عند الفناء عن الفناء, والوجد يكون عند الفناء.

· الوجود يدوم بدوام الشهود, والوجد لا يطيق صاحبه البقاء تحت سطوات المشاهدة, فتكون له كالبرق الخاطف.

وسائل الوجد وطرق استدعائه

الطريقة الأبرز لاستدعاء الوجد السماع: وهو من أقوى مثيرات الوجد وبواعثه, ولذلك قيل: الوجد عبارة عما يوجد عند السماع . (14), ويتنوع هذا السماع, فقد يحدث الوجد من سماع كلام منثور – ليس بقرآن أو حديث – غير منظوم, وقد يحدث الوجد من سماع القرآن, وقد يحدث من سماع الأشعار المطربة الملحنة, إلا أن المقصود بالسماع الصوفي عند الإطلاق هو السماع المقيد بالنغم. (15)

وتقوم فلسفة السماع عند الصوفية على أساس أثر الأصوات والألحان والأنغام العميق على الروح والقلب والبدان, قال الغزالي: ومعرفة السبب في تأثر الأرواح بالأصوات من دقائق علوم المكاشفات. (16)

ونجد عند الصوفية تعليلات فلسفية لسر الحركة والاضطراب عند السماع , فنقل الكلاباذي عن أبي القاسم البغدادي – في تعليل ذلك الاضطراب – أن حظ الروح وقوته: هو النغم, فإذا ظفر الروح بقوته أشرف على مقامه, وأعرض عن تدبير الجسم, فظهر – عند ذلك – من المستمع الاضطراب والحركة. (17)

والناس أقسام في السماع فهناك:

· السمع بالطبع: وهذا نوع يشترك فيه الخواص مع العوام, لأن كل ذي روح طيب يستطيب الصوت الطيب كما يقولون. (18), ويرى الغزالي هذا النوع – مع كونه مباحا – أخس وأدنى درجات السماع, لأنه لا حظ له من سامعه إلا مجرد استلذاذ النغم من غير فهم المعاني, وهو أمر تشترك فيه البهائم, وأما من يفهم المعاني وينزله لغرض رديء دنيء كالساب الثائر الشهوة فهي درجة أدنى من سابقتها .

· السماع بالحال: ومعناه أن ينزل المريد ما يسمعه من الكلام على أحوال نفسه في معاملته مع الله تعالى, فإذا سمع ذكر عتاب أو وصل أو هجر أو تأسف على فائت ... أنزله على حسب حاله مع الله, واعتبر الغزالي هذا النوع من وسائل تصحيح سلوك المريدين أثناء سيرهم إلى الله تعالى. (19)

· سماع الفقراء المجردين: الذين قطعوا العلائق ولم تتلوث قلوبهم بمحبة الدنيا, والاشتغال بالجمع والمنع, فهم يسمعون بطيبة قلوبهم ويليق بهم السماع, وهم أقرب الناس إلى السلامة وأسلمهم من الفتنة.

· السماع بالحق: وهو سماع من جاوزوا الأحوال والمقامات, فكان سماعهم بالله ولله ومن الله, فهؤلاء هم الذين وصلوا إلى الحقائق, وعبروا الأحوال, وفنوا عن الأقوال والأفعال ......وهذه هي حالة الفناء التي يفنى فيها السامع عما سوى الله تعالى. (20).

أدلة الصوفية على الوجد والرد عليها

استدل الصوفية على التواجد بحديث: (ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا ) رواه ابن ماجه برقم 1337 وضعف إسناده الأرناؤوط, كما استدلوا بحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قصة أسرى بدر: (لما دخل على رسول الله صلى اله عليه وسلم – وأبي بكر رضي الله عنه – فوجدهما يبكيان فقال: "يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك ؟ فإن وجدت بكاء بكيت , وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما) صحيح مسلم بشرح النووي 12/86

قال السراج الطوسي: "فالتواجد من الوجد بمنزلة التباكي من البكاء .." (21)

وليس في الحديثين ما يدل على مشروعية التواجد الذي يفعله الصوفية عند حضور السماع, ناهيك عن كون الوجد الصوفي بدعة منكرة محرمة, والوسيلة إليها – وهي التواجد – حكمها حكمه.

ومن أدلتهم أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرئ عنده قول الله تعالى: {إن لدينا أنكالا وجحيما} المزمل/12 فصعق. البيهقي في الجامع لشعب الإيمان برقم 889 وغيره, وهو حديث ضعيف لا يستدل به.

