تذكرني !

 





إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #57  
قديم 04-09-2016, 07:55 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 19,356
ورقة عبدة الشيطان: فصيل الماسونية النورانية

عبدة الشيطان: فصيل الماسونية النورانية
ـــــــــــــــــــــ

(عبد العزيز الناصر)
ـــــــــــ

2 / 7 / 1437 هــ
9 / 4 / 2016 م
ـــــــــــ








﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [ص: 82]، كان ذا إعلانَ العداوة من إبليس، وأقسم بالله جهْدَ يمينه ألاَّ يَسْلَم مِن كيده من بني آدم إلا قليل، وأن يأتيَهم مِن بيْن أيديهم، ومِن خلفهم، ومن تحت أرجلهم، ومن فوقهم تنزل رحمةُ الله، فأنَّى له المجيء؟!

فنزل آدم - عليه السلام - وهبط معه عدوٌّ لا يَكلُّ ولا يَمَلُّ من إغواء ذريته من بعده، جلب عليهم بخيله ورَجِله، وأكثرهم له منقادون، حتى قادها تمشي على خُطواته، إلى عبادة الشياطين وتولِّيه، وذا قديمٌ قِدمَ الشرك، وقدمَ الوثنية نفسها، فمذ حاد الإنسان عن التوحيد، اتَّبع خُطواتِ الشيطان إلى الشِّرْك، واتَّخذ لله أندادًا، ثم مرَّت فترة، حتى أعلن الإنسانُ الشيطانَ إلهًا.

وقد يظن ظان أنَّا نحكي روايات ألف ليلة وليلة، و"يُحكى أنَّ..."، لا والله، ففي زمننا، بل زمن مَن قبلَنا، بل من عصور ما قبل الميلاد لم تنقطعْ عبادة الشياطين، ولا نقصد بعبادته طاعتَه وتوليه، والوقوعَ في المعاصي فقط، بل أعظم من ذلك؛ اتخاذه إلهًا، وتوجيه العبادات له زُلْفَى، والقربى جهارًا، بل وجعله نِدًّا لله، لا في الألوهية وحسب، بل في الربوبية، والزعم بأنَّه مدبِّر الكون، بل كان منهم مَن يشهد أنَّ الشيطان إلهٌ لا شريك له!! نعم، يوجدون في التاريخ، بل هم الآن في عصرنا، بل تسرَّبوا إلى أمتنا بدعاوى الحرية المطلقة، وحرية الاعتقاد، ورأس الدعوة الشيطانيَّة في حاضرنا هي "المنظَّمة الماسونية العالمية"، التي اخترَقَها عَبَدةُ الشيطان من فرسان المعبد، ثم أعاد تنظيمَ نشاطها بشكل دقيق ومُحْكَم النورانيُّون "حملة لواء الشيطان"، وهم أعلى مرتبةٍ في الماسون، إلا أنهم لا يُجاهرون بعبادة الشيطان للعامَّة، ولا تجد ماسونيًّا -إن أعلن عن هُويته - يجاهر بعبادته للشيطان، غير أنَّ أتباعهم في المراتب الدنيا، أنشؤوا جماعاتٍ صارتْ تجاهر بعبادة الشيطان دون رَبْطها بالماسونيَّة؛ لأنَّ للالتحاق بالماسون شروطًا أخرى.

ولسبر غور هذه الدِّيانة، وبيان ماضيها وأصولها من الأهمية، قدرَ ما للدعوة إلى التوحيد من أهمية؛ لأنَّ دعواهم من معاول هدْم التوحيد، ولا يُستهان بأنَّها دعوةٌ شاذَّة، فقد كان لها صدًى في الماضي، وهدَّدتْ كيانَ الدولة الإسلامية، لا يعي فداحةَ أمرهم إلاَّ مَن أحاط بهم خُبرًا.

ولا يزعمنَّ قائل أنهم شرذمة قليلون، كلاَّ، فكم من قلَّة صارتْ كثرة، خاصة وأنَّها آفةٌ تصطاد شبابًا أغرارًا، أحداثَ أسنان، سفهاءَ أحلام، لكنَّهم من الطبقة الثريَّة المُتْرَفة النافذة، ولهم مؤهلات عِلميَّة، فلا يَمرُنَّ زمن، حتى يطلع علينا منهم رأس في الدولة، وحينها سنرى الحقيقة المرة، والمثل حي يرى للناظرين، فلِعَبدة الشياطين في الولايات المتحدة الأمريكيَّة كنائسهم وجمعياتهم، وجماعات ضَغْط على النظام السياسي.

وهذه الدعوة هي موضةُ التسعينيات للمراهقين، ولكنَّهم الآن في العالَم مجتمع له رسالته، فلهم كُتبُهم، ومجلاَّتهم، وفلسفتهم، وموسيقاهم، وطقوس عبادتهم، وألبستهم، ونظامهم، وجمعياتهم ونواديهم، ومحلاَّتهم، وأتباعهم في تزايد، ومنهم أولو الأمر والنهي في الدول الكبرى، وشعاراتهم أصبحت (ماركات) عالمية، ومعابدُهم كالفطريات تستشري في دول عِدَّة!!

وكيما نعيَ فِكرَهم، نستدعي شيئًا من ماضيهم؛ كيما نقارعَهم ونحن على عِلم بمخططاتهم وغاياتهم.

فلهذه الدِّيانة جذورٌ في معظم الحضارات القديمة، بالأخصِّ الوثنية منها، فقد كان عَبَدَة الأوثان يستمتع بهم الجانّ، ويوحي لبني الإنسان، بمطالبِه من القُرْبى والطقوس الوثنية الشِّركيَّة، ومَن مارسوا السِّحر، إنما بُغيتهم التحكُّم في الجان، وخِدمة الشيطان.




تاريخ النِّحْلة الشيطانية
----------

- الحضارة الفرعونية المصرية:
-------------------

تكمن التعاليم *****ية، وعبادة الشيطان فيما يُعرَف بـ"تقاليد القبالاه المصرية القديمة"، التي توارثتها الأجيال المتعاقبة كتعاليم شفوية، وفي الحضارة الفِرْعونيَّة، كان الفراعنة على رأس السُّلطة، يليهم "الملأ" الجيش: يمثِّل القوَّة المادية لفرعون، و*****ة، أو الكهنة: كانوا يمثِّلون الدِّينَ والفِكر، والفلسفة التي يعتمد عليها الفرعون.

والكَهَنة كانوا عِمادَ الحضارة الفِكريَّة والعقدية، وتكوَّنتْ خلالَ هذه الحضارة الطوطمية[1] قاعدةٌ هائلة من الثقافة السِّحرية السوداء، والعقائد الوثنيَّة، والأساطير الخُرافية[2].

وفي خِضمِّ تلك الحضارة كان يقبع تحتَ سلطانها بنو إسرائيل، يسومهم آلُ فرعون سوءَ العذاب، ولأنَّهم ضمنَ النسيج الاجتماعي الحضاري، كان من نِتاج الاحتكاك الثقافي تلقِّي ثقافة الغالب، وامتزاجها مع ما لديهم، وضمها ضِمنَ تراثهم العقدي والفكري، على أنَّها مِن نتاجهم تدريجيًّا؛ لإقامتهم عِدَّة قرون في مصر، فتشكَّلت عندهم كتعاليم كهنوتية فلسفيَّة سحرية، عُرفت في التاريخ اليهودي فيما بعد بـ"ثقافة القبالاه اليهودية"، المستوحاة من "القابالاه المصرية القديمة"، وهذه التعاليم بمثابة فلسفة منهجيَّة للتفكير والتحليل، مَرَّتْ بتطورات عِدَّة، حتى طبَّقوها على شرْح التوراة، فكسبت رداءً دينيًّا، معه وشاح الشرعيَّة التلمودية.

- أساطير إله الشرِّ الفرعونية: وهي مبنية على أسطورة "إيزيس[3]"، و"أوزوريس" الفرعونية، التي كُتبت حوالي عام 4000 ق م[4].

تقول الأسطورة: إنَّ أوزوريس هو ابن إله الأرض الذي ينحدِر من سلالة إله الشمس رع، الإله الخفي، أصبح أوزوريس مَلِكًا على مصر، وعلَّمَ شعبَها كيف يزرع، وكيف يصنع الخبز والنبيذ، وتزوَّج أوزوريس من أخته إيزيس، وتعاونَا معًا لنشْر الحضارة في البلاد، وكان أوزوريس محبوبًا لدى شعبه، وأثَار هذا الحبُّ حِقدَ أخيه "ست"، الذي أخذ يُفكِّر في التخلص من أخيه والاستيلاء على عَرْشه، واستطاع سِت التخلصَ من أوزوريس، وبعدَ طول عناء استطاعتْ إيزيس - الزوجة الوفية - بمعونة بعض الآلهة وبسِحرها إعادةَ أوزوريس إلى الحياة الأبدية، وأصبح أوزوريس إلهًا بعد بعثه، وعاد إلى الأرض، حيث قام بتعليم ابنه حورس، ومساندته ضدَّ عمه ست، واستطاع حورس في النهاية التغلُّبَ على عمِّه، واستعادة عرش أبيه.

أصبح "أوزوريس" رمزًا لإله الخير، بينما أصبح "ست"، أو "سيتان" "SATAN" رمزًا لإله الشرِّ أو الشيطان، وانتشرتْ عبادة كلاَ الإلهين في الحضارة المصريَّة القديمة.

عبادة الشيطان في التراث البابلي:
في الألفية الخامسة ق.م كانتِ الإمبراطورية السومرية في بلاد الرافدين، ولها مُدن رئيسة، كأور عاصمة "بابل"، والتي عُرِفت بعلوم السِّحْر والفَلَك والتنجيم، وفي ذلك الزمن كان هاروت وماروت[5] بمدينة بابل؛ لتعليم الناس السِّحر ابتلاءً من الله - عزَّ وجلَّ - للتمييز بيْن ***** والمعجزة، حتى يَميز الناس الخبيث من الطيِّب، ويعي المؤمنون الفُرقان بيْن معجزة الأنبياء، وسِحر الكهَّان.

وفي القرن العشرين ق.م - عَهْد الكلدانيِّين - استشرى السِّحْرُ في أهل بابل، حتى ضرب المثل في إتقان ***** بحُكماء وكهنة وسحرة بابل، الذين كانوا قومًا يعبدون آلهةَ الكواكب السبعة، ويعتقدون أنَّ حوادث العالَم كلَّها من أفعالها، وعملوا أوثانًا على أسمائها، وجعلوا لكلِّ واحد منها هيكلاً فيه صنمه، يتقرَّبون إليه بضروب من الطاعات والطقوس، من الرُّقَى والعُقَد والنفث، ولكلِّ كوكب اختصاص، فمَن رام شرًّا أو حربًا، أو موتًا أو بوارًا لغيره، تقرَّب لزحل، ومَن أراد البرق والحرق والطاعون، تقرَّب إلى المريخ بما يوافقه من ذَبْح بعض الحيوانات [6].

وقد اتَّخذت تلك الأساطير، وما خالطها من الشعوذات والطلاسم، والممارسات *****ية - عِدَّةَ امتدادات دينيَّة وعِرقيَّة خلال مساراتها التاريخيَّة، في الحضارة الفرعونيَّة والفينيقيَّة والتدمُريَّة.

عبادة الشيطان عند الفرس:
استولى الفُرْسُ على بابل فيما بعدُ، ومِن أقدم ما ذُكِر في تاريخ هذه النِّحلة الشيطانية ما كان في بابل وأشور، حيث تذكر الأساطير البابلية والآشورية أنَّ هناك آلهةً للخير، وآلهة للشَّر، وأنَّهما كانَا في صِراع دائم، والجذور المعروفة لهذه الدِّيانة ترجع إلى أرْض فارس، حيث بدأتْ عبادة شياطين اللَّيْل المفزِعة، فقد كان ثَمَّة قبائل بدوية رحَّالة، تروح وتجيء بيْن شمال فارس، تبحث عن الماء والكَلأ، وعانَتْ من الأعاصير والجَفَافِ حالَ تنقُّلها ذهابًا وإيابًا، وليقينهم أنَّ الله - تعالى - لا يأتي الشرُّ منه، والشرُّ كلُّه من الشيطان؛ توهَّموا أنَّ العقاب لا يصدر إلاَّ من الشيطان، فأمِنوا مكرَ الله، ثم تسارعوا للتقرُّب من الشيطان كيما يكفَّ عنهم شرَّه، ثم تطورتْ بعد أجيال لتعبِّرَ عن مطلق الشر، ثم تطوَّرت - مرةً أخرى - لتعبر عن الشرِّ بالظلمة، والخير بالنور، من خلال العقائد الثنوية التي كانتْ تؤمن بإلهين: الأول إله النور الفاعل لكلِّ ما هو خير، والثاني إله الظُّلْمة الفاعل لكلِّ ما هو شر، وهو الشيطان، ويقتسم - في زعْمهم - الإلهان السيطرةَ على الكون، واختلاف تفسير العَلاقة بين الإلهين وتأثيرهما في الكون، نشأ منه الفرق والطوائف، التي تتميَّز كلُّ واحدة بمفهوم لهذه العلاقة، حتى نشأتْ فِرقٌ تُعظِّم الشيطان أكثرَ، واتخذته الإلهَ في المقام الأول، وسعتْ للتقرب له بطقوس وثنية؛ رهبةً منه، ثم وجدت طوائف من الثنوية، تفرض لإله الشرِّ في بعض الأزمنة سلطانًا أكبرَ من سلطان إله الخير على الأرض، فترى أنَّ النور والخير منفردان بالسموات، وأنَّ الظلمة والشر غالبان على الأرَضِين.

وتقوم سلسلة الديانات الفارسيَّة الثنوية على معتقد أنَّ العالَم مركَّب من أصلين "اثنين" قديمين: أحدهما النور، والآخر الظلمة، ومِن الديانات الثنوية: الزرادشتية والمزدكية، والديصانية والمانوية، والشامانية، وكذلك المجوسية عَبَدة النار بصفتها معدنَ الشيطان وأصله.

والشامانية والمانوية، تُؤمنان بقوَّة إله الشر والظلمة "الشيطان" وتَعْبُدانِه، وما زال لهما بعض الأتباع في أواسط آسيا يُقدِّمون له الأضاحي والقرابين، وكذلك في أوربا.

وهؤلاء هم عَبَدةٌ للشيطان وحْدَه؛ لقوَّته على الكون وتغلُّبه، وهؤلاء يتقرَّبون منه رغبةً.

عبادة الشيطان في التراث النصراني:
حينما انتشرتْ فكرةُ عبادة الشيطان في التراث اليهودي من خلال ثقافة "القبالاه"، عبرتْ إلى النصرانيَّة من خلال بعض الأفكار الغنوصيَّة، التي صاحَبتِ انتشارَ النصرانية في أوربا، والتي ترى في العالَم الجحيم المطلق، وهو عالَم الشر، ولا يمكن أن يخلقَه إلهُ الخير، وكل قصص الخلق مغلوطة، بل النصرانية نفسها لا تنفي غلبةَ الشيطان على العالَم الأرضي، وبها تعظيم لقدرات الشيطان، بالإضافة إلى انتشار المظالِم الاجتماعيَّة زمنَ انتشار النصرانية، وتفسيرها بأنَّها من ثوابت القَدَر؛ ممَّا دَعَا البعض إلى الكفر بالإله السماوي، والإقبال على عبادة الشيطان المتمرِّد، فتكرَّست فكرة عبادة الشياطين؛ اتقاءً لشرها (رهبة)، ومفهوم هذه العبادة يرتكز على وجود عالَمين: عالَم الملكوت، ويسيطر فيه إله الخير، وعالم الكهنوت، ويسيطر فيه إله الشر، وهو الشيطان.

وأوربا الشرقيَّة قومُها مؤمنون بالسِّحْرِ والشياطين حالَ اعتناقهم للنصرانية، فآمنوا بها مع إثبات تغلُّب الشياطين، وحُكمهم العالَم السفلي، ومدافعتهم لإرادة الرَّبّ، كما ظلَّتْ نِحْلة "البيوجوميل" (النِّحْلة الشيطانية) غالبةً على عشائر البلغار والبلقان لعِدَّة قرون.

- وفي القرون الظلامية الأوربية الوُسْطى، ظهرتْ جماعة "فرسان الهيكل" فرسان المعبد الصليبية في أوروبا، اتَّخذتْ من الشيطان إلهًا ومعبودًا، وكان لها اجتماعاتٌ ليلية مُغْلَقة تبتهل فيها للشيطان، وتزعم أنه يزورها بصورةِ امرأة، وتقوم هذه الجماعةُ بسبِّ المسيح وأمِّه وحوارييه، وتدعو أتباعَها إلى تدنيس كلِّ ما هو مقدَّس، وتعتبر جماعة "فرسان الهيكل " طورًا من أطوار الماسونيَّة العالميَّة، وكانوا يتميَّزون بلبس قميص أسود يسمونه "الكميسية".

انتشرتْ هذه الجماعةُ في فرنسا وإنجلترا والنمسا، ثم اكتشفتْها الكنيسة، وقامتْ بحَرْق مجموعة من أتباعها، وقتلتْ زعيمها، وقد قالتْ إحدى أعضاء هذه المجموعة قَبْل حرقها: "إنَّ الله مَلِك السماء، والشيطان مَلِكُ الأرض، وهما نِدَّان متساويان، ويتساجلان النصرَ والهزيمة، ويتفرَّد الشيطان بالنصر في العصر الحاضر".