واستدلوا على جواز الرقص والتواجد أثناء السماع بلعب الحبشة في المسجد, وعائشة رضي الله عنها تنظر إليها, ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسترها بردائه. صحيح البخاري برقم 454, وهو استدلال باطل بسبب القياس الباطل, فما يفعله أهل السماع المحدث يختلف تماما عن لعب الحبشة الوارد في الحديث, وقد رد أبو العباس القرطبي رحمه الله على هذا الاستدلال الباطل بقوله: "هذا الحديث لا يتناول محل النزاع, فإن ذلك لم يكن من الحبشة رقصا على غناء ... وإنما كان لعبا بالسلاح, وتأهبا للكفاح ... فأين أفعال المخانيث والمجان, من أفعال الأبطال والشجعان" (22)

واستدلوا على جواز إنشاد الشعر بالدف – كما يفعله أهل السماع – بما ورد أن جارتين كانتا تضربان بالدف وتغنيان وعائشة رضي الله عنها معهن, وكان ذلك بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر من ذلك شيئا. البخاري برقم 949, وهو استدلال لا يصح من وجوه أهمها:

· أن الجويريتين صغيرتان دون البلوغ غير مكلفتين, وتغنيان بشعر العرب بما فيه من الشجاعة ومكارم الأخلاق, في بيت السيدة عائشة رضي الله عنها.

· قد سماه أبو بكر مزمار الشيطان ولم ينكر عليه صلى الله عليه وسلم, فكيف يجعل قربة وطاعة لله تتنزل به الأحوال الإيمانية.

· هذا الأمر مرخص للنساء والصبيان في وقت خاص, فلا يجعل الخاص عاما.

· القياس على فعل الجاريتين بما تفعله الصوفية في حلقات السماع قياس فاسد.

وهناك الكثير من الأدلة التي أوردها الصوفية لم نأت على ذكرها, لكونها أحاديث باطلة أو موضوعة, ولا داعي لذكر مثل هذه الأدلة فضلا عن الرد عليها أو مناقشتها.

حقيقة وحكم الوجد عند أهل السنة

السماع الشرعي عند أهل السنة: هو سماع القرآن الكريم, قال ابن تيمية: "الله سبحانه شرع للأمة ما أغناهم به عما لم يشرعه ..., وهو سماع القرآن, الذي شرعه لهم في الصلاة التي هي عماد الدين, وفي غير الصلاة مجتمعين و منفردين" (23)

والوجد الشرعي عند أهل السنة: هو الوجد الناجم عن سماع القرآن الكريم, وقد أفاض شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان أقسام الناس في الوجد الشرعي عند سماع القرآن الكريم, وذكر أنهم على ثلاثة أحوال:

1- حال النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام: والوجد الحاصل لهم من سماع القرآن إما: وجل القلوب كما قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} الأنفال/2, وإما اقشعرار الجلواد المذكور في قوله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} الزمر/23, أو البكاء ودموع العيون المذكور في قوله تعالى: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} مريم/58

2- الظالم لنفسه: وهو القاسي القلب لا يلين لسماع القرآن والذكر, فهؤلاء فيهم شبه من اليهود, قال تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} الحديد/16

3- حال المؤمن التقي: الذي ضعف عن حمل ما يرد على قلبه, فهذا الذي يصعق صعق موت أو صعق غشي, وذلك يكون لقوة الوارد وضعف القلب عن حمله, ومثل هذا قد يحدث في غير سماع القرآن من الأمور الدنيوية, فإن كانت أسبابها مشروعة وصاحبها صادقا, عاجزا عن دفعها, كان محمودا. (24)

وإذا كان هذا هو الوجد الشرعي, فإن كل وجد يخالفه هو نقص, هذا ما لو كان الوجد النافص – الذي هو الصعق بالموت أو الغشي ونحو ذلك – سببه السماع الشرعي الذي أمرنا بالاستماع إليه, فكيف إذا انضم إلى الصعق والاضطراب الأسباب المحرمة, كسماع الآلات والأشعار الفاجرة الماجنة, كما هو شأن أهل السماع البدعي.

وأما حكم الوجد

فهو عند أهل السنة محكوم عليه وليس حاكما, فلا اعتداد بالوجد إن خالف الكتاب أو السنة, كما أن الوجد لا يحتكم إليه ولا يعول عليه لعدم الدليل على ذلك, فقد أمرنا الله عند التنازع بالرجوع إلى الكتاب والسنة, قال تعالى: {....فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} النساء/59

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "... فمن عارض كتاب الله تعالى وجادل فيه بما يسميه: معقولات وبراهين, أو ما يسميه: مكاشفات ومواجيد وأذواق, من غير أن يأتي بما يقوله بكتاب منزل, فقد جادل في آيات الله بغير سلطان" (25)

ــــــــــــــــــــ

الفهارس

(1) طبقات الصوفية 202

(2) التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي ص134

(3) اللمع في التصوف عبد الله بن علي الطوسي 302

(4) التعرف 302

(5) إحياء علوم الدين 2/268

(6) الرسالة القشيرية 34 و التعرف134 وعوارف المعارف 5/253

(7) إحياء علوم الدين 2/270

(8) اللمع 290 وإحياء علوم الدين 2/265

(9) الرسالة القشيرية 34

(10) إحياء علوم الدين 2/266

(11) الفتوحات المكية 2/537

(12) إحياء علوم الدين 2/277

(13) الرسالة القسشيرية 34

(14) إحياء علوم الدين 2/267

(15) إحياء علوم الدين 2/258- 267 و اللمع 282 والفتوحات المكية 2/367

(16) إحياء علوم الدين 2/256

(17) التعرف 191

(18) اللمع 278

(19) إحياء علوم الدين 2/263

(20) إحياء علوم الدين 2/266 واللمع 279

(21) اللمع 303

(22) كشاف القناع 145

(23) الاستقامة 1/302

(24) مجموع الفتاوى 11/ 8-13

(25) الاستقامة 1/22
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــ
رد مع اقتباس
  #51  
قديم 05-25-2015, 06:34 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 21,795
ورقة حد الإيمان عند فرق المرجئة