وفي القرن الرابع عشر انتشَرَ الطاعون في أوروبا، وقتل ثلث سكَّانها، فارتدَّ عدد كبير عن النصرانية، وعبدوا الشيطانَ بدعوى أنَّه اغتصب مملكةَ السماء، ثم ظهرتْ عِدَّة جماعات بين عامي 1432- 1440م، مثل "جمعية الصليب الوردي"، وفي القرن السابع عشر ظهرتْ جمعية تُسمَّى "ياكين"، ثم "الشعلة البافارية"، و"الشعلة الفرنسية"، و"إخوة آسيا".

في 1770 بدأتْ بذور فكرة إقامة مجمع شيطاني على يدِ مجموعة من عَبَدة الشيطان من اليهود، وكانوا مِن كبار المرابين والحاخامات، والمديرين والحُكماء، فأسَّسوا مجمعًا سِريًّا يعمل على تحقيق أغراضهم، وأسموه: "المجمع النوراني" (The Illuminati الإليوميناتي). وكلمة "نوراني" بمعنى "لوسيفر" Lucifer "حامل الضوء"، أو "الكائن الفائق الضياء"، ثم أسَّس الألماني آدم وايز هاوبت مذهبًا مشابهًا باسم "حملة النور الشيطاني" النورانيِّين ضمن المجمع النوراني، وفي عام 1776م[7]، نظَّم وايز هاوبت جماعةَ النورانيِّين لوضع مؤامرة انتشار دعوتهم، وسيطرتهم على مواضع التنفيذ.

في عام 1784 اكتشفتِ الحكومة البافارية وجودَ مخطَّط شيطاني لتدمير جميعِ الحكومات الملكيَّة، والأديان الموجودة.



اندماج النورانية والماسونية
بعد فضيحتهم، انتقل نشاط النورانيِّين إلى العمل خلفَ مسمَّى "العالمية"، ونقل مركز القيادة وكهنة النظام الشيطاني إلى سويسرا، فلَبِثوا هناك حتى نهاية الحرْب العالمية الثانية، حيث انتقلوا إلى نيويورك[8].

ولكي يحافظ وايز هاوبت على برنامجه؛ رأى أن يمتزجَ مع الماسونيِّين، الذين يجدون مطلق الترحيب في الأوساط البروتستانتية؛ وذلك لكون المذهب البروتستانتي صِهْيونيَّ النزعة، يهودي الجذور، فبالتالي هو لا يتعارض كثيرًا مع التطلعات الماسونية اليهودية، وهذا التحوُّل سيجعل النورانيِّين ينشطون في البلدان البروتستانتية مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، ثم استراليا وشمال أوربا.

ومن مبادئهم: أنَّ الأرواح لا تنجو إلا إذا انحدرتْ إلى الدَّرْك الأسفل من الخطيئة، والشيطان هو الإله، وأنه مساوٍ تمامًا لأدوناي - وهو اسم يُطلقونه على (الله تعالى) - وتنصُّ العقيدة الشيطانية على أنَّ الشيطان قاد الثورةَ في السماء، وأنَّ إبليس هو الابن الأكبر لأدوناي، وهو شقيق ميخائيل الذي هَزَم المؤامرة الشيطانية في السماء، وأنَّ ميخائيل نزل إلى الأرض بشخصِ "يسوع"؛ لكي يكرِّر على الأرض ما فعله في السماء، لكنَّه فَشِل.

والنورانيون هم أكبر داعم لنشْر هذه الديانة في عصرنا؛ لذا كوَّنوا جمعياتٍ تابعةً للماسونية بشعارات مختلفة؛ كيما تموه على العامَّة والسلطات في دول عِدَّة، كلها تدعو لحرية الأديان، غير أنَّ المراد من تلك الدعاوي نشْرُ التحرُّر من ربقة الأديان، واتِّباع الشيطان.

- جمعية الجمجمة:
مؤسِّس الجمعية " وليام هـ. راسل" "William H. Russell" طالب في (جامعة ييل)، من أسرة ثَرِيةٍ امتلكتْ إمبراطورية تجارة الأفيون في أمريكا، ابتعثَه النورانيُّون سنة 1833 إلى ألمانيا بمِنحة دراسية لمدَّة سَنَة، فتصادق هناك مع رئيس جمعية سِريَّة ماسونية، كان "الموت" شعارًا لها، وحين عاد إلى أمريكا، أسَّس "جمعية إخوة الموت"، وبشكل غير رسمي كانت "جمعية الجمجمة والعظام" شعار الجمعية، عبارة عن عَظْمَتي ساقٍ تعلوهما جُمجمة، وفي الأسفل يوجد الرقم 322، تعبيرًا عن سَنَة تأسيس الجمعية عام 322 ق. م زمن الإغريق؛ ليُعادَ إحياء الجمعية على يد الماسون عام 1832م في ألمانيا، وعام 1882م في أمريكا؛ ليكون الهدف منها إحكامَ السيطرة على العالَم، حيث يُشاع بأنها القَلْب المعتم لحكومة العالم السِّريَّة[9].

- كنيسة الشيطان:
بالرغم من أنَّ معظم الباحثين يذهبون إلى أنَّ آنطوان ليفي هو مؤسِّس فكر عبادة الشيطان في العصر الحديث، إلاَّ أنَّ البعض ينسب هذا الفكرَ الحديث إلى موسيقا "الرُّوك"، والمغني الأمريكي ليتل ريشارد، الذي أدخل سنة 1952م إلى الرقص أنغامًا وحركات تعود إلى العُنف، وبعدَه في عام 1955م، تزعَّم ألفيس بريسلي الحركة الموسيقيَّة، وراح يخاطب غرائزَ الشباب، ويُشجِّعهم على رفْض القِيَم الدينيَّة والأخلاقية، وعلى الحياة نفسها[10].

تَمَّ الاعتراف بشكل رسمي وعلني في الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1966م، بأوَّل كنيسة لعبادة الشيطان في سان فرانسيسكو، تحتَ حماية قانون كاليفورنيا لحريَّة الأديان، الذي صدر في العام نفسه.

وحسب تقارير مكتب التحقيقات الفِيدرالي في الولايات المتحدة، فإنَّه يدخل في كل عام في هذه الديانة 50 ألف شخص، كما أكَّد أنَّ هذه الطائفة وراءَ الكثير من جرائم القتْل وخطف الأطفال، وخاصَّة في ولايتي سان فرانسيسكو، ولوس أنجلوس، حيث كانتِ الشرطة تجد بقايا دماء أطفال، وحيوانات مذبوحة بجوارها الشموع والأقنعة السوداء والجماجم[11].

والمجتمع الأمريكي يضمُّ أكثر من 20 طائفة تُقدِّس الشيطان.

بعض الحقائق بالأرقام في أمريكا وغيرها:
♦ 17 مليون مواطن أمريكي هم مجموعُ أتباع الطوائف التي تقدِّس الشيطان، 105 ملايين مواطن أمريكي بين ملاحِدة وعلمانيِّين، 70 مليون مواطن أمريكي لا يؤمنون بالبَعْث.

♦ 47 % من سكَّان أوروبا يعانون هلاوسَ بصريَّة وسمعيَّة (إما بشكل مرَضي، أو نتيجة لتعاطي الكحوليات والمخدِّرات، والأدوية العصبية).

♦ 1282 مكانًا رسميًّا على مستوى العالَم، تُمارَس فيه عبادات تقوم على تقديس الشيطان والأنفس السفلى.

♦ الدستور الأمريكي يُعْطي حريةَ اختراع كلِّ فرد لدِين خاص به[12].

♦ ومؤخرًا بدأتْ هذه الممارسات تزدهر علنًا في دول أوروبية كثيرة، ففي إنجلترا - مثلاً - هناك تسعة ملايين شخص ينتمون إلى كنائس الشيطان - ومثلهم تقريبًا في ألمانيا وإيطاليا، وفي فرنسا هناك مجلَّة وبرنامج خاص لعَبَدة الشيطان، تُقدِّمه عرافة تُدْعى "مدام سولي"، وفي سويسرا وإيطاليا والنمسا يُمارِس آلاف الأشخاص بانتظام ما يُسمَّى بالقُدَّاس الأسود عند اكتمال البدر.

♦ وأشار تقرير صدر في شهر مارس/ آذار سنة 2005 عن البَعْثة الوزارية لمراقبة ومكافحة التجاوزات الطائفيَّة، وتَمَّ تسليمه إلى رئيس الوزراء: أنَّ ظاهرة عبادة الشيطان تكتسب أرضًا جديدةً في فرنسا؛ مما يؤدِّي إلى زيادة عمليات تدنيس المقابِر، وطقوس معادية للمسيحيَّة.

♦ كما تشهد الظاهرة تزايدًا أيضًا في الدول الإسكندنافية وروسيا، وإيطاليا وإسبانيا، وألمانيا واليونان، وجنوب أفريقيا، واعترفتْ بعض الدول بها[13].



عبدة الشيطان في تاريخ المسلمين
--------------

اليزيدية (عبدة الشيطان):
-------------

نشأتْ هذه الطائفة في أوَّل أمْرِها في منطقة "الشيخان"، ومنها انتشرتْ في باقي المناطق.

ففي مواطن اليزيدية كان قبيل "ترهايا"، وهم مِنَ المجوس الذين نزحوا إلى جبال حلوان لَمَّا فَتَح المسلمون بلادَ الفُرْس، وقد دخلوا الإسلام، غير أنَّ عُزْلتَهم عن الناس جعلتْ معتقداتِهم خليطًا بين الوثنيات المجوسيَّة، وتقاليد القوم، مع دراية سطحية بالدِّين الإسلامي، ثم انتشرتْ فيهم الطرق الصوفية[14]، حتى غلبتْ عليهم الطريقة العدوية؛ نسبةً للشيخ عدي بن مسافر[15]، الذي بلغ عندَهم مقامًا لا يحوزه أحدٌ من البشر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وفي زمن الشيخ حسن زادوا أشياء باطلة، نظمًا ونثرًا، وغلوا في الشيخ عدي، وفي يزيد، بأشياءَ مخالفة لِمَا كان عليه الشيخ عدي - قدَّس الله رُوحه - فإنَّ طريقته كانت سليمة، ولم يكن فيها من هذه البِدع"[16].

واليزيدية في الأصْل كانت تُسمَّى بالطائفة العدوية، قال أبو سعيد عبدالكريم بن محمد السمعاني (توفي 562هـ/1166م)؛ أي: بعد خمس سنوات من وفاة الشيخ عدي، في الورقة 600 من كتابه "الأنساب"، الذي طبعَه المستشرق البريطاني ماركليوث عام 1912م: "وجماعة كثيرة لقيتهم بالعراق في جبال حلوان، ونواحيها من اليزيدية، وهم يتزهَّدون في القُرى التي في تلك الجبال، ويأكلون الحال[17]، وقلَّما يخالطون الناس، ويعتقدون الإمامةَ في يزيد بن معاوية، وكونه على الحق"[18].

خَلَف الشيخَ الأعزب بعدَ وفاته ابنُ أخيه أبو البركات بن صخر بن مسافر، ثم خَلَف أبا البركات ابنُه عدي بن أبي البركات، الملقَّب بأبي المفاخر، والمشهور بالكردي، وكان صالحًا مثل أبيه، مُكْرِمًا لأهل الدِّين والعلم، وافرَ العقل، شديدَ التواضع، وكانتِ الطريقة في أيَّامه على غاية من الصفا في جوهرها[19].

ثم خلفهم الشيخ حسن بن عدي بن أبي البركات بن صخر بن مسافر، الملقَّب بتاج العارفين، شمس الدين أبو محمَّد شيخ الأكراد، ولد سنة 591، وتوفي 644، وفي زمانه بدأ الانحراف عن نهْج الطريقة العدوية الأولى، وزاد الغلوّ في الشيخ عدي بن مسافر الأموي، وفي خلفائه، كما كَثُر الضلال في تعاليمه.

رأى الشيخ حسن تكاثرَ المريدين من حوله، فألْقَى هالة من القداسة حولَ نفسه، بأنِ اعتزلهم لسِتِّ سنوات، ثم طلع عليهم بكتاب "الجلوة لأهل الخلوة"، به خليطٌ من الوثنيات القديمة، والمجوسية والزرادشتية، واليهودية والنصرانية والإسلام، وسَوَّر عقائده بسِياج من السِّريَّة، ومنَعَهم من القراءة والكتابة؛ كيما ينقادوا له طواعيةً، ثم حادت الطريقة العدوية إلى اليزيدية الحالية شيئًا فشيئًا، ومِن الذين أثَّروا على الشيخ حسن وغيَّروا أفكاره وعقيدته محي الدين ابن عربي (550 - 638هـ) أثناء تردُّد الشيخ حسن إلى الموصل، حيث كان يُقِيم ابن عربي.

وبالرغم من عدم وجود إحصائيات دقيقةٍ لليزيديِّين لأسباب عِدَّة، فإنَّ التخمينات تجعل أعدادَهم كما يلي: في العراق 40 ألف نسمة، في سوريا 25 ألفًا، في تركيا 50 ألفًا، في أرمينيا 55 ألفًا، في جورجيا 45 - 50 ألفًا، وبذلك فإنَّ عددهم في العالَم يتجاوز 200 ألف يزيدي[20].

عقيدتهم:
يؤمنون بوجود إله أكبرَ خالقٍ لهذا الكون، إلاَّ أنَّه لا يُعْنى بشؤونه، بعدَ أن فوَّضها لمساعدِه، ومنفذ مشيئته "ملَك طاوس"، والذي يرتفع في ذِهْن اليزيدية إلى مرتبة الألوهية، حتى إنَّهم يسبحون به، ويتضرَّعون له، وهو الملاك الأعظم الذي عَصَى الله في بَدْء الخليقة، فعاقبه الله على خطيئته، فظلَّ يبكي سبعة آلاف سَنَة، حتى ملأ سبعَ جرار من دموعه، وألقاها في جهنم، فأطفأ نارها، فأعاده الله إلى مركزه الرفيع في إدارة الكَوْن.

ولَعْن الملاك طاوس، وتسميته بالشيطان، واعتقاد أنَّه خالق الشر، مخالِف لمعتقدات اليزيدية، بل يجب تسبيحُه، إن لم يكن حبًّا فيه، فدفعًا لغضبه.

أما نبي هذه الدِّيانة فهو الشيخ عادي، الذي يَرْوُون عنه أخبارًا ورواياتٍ عديدة، ويرفعونه لدرجة التقديس، والعلاقة بين شخصية الشيخ عادي والشيخ عدي بن مسافر غامضةٌ جدًّا.

ويعتقدون في وجود آلهة موكل إلى كل منها شأن من شؤون الدنيا، ومِن ذلك "بري أفات"، وهو إله الفيضانات والطوفان، و"خاتونا فخران" وهي إلهة الولادة عندَ النساء...إلخ، ويعتقدون بوجود أنصاف آلهة مثل "مم شفان"، وهو إله الغنم، و"العبد الأسود" إله الآبار، و"ميكائيل" إله الشمس... إلخ.

وفيما يتعلَّق بالشيطان الذي ارتبطتْ به الديانة اليزيدية:
فإنهم يُقدِّسونه ويحترمونه، ويَحْلِفون به، ويعتبرونه رمزًا للتوحيد بزعمهم؛ لرفضه السجودَ لآدم - عليه السلام - ويُسمُّون الشيطان "طاوس ملك"؛ أي: "طاوس الملائكة".

ولليزيدية سبعة طواويس، لكلٍّ منها اسمُه الخاص، وقد صنعوا لكلِّ طاوس تمثالاً خاصًّا، وسبب ذلك هو عدم كفاية طاوس واحد لجميع اليزيدية؛ لأنَّهم منتشرون في أقاليمَ متباعدةٍ جدًّا.

ويعتقدون أنَّ أصل الملائكة مِن نور الله سبحانه، وأنهم قد شاركوا الله في خَلْق الكون.

وأما الكتب المقدسة لديهم، فهناك "مصحف رش"، وينسبونه إلى الشيخ عدي بن مسافر، ويتحدَّث عن بداية خَلْق الكون، ومراحل تكوينه، وخَلْق آدم، وامتناع عزازيل (الشيطان) عن السجود لآدم، كما أنَّه يحتوي على بعض الأوامر والنواهي، وذِكْر بعض المحرَّمات.



مظاهر عَبَدة الشيطان المعاصرة
------------------

انتشرتْ مظاهر وطقوس عَبَدة الشيطان في حاضرنا جهارًا نهارًا، ولم يعد للسِّريَّة داعٍ؛ إذ الحُكم لهم في مجتمعاتهم ولمبادئهم، فشعارات "الحرية" بلغتْ مداها، والماسون استنفذوا طاقتَهم في إقناع هذه المجتمعات الإباحيَّة بلزوم الحُريَّة لكل شيء، إي نَعَم، لكلِّ شيء، حتى الاعتقاد بألوهية الشيطان! ومن ثَمَّ سنُّوا لها القوانينَ المشرِّعة لها، الحامية لأتباعها، وقالوا: لكلٍّ شِرْعة هو مولِّيها، وشرعتنا: هوانا إلهنا، لا شريك له، عليه توكَّلْنا، وإليه ننيب.

- فلسفتهم:
الإنسان هو صورةُ الكون المصغَّرة؛ صورة مصغَّرة طِبق الأصل للكون الأكبر الأزلي، ولازم أزليَّة الكَوْن، أزلية الإنسان؛ أي: إنَّه غير قابل للفَناء، وظاهرة موته إنما هي انتقاله مِن حلقة لأخرى، إذ يتناسخ مِن درجةٍ لأختها، فهو أبديٌّ وقديم؛ أي: لا مَبدأ لنشأتِه، ولا مُنْتهى لمستقبله، فالبشر جميعهم آلهة، وعلى الإنسان التخلُّص مِن خوفه مِن الموت، فليس بالنهاية، لكنَّه نقطة الانطلاق إلى حلقة جديدة.

وفكرة "الخطيئة" ليستْ إلا بدعًا من الكلام، اختلَقَها الضعفاء، ثم تحوَّلوا لعبيدٍ لها؛ كيما يسترضُوا شعورَهم بالضعف، وغاية العبادة والصلاة هي في الوصول إلى "النور"، وذاك ببلوغ حالة النَّشْوَة والكمال، أو الصفاء الذِّهني، وللترقِّي إلى هذه الحالة يستخدمون الموسيقا الصاخِبة، والخمورَ والمخدِّرات والعقاقير، وبالطبع الممارسات الجِنسيَّة – الزِّنا - والشاذَّة أيضًا.

وبلوغ حالة النشوة لهم فيه دهاء كبير، فتهييج المشاعِر، وتخدير العقول، ثم غَسْل المعتقدات، وغَرْس المتعفنات عن طريق السماع في حضور جماعي، يتطلَّب حنكةً من رؤوس القوم، ومِن سبل الدِّعاية لهذا الفِكر موسيقا Black ****l، وهي موسيقا صاخِبة تعتمد على الجِيتار الإليكتروني، ومِن أشهر الفِرق التي تتغنَّى بعظمة الشيطان، وتدعو إلى فكره، فرقة Dimmu Borgir، وفرقة slayer، وأشهر مُغنٍّ يدعو إلى هذا الفكر يُدْعى مارلين مانسون، الذي ألَّف كتاب "الطريق الخارج من جهنم"، ويخرج أغانيه بأسلوب فلسفي يُثير غرائزَ الشباب، ويدعوهم للإعجاب بهذا الفِكر.

كما ألَّف أتباعُ هذه الطائفة الكتبَ الكثيرة؛ للدعوة إلى باطلهم، ومنها: "صمت إبليس" تأليف د. لورانس بازدر، و"إبليس تحت الأرض"، و"جاء لتحرير الرهائن"، و"الطقوس الشيطانية"، و"الساحر الشيطاني"، و"مذكرة الشيطان"[21].

يقول علماء النفس: إنَّ موسيقا "الروك" تصنع نوعًا من الغياب الذهني، وعلى وجه التحديد موسيقا "الميتال"، و"الديث ميتال"، فهي المفضَّلة في تجمُّعات العبادة والصلاة لديهم، إذ تصل نسبةُ الضوضاء في هذه الأنواع من الموسيقا إلى 120 ديسبل، مع تعاقب سريع جدًّا بيْن الإضاءة المبهرِة وسطَ ظلام حالك، يصل إلى ما يزيد عن 40 مرة في الثانية، وبهذه الضوضاء العالية جدًّا، والإضاءة المتسارِعة، مع المخدِّرات والخمور، يتمُّ شلُّ مقاومة العقل الإنساني الطبيعي، ويفقد الإنسانُ القدرةَ على التركيز، وبذا يصل إلى حالة النَّشْوة والكمال الذهني، التي تصل به إلى "النور" المزعوم، وما ذاك إلا حالة للشلل الفكري، ناتج عن تخدُّر الدِّماغ، وانهيار التركيز، مع تعاقُب الترميز، فتتوارد صُورٌ ذهنية في حالة لذَّة ذهاب العقل مع الطَّرَب، يحسبها الظمآن – روحيًّا - وحيًا.

وفي ذلك الحال يأتي دَورُ الحضور الجماعي، بإلقاء القادة الرسائلَ الإيحائية في هذا الجوِّ المخدِّر للعقول، تلك الرسائل تهيِّج مشاعرَ المتعبدين المجتمعين معًا بالمئات، بل بالآلاف، وتكون في شكل وصايا؛ كيما يتوهمَ القداسة فيها.

الوصايا التِّسْع لعَبَدة الشيطان:
1- أطلِقِ العِنانَ لأهوائك، وانغمس في اللذَّة.
2- اتبع الشيطان، فهو لن يأمرَك إلاَّ بما يؤكِّد ذاتك، ويجعل وجودَك وجودًا حيويًّا.
3- الشيطان يمثِّل الحكمة والحيوية غير المشوهة، وغير الملوثة، فلا تخدعْ نفسك بأفكار زائفة، سرابية الهدف.
4- أفكار الشيطان محسوسةٌ ملموسة، ومشاهدة، ولها مذاق، وتفعل بالنفس والجِسم فِعلَ الترياق، والعمل بها فيه الشفاءُ لكلِّ أمراض النفس.
5- لا يَنبغي أن تتورَّط في الحُبِّ، فالحبُّ ضعْف، وتخاذل وتهافت.
6- الشيطان يمثِّل الشفقة لمن يستحقونها، بدلاً من مضيعة الحبِّ للآخرين، وجاحدي الجميل.
7- انتزعْ حقوقَك من الآخرين، ومَن يضربك على خدِّك، فاضربْه بجميع يديك على جسمه كلِّه.
8- لا تحبَّ جارَك، وإنما عامله كآحاد الناس العاديِّين.
9- لا تتزوَّج، ولا تُنجب، فتتخلَّص من أن تكون وسيلةً بيولوجية للحياة، وللاستمرار فيها، وتكون لنفْسك فقط[22].
وهذه الوصية الأخيرة هي للمانوية الثنوية الفارسية؛ دعاة هلاك البشر، واستعجال الفَناء.

الإشارات والرموز التي تُميِّز عَبَدة الشيطان:
- الوَشْم: على أشكال الشياطين، على جميع الجِسْم، ومنها النجمة السُّداسية، ورقم 666، وهو رقم الشيطان عندهم، ورسومات مفزِعة ترمز للعُنْف والرعب، كرسم الجمجمة والعظمتين، علامة خطر الموت، ورسْم الحيوانات الخياليَّة المفزعة، والشياطين، ورسوم جِنسيَّة، وكلمات بذيئة.

- قصَّات معينة للشَّعْر: مع الوشْم على الرأس، أو وضْع شعارات الجماعة.

- فصوص وأقراط وسلاسل: ذات أشكال معيَّنة يرتدونها على كامل الجِسْم، حتى الشفاه والرقبة، والأنف، وجمجمة الرأس، والأيدي، والبطن.

أساور وقلادات وخلاخيل: ذات تصميمات معيَّنة تشير إلى أُمور خاصَّة بعبادتهم، بل حتى الأعضاء التناسليَّة لم تَسلَمْ من غرْز الأقراط، ولهم في ذاك معتقد خرْق المألوف، غير أنَّه من الحالات المازوشية، وهي عرض مرضي نفسي، يجعل صاحبَه يتلذَّذ بالألم.

- ومن رموزهم: ثقب الآذان وتوسيعها، وثقب الأنوف، وإلْصاق المسامير والحلقات بمناطق مختلفة مِن الجِسم، بشكل مؤذٍ ومقزِّز، يُنبِئ عن انعدام الذَّوْق والحس، يرمزون بذلك إلى مخالفة كلِّ الأعراف البشرية، والتميُّز بأنهم يتحدَّوْن الألَم، ورفض كل ما له علاقة بالقِيَم، أو الأخلاق، أو الدين.

طقوس عبادتهم:
- التأمل: يكون فرديًّا أو جماعيًّا، في إضاءة خافتة، أو على ضوء الشموع مع البخور؛ وذلك لإضفاء نوْع من الخشوع على المتعبدين.

- القداس الأسود: فيه يُستهزأ ويُتهكَّم على الله تعالى، وعلى المسيح وأمِّه وحوارييه، ويشتمونه فيما يُشبه الترانيم في العبادة الكنسيَّة، ويُكسَر الصليبُ ويُقلب، ويُحْرَق أكبر عدد من الكتب المقدَّسة عندهم، ويُقدِّمون الذبائح البشرية، ويتعاطون الخمورَ والمخدِّرات، والعقاقير المخدرة، ويمارسون كلَّ أنواع الفُحْش الشاذ.

- نبش القبور: والعَبَث بالجُثث، والرقص عليها، وممارسة الجِنس مع الجُثث الحديثة الدفن.

- السُّكْر الشديد: حتى الثُّمالة، مع تعاطي المخدِّرات بكميات كبيرة جدًّا، تجعل أشكالَهم تبدو بصورة غريبة وفظيعة.

- ذبح الحيوانات: يُطلب من الأتباع الجُدد والأطفال تربيةُ حيوانات مثل القطط والكلاب، ثم يَجْبرونهم على قَتْلها بطعنها وإخراج دمائِها وأحشائها، وإجبارهم على شُرْب دمائها، وتلطيخ أيديهم ووجوههم بها.

- الصلاة للشيطان: ممارسة صلاتهم باللَّيْل؛ لاعتقادهم أنَّ الشيطان لا يقبل الترانيمَ مع ظهور أول ضوء.

- إشعال النيران: وَسْطَ حلقة مستديرة في وَسَطِها نجمة خُماسية، والرقص على أنغام موسيقا "الروك" الصاخبة حولها، بعدَ تعاطي المخدرات.

- استحضار الشياطين: في غرفة مظلمة، مرسوم على جُدرانها رموزٌ شيطانية، وفيها مَذْبح مُغطًّى بالأسود، تُوضع على المذبح كأسٌ مليئة بالعِظام البشرية، وخِنجر لذبْح الضحية، ونجمة الشيطان ذات الأجنحة الخمسة المقلوبة، وتكون الضحيةُ إحدى الأعضاء، ويُفضَّل أن تكون ابنة زِنًا.
ويبدؤون طقوسَهم بالرقص، ثم يخلع الجميعُ ملابسَهم، وتتقدم الضحية في وسط الراقصين؛ لتذبحَ ويُشرب دمها.

- شرب الدماء: لاعتقادهم بتناقل الطاقَّة الرُّوحيَّة لحياة صاحب الدم نحوَ الشارب لدمه، وهذا الطقس يشمل دماءَ البشر والحيوانات على السواء، غير أنَّ دماء الأطفال هي المفضَّلة كأعلى القُربان للشيطان، فتجرُّع دمِ البريء الذي لم يقارفِ الخطيئة بعدُ، هو مِن شعائر تعظيم إله الشرِّ والخطيئة.

- أكل لحوم البشر: لاعتقادهم بتناسُخ القُوَى الرُّوحية، وانتقالها من المأكول إلى الآكِل، كأكْل قلوب الضحايا وهم أحياء أمامَ ناظريهم، قطع الرقبة، وسَلْق أجزاء الجِسم في المرجل، فسخ أشلاء المولود الجديد لأكْله، أكْل التعويذة السِّحرية مركبة من خليط من أعضاء الجسم المأكول، وفضلاتُ الجسم تُستعمل بتلطيخ الأطفال بها وهُم عُراة، ويجبرونهم على أكْلها؛ تقرُّبًا للشيطان.

- حجرة التعذيب: تُثبَّت الضحية على طاولة بقيود حديديَّة، ثم يُحلَق رأسها، بعدها يدخل قضيب بطول 85 سم مِن فتحة الشرج إلى المِعَى المستقيم، ثم يأخذ أعضاء الطقس في جرح صدر الضحية، ورسْم النجمة الخماسية الشيطانية المقلوبة، وتَحدَّث أطفال شهود عِيان عن نزْع الأعين، وقطْع الآذان، واستخراج الأدمغة، وخَلْع القلوب، وبَتْر الأيدي والأقدام، ومِن معتقدات عبدة الشيطان أنَّ عذاب الأضحية، كلَّما كان أبطء تحصَّلوا على قوة رُوحيَّة أكثر، وقَبول من الشيطان أكبر.

- سحق العظام: ليتمَّ تحويلها إلى مادة أولية لصناعة أواني يستعملونها في طقوسهم، كالكؤوس والفناجين، والصحون والدُّمَى، وما زاد عن حاجتهم يبيعونه للجماعات الأخرى من عَبَدة الشيطان مثلهم، ويحتفظون أحيانًا بالجماجم؛ ليشربوا فيها الدم.

- الاغتسال بالدماء: يُدعَى الطقس بـ"القمر الدموي"، ويكون في اللَّيالي القمرية الحمراء، حيث يتمُّ ملءُ مغطس بالدِّماء، بشرية أو حيوانية، ويغطس فيها لمدَّة زمنية معينة.

- قتل الحيوانات: للحصول على دمائها، يقوم الأتباعُ بتربية بعض الحيوانات الأليفة، ثم يُجبِرون أطفالهم على قتلها؛ ليتولَّدَ فيهم نزوة التلذُّذ بإيلام الآخرين، وعدم الاشمئزاز أو الخوف من القَتْل، والحيوانات المقتولة تكون من الحقيرة الصغيرة، كالفئران والجُرذان، إلى الضخمة كالأبقار، ولا يرحمون لا القِطط ولا الكلاب.

- طقس القارب: تُمدَّد الضحية على القارِب، وتُنشر عليها الأفاعي كي لا تتحرَّك، وحولها 6 شموع حمراء مضاءة، ويحيط بها 6 من أعضاء الجماعة، وهذا الطقس هو "طقس التطهير" من خطايا معاداة الشيطان.

- ممارسات جِنسيَّة شاذَّة، والأذى الذاتي.



عبدة الشيطان في الوطن العربي
أرجع صفوت وصفي أسبابَ هذه الظاهرة بالوطن العربي إلى أمور سبعة، نوجزها هنا؛ ليظهرَ لنا جانبٌ من أسباب تلك الطاعة العمياء للشيطان[23]:
1- سياسة تجفيف المنابِع، التي ازداد أُوارها بعدَ عملية السلام مع العدو الصِّهْيَوني، حيث انبثق عنها ما يُعرف بعمليات تطبيع العلاقات مع اليهود، والتي استتبعتْ غربلةَ المناهج الدراسيَّة، وإجراءَ كثير من التعديلات، والحذف لصالِح هذا التوجُّه، فضلاً عمَّا هو موجود أساسًا، من تحجيم لمواد التربية الإسلامية[24].

2- دور الإعلام المتواصِل عن طريق وسائله المنوَّعة في إثارة نزوات الشباب من الجِنسَيْن، وإشغالهم بالفِكر الهابط الرديء، والأغاني الماجِنة، والأفلام الخليعة، وترويج الكُتَّاب اليساريِّين للأفكار المنحرِفة في المجتمعات الإسلامية.
وقد اعتبر أنَّ مِن إرهاصات فِكْر عبادة الشيطان في بلادنا، المحاضرة التي ألقاها في بيروت الشيوعي السوري د. صادق جلال العظم سنة 1996 بعنوان "مأساة إبليس"، دعا فيها إلى ردِّ الاعتبار لإبليس، وهي المحاضرة التي ساقتْه إلى المحاكمة التي تراجع أمامَها؛ لينجوَ من العقاب، وهو تراجعٌ كاذِب، وقد ضمنها مِن بعد كتابَه "نقد الفكر الديني".

3- سوء استغلال شبكات الاتصالات الحديثة (الإنترنت)، والتي تحتوي على برامجَ تروِّج لمِثْل هذا الفكر المنحرِف، خاصَّة وأن شبكة الإنترنت، هي الوسيلة الأهم لنَشْر أفكارهم، والتواصُل بيْن الأتباع، ولهم على هذه الشبكة أكثرُ من ثمانية آلاف عنوان.

4- تحجيم التوعية الإسلامية، من برامجَ ومحاضرات وندوات، عن طريق العلماء والدُّعاة، ولا سيَّما في الجامعات والنوادي، والمراكز التربوية، بدعوى أنَّ لِمَن يلقونها أهدافًا غير مرضيٍّ عنها.

5- الحياة المترَفة والمنفلِتة، التي تعيشها أُسَرُ هؤلاء الشباب، بكل ما تعنيه الكلمة من معنًى، من شيوع التبرُّج والسفور، والاختلاط بيْن الجِنسَيْن، وترْك مسؤولية تربية الأبناء للخَدَم، أو للمدارس الداخلية، والتي عادةً ما تكون أجنبيةَ الولاء.

6- المدارس المختلطة بين الجِنسَيْن في كثير من الدول العربية، وخاصَّة الجامعات، ووضع المناهِج المختلطة، ووصول الأمْر إلى تدريب هؤلاء الشباب من الجِنسَيْن، في دورات ومعسكرات مختلطة، لا شكَّ أنها وسيلةٌ لإشاعة الفاحشة بينهم.

7- السياسة الأمنية المتطرِّفة، حيالَ الاتجاهات الإسلامية في بعض الدول العربية، والتي لا تُفرِّق بين صالح وطالح، ولا بيْن معتدلٍ وغالٍ.

8- تسخير وسائل الإعلام والثقافة والفن كافَّة؛ لنشرِ أفكار عَبَدة الشيطان، وجعلها مستساغةً عندَ المسلمين، ومن ذلك نشْرُ وسائل الإعلام الغربية لأفلامٍ تتحدَّث عن مصَّاصي الدماء، وأشخاص ذوي قُدرات سِحريَّة؛ ليغروا الشبابَ بامتلاكها إن وجدت، مثل فيلم الغراب "the crow"، ومسلسل "بافي"، و"إنجل"، و"بلايد" و"إندر" و"ورد" وغيرها، وللأسف تساهم كثيرٌ من الفضائيات العربية في نشْر مثل تلك الأعمال.

عبدة الشيطان في الجزائر:
في تحقيقٍ أجراه الصحفي الجزائري أمين شاوش، اكْتُشِف لأوَّل مرة وجودٌ لعَبَدة الشيطان بالجزائر رسميًّا، بجامعة باب الزوار.