حد الإيمان عند فرق المرجئة
ــــــــــــــ

(رمضان الغنام)
ـــــــ

7 / 8 / 1436 هــ
25 / 5 / 2015 م
ـــــــــــ




عن المعنى اللغوي للإرجاء قال الشهرستاني: «الإرجاء على معنيين: أحدهما: بمعنى التأخير، كما في قوله تعالى: (قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ)([1]) أي أمهله وأخره، والثاني: إعطاء الرجاء، أما إطلاق اسم المرجئة على الجماعة بالمعنى الأول فصحيح؛ لأنهم كانوا يؤخرون العمل عن النية والعقد، وأما بالمعنى الثاني فظاهر، فإنهم كانوا يقولون: لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة» ([2]).

ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن الصحيح هو أن اسم المرجئة مأخوذ من الإرجاء، لكنه يشارك الرجاء في الاشتقاق الأكبر([3]).

والمراد بالإرجاء في الاصطلاح العقدي هو: القول بإخراج أعمال الجوارح من الإيمان، وعدم الزيادة فيه أو النقصان. والمرجئة بعد ذلك مختلفة فيما تبقى غير الأعمال، فمنهم من يقول: الإيمان المعرفة بالله، ومنهم من يقول: التصديق فقط، ومنهم من يقول: النطق باللسان فقط، ومنهم من يقول: أعمال القلب جميعها، ومنهم من يقول: الإيمان اعتقاد القلب ونطق اللسان فقط.

وخلال هذا المقال سأسعى إلى تفصيل القول في هذه الاعتقادات، ببيان حد الإيمان عند كل فرقة من الفرق التي تلبست بهذا المعتقد الباطل.

1-الإيمان : المعرفة بالله فقط .

وهو قول الجهمية أتباع الجهم بن صفوان والجعد بن درهم، ومن شايعهم.

قال وكيع بن الجراح- رحمه الله-: «أهل السنة يقولون: الإيمان قول وعمل، والمرجئة يقولون: الإيمان قول، والجهمية يقولون: الإيمان المعرفة»([4]).

وعن حمدان بن علي الوراق، قال سألت أحمد- وذُكر عنده المرجئة- فقلت له: إنهم يقولون: إذا عرف الرجل ربه بقلبه فهو مؤمن، فقال: المرجئة لا تقول هذا بل الجهمية تقول بهذا([5]).

و قالت به أيضا الصالحية أتباع صالح بن عمر الصالحي، فالجهمية والصالحية، كلاهما يقول: أن الإيمان هو معرفة الله، والكفر الجهل به([6]).

2- الإيمان: التصديق فقط:

وهو قول الأشاعرة، والماتريدية، فهو القول الأول لأبي الحسن الأشعري، ووافقه عليه جمهور الأشاعرة، كالباقلاني، والجويني وغيرهما، وهو أن الإيمان مجرد تصديق القلب ومعرفته، ويختلف تعبير الأشاعرة هنا، فتارة يقولون المعرفة كقول جهم، وتارة يقولون التصديق([7]).

أما القول الثاني لأبي الحسن الأشعري: أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، ذكره في المقالات، ضمن مقالة أصحاب الحديث وأهل السنة، وقال: أنه بكل ما قالوه يقول([8]).

وقال به أيضا النجارية، قال النجار في الإيمان: «إنه عبارة عن التصديق، ومن ارتكب كبيرة ومات عليها من غير توبة عوقب على ذلك، ويجب أن يخرج من النار، فليس من العدل التسوية بينه وبين الكفار في الخلود»([9]).

3- الإيمان: النطق باللسان فقط.

وهو قول الكرَّامية، أتباع ابن كرام السجستاني، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض الرد عليهم: «قولهم في الإيمان قول منكر، لم يسبقهم إليه أحد، حيث جعلوا الإيمان قول اللسان، وإن كان مع عدم تصديق القلب، فيجعلون المنافق مؤمناً، لكنه يخلد في النار، فخالفوا الجماعة في الاسم دون الحكم»([10]).

4- الإيمان: أعمال القلب جميعها.

وهو قول اليونسية، والشمرية، والغيلانية، وهم الذين لا يشترطون في الإيمان سوى أعمال القلوب من محبة وخوف ورجاء وترك الاستكبار عليه..الخ.

قال الشهرستاني في كلامه عن اليونسية: أصحاب يونس بن عون النميري، زعم أن الإيمان هو المعرفة بالله، والخضوع له، وترك الاستكبار عليه، والمحبة بالقلب، فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فهو مؤمن، وما سوى ذلك من الطاعة فليس من الإيمان([11]).

5- الإيمان: اعتقاد القلب ونطق اللسان فقط.

وهم مرجئة الفقهاء الحنفية، أتباع الإمام أبي حنيفة– رحمه الله- وهم أقرب مذاهب المرجئة إلى أهل السنة.

يقول الدكتور غالب عواجي: «على أن في نسبة الإرجاء إلى أبى حنيفة من الخلاف الكثير بين العلماء ما لا يخفى، هل كان أبو حنيفة من المرجئة كما وصفه كتاب المقالات والفرق، أم كان ضد الإرجاء كما يصفه المدافعون عنه؛ لأن الإرجاء يتميز بالتساهل في الأعمال وتأخيرها من منزلة الإيمان، وأبو حنيفة رحمة الله تعالى بلغ حداً كبيراً في الاهتمام بالفروع، مما يدل على أنه يهتم بالعمل، وهذا عكس الإرجاء، فكيف يوصف بالإرجاء حسب هذا الدفاع عنه!! وأما ما جاء في الكتاب المنسوب إليه الفقه الأكبر، من عبارات تدل دلالة واضحة على إرجائه- فقد شكك هؤلاء المدافعون عنه في صحة نسبة هذا الكتاب إليه، بل كذبوا نسبته إليه...»

ثم قال الدكتور عواجي: «والواقع أن النقول بإرجاء أبي حنيفة كثيرة، وعلماء الفرق أغلبهم يقر نسبة الإرجاء إليه بالمعنى الذي قدمنا ذكره([12]). وهذا هو الثابت، ولا يقال: إن أبا حنيفة كان من غلاة المرجئة كالجهمية مثلاً، وذلك لموافقته أهل السنة والاعتقاد السليم في جوانب كثيرة في باب الإيمان وإن خالفهم فيما ذكر»([13]).

6- الإيمان: الإقرار بالأئمة وحبهم:

وهو قول الرافضة، الشيعة الإثنى عشر، قال الأشعري: «جمهور الرافضة يزعمون أن الإيمان هو الإقرار بالله، وبرسوله، وبالإمام، وبجميع ما جاء من عندهم، فأما المعرفة بذلك فضرورة عندهم، فإذا أقر وعرف، فهو مؤمن مسلم، وإذا أقر ولم يعرف فهو مسلم، وليس بمؤمن»([14]).

وبهذا أدخلوا الإيمان بالأئمة الإثنى عشر في مسمى الإيمان، وعليه فمن لم يعرف الأئمة ويؤمن بالله فليس بمؤمن. وقد أقر كبار علمائهم بأن معرفة الأئمة كافية، لإدخال الرجل في الإيمان وإخراجه من دائرة الكفر.

يقول الدكتور ناصر القفاري: «ولهذا عقد صاحب الكافي بابًا بعنوان: "باب أن الإيمان لا يضر معه سيئة، والكفر لا ينفع معه حسنة"، وذكر فيه ستة أحاديث منها قول أبي عبد الله: (الإيمان لا يضر معه عمل، وكذلك الكفر لا ينفع معه عمل)، والإيمان حسب مصطلحهم هو حب الأئمة أو معرفتهم»([15]).

هذا هو المعنى المقصود من كلمة إرجاء عند مختلف الفرق الإسلامية، وهذا ما أقره الشهرستاني وغيره من علماء الفرق والمذاهب.

وللإرجاء معان أخري أشار إليها العلماء، وهي:

- قالوا إن الإرجاء أطلق على كل من أخر علي رضي الله عنه من الدرجة الأولى إلى الدرجة الرابعة في مسألة التفضيل بينه وبين الخلفاء الراشدين: أبو بكر، وعمر، وعثمان([16]).

وهذا ما رمى به الشيعة خصومهم، ممن يقدمون العمرين على عليّ- رضي الله علي الجميع-.

وهم «يعنون بالمرجئة أهل السنة، ولهذا تجد شيخهم المجلسي يشرح حديثهم الذي يقول: (اللهم العن المرجئة فهم أعداؤنا في الدنيا والآخرة)، ويرجح أن المراد بالإرجاء في هذا النص تأخير عليّ عن الدرجة الأولى إلى الدرجة الرابعة»([17]).

- كما أطلق الإرجاء على كل من توقف في الحكم على الصحابة في الفتنه (علي، وعثمان، وطلحة والزبير)– رضي الله عنهم-، ولم يحكم عليهم وترك أمرهم لله.

وكان أول من أحدث هذا الحسن بن محمد بن الحنفية، فقد تكلم الناس في علي وعثمان وطلحة والزبير، فأكثروا والحسن ساكت ثم تكلم فقال: قد سمعت مقالتكم، ولم أر شيئا أمثل من أن يرجأ علي وعثمان وطلحة والزبير، فلا يتولوا، ولا يتبرأ منهم، فبلغ أباه محمد بن الحنفية ما قال فضربه بعصا فشجه وقال: لا تولي أباك عليا([18]).