من تقاليدهم: اللِّباسُ الأسود للرجال، والشفَّاف للفتيات، ممارسة الجِنس في الظلام، مع إشعال شمعتين في زاويتين متقابلتين، الرَّقْص على الموسيقا الصاخبة "البلاك ميتال"، التي يؤمنون بأنَّها توصلهم إلى "نور النفس".

ومن أهم معتقداتهم: اعتقادُهم بعدم وجود الله، وأنَّ وجوده خرافة ابتدعها العقلُ البشري، وأنَّ المسؤولية الأخلاقية منتفية، كما أنَّ الشيطان يمثِّل الذكاء، والتحرُّر، والسعي الدائم نحوَ الشهرة والمال والقوة؛ لأنَّه هو الذي أخرج آدمَ مِن الجَنَّة، فهو القوي، وجميعُ أفرادها من الطبقة الغنية الراقية، الشيء الذي ساعدهم على البَذَخ والتَّرَف، والعيش في مجون.."[25].

عبدة الشيطان في تونس:
كشَفَ تقريرٌ إخباري عن وجود طائفة من عَبَدة الشيطان في تونس مكوَّنة من نحو 70 شابًّا، أغلبهم من طلبة الجامعات والمدارس الثانوية.

وأغلب أفراد هذه الطائفة يَقْطُنون العاصمةَ تونس، ويُحيطون نَشاطَهم بسِريَّة تامَّة، يجتمعون بثلاثة فضاءات سِريَّة بالعاصمة، لممارسة (طقوسهم)، المتمثِّلة في الرَّقْص على أنغام موسيقا "الهارد روك" الصاخبة، وذبْح كلاب وقطط سوداء، وشرب دمائها، وممارسة الشذوذ الجِنسي الجماعي.

وأتباع هذه الطائفة يُميِّزون أنفسَهم بوضْع عصابة سوداء عريضة على مِعْصم اليد اليُمنى، وارتداء ملابس وقُبَّعات سوداء، عليها صور لجماجم بشريَّة، وحمْل حقائب وإكسسوارات تحتوي على اللونين المفضَّلَيْن لعَبَدة الشيطان، وهما: الأحمر والأسود، ويستعملون فيما بينهم أسماءً غريبة، وأحدُ الأعضاء غيَّر اسمه من "محمد" إلى "عزرائيل"[26].

عبدة الشيطان في المملكة المغربية[27]:
القِصَّة بدأتِ الأربعاء 14 - 2 - 2007، حينما أبلغ تلاميذُ شاهدوا الحادثة، وهي تبوُّلُ مراهقين يلبسون أزياءَ غريبة، يغلب عليها الطابعُ الأسود، على المصحف الكريم داخلَ المدرسة؛ لينتشرَ الخبرُ بعدها خارجَ أسوار المدرسة وداخلَ المدينة، مما تسبَّب في انهيار أستاذة لم تتحمَّلِ الخبر، إذ شرعتْ في البكاء والصُّراخ.

وعن هذه المجموعة أضافتِ المصادر نفسُها: أنَّ أغلبها فتيات، ويبلغ عددها نحو 13 شخصًا، ويرتدون ألبسةً سوداء، ويعلق بعضهم الصلبان حولَ أعناقهم، ومعظمهم من عائلات ميسورة.

ومن خارج المدرسة، أكَّدت لـ"إسلام أون لاين.نت" مصادرُ مقرَّبة من حِزب العدالة والتنمية - فضَّلتْ عدم الكشف عن نفسها -: أنَّ الظاهرة في تنامٍ مستمرٍّ بمدينة القنيطرة، حيث تنتشر في بعض المناطِق مجموعاتٌ من المراهقين ذات لبس أسود موحَّد، ويعلقون صلبانًا وأقراطًا، ويوشمون أشكالاً غريبة على أجسادهم، وأوضحتِ المصادر نفسُها: أنَّ نشاطاتِ هذه المجموعات يلفُّها الغموض، وشدَّدتْ على أنَّ الأمر خطير، ويستلزم تكاتفَ جهود الأمن، والأُسر، والمربِّين في المدارس؛ لإعادة هؤلاء المراهقين التائهين إلى دِفء المجتمع.

واعتبر د.العلمي هذه الظاهرة: "نوعًا من التمرُّد، والرغبة في إظهار الجديد، التي تأخذ بعقول المراهقين، خاصَّة في ظلِّ وسائل الاتصال المتطوِّرة، التي أصبحتْ تميِّز العصر الحاضر".

ومتفقًا مع ما ذهب إليه د.العلمي، اعتبر الدكتور حسن قرنفل - الخبير الاجتماعي المغربي -: أنَّ انجذاب فئة من المراهقين إلى حلقات "عَبَدة الشيطان" هو "ضريبة العولَمة والتحرُّر، فالسياسة الليبرالية ليستِ اقتصاديةً فقط، بل لها انعكاساتٌ على باقي المستويات الأخلاقيَّة، والسِّياسيَّة والثقافيَّة".

ويرى د.قرنفل في تصريحات صحفية: أنَّه لكي يحافظ المجتمع على توازنه "لا بدَّ من أن تكون الأسرة مواكبةً لعملية الانفتاح، بنوع من المتابعة اليَقِظة لسلوكيات أبنائها وبناتها، لكن الملاحظ في المغرب: أنَّ تراكم الأعباء على الآباء، والتطوُّرات المتلاحقة للتكنولوجيا، تسمح للشباب بالاتصال بثقافاتٍ أخرى دون أيِّ مراقبة، أو توجيه من الآباء"[28].

عبدة الشيطان في مصر:
اشتهروا في مصر في أواخر سَنَة 1996م، وأوائل سنة 1997م، لَمَّا قبضتِ الشرطة على نحو 140 فردًا منهم، من الذُّكور والإناث، كانوا جميعًا من أولاد الطبقة الغنية، تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، وأنهم مِن خرِّيجي المدارس الأجنبية، ولا يعرفون شيئًا عن الإسلام برغم أنَّهم - في الأصل - مسلمون.

وعبادتهم للشيطان – كما ذكر هؤلاء الشباب لأساتذةِ الأزهر الذين ناقشوهم – إنما لأنَّه رمزٌ للقوة والإصرار، ولكلِّ ما هو لذيذ، وينبغي اقتناؤه وحيازته، ولم تكن أخلاقياتُ التوراة والإنجيل والقرآن، إلا لتكريس الضَّعْف، وحماية الضعفاء، وهؤلاء الأولاد يُريدون القوَّة، وأن يُشكِّلوا النظامَ التربوي من جديد، ويعيدوا النظرَ في أهداف التعليم، ويُقيموا العلاقات بين الناس وَفقَ مذهب اللذَّة والمنفعة، ويُقنِّنوا للحرْب التي هدفها الاستعلاء والاستكبار، وسيادة الجِنس الأقوى، والفرْد الأقوى.

وهؤلاء الجماعة ليسوا ناديًا ليليًّا، أو مضحكة يلهو بها الضاحكون، وإنما هم مجتمع رِسالة، هدفُهم تحصيل البديل للدافع الدِّيني المعاصر، بأن تكونَ لهم القوة الشيطانية، والقدرات الشيطانية، والذكاء الشيطاني.

وواضحٌ من أقوال معلِّمي الجماعة الذين ناقشهم علماءُ الأزهر: أنهم يعتبرون عبادةَ الشيطان هي الموضة الجديدة، أو صرعة التسعينيات، مثلَّما كانتِ "الوجودية" صرعة الخمسينيات، و"الهيبيز" صرعة السبعينيات.

ويؤكِّد معلِّمو الجماعة في مصر: أنَّ عبدة الشيطان ليسوا من الخاملين، فهم موهوبون ومبدِعون، وليسوا منحرِفين، ولكنَّهم يمارسون الحياةَ من غير قيود الأخلاقيِّين، وعبدة الشيطان في مصر يستمدُّون أفكارهم كذلك من كتاب "الإنجيل الأسود"، المطبوع في إسرائيل خِصِّيصًا لبلاد الإسلام، وكانتْ أول مجموعة تم القبض عليها من المتردِّدين على منفذ طابا.

يردُّ الدكتور مصطفى الشكعة حركةَ عبدة الشيطان إلى شكلية تدريس الدِّين في المدارس الإسلامية، ويَزيد ذلك دراسةُ طلبة الجامعات لموادَّ تدعو إلى الغُرْبة الدينية؛ ولذلك يتخرَّج الكثيرون وقد تعرَّوْا من كلِّ ثوْب ديني.

ويقول الدكتور عبدالبديع عبدالعزيز: إنَّ قضية مثل عَبَدة الشيطان لا تنشأ في مجتمع جادٍّ تَميَّز بالقيم الدينية، ولكنَّها تظهر في طبقة المترفين، ذوي الخواء الفِكري، والضحالة الدِّينيَّة، فعلى الرغم من الوفْرَة المادية وملذَّاتها الحِسية، نجد الشابَّ متخلفًا رُوحيًّا، يبحث عن أيِّ معبود من دون الله، وقد ثَبَت الآن أنَّ الإيمان فطري، وأنَّ الشباب في حاجة للإيمان، وقد تهيَّأتْ لشبابنا الأفكارُ الشيطانية دون غيرها، فصاروا شيطانيِّين.

يقول الدكتور عادل الأشول: إنَّ هذه الدعوى لم تَجِد صدًى إلا عند الشباب في سِنِّ المراهقة، ومعروف أنَّ مرحلة المراهقة بمثابة ميلاد جديد، وفترة تمرُّد وعصيان، وتكوين هُويَّة، ووسائل الإعلام عليها العبءُ الأكبر في التأثير على أبنائنا في سِنِّ المراهقة.

ويقول الدكتور أحمد زايد: إنَّ عَبَدة الشيطان إحدى صُور الانحراف، أفرزتْها موضةُ الثقافة الاستهلاكية، وكان ظهورها بين أبناء الطبقة المترَفة، الذين هم أكثر انفتاحًا على نمط الثقافة الاستهلاكيَّة.

ويقول الدكتور عطية القُوصي: إنَّ هذه الحركات ظهر مثلُها في العصْر العباسي الأوَّل، ولُوحِظ ارتباطها منذ البداية بالمجوسية والزرادشتية، وتمثَّلت في حركة المقنعة والخرمية، وتبنت أفكار الزندقة، التي راجتْ آنذاك على يدِ الفُرْس، ابتداءً من حُكم الخليفة أبي جعفر المنصور، حتى عصر الخليفة المأمون، وهي حركات هدَّامة، قصد بها الفُرْس هدمَ الدِّين الإسلامي، وتقويضَ المجتمع، ولكنَّها دعتْ إلى أن ينغمسَ الناس في الملذَّات والشهوات بلا ضابط، وإسقاط الفرائض، وعَبَدة الشيطان حركةٌ كغيرها من الحركات الإلحاديَّة في الإسلام، ومثيلتها قديمًا حركة الصابئة، وهم عَبَدة الشيطان في منطقة حرَّان بشمال العراق، ولَمَّا زارهم الخليفة المأمون، وجدَهم قد أطالوا لحاهم وشعورهم وأظافرهم، وكان هؤلاء أوَّلَ إعلان لعَبَدة الشيطان في التاريخ سنه 170 هـ.

وقد نبَّهتْ وسائلُ الإعلام إلى بعض غرائب هذه الجماعة في مصر، ومنها: مسألة نبش القبور السابق ذِكْرُها، فعادة ما يذهبون نهارًا إلى المقابر، خاصَّة مقابر الكومنولث بمصر الجديدة، ويقومون بالنبش، والبحْث عن جُثث الموتى، ويتراقص كبيرُهم فوقَ الجُثَّة التي يعثرون عليها، وغالبًا ما يُفضِّلون الجثث حديثةَ الوفاة، ويذبحون القطط باعتبار نفوسها من الشيطان، كما في الفولكلور المصري، ويشربون من دمائها، ويُلطِّخون أجسادهم ووجوههم بها، ثم يذهبون إلى الصحراء؛ ليعيشوا فيها أيَّامًا لا يضيئون شمعة، وإنما يَحْيَوْن في الظلام، وعلامتهم بينهم رَفْع إصبعين رمز الشيطان، وتلك الإشارة هي السلام فيما بينهم[29].

وقيل في تبرير نبش القبور والمبيت في الجبَّانات: إنه لتقسية قلوبهم، ولمعاينة العَدَم، والشعور به محسوسًا، والتدريب على ممارسة القَتْل دون أن تَطْرِف لهم عَيْن.

وقيل عن تلطيخ اليدين والجِسم بالدم: إنَّه ليكون العضو دمويًّا، عنيفًا لا يخشى الموت، ولا يرهب القَتْل، ويأبى الخضوعَ لأحد، ويزيد إحساسه بالقوَّة.

ومِن علامات الإناث عابدات الشيطان: طلاء الأظافر والشفاه باللَّوْن الأسود، وارتداء الملابس المطبوع عليها نقوشُ الشيطان، والمقابر والموت، والتزيُّن بالحُليِّ الفِضية، ذات الأشكال غير المألوفة، التي تعبِّر عن أفكارهم، مثل الجماجم، ورؤوس الكباش، وتخزين شرائط كاسيت مسجلٍ عليها أغانٍ فيها ازدراء للدِّين.

وأكَّدت التحقيقات: أنَّ أفراد الجماعة يبلغ في مصر "2000" عضو، منهم مذيعات، وأبناء فنانين وموسيقيِّين كبار، وتبيَّن أنَّ هناك محلاَّت متخصِّصة في ملابس عَبَدة الشيطان، وفي موسيقاهم، وأندية خاصَّة، ومطاعم تستقبلهم وتخصُّهم.

ويقول فهمي هويدي: إنَّ من أسباب سقوط الشباب المصري المسلِم: غياب المشروع الوطني الذي يستثير حماسَ الشباب، والفراغ الشديد الذي يُعانون منه، والجدب السياسي، وانعدام النشاط الطُّلاَّبي والتربية في المدارس، وتدهور الثقافة الدِّينيَّة، وتغيير منظومة القِيَم في المجتمع، وصدارة قِيَم الوجاهة، و(الفهلوة) والثراء والكسب السريع، واشتداد حملة التغريب، والإصرار على هَتْك الهُويَّة، واقتلاع الجذور، والانقطاع عن الأصول، وتخبُّط الخطاب الإعلامي، واجتراء البعض على المقدَّس، والتركيز على الأمْن السياسي دون الأمْن الاجتماعي، وتأثيرات الوجه السلبي لثورة الاتصال.

وفي رأي الدكتور عبد الوهاب المسيري: أنَّ إبليس في عبادة الشيطان، ليس كائنًا له قرون وذيل، وإنما هو يتمثَّل في فكرة إنكار الحدود، وإعلان الذات والإرادة، وهي فِكرةٌ محورية في الحداثة الغربية، ظهرتْ في الرؤية الداروينيَّة الاجتماعيَّة، وفلسفة نيتشه، التي تهاجم العطفَ والمحبَّة، والعدلَ والمساواة، باعتبارها أخلاقَ الضعفاء، والعالَم في منظورها ليس سوى خلية صِراع، لا يوجد فيه عدلٌ أو ظلم، وإنما فقط قوَّة وضَعْف، ونصْر وهزيمة، والبقاء ليس للأفضل، وإنما للأصلح مِن منظور مادي؛ أي: للأقوى.

وإذًا، فهناك مطلَق واحد، هو إرادةُ الإنسان البطل القوي المنتصر؛ الإنسان المتألِّه؛ أي: الشيطان بالمعنى الفلسفي، وعبادة الشيطان من أنماط الغنوص، أو العرفان الفلسفي، الذي يُعجِب الذين يُعانون الفراغ الرُّوحي، والفلسفي والنفسي، والعبادة الإبليسية هي عبادةُ الذات، وهي قَبول النسبي، والغَوْص فيه دون بحْث عن ثوابت، وهي ميتافيزيقا كاملة، ولكنَّها متجسِّمة في المادة داخلَ الطبيعة والزمان، فهي عبادةٌ لشيء حقيقي ملموس، وهذا هو جوهَر العبادات الجديدة، التي تجعل الإله ماديًّا يمكن الإمساكُ به، ومِن ثَمَّة فهي وثنية جديدة، كما أنَّ الإيمان هنا لا يُحمِّل الإنسان أية أعباء أخلاقية، فهو لا يضطر لكبح جماح ذاته، وإنما يطلب منه أن يُطلقَ لها العِنان.

ولذلك، فليس غريبًا أن تأخذ هذه العبادة شكلَ ممارسات جِنسيَّة، فهي تعبيرٌ عن تمجيد الذات، وتعظيم اللذَّة، ورفض المعايير الاجتماعيَّة، كما أنَّها تعبيرٌ عن فلسفة القوة والإرادة، وهي القِيَم السائدة حاليًّا.

وذكر المفتي الدكتور نصر فريد: أنَّ عبدة الشيطان مرتدُّون عن الدين؛ ونظرًا لحداثة سِنِّهم يجب استتابتهم، فإن رجعوا عن أفكارهم الفاسدة يمكن العفوُ عنهم، وإن أصرُّوا على الانحراف يُنفَّذ فيهم حُكمُ الشَّرْع.

عبدة الشيطان في لبنان[30]:
وُزِّعت على منطقة الصرفند في قضاء صيدا جنوب لبنان بياناتٌ، ووصلت "العربية.نت" نسخةٌ منها، وحمل البيان شعار: عباد الشياطين، هو عبارة عن (666، وصليب مقلوب).

وأوضح الصحفيُّ اللبناني هيثم زعيتر لـ"العربية.نت": أنَّ البيان تمَّ توزيعه في بلدة الصرفند التي تتبع قضاء صيدا، وتبعد حوالي 15 كم عن مركز القضاء.

وعن ظهور عَبَدة الشيطان في الجنوب، يقول زعيتر: "سابقًا عندما برزتْ قضية عبادة الشيطان في لبنان، لم تلحظْ في الجنوب بشكل فعَّال، وكانت تتوفر أخبار عن وجودهم في الكهوف والمقابر، خصوصًا المقابر المهجورة، فكان يتمُّ التأكُّدُ من هذه الأماكن، فيتبيَّن أنَّ بعض الأشخاص يمضون سهرة، ويتناولون المشروبات، وتم توقيفُ بعض الأشخاص في منطقة صور، وتبيَّن أنَّهم لا علاقة لهم بهذا الموضوع.

وسُجِّلت أكثر من حالة وفاة في السابق بسبب ظاهرة عبادة الشيطان، منها: انتحارُ نجل أحد ضبَّاط الجيش اللبناني، وتبيَّن لاحقًا أنه كان على صِلة بعَبَدَة الشيطان، حيث طلبوا منه تنفيذَ الأمر بالانتحار؛ ليكونَ قربانًا وشفاعةً له، ولكن لم يثبت حتى الآن وجودُ تنظيم لعَبَدة الشياطين، أو أعداد كبيرة منهم.

ومن طقوس هؤلاء: شُرْب الدماء، وممارسة الجِنس، والدعارة، ولكن حتى في المناطِق الإسلامية والنصرانية في الجنوب هناك حالةُ وعي ديني، وحالة فريدة للتعايُش الإسلامي النصراني في الجنوب، وفرصة ظهور هؤلاء ضعيفة.

وظاهرة عَبَدة الشيطان ظهرتْ في لبنان عن طريق بعض المغترِبين، الذين عادوا إلى بلدهم، وجلبوا هذه العاداتِ، وهي حالات غربية، تسعى لبثِّ السموم عبرَ أجيال الشباب، وخاصَّة مع وجود أجيال يمكن أن تَنساقَ حولَ مثل هذه الأمور".

ويؤكِّد تفاقمَ وانتشار ظاهرة عَبَدة الشيطان في لبنان تقاريرُ صحافية نَقَلتْ عن وزير الداخلية اللبناني الأسبق إلياس المر اعترافَه "بوجود جماعات تمارس شعائرَ في القبور، وبتوقيف 50 مشبوهًا، ضمنهم شخص ضُبِطتْ في منزله زجاجةٌ فيها أفعى ميتة، ومجسَّم لمدفن، عليه صورة هذا الشاب، وصور ورموز شيطانية، وجمجمة لبقرة مغروز في قرنيها الدبابيس، وجمجمة بشرية، ورأس شيطان، واغتصاب جُثَّة فتاة في المتن".

ونشرت جماعاتٌ إسلاميَّة لبنانية تقاريرَ، مفادها: أنَّ حالات الانتحار في لبنان كثرُتْ، بين من ينتمي أصحابها إلى أُسر معروفة، ومدارس مشهورة، دون معرفة السبب في ذلك؛ لأنَّ الخيار كان التكتُّم؛ خوفًا من الفضيحة، وتشويه السمعة".

وذكرت "القبس" الكويتية مؤخَّرًا: أن هذه الظاهرة بدأت في لبنان عام 1992، وكان أوَّل المنتحرين (م. ج - 14 سنة)، وقد بعث برسالة إلى صديقه، طالبًا منه دفنَ أشرطة "الروك إند رول"، التي كان مولعًا بها معه، ثم توالتْ بعدها حوادث الانتحار المماثلة، حتى بلغتْ بحسب التقارير الأمنية 11 حالة.

عبدة الشيطان في الأردن[31]:
ظهرتْ مشكلةُ عَبَدةِ الشيطان في الأردن في منتصف التسعينيات، وقد حاولتِ السلطات آنذاك التقليلَ من حجمها، إلى أنْ قبضت على مجموعة منهم في شهر سبتمبر/ أيلول سنة 2002، في إحدى قاعات الاحتفال في منطقة عبدون الراقية في عمَّان، وهم يُمارسون طقوسًا غريبة، ويرتدون ملابسَ فاضحة، ويتقلَّدون بسلاسل من ذَهَب، ويرقصون بطريقةٍ مثيرة، على أنغام موسيقا غربية صاخِبة.

وأعلنتْ دائرةُ المطبوعات والنشْر عن مصادرة نحو ألْف شريط فيديو، ومئات أقراص الكمبيوتر.

وكانت قد شهدتْ بعضُ الجامعات الخاصَّة تجمعاتٍ لهؤلاء الشباب والفتيات، مما سبَّب بعض الصدامات مع الطلاَّب والمدرِّسين، وقد تكرَّر في بعض الجامعات حوادث تلويث المصليات بالقاذورات، وهو ما حَدَث أيضًا في مسجد زيد بن حارثة بمنطقة الجَبَل الأخضر في مدينة عمان.

عبدة الشيطان في البحرين:
نقلتْ وكالة "يو بي آي" عن صحيفة الوطن السعودية في 12/ 4/ 2005: أنَّ السلطاتِ البحرينية على وشكِ القبض على رئيس تجمُّع عَبَدة الشيطان في البحرين، بعدَ حصولها على معلومات عنه، عقبَ اكتشافها حفلاتٍ للشواذِّ في أحدِ فنادق العاصمة "المنامة".

ونقلت الصحيفة عن طالب في المرحلة المتوسِّطة: أنَّه تلقَّى دعوة إلى الحضور من جماعة مجهولة، نظَّمت 3 لقاءات منذ العام الماضي، في حين تجاوز أعداد الحضور 150 شخصًا من عَبَدة الشيطان، غالبيتهم تقلُّ أعمارهم عن 15 عامًا.

وأشار عضو بمجلس الأمة البحريني، إلى أنَّ حفلات الشواذ التي تُقام في العاصمة يحضرها شواذُّ قَدِموا من دول خليجية أخرى[32].

ختام القول:
إنَّ ظاهرة عبدة الشيطان داءٌ لا ينبغي الاستهانةُ به، أو الرَّمْي بالأبحاث الجارية حولَهم في (سلاَّت المهملات)؛ بدعوى أنها شطحات مراهِقة لا غير، فالفتى سيشبُّ ويصير رجلاً، وما ميَّز هؤلاء المراهقين أنَّ جُلَّهم من عِلية القوم، بل بعضهم من أبناء الملأ الحاكم، وخلال سنوات، يكون البعض منهم في مراكز الأمْر والنهي، والحل والعقد، ويجتمع عليهم خلقٌ بين طامح وطامع، فلا ينفع ندمٌ يومَها، وننادي حين لا يُجدي النداء.

فعلى الدُّعاة ليس التحذير من عَبَدة الشيطان، أو أفكارهم فحسب، بل عليهم محاربة خُطواتِهم الدعوية، التي تتفشَّى بين المراهقين، من الموسيقا الصاخبة، وخاصة "البلاك ميتال"، ودعوة المسؤولين لمنعها؛ لأنَّها ليست طنينًا تصدع به الرؤوس، بل هي فلسفة فِكريَّة، مبنية على دراسات نفسيَّة حولَ مدى تأثير الإيقاع الصاخِب على تركيز الدماغ وتخديره للعقل.

وعلى الدُّعاة: التحذير من قصَّات الشَّعْر الغريبة، والوشْم، ووضع الأقراط، وإشارات عَبَدة الشيطان.

وعلى الدعاة: النفير بالمعلِّمين والمؤدِّبين لتعليم الأطفالِ أصولَ العقائد، وتنبيه الأولياء أنَّ فلذات أكبادهم ليسوا بهائمَ، يخرج الأب يكدُّ ليعلفَهم، بل هم كائناتٌ حسَّاسة، لها مشاعرُ تتعاظم خطورتها حالَ المراهقة، فإن لم يجد الابنُ الأب، أو الأخَ الأكبر المرشد له، المستوعِبَ لهمومه فلمَن يشكو؟! بالطبع لأولاد مثله، وأعْمى يسترشد بأعمى، هل سيهديه الطريق؟!، والأمر متفاقِم مع البنات، فالأمُّ في عالَمها، والبنت في تِيه، وإن كان عَرين البيت بلا أسد، فللضِّباع أن تستأسد، وجُلُّ الفتيات مِن عَبَدة الشيطان في الدول العربية، ممَّن لا رقيب عليهنَّ.

ولذا؛ فعلى الجمعيات الدعوية أن تُكثِّف نشاطها، لا بأن تنتظر الطارق الحيران! بل تسعى نحوَهم؛ لأنَّهم لا يَدْرُون على من يطرقون أولاً، وزاد الزخم الإعلامي المضلِّل للقنوات الوطنية والإباحيَّة، والتي تُسمَّى فنية!! فما يتكلَّمون عن أهل الاستقامة والتديُّن، إلا غَمَزُوهم ولمزوهم، ولا يظهرونهم على الشاشة إلاَّ في صورة مغفَّل، لا يدري ما حولَه، أو خبيث طامع، منافق مستغل للغَيْر، وقاموا، فقالوا: لا سياسةَ في الدِّين، ولا دِينَ في السياسة، بل الأجدر بهم أن يُعلنوها صراحةً: لا حياة في الدِّين، ولا دِينَ في الحياة.

فعلى المُتْرَفين أن يعوا أنَّ مصائبَ ذريتهم إنما هي بسبب إهمالهم وتَرَفِهم، وبُعْدهم عن الدِّين، فعليهم تقويم أنفسِهم، وتقويم سفهائهم من ذويهم، أو على الدولة تأديبهم وتأديب أوليائهم؛ لأنَّ الدابة إن أفسدتْ زَرْعَ قوم، فالوِزر على مالكها، فكيف يُطلِق هؤلاء لأولادهم العِنان، ويوصونهم: كُلوا واشربوا، فإنَّ موعدكم الجِنان، ولا يقربنَّكم كائن مَن كان، فأنت ابنُ فلان، وصاحبك ابن علان؟!

كما على المطَّلعين على نشاط هؤلاء تنبيهُ السلطات الأمنية، فسكوته لن يَحميَه مِن شرِّهم، لا هو، ولا بنوه، ولا أقاربه، فإنَّ أولئك لا يرحمون الرُّضَّع، ولا الشيوخ الرُّكَّع.

وعلى السلطات منعُ تداول أقراص عَبَدة الشيطان، من أفلامهم إلى موسيقاهم، إلى أزيائهم، ومتابعة كتبهم وأفكارهم، والحذر مِن تسرُّبِها، فكما أنَّ للدولة مخابراتٍ أمنية، فعليها تحريك المخابرات الفِكريَّة والعقدية، فإنَّ خطر هؤلاء يمسُّ الأمن القومي، إذ لا ولاءَ عندهم لأوطانهم، ولا لبني جلدتهم، وفِكرُهم لو شاع سيهدِّد الأمنَ الاجتماعي والأُسري، فما لهؤلاء القوم لا يَفْقهون حديثًا؟!

والسلامُ على مَن اتَّبع الإسلام، وشريعةَ خيْر الأنام - صلَّى الله عليه وسلَّم - وعلى آله وصحبه الأطهار الكرام.
--------------------------------------
[1] الطوطمية: مصطلح لعالِم الاجتماع اليهودي دوركايم، ويُراد به: الرموز الدينية المجسَّمة، كالأصنام والصور.
[2] ***** في التوراة والعهد القديم، شفيق مقار، ص: 29.
[3] أشهر ماركة مسحوق تنظيف في الجزائر.
[4] ديانة قدماء المصريين، استيندرف؛ ترجمة: سليم حسن، (ص: 83 - 86).
[5] وقد اختلف فيهما، هل هُمَا مَلَكان أم لا؟ وإن كانَا مَلَكين، هل التعليم من باب النَّهْي، أم الاختبار؟ أما رواية تحول المَلَكين إلى بشرين، وفِتنة امرأة لهما، وتحولها إلى كوكب الزهراء، فقد ضعَّفها غيرُ واحد من أهل الحديث والتفسير، والله أعلم.
[6] وهذا ما نراه في زماننا ممَّن يتقرَّبون (للأولياء) الأسياد، فلكلِّ "ولي سيد" عندهم (حكمة)، و(سر)!!
فهنالك المختص بالزواج، وله طقوسه، وهناك المختص بالإنجاب، وله قُرْبانه، وهنالك كاشف الكُرَب، ومعالج السِّحْر، والشافي من جميع الأمراض، بل هنالك أولياءُ، لكلِّ واحد منهم اختصاص بشفاء مرض معيَّن، باستعمال تراب قبرِه!! ولله في خلقه شؤون.
وقد يظن البعض بأنَّ هذا من فِعْل كبار السِّنِّ الذين خَرِفتْ عقولهم، لا والله؛ بل أعرف من أقاربي خريجَ جامعة، بل دكتورًا، وزوجته معها ليسانس، ولَمَّا لم يُرزقَا بالأولاد في سَنَة زواجهما الأولى توجَّها إلى قبر (ولي)، وتقرَّبا له، واستعملاَ ترابه، وأظنه (الولي) مختصًّا في أمراض النساء!
ولما ناقشتُهما وأعياهما الجدلُ والمراء، قالت زوجته بأنه: "اكتشف علميًّا أن في مكونات تراب الولي موادُّ شافية"، أجَلْ، علميًّا!!
دراسة أربع سنين للعلوم الشرعيَّة راحتْ في (كمشة) تراب، ولا حولَ ولا قوَّة إلا بالله.
[7] التاريخ الذي تعنيه الأرقام المحفورة على قاعدة الهرم في ورقة الدولار بالحَرْف الروماني (MOCCLXXVI) تعني 1776، وهو نفسه تاريخ إعلان بدأ المنظَّمة النورانية تنفيذ مخططاتها، وليس تاريخ إعلان وثيقة الاستقلال الأمريكي.
[8] أرشيف ملتقى أهل الحديث، - 3 - ج20، ص: 406.
[9] أرشيف ملتقى أهل الحديث - 3 - ج20، ص 413.
[10] موسوعة الأديان الميسَّرة، ص: 323 - 324.
[11] عبدة الشيطان، الباش، ص: 58.
[12] عبدة الشيطان المعاصرون - التعريف والأفكار، موسوعة الرد على المذاهب الفكرية المعاصرة، (1/29).
[13] وكالة رويترز 23/ 3/ 2005.
[14] يؤكِّد العلامة إحسان إلهي: أنَّ أصل التصوُّف شيعي فارسي، وليس من السُّنة أو العرب، وقولُه يُسنده بعضُ الحقائق التاريخية، من كون أوائل الصوفية من بلاد العراق، وكانوا مجاورين للنصارى، والمتعمِّق في التصوف يلاحظ التقاربَ مع المعتقدات الفارسية الرُّوحانية والهندوسية.
[15] هو الشيخ عدي بن مسافر بن إسماعيل بن موسى بن مرْوان بن الحسن بن مرْوان، الهكاري مسكنًا، (الأُموي نَسبًا)، العبد الصالح المشهور، الذي تنتسب إليه الطائفةُ العدوية، سار ذكْرُه في الآفاق، واتبعه خلق عظيم، وجاوزوا حسنَ اعتقادهم فيه، حتى جعلوه قبلتَهم التي يُصلُّون إليها، وذخيرتهم في الآخرة التي يعولون عليها، توفِّي سنة سبع، وقيل خمس وخمسين وخمسمائة في بلدة الهكارية، ودُفِن بزاويته؛ وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، أحمد بن خلكان (1/ 316).
[16] الفتاوى الكبرى، ابن تيمية (1/338).
[17] الحال: هو الطين والحمأة، واعتاد اليزيديُّون أكْلَ التراب الناعم من تربة قبْر الشيخ عدي تبركًا، ويسمونه "براتًا"، كما يأكل بعض الشيعة الطين المجلوب من تربة الحسين، ويسمونها "تربة الشفاء" للتبرُّك.
[18] نقلاً عن "دراسات في الفرق والمذاهب المعاصرة" عبدالله الأمين (ص: 268 - 269).
- النص يثبت تسميتهم باليزيدية بعدَ فترة من وفاة شيخ الطريقة، ويبيِّن أحد أسباب التسمية.
[19] قلائد الجواهر (ص: 110).
[20] أصول الاعتقاد لدَى اليزيدية؛ مجلة الراصد 1 - 51.
[21] عبادة الشيطان بين الحقيقة والخيال، خالد غسان، الرأي 21/ 7/ 2005.
- عبادة الشيطان والاقتراب من الإثم، صالح الشورة، الغد 24/ 6/ 2005.
[22] إظهار الحق في الأديان والفِرق، محمد مختار المفتي (ص: 177).
- عبدة الشيطان وحركات انحرافيَّة أخرى، حسن الباش (ص: 75).
[23] مجلة الراصد: العدد 1، ص: 51.
[24] الشيطان - خطواته وغايته، وائل بشير، ص: 71.
[25] عَبَدة الشيطان يَعْبُرون الحدود المغربية إلى الجزائر بدَعْم من جمعية فرنسية، أمين شاوش، موقع جريدة النهار الجديد.
[26] عبدة الشيطان يظهرون في تونس، مراد حمادي، مدونات مكتوب.
[27] إسلام أون لاين.نت، عبدة الشيطان يُعَرْبِدون في القنيطرة المغربية: أحمد حموش.
[28] فرق ومذاهب، عبدة الشيطان، مجلة الراصد الإسلامية: العدد الحادي والثلاثون - غُرة محرَّم 1427هـ، (ص: 7 -21).
-أخبار الحوادث المصرية 17/ 5/ 2001.
- إظهار الحق في الأديان والفرق، محمد مختار المفتي (ص: 175 -180).
[29] وذاك برفْع البنصر والسبَّابة، وضم الخِنصر والأوسط مع الإبهام لتشكيل دائرة، وهذا الرمز مشهورٌ بين جماعات "الروك".
[30] صور عَبَدة الشيطان، الظاهرة جديدة، العربية نت.
[31] أتباع عبدة الشيطان ينتقلون من مصر إلى الأردن، أحمد هريدي محمد، مجلة الراصد، العدد 1، ص: 51.
[32] صحيفة الوسط البحرينية 15/ 4/ 2005.