ولكن الحسن رجع عما قاله، وندم عليه، فعن عطاء بن السائب عن زاذان وميسرة أنهما دخلا على الحسن بن محمد بن علي فلاماه على الكتاب الذي وضع في الإرجاء فقال لزاذان يا أبا عمر لوددت أني كنت مت ولم أكتبه([19]).

ولقد كان إرجاء الحسن هو النواة الأولى والبذرة التي خرج منها هذا المذهب الفاسد، الذي تطور وتحور فيما بعد. وقيل أن أول من قال بالإرجاء ذر بن عبد الله المذحجي، ثم تابعه غيلان الدمشقي، والجعد بن درهم. وقيل أنه الحسن كما ذكرنا آنفا- رغم أنه لم يعتقد بخروج الأعمال من الإيمان كما هو حال الباقين– وقيل أن أول من وضع الإرجاء هو أبو سلت السمان([20]).

وبهذا يتضح موقف المرجئة على اختلاف فرقها من مسألة الإيمان وحده عند كل فرقة من فرقها، مما ترتب عليه كثير من الانحرافات العقدية والسلوكية.

ــــــــــــ

([1]) سورة الأعراف، الآية: (١١١)، سورة الشعراء، الآية: (٣٦).

([2]) الملل والنحل للشهرستاني: (1/139)- تحقيق: محمد سيد كيلاني- دار المعرفة- بيروت- 1404هـ.

([3]) آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية، عرض ونقد- د. عبد الله السند: (ص:83).

([4]) الشريعة للآجري: (2/684)– تحقيق الدكتور: عبد الله الدميجي– دار الوطن– الرياض– د.ت.

([5]) السنة للخلال: (3/571)- تحقيق: د.عطية الزهراني- دار الراية- الرياض-ط1-1410هـ- 1989م.

([6]) الملل والنحل للشهرستاني: (1/44)؛ ومقالات الإسلاميين للأشعري: (1/132-133)- تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية– بيروت– 1411هـ،1990م.

([7]) موقف ابن تيمية من الأشاعرة - للدكتور عبد الرحمن بن صالح اللحود: (3/1351)– مكتبة الرشد الرياض– ط1- 1415هـ،1995م.

([8]) موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن اللحود: (3/1350).

([9]) الملل والنحل للشهرستاني: (1/87).

([10]) الفتاوى لابن تيمية: (3/103).

([11]) الملل والنحل للشهرستاني: (1/139).

([12]) وهو أن الإيمان عندهم: قول باللسان وتصديق بالقلب، وأن العاصي تحت المشيئة، وأنه لا يخرج من الإيمان، وخالفوا أهل السنة في عدم إدخال العمل في الإيمان، وفي أن الإيمان يزيد وينقص.

([13]) فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام، وبيان موقف الإسلام منها–د. غالب بن علي عواجي: (2/930)-دار لينه للنشر والتوزيع– دمنهور– مصر– ط3 - 1418م ،1997م.

([14]) مقالات الإسلاميين للأشعري: (1/127).

([15]) أصول مذهب الشعية الإمامية الإثني عشرية عرض ونقد- د: ناصر القفاري :( 2/575).

([16]) الملل والنحل للشهرستاني: (1/138).

([17]) أصول مذهب الشعية الإمامية الإثني عشرية عرض ونقد – للدكتورناصر بن عبد الله بن علي القفاري: (2/745).

([18]) تهذيب الكمال للمزي: (6/321-322).

([19]) المرجع السابق: (6/322).

([20]) ينظر: الموسوعة الميسر في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة لمانع الجهني وآخرين: (2/1144).
------------------------------
رد مع اقتباس
  #52  
قديم 05-31-2015, 06:30 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 21,795
ورقة موقف المعتزلة من الحياة البرزخية

موقف المعتزلة من الحياة البرزخية*
ـــــــــــــــــ

13 / 8 / 1436 هــ
31 / 5 / 2015 م
ــــــــــــ



تعتبر الحياة البرزخية من الأمور العقائدية الغيبية, حيث تعتبر جزءا من الإيمان باليوم الآخر الذي هو ركن من أركان الإيمان, ومن المعلوم عند أهل السنة والجماعة أنه لا مجال لإعمال العقل في المسائل الغيبية, وإنما الاعتماد في الإيمان بهذا الأمر - وغيره من الغيبيات - على النص والخبر الصادق.

وأمام هذا الموقف الواضح لأهل السنة والجماعة من مسألة الإيمان بالحياة البرزخية, وما جاء بخصوصها من نصوص صحيحة, يتساءل المسلم عن موقف المعتزلة من هذه المسألة؟؟ وهم الذين يقدمون العقل على النص في كثير من المسائل, ويجعلون من العقل أصلا مقدما في فهم وتقرير أمور ومسائل العقيدة الإسلامية.

التعريف بالمعتزلة
----------

فرقة إسلامية نشأت في أواخر العصر الأموي وازدهرت في العصر العباسي، وقد اعتمدت على العقل المجرد في فهم العقيدة الإسلامية لتأثرها ببعض الفلسفات المستوردة, مما أدى إلى انحرافها عن عقيدة أهل السنة والجماعة.

وقد أطلق عليها أسماء مختلفة منها: المعتزلة والقدرية والعدلية وأهل العدل والتوحيد والمقتصدة والوعيدية.

نشأة المعتزلة
---------

الحقيقة أن نشأة الاعتزال كان ثمرة تطور تاريخي لمبادئ فكرية وعقدية وليدة النظر العقلي المجرد في النصوص الدينية, وقد نتج ذلك عن التأثر بالفلسفة اليونانية والهندية والعقائد اليهودية والنصرانية, فقبل بروز المعتزلة كفرقة فكرية على يد واصل بن عطاء، كان هناك جدل ديني فكري بدأ بمقولات جدلية كانت هي الأسس الأولى للفكر المعتزلي, ومن أهم هذه المقولات:

مقولة معبد الجهني بأن الإنسان حر مختار بشكل مطلق وهو الذي يخلق أفعاله بنفسه, ومقولة خلق القرآن التي قال بها الجهم بن صفوان, بالإضافة لمقولة نفي الصفات التي قال بها الجعد بن درهم.

برزت المعتزلة كفرقة فكرية على يد واصل بن عطاء الغزال (80 ـ 131هـ) الذي كان تلميذا للحسن البصري، ثم اعتزل حلقة الحسن بعد قوله بأن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين (أي ليس مؤمناً ولا كافراً), وأنه مخلد في النار إذا لم يتب قبل الموت.

أبرز أفكار المعتزلة
--------------

1- القول بأن الإنسان مختار بشكل مطلق في كل ما يفعل، فهو يخلق أفعاله بنفسه، ولذلك كان التكليف.

2- القول بأن مرتكب الكبيرة ليس مؤمناً ولا كافراً ولكنه فاسق فهو "بمنزلة بين المنزلتين", هذه حاله في الدنيا, أما في الآخرة فهو لا يدخل الجنة لأنه لم يعمل بعمل أهل الجنة, بل هو خالد مخلد في النار، ولا مانع عندهم من تسميته مسلماً باعتباره يظهر الإسلام وينطق بالشهادتين ولكنه لا يسمى مؤمنا.

3- القول بالأصول الخمسة وهي: التوحيد والعدل والوعد والوعيد والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

موقف المعتزلة من الحياة البرزخية
-------------------

اشتهر بين الفرق أن المعتزلة ينكرون عذاب القبر ونعيمه على الإطلاق, وهذا ما نقله كثير من العلماء منهم الإمام أبو الحسن الأشعري حيث يقول: "واختلفوا في عذاب القبر فمنهم من نفاه وهم المعتزلة والخوارج" (1), وكذلك الآمدي الذي قال: "وقد اتفق سلف الأمة قبل ظهور الخلاف وأكثرهم بعد ظهوره على إثبات إحياء الموتى في قبورهم, ومسألة الملكين لهم, وتسمية أحدهما منكرا والآخر نكيرا, وعلى إثبات عذاب القبر للمجرمين والكافرين .... إلى أن قال: وذهب ضرار بن عمرو وبشر المريسي وأكثر المتأخرين من المعتزلة إلى إنكار ذلك كله" (2)

إلا أن ابن حزم ذهب مذهبا يخالف الأشعري والآمدي, حيث يرى أن المعتزلة تثبت عذاب القبر إلا "ضرار بن عمرو" أحد شيوخ المعتزلة فيقول: "ذهب ضرار بن عمرو والغطفاني أحد شيوخ المعتزلة إلى إنكار عذاب القبر, وذهب أهل السنة وبشر بن المعتمر والجبائي وسائر المعتزلة إلى القول به" (3)

كما أن ابن حجر يرى أن أكثر المعتزلة على إثبات الحياة البرزخية, وفي ذلك يقول: "خلافا لمن نفاه مطلقا – أي عذاب القبر ونعيمه – من الخوارج وبعض المعتزلة كضرار بن عمرو و بشر المريسي ومن وافقهما, وخالفهم في ذلك أكثر المعتزلة وجميع أهل السنة وغيرهم, وأكثروا من الاحتجاج به" (4)

وقد عقد القاضي عبد الجبار المعتزلي فصلا كاملا في كتابه "شرح الأصول الخمسة" يؤكد فيه ذلك فيقول: "فصل في عذاب القبر: وجملة ذلك أنه لا خلاف فيه بين الأمة إلا شيء يحكى عن ضرار بن عمرو – وكان من أصحاب المعتزلة ثم التحق بالمجبرة – ولهذا ترى ابن الراوندي يشنع علينا ويقول: إن المعتزلة ينكرون عذاب القبر ولا يقرون به" (5)