---------------------
رد مع اقتباس
  #58  
قديم 04-19-2016, 07:15 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 19,356
ورقة الأشاعرة والصوفية.. ارتباط قديم غريب!

الأشاعرة والصوفية.. ارتباط قديم غريب!*
ـــــــــــــــــــــ

12 / 7 / 1437 هــ
19 / 4 / 2016 م
ــــــــــ







من أعجب العلاقات والتلازمات الفكرية على مستوى الفكر الإسلامي أن نجد ارتباطا غريبا بين غالبية أصحاب المذهب الأشعري الذي يعارض النقلَ بالعقلِ بل ويعطي العقلَ مكانةً أكبرَ أمامَ النصِّ أن نجدهم مرتبطين بالأفكار الصوفية التي تحقِّرُ العقلَ والنقل معا وتغيّبهما أمام الخرافاتِ والأوهامِ والمناماتِ, فلا تدري بأي عقل ومنطق يمكن لرجل واحد أن يجمع بين الفكرتين معا؟! ويدافع عنهما دفاع المستميت؟! وكيف أصبح المنهجان المتعارضان يبدوان وكأنهما مذهبا واحدا؟! فيقال عن أحدهم أنه اشعري العقيدة صوفي السلوك, فصار هذا الاندماج قويا جداً، وملفتا للنظر!
كيف يمكن الجمع بين من يجيب على سؤال: أين الله؟ فيقول الصوفي: في كل مكان، وفي كل شيء! بينما سيستنكر الأشعري السؤال أصلا، كما قال بذلك أبو إسحاق الشيرازي صاحب الإشارة إلى مذهب أهل الحق!
ولم يكن التصوف مرحلة انحراف يمر بها أبناء المذهب الأشعري، بل إن التلازم بينهما ظهر منذ عهد بعيد منذ بدايات ظهور المذهب الأشعري في العقيدة الإسلامية، أي منذ أبي الحسن الأشعري -رحمه الله؛ في الفترة التي كان يقول بآرائه التي عاد عنها في المرحلة التي لا يعترف بها الأشاعرة والصوفية معا.
وجمع الفقيه الصوفي عبدالواحد بن عاشر[1]، في مقدمة أرجوزته الشهيرة بين عقيدة الأشاعرة وفقه المالكية وصوفية الجنيد, فقال:
وبعد.. فالعــــــون من الله المجيـد في نظم أبيات للأمي تفيـد
في عَقْدِ الأشعري وفقه مالك وفي طَـــريقَةِ الجُنَيدِ السَّالِـكِ[2].
فلم يكن هذا الدمج والارتباط وهما أو افتراء, بل نشأ عليه الكثيرون من صوفية المشرق والمغرب بأشعرية العقيدة. فيقول الدكتور عبدالرحمن المحمود -في معرض كلامه عن الغزالي، تحت عنوان (تصوف الغزالي وفلسفته): "بقدر اشتهار الغزالي بأشعريته، اشتهر بتصوفه، ولذلك فهو يمثل مرحلة خطيرة من مراحل امتزاج التصوف بالمذهب الأشعري، حتى كاد أن يكون جزءاً منه"[3]. ويقول فضيلته عن علم آخر من أعلام الصوفية، وأسلاف الأشاعرة، وهو الحارث المحاسبي، فيقول -تحت عنوان (التصوف عند المحاسبي): "أما الجانب الأول فقد كان المحاسبي أحد رواده الكبار، الذين كونوا مدرسة كبرى ربطت بين الكلام والتصوف فيما بعد, وهذا من أبرز ما طرأ على المذهب الأشعري من تطور"[4].
وهذا يؤكد مدى التناقض عند الأشاعرة المتصوفة، حيث يجمعون بين علم الكلام الفلسفي والتصوف, فهم يعولون على العقل في كثير من مباحث أصول الدين، حتى أنهم يقدمونه على النصوص، ثم في الوقت نفسه يعولون على الكشوفات والمشاهدات الصوفية عندهم أو عند أشياخهم.
وبداية هذا الارتباط بين الأشاعرة والصوفية تظهر عند شيخ المذهب أبي الحسن الأشعري في المرحلة التي سبقت توبته ورجوعه إلى مذهب السلف؛ وهي المرحلة التي لا يعترف الأشاعرة بسواها، ولا يقتدون به في غيرها؛ فكان فيها أبو الحسن مريدًا من مريدي الصوفية متتلمذًا على الجنيد.
ويؤكد ذلك ما جاء في نونية ابن السبكي صاحب (الطبقات)، وهو أشعري فبدأها:
وأتى أبو الحسن الإمام الأشعري مبينًا للحق أي بيان
ومناضلًا عمَّا عليه أولئك الأ..... سلاف بالتحرير والإتقان
يقفو طرائقهم ويتبع حارثًا أعني محاسب نفسه بوزان[5]
فلقد تلقى حسن منهجه عن الأ.... شياخ أهل الدين والعرفان
فلذاك تلقاه لأهل الله ينـصر قولهم بمهندٍ وسنان
وبعد أن ذكر عددا كبيرا من رموز الصوفية ثم قال:
وكذاك أصحاب الطريقة بعده ضبطوا عقائده بكل عنان
وتتلمذ الشبلي بين يديه وابـن خفيف والثقفي والكتاني
وخلائق كثروا فلا أحصيهم وربوا على الياقوت والمرجان
الكل معتقدون أن إلهنا متوحد فرد قديم داني
حيٌ عليمٌ قادرٌ متكلمٌ عالٍ ولا نعني علو مكان!
ثم استمر السبكي في ذكر ما يدين به الأشاعرة من عقيدة، ليؤكد أنها كانت عقيدة هؤلاء جميعا، وأن الصلة بين التصوف والأشاعرة[6].
المرحلة الثانية من الارتباط كانت على عهد التلميذ الأكبر لأبي الحسن الأشعري، وهو أبو الحسن الباهلي، الذي قام هو وأبو عبدالله بن مجاهد بالجهد الأكبر في نشر المذهب الأشعري. فكان للباهلي أحوال صوفية عجيبة وغريبة، لا تستقيم مع أشعريته التي يقدم فيها العقل. فذكر ابن عساكر في كتاب (تبيين كذب المفتري على الإمام الأشعري)، وذكره ابن السبكي كذلك عن أحوال الباهلي، أنه كان يتحجب عن الرجال، وحتى عن نساء بيته، وتظهر عليه خبالات الصوفية!
يقول عنه تلميذه القاضي أبو بكر الباقلاني: "كنت أنا وأبو إسحاق الإسفرائيني وابن فورك معًا في درس الشيخ الباهلي، وكان يدرس لنا في كل جمعة مرةً واحدةً، وكان منا في حجاب يرخي الستر بيننا وبينه، كي لا نراه، وكان من شدة اشتغاله بالله مثل والهٍ أو مجنون! لم يكن يعرف مبلغ درسنا حتى نذكره ذلك". وقال أبو الفضل محمد بن علي الصعلكي: "كان الباهلي يُسأل عن سبب النقاب، إرساله الحجاب بينه وبين هؤلاء الثلاثة، كاحتجابه عن الكل، فإنه كان يحتجب عن كل واحد؟ فأجاب: إنهم يرون السوقة وهم أهل الغفلة، فيروني بالعين التي يرون أولئك بها"!, قال: "وكانت له أيضًا جارية تخدمه، فكان حالها أيضًا معه كحال غيرها من الحجاب، إرخاء الستر بينه وبينها"[7].
فهذا هو شيخ الأشاعرة الثاني الذي نشر المذهب وفلسفته, فهذا كان حاله مع الناس من وضع النقاب على وجهه، وكيف تبريره له رغم أنه يعلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم، وأصحابه –رضوان الله عليهم، كانوا يرون الكفار ويتعاملون معهم بيعا وشراء وجوارا ودعوة إلى الإسلام, بل كانوا يرون الأصنام بأعينهم؟!
أسس المرحلة الثالثة أبو علي الدقاق, الذي أخذ الأشعرية عن الباهلي، وابن مجاهد، وتتلمذ في صوفيته على يد الصوفي المشهور أبو القاسم القشيري، صاحب المصنفات الصوفية المشهورة؛ وتتلمذ أيضا على يد أبي عبدالرحمن السلمي الذي نقض شيخ الإسلام كتابه (الرسالة) بكتاب (الاستقامة).
وقد دافع الصوفية عن الأشاعرة حينما تعرض الأشاعرة للعن من فوق المنابر أيام حكم السلاجقة، مثلهم مثل سائر المبتدعة[8]. فكتب القشيري الصوفي رسالة (شكاية أهل السنة بحكاية ما نالهم من المحنة). وهي رسالة لها قدرها عند الأشاعرة الغابرين والمعاصرين[9]؛ وأصبح أبو نصر ابن الصوفي القشيري زعيما للأشاعرة في عصره، وهو صاحب الفتنة التاريخية المشهورة بفتنة ابن القشيري، بين الأشاعرة وأهل السنة[10].
أما المرحلة الأهم في ارتباط الصوفية بالأشاعرة فكانت على يد أبي حامد الغزالي
فقد أوجد أبو حامد الغزالي -الذي لا يشك في انتمائه الأشعريٌّ والصوفيٌّ- اتجاها جديدا خلط فيه الصوفية بعلم الكلام؛ فجاء خليطا من التجهم والباطنية والتصوف والكلام، وامتلأ كتابه (الإحياء) بكلمات من سبقه من الصوفية؛ مثل المحاسبي، وأبي طالب المكي، والسلمي، والقشيري، وغيرهم؛ وامتلاء تفسير الرازي بشطحات صوفية (الإحياء) مع غلو في الكلام والعقليات, وكما قال الكوثري: إنه "على يد الغزالي انتشر المذهب الأشعري انتشارًا كبيرًا"[11].
وفي (الإحياء) كتب أبو حامد "قواعد العقائد" على المنهج الأشعري، ووقف عند قضية ما يؤوّل وما لا يؤوّل، وحقيقة ظواهر النصوص وبواطنها، والمعيار الفاصل في هذه الأمور الشائكة.
فلا عجب حينئذ أن يختلط الماء بالزيت، وأن يتمازجا كما امتزج المنهج الأشعري بالصوفي, رغم اختلافهما تماما في أسسهما الفكرية؛ ولكن عند كل المخالفين والمبتدعين لا ضير أن تجتمع النقائض والمتضادات، وأن يلتقوا في مكان بعيد عن المنهج الصحيح!
----------------------------------
[1] الفقيه الصوفي عبدالواحد بن عاشر صاحب الأرجوزة في الفقه والعقائد، والتصرف "المرشد المعين"، انتشرت أرجوزته في الشرق والغرب في العالم الإسلامي، وأقبل عليها الناس حفظا وشرحا ودراسة.
[2] مقدمة متن: المرشد المعين على الضروري من علوم الدين، لعبدالـواحد بن عاشـر.
[3] كتاب: موقف ابن تيمية من الأشاعرة، د. عبدالرحمن المحمود: ج2/635.
[4] المصدر نفسه: ج1/456.
[5] ويقصد به الحارث المحاسبي الذي أمر الإمام أحمد بهجره فمات مهجورًا.
[6] طبقات الشافعية: ج3/380- 381.
[7] طبقات الشافعية: ج3/369، وابن عساكر: ص187.
[8] انظر حول هذه القضية: تبيين كذب المفتري: ص332، والتسعينية: ص278، وطبقات الشافعية: ج3/389.
[9] ذكرها صاحب (الطبقات) كاملة: ج3/399، وكذا جامع الرسائل القشيرية.
[10] انظر: المنتظم، لابن الجوزي: 8/305؛ و9/3، 220؛ وتبيين كذب المفتري: ص310.
[11] مقدمة الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به، للكوثري : ص11.









ـــــــــــــــــــــــ
*{مركز التأصيل للدراسات والبحوث}
ــــــــــــــــــ
رد مع اقتباس
  #59  
قديم 07-30-2016, 07:01 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 19,356
ورقة تنظيم فرسان المعبد.. النشأة والأفكار

تنظيم فرسان المعبد.. النشأة والأفكار*
ـــــــــــــــــــ

25 / 10 / 1437 هــ
30 / 7 / 2016 م
ـــــــــــ








جمعية فُرسان المعبد -أو فرسان المسيح، أو معبد سليمان، أو فرسان الهيكل، وتعرف عند العرب بالداوية- أنشئت سنة 1119م، عَقِبَ انتهاء الحرب الصليبيَّة الأولى، واستيلاء الصليبيِّين على أنطاكية وبيت المقدس، وتعيِين "جودفري دي بويون" ملكًا على بيت المقدِس بتسعة عشر سنة. في حينها قامَ عصبة من تسعة سادة فَرنسيِّين برئاسة "هوك دي بايان"، و"جودفرو دي سنتومار"، وقطعوا العهد على أنفسهم بأن يتركوا الفروسية الدُنيوية، ويقوموا بحراسة الطُّرق، وحماية طريق الحجاج إلى القبر المقدَّس. وكان ملك بيت المقدس حينذاك "بلدوين" الثاني، فقدَّم للجمعية جناحًا من قصرِه الواقع بالقُرب من منطقة "معبد سُليمان" لتقيم فيه، ولهذا سُمِّيت بفرسان المعبد.
وفي سنة 1128م صادَق مجلس المقدس على إنشاء الجمعيَّة، وكذلك صادق عليه البابا، وأصدرت لفُرسان المعبد وثيقة أقسموا فيها بالتزام الفاقَة والعِفَّة والطاعة شعارًا للجمعية.[1]
النمو الاقتصادي لتنظيم فرسان المعبد:
أخذ التنظيم في النمو والازدياد. وقد كان الفرسان قوة الهجوم الأساسية في المعارك الصليبية الكبرى. وبالرغم من أن رؤية التنظيم ومهمته في الأساس عسكرية، إلا أن غالبية أعضاء التنظيم كانوا مدنيين، فعملوا من مراكزهم على دعم التنظيم وقيادة بنيته التحتية الاقتصادية، كما بلغ الثراء من أعضاء التنظيم مبلغًا يتخطى بكثير التبرعات المباشرة المقدمة له، على الرغم من أنهم أقسموا على الحفاظ على فقرهم.
تحكم فرسان الهيكل في شبكة اقتصادية بالغة القوة والاتساع في جميع أنحاء العالم المسيحي. فامتلكوا الأموال الطائلة، والمساحات الشاسعة من الأراضي، في كل من أوروبا والشرق الأوسط. وكذلك امتلكوا المزارع وحقول العنب، وتولوا إدارة غيرها، وشيدوا الكنائس والقلاع والحصون، كما عملوا في الصناعة والاستيراد والتصدير، وامتلكوا أسطولهم البحري الخاص.[2]
القضاء على تنظيم فرسان المعبد:
بعد فتح القدس عفا السُّلطان صلاح الدين عن أهلها، عدا الفرسان الحربيِّين، وخاصة فرسان المعبد، فأمر بذبحِهم كالخراف، ومن نجا فَرَّ لقلعة بعكا، لكنَّ المسلمين أجلوا جميعَ النصارى من أراضيهم فيما بعد، فصار الفُرسان بلا دولة؛ لذا رجعوا لمواطنهم الأصلية، وكان غالبيتُهم من فرنسا.[3]
العودة كتنظيم سياسي واقتصادي:
أعاد فرسان المعبد تنظيمَ صفوفهم بعد أن أخرجوا من كل آسيا، فغدا الفرسان في أوروبا قوة سياسية يُحسَب حسابها، وغَدَوا للملوك أصدقاء ونُصحاء، وأملاكهم العظيمة في سائر بُلدان أوروبا من العقار والمال تَمدهم بسلطان عظيم، فبوسعهم أن يُموِّلوا دولةً بأكملها، بل أن يشتروها بمن عليها.[4]
القضاء على التنظيم مرة أخرى على يد الملك الفرنسي فيليب:
أعلن الملك الفرنسي فيليب والبابا كلمنت الخامس تحريم هذه الطريقة، وإلقاء القبض على أعضائها عام 1307م. ومع أن بعضهم نجح في الفرار إلا أنه تمَّ القبض على معظم أفرادها، وفي أثناء المحاكمات الطويلة التي أعقبت ذلك اعترف هؤلاء بأنهم تركوا الدين المسيحي فعلاً، وأنهم كانوا يهينون السيد المسيح وأمه؛ لذا تم إعدام زعمائهم وعلى رأسهم "الأستاذ الأعظم: جاكوس مولاي" عام 1314م، وسجن الباقون، فانفرط عقد هذه الجمعية في فرنسا.[5]
الماسونية وفرسان المعبد:
من جديد نَجح عدد من فرسان المعبد في الفرار من فرنسا مُلتجئين إلى سكوتلندا وملكها "روبرت بروس" الذي كان الوحيد في أوروبا النصرانية الخارج عن إمرة الفاتيكان. وهناك لملموا شتاتَهم المتبقي من الأتباع خفية، واستمروا سرًّا في نشاطهم. ثم تسلَّلوا إلى منظمة البنَّائين الأحرار "الماسونية"، وكانت من أقوى المحافل المدنيَّة في بريطانيا آنذاك، وسرعان ما سيطروا عليها تمامًا، ثم تغير هذا المحفل إلى "محفل الماسونية العالمية". فلم يختفِ فرسان المعبد، بل استمروا بنشاطهم وعقائدهم تحت سقف "المحفل الماسوني".[6]
التنظيم الداخلي لفرسان المعبد ورتبهم الأساسية:
أُسس تنظيم فرسان الهيكل ليكون تنظيمًا رهبانيًا، وقد امتاز بقوة بنيته التنظيمية، وبخاصة من الناحية القيادية. واختصت البلاد التي تميزت بحضور واسع للتنظيم بقائد عام في كل بلد لأعضاء التنظيم فيه. فيما يدين كل القادة بالولاء إلى القائد الأعلى للتنظيم، والذي يتولى المنصب مدى الحياة.
وتشير التقديرات إلى أن عدد المنتمين للتنظيم في أوج قوته بلغ ما بين 15000 أو 20000 عضوًا، وقرابة العُشر منهم من كان فارسًا عسكريًا بالفعل. وكان هناك ثلاثة رتب في صفوف فرسان الهيكل هم: الفرسان النبيلة، ورقباء غير نبيلة ، والكهنة. وكانت الثلاث رتب يرتدون حلة عليها شعار الصليب الأحمر.[7]
المعتقدات الدينية لفرسان الهيكل:
يقول الدكتور بليل عبدالكريم، واصفا معتقدات فرسان المعبد: "إن سرية مُعتقداتهم كشفها الزَّمن، فبعض ما سُرب عن الماسونية -وهي من صناعتهم- مُطابق بالتمام لما اتُّهموا به، فشعائرهم من البَصق على الصليب وإهانته، وإهانة أُمِه (مريم ابنة عمران)، والزِّنا واللِّواط، قد جاهر بها أتباعُهم في القرن العشرين، وبالمواصفات التي ذكرتها مُذكرة الاتهام الفرنسية، من قولهم: إنَّ الشيطان يأتي في صورة امرأة، وكفرهم بالمسيح ربًّا ونبيًّا، واستهزائهم بالإنجيل، بل الأديان كلها... ومن المعلوم بالتحقيقات التاريخية أنَّ عَبَدة الشيطان فكرهم يُقارب فكر الماسونيِّين في نظرية الخلق والأُلوهية والموقف من الأديان والأخلاق... والماسونية في طَورِها الثاني هي إصدارٌ أخير لمنظمة فرسان الهيكل".[8]
فرسان المعبد وعبادة بافوميت:
عرف عن فرسان المعبد تقديسهم لصنم برأس قط أسود، وقد ارتبط هذا الصنم بأشكال أخرى منها: صنم برأس جمجمة -رأس بوجهين، لشخص ملتح، شخص متعدد الرؤوس، أو الشكل الأشهر وهو جسد آدمي برأس تيس وجناحين وظلفين مشقوقين، وهو يمثل الشيطان، ويمثل الربط بين فكرة الخصوبة الذكرية والسيطرة على عناصر الخليقة بواسطة علوم *****.
وكان هذا الصنم يعرف باسم "بافوميت" Baphomet، وكانت له تماثيل متعددة، إلا أن أشهرها كان موجوداً على واجهة كنيسة "سانت ميري" Merri Saint، في فرنسا، ولا زال موجوداً حتى الآن.
وكان بافوميت بالنسبة إلى فرسان المعبد رمزاً لعدد من المفاهيم، منها النور السماوي لإله وثني يدعى "بان".
وقد بينت الاكتشافات الحديثة صحة تورط فرسان المعبد في عبادة بافوميت، وهي مستندات ترجع إلى القرن الثالث عشر.[9]
علاقة "فرسان المعبد" بـ"أمناء جبل الهيكل":
جدير بالذكر الإشارة إلى أن جماعة فرسان المعبد (الهيكل) تختلف عن حركة أمناء جبل الهيكل، فالأخيرة حركة يهودية أرثوذكسية متطرفة مقرها القدس، هدفها الكبير أن تعيد بناء معبد هيكل سليمان (الهيكل الثالث) في الحرم الشريف بالقدس، وإعادة معهد ممارسة التضحية الطقوسية. وقد تأسست الحركة إثر حرب عام 1967م على يد "غرشون سولومون"، وهو ضابط في قوات الدفاع الإسرائيلية ومحاضر في الدراسات الشرق أوسطية.[10]
------------------------------
[1] المنظمات الشيطانية: فرسان الهيكل، الماسونية، عبدة الشيطان، د. بليل عبد الكريم، شبكة الألوكة.
[2] فرسان الهيكل، ويكيبيديا.
[3] المنظمات الشيطانية، د. بليل عبد الكريم، شبكة الألوكة.
[4] المرجع السابق- بتصرف.
[5] الماسونية وفرسان المعبد، أ. أورخان محمد علي، موقع مجلة المجتمع.
[6] المنظمات الشيطانية، د. بليل عبد الكريم، شبكة الألوكة.
[7] فرسان الهيكل، ويكيبيديا.
[8] المنظمات الشيطانية، د. بليل عبد الكريم، شبكة الألوكة.
[9] أسرار بافوميت.. التجسدات البشرية للشيطان، ياسر منجي.
[10] أمناء جبل الهيكل، ويكيبيديا.