كما أورد القاضي في كتابه "فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة" ما يرد على نسبة نفي الإيمان بعذاب القبر ونعيمه مطلقا للمعتزلة, معتبرا أنها دعوى للتشنيع عليهم فحسب, فيقول: "فصل: في تشنيعهم علينا بذكر عذاب القبر وغيره مما قد أطقت عليه الأمة وظهرت فيه الآثار, قيل له: إن هذا الأمر إنما أنكره أولا ضرار بن عمرو, ولما كان من أصحاب واصل, فظنوا أن ذلك مما أنكرته المعتزلة, وليس الأمر كذلك, بل المعتزلة رجلان: رجل يجوز ذلك كما وردت به الأخبار, والثاني يقطع على ذلك, وأكثر أصحابنا يقطعون على ذلك لظهور الأخبار" (6)

ثبوت عذاب القبر عند المعتزلة
-----------------

ذكر القاضي عبد الجبار الأدلة على ثبوت عذاب القبر من القرآن الكريم فقال: "وأما ثبوته فالذي يدل عليه قوله تعالى: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا} نوح/25, فالفاء للتعقيب, وإدخال النار لا وجه له إلا التعذيب, ويدل عليه أيضا قول الله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} غافر/46, ووجه دلالته على عذاب القبر ظاهر, غير أنه يختص بآل فرعون ولا يعم جميع الكافرين.

ويرد على تخصيص المعتزلة للآية على آل فرعون وعدم شمولها جميع الكفار أمور أهمها:

1- احتجاج أهل العلم بهذه الآية على عذاب القبر, حتى إن ابن كثير قال: "هذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور" (7)

2- حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي, إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة, وإن كان من أهل النار فمن أهل النار, وقالوا هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة. وهذا في معنى الآية . صحيح البخاري برقم 1313 .

3- فهم الصحابة و التابعون عدم الخصوصية في الآية, ولذلك جعلوها مستندا لهم في إثبات عذاب القبر. (8)

ومن الأدلة العامة التي أثبت بها القاضي عبد الجبار عذاب القبر قوله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} غافر/11, ولا تكون الإماتة والإحياء مرتين إلا وفي إحدى المرتين إما التعذيب في القبر أو التبشير. (9)

كما ذكر القاضي أدلة للمعتزلة على ثبوت عذاب القبر في السنة النبوية فقال: "ومما يدل على ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر بقبرين فقال: (إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ فَعَلْتَ هَذَا قَالَ لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا) صحيح البخاري برقم 218

وقد أثبت الزمخشري أيضا عذاب القبر ونعيمه, مستدلا على ذلك بنصوص كثيرة من القرآن الكريم في كتابه "الكشاف".

كيفية عذاب القبر عند المعتزلة
------------------

تحدث القاضي عبد الجبار عن كيفية عذاب القبر, وأثبت بالعقل ثبوت الحياة لهم, وأن الإحياء في القبر ضروري حتى يصح التعذيب - حسب رأي المعتزلة - فقال: "وأما الكلام في كيفية ثبوته – أي عذاب القبر – فاعلم أن الله تعالى إذا أراد تعذيبهم فإنه لا بد من أن يحييهم لأن تعذيب الجماد محال لا يتصور"

ثم مما أثبته بالعقل أيضا ثبوت العقل لهم حتى لا يعتقد المعذب أنه مظلوم فقال: "كما لا بد من الإحياء ليصح التعذيب, فلا بد أن يخلق الله فيهم العقل ليحسن التعذيب, وإلا اعتقد المعاقب المعذب انه مظالوم, ولهذا المعنى قلنا: إن آهل النار لا بد من أن يكونوا عقلاء. هذا هو الذي نعلمه من جهة العقل" (10)

ولا شك أن إثبات القاضي عبد الجبار هذه الأمور الغيبية بالعقل يخالف مذهب أهل السنة والجماعة, التي لا ترى للعقل مكان في الغيبيات, وأن النص هو المعتبر والمعتمد فقط في مسائل الغيبيات.

كما تناول القاضي مسألة من يقوم بالتعذيب في القبر وكيفيته, ولم ينكر قيام الملكان بذلك "منكر ونكير" مشيرا إلى هذه الأمور مما لا يمكن للعقل أن يهتدي إليها, وأن طريقه الوحيد هو السمع.

كما جوز القاضي أن يكون المعذب هو الله جل جلاله أو أن يكون غيره, لأن الدلائل دلت على العذاب فلا بد من معذب, وما دام السمع قد ورد بأن الله يكل هذا الأمر لملكين يسمى أحدهما "منكر" والآخر "نكير" فالمآل إليه.

كما أشار القاضي بأن تسمية الملكين "منكر ونكير" لا يستلزم وصفهما بما لا يليق, بل هذا جاء على سنن العرب في تسميتهم لأبنائهم وأعزتهم بصخر وكلب ونحو ذلك, من غير أن يفيد مدحا ولا ذما. (11)

وقت عذاب القبر عند المعتزلة
----------------

ذكر القاضي عبد الجبار أنه لا طريق لتعيين وقته لأنه أمر غيبي يتوقف على النقل, ثم ناقض قوله الأول و بين أنه جائز أن يكون بين النفختين دون دليل, وهو ما أكده بقوله: "وأما الوقت الذي يثبت فيه التعذيب - وتعيين ذلك فيما لا طريق إليه بالعقل - فمن الجائز أن يكون بين النفختين على ما جاء في قول الله تعالى: {لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} المؤمنون /100-101, والبرزخ في اللغة إنما هو الأمر الهائل العظيم ولا معنى له إلا العذاب" (12)

فائدة عذاب القبر عند المعتزلة
---------------

ذكر القاضي عبد الجبار فائدة عذاب القبر وإثباته بأن فيه مصلحة للمكلف من حيث أنه إذا علم بأن ثم عذاب في القبر ثم بعده عذاب في جهنم - والعياذ بالله – إن هو أقدم على ارتكاب السيئات وأخل بفعل الواجبات, وقد قال في ذلك: "وأما فائدة عذاب القبر وكونه مصلحة للمكلفين, فإنهم متى علموا أنهم إن أقدموا على المقبحات وأخلوا بالواجبات عذبوا في القبور ثم بعد ذلك في النار, كان ذلك صارفا لهم عن القبائح داعيا إلى الواجبات" (13)

ثم وضح أن في عذاب القبر لطفا للمعذب وللملك الموكل به, وما كان هذا شأنه فلا بد أن يفعله الله تعالى - بناء على أصلهم الفاسد بوجوب اللطف على الله تعالى - فقال: "وما هذا سبيله وكان في مقدور الله تعالى فلا بد أن يفعله , وكما يكون العلم باستحقاق ذلك داعيا ولطفا للمعذب , فإن تعذيبه يكون لطفا للملك الموكل إليه ذلك , فهذه فائدته" (14)

ومسألة إيجاب اللطف الإلهي على الله مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة أيضا, فعلى الرغم من إثبات أهل السنة اللطف من الله تعالى لمن شاء من خلقه, لكنهم لا يعتبرونه واجبا كما ترى المعتزلة, بل هو تفضل من الله تعالى, وهو ما يسمى بالتوفيق إلى فعل الخير واجتناب الشر.

وختاما يمكن القول: إن المعتزلة عموما لا ينكرون عذاب القبر ونعيمه بل يقرونه ويثبتونه, ولكنهم يخالفون أهل السنة في بعض تفصيلات هذا الإيمان ومستنده كما هو مبين فيما سبق, وأن ما أشيع عنهم من نفي عذاب القبر مطلقا لا يصح نسبته إليهم, وما ذاك إلا إحقاقا للحق وتبيانا للحقيقة, وقد ثبت في كتبهم الإقرار بعذاب القبر ونعيمه, قال الصنعاني: "الذي في كتب المعتزلة الإقرار بثبوت عذاب القبر وسؤال الملكين .... " (15)

ـــــــــــــــــ

الفهارس

(1) مقالات الإسلاميين 430

(2) أبكار الأفكار 4/332

(3) الفصل في الملل والأهواء والنحل 4/117

(4) فتح الباري 3/298

(5) شرح الأصول الخمسة 730

(6) فصل الاعتزال وطبقات المعتزلة" للقاضي عبد الجبار ص201

(7) تفسير ابن كثير 7/146

(8) الدر المنثور للسيوطي 5/659

(9) شرح الأصول الخمسة 730

(10) المرجع السابق 731-732

(11) المرجع السابق 734-735

(12) المرجع السابق 732

(13) المرجع السابق732-733

(14) ترى المعتزلة أن الله خلق الإنسان وكلفه , ومنحه القدرة التامة على العمل , ولكن هذا لا يعني أن الله تركه دون معونة وتوفيق , بل أوضح المعتزلة العلاقة بين عناية الله وقدرة الإنسان بما أسموه "اللطف الإلهي" , ومعناه حسب ما قاله القاضي عبد الجبار "اعلم أن اللطف هو كل ما يختار عنده المرء الواجب ويتجنب القبيح , أو ما يكون عنده أقرب إما إلى الاختيار أو إلى ترك القبيح" شرح الأصول الخمسة 519

(15) شرح المقاصد 5/113

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« العثور على 3 جثامين لمسلمين غربي ميانمار | صحيفة أمريكية تعترف بتلفيق الإعلام لأخبار كاذبة عن المسلمين »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
لماذا تتعثر الثورات في بلاد الطوائف والمذاهب والقبائل؟ Eng.Jordan مقالات وتحليلات 0 02-29-2016 09:38 AM
الأسباب الميسرة لقيام الليل _2_ صابرة شذرات إسلامية 1 06-26-2015 08:18 AM
الأسباب الميسرة لقيام الليل ! صابرة شذرات إسلامية 0 06-21-2015 10:38 AM
إسرائيل بيتنا والأحزاب الدينية تهدد بالانسحاب بسبب خلافات مع نيتانياهو يقيني بالله يقيني أخبار الكيان الصهيوني 0 05-11-2012 05:40 AM
الاراء والمذاهب الفكرية عن الطبيعة البشرية وموقف الاسلام منها محمد خطاب الكاتب محمد خطاب ( فلسطين) 0 01-23-2012 12:30 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 10:15 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67