ـــــــــــــــــــــ
*{مركز التأصيل للدراسات والبحوث}
=======================
رد مع اقتباس
  #60  
قديم 08-06-2016, 07:34 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 19,356
ورقة غولن وجماعة الخدمة.. الحراك الصوفي التركي!

غولن وجماعة الخدمة.. الحراك الصوفي التركي!*
ـــــــــــــــــــــــــ

3 / 11 / 1437 هـ
6 / 8 / 2016 م
ـــــــــــ







أبرزت الأحداث الأخيرة التي شهدتها تركيا عقب انقلاب 15 يوليو الفاشل "جماعة الخدمة" مجددا إلى السطح. حيث أشارت الاعتقالات التي شهدتها تركيا عقيب محاولة الانقلاب إلى مدى تغلغل هذه الجماعة في الدولة التركية ومؤسساتها الحساسة: القضاء، والجيش، والأمن، والمحكمة الدستورية، والإعلام.. وغيرها. على الرغم –طبعا- من كون الجماعة ليست حزبا سياسيا، ولا تنظيما حركيا معلنا. صحيح أن الجماعة سبق لها وأن تحالفت مع حزب العدالة والتنمية بزعامة طيب رجب أردوغان، وهذا بدوره مكنها من تحقيق مكاسب كبيرة وواسعة، لكنها منذ سنوات تقف ضده، وتسعى لإسقاطه مهما كلف الأمر! وقد دخل الفريقان في محطات من الصراع منذ وقت مبكر.
فمن هي هذه الجماعة؟ وكيف حققت هذا الانتشار والتمكن؟ وما هي حقيقتها؟ ولماذا على الرغم من الانتشار الواسع والحضور الكبير لها عبر المؤسسات التعليمية والاقتصادية والإعلامية والثقافية والإغاثية والخدمات الاجتماعية، وعلى الرغم من وجودها في مؤسسات الدولة وفي مفاصل الأجهزة الحكومية، ترفض الانخراط في النشاط الحزبي والسياسي بصفة مباشرة، وتفضل البقاء كمستفيد من الحالة السياسية عبر التحالفات المختلفة؟
الجذور:
تأسست "جماعة الخدمة" على يد الداعية التركي "فتح الله غولن" عام 1970م. وقد تأثر غولن بـ"رسائل النور" التي ألفها بديع الزمان سعيد النورسي، وإن لم يلتق به. وهي رسائل روحانية تدعو إلى الارتباط الوثيق بالله تعالى، وتؤكد على البعد التربوي.
تمتع الشيخ سعيد النورسي (1873م- 1960م)، الكردي الأصل، بالنبوغ وتحصيل العلوم الدينية، وجانبا كبيرا من العلوم الفلسفية والمنطقية، وبالشجاعة والزهد. وكان من بين الذين جاهدوا أثناء دخول الحلفاء لإسطنبول محتلين. وأنشأ عقب عام 1908م "جمعية الاتحاد المحمدي"، وناضل في مواجهة العلمانية الأتاتوركية، فناله السجن والتعذيب والتهجير، حتى مات منفيا.
رغم توجهه الصوفي إلا أن الشيخ النورسي اهتم بالإضافة إلى الدعوة لحقائق الإيمان[1] بالجانب العملي من الإيمان، حيث اهتم ببث روح التدين في الشعب التركي، وإحياء الشعائر الدينية، والعمل على تهذيب النفوس، ومواجهة الإلحاد والعلمانية. كما أنه أعطى الجوانب التربوية أهمية قصوى، فنشأ جيل جديد من الشباب المسلم يتمتع بالعفة والطاهرة.
إزاء ما واجهه الشيخ النورسي من القوى العلمانية المعادية أعلن شعاره "أعوذ بالله من الشيطان والسياسة".. منذ عام 1921م. ونحى بمنهجه للتغيير للطرق السلمية، ونشر الأفكار، ومجاهدة النفس، وإصلاح القلوب، ليكون بعد ذلك مسلكا للسائرين على خطاه.
بعد وفاة الشيخ سعيد النورسي انقسم أتباعه، وتشكلت عدة حركات تنتسب إليه. وتعرف "جماعة الخدمة" نفسها اليوم كامتداد لحركة النورسي، لكن بالإضافة إلى كتب النورسي تمثل كتب غولن المنهج العلمي والفكري والثقافي للجماعة؛ ولا تتجاوزها إلى غيرها.
الهوية.. بين الظهور والباطنية:
بالرغم من الانتشار الواسع الذي بلغته "جماعة الخدمة" داخل تركيا وخارجها، حيث يقدر البعض عدد أعضائها داخل تركيا فقط بـ4- 5 ملايين شخص، فإن الجماعة لا تمثل تنظيما معلنا أو حزبا سياسيا. وهي تقدم نفسها كحركة اجتماعية، تعنى في أنشطتها بالتعليم والتربية والثقافة. وهي تتماهى مع أفكار ومواقف مؤسسها "فتح الله غولن" المولود عام 1941م.
تلقى غولن تعليما دينيا منذ صباه؛ واطلع على العلوم الفلسفية والثقافة والفكر الغربي. وقد أعطى جلَّ اهتمامه للدعوة والوعظ والتأليف، حتى أنه عزف عن الزواج. وهو يتصف ببراعته في الخطابة، وغزارة إنتاجه الفكري؛ فقد ألف أكثر من سبعين كتاباً، ترجمت إلى 39 لغة في مقدمتها العربية والإنجليزية والفرنسية والصينية والألمانية والألبانية. وأغلب كتبه تدور حول التصوف في الإسلام، ومعنى التدين، والتحديات التي تواجه الإسلام اليوم.
يؤخذ على الجماعة -وهي المحسوبة على التيار الديني- ضعف الاهتمام بالقرآن الكريم وعلومه في حلقاتها ودروسها، وتقاعسها عن افتتاح ورعاية دور تحفيظ القرآن الكريم؛ ولعل ذلك ناتج عن تضييق الحكومات العلمانية سابقا، إلا أنها حتى هذا المرحلة من التحول في السياسة التركية تحافظ على هذا الموقف!
وهي تهتم بالدرجة الأولى بالتعليم الحداثي في جميع مؤسساتها التعليمية، مع نشر أفكار ونمط تدين الجماعة عن طريق الكفاءات التعليمية. وهكذا يتم بناء شخصية التلميذ وفقا لأجندة الجماعة، من خلال منظومة تربوية تزرع في التلاميذ بطريقة غير مباشرة قيم ومبادئ المشروع الصوفي لزعيم الجماعة.
وتعنى الجماعة بإنشاء المدارس بمختلف مستوياتها داخل وخارج تركيا، مستهدفة الفئة المتعلمة والمثقفة من الشعب. وهي تدير اليوم عبر العالم أكثر من 1500 مؤسسة بمختلف مراحل التعليم، و15 جامعة لها فروعها وانتشارها في أكثر من 140 دولة في مختلف أنحاء العالم. وجميع هذه المؤسسات لا تطبق برامج أو مناهج دينية.
في عام 1999م أذاع التلفزيون التركي خطابا مرئيا لغولن أمام حشد من جماعته, يتحدث فيه عن تطلعاته لتركيا التي تحكمها الشريعة الإسلامية، وكيفية تحويل هذه التطلعات إلى حقائق. وجاء في خطابه التالي: "من أجل الوصول إلى نقطة ودرجة معينة من الذي نريده لابُدَّ أن تتواصل خدامتنا وأعمالنا بهذا الشكل, بشكل ضروري وملزم. إذا ما حدث خطأ, بدون الوصول إلى القوام والدرجة التي نريد, بدون تجمع الخواص اللازمة, بدون أخذ المسافة المطلوبة, إذا ما تعجلنا في توجهاتنا، فإنَّ الدنيا ستقمعكم، وستتعرضون للأذى. سيعملون على إعادة سيناريو الحادثة التي عاشها المسلمون في الجزائر. وسيكررون الفاجعة التي حصلت للمسلمين في سوريا 1982م. وستعايشون ما يعايشه المسلمون في مصر كل عام من فظائع. في هكذا مرحلة لا بد أن تجدوا ذواتكم بشكل كامل, إلى أن تصلوا إلى الدرجة التي نريد, إلى تلك المرحلة التي تمتلكون فيه القوة التي تعينكم على حمل هذه الدنيا على ظهوركم, إلى حين وصولكم إلى جميع مؤسسات الدستور في الدولة, أي خطوة مستعجلة هي كما البيضة التي لم تستكمل يومها العشرين فتُكسر, كما هو صغير الدجاج الذي يترك حضانته إلى العواصف والبرد, وهذه الأعمال التي نقوم بها هي كذلك"[2].
من هنا يظهر هدف الجماعة ومؤسسها في الوصول إلى التمكين وحيازة الدولة، لتحقيق رؤيته الإسلامية، بعيدا عن الظهور والحضور السياسي بكل تبعاته. ما جعل حضور الجماعة اليوم يشكل كيانا موازيا للدولة، يتلقى قراراته وتوجيهاتها من خارج المؤسسة الرسمية، ويقصر ولاءه على الجماعة.
الكيان الموازي.. أم الولي الفقيه:
مما ساعد غولن وجماعته من عدم الاستهداف الاسئتصالي المباشر خلال العقود الماضية نظرته لضرورة العمل تحت سقف الحكومة، والتنسيق معها، باعتبار أن القيادة السياسية "ولي الأمر" الذي يعرف أكثر ويحرص على مصالح الشعب. وهو لا يرفض الجمهورية بل يرى لها أصلا قرآنيا، ويعرفها بأنها شكل الإدارة الذي يملك فيه الشعب حق الانتخاب والشورى.
وكما أن جماعة الخدمة لا تعتبر نفسها تنظيما أو حزبا سياسيا، فإنَّ غولن لا يقدم نفسه، أو يقدمه أتباعه، على أنه زعيم أو ناشط سياسي. بل يتبنى غولن مفهوماً غير مسيس للدين، فهو يرى أن "الإسلام ليس أيديولوجية سياسية، أو نظام حكم، أو شكلاً للدولة"، وهو يصف جماعته بأنها "فوق السياسة"، كونها بعيدة عن العمل السياسي الحزبي. من ثم فإن نشاط الجماعة لم يمثل تهديدا للسلطة أو معارضا لها.
وعوضا عن ممارسة العمل السياسي والحراك الحزبي اعتمدت الجماعة على التغلغل في مؤسسات الدولة، والتقدم في المناصب الهامة والعليا في مختلف المؤسسات؛ خصوصاً الجيش والاستخبارات والشرطة؛ واكتفت بالتحالف مع الأحزاب السياسية في مقابل الدعم الذي تقدمه هذه الأحزاب لها بعد نجاحها؛ وبغض النظر عن اتجاهات الأحزاب أو أيديولوجيتها. لكنها كانت في غالب الأحيان إلى جانب الأحزاب العلمانية، مثل حزبي الطريق القويم والوطن الأم اليمينيين، وحزب اليسار الديمقراطي بقيادة بولند أجاويد.
وفي سبيل هذا التغلغل يمارس أعضاء الجماعة "التقية السياسية" للوصول إلى وظائف الدولة. وتجيز الجماعة لأعضائها التخلي عن بعض العبادات والشعائر لإخفاء هويتهم، حتى لا يتم استبعادهم من أجهزة الدولة، خاصة الجيش والشرطة؛ وذلك نظرا للعلمانية المتغلبة على الدولة.
وفي الوقت الذي حوربت فيه معظم الحركات الإسلامية بتركيا، وحظرت أنشطتها، كان غولن يجد الاحتفاء والاستضافة في عدد من البرامج التلفزيونية، لنقل تجربته المتميزة في الانفتاح والتسامح وقبول الآخر! واستخدم في ضرب توجه نجم الدين أربكان الذي لم يكن غولن وجماعته في وفاق سياسي معه.
إن ما يميز جماعة الخدمة التنظيم السري، والطاعة المطلقة لزعيمها، واللذين يشكلان معا تهديدا خطيرا لأي سلطة حاكمة. فقدرة غولن على توجيه أتباعه وتحريكهم والإضرار بمخالفيه عبر كيان الدولة بات لا يستهان بها. وهذا ما يفسر رفع أحد قضاة محكمة أمن الدولة بأنقرة قضية ضد الجماعة، عقب الانقلاب العسكري الذي جرى في 28 فبراير 1997م، واستهدف حكومة نجم الدين أربكان -زعيم حزب الرفاه- الائتلافية، واتهامه غولن بالعمل على تشكيل تنظيم سري يعمل على هدم الدولة؛ هذا بالرغم من تأييد غولن لهذه الخطوة الانقلابية!
كما أظهرت أحداث 17 ديسمبر 2013م إلى أي مدى وصلت قدرة الجماعة في اختراق الدولة والانتشار في مفاصلها المختلفة؛ إلى الحد الذي مكنها من تدبير مؤامرة على حزب العدالة والتنمية الحاكم. ولأول مرة اتهمت النيابة العامة غولن –في حينه- بأنه يتزعم "منظمة إجرامية"!
غولن.. الانقلابات والتحالفات:
عاشت تركيا حالة من عدم الاستقرار السياسي في ظل انقلابات عسكرية متتالية شهدتها خلال فترة ما بعد إلغاء الخلافة الإسلامية. وكانت تستهدف قوى الجيش العلماني الأحزاب والجماعات الإسلامية بتحركها السياسي غالبا. لذلك كان يتم استهداف رموزها مع كل انقلاب يتم.
ففي مارس عام 1971م اعتقل غولن لمدة ستة أشهر، على إثر الانقلاب العسكري وتدخل الجيش في الحياة السياسية. وفي عام 1973م تطورت علاقة غولن بحزب السلامة الوطني –التابع لنجم الدين أربكان، على أثر تأييد الجماعة للحزب في الانتخابات, وكان من نتائج ذلك تقديم حزب السلامة الوطني الدعم لنشاطات غولن وجماعته. انهارت هذه العلاقة التي جمعت بين الطرفين عام 1980م، بعد أن صدر عن غولن تسجيل صوتي ينتقد فيه الحزب؛ ما دفع حزب السلامة الوطني لإظهار رد فعل حازم وموقف شديد من الجماعة.
في 12 سبتمبر 1980م شهدت الساحة السياسية التركية انقلابا جديدا، بتدخل الجيش وسيطرته على الحكم؛ ما دفع غولن للهرب خارج بلدته هربا من اعتقاله. وبالرغم من مطاردته أمنيا إلا أنه أعلن وقوفه إلى جانب الجيش، وكتب في مجلة "الرشحة"، الناطقة باسم الجماعة: "نعم ها نحن الآن في ظل ألف حب وأمل فيما نُعِدُّه إشراقة انتصار هذا العصر, حيث الانبعاث الأخير في وجود وبقاء آخر محطاتنا عند النقطة التي اُستهلك عندها جهدنا. مرة أخرى أقف لألقى بالسلام إلى أولئك المحمديين الذي هم في إمدادهم وسندهم لنا كمثل الخضر -عليه السلام"! كما أعلن تأييده السياسي لـ"حزب الوطن الأم"، القومي المصنف على اليمين التركي، بقيادة "تورقوت أوزال"، بعد تصدره المشهد السياسي.
وخلال فترة الثمانينيات، شهدت الجماعة تمدداً وانتشاراً واسعاً, فارتفعت نسبة تداول مجلة "الرشحة", وازداد افتتاح بيوت النور التابعة للجماعة. فقد وجدت فيها القوى الحاكمة بديلاً للإسلام السياسي، فأتاحت لها هامشا من الحرية. إلا أن هذا التقارب لم يدم، فتمت ملاحقته بتهمة تهديد النظام العلماني، ومحاولة إقامة نظام إسلامي.
عام 1997م قاد العسكر مرة أخرى انقلابا على حكومة أربكان[3]. ولم يعارض غولن الانقلاب بل أثنى على قادته، واعتبر موقف الجيش موقفا ديمقراطيا منصفا![4] لكن حبل الود لم يدم طويلا بين غولن والجيش الذي بالغ بالثناء عليه، ما دفعه إلى مغادرة تركيا عام 1999م، باتجاه الولايات المتحدة الأمريكية، متذرعاً بالعلاج، مستقرا بها منذ ذلك الوقت.
رأى غولن في حزب العدالة والتنمية، بزعامة طيب رجب أردوغان، قوة صاعدة جديدة يمكنه التحالف معها؛ فدعم الحزب في انتخابات عام 2007م، ودخل الطرفان فيما يشبه التحالف غير المعلن. كان هدف غولن من وراء هذا التحالف تعزيز قوته وقوة جماعته داخل تركيا. لكن هذه العلاقة –أيضا- لم تدم. فقد دخل الطرفان في صراع على خلفية قضية الفساد والرشوة التي اعتقل على إثرها 52 شخصا، بينهم أبناء ثلاثة وزراء ورجال أعمال بارزون ومسؤولون بحكومات محلية، ينتمون لحزب العدالة والتنمية أو مقربون من رئيس الحكومة –أردوغان في حينه، في 17 ديسمبر 2013م. في تلك الأحداث اتهم أردوغان غولن بالتآمر مع أطراف داخلية وخارجية للإطاحة بحكومته، وافتعال هذه الفضيحة.
وفي 15 يوليو –الجاري- اتهم أردوغان غولن مجددا بالوقوف وراء الانقلاب العسكري الدامي الذي استهدف إسقاط النظام، وإزاحة حكومة حزب العدالة والتنمية. وعلى إثر ذلك اتخذت حكومته إجراءات تستهدف تطهير أجهزة الجيش والأمن والقضاء والإعلام والتعليم وغيرها من الدوائر الحكومية مما بات يعرف بـ"الكيان الموازي"!
هذه المسيرة من المواقف لجماعة الخدمة توضح إلى أي مدى مارس غولن "البراجماتية" وتقلب في التحالفات، في سبيل تمكين جماعته وحركته من السلطة، والحكم من وراء ستار عبر كيان مواز. وفي حين كان يعلن تأييده للتحرك العسكري للجيش كان يمد يده للأحزاب الأخرى لإيصالها إلى السلطة، لتقوم بدورها بفتح الآفاق لكوادر الجماعة للتغلغل في وظائف الدولة، وبتسهيل حركة أنشطة الجماعة المختلفة.
الخدمة.. والقوة الاقتصادية:
تعتمد جماعة الخدمة على مصادر دعم مالي ضخمة، مستمرة ومتنامية. البعض يعيدها إلى سياسة الجماعة الخاصة في جمع التبرعات والاشتراكات، من بين أعضائها أو عبر محيطها الاجتماعي. إلا أنَّ هذه الموارد لا تكفي في نظر المحللين لحجم نشاطات الجماعة المختلفة.
عدا عن التبرعات والاشتراكات، تعتمد الجماعة في بنيتها العضوية على طبقة قوية من رجال الأعمال، ممن يسندون الجماعة مالياً وماديا، وهي تمتلك وتدير عددا من الأوقاف التابعة لها، وللمشاريع التي تقوم عليها، كما أنها تقود قاطرة استثمارات اقتصادية مختلفة في عدة مجالات، داخليا وخارجيا، ما يدر عليها عشرات الملايين من الدولارات سنويا.
وهي بسياستها الموادعة وغير المتصادمة مع النخب السياسية والاقتصادية والاجتماعية تحظى بالقبول والدعم والرعاية، طالما وأنها لا تنكر واقعهم، ولا تعارض فسادهم. فتوجهها الصوفي وبعدها ******** يقفان بها عن مقارعة الظلم والطغيان والفساد، والتعاطي في المقابل مع آثاره بالأعمال الإغاثية والخدمات الاجتماعية التي تخفف وطأته على الناس.
ولا يستبعد البعض وجود دعم خارجي عابر للحدود للجماعة خلال مراحلها التاريخية، خاصة وأنها بأفكارها تمثل بديلا مناسبا للجماعات الأصولية وحركات الإسلام السياسي. والغرب حريص في علاقاته بالمنطقة على رعاية ودعم مثل هذه الطوائف، بشكل أو بآخر. فهو بطبيعته يتيح المجال للحركات غير المعادية لسياساته في المنطقة، والمداهنة له فكريا وثقافيا وسياسيا، طالما أنها تأخذ من الإسلام جانبا صوريا أو جزئيا يقف به في حدود الخصوصية وليس التأثير والتغيير والتصدر العالمي.
وفي تقرير مؤسسة راند الأمريكية، الذي يحمل اسم: "إسلام حضاري ديمقراطي"، صنفت المؤسسة المجتمع المسلم إلى أربع فئات: المتشددون، والتقليديون، والمجددون، والعلمانيون. وأوصت أن تتعامل السياسة الأمريكية مع المجددين، وأن تدعمهم للوصول إلى إسلام معتدل مساير للحضارة الغربية. وفي هذا السياق ضرب التقرير عدة أمثلة لأولئك المجددين، وكان فتح الله غولن من بين المجددين الأبرز، حيث قال عنه التقرير: "غولن صيغة لتحديث الإسلام شديدة التأثر بالصوفية، ويركز على التنوع والتسامح واللا عنف".
الأمر ذاته تكرر في تقرير "بناء شبكات مسلمة معتدلة"، لذات المؤسسة. فقد اعتبر الصوفية أحد الحلفاء المرتقبين لأمريكا؛ وضرب لذلك مثلا الشريك الصوفي المرتقب بفتح الله غولن. يقول معدوا التقرير: "يشجع القائد الديني التركي فتح الله غولن الإسلام الصوفي الحديث المعتدل. حيث إنه يعارض تنفيذ الدولة للقانون الإسلامي، مشيرا إلى أن معظم اللوائح الإسلامية تتعلق بالحياة الخاصة للأفراد، ويهتم القليل منها بأمور الحكم، فالدولة -كما يعتقد هو- لا ينبغي أن تطبق أو تنفذ الشريعة الإسلامية لأن الدين مسألة شخصية".
هذه الرؤية الغربية التي تنطلق منها سياسة الولايات المتحدة تشير بوضوح إلى أي مدى يمكن لمثل جماعة الخدمة أن تجد قبولا خارجيا، بل وداعما على سبيل التوظيف والاستخدام. لذا فلا غرابة أن تستضيف الولايات المتحدة الأمريكية غولن في ولاية بنسلفانيا منذ قرابة العقدين؛ معززا بحراسات خاصة وأخرى أمنية. كما ن هذا التحليل يفسر مدى التمدد والانتشار الذي تجده مؤسسات الجماعة في الدول الغربية، التعليمية والإعلامية والاقتصادية؛ دون أي تضييق يذكر.
وهي الاعتبارات ذاتها التي جعلت حكام تركيا من العسكر العلماني -كسليمان ديميريل وبلند أجاويد- يطلقون حرية النشاط للجماعة في تأسيس المدارس والمحاضن التربوية. فالخلفية الصوفية والمناهج العصرية التي يتربى عليها الأتباع ترسخ القابلية لعلمانية الدولة التركية دون تحفظ؛ طالما وأنها ترضى عن الجماعة ومرجعيتها وفكرها كنموذج معبر عن الإسلام!
غولن والعلاقة مع الغرب:
في حقبة تاريخية معينة -شهدت صراعا محموما بين قطبي السياسة العالميين: الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية- مثل العالم الإسلامي حليفا مؤقتا لمواجهة المد الشيوعي الذي بات ينتشر في العالم انتشار النار في الهشيم. ومن ثم تبنى العالم الغربي حركات الجهاد والمقاومة المختلفة التي وقفت ضد تمدد المعسكر الشرقي وتوسعه عالميا.
لم تكن تركيا بحكم موقعها الإستراتيجي بعيدة عن هذا الصراع؛ ولم تخل من اختراق فكري من كافة الاتجاهات التي شهدها القرنان التاسع عشر والعشرين الميلاديين. وكانت جماعة الخدمة إبان انتشارها معادية للشيوعية والإلحاد، فاستخدمت كبقية الاتجاهات الإسلامية من قبل الغرب لقمع اليسار -يقول الباحث التركي محمد كارلي -في جامعة أكسفورد[5].
يضاف إلى ذلك أن رؤية الجماعة للغرب تنبع من اقتناعها بأن الغرب هو الذي يقود العالم اليوم، وهذا يحتم على كل من أراد أن يتواجد على الساحة العالمية التصالح والتنسيق معه لا مصادمته -برأيها. من هنا تقف الجماعة دوما داعمة لملف انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي.
ولا تنظر الجماعة للعالم العربي بوصفه المجال الحيوي لتركيا، بل تعتبر أن هذا المجال هو القوقاز وجمهوريات آسيا الوسطى والبلقان. وهذه النظرة بطبيعتها تخدم سياسة عزل تركيا عن محيطها العربي. وفيما كان الزعيم التركي نجم الدين أربكان يدعم الاتحاد مع العالم الإسلامي كان غولن يركز على هوية الإسلام القومي التركي الأناضولي، ويرفض سياسة أربكان!
وسبق لغولن أن أطلق مشروع "حوار الأديان"، على خلفية لقاءاته مع قساوسة نصارى ثم بابا الفاتيكان، ليكون بوتقة تجمع أتباع الشرائع السماوية الثلاثة، ثم لاحقاً أتباع الشرائع الأخرى (الهندوس والسيخ والبوذيين)؛ ترسيخاً لمبدأ قبول وفهم الآخر والتعاون معه.
وتماهيا مع الغرب تتجنب الجماعة عبر تاريخها الطويل انتقاد إسرائيل، حتى في أخطر الأحداث وأبشع المجازر. وفي عام 1990م أبدى زعيم الجماعة تعاطفه مع أطفال إسرائيل نتيجة قصف نظام العراق لإسرائيل بعدة صواريخ سكود. كما انتقدت الجماعة عبر أذرعتها الإعلامية جهود حكومة أردوغان وهاجمت مساعيه الإنسانية لإغاثة غزة؛ واعتبرت -في موقف مغاير للموقف الشعبي والرسمي لتركيا- إرسال أسطول الحرية لكسر حصار غزة مخالفة قانونية!
كما أدان غولن قرار طرد السفير الإسرائيلي من أنقرة، والذي صدر على خلفية اعتداء قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي على سفينة "مافي مرمرة" وقتله تسعة مواطنين أتراك عليها في المياه الإقليمية. ملقيا اللوم في تصريح له لصحيفة "وال ستريت جنرال" الأمريكية على الجانب التركي.
من ثمَّ كتبت الكثير من الدوريات الغربية عن غولن تصوره كزعيم حركة اجتماعية إسلامية قومية غير معاد للغرب، ووجه المستقبل للإسلام الاجتماعي في الشرق الأوسط، وتظهره كقائد روحاني وملهم للمسلمين في العالم، وليس في تركيا فحسب. وتجد جماعته وأنشطتها الباب مفتوحا لها في الدول الغربية ودون تضييق.
هدف الغرب من رعايته غير المباشرة لجماعة الخدمة -وهي المتغلغلة في كافة مفاصل الدولة التركية- تطبيع الحالة التركية مع مشروع إسلامي مرضي ومقبول له، تمهيداً لتصدير هذا النموذج إلى محيط تركيا الإسلامي. لذلك يسعى غولن إلى إنتاج حالة تدين بنزعة تركية، تجمع بين التصوف والحداثة والقومية. وهذا التوجه بدوره يجعل تركيا تابعة لا متبوعة، ويأمن مستقبلها في مواجهة حركات الاسلام السياسي الأصولية –في نظر الغرب.
ومن هنا تأتي "محاولة الجماعة فرض حصار على الاسلام، بحيث يحافظ على نسخته الكولينية التي تعتمد صيغة (مؤمنون بلا حدود)، حيث الإنسان -لاحظ أن أتباعه يتحدثون دائما عن الإسلام من خلال أفكاره فقط وكأنه مصدر فهم الدين- هو من يحدد حدود الإيمان وليس الأديان"[6].
---------------------------------------------------
[1] ينتمي الشيخ بديع الزمان النورسي في آرائه العقدية للماتريدية.
[2] السياسة التركية ودور جماعة غولن، محمد الأخرس، صيد الفوائد:
http://www.saaid.net/arabic/705.htm?print_it=1
وقد تراجع غولن عن هذه الآراء، في لقاء أجرته معه صحيفة "الزمان" –التابعة لجماعته، في ذات السنة.
[3] هو الانقلاب الذي على إثره تم إغلاق حزب الرفاه من قبل المحكمة الدستورية في عام 1998م؛ ومنع نجم الدين أربكان من ممارسة السياسة لمدة خمس سنوات، وحكم على رجب طيب أردوغان -عمدة إسطنبول حينها عن حزب الفضيلة- بالسجن، ومنع من ممارسة السياسة للأبد.
[4] استقبلت صحيفة "زمان" حكومة الانقلاب الذي تم في 28 فبراير، بعنوان "لعله مبارك"، واستبشرت خيراً منذ اليوم الأول!
[5] التركي فتح الله غولين من أكثر الدعاة تأثيراً، مها الريشة، بي بي سي: في 3/8/2008م.
[6] كول: رجل تركيا الغامض، حسين الرواشدة، صحيفة الدستور الأردنية، في: 7/6/2014م.






---------------------------
*{مركز التأصيل للدراسات والبحوث}
ــــــــــــــــــ
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« العثور على 3 جثامين لمسلمين غربي ميانمار | صحيفة أمريكية تعترف بتلفيق الإعلام لأخبار كاذبة عن المسلمين »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
لماذا تتعثر الثورات في بلاد الطوائف والمذاهب والقبائل؟ Eng.Jordan مقالات وتحليلات 0 02-29-2016 09:38 AM
الأسباب الميسرة لقيام الليل _2_ صابرة شذرات إسلامية 1 06-26-2015 08:18 AM
الأسباب الميسرة لقيام الليل ! صابرة شذرات إسلامية 0 06-21-2015 10:38 AM
إسرائيل بيتنا والأحزاب الدينية تهدد بالانسحاب بسبب خلافات مع نيتانياهو يقيني بالله يقيني أخبار الكيان الصهيوني 0 05-11-2012 05:40 AM
الاراء والمذاهب الفكرية عن الطبيعة البشرية وموقف الاسلام منها محمد خطاب الكاتب محمد خطاب ( فلسطين) 0 01-23-2012 12:30 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 03:10 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